:: عروبة البحر الاحمر .. تأثير و تأثر (آخر رد :م ايمن زغروت)       :: الفروق الكبيرة بين أهل البوادي وسكان المدن كثيرة (آخر رد :محمد الشهري)       :: نسب قبيلة الجهمة (آخر رد :عيسى الشهيبي)       :: أمراء بلاد شنقيط (آخر رد :بوفارس)       :: كم حجم الأنساب المزيفة لدى نقابات الأشراف !!!؟ (آخر رد :عالم بالأنساب)       :: "في التأني السلامة" ,,, (آخر رد :اسلام الغربى)       :: حول نسب البيظان في موريتانيا (آخر رد :عمر المعلم)       :: سُقي الأنام بغرة العباسِ ,,, (آخر رد :اسلام الغربى)       :: تحليل الدى إن إيه تحليل الدى إن إيه في معرفة أنساب العرب . حسب النظام التركـــــي .. (آخر رد :مذحج)       :: دفاعا عن قبيلتنا الحبيبة كنانة .... (آخر رد :اكياد)      

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
سُقي الأنام بغرة العباسِ ,,,
بقلم : اسلام الغربى

العودة   ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. > مجالس انساب بلاد العرب > مجلس قبائل الاردن


إضافة رد
قديم 02-02-2013, 10:50 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
باحث في الانساب
 
الصورة الرمزية حسام العامري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

افتراضي كتاب تاريخ الأردن وعشائره لكاتبه د: أحمد عويدي العبادي



كتاب
تاريخ الأردن وعشائره
للدكتور: أحمد عويدي العبادي


سننشر لكم عبر هذه الصفحات على شكل حلقات كتاب " تاريخ الأردن وعشائره " لمؤلفه الكاتب الأردني النائب السابق الدكتور احمد عويدي العبادي , الذي يتحدث فيه عن تاريخ الاردن وعشائره ، ضمن سرد تاريخي بعيدا عن الملل والرتابة ، يبرز فيه تاريخ الاردن الضارب بالحضارة العربية والاسلامية .

ويقول العبادي : " عندما تحدث جلالة الملك عبدالله الثاني امام قادة القوات المسلحة الاردنية الباسلة قبل اكثر من شهر وهو يرد على المشككين بوجود الاردن وكيانه وتاريخه ومستقبله وهويته , ووصف جلالته مثل هؤلاء انهم لم يقراوا تاريخ الاردن والاردنيين ولم يعرفوا الاردنيين وعليهم ان يعرفوا ليكفوا السنتهم . كانت ردود الفعل الاعلامية والسياسية نمطا من الفزعة الخاوية من الفكر بعيدا عن المفهوم الذي اراده جلالة الملك . ولم يتحرك سياسي واحد او مؤرخ لفهم ما اراد جلالة الملك وتحويله الى كلام تاريخي وسياسي قائم على الدليل والبرهان .
واضاف ان هذا العمل جاء ترجمة لرسالة جلالة الملك . وان المشككين بالاردن وجودا وتاريخا وحاضرا ومستقبلا وكيانا وهوية لم يقراوا تاريخ الاردن والاردنيين ولم يعرفونا وان ماقاله جلالة الملك هو سر الموضوع برمته .
في هذا الكتاب يقدم د . احمد عويدي العبادي الدليل التاريخي منذ خمسة الاف سنة على وجود الكيان الاردني والشعب الاردني والهوية الاردنية منسجما مع فكر جلالته في هذا السياق وتاركا التهريج واللغو لاهلهما لانه ليس من اهلهما . علماً أن نشر الكتاب تم بموافقة المؤلف ونشره في عدة مواقع...

ونبدأ بعون الله بنشر الحلقة الأولى:




الحلقة الاولى

الباب الاول: توطئة



لا مناص من الإشارة إلى واقع قد يبدو مُرَّاً للبعض، وحلواً للبعض الآخر ـ وهو أن الحديث عن الأردن يتميَّز بأمرين قد ينفرد بهما عن سائر أقطار المنطقة العربية برمتها ، وهما:
1. أنه كان قديماً أرضاً للصراع والنزاع بين الدول والحضارات، ومن ثم صار في كثير من الحقب مركز تمازج وتزاوج او تنافر بينها , كما كان مركز طرد تارة ومركز جذب تارة اخرى للمجموعات السكانية من اهله و/ او من الوافدين اليه . وقد ادى هذا ايضا الى وجود كثير من التجاذبات المترتبة على وجود التناقض في الاحتلالات والاختلالات التي تعتري البلاد واهلها , مما اثرى تنوع الثقافة الفسيفسائية لاهل البلاد وجعلها احيانا متبايتة .
2. والنقطة الثانية ان الاردن صار موضع الجدل السياسي والاكاديمي في العصر الحديث. فاحتدم الخلاف حول هويته وتاريخه وحدوده ووجوده , بين قائل بانكار هذه كلها في التاريخ السياسي والجغرافي والحضاري سابقا ولاحقا ، وآخر مثلي ( ومدرستي ومنهجي ) يرى عكس ذلك تماماً. فاما المنكر لنا فهو الذي لم يكلف نفسه عناء البحث العلمي والتاريخي , وتميز قلبه مرضا وغيضا بحيث يضع راسه في الرمال امام الحقائق التي اثبتت باننا وطن وشعب يتقدم على كثير من الشعوب والاوطان على وجه الكرة الارضية تجذرا واهمية وارضا . كما ان المنكر لنا يريد كل شيء جاهزا له ليقتنع ولكنه لن يقتنع . واما من هم من مدرستي ومنهجي فاننا نعتمد البحث في اعماق التاريخ فعثرنا على كنوز تتحدث عن الاردن اسما وهوية وارضا وشعبا واهمية دينية وسياسية واجتماعية وثقافية منذ الاف السنين وهو ماسنراه في هذا الكتاب ان شاء الله .
وقد ولَّد هذان الأمران نمطاً من الثقافة السياسية في وصف الكتابة المعاصرة عن الأردن، أو التعبير عن حبِّه أنه ضرب من الجنون والوهم السرابي ، والعصبية القبلية , والتخلف والتقوقع والعنصرية , والعداء لما يسمى بالوحدة الوطنية , وترتب على ذلك سيادة مفهوم قمعي في أن أيَّ شخص يكتب عن الأردن بالصورة المغايرة للمفهوم المعادي المنكر لمفهومنا ومنهجنا أعلاه، يتعرض لاغتيال الشخصية من اصوات الفجار , وكنت واحدا من هؤلاء الضحايا .


معاهدة سايكس- بيكو


ويروق الحديث للجهلة والاعداء ومن في قلوبهم مرض , بقولهم ان الاردن هو قطعة حلوى تم ابتداعها للوجود على طاولة سايكس / بيكو وبجرة قلم منهما , ولا ينظرون الى ان هذا القلم الانجلو/ فرنسي كان ابتدع ايضا في تلك المعاهدة بلدانا اخرى غير الاردن وكل رضي بوطنه , الا نحن محرم علينا ان نرضى به او نتحدث عنه , حينها نصبح ووطننا صنيعة سايكس/ بيكو ودعاة للعنصرية والتخلف وصنائع الاستعمار, واما غيرنا فهم وطنيون وشرفاء وصنائع التاريخ الماجد المجيد .
وللحقيقة التاريخية ان الاردن هو اكثر البلدان تضررا من هذه المعاهدة المشئومة التي اقتطعت مايزيد عن نصف مساحته الحقيقية والتاريخية واعطتها لقمة سائغة لاربعة بلدان مجاورة واخرى خامسة غير مجاورة . وبالتالي فان الاردن الحالي ( وليد سايكس / بيكو ) هو اقل من نصف مساحة الاردن التاريخي والحقيقي . فقد ابرزت هذه المعاهدة الجزء الشرقي من الاردن : وهو شرق الاردن Trans -Jordanواقتطعت شماله وغربه وجنوبه وشرق شرقه (اقول شرق شرقه) وشماله الغربي الى البحر الابيض المتوسط, . والاردن بدون سايكس بيكو يمتد على بحرين هما المتوسط والاحمر ويصل الى قريب من نهر الفرات ولا يخلو من احواض النفط , ويمتلك اكبر حوض مائي عذب في شمال جزيرة العرب , ولكن مع سايكس بيكو صرنا بهذا الوضع الذي نحن فيه من اقتطاع مواردنا واراضينا ومياهنا وبحارنا وانهارنا وبحيراتنا الاردنية وبترولنا . وقد فصلنا ذلك بالخرائط في كتابنا : الاردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين من 1500 ق. م ---1881 م منشورات الدار الاهلية / عمان
اذن نحن الاردنيين اكثر الشعوب والانظمة تضررا من معاهدة سايكس بيكو , ونحن اولى الناس برفضها لانها رفضت هويتنا الاردنية على اساسها التاريخي والحقيقي وابرزتها مجتزأة .
ومن التباين بين المدرستين ان مدرستي ترى ان حب الاردن لاينطوي على اي كره للاوطان والشعوب الاخرى او لاي منها , واما المدرسة المناقضة لمدرستي فترى ان حب الاردن يعني بالحتمية كره سائر الاوطان والشعوب , وان كرههم للاردن يعني بالحتمية حب الاوطان والشعوب الاخرى , بل ان هذا الحب عند البعض لايكون الا بكره الاردن واهله . مدرستان متباينتان ولكنهما موجودتان على ارض الواقع وفي جميع الاوساط والاطياف والاتجاهات في داخل الاردن وخارجه . وياتي هذا الكتاب انتصارا لمدرستي ومنهجي العلمي التاريخي ضمن دراسة علمية , لنرى ماذا ستقدم لنا المدرسة الرافضية سوى الشتائم والصياح وهي لاتساوي شيئا ولا تصمد امام الحقائق والفكر الذي نقدمه نحن .
وصحيح أنني أحد الذين دفعوا ثمن ذكر الحقيقة والتمسك بها في دفاعي عن الأردن، وخالفت التيار السياسي والاجتماعي العام الذي لا يريد الحديث عن الأردن واهله إلا ضمن أُطُرَ (مفردها إطار) محدَّدة، لا يجوز الجنوح عنها يمنة او يسرة . الا ان الكاتب الصادق الملتزم هو صاحب رسالة وعليه أن يواصل رسالته، ويجاهد ويضحي من اجلها , حتى ولو دفع ما دفعته من الثمن الباهظ لقاء الالتزام بهذه الرسالة الوطنية والتاريخية . فاصحاب الرسالات الدينية والسياسية والنضالية لايدخلون التاريخ الا من خلال ثباتهم على المباديء وتقديمهم للتضحيات . وان دماء التضحيات هي مداد التاريخ من نور لايغطيه ظلام المطايا ولا ظهور السكارى من النكرات والحاقدين . ومن عظيم التزامي برسالتي الدينية والوطنية أنني كتبت هذا السفر التاريخي وأنا في السجن ، في ظروف تتميز بِشُحٍّ أو انعدام المصادر والمراجع، من جملة ما تتميز به من سلبيات اخرى . ولكنني حاولت ماوسعني الجهد تنشيط مخزون ذاكرتي لما سبق وقراته وحفظته عبر عمري كله وانا قاريء نشيط واتاني الله من الذاكرة والحفظ مايساعدني على الكتابة وتذكر ادق التفاصيل والنصوص في اسوا الظروف ولو بعد حين طويل من قراءتها .

وحيث ان الشيء بالشيء يذكر , فانه سيصدر لي ( لاحقا ) ان شاء الله كتاب بالعربية والانجليزية عن ظروف سجني ومذكراتي بالسجن , وسيكون ان شاء الله تعالى بعنوان
دولة في مواجهة رجل ( بالعربية )
واما بالانجليزية فسيكون بالعنوان التالي :
A State Facing a Man

الخيل والليل والبيداء تعرفني = والسيف والرمح والقرطاس والقلم

ان اهمال الاردن في التاريخ في كثير من الحقب الزمنية لايعود الى غيابه عن التاريخ واحداثه حقيقة ولا خروجه منهما , ولا الى انعدام مجريات التاريخ واحداثه على ارضه وفي اهله , ولا الى خلوه من صناعة التاريخ وصناع التاريخ , وانما يعود الى غياب التدوين / اي غياب القلم , والى القلوب التي فيها مرض اسمه كره الاردن والحقد على اهله عبر التاريخ ومنهم العباسيون وغيرهم على مر العصور . وفي غياب الاهتمام الرسمي بتاريخ الاردن الحقيقي , فان من يريد البحث في تاريخ هذا البلد الطيب عليه ان يقوم بالمهمة بمجهوده الشخصي , وعليه ان يجمعه من الشذرات والزوايا والمصادر المتفرقة , مما يحتاج بالتالي الى مزيد من البحث والوقت والتاني والامانة والمصادر . فقد استغرق ( مثلا ) جمع المواد اللازمة لكتابي : الاردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين 27 سنة حتى صدر في عام 2007 ( مجلدان قوامهما 1008 صفحات ) .


ارض بلا شعب ؟

ومن مهماتنا هنا ان نذكر مايقال ضد الاردن واهله والرد عليهم بالحقائق والتحليل والمنطق والحجة بعيدا عن التشنج والسطحية .
فمثلا : ظهرت مقولة أو نظرية معادية للاردن أشار إليها الرحالة الإنجليزي (ترتسترام) Tristram الذي تجول في بلادنا عام 1872 مفادها أن الأردن أرض بلا شعب No man's Land لتكون لشعب بلا أرض For People without Land، ورغم أنه اعترف في نهاية المطاف بعدم مصداقية هذه المقولة، إلا أنها بقيت لاصقة بهذه البلاد إلى يومنا هذا وإن اختلفت التعبيرات عنها، وذلك:
أولاً: بقولهم أن الأردن عبارة عن صحراء قاحلة: وأنها كانت مسرحاً لقبائل بدوية متنقلة تفد إليها من سوريا وفلسطين ومصر وجزيرة العرب والعراق، وبالتالي فهي بلاد بلا أهل . وهناك فرق بين اصطلاح : مسرحاً لقبائل بدوية متنقلة تأتي من الخارج،وارض بلا شعب او بلا اهل من جهة , واصطلاح: أهل الأردن أو أن للأردن أهل.
وإن القارئ لكتب المؤرخين والجغرافيين المسلمين , يجدهم قد ردّوا على هذه المقولة منذ ألف سنة ويزيد عندما ذكروا اصطلاح: أهل الأردن، فالأهل تعني أنهم السكان الأصليون المتجذرون في هذا البلد أو ذاك. وأما كلمة مسرحاً لقبائل جوالة أو متنقلة nomads فتعني أنهم لا يرودونها إلا طلباً للماء والكلأ، أو الهروب من الثأر أو من قانون الإدارة في الأقطار المجاورة في العراق وسوريا وفلسطين ومصر, وبالتالي فهي ليست ديارهم وانما ممر لهم عبرها من الخارج واليه
وقد ذكر ياقوت الحموي في الجزء الأول من معجم البلدان ما قاله الشاعر حول دعم أهل الأردن لمروان بن الحكم في قتاله مع الضحاك بن قيس القهري إذ يقول:
لولا الإله وأهل الأردن اُقْتُسِمَتْ
نار الوقيعة يوم المرج نيرانا

والمرج هنا هو مرج براهط قرب دمشق الذي وقعت فيه معركة بين مروان والقيسية أدت إلى انتصار الأول رغم أن جيشه لم يتجاوز عشرة آلاف مقاتل جلهم أو كلهم من أهل الأردن , وتغلّبوا على جيش الضحاك بن قيس الذي كان يفوقهم عدداً بحوالي أربعة أضعاف.
وتجدر الإشارة أيضاً أن كثيراً من أسماء العشائر الأردنية بقيت تتردد عبر المصادر التاريخية في الجاهلية والإسلام والعصور الإسلامية الوسيطة والحديثة، وأنها على أرض الأردن، وبالتالي فأن من يعيش عشرات القرون أو آلاف السنين على أرض لا بد أن يكون من أهلها. وليس مسرحاً لتجواله، ومن ثم مناورته على جناح السرعة عندما ينضب الماء والكلأ.
فمثلاً نجد اسم جذام وقضاعة وبني سليح وبني عاملة وبني كندة والغساسنة، وبهراء ولخم وبني كلب عشائر اردنية منذ العصور الموغلة في القدم . فجذام قوم شعيب عليه الصلاة والسلام الذي جاء بعد سيدنا إبراهيم، ومنهم بني صخر، وبني حميدة، وبني عجرم، وبني عباد. وبني عقبة ( العمرو )= أي الصخور والحمايدة والعجارمة وعباد والعمرو .
ويشير ابن بطوطة في رحلاته إلى نافل او نافع العجرمي كان اميرا للبلقاء قبل سبعة قرون، دون أن يذكر الزمن الذي تجذّر قبل ذلك في الإمارة، ولا زال اسم النوافعة والعجارمة موجود إلى الآن. وتشير وثائق سرجون الثاني عام 715 ق.م إلى شنه حرباً على بني عباد في مناطق جنوب الأردن الحالي، وخوض شيخ البدو المدعو عباد / ابن عباد معركة ضد اليهود عام130 قبل الميلاد في مرج هيرموكس الذي أصبح فيما بعد مسرحاً لمعركة اليرموك. وتشير الخرائط الإسلامية إلى وجود العدوان في الأردن منذ حوالي ألف سنة بما يدحض ما يقال أنهم وفدوا إليه في القرن السابع عشر.
نخلص من هذا أن هؤلاء الناس، وهذه القبائل، ما ذكرته أمثلة فقط، هم من أهل الأردن، ولكن طبيعة الدولة الإسلامية عبر مراحلها كانت تسمح لهذه القبائل بالتنقل إلى الأقطار المجاورة لأسباب كثيرة، نذكرها فيما بعد إن شاء الله. ثم تعود بعد برهة من الزمن أو أجيال، فيتحدث المؤرخون أو الناس عن العودة الأخيرة دونما أية إشارة إلى ما كان قبلها من وجود هؤلاء الناس في الأردن.
وإذا تحدثنا عن الحويطات فإنهم أبناء وأحفاد الأنباط، واستمروا في الحياة على الارض الاردنية , ولكن ضمن خط البداوة في صراعهم من أجل البقاء بعد القضاء على دولتهم في عام 106م كما سيأتي تفصيلا بإذن الله.
فالأردن إذن ليس صحراء قاحلة ومسرحاً للقبائل الغريبة او العابرة ، بل إن العشائر الأردنية قاومت دخول قبائل قوية مثل عنزة، ومن فروعهم الرولة، من دخول الأردن، وبقيت براهين على هذا الصراع، نراها بوجود عائلات وعشائر من عنزة أصلاً انضمت لعشائر أردنية، ضمن الحويطات وبني صخر، وعباد. وعشائر شمال الأردن. والأمر نفسه ينطبق على شمَّر التي نجد لارتيادها الأردن براهين بوجود بقايا منهم ضمن عشائر عباد وبني صخر وعشائر السلطية وعشائر الكرك ومعان .وفي هذا السياق فان التاريخ يذكر بكل الاجلال والاحترام دور المغفور له الشيخ طراد بن زبن في حماية الاردن من الاحتلال القبلي الخارجي , ويسجل للمغفور له الشيخ عودة ابو تايه في كف يد الغزاة من القبائل الخارجية من ان تحتل الاردن ايضا . وقد تالق الزعيمان الشيخ طراد والشيخ عودة عندما تحالفا معا في هذا الاطار ضمن مفهوم وطني عميق لم يدركه حتى الساسة في العصر الحديث .
ولتوضيح الأمر أكثر من ذلك، فإن مثل هذه الجيوب التي اندمجت وذابت في العشائر الأردنية طلباً للحماية , قد تكون وفدت أيضاً من عنزة أو شمر أو نجد أو بني تميم بسبب ثارات ارتكبوها أفراد هربوا إلى الأردن ووجدوا الأمن والحماية ضمن عشائره القوية وغيّروا هويتهم العشائرية ضمن القانون العشائري الذي كان سائداً آنذاك وهو "ذبح شاة الروك" وهي عهد بين الطالب للحماية والمانح لها، ويصبح له ما للأردني، وعليه ما عليه.
وفي الوقت الحاضر نجد أن بعض هذه الجيوب أو العائلات أو العشائر قد أعلنت انفصالها عن العشيرة التي وفرت لها الحماية عبر أجيال وقرون، وذلك لأن قانون الأمن والحماية صار من مهمات الدولة , حيث يفترض ان يتساوى الجميع، ولم يعد الامن والجماية من مهمات العشائر الا في نطاق محدود ، ولم يعد الشخص بحاجة إلى عشيرة تحميه بالمصطلح السابق وإنما إلى القانون والمحاكم فقط.
وأما اصطلاح صحراء قاحلة في وصف الأردن بذلك ، فإن بعثة الآثار التابعة لجامعة أكسفورد البريطانية، والتي جاءت قبل حوالي قرن من الزمان ( في مطلع القرن العشرين ) واستمرت لعامين وهي تقوم بالمسح الميداني على مدى عامي 1927 و1928، في شمالي جزيرة العرب والأردن، وخلصت بنتائجها إلى تقرير وضعه المستر هنري فيلد Henry Field عن أعمال هذه البعثة قال فيه:
"أن الظواهر الأركيولوجية (أي مظاهر سطح الأرض) والجيولوجية (وهي تكوين سطح الأرض) تدل على أن البادية كانت في زمن من غابر الأزمان خصبة التربة غزيرة المياه حتى أنها لتحول عدداً كبيراً من البداة (أي البدو) المستقرين في أزمنة ما قبل التاريخ".
ولا بد من الإشارة هنا أن البادية التي تحدث عنها التقرير إنما تعني البيئة العامة، والأماكن الموجودة التي زارتها البعثة وهي قصر البرقع في البادية الشمالية الأردنية إلى الشمال الشرقي من صوفة ودوّارة (الأجفور) وباير في جنوب الأردن، وقصر الأزرق إلى الشمال الشرقي عن عمان العاصمة، وطريق عمان بغداد التي تمتد قرابة أربعمائة كيلو متر داخل الحدود الأردنية.
عثرت البعثة البريطانية المذكورة على أحجار صوانية مشذبة بأيدي بشرية، تعود إلى العصور الحجرية وهي دليل على وجود الإنسان في تلك الأزمنة، في هذه المناطق التي توصف الآن أنها صحراء، أو بادية، وتوصف أنها خالية من الشجر والماء والبشر إلا بعد أن وطدت الدولة أركانها، ونشأت مراكز تجمعات بشرية وصلت إليه خدمات الماء والهاتف والكهرباء والمواصلات، ومن ثم وسائل الحضارة الحديثة.


الاستقرار عبر التاريخ في الاردن

ما كان الإنسان الأول ليعيش في هذه البادية، لولا توفر العناصر التالية:
1. العنصر الأول هو الماء لأنه أساس الحياة، وبدونه فإنه لا حياة لبشر ولا حيوان ولا شجر ولا زواحف .
2. الكلأ والطعام: أما الكلأ فهو للماشية وهي عماد حياة الإنسان في العصر القديم بعد أن تمكن من تدجينها ، وأما الطعام فيتمثل بالالتقاط والصيد والذي لا بد أنه كان وافراً في تلك البيئة.
3. أن التصحّر لم يكن مهيمناً على كل البادية أو الأجزاء الشرقية من الأردن، وكما قالت البعثة كانت تتوفر المياه التي لا بد وكانت على شكل تجمعاتها في أحواض طبيعية وفي تجاويف صخرية، وقيعان (مفردها قاع)، وينابيع وسيول من النمط الذي ألفناه في الأردن. وهو أن الماء يجري في الوادي في فصلي الشتاء والربيع بسبب ماكان من غزارة الأمطار، ثم يغور وسط الحصا والتربة الرملية في ذات المجرى، ولا يحتاج الإنسان لاستخراجه أكثر من الحفر لقدم أو بضعة أقدام ليجد الماء يسيل في الرمال أو تحت الحصى. وهذا أمر خبرته بنفسي ويعرفه من عرف البيئة الاردنية .
4. وفرة الإنتاج الكافية للحياة والتكاثر والتجوال في منطقة محددة لعدة قرون بسبب توفر أساسيات الحياة في الصراع من أجل البقاء، ومن هنا فإننا، وببساطة نتخيل وجود الحيوانات البرية كمادة رئيسية للصيد، والأليفة كمادة لاستمرار العيش ، وأيضاً الأشجار والثمار والأعشاب.
لم تقتصر مثل هذه الحجارة التي كانت أدوات الإنسان في العصر الحجري، أقول لم تقتصر على البادية الشرقية، بل وإن الرحالة الإنجليزي داوتي C. Daughty قد وجد مثل هذه الحجارة في جبال الشراة التي تمتد من وادي الحسا إلى جنوب رم وحسمى وسرغ (أي المدورة الحالية).
5. أدى هذا إلى نمط من شبه الاستقرار أو التجوال المقيَّد في مناطق البادية الأردنية بسبب وفرة أساسات الحياة وضوراتها بمفاهيمهم في تلك العصور الغابرة وهي ثلاثة. الماء والغذاء والكلا والأمن والحماية.
ولكي تتحقق الحماية هذه، ولكي يزيد في الإنتاج نجد الجدران الحجرية ـ السلاسل، والأسوار البدائية المنتشرة في سائر أنحاء البادية كدليل أن الإنسان في العصور القديمة حاول تطوير الزراعة، وتوفير الحماية لمواشيه من الحيوانات المفترسة. وحماية نفسه من الغزاة من هنا وهناك.
6 . أن النتيجة التي يمكن لأي باحث أن يخرج بها هي أن البادية الأردنية التي يعتبرها البعض صحراء قاحلة كانت من تلك العصور الغابرة آهلة بالسكان، قبل اثني عشر ألف سنة أي منذ العصر النيوليثي Neolithic وما قبله في العصر الحجري ليس هذا فحسب بل أن مثل هذه الحجارة التي تدل على توفر سبل الحياة والماء والكلأ والغذاء في هذه البادية ظهرت في منطقة باير، ولدى تفحص الحجارة التي عثر عليها هناك وجد العلماء أنها تعود إلى ما يزيد على أربعمائة ألف سنة. كان الإنسان في هذه البقاع التي تعتبر لدى البعض أنها صحراء قاحلة.
إن مثل هذه الآثار، وهذه الأحجار القديمة جعلت المستر فيلد (جامعة أكسفورد المشار إليه أعلاه) في تقريره إياه يقول: "أعتقد أن شمالي بادية العرب تقع على إحدى الخطوط الرئيسية للهجرة بين الشرق والغرب، وأن مواطن ما قبل التاريخ تمتد من شمالي شرقي البحر الاحمر إلى الصين"( والاردن مشمول بهذا النص ) .
قد لايكون من المصادقة الاستدلال بما نشره المستر أولمستد في كتابه تاريخ فلسطين وسوريا، 1931م، ص28. Olmstead: History of Palestine and Syria, 1931, P.28.
إذ يقول: "إن بقايا أبنية ما قبل التاريخ الواقعة على مقربة من عمان تدل على درجة الحضارة في تلك العصور العريقة في القدم. بل إنه يظهر من هندستها ما بلغ إليه القدماء من فن التحصين. إذ أن مداخل تكل الأبنية قد شيّدت بشكل يجعل الكتف الأيمن للعدو المهاجم مكشوفاً، وهو الكتف الذي لا يقبعه ترس المحارب، أقول يجعله عرضة لسلاح المدافعين"
7. ومع الاستقرار وتوفر سبل الحياة أدى ذلك إلى ما يمكن اعتباره ازدهاراً بمفهوم ذلك الإنسان القديم، وتوسَّعت حاجاته، واتصالاته في الأمر نفسه وفي الوقت نفسه ، فظهرت بذلك مفاهيم تبادل البضاعة مع المجموعات الأخرى حسبما تقتضيه الحاجة بدل القتال والدماء. وصارت الأردن معبراً للقوافل التجارية بين الحاجة لمنتوجات اليمن والشرق من جهة ، وحاجات الغرب وأمواله من جهة اخرى . مما زاد الازدهار والقرى والسكان إلى درجة حيث ذكرها الله سبحانه في القرآن الكريم : " لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21" [سبأ:15-21].
وتعني هذه الآيات الكريمة باختصار أن الله سبحانه جعل ما بين مملكة سبأ اليمنية في جنوب جزيرة العرب , وقرى بلاد الشام ومنها قرى الأردن في بلاد الهلال الخصيب شمال جزيرة العرب , طريقاً آمناً ليلاً نهاراً، يتوفر الماء والشجر والظل الظليل والهواء العليل على طولها , يقيلون (ظهراً) في قرية، ويبيتون (ليلاً) في قرية اخرى تليها, فلا يحتاجون إلى حمل الماء والطعام لتوفره بين الظهيرة والعشاء، وكانوا يسيرون للتجارة عبر هذه القرى، ولهم على هذه الحال من تيسير الأمور من اليمن إلى الشام. لا يروّعهم وحش الفلاة، ولا قطاع الطرق، لأن كلمة آمنين تعني الأمن هنا على إطلاقه.
ولكنهم طلبوا الله سبحانه أن يباعد بين أسفارهم، وأن يجعلها مفازات ليتطاولوا على الفقراء بحمل الماء والزاد وركوب الرواحل. وبذلك بطروا النعمة، واستحقُّوا عليها النقمة , فظلموا أنفسهم بالكفر والبطر، فصب عليهم ربك سوط عذابه ومزّقهم شر ممزق , إذ فرّقهم في البلاد، فصاروا أحاديث للناس عبر التاريخ. وهذه نتيجة كل من يقابل النعم بالمعاصي عبر التاريخ وفي كل الامم .
وبالدعوة بمباعدة الأسفار ذهبت قرى كاملة بالهلاك، وتحوَّلت إلى مراكز طرد، فتحرك السكان في هجرة إلى حيث كانت سبل الأمن والحياة. جنوباً إلى الحجاز أو شمالاً إلى سوريا أو غرباً إلى فلسطين ومصر أو يمنة ويسرة في الديار الأردنية. فالإنسان بطبعه دائم البحث عن البقاء والحياة وامن والطعام .
تحولت بعض القرى إلى أماكن دارسة وأصبحت عرضة عبر القرون والعصور إلى السواقي والرمال وهدم الجدران والبنيان، فمنها ما صار في بطن الأرض تدل عليه كومة أو أكمة من التراب، أو طرف سور أو جدار, ومنها ما صار خراباً وموئلاً للبوم والافاعي والجراذين والوحوش البرية. وساد التصحّر والصحراء بدل المطر والخضراء، وهيمن الخوف بدل الأمن. واندثر السكان بين موت وهجرة وتناقص في التكاثر أو بحث عن مواضع وديار أخرى.
وعن هذا يعبّر المستر لانكستر هارونج مفتش (إنجليزي) مفتش آثار شرق الأردن فيما بين 1936-1956 وترجمه سليمان موسى وعنوانه الإنجليزي: The Antiquities of Jordan, by G. Lankester Harding, Bwkhshed by Lutterwexth press, London, 1967.
يقول المستر هارونج "وهناك مئات من المواقع الأثرية القديمة، التي لم يرد ذكرها في الكتاب، ولكنها من نوع الأماكن التي نردها إلى عالم الآثار، فضلاً عن صعوبة الوصول إلى معظمها، حيث لا يوجد ظاهراً للعيان في كثير منها سوى القليل من الشقف الفخارية"، ص11 الطبعة الثانية، 1971.
8. إذن لم تكن الأردن أرضاً قاحلة بالطبيعة، بل إنها مثلما هو حال البلدان الأخرى مرّت بفترة من التصحّر الذي أتى على الأخضر واليابس، وأدى إلى طرد السكان أو القضاء عليهم.

ثانياً: الأمراض الفتاكة: إن الأردن تعرض عبر تاريخه إلى أمراض فتاكة منها من سجّلته الذاكرة وأخرى لم نعثر له على تدوين . كان أكبرها وأخطرها طاعون عمواس في عام 13 للهجرة 636م، الذي أودى بحياة أكثر من ثلاثة ملايين من أهل الأردن، فضلاً عن نسبة عالية من جيش الفتح الإسلامي، وكان من ضحاياه: أمين الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، وضرار بن الأوز الكندي رضي الله عنه وأضرحتهم في غور أبي عبيدة/ الغور الأوسط بالأردن. كما أودى بحياة معاذ بن جبل الذي يرقد في الشونة الشمالية من غور الأردن وعدد آخر من الصحابة الكرام. حيث سنأتي على تفاصيله إن شاء الله عند دور الأردن وعشائره في الفتوحات والغزوات الإسلامية.
وقد سجّل الطاعون والكوليرا، لها في سفر التاريخ الأردني محطّات أتت على الملايين، وقضت على قرى بأكملها.ولا بد ان هناك من الطاعون والامراض الفتاكة مر بالاردن عبر التاريخ مما لم تسجله الذاكرة والاثار , ولا بد ان سنوات عجاف متتالية مرت بالبلاد فهجرها من بقي حيا ثم عاد الاولاد والاحفاد في وقت لاحق الى حيث ديار الاباء والاجداد وهي الاردن.

ثالثاً: الكوارث الطبيعية: حيث أن طبيعة وجود الأردن على حافة الحفرة الانهدامية جعلها عرضة للهزّات والبراكين، ولا زالت الحرّة في البادية الشمالية دليلا واضحا على تفجر البراكين في تلك المنطقة، حيث، يمكن الاستدلال بسهولة على أفواه البراكين الصغيرة النائمة منها والدارسة . كما أن الحجارة السوداء التي أساسها مقذوفات الحمم البركانية تغطي مساحات واسعة وشاسعة من شمال شرق الأردن، وتسمى منطقة الحرة أو منطقة الحمم البركانية Volcanic Lava او منطقة الصفاوي .
وقد دوّن القرآن الكريم عدة حالات أباد فيها الأقوام الكافر في الأردن، وهي قوم ثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب عليهم الصلاة والسلام جميعاً. ويمكن أن نخلص بسهولة وببساطة إلى هلاك ملايين البشر بسبب تكذيبهم لرسالات الأنبياء الذين أرسلهم الله لهدايتهم فضلا عما ذكرناه من الاسباب الاخرى السابقة من الامراض الوبائية والتصحر .
يشير القرآن الكريم إلى القضاء على الكفار من ثمود الذين كفروا بسيدنا صالح (نبي عربي) وبرسالته وعقروا الناقة، أنه سبحانه أماتهم في الصيحة كل في بيته. ولم ينج منهم سوى سيدنا صالح ومن أمن معه. (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) [هود:64-68].
أما قوم لوط فقد أبادهم الله في ممالكهم / المؤتفكات وهي القرى التي كان أهلها يمارسون الفحشاء التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين. أقول جعل عاليها سافلها وقلبها رأساً على عقب فأبادهم جميعاً، وسلمت المدن والقرى المجاورة التي كانت لا تمارس هذه الخبائث. وقد سجّل القرآن الكريم تفاصيل مجيء الملائكة الكرام إلى سيدنا إبراهيم في أرض كنعان آنذاك (فلسطين). وإعلامه عن أمر الله بإنزال العقوبة بقوم لوط، ثم دخولهم منزل لوط، وخوفه عليهم واصرار قومه على ممارسة الفحشاء معهم. ولكن فرج الله جاء في اللحظات الحرجة , عندما كان لوط لازال يعتقد أن ضيوفه بشرا ولم يخطر بباله انهم ملائكة ، أخبره هؤلاء الضيوف أنهم رسل الله لإنهاء قومه (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) [هود:77 -83].
وبذلك تحولت أرض قرى المؤتفكات من جنات خضراء تجري من تحتها الأنهار كما وصفها العهد القديم إلى بحر مالح لا حياة فيه، وإلى شواطئ وسفوح مسوّدة بسبب ما أصاب المكان من غضب الله سبحانه، واندثر جزء كامل من الشعب في تلك الديار، بسبب كفرهم وعدم توقفهم عن ممارسة الفحشاء. نعوذ بالله منهم.
وقد أصاب الموت، وجاءت الإبادة على قوم شعيب أيضاً في موقعين الأول في مدين التي كانت تمتد من الكرك حتى محاذاة أرض تبوك على ساحل البحر الأحمر. وعندما هلكوا نجا والذين آمنوا معه , وانضموا إلى فرع آخر من قبيلة جذام وهم أصحاب الأيكة فيما يسمى الآن في العصر الحديث، وادي السلط، او وادي شعيب حيث قبر سيدنا شعيب عليه الصلاة والسلام. وهو نبي عربي ويسمى خطيب الأنبياء لفصاحته وبلاغته.
في مدين التي سمي المكان نسبة الى هذا الفرع من قبيلة جذام العربية الاردنية , أصيب قوم شعيب هنا بالرجفة وهي الهزة العنيفة التي يبقي الناس جاثمسن في ديارهم حيث انها من القموة بحيث لم يتمكن منهم احد من النجاة والهرب بروحه . اما في وادي الأيكة فقد أصيبوا باكثر من عقاب : اصيبوا بالرجفة التي اصابت ابناء عمهم المديانيين ( مدين ) بالرجفة وزاد اله غضبه عليهم بعذاب يوم الظلّة وقد فصّلنا ذلك في جزء من هذه السلسلة وهو الجزء الخاص بالتاريخ السياسي للعشائر الأردنية (من قبل الخروج حتى الآن)
. Political History of the Jordanian Tribes (From before the
Exculus up to now)
يذكر القرآن قصّة سيدنا شعيب مع قومه قبيلة جذام ومن لف لفها من القبائل الاردنية الاخرى في مواقع كثيرة من القرآن الكريم تتلخص أنهم كانوا على طريق القوافل التجارية يبيعون ويشترون ويتبادلون السلع مع هذه القوافل القادمة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس وأنهم كانوا ينقصون المكيال فيما يتم قياسه بالكيل والمكيال : كالحبوب والإنتاج الحيواني مثلاً، وينقصون الميزان فيما كان يحتاج إلى ميزان ووزن فيأخذون زيادة من الآخرين، ويعطونهم نقصاً، فهم يخسرون الميزان إن كالوهم أو وزنوهم. قال تعالى في وصف حالهم : ( وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88 [هود:84-88].
ثم يقول في سورة هود ايضا : (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) [هود:91-94].
وقوله سبحانه : ((90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) ) [الأعراف:91-92].
أما أهل الأيكة من قوم شعيب فقد ذكرهم القرآن الكريم في سورة الشعراء وهم نمط مشابه أو شبه مطابق لأهل مدين في الموقع على طريق القوافل، والعادات واللغة والتقاليد في بخس الناس أشياءهم، وتطفيف الميزان، وإنقاص الكيل وقطع الطريق، إذ يقول سبحانه في سورة الشعراء:
(كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) [الشعراء:176-178].
ثم صار الجدال بينه وبينهم وتحدّوه أن يسقط عليهم كِسَفاً من السماء (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189)) [الشعراء:185-189].
وبذلك نجد إبادة قوم كاملين من أهل الأيكة لم ينج منهم إلا من امن وما امن الا قليل مقارنة باعدادهم التي تصل الى مستوى تعريفهم بكلمة قوم والتي تعني فيما تعنيه ايضا : شعب كامل ، أما من كفر وهم الأكثرية في حينه فقد هلكوا جميعاً (ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ). وهذا برهان من القرآن الكريم على أن الأردن كان في العصور الغابرة ممراً لطرق التجارة والحضارة، وأن من كفروا قد أبيدوا عن بكرة أبيهم جزاء كفرهم.
ان النصوص القرانية الكريمة التي ذكرناها بشيء من التوسع انما تبرهن انه كانت هناك شعوب على هذه الارض وان الله ارسل اليهم الانبياء لهدايتهم فكفروا فانزل الله عليهم سخطه واما من امن فقد نجا ,ولا شك ان الكثير من هذه القبائل الموجودة هم منبقيا الفئات التي امنت بالله من قبل فانجاها الله من عذابه
فمن التجني اذن أن يقال أن الأردن بلاد لم تكن فيها ذات يوم حضارة أو شعب أو ثقافة اة اقوام , وقد نزل بها من الأنبياء الكرام: لوط، شعيب، ويحيى، وأيوب، وتربى فيها ولجأ إليها المسيح عليهم الصلاة والسلام جميعاً، وعبرها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مرتان في تجارة قريش إلى الشام. وفيها أضرحة عدد من الأنبياء الكرام. وتربى فيها موسى عليه السلام عشر سنوات عند شعيب الثاني ( جيثرو ) حفيد شعيب الأول، ثم عاد إليها بقومه , ولكن الله سبحانه لم يكتب له الوصول إلى أرض كنعان (فلسطين). ويبقى قبر هارون شاهداً على الشيء الذي أصاب بني إسرائيل عقاباً من الله سبحانه، وعلى أهمية موقع الأردن عبر التاريخ.

رابعاً: الحروب الداخلية والخارجية: الحروب والصراعات جزء من طبيعة العلاقات بين المجموعات البشرية والشعوب، وتقع لأسباب متعددة، قد تبدو مصيرية في حينه ثم تصبح تافهة في أعين المؤرخين أو الأجيال الذين اكتووا بنيران نتائجها فيما بعد.
وقد كان الأردن مسرحاً لمعارك قتالية ضاربة سواء من الحملات العسكرية التي شنَّها البابليون والآشوريون من العراق، أو تلك التي قام به فراعنة مصر وملوكها لتأمين جبهتهم الشمالية الشرقية التي تربطهم بالأردن من خلال أيلة/ العقبة، وعصيون جابر/ إيلات او من الهجرات القبلية من جزيرة العرب
كما أن الفرس ثم اليونان ثم الرومان شنّوا حملات أسموها تأديبية لسكان الأردن أو المجموعات أو إمارات أو ممالك قامت على أرض هذه البلاد (الأردن) في تلك الازمنة الغابرة . ومن الأمثلة على ذلك أن الرومان قتلوا عام 106م عشرة آلاف من الأنباط دفعة واحدة ألقوا بهم من رؤوس الجبال إلى بقعة الأودية من رجال ونساء وأطفال وعجزة ويفتخرون بذلك في تاريخهم الاسود المكلل بالعار .
ومن الأمثلة على شنّ الحروب الخارجية على الأردن، ما ذكره العهد القديم حول هجوم الجيش الإسرائيلي بعد خروجه من التيه ودخوله الأردن وإبادته الكاملة لشعب مملكة حشبون والبالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة , هذا فضلاً عن الغزوات التي شنها ملوك بني إسرائيل من أرض كنعان في محاولاتهم المتعاقبة لاحتلال الأردن وتأمين جبهتهم الشرقية من القوى المعادية.
على أية حال فإن ما يشتمله العهد القديم من معلومات تلقي الضوء على سكان الأردن وأحوال البلاد في العصر البرونزي الأوسط وعلى ازدهار البلاد واكتظاظها بالسكان
يقول العهد القديم أن عشائر الأردن كانت في الفترة ما بين 2000-1300 ق.م من العمالقة الذين يتألفون من عشائر عديدة منهم الأيميون في مؤاب والروفائيون والزمزميون في عمون وكانوا من العشائر العربية التي نزحت أو هاجرت من جزيرة العرب. وكان في الأردن عدة ممالك عربية مثل مؤاب الجارة الشمالية لأدوم، والممتدة (أي مؤاب) من وادي الحسا إلى وادب الموجب، ثم مملكة أدوم الممتدة من نهر الحسا شمالاً إلى الحدود الجنوبية لأدوم المقاربة لوادي اليتم ورم. أما عمون فكانت تمتد من نهر الموجب إلى نهر الزرقاء.
كانت مملكتا مؤاب ومدين تنحدران من أصل واحد، وهما وأدوم ممالك عربية في الآن نفسه. وكانت هذه الشعوب العربية الأردنية تعيش حياة قبلية. ولكل قبيلة شيوخها وأمراؤها وشيخ المشايخ أو الملك الذي كان صاحب قرار نهائي في جميع شؤون إدارة مملكته/ أو دولته، كما كان يقود الجيش في المعارك ولا يختبيء وراء الاكمة او الجدران . وكانت اسماء مؤاب وادوم وحشبون وعمون وباشان والانباط هي اسماء القبائل الاردنية التي استقرت كل منها في منطقة ثم تطورت الى الاستقرار وتاسيس الممالك . وقد اطلقوا ساماءهم كل على المنطقة التي سكنوها واستقروا فيها .
وهنا لا بد من الإشارة إلى ما ذكره دكتور صهيوني اسمه نلسون جلوك في كتابه الجانب الآخر من الأردن، The Other Side of Jordan. اذ يقول : ان الأردن كانت بعد خروج بني إسرائيل، وعبورهم أرض الأردن بلاداً بلا سكان ولا أهل No Man's Land، وأن أهلها أو سكانها لم يكونوا سوى قبائل بدوية متوحشة ومتنقلة , وهو بذلك يناقض ماورد في العهد القديم كتابه المقدس
فاالدلائل التي يسوقها العد القديم تبيّن أعمار البلاد (الأردن) وازدهارها بالسكان والمدن والممالك والزراعة والطرق التي تخترقها طولاً وعرضاً منها طريق الملوك والطريق السلطان والتي وردت بهذا الاسم في العهد القديم , والطريق الصحراوي وطريق البرية الذي يخترق سلسلة الجبال من الشمال إلى الجنوب، فضلاً عن الطرق العرضية بين فينة وأخرى. وقد شرحنا ذلك مفصَّلاً في كتابنا الأردن في كثب الرحالة والجغرافيين المسلمين حتى عام 1881- صدر عام 2007.
وإذا أردنا أن نتفحص ما ذكره المؤلف اليهودي أعلاه (نلسون جلوك) نجده يتحدث عن وجود حضارة واستقرار في الأردن خلال الفترة ما بين 1700-1250 ق.م، أي قبل الغزو الإسرائيلي لهذه الديار. وتجدر الإشارة أن مملكة عمون ومركزها ربة عمون (عمان الحالية) كانت فيما بين 1800-1300 ذات مدنية زراعية مزدهرة، وهذا يدحض كلام وراي العصبية الحاقد الذي أورده نلسون في كتابه أعلاه. وقد نشبت المعارك فيما بين الإسرائيليين وسيحون ملك مملكة (حبشون) الآمورية (عاصمتها حسبان)، حيث رفض مرور بني إسرائيل عبر مملكته فهزموه وأبادوا شعبه ودمّروا مملكته الفتية التي كانت تمتد من أرنون (الموجب) جنوباً إلى حدود مملكة عمون إلى يبوق (وادي الزرقاء). ويذكر العهد القديم , مدن ديبون (ذيبان) ومادبا، وحشبون في منطقة مجاورة لبعضها بعضاً وهذا وحده كافٍ كدليل على كثرة السكان وإعمار البلاد في تلك الفترة وتقارب المدن بسبب الازدحام السكاني . وقد جئنا على ذلك بالتفصيل في جزء: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية من هذا الكتاب باللغة الانجليزية .
أما الحروب الداخلية بين سكان البلاد الأردنية فقد أخذت أشكالاً عديدة. حيث كانت المعارك الطاحنة قد دارت رحاها بين عشائر الكفتاريين وأعدائهم وكلهم من أبناء البلاد، كما أن الأدوميين طردوا الحوريين سكان الجبال وحلّوا محلّهم، ثم حلّ الأنباط مكان الأدوميين.
ومن الحروب ما كان بين مملكة حشبون الامورية التي كان مركزها حسبان من جهة ومؤاب من جهة أخرى، حيث استطاع الملك سيحون ملك الآموريين من توسيع رقعة مملكته الى الجنوب على حساب المؤابيين , وتجاوز بحدوده إلى الجنوب من وادي الموجب، كما توسع شمالاً على حساب العمونيين لكنه فقد نفسه وأسرته ومملكته وعرشه وشعبه وأبيدوا جميعاً على أيدي الإسرائيليين كما سبق وأشرنا وماهو مفصل في كتاب العهد القديم
كانت الممالك الأردنية تتحارب معاً كل يريد التوسع على حساب الآخر، وكان هذا التوسع عادة طولياً، أي شمالاً نحو الجنوب، أو جنوباً نحو الشمال. ولكنهم كانوا يتكاتفون وقت الخطر في تحالف واحد أمام أي عدو خارجي , وهي العقلية الاردنية عبر العصور في انهمينسون عداواتهم امام الخطر الخارجي ,
بقيت هذه الثقافة لدى العشائر الأردنية إلى العصر الحديث عندما كانت تقف صفاً واحداً أمام أي عدو خارجي يتهدد أية عشيرة منهم ، وينسون خلافاتهم وحروبهم حتى يتخلّصوا من العدو القادم إليهم. ونتج عن ذلك وجود مبدأ أردني عشائري على شكل مثل بقي عبر الأجيال والقرون وهو: "أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب" حتى ولو كان ابن العم صديقا او عدوا فهم معا امام الخطر الخارجي او العدو الخارجي لان الجميع سيكونون في خطر .
واستمرت ثقافة الصراع الداخلي والحروب الداخلية المسلحة حتى انتهت بقيام الإدارة الرسمية في الأردن في مطلع القرن العشرين بعد اندحار الأتراك. وقد أخذت هذه الصراعات شكل الغزوات والحروب، وفصّلنا ذلك في كتابنا: القضاء عند العشائر الأردنية والذي كتبناه أصلاً بالإنجليزية تحت عنوان: Bedouin Justice, in Jordan 1921-1982، وقد صدر كتاباً باللغتين عن دار جرير عام 2006 بعنوان القضاء البدوي، Bedouin Justice في مجلّد واحد بوجهين ولغتين معاً. وقد قمت شخصياً بترجمته إلى العربية أصلاً.
وقد أدت هذه الحروب العشائرية في العصور الجاهلية والإسلامية والوسطى إلى قيام تحالفات عشائرية ساهمت في حماية القبائل وأفرادها. وبذلك تم تصنيف هذه العلاقات إلى نمطين: البنعمة وتعني التحالف، والأجناب أو الأجانيب الذين يرتبطون معاً بعداوة بينهم وقد شرحنا ذلك مفصّلاً في كتابنا أعلاه باللغتين العربية والإنجليزية.
وإن ما تم العثور عليه من الرسوم والنقوش في وادي رم والطبيق وما تم العثور عليه من الخط العربي الشمالي في منطقة الصفاوي في البادية الشمالية الأردنية لدليل على ازدهار التجارة وكثافة القوافل وتحقق الأمن والطمأنينة لهؤلاء التجار. وأن البلاد كانت آهلة بالسكان. وتم العثور على الفأس اليدوي الذي تعود إلى العصر الباليوليتي ما بين 700.000 سنة-8000 ق.م، فضلاً عن العثور على مكاشط لتنظيف الجلود، وأسنان لعمل الثقوب والخروق في الجلود، وسكاكين حجرية صوانية للقطع. وكان التطور في هذه الأدوات بطيئاً وخفيفاً عبر 150 ألف سنة.
وفي نهاية هذا العصر الباليوليتي وفي كلدة وفي الطبيق في الزاوية الجنوبية الشرقية للأردن، بمحاذاة الحدود مع السعودية أقول تم العثور فيها على نقوش في بعض الصخور تمثل أشكالا للحيوانات التي كانت موجودة يومذاك، هذا فضلاً عن كتابات ثمودية (ثمود قوم صالح وكان مركزهم مدائن صالح) في صخر موجود بالطبيق فوق الرسوم الأولى. ومن هذه الخطوط الثمودية ما يعود إلى القرن الخامس أو السادس الميلادي، ولا زالت في حالة جيدة الى يومنا هذا مطلع القرن العشرين .
وبذلك نجد قطعة الصخر تروي لنا حكايات الأجيال والتجار والسكان والوطنوالحياة ونمطها والعلاقات البشرية بين الاردنيين داخليا وخارجيا , عبر حوالي سبعمائة ألف سنة قبل وبعد الميلاد. فالأحرف الثمودية لا زالت بيضاء، بينما تحولت رسوم الحيوانات القديمة إلى اللون الرمادي الغامق بسبب الظروف الطبيعية وتعرضها للشمس زمناً طويلاً أضعاف أضعاف ما تعرضت له الخطوط والكتابات الاخرى . وأن الرسوم سابقة للكتابة وأن الكتابة متأخرة زمناً عن الرسوم.

خامساً: القول بأن الأردن هي شرق فلسطين: أو فلسطين الشرقية Eastern Palestine. وقد ركّز كثير من الرحالة الأجانب الذين جاءوا إلى الأردن في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين على القول أن الأردن هي شرق فلسطين. وهو اصطلاح يهودي تلمودي يتضمن مطالبة صهيونية في أن تكون الأردن من أرض الميعاد والأراضي المقدسة التي يدَّعي اليهود حقهم الإلهي والتاريخي فيها.
وعلى سبيل المثال كتب كوندر كتابه في عام 1881 بعنوان The Survey of Eastern Palestine والذي قمت بترجمته إلى العربية تحت عنوان "أعمال المساحة في شرق الأردن". تحدث المؤلف في الكتاب عن المواقع الأثرية الاردنية القديمة. والكتاب أشبه ما يكون بالقاموس الجغرافي الذي يسرد أسماء الأماكن التي زارها الكاتب وكان برتبة رائد في المساحة التابعة للجيش البريطاني.
ورغم هذا العنوان الذي ينم عن المطامع اليهودية بالأردن، إلا أنه كتاب قيِّم جدّاً لأنه دوّن أماكن اندثرت الآن أمام العمران الحديث، وعيون ماء نضبت، وخرائب نُهبت، ورسم بعض الخرائط المفيدة.
وقد كرَّس البريطانيون في البداية هذا المفهوم / اي ان الاردن هي فلسطين الشرقية او شرق فلسطين , وذكر ذلك العديد من الرحالة البريطانين , وصارت الأردن جزءاً من وعد بلفور لتكريسه وفلسطين وطناً قومياً لليهود باعتبارها فلسطين الشرقية ( او شرق فلسطين بدلا من شرق الاردن ) وتلك فلسطين الغربية، أو لنقل الضفة الفلسطينية الشرقية والضفة الفلسطينية الغربية، إلا أن الإنجليز تراجعوا عن ذلك وفصلوا الأردن عن حيثيات الوعد، وأسسوا فيه حكومة الشرق العربي عام 1921 التي تحولت فيما بعد إلى حكومة للشرق العربي ثم الى إمارة ثم إلى مملكة. وقد كان للحركة الوطنية الأردنية والمقررات الشعبية قبل تأسيس الإدارة في الأردن دوراً هاماً في إلغاء هذا النص. وتجدون تفاصيل شرح ذلك في وثيقة أم قيس المؤرخة في عام 1920 والتي نشرناها مشروحة في كتابنا "العشائر الأردنية" الجزء الثاني 2004فمن اراد التوسع فسيجد ضالته هناك ( منشورات المحتسب / عمان ) .
وعندما أصبحت فلسطين تحت إدارة المندوب السامي الصهيوني هيرتزل، صارت شرق الأردن تابعة له اداريا وسياسيا ، وصار يمثل المندوب السامي معتمد بريطاني وهو اليك كركبرايد الذي كتب ملحوظاته ومذكراته عن وجوده بالاردن بعنوان: A Crackle of Thorns الذي ترجمناه عن العربية بعنوان : خشخشة الاشواك , وصدر في طبعتين. بل إن المندوب السامي الصهيوني هيرتزل استدعى عدداً من الأشخاص عام 1921 ليس فيهم اردني واحد من اهل البلاد انذاك الى القدس , للالتقاء بوزير المستعمرات البريطانية تشرشل في حينه الذي جاء لترتيب امور الاردن وفلسطين بما يخدم وعد بلفور والحركة الصهيونية ومخططاتها ضد القطرين الشقيقين ، كما حضر اللقاء لورنس العرب . كان من جملة الحديث الذي جرى حول مستقبل شرق الأردن لتكون مستودعاً ومقرا لمن يتم طردهم أو هجرتهم أو تهجيرهم او نزوحهم أو انفصالهم من فلسطين (الغربية)، لتكون الأردن ( فلسطين الشرقية ) وطناً بديلاً لهؤلاء، وفلسطين وطناً بديلاً لليهود من شتى بقاع العالم. وكان هذا من ضمن الأسس التي قام عليها الانتداب البريطاني بالاردن .
نخلص إلى القول أن الإلغاء الظاهري للأردن من وعد بلفور قد رافقه من وراء الكواليس عمل حثيث وحقيقي على أرض الواقع في ان الاردن هي فلسطين الشرقية وانها مستودع من يتم تهجيره او نزوحه او هجرته من فلسطين . بينما تقوم دولة يهودية في فلسطين على انقاض الشعب الفلسطيني , ودولة فلسطينية بالأردن باعتبارها الجانب الشرقي من فلسطين ,وهو الامر الذي لازال ينادي به الاسرائيليون الى يومنا هذا , وان هجرة اليهود الى فلسطين هي عودتهم الى ارض الميعاد والاباء والاجداد ,. وان هجرة الفلسطينيين الى الاردن هي تحرك وانتقال , اقول تحرك وانتقال من الجانب الغربي لفلسطين الى الجانب الشرقي منها . هذا هو المنطق الذي روجت له الصهيونية واتباعها والذي حمله المتصهينون ايضا الى الان وغد وبعد غد .
وقد صدرت بحوث لباحثين فلسطينيين في الستينات والسبعينات تحدثت عن هذا المفهوم وعملت ما وسعها الجهد للترويج له، أما الكتاب والمفكرون الأردنيون الذين رفضوا الأمر الواقع في المفهوم وقالوا أن الأردن هي الأردن وفلسطين هي فلسطين فقد اعتبرهم الإعلام الرسمي والخالص أنهم يثيرون النعرات والفتن وانهم اعداء الوحدة الوطنية . وكان نصيبي من هذا كمفكر أردني جرّي للمحاكم ثلاث مرات كان آخرها التي تم الحكم علي لمدة سنتين، لا زلت أقضي أواخرها إلى الآن وانا اكتب هذا الكتاب وانا خلف القضبان .
ويعود مفهوم اعتبار الأردن جزءاً من فلسطين إلى أيام الاحتلال اليهودي للبلدين في القرن الثاني عشر قبل الميلاد = اي قبل 3200 سنة خلت . وتوزيع أجزاء واسعة من الأردن بين عدد من أسباط بني إسرائيل وتوزيع فلسطين للأسباط الباقين. حيث اتخذ سبطا جاد وراؤبين ونصف سبط منسي (مناشيه) منطقة الأموريين (مملكة حسبان ومؤاب وادوم) والعمونيين (مملكة عمون) وباشان (مملكة باشان في شمال الأردن)، أقول اتخذوها دار إقامة لهمبعد احتلالهم لها , وصاروا يبنون على أنقاض المدن والقرى الاردنية التي دمرها بنو اسرائيل وأحرقوها وأبادوا أهلها كما يذكر العهد القديم في سفر العدد الأصحاح ص22، 23 مما اورث زمناً طويلاً من الصراع مع اليهود استمر حتى الآن 2008م. وسوف نأتي على صراع عشائر الأردن مع الإسرائيليين فيما بعد في سياق هذا الكتاب إن شاء الله.
وقد اتفق أسباط بني إسرائيل على اتخاذ ملاذ أمن لهم في الأردن ( وهو اول اصطلاح بهذا العنوان والمعنى والذي صار حديثا في مناطق النزاعات والصراعات ). يأمن على نفسه من يهرب إليه من الغرب أو الشرق شريطة لا يُحْدِثَ شيئاً إذا دخله وقد شرحنا ذلك بالتفصيل في كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين (2007)، الجزء الأول.فالاردن اول بلد في الناريخ تم اتخاذ ارضه ملاذا امنا لكل طالب حماية . ولا غرو اذن ان يكون من معانيه في اللغة : الامن والطمانينة
والقارئ لكتاب حديث كتبه باحث فلسطيني، ويدعى الكتاب جذور الوصاية وهو مستمد من الوثائق الإسرائيلية حول من تعامل الوكالى اليهودية مع عدد من الوجهاء والشيوخ من أبناء شرق الأردن، يجد أن عملاء الوكالة اليهودية من الإسرائيليين والعرب كانوا يتصلون بعدد من الشيوخ والشخصيات في شرق الأردني منهم الأردني الحقيقي، ومنهم الوافد، وكيف تم بيع، وتأجير مساحات واسعة من شرق الأردن للوكالة اليهودية، وهو تنفيذ حقيقي لوعد بلفور وإن تم إلغاء النص في ظاهره كما قلنا أعلاه.
وقد تم تأجير أراضي واسعة من الغور وجنوب عمان وفي جنوب الأردن، وفي مناطق استراتيجية، وفي البادية.
وصارت قصّة بيع الأرض للوكالة اليهودية الشغل الشاغل للعملاء بحثاً عن المال وبيع الوطن، بينما عملت الحركة الوطنية الأردنية ما وسعها الجهد رغم امكاناتها الضئيلة والحرب الصهيوني واتباعه عليها , اقول عملت ماوسعها جهدها لتوعية الناس بهذه المخاطر. ووصف العملاء بالخيانة، بينما وصفهم العملاء بالجهل والجهالة والتقوقع ، أما الإدارة في الأردن في حينه فإن الوثائق التاريخية تتحدث عن أمور ظهر منها ما ظهر في كتب أجنبية , وهي ليست موضوعنا في هذا الكتاب الذي يغطي الاردن حتى 1910 م فقط .
وقد صدر كتاب عن باحث أردني في الجامعة الأردنية تحدث بالوثائق عن عملية البيع للوكالة اليهودية وأسماء العملاء والبائعين، ثم أعيدت طباعته خاليا من هذه الحقائق والاسماء والوثائق , حيث جرى نزع الحقائق التاريخية التي لا يريد أحفاد أصحابها معرفة ما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من الغرق في العمالة للوكالة اليهودية، وقد جرى تبادل الاتهامات بشكل واضح، وأن القارئ لوثائق الحركة الوطنية الأردنية والأخبار التي نشرتها الصحف الفلسطينية في حينه ( منذ مطلع العشرينات حتى نهاية الاربعينات من القرن العشرين ) ليصاب بالذهول والهول أن تكون الأرض الأردنية سلعة للبيع للوكالة اليهودية من فعل المتنفذين من حفنة بعض الزعامات العشائرية والسياسية في حينه.
وفي الثمانينات من القرن العشرين حتى الآن برزت عملية البيع للأراضي الأردنية من جديد، ولكن بصيغة أخرى، وذلك لشركات غريبة ووهمية وأشخاص يحملون الجنسية الإسرائيلية بحجة أنهم من عرب 48، وآخرين من العراق بحجة أنهم عرب عراقيون. وبغض النظر عن النوايا سواء أكانت حسنة أم غير ذلك، إلا أن النتيجة قد آلت ان مساحات واسعة من أرض الأردن أصبح الآن (2008) في أيدي غير أهلة بل صارت أسعار الأرض كالبورصة التي يتذبذب سعرها، وظهر حديثاً أسلوب جديد في البيع تحت غطاء الاعمار وإعادة الأعمار، واستجلاب أسماء أشخاص في ظاهرهم أنهم مستثمرون وهو الاحتلال والاستعمار بعينه .
وأذكر أنه في عام 1981 عندما كنت طالبا لدراسة الدكتوراه في جامعة كيمبردج الإنجليزية أن نشرت صحيفة بريطانية معروفة بجدّيتها ورزانتها وهي The Times إعلاناً صادراً عن الاتحاد اليهودي الأوروبي والبريطاني، وقد رسموا فيه خارطة الأردن وفلسطين، ووضعوا خطّاً على الخارطة اعتبروه الحدود الشرقية الحقيقية لإسرائيل تتوازن مع مجرى سكة الحديد الأردنية الحجازية.
وذكر الإعلان أن فلسطين الشرقية (الأردن) ( هكذا ورد في الاعلان ) محثلة من قبل الأردنيين وأنه يجب تحريرها منهم (أي من الأردنيين) عاجلاً أم آجلاً. وهي الدعوات التي ترفد تصريحات مرشح الرئاسة الأمريكية للحزب الجمهوري في شهر حزيران 2008 عندما اعتبر الأردن مكاناً حقيقياً لإقامة دولة فلسطينية وأن الشعب الفلسطيني في رأيه يشكل الغالبية الكبرى من الشعب في الأردن.
هذه الدعوات كلها تنسجم أيضاً مع ما أورده كركبرايد في كتابه خشخشة الأشواك حول ما تم الاتفاق عليه بين الشخصيات التي تحدثت عن الاردن على انه ارض بلا شعب , ومثلته في الاجتماع مع تشرتشسل ولورنس كما أشرنا أعلاه.
هذه الفلسفة الإسرائيلية الصهيونية نحو الأردن واضحة في أدبياتهم السياسية عبر التاريخ القديم والحديث، منذ الخروج من مصر هربا من فرعون الى بدء تجوال الرحالة في بلادنا إلى الآن. ولا شك أن من مصلحة إسرائيل خلق حالة من الفوضى الدموية في الأردن، لإعطائها المبررات الأمنية والشرعية السياسية الدولية لاحتلال الأردن بحثاً عن حدود آمنة من الشرق، يتم حينها ترحيل بالقوة لملايين الفلسطينيين إلى الأردن، وتصبح نسبة أهل البلاد ضئيلة أمام أي عمل ديمقراطي قائم على الانتخاب في أمور الحكم والمجالس والحكومات مستقبلا .
ويعزز هذه الفلسفة الصهيونية مواقف رسمية بالأردن تمنع من الحديث عن الهوية الوطنية والثقافة الأردنية باعتبار الحديث عن أيهما هو نمط من الإساءة لما يسمى بالوحدة الوطنية، وأنه ضرب من إثارة النعرة العرقية والطائفية والمذهبية، وكنت ولا زلت ضحية لهذا التوجه الرسمي رغم أنني مدرك أننا سندفع الثمن جميعاً بسبب عدم تصويب الأمور ومعالجتها بشكل صحيح قبل فوات الاوان .
كما أن السياسة الرسمية بالأردن لا تسمح حتى الآن بظهور الزعامات الوطنية الأردنية أو الفلسطينية، ويتم شّن حرب إعلامي وسياسي وغيرهما على أية شخصية أردنية أو فلسطينية ترفض فكرة الوطن البديل رفضاً على أرض الواقع. أما الرفض الذي يأتي من صنف اللغو والهراء فهو مسموح به على مصاريعه جميعها.
من الواضح أن الحديث عن مصالح الأجيال القادمة قد أصبح اصطلاحاً بقي عكس ما نسمع من المسؤولين. ولا أدري ماذا ستفعل الأجيال القادمة عندما تجد موروثاً مرعباً على النمط التالي : وطن مباع، وجواز مشاع , وأسعار لا تطاق، ومدخول متدني، وبطالة عالية، وسجون مترعة بالسجناء، ضيق في القمة العيش، تدمير للأخلاق، مديونية عالية، تفكيك مؤسسات الدولة وبيعها. ماذا ستقول هذه الأجيال؟ أظنها ستأتي بجرافات لتقتلع قبور أجيالنا ومن سبقنا، وتحرقها في احتفال وطني، لأنهم سينظرون إلينا وهم أولادنا وأحفادنا أننا بعناهم وبعنا الوطن، سواء فلسطين أو الاردن ، وأننا أورثنا لهم من المئاسي ما ينوء به كاهلهم. وقد ذكرت ذلك ونبّهت له، وحذّرت منه منذ مطلع التسعينات من القرن العشرين. أما الرد علي فهو الهجوم الظالم، ووصفي بأوصاف لا تليق برجل محترم وان كانت تليق بمن يرميني بشين صفاته .
وقد أدى هذا إلى ازدواجية في الخطابات السياسية والرسمية والإعلامية والصحفية والفردية والاجتماعية، بحيث نجد حديثاً في المثاليات ينافي الواقع، ونجد أن الشخص يقول ما يقوله ملتزماً بالتوجه الرسمي حتى إذا خلا لنفسه أو لمن يثق به، قال بصراحة أنه غير مؤمن بما قاله قبل قليل ، لأنه مغاير لروحه الوطنية ومشاعره وقناعاته. وقد لاقيت العديد من هؤلاء الناس والمواقف، وصار البيع والشراء بالمواقف والتظاهر بتأييد الخطاب الرسمي سلعة للعديد من المنافقين يؤجرون عليها رسميا دون ان يابهوا للعقاب عليها من الله سبحانه .
لا يستطيع أحد في نهاية المطاف أن ينتزع المشاعر الوطنية نهائياً من الشعب، وإن انتزعها خوفاً وقمعاً من أفراد. فهذه المشاعر تتحول إلى طاقة ساكنة. وبراكين هامدة، قد تتجدّد في أية لحظة إذا وجدت التربة المناسبة للولادة والانفجار.
لا بد من القول هنا ان جُبْن الشعوب لا يدوم , وخنوعها لا يدوم وهمها لا يدوم ووهمها لايدوم , ونومها لا يدوم وغفوتها لا تدوم وكبوتها لا تدوم، فلا بد أن تتحول البذرة إلى شجرة، والشجرة إلى غابة مثمرة وارفة الظلال. ولا بد من التغير في الحياة، لأن الثابت في الكون هو التغير. ومن يقف في وجه هذا التغير سيفقد سيطرته على الأمور لأنها سيل جارف يأخذ السدود والحدود معاً ويقتلع القبور والجذور ايضا .
ومن حق كل شخص أن يحبّ وطنه، وليس من حق أحد أن يحرمه من هذا الحب، لأن الأوطان لا تثبت إلا بالرجال أيضاً أما النكرات والرويبضة، والفئران والجرذان فهم مخرّبون وليس العكس. وإذا لم يُسمع صوتنا الآن ونحن في فسحة من الوقت , بعد أن كنا في بحبوحة وضاقت، فإننا سنصل جميعاً إلى زاوية الفيصل فيها لذوي السواعد الفتية الذين يعتمدون على أحدث ما وصل إليه الإنسان من وسائل الهجوم والدفاع , وان الخلاص والعاقبة لاصحاب الفكر وحامليه وليس لحاملي الهراوات والبنادق . فغاندي استطاع تحرير الهند بعنز يشرب حليبها وعصا لوز يتوكأ عليها وجسد نحيل يصبر على الاضراب عن الطعام وازار من صنع هندية ريفية تؤمن بالوطن وبتحريره من الاحتلال وبنظارات فيها بعد النظر وليس بعيون عليها غشاوة .
أما ردنا العلمي والتاريخي على كل ما ذكرناه أعلاه من الادعاءات ضد الاردن والعشائر الاردنية ، فنرغب أن نبدأ بما ورد في كتاب العهد القديم , حيث ذكر الأردن بالاسم، في عدة اصطلاحات، عبر الأردن ( وهي الأرض المحاذية لنهر الأردن من جهة الشرق) والأردن. وهو يعني النهر تارة وأرض شرق الأردن تارة أخرى. وأن الترجمة الإنجليزية لكل من هذين الاصطلاحين وردت في الكتب القديمة، والحديثة المتقدمة حتى عام 1946 (عندما تحولت الأردن إلى مملكة)، أقول الاصطلاح الانجليزي كان على النحو التالي:
1. عبر الأردن أو ماوراء الاردن او شرق الأردن Trans Jordan وقد ورد هذا الاصطلاح في عدد من كتب الرحالة الأجانب وترجمنا العديد منها إلى العربية.
2. ما وراء الأردن، حيث جاء بصيغتين A cross Jordan وصيغة Beyond Jordan. وكلاهما تعني شرق الأردن. وفي هذه الحالة فإن كلمة الأردن الواردة هنا تعني النهر، وأن ما وراءها هو الأردن نسبة إلى النهر.
3. الأردن Jordan وتعني الأردن الأرض الممتدة إلى الشرق من النهر.
4. إمارة شرق الأردن حتى 25/5/1946.
5. المملكة الأردنية الهاشمية وهذا جاء بعد عام 25/5/1946، Hashemite Kingdom of Jordan.
6. الشرق العربي Arabic Orientation. وهذا ما أطلق على الإدارة التي أقامها الانتداب البريطاني من 1921-1923.
7. واصطلاح الأردن الشرقية Eastern Jordan مما يعني أن فلسطين هي الأردن الغربية، وقد ورد ذلك عنواناً وأحياناً ضمن عدة عناوين ونصوص لكتب الرحالة الأجانب.
8. كما وردت عناوين عديدة أخرى لكتب عدد من الرحالة الأجانب مما تسعفني ذاكرتي وأنا في السجن بعيداً:
‌أ. مثل أرض جلعاد The Land of Gilead الذي كتبه لورنس أوليفانت وترجمناه إلى العربية وصدر عام 2004.
‌ب. أرض مؤاب The Land of moab الذي كتبه ترتسترام عن رحلاته عام 1872 وترجمناه إلى العربية وصدر في طبعتين الأولى بعنوان: رحلات في شرق الأردن، والثانية مزيدة ومنقحة بعنوان: أرض مؤاب.
‌ج. شمال الحجاز Northern Hijaz الذي كتبه الرحالة النمساوي موزل Musil، وتضمن الحديث عن الأردن ضمن رحلاته تحت هذا العنوان، أي شمال الحجاز.
‌د. أبيلا، بيلا، وشمال عجلون Abila, Pella, and northern Ajloun كتب المهندس الألماني شوميخر by Schumacker.
‌ه. صحراء الخروج Desert of Exodus كتبه بالمر Palmer.
‌و. أرض أدوم Edom كتبه موزل.
‌ز. رحلات في سوريا والبلاد المقدسة كتبه بورخارت ويعني بالبلاد المقدسة الأردن وفلسطين معاً وهي رحلات ما بين 1810-1817م، J.L. Burchardti Travels in Syria and the Holy Land.
‌ح. أرض حث ومؤاب كتبه كوندر وترجمناه إلى العربية Heth and Moab by Conder.
‌ط. البتراء Petra كتبه كِندي Kennedy.
‌ي. وادي الأردن والبتراء (ترجمناه إلى العربية) كتبه أمريكيان هما: Lebby and Hoskins.
ومن خلال هذه العناوين نجد أن الأردن جاء تارة ضمن عنوان الأراضي المقدسة، وأخرى ضمن مؤاب أو أدوم أو مؤاب أو جلعاد أو شمال الحجاز، ومرة أخرى كجزء شرقي من فلسطين، وأخرى كجزء محاذي للنهر، أي نهر الأردن.
ولو ناقشنا هذه الآراء القديمة والمتوسطة والحديثة لوجدنا ما يناقضها تماماً فالتوراة نفسها تحدثت عن الأردن ذاكرة رسم الأردن نفسه، وتحدثت عن فلسطين أنها أرض كنعان تارة، والأرض المقدسة تارة أخرى. وأن الدخول إليها قد تعذّر من الجنوب عندما همُّوا بذلك وهم في بلاد التيه، وإنما جاء الغزو إليها عبر الأردن. من هنا نجد أن بني إسرائيل قد حرصوا على وضع ملاة أمن شرقي نهر الأردن، وأيضاً على إبادة شعب الأموريين/ مملكة حشبون، ودحر واحتلال مملكة باشان ثم قاموا بتقسيم هذه الغنيمة عن البلاد ما بين أبناء جاد وراؤبين ونصف سبط منسي كما ورد في سفر العدد/ الاصحاحان 22، 23، وكما أشرنا إلى ذلك أعلاه .


الولاية العربية الاردنية

إنني لا أتفق مع ما ورد في كتاب العهد القديم من أن شعب الأموريين هم فقط أبناء مملكة سيحون وباشان , وإنما أرى أن كلاً من الشعب الكنعاني الذي سكن فلسطين وسميت باسمه، أي أرض كنعان، والشعب الأموري الذي سكن الاردن والشعب الفنيقي الذي سكن سواحل لبنان , هم جميعا عرب وأخوة وفدوا من جزيرة العرب في اوقات متقاربة وقد سكن الأموريوين في الأردن وشكلوا عدة مالك كل مملكة منها لقبيلة من هذا القبائل . وهذه الممالك الاردنية هي التالية :
مديان، وأدوم، ومؤاب , وحشبون، وعمون , وباشان، والحوريون ( في عصر سابق لهؤلاء ) وأنهم جميعاً (الأموريون والكنعانيون والفنيقيون ) يتحدثون لغة عربية واحدة هي إحدى ألسن العربية القديمة. , وكان ذلك قبل مجيء الانباط ومن ثم الغساسنة . وكانت جذام وقوم لوط وصالح وقضاعة سابقون لهؤلاء جميعا , وكانوا في هذه الديار بما يزيد على الفي سنة قبل الميلاد .
لذا لا نجد تسجيلاً لحروب طاحنة أو دموية ما بين الأموريين الذين صاروا أردنيين، والكنعانيين الذين سكنوا فلسطين، وأن سكناهم هذا كان قبل هجرة النبي إبراهيم عليه السلام من بلاد بابل في العراق . لكن الفارق، أن الشعب الكنعاني بقي موحّداً لوجود ساحل واحد يربطهم جميعاً وإن وُجدت (بضم الواو) سلاسل جبلية في وسط فلسطين،لكنها لاتشكل حاجزا كما هو الحال في الاردن . كما أن سهل الغور على الجانب الغربي من النهر يربط شمال أرض كنعان من طبريا إلى عصيون جابر/ أيلة على بحر القلزم (الأحمر) في الجنوب وان كان ذلك يضيق في مواقع هنا وهناك لاتعرقل الحركة . أما على الجانب الأردني فإن السهل يتقلص في أماكن كثيرة محاذية للبحر الميت بحيث يجعل الحركة سالكة بصعوبة في كثير من الحالات .
ولا نستطيع أن نعرض صفحة عن التسميات التي أطلقت على الأردن زمن الرومان أي بعد 106 وهو العام الذي سيطروا فيه على مملكة البتراء الأردنية العربية. فقد زحف الإمبراطور الرومي ديوقليتيان إلى سوريا عام 290م وأغار على البدو ودمرهم في البادية وسورية والأردنية، وألزمهم بالخلود إلى المسكينة ثم سار إلى الفرس وتغلّب عليهم ودمرهم، مما أدى إلى انتشار هيبته في قلوب سكان البلاد، وبالتالي كان ذلك من أكبر العوامل في إقرار الأمن في سوريا وشرق الأردن خلال المائة سنة أي إلى عام 390، التي أعقبت هذه الأحداث.
قام ديوقليتيان بإيجاد الولاية العربية الجنوبية في الأردن، وعاصمتها البتراء وتضم جنوب الأردن وسيناء، باعتبارهما جزءا من مملكة الأنباط الاردنيين العرب. أما القسم الشمالي من الأردن فكان يسمى الديكابوليس أي تحالف المدن العشرة، وصارت تسميته والجزء الجنوبي من سوريا، باسم الولاية العربية اللبنانية السامية وعاصمتها بصرى، The Province of Arabia Augusta Libanesus.
إذن نجد اسم الأردن فيما بين 290م-390م قد انقسم إلى قسمين الجنوبي ملحقا به ومضافاً إليه سيناء وعاصمته البتراء، والثاني مضافاً إلى سوريا وتحت تسمية الولاية اللبنانية، وتلك الولاية العربية الجنوبية، ومثل هذه التسمية كانت ضمن قرارات رومانية : سياسية وإدارية وعسكرية واقتصادية في آن واحد، حيث نجد أن كل قسم له منفس على البحر الأبيض المتوسط، الأول (الجنوبي) من شواطئ سيناء، والثاني (الديكابوليس) من خلال الشواطئ اللبنانية، أما العاصمتان لكل من القسمين فكانت حينذاك جزء من الأردن، حيث البتراء في جنوب الاردن ، وبصرى (من الجزء الشمالي الأردني آنذاك) التي كانت اصلا جزءا من مملكة باشان التي كانت تشمل حوران وبيسان وعكا وصور حتى سواحل البحر الابيض المتوسط وهو الامر الذي بقي على هذا الحال حتى منتصف العصر العباسي .
وفي حوالي عام 385م تم فصل الديكابوليس في منطقة بيسان عن الجزء الأردني الشمالي حيث تم ضمها إلى ولاية اللبنانية ، وصارت عاصمتها بيسان المسماة باللاتيني مايثوبوليس، بينما بقيت الولاية العربية الجنوبية على حالها. هذا أعلاه ما ذكره بوشير Bouchier في كتاب سوريا كجزء من المقاطعة الرومانية Syria as a Roman Province.
وفي هذه الفترة تمكن الرومان ومن خلال المودة والتواصل ودفع المال أن يحصلوا على تحالف شيوخ البدو في شرق الأردن وحدودها الصحراوية حتى وادي السرحان، مع بقاء هذه القبائل تحت السلطة المباشرة لشيوخها في الآن نفسه. وفي عام 395 صارت الولاية العربية الأردنية وآسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان ومصر ضمن الإمبراطورية البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية على مضيق البسفور، ذلك أن الإمبراطور الرومي تودوسياس قسّم الإمبراطورية الرومانية بين ولديه كانت عاصمة القسم الغربي منها : روما، وعاصمة القسم الشرقي : القسطنيطينية.
وفي أواخر العهد الروماني كانت الأردن تحت حكم الغساسنة العرب وهم يمن من قبيلة الازد ، وكان أبو فروة الجذامي واليهم على البلقاء ومركزه في معان،حيث كانت البلقاء تمتد من مدائن صالح والعلا جنوبا الى جبل الشيخ شمالا , شاملة بذلك حوران وجنوب الاردن ووادي عربة وايلة وهي العقبة الحاليو وعيون جابر وهي ايلات الحالية .وعندما أصرَّ ابو فروة الجذامي وهو من نسل من بقي من جذام وامنوا بشعيب عليه السلام من قبل , اقول عندما اصر على اعتناقه الإسلام تم صلبه على مياه عفرا إلى الشمال من الطفيلة. وكانت الأردن تضم الغور بضفتيه وبحيرة طبرية وعكا وصور وجبل عاملة بجنوب لبنان الذي سمي نسبة الى بني عاملة الاردنية التي اتخذت ذلك الجبل موئلا لها , وبذلك كانت الاردن تشمل الجنوب اللبناني والشمتال الفلسطيني حالياً وبقي الأمر على هذا الحال حتى العصر العباسي كما قلنا .لقد كان العباسيون حريصون على تمزيق الاردن واهله عقوبة لهم على موفقهم الداعم للامويين , وبالتالي فصلوا عنه جزأه الشمالي ليكون من ولاية دمشق والشمالي الغربي ليكون من ولاية بيروت والشمال الفلسطيني ليكون من اراضي نابلس والاجزاء الجنوبية = اي تبوك والعلا ومدائن صالح وينبع لتكون من ولاية الحجاز , واما مابقي من الارض الاردنية فقد اصبحت خالية من الادارة ومن الاهتمام وتم تشتيت العشائر الاردنية في اقطار الدولة العباسية ولم تعد الى الاردن الا بعد عدة قرون .


الجيوش الاربعة والعصر الاسلامي

وعندما سيَّر الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه جيوش الفتح الأربعة إلى بلاد الشام على النحو التالي:حيث عقد لواء دمشق على يزيد بن أبي سفيان، ولواء الأردن على شرجيل بن حسنة، ولواء حمص على أبي عبيدة عامر بن الجراح، ولواء فلسطين على عمرو بن العاص وبذلك كان واضحاً لدى المسلمين أن الأردن ديار تستحق عقد اللواء لغايات الفتح الإسلامي وانها كنت حاضرة في اذهان وادبيات قريش .
تجمعت الجيوش الاربعة في سرغ (المدورة) في جنوب الأردن ومن هناك انطلق كل منهم إلى هدفه. وكانت قريش على معرفة ودراية دقيقة ببلاد الشام واليمن بسبب رحلة الإيلاف وهي صيفاً إلى الشام وشتاءً إلى اليمن لغايات التجارة. وبالتالي كانوا يعرفون أن الأردن ديار تحمل هذا الاسم وفيها من المدن والقرى والبلدات ما يستحق تسيير جيش خاص لفتحه بل ويحمل اسمه : الاردن ، والأمر نفسه للديار الفلسطينية كما رأينا. حيث سار عمرو بن العاص عبر الديسة ورم ووادي القيم وأيلة (العقبة) ثم وادي عربة ثم إلى منطقة الطفيلة ثم الى فلسطين.
أما بقية الجيوش فجاءوا إلى معان ثم زيزياء فسمعوا أن الجيوش الرومانية تجمعت في وادي عربة ووقفت حائلاً دون تقدم جيش عمرو بن العاص إلى فلسطين فساروا إليها ودمروها في منطقة غرندل الىالجنوب من الطفيلة ( 25 كيلو متر ) ثم الى غور فيفة والصافي جنوب البحر الميت فولّت جيوش الرومان هاربة إلى فلسطين. وبذلك تهيأت السبل والطرق لعمرو بن العاص للتوجه إلى غزة، بينما سارت الجيوش الاسلامية الثلاثة الباقية إلى الكرك وصالحت أهلها وكانت تسمى مؤاب، كما ذكر الطبري ذلك، وصار الجهاد مشتركاً واجتمعت الجيوش الثلاثة للجهاد في البلقاء وحوران ولتطهيرها من القوات الرومية وعدم تمكينها من إعادة التجمع والتنظيم، وبذلك قلَّ خطر الرومان في الجزئين الشمالي والأوسط من الأردن، بينما أصبح الجزء الجنوبي نقيَّاً من الاحتلال الرومي تمام النقاء .
وبالمقابل انتصر عمرو بن العاص أيضاً على القوات الرومية التي كانت بقيادة سرغيوس في ضواحي غزة، ثم انسحب عمرو إلى عين الغمر في وادي عربة خشية مباغتته من القوات الرومية أو أن يكون اندحارها ضمن خطة للإيقاع به وبجيشه، وبذلك حقق النصر والسلامة لجيشه في آن واحد.
وما أن تحقق النصر الإسلامي في بلاد الشام وتحريرها برمّتها من الاحتلال الرومي حتى تبدّلت أسماء المناطق الأربعة فضلاً عن منطقة خامسة حيث صار اسم كل منطقة: جند وهو اصطلاح عسكري جهادي، يتضمن أن يكون في كل ديار جيشه ومقاتليه وقيادته للدفاع عنه، ولتعزيز الأجناد الأخرى إذا احتاجت إلى مدد عسكري، أو طلب هذا المدد إذا عجزت ادارة هذا الجند عن حمايته. فضلاً عن الخشية من الثورة الداخلية للسكان الذين كان أغلبهم لا زال على دين النصرانية أو اليهودية أو الوثنية، ثم دخلوا في الإسلام أفواجاً أفواجاً.
ومن ضمن ذلك صار اسم الأردن: جند الأردن وهو خاص بها فضلاً عن الأجناد الأخرى، لبلاد الشام وهي: جند فلسطين وهو خاص بها، وجند دمشق وهو خاص بها، وجند حمص، وجند قنسرين وكل خاص بالديار التي تحمل اسم الجند. وتم انبثاق تسمية اقتصادية عن الاصطلاح العسكري الجهادي حين صار كل جند عدة أكوار ومفردها كور وهي كلمة تتعلق بالاقتصاد والإنتاج. والجباية والخراج والجزية والعشر والزكاة وما إلى ذلك. أي تتعلق بواردات الجند التي هي جزء من واردات الدولة إلى بيت مال المسلمين، وتم تقسيم الأردن الى عدة أكوار منها كور الشراة ومركزه زغر (غور الصافي).
وبذلك يظهر جليّاً أن الشراة صارت ضمن التنظيم الجديد من الأردن، وهي الجزء الجنوبي من البلقاء. وهناك كورة عمان، وكورة بيسان، وكورة عكا، وكورة صور، وعددها جميعاً خمسة كور. وهذا الإجراء ينم عن فهم الديار الأردنية ومعرفة لحدودها بما يتفق مع ما وصفته وحدده العهد القديم إلى حدّ بعيد. ويدحض القائلين بعدم وجود الأردن اسماً جغرافياً وتاريخا وعلم اجتماع منذ القديم.
إذن بوجود الفتح الإسلامي اتضحت معالم الجغرافية الأردنية كجند صار يحكمها معاوية بن سفيان حتى عام 640 (18هـ) عندما انتشر طاعون عموان في بلاد الأردن وأهلك حوالي ثلثي السكان , وكان سكان الاردن وقت الفتح يربو على خمسة الاف الف – اي يزيد على خمسة ملايين نسمة , ولكن الطاعون جاء على اغلبهم وعلى غالبية الجيوش الإسلامية الفاتحة حيث أصيب الصحابة الكرام الكبار بما فيهم أبو عبيدة أمير أمراء أجناد الشام، فصار معاوية والياً على بلاد الشام ومركزه دمشق وبقي فيها إلى أن مات وهو خليفة للمسلمين وقد أسس دولة بني أمية وجعل الملك فيها وراثيّاً مشفوعاً بالبيعة من كبار بني أمية، والصحابة والتابعين والعلماء ورجال الدولة وزعماء القبائل وعامة المسلمين.
كان الطاعون قد انتشر في سوريا الكبرى وآسيا الصغرى عام 542م أي قبل مائة عام من طاعون عموان، وكان يهلك في حي القسطنطينية يومياً عشرة آلاف نسمة وبقي يتكرر خمسين سنة أعقبت بدء انتشاره. وكانت الأردن إحدى البلدان التي أصابها هذا الوباء، حين ذكرنا سابقاً أن هذه الأوبئة والكوارث أثرت كثيراً بالأردن، وأنها كانت تصيبه بين حين وحين. فسبحان الله ربِّ العالمين.
برزت أهمية الأردن وأهل الأردن في العصر الأموي وتزوج معاوية بن أبي سفيان ابنة أحد زعماء البلاد حين صار والياً على جند الأردن بدلاً من معاوية الذي انتقل إلى دمشق والياً للشام كما قلنا بما فيها الاردن . أما هذا الوالي والصهر الجديد فهو حسان بن بجدل الكلبي وهو زعيم قبيلة بني كلب الأردنية، وكانت منازله في واحة الأزرق، وقد تزوج معاوية من ميسون بنت حسان بن بجدل الكلبي المذكور وولدت له يزيد الذي تربى في كنف أخواله في بادية الأزرق الأردنية ردحا من حياته، ثم صار وليّاً للعهد، ثم أميراً للمؤمنين خلفاً لوالده، إلا أن مقتل الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما قد قلل من شأنه بشكل هائل، وصار المجال واسعاً للطعن بعقيدته وسلوكه وكفاءته. ومع هذا فإن العدالة تقتضي ألا نسمع من طرف واحد في أية قضية تحتاج إلى حكم صحيح.
وحين لا تتوفر لدي المراجع في السجن، واعتمد الذاكرة بالدرجة الأولى، فإنه يمكن للراغب بالمزيد من التفاصيل أن يعود إلى كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين (الجزء الأول).
ومع انتهاء الدولة الأموية، أفل نجم الأردن من سياسة الدولة العباسية ومعادلاتها , حيث نشأت مبادؤهم في الحميمة في جبال الشراة/ جنوب الأردن عبر ثلاثة أجيال أثناء دولة الأمويين، حتى إذا ما تحوّلت الدعوة إلى دولة في العراق وخراسان وإذا لها جيوش وأتباع بدأ التطاحن حينها بين القوة الجديدة التي تربى خلفاؤها الثلاثة الاول وولدوا في الأردن وهم عبد الله السفاح وشقيقه المنصور وموسى الهادي، حتى غابت ديار الأردن عن الاهتمام، خشية أن تظهر بها دعوة أخرى قد تنسف بني العباس. , وعقوبة لاهلها في مواقفهم الداعمة لبني امية
أمر العباسيون بقطع الاشجار الاردنية وقطع الاتصال اة الاهتمام بهذه الديار ، وعدم تقديم الخدمات، مما حولها الى بلاد شبه قاحلة ومحل طرد سكاني، فقلّ سكانها، وتحولت كثير من قراها إلى خرائب خاوية على عروشها، ومدنها إلى قرى ليست ذات شأن يذكر بل أنهم حوَّلوا طريق الحاج من بغداد إلى مكة المكرّمة مباشرة ورصفوا طريقاً لهذه الغابة عبر بادية العراق وبادية الجوف وتيماء، ثم مدَّت السيدة زبيدة بنت أبي جعفر المنصور زوجة هارون الرشيد رضي الله عنه وعنها، أقول أمرت بمد قناة ماء من نهر الفرات إلى جبل عرفات كانت تكفي عربان البادية، ومواكب الحجيج ويوم الوةقوف بعرفة / يوم الحج الاكبر .
إذن تم تحويل طريق الحاج عن الأردن، وصار حجاج مصر وشمال أفريقيا وفلسطين يذهبون عبر أيلة ثم الساحل أو عبر البحر مباشرة دون أن تستفيد الأردن سكانا أو سوقا من هذه الطرق وهذه المواكب، فهاجرت القبائل شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ومع هذا بقيت اقسام من قبائل جذام وقضاعة وبلي والأنباط، وبني عاملة والغساسنة في البلاد الى الان او عادوا اليها بعد طول غياب .
وعندما ابتلي الأردن من ضمن بلاد الشام ومصر بالغزوات الصليبية، تأسست إمارة الكرك الصليبية التي كانت تابعة لمملكة القدس، كما سنأتي فيما بعد إن شاء الله، حتى إذا ما أتى الله الملك للمماليك (يؤتي الملك من يشاء) صارت الكرك في فترة من الفترات عاصمة مملكة الكرك التي كانت تضم الأردن حتى تبوك، وأحياناً تتبعها مصر لفترة وجيزة من التاريخ.
دخلت البلاد في الفوضى بعد الاحتلال العثماني وصارت جزءاً من ولاية دمشق، منذ عام 1517م حتى حوالي عام 1560م , ثم غرقت البلاد بالفوضى وانعدام الإدارة، واقتصرت الأمور على قيام لواء عجلون الذي كان يشمل بلاد ما سمي فيما بعد بشرق الأردن , وبقي كذلك حتى عام 1850، عندما هاجرت قبيلة بني عباد تحت ضغط تحالف قبائل البلقاء بقيادة العدوان، أقول هاجرت إلى بيسان حتى عام 1863/ وما أصاب القبيلة من موت الأطفال فعادوا إلى ديارهم في البلقاء (حول بلدة السلط ومغاريب عمان ) آنذاك، وخاضوا حروباً مريرة مع العدوان واستطاع العبابيد بزعامة كايد بن ختلان صاحب العقلية العسكرية والسياسية الاستراتيجية المذهلة أن يستعيد أراضي العبابيد بعد أن سيطر عليها السلطيون والعدوان مدة ثلاث عشرة سنة وأعاد تقسم ديار العبابيد بين بطونها وبقي التقسيم ساريا الى يومنا هذا .
ثم ذهب وحليفه الجديد من العدوان وهو الشيخ أحمد أبو عرابي الكايد العدوان الذي كان ميالاً للسلم والوئام وترك الحروب بين القبيلتين بعكس ما كانت عليه سياسة الشيخ علي الذياب العدوان آنذاك، وقابل الشيخان كايد الختالين وأحمد أبو عرابي والي الشام ومعهم شيخ السلط حسين الفاعوري وحصلوا على نياشين سلطانية وعادوا يحملون أمراً بإنشاء لواء البلقاء ومركزه السلط في عام 1863/1864 حيث توقفت الحروب والغزوات بين القبيلتين / بين عباد والعدوان .
وفي عام 1889، تجهزت بنو صخر أقوى قبيلة في الأردن عبر عدة قرون حتى السبعينيات من القرن العشرين، أقول تجهزت لشن حرب إبادة لعشيرة المجالية في الكرك الذين بدورهم استنجدوا بوالي نابلس ومتصرف السلط، فتحرك طابور تركي ودخل قلعة الكرك، ومنع هذه الحرب التي كانت ستأتي على آل المجالية صغيراً وكبيراً , وذلك على اثر تصرفات شيوخ المجالية الاستفزازية تجاه الصخور.
وصف فوردر هذه الحملة في كتابه بالإنجليزية: مخاطراتي بين العرب Ventures Among Arabs الذي قرأته بالإنجليزية عام 1981 عندما كنت أحضر للدكتوراه في جامعة كيمبردج، ولم أحصل على نسخة منه في الأردن الى الان حيث رغبت بشدّة بترجمته إلى العربية، ونأمل أن يتحقق ذلك إن شاء الله.
وبذلك توطدت أركان الإدارة التركية في الأردن عبر ثلاثة ألوية منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى تم تحرير الأردن منها عام 1918، وهذه الألوية: لواء عجلون ومركزه في إربد، ولواء البلقاء ومركزه السلط، ولواء الكرك ومركزه قلعة الكرك حيث يشمل تبوك والعقبة جنوباً، ويصل إلى وادي الموجب شمالاً.
كانت هذه الألوية تابعة إلى ولاية الشام ومركزها دمشق وقد ذكر صالح المصطفى التل والد الشاعر الأردني عرار (مصطفى وهبي التل ) ، وجد الزعيم الوطني التاريخي الأردني المغفور له الشهيد وصفي التل، أقول أشار في مذكراته التي نشرناها في كتابنا، العشائر الأردنية/ الجزء الثاني ضمن عشيرة التل، أن الشيخ يوسف الشريدة والد الشيخ كليب الشريدة وجد الشيخ عبد الله كليب الشريدة قد أخذ خرجاً من الذهب وأهداه لوالي الشام وطلب فصل لواء عجلون عن التبعية للواء نابلس وأتباعه مباشرة إلى ولاية دمشق. وكذلك كان.
إن هذه الفترة الوجيزة التي لم تتجاوز الا المدة التي تطلبت جمع المال الهدية التي قررت الإدارة التركية فيها تبعية عجلون لنابلس قد صارت وتراً يعزف عليه ويغني كثيرون من الذين يبخسون الأردن حقه في الوطنية والهوية والثقافة والتاريخ ويقولون أن التقسيم الإداري بين الأردن كان عرضياً (بالعرض) وليس طولياً وهذا كلام وان حدث عارضا الا انه لم يكن منهجا متبعا .
واستغرب كيف لسنة أو سنتين من التبعية الادارية تتغلب على عشرات من السنين من الابتعاد الاداري ؟ وهل هذا يعني أن السنة في التبعية الأردنية للجهات الاخرى يصبح أمراً مميّزاً؟ إننا نناقش الأمر من واقع علمي بعيدا عن التعقّب المذهبي أو العرقي أو الجغرافي، وإنما نذكر حقائق التاريخ بالموضوعية الموثّقة.

الاردن وهويته موضع الجدل

ونعود إلى القول كما سبق وقلنا في البداية أن الأردن موضوع نقاش بتاريخه وهويته وجغرافيته رغم وضوح هذه كلها. كما أنه ساحة للصراعات والتزاوج والتمازج بين الثقافات والمجموعات البشرية، وربما يعود ذلك لعدة أسباب منها:
1. موقع الأردن، حيث أنه النهاية الشرقية للخضراء، والنهاية الغربية للصحراء، وهو الملاة الأمن لمن يأتي من هذه وتلك لبرهة من الزمن، ثم يدخل في صراعات تنحسم نتائجها بأن البقاء للأقوى والأغلب.
2. طبيعة التركيبة السكانية فيه من مستقرين ومارين، وبالتالي فإن كان من الطرفين قد يدعيه أو يذمه أو يمدحه.
3. مرور والتقاء الطرق التجارية فيه.
4. مجاورته لمناطق الصراع في فلسطين والحجاز وسوريا حيث يتحول إلى مستودع للهاربين إليه من هذه الأقطار، أو نقطة انطلاق لغزو هذه البلدان أيضاً.
5. كونه جزءاً من بلاد الشام تارة، ويصبح الحديث عن الشام شاملاً له، وبالتالي يغيب اسمه وذكره من النصوص في كثير من الأحيان , وكونه جزءاً من البلاد المقدسة في عرف اليهود والنصارى مما يجعل عنوان البلاد المقدسة يشمله ويشمل فلسطين معاً، فيضيع اسمه لحساب اسم غيره ولحساب عناوين أخرى.
6. اقتطاع أجزاء منه لأقطار مجاورة تم ضمها ثانية فينتبه الكاتب ويعتبر أن هذا الاقتطاع أو الالتحاق يعني عدم وجود اسم الأردن على الخارطة. فمثلاً كانت العقبة ومعان جزءاً من الأردن منذ ما قبل الأدوميين وقبل الخروج أي منذ القرن الرابع عشر قبل الميلادي، ولكن بعض الأقلام والكتاب ينسون هذه القرون الطويلة ويركزون فقط على فترة بسيطة تم إلحاق العقبة ومعان إلى إدارة الحجاز لعدة سنوات (منذ عام 1910) وأعيدت إلى إدارة الأردن في عام 1924 بعد أن تحولت الإدارة الجديدة بالأردن من عنوان: حكومة الشرق العربي إلى إمارة شرق الأردن.
أمام هذا نجد البعض يبخسون الأردنيين أشياءهم بالقول أن العقبة ليست أردنية ومعان ليست أردنية، ونسوا أن معان مثلاً كانت عاصمة البلقاء زمن الرسول صلى الله عليه وسلم , وأن عاملها للروم كان أبو فروة الجذامي، وأنها كانت تابعة لولاية الشام (دمشق ـ جُلّق ) ويقول حسان بن ثابت في مدح آل جفنة الغساسنة.
لله درّ عصابة نادمتهم يوماً
بجلق في الزمان الأول

نقل فؤادك ما استطعت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل

7. الإدارات غير الأردنية المتعاقبة على الأردن. فالمماليك والأتراك والإنجليز ومن لفّ لفهم، وهم جميعاً غرباء على الأردن وأهله وجدوا أن خير وسيلة للدفاع عن أنفسهم هي الهجوم على الأردن وأهله بالقول بأنه لا يوجد أردن ولا أهل لهذا البلد، وبالتالي فإن الوافدين أولى بحكمه واستغلال خيراته وانتهابها. كما أن تظاهرهم بالادعاء بحب البلاد والانتماء إليها ليس مقنعاً لأهل البلاد لأنهم ينظرون إليه أنه نمط من التزلّف من أجل البقاء على رأس الإدارة في الأردن.
أمام ذلك لا يهم هؤلاء الوافدين أن تكون الأردن جزءاً من أي قطعة من الدول المجاورة، والادعاء بأن المجموعات الوافدة أو الغريبة هي التي بنت الوطن وحدوده وهويته وثقافته وشعبه.
8. إن مفهوم تقسيم الأردن إلى مناطق جغرافية موجود منذ التاريخ القديم، مديان، ادوم، مؤاب، حشبون، عمون، باشان، ويفصل بين كل منطقة وأخرى وادٍ كان في الأزمنة الغابرة نهراً جارياً، لم يبق منها إلا الزرقاء الذي تحوّل إلى سيل، ثم إلى مجرى للمياه العادمة القادمة من محطة تنقية الخربة السمراء التي تعالج شبكة مجاري عمان والزرقاء.
وقد حل مفهوم الديرة واستمر بدلاً من المملكة القديمة، وكان يقال: ديرة الشراة التي تشمل الشوبك ووادي موسى والبتراء ومعان ووادي رم والديسة جنوباً ووادي الموجب شمالاً، وديرة البلقاء من الموجب إلى الزرقاء، وديرة عجلون أو الشمال من الزرقاء إلى اليرموك ., ثم في القرن العشرين ظهرت اصطلااحات جديدة لازالت هي السارية الى الان وهي : اللواء الشمالي الذي يمتد من نهر الزرقاء الى الحدود السورية . ولواء البلقاء او الوسط ويمتد من هر الزرقاء الى نهر الموجب . واللواء الجنوبي ويمتد من وادي الحسا الى الحدود السعودية . بعدها تم تقسيم الاردن الى محافظات في النصف الاثني من القرن العشرين وما بعد ذلك ولكن اصطلاحات : شمالي وبلقاوي ( وسط ) وجنوبي لازالت موجودة ومستعملة في الحوار العادي للاشخاص .
9. أسباب حديثة يتعذر ذكرها الآن وإنما الإشارة إليها حيث تحول الأردن إلى حاضنة تفريغ أو محطة أو مستودع بشري أكثر منه إلى وطن لشعب واحد موحد. فالمستودع يحوي عادة من المتناقضات والعناصر غير المتجانسة، والتي لا زالت تدين بالحب لبقع (مفردها بُقْعة) او اوطان جغرافية أخرى خارج الاردن ، لذا ظهرت بالبلاد مقولة سياسية. ( من شتّى المنابت والأصول ) ، ومقولة أردني من أصل كذا وكذا، بما يشتمل على انفصام وازدواج في الشخصية الوطنية والسياسية . وظهر اصطلاح أردني ليعني الأردن المتجذر، واصطلاح: مواطن أردني ليعني من حصل على المواطنة بقرار سياسي , ولا يكون من أصل أردني. وقد شرحنا ذلك مفصّلاً في جزء: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية باللغة الانجليزية . كما أن الحاضنة تشتمل على أصناف متباينة من الطيور، إذا ما تربت عاد كل منها إلى طبيعته وبيئته.
ويعتبر المستودع الذي يضم العناصر غير المتجانسة أمراً غير مقبول في القضية الوطنية، ولكن جميع هذه المكونات تخشى العنصر المتجذّر الاصيل وتعمل ما وسعها الجهد للتقليل من شأنه وأهميته، وتبخسه حقه في أن ينادي بوطنيته أو هويته . من هنا نجد أن الهوية الأردنية هي نقطة جدال مستمر كما سبق وقلنا في مطلع هذا الباب والكتاب، وموضوع تبخيس لها ولأهلها دونما انقطاع. وأن من ينادي بها يعتبر مجرماً أو متجاوزاً أو داعياً إلى التآمر والتنافر وإثارة الفتن بين عناصر مكونات المستودع.
لا يقبل الأردنيون أن تكون بلادهم مستودعاً، ويفترض الا يقبل غيرهم أن تكون الأردن وطناً لهم . لذا فإن أشكال الصراع والخلاف الخطي حول ذلك لا تتوقف ولا تنقطع بل إن مقولة عنصري أو إقليمي سهلة التصديق ضد أي شخص من الطرفين للأسف الشديد.
سادساً: وسائل الحماية القديمة في الأردن: إن موقع الأردن جعل الحياة فيه سهلة صعبة في آن واحد. ذلك أنها قريبة من الخضراء (فلسطين وسوريا)، ومن الصحراء (جزيرة العرب) وبالتالي فإن ملاحقة العدو فيها سهلة إذا اقتصرت الحركة داخل الأردن، ولكن إذا ما تمدَّدت، ولجأ أهلها إلى الصحراء صاروا في منأى عن منال من يريد بهم سوءاً ممن قدم من الغرب أو الشمال. وإذا كان الطالب لهم من جزيرة العرب أو الواحد، فإنه قد يتوقف عند حدود الجبال، أو يحاول الحاق بمطلوبه عندما يتجاوزون نحو غرب نهر الاردن أو مصر أو ما إلى ذلك. ونجد ذلك من خلال الحملات العسكرية التي قام بها الرومان وقبلهم اليونانيون والبابليون والآشوريون كما سنأتي على ذكر ذلك في هذا الجزء من الكتاب إن شاء الله.
وقد كان لطبيعة الأرض الأردنية من الوعر والشجر وصعوبة اقتحامها لشدة وبسالة اهلها , أن صارت ملاذاً آمناً للمجموعات المطلوبة داخلياً وخارجياً. حيث كانت الغابات تغطي مساحات شاسعة منه، وحيث وعورة الأرض والطرق وجنبات الوديان والأنهار، وحيث حرارة الأغوار . كما كان للتحالفات أهمية في توفير الحماية لسكانها والوافدين اليها ، حيث نجد تحالفات مملكة مديان وأدوم مثلاً، وتحالف عمون مع الآشوريين في فترة من الزمن، وتحالف الأنباط مع الرومان تارة، وممالك أخرى داخلية تارة أخرى.
وبمعنى آخر، فإن الأمن والحماية هما الهاجس الرئيس للأردني، يبحث عنه ما استطاع إليه سبيلاً، وبأية وسيلة، ثم ظهرت التحالفات العشائرية الداخلية وأيضاً تحالفات هذه العشائر مع عشائر أخرى خارجية . كان ذلك في العصور الغابرة من التاريخ وعبر العصور الوسطى والحديثة .
ولا زالت عهود هذه التحالفات موجودة في الذاكرة الجماعية لهذه العشائر وأبنائها، ذلك أنها خدمت الأجيال السالفة، وساهمت في استمرار الحياة لمن لحقها من اجيال والاجيال الحديثة ، وعزّزت صراعهم من أجل البقاء. فقد كان من المتعذِّر على طرف واحد (أي عشيرة أو قبيلة) أن تواجه التحديات وحدها، أو أن تحد من المعارك او تنتصر فيها دونما حليف لها ينضم إليها، مقابل أن ينضم هذا الطرف إليه في وقت آخر أيضاً، فهي منافع متبادلة من أجل البقاء واستمرار الحياة. وقد ساهم ذلك في ضمان بقاء واستمرار هذه القبائل التي أصبحت عماد الإدارة والدول في الاردن عبر التاريخ بما فيه العصر الحديث ولا زالت في الذاكرة الجماعية للقبائل الاردنية ماكانت عليه هذه القبائل من التحالفات زمن الاباء والاجداد منذ الاف السنين وتجددت وتوثقت منذ مئات السنين وفي عهد قريب من القرن العشرين ,ز بل لازالوا يعتزون بهذه التحالفات والبنعمة .
ومن الوسائل القديمة التي كان الأردنيون يلجأون إليها هي السراديب تحت الارض . ففي غالبية الخرائب القديمة تقود الطرق والشوارع الظاهرة إلى مغائر وسراديب تحت الأرض تستمر لعدة كيلو مترات طولا وتتسع لأهل القرية برمتهم , وقد تتصل بعدة قرى مما يبين انها كانت ممرات امنة وملاذلات امنة بعبدة عن اعين الاعداء والمهاجمين والمحتلين, وهذا شائع في الأردن، حيث توجد مدن وقرى اخرى تحت الارض تتسع لسكانها فوق الارض ومواشيهم وخزينهم , حتى اذا ماجاء الغزاة لم يجدوا احدا ولا اثرا , فيعبرون , حتى اذا مازال الخطر عاد اهل القرى والمدن الى امكاكنهم . وهناك المدينة تحت ا لأرضية في درعا التي تحدث عنها شوميخر في كتابه عبر نهر الأردن A cross the Jordan والذي ترجمناه إلى العربية وصدر مطلع عام 2007.
وفي قرية دابوق مثلاً إلى الغرب من عمان توجد مغائر تحت الأرض واسعة ومرتفعة، وفي السويسة غربي وادي السير توجد فتحة ضيقة دخل إليها الجيل الذي سبقنا فوجدوها مغارة واسعة جداً ذات عمق يزيد على ثلاثمائة متر نحو الشمال الغربي. وفي قرى شمال الأردن توجد هذه السراديب بكثرة مختفية عن النظر وتحت كل قرية من الخرائب الأثرية القديمة تقريباً.كما تم اكتشاف سرداب مائي عبر شمال الاردن تم حفره زمن الرومان ولا زال الماء يجري فيه ايضا .
أما القلاع فكانت من وسائل الأمن والحماية والدفاع والهجوم والسيادة في الآن نفسه، وبقيت تؤدي هذه الوظائف إلى مطلع القرن العشرين. ومن أشهر قلاع الأردن: قلعة عجلون، قلعة السلط، , قلعة الكرك، قلعة الشوبك، قلعة العقبة، فضلاً عن قلاع ثانوية ليست بهذا المستوى من الإتقان والقوة والاستمرار مثل الأزرق، وأبنية أخرى كانت عبارة عن قصور لحاكم هنا أو هناك مثل بريقع (شمال الأجفور) والنويجيس في طبربور، وعراق الأمير/ قصر العبد.
ومن وسائل الحماية النحت بالصخر، وذلك ما نراه في البتراء/ الأنباط، والسَّلْعْ (غربي ظانا في محافظة الطفيلة)، وهي أدومية (مملكة أدوم)، وكانت قبلها حورية من مملكة الحوريين العرب الاردنيين وهم سكان الجبال الذين دحرهم الادوميون . ويأتي ضمن هذا الإطار إقامة الأسوار المحيطة بالمدن القديمة مثل قلعة عمان، وجرش، والمخيط غربي مادبا، وغير ذلك كثير.
وكان الرحيل والتنقل والتخفي والتنكر من وسائل البحث عن الأمن والحماية لدى الأردنيين القدماء. فإذا أوغلوا في الصحراء تعذر اللحاق بهم أيضاً . واذا كانت هذه التحركات باعداد كبيرة فانها تعتبر حينها نمطاً من الاحتلال لتلك الأقطار او الديار المجاورة وقد يؤدي إلى الحرب بين الوافدين والمقيمين , او بينهم والدولة التي تدعي الهبمنة على الديار التي تم اجتياحها مثلما حصل لبني هلال في حربهم مع الزناتي خليفة امير البربر في شمال المغرب .
وفي هذا السياق نضرب على ذلك مثلاً أن جون باغوت غلوب ( كلوب باشا ) وهو إنجليزي كان قائدا للبادية الاردنية ثم قائدا للجيش العرب يالاردني ، غضب ذات مرة من المغفور له الشيخ حديثه الخريشة ، فقال له: يا شيخ حديثة لا تعاند من إذا قال فعل. فردّ عليه حديثه رحمه الله: يا باشا: لا تعاند من إذا هدَّ رحل. فقد هدد غلوب باشا بقوة الجيش والإدارة وإلزام البدو على الطاعة وتنفيذ الأوامر , بينما هدّد الشيخ حديثه بالرحيل خارج الأردن، بحثاً عن الأمن والحماية، وتمسُّكاً بالكرامة التي يرى أنها أصيبت بسبب تدخل الإدارة في شؤون عشيرة بني صخر، أو فرع الخرشان.ان هذا المفهوم : لاتعاند من اذا هد رحل هو المفهوم نفسه للعشائر الاردنية عبر الاف السنين , وان اختلف الاشخاص الا ان العقلية في هذا الصدد لم تختلف , لانسجامها مع طبيعهة الارض والانسان .
وفي هذا نجد البدوي الأردني يتحدث دائماً عن الرحيل إذا شعر بالخطر أو لم يعجبه المنزل. وأما في حالات القتل فإن الرحيل الزامي على خمسة الجاني: ويُسمَّى: الجلوة ـ أو الجلاء، وهو الرحيل الى مكان بعيد عن خطر الانتقام . لذا يقولون الهدَّاد يهدّ والعدَّاد يعِدّ، Al-haddad iyhidd wa "Laddad iyid".
أي أن من يقع منهم اعتداء على طرف آخر ويؤدي إلى القتل او كسر العظم او الاعتداء على العرض , فعلى خمسة الجاني أن ترحل (تجلو) وعليهم جميعاً هدم بيوتهم(بيوت الشعر) وتقوم لجنة عشائرية بعدّ التسلسل النسبي لهؤلاء وارتباطهم بالقاتل، وعلى كل من يقع ضمن الخمسة أن يجلو (يرحل) أو يدفع بعير النوم، أما من يزيد عن الخمسة فيعيد بناء بيته. وقد شرحنا ذلك مفصَّلاً في كتابنا: القضاء عند العشائر الأردنية.
ونعود إلى مادار بين كلوب باشا، والشيخ حديثه الخريشة فالأول هدّد بالسلطة وقوتها، وكان ردّ فعل الثاني هو البحث عن الأمن والحماية الذي رأى أنه لا يتحقق بالمجابهة مع إدارة تملك الطائرات والجيش والمدافع والرشاشات، وإنما يتحقق بالرحيل، وبالتالي حرمان البلاد من جانب كبير من أهله وهم فرع عربان الخرشان في بني صخر الذي كان الشيخ حديثة شيخهم . وكان ذلك مصيبة على الإدارة لو حدث، ولا يعني الرحيل تنكُّراً للوطن، وإنما احتجاجاً على ما تقوم به الإدارة من الأذى ضد أبناء الوطن. كما ان هذا يعزز راينا ان الرحيل والتنقل عند البدو ليس من اجل الماء والكلاء فحسب , وانما طلبا لحماية او هروبا من اعتداء الدولة او اية سلطة احتلال .
ومن وسائل الأمن والحماية عبر تاريخ الأردنيين هي الخضوع للمحتل والتعايش معه، لذلك قالوا في أمثالهم: اللي يأخذ أمي هو عمي Whom he marries my mother becomes my uncil وقولهم الدولة دولة والعرب عرب The state is the state, and the people is the people فالدولة تأتي وتذهب، أما الشعب باقٍ. لذا فإن الثوابت عند الأردنيين أمران فقط هما: الأرض والإنسان فالشعب قادر على التكيف مع المتغيرات، والأرض موجودة يتكيف الشعب والإدارة الجديدة (بغض النظر عن الزمن) مع هذه الأرض.
ومن أقوالهم: خبي راسك عند مصاكل الدول (Khabbi rasak ind imsakal al-dowal).
Hide your head once conflict takes place between powers (or states in or around).
فالأردني إذا عجز عن المقاومة احتوى القوة وتعامل معها وخضع لها حتى حين. لذا فإنهم استمروا زمن الاحتلال الفارسي والديكابوليس والروماني، والصليبيي والعثماني.
ومن ضمن ذلك أيضاً الحركة المؤقتة، فهم يهربون من مكان الصراع إلى أماكن أخرى رحيلاً، إلى أن يتحقق الأمن فيعودون. فهم يؤمنون أن شيئاً من الخطر أو الأمن لا يدوم. وأن عليهم أن يحققوا لأنفسهم السلامة. فهم لا يواجهون العواصف وإنما يتجنبونها عند حدوثها وأن موقعهم قد جعلهم في حل من تحقيق الأمن لذاتهم.
سابعاً: البدو الأردنيون يدمِّرون القوى المحتلّة في نهاية المطاف عبر التاريخ سواء بفعلهم، أو بمساهمتهم في تهيئة أجواء، الضعف والهوان لهذا المحتل ليسقط عند قدوم قوة أخرى من الاحتلال. فقد استطاع البدو مهاجمة الديكابوليس (تحالف المدن العشرة) وإضعافها، ونهب خيراتها ومقدّراتها, وشن حرب عصابات ناجحة عليها , ذلك أن عملية النهب والسلب والحرق والتخريب والاستنزاف تفوق تأثيراً عشرات المرات لقوة الأعمار. وهذه العمليات النهبية أو التخريبية يتقنها بدو الأردن عبر التاريخ مما يضع قدرة المحتلين. وقد أشار ابن خلدون في مقدمته أن القدرة التدميرية للبدو بما يفوق القدرة التعميرية لغيرهم. فالتخريب لا يحتاج إلى هندسة ودقة، وإنما مجرّد خلخلة توازن الأشياء السوية ، وتكسيرها أو حرقها، فتصبح قاعاً صفصفاً .واذا كان الاعمار ياخذ طويل وقت فان الخراب لايحتاج الا القيام بالخراب وتدمير القائم .
ونجد الرومان قد أدركوا خطورة هؤلاء البدو الاردنيين ( والوافدين الى الاردن من قبائل جزيرة العرب وبلاد الرافدين ) ، وأقاموا مع بدو الاردن وقبائله تحالفات للقيام بمهمات حماية حدود الإمبراطورية من جهة الصحراء، ولاحتوائهم كي لا يتحولوا إلى أعداء، ولكي يكونوا حاجزاً بين الدولة والقبائل المتنقلة التي قد تغير قادة من جزيرة العرب والرافدين ثم تهرب إلى الصحراء بما نهبت ولا امكانية للحاق بهم او تاديبهم من قبل الرومان , وانما من قبل اخوتهم البدو العرب من اهل الديرة الاردنيين .وما كان الرومان ومن قبلهم اليونان ومن بعدهم الدول الاسلامية والصليبيون يتعاملون الا مع قبائل الديرة لانها حريصة على حماية ديرتها من البدو الغرباء والوافدين والمهاجمين ايضا , ولانها ايضا حريصة على ضمان السلامة من الاذى الذي قد يلحقه بهم الرومان . ان مبدأ الصراع من اجل البقاء كان واضحا في التكيف مع المعطيات والظروف , والتعامل مع الرومان الذين يتمتعون بقوة السياسة والسيادة والمال والجيش والسلاح , ولا يقهرهم الا الصحراء
كان التنوخيون القادمون من اليمن اصلا ( على اثر خراب سد مارب) إلى العراق ومن هناك إلى الأردن عام 230م وهم أصحاب خبرة في الإدارة والدولة والسيادة وتنظيم العشيرة، وتنصيب ملك منهم عليهم . ذلك أن أهل اليمن اعتادوا على ذلك لأنه لا تعمر البلاد، ولا تستقر ولا تتوفر الحماية للناس إلا من خلال دولة وملك بالنسبة لهم . وقد بلغ عدد ملوك التنوخيين بالأردن من حلفاء الرومان ثلاثة ملوك وهم: النعمان بن عمرو، وعمرو بن النعمان، والحواري بن عمرو.
إلا أن ملك الضجاعمة للأردن لم يستمر طويلا كما أن الرومان لم يقفوا إلى جانبهم ولم يزوّدهم بالسلاح والمال والرجال. فكان أن انهارت مملكة الضجاعمة التنوخية الأردنية أمام زحف فرع من فروع قبيلة قضاعة اليمنية، ألا وهو فرع سُلَيْح.
وقد وفدت سليح القضاعية اليمنية إلى مراعي مؤاب والبلقاء الأردنية الخصبة، واستطاعوا من خلال قوتهم ودهائهم وتجنب أخطاء الضجاعمة أن يقنعوا الرومان أنهم الحليف الأفضل الذي يمكن أن يحكم الأردن تحت سيادة الرومان لقاء المال والسلاح لأنه بالمال يمكن أن يتم تجنيد الرجال وإسكات الشيوخ. وشراء الزعامات. وشراء السلاح. ويقول العرب أن العرب لا تحكم إلا بالأحمرين: الذهب (أي المال) والسلاح (السيف)، وأن الاعتماد على واحد منهما لا يجدي نفعاً، فلا بد من المال، مع إشهار السيف ليقال للشيخ أو عشيرته، هذا ما تريد من المال فإن تمردت فالسيف حاضر.
من هنا نجد أن عادة العرب هي وضع السيف على الجانب الأيسر للرجل مع تعليقه بجناد على الكتف الأيمن، لتكون الجيبة اليمنى في متناول اليد اليمين. أي أن المال في الجيب اليمين، فإن عجز عن أداء مهمته في استماله شيخ أو زعيم أو قوم امتدت اليد اليمنى نفسها للسيف القائم على الجانب الايسر لاستخدامه. فالمال أولاً والسيف ثانياً.
بقي الرومان يعترفون بسيادة بني سليح القضاعية إلى أن ظهر الغساسنة، وكان لبني سليح مدينة معروفة وهي إلى الغرب من البقة في البلقاء، وتسمى: السليحي نسبة إلى بني سُليُح وهي الآن من أراضي قبيلة العدوان الأردنية.
للغساسنة قصة، وقد طال حكمهم للأردن، وبقي إلى أيام الفتح الإسلامي زمن سيدنا عمر بن الخطاب، وكان آخر ملوكهم الذي أسلم ثم ارتد هو جبلة بن الأيهم الذي عاش من 535-629. أي مائة عام إلا ستة أعوام. وكان من ملوكهم عمرو بن مزيقياء الذي كان على عرش مأرب اليمنية في القرن الثالث الميلادي، وهو الذي جاء إلى الأردن، ثم ال الملك من بعده إلى ولده عمرو، ثم إلى جفنة بن عمرو، لذل يُسمى ملوك الغساسنة: أبناء جفنة الذي عقّب الملك عمرو المحرّق، وهنا يطلق أحياناً على ملوك الغساسنة بني المحرَّق , أو آل المحرَّق , وبعد جفنة ملك عليهم جفنة الثاني وإلى رت أبي شمَّر الذي سمته الروم: شامينوس ـ وكان الحارث الأعرج بن جفنة الثاني حكم من 521-569 وله ثلاثة أولاد هم الأيهم (والد جيلّة المشار إليه أعلاه) والمنذر الذي عقَّب النعمان بن المنذر وهو ملك مشهور منهم أيضاً وتولّى الملك قبل جبلّة أي في عام 581. ثم ملك عليهم عمرو الذي مات عام 569م.
وإذا عدنا إلى المراجع العربية فإنها ذكرت أكثر من ثلاثين ملكا للغساسنة، ولكن الرومان لم يدوّنوا إلا عشرة منهم ذكرناهم أعلاه.
سمي الغساسنة بهذا الاسم لنزولهم على ماء في تهامة (الحجاز) يقال له غسَّان فأصبح كل من نزل عليه يسمى الغساسنة. ورغم الأقوال المتناقضة حول تاريخ قدوم الغساسنة للأردن، فإنها لا شك جاءت بعد سقوط مملكة الأنباط. وأنها حطت رحالها في ديارنا في القرن الرابع للميلاد وذلك بعكس ما يقوله Mac Macheal في كتابه تاريخ العرب في السودان History of Arabs in Sudan.
حيث يقول بانهم وفدوا للأردن عام 37م، وهذا غير صحيح لأن مملكة الأنباط كانت في أوجها، وقادرة على صدّهم وكانت الاردن منممتلكات الانباط انذاك , وكانت اقوى مملكة اردنية في هذه الديار
كان للغساسنة دور هام في الأردن، حيث انضموا إلى القبائل اليمنية التي سبقتهم إلى هذه الديار مثل: قضاعة، وجذام، وبلي وبني عاملة، وبني سليح، والتنوخيين ، وصاروا جميعاً من رعية إمارة أو مملكة الغساسنة في حينه، مما وفّر الاستقرار، والازدهار للديار الأردنية وأهلها، مثلما كان أمرهم زمن مملكة الأنباط التي امتدت من محاذاة تبوك إلى دمشق شمالاً، وإلى سيناء وجنوب فلسطين غرباً. ولا تزال آثارهم بالنمط النبطي موجودة في كل بقعة في الأردن، وإن كان الناس يقولون: إنها آثار رومية. لأن كلمة رومية عند الأردنيين تعني القديم، وكلمة أرومة، تعني الأصل العريق الراقي، وبالتالي فإن كلمة رومي التي تطلق على هذه الآثار لا تعني أنها عائدة للعصر الرومي. وإنما أنها قديمة وأصيلة وربما عريقة ايضا .
وبهذه التحالفات تمكن الرومان من الاستقرار والإعمار في بلاد الشام برمّتها. كما أن الفرس أيضاً أقاموا مثل هذه التحالفات مع المناذرة في الحيرة/ العراق. وقد نشبت الحروب البديلة أو الحروب بالنيابة مرات عديدة وطويلة بين المناذرة والغساسنة، نيابة عن الفرس والروم , ومع هذا كان لا بد من الاصطدام بين القوتين الأعظم في بدايات ظهور الإسلام، مما أنهك قواهما، وجعل الظروف مهيأة للقوة الإسلامية البدوية القادمة من جزيرة العرب أن تسحق الرومان ومملكة الغساسنة (ولا أقول شعب الغساسنة) والفرس ومملكة المناذرة (ولا أقول شعب المناذرة).
فقد غادر الملوك الغساسنة والمناذرة قصورهم وديارهم والتحقوا بأسيادهم في القسطنطينية وفارس على التوالي , والتأم شمل العرب تحت راية جديدة وعقيدة جديدة ودولة جديدة هي الإسلام، بحيث صار الجميع بنعمة الله إخوانا وأن دم المسلم على المسلم حرام وكذلك عرضه وماله. فسبحان الله الذي يؤتي المُلك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويُعزُّ من يشاء ويُذلَّ من يشاء بيده الخير إنه على كل شيء قدير. إنه قدر الله سبحانه .
من هنا نعود إلى ما سبق وقلناه، إن جهل الشعوب لا يستحق التدوين وكذلك صمتهم وجبنهم وخذلانهم وخضوعهم , لانه عار عليهم وهم ذاهبون سواء اكانوا كذلك مع العار ام كانوا شجعانا رجالا لايقبلون الضيم يكللهم الفخار . وأن الدولة التي لا تقوم على العدل لا تدوم طويلاً، وأن أساس حياة الشعب هي الحرية والعدالة ثم العيش الكريم. لذا فإن القمع الروماني واليوناني والدول التي تعاقبت قد سام الناس خسفاً لفترات كل في حينه. لكنه انتهى إلى غير رجعة.
ثامناً: خطر الهجرات البدوية على الأردن، والهجرات غير البدوية فيما بعد : سبق وقلنا أن الأردن دار مستقرّ، ودار ممرّ، وأن المار قد يستقر إذا وجد الأمن والطمأنينة، مقرونا بتوفر الماء والكلأ بطبيعة الحال. وأن المستقرّ قد يرحل إذا أصاب القحط المتتالي هذه الديار، أو غشيتها موجات احتلال عسكري، أو مرور الجيوش من الأقطار المجاورة عبر الأردن، أو إليها مباشرة / اي اذا صارت خالية من الامن والطمانينة
لقد كان سيل الهجرات البدوية جارفا تارة، متقطعا تارةاخرى , لكنه استمر عبر حقب التاريخ، اولنقل انه لم يتوقف عبر مسار التاريخ . وكان ذلك من أخطر التهديدات والمخاطر على الشعب الأردني وأهل المدن، والبدو الذين ألفوا الديار وصاروا يتنقلون بين أرجائها شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً, وصاروا جزءا منها .
لقد كان من أسباب هذه الهجرات:
1. ازدياد السكان في المناطق المجاورة (جزيرة العرب وبلاد الرافدين، بحيث يتعذر على ديارهم أن تستوعب أو تكفي أهليهم ومواشيهم ) .
2. الصراعات والحروب بين هذه القبائل في جزيرة العرب وبخاصة في نجد والحجاز والمنطقة الشرقية، بحيث يضطر المغلوب أو المعتدي المطلوب للثأر أن يهاجر إلى الأردن طلباً للأمن والحمايةليصبح بمنأى عن متناول ايدي الاعداء او الموتورين .
3. التجارة، فهناك تجارة اليمن والحجاز مع الشام وشمال افريقيا والغرب وحوض البحر الابيض المتوسط . حيث القوافل تسلك الطرق عبر الأردن، وبالتالي فإن هؤلاء التجار صاروا أصحاب خيرة بالأردن طرقاً وأرضاً وشعباً، وهذا ما ساعد بني أمية وكانوا سادة التجارة في قريش ومكة المكرمة أن يقيموا علاقات وطيدة مع أهل الأردن في الجاهلية والإسلام، وكانت النتيجة أن وقف أهل الأردن مع الأمويين في صراع هؤلاء مع غيرهم على كرسي الحكم . كما أن الخلفاء، والأمراء الأمويون اتخذوا من الأردن مكاناً للسكينة والراحة. وانتشر الحائر في الديار الأردنية وقد شرحنا بالتفصيل موضوع الحائر في جزء آخر من هذا الكتاب وهو: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية باللغة الانجليزية .
4. القحط والتصحّر: حيث أن أهل جزيرة العرب كانوا يتحركون باتجاه الأردن والعراق بحثاً عن مصادر ومقومات الحياة، إذا شحّت سُبُلُها ومقوّماتها عليهم في ديارهم . ولكن ذلك لم يشمل هجرة القبيلة برمتها، بل جزءا منها ضاقت بهم سبل العيش في مقامهم . ومن هؤلاء مثلا : قبيلة كندة نجد التي امتدت الى الاردن وبقي الجزء الاكبر منها في نجد . كما نجد غساسنة الأردن وقد بقي منهم اجزاء في الحجاز وهو يحملون اسم الغساسنة ايضا : اي غساسنة الحجاز. وكذلك قضاعة وبلي وبني عاملة وجذام التي اقتصرت هجراتها في الديار الاردنية والسورية والفلسطينينة وجنوب لبنان , لانها اقدم القبائل الاردنية التي لازالت موجودة الى الان على هذه الديار . فالهجرة بسبب القحط تكون أحياناً ـ وليس دائماً ـ حسب الحاجة، إذ يبقى قسم من القبيلة في الديار الأصلية تكفيهم مواردها , على أمل عودة المهاجرين منهم إليها إذا ما عاد غليها الخصب المعهود الكافي للحياة.
5. التمدد الطبيعي: إن العربي بطبعه كان لا يعرف للحدود السياسية في عقله وثقافته مكانا او حيزا ، لذلك فان جبال الشراة في جنوب الأردن مثلا هي في مفهومه أرض عربية واستمرار للحجاز، وأن العقبة هي في مفهومه استمرار للتهامة المحاذية للبحر الأحمر في أرض الحجاز، وأن واحة الأزرق الأردنية هي بالنسبة له امتداد لواحات الجوف وتيماء، وكلها امتداد للأحساء، وواحات نجد وغيرها من الواحات العربية في وادي السرحان.
إذن فهو حرّ يتنقّل حيث يستطيع حماية نفسه بالحرب أو التحالف، أو إقامة الأسوار أحياناً إن استقر في منطقة ماء , أو انضوى تحت جناح الدولة. فنجد السرحان في الأردن امتداد للسرحان في وادي السرحان الذي أصبح الآن جزءاً من السعودية، وأن السرحان هم من بني كلب القبيلة العربية الأردنية العريقة التي منها السيدة ميسون الكلبية زوجة معاوية بن ابي سفيان ، ووالدها والي للأردن زمن معاوية حسان بن بجدل الكلبي كما سبق وذكرنا .
6. البحث عن الأفضل. من طبيعة الإنسان أنه يبحث عن الأفضل ويرسل الرواد في الديار المجاورة هنا وهناك، فإن وجد فيها ماهو أفضل مما في دياره رحل إلى الديار الجديدة. وقد قام سيدنا إبراهيم ولوط عليهم السلام بإرسال الرواد إلى غور الأردن بحثاً عن مراعي لمواشي لوط فوجدوا ذلك في ديار المؤتفكات عندما كانت في اوج ازدهارها وخصوبتها .
كانت هذه الهجرات كابوساً يرعب الدول المتعاقبة من الفرس حتى قيام الإدارة بالأردن عام 1921، عندما غزا "الخوين" التابعون لابن سعود، أقول غزوا الأردن، وردّتهم بنو صخر والبلقاوية وعشائر الأردن الأخرى ردَّاً رادعاً، مما حمى الأردن والأرواح من فتكهم وتخريبهم، حيث كانوا ينظرون إلى عربان الأردن على أنهم كفار، وكان واحدهم يقول عند قتل الأردني: اذبحوا الكافر، اذبحوا الكافر.
ولا بد من الاعتراف هنا أن اليونان قد أقاموا تحالف المدن العشرة الذي تحطمت بعد خمسة قرون ونيف أمام هجمات البدو الذين اعتادوا شن حرب عصابات على هذه المدن ومزارعها فانتهت قوتها وازدهارها قبيل الفتح الإسلامي بوقت قليل.
ولكن الدولة الرومانية قد وُفِّقت إلى درء مخاطر الهجمات البدوية فقامت بوضع حلول لذلك، للسيطرة على الأردن، واعتبارها الجبهة الشرقية للدولة الرومانية في كل من القسطنطينية ومصر في الآن نفسه.
1. قامت الإدارة الرومانية باعادة انشاء وتعبيد الطرق في الأردن، وأهمها طريق تراجان التي تأسست على طريق الممالك الأردنية، باشان، عمون، حشبون، مؤاب، أدوم حتى العقبة. مما سَّهل حركة الجيش الروماني، وصار في متناوله قمع أية ثورة أردنية، وردع أية هجمات قادمة من الصحراء.
2. بناء القلاع والحصون والمدن، وكان منها تقوية ودعم المدن العشرة، وبناء مدينة فيلادلفيا على أعقاب مدينة ربة عمون، وبناء معسكرات في كل اللجون/ وادي الموجب، وفي أذرح إلى الشمال من معان وقد تقهقرت هذه القلاع والحصون والجيوش أمام جيش الفتح الإسلامي.
اتخذ الرومان قبائل البدو الأردنية لحمايتهم من هجمات بدو الصحراء، مقابل مبالغ من المال تؤدى اليهم سنويا , مما عزز الجبهة الأردنية الداخلية فكانت في حماية جيشين روميين هما: الجيش الثالث الذي كان مركزه بصرى والجيش الرابع الذي كان معسكراً في فرعين أولهما في اللجوء والثاني في أذرح شمالي معان، هذا فضلاً عن وحدات عسكرية تم تجنيدها من العشائر الأردنية ( قوات الباديو او قوات الصحراء ) لتساند الجيش الرومي، وهي قوة سيارة متحركة أشبه ما تكون بقوة الحدود الإنجليزية التي أنشأتها بريطانيا بالأردن عام 1942.وهنا نجد ان تاسيس قوات البادية الاردنية في الثلث الاول من القرن العشرين هو نسخة مطورة عن قوات البادية الاردنية زمن الرومان ,مع الفارق ان تلك تحت السايدة الرومية وهذه كانت بقيادة انجليزية , وكلاهما كان محتلا لبلادنا الرومان والبريطان .
وقد أدت هذه الإجراءات إلى ازدهار ملحوظ في الأردن، يتجلّى في المدرجات والمدن الأردنية والتي أُنشئت في هذه الفترة، مثل أم قيس، وجرش، وعمان، وقد ازدادت مساحات الأرض المزروعة في ظل الأمن والحماية والاستقرار، ووجود الجيش الروماني المعسكر في اللجون وأذرح وبصرى، ووجود قوات الحدود / البادية الأردنية المسلحة من أبناء العشائر، والمرتبطة بالقيادة العسكرية الرومية. وقد كان لبراعة العرب الأردنيين في تربية الخيول وركوبها والفروسية , أن صاروا موضع ثقة القيادة الروميةمثلما صاروا موضع القيادة البريطانية في القرن العشرين , فأرسلت منهم جنوداً للقتال في شتى أصقاع الإمبراطورية الرومانية ، تماماً مثلما فعل الإنجليز بالقوات الأردنية المسلحة (الجيش العربي) في مطلع القرن العشرين حتى قبيل منتصف ذلك القرن بالقتال في العراق وشمال افريقيا , كما ورد تفصيله في كتاب كلوب باشا: قصة الجيش العربي الذي ترجمناه إلى العربية The Story of the Arab Legion – J.B. Clubb.
وربما يعود السبب إلى الاستفادة من فروسية الأردنيين وشجاعتهم إلى تَفَهُّم إمبراطور عربي شامي وصل الى سدّه حكم إمبراطورية الرومان والذي ورد اسمه بالرومي: كارا كولا. وقد شيّدت في زمنه قلعة في منطقة الحلابات عثرت قوة الطيران الملكية البريطانية في مطلع القرن العشرين على حجر منها اسم كارا كولا العربي، الأديابني، وقد حكم الإمبراطور العربي المذكور تسعة عشر عاماً (198-217م). وهي الفترة التي تم فيها تشييد قصر الحلابات.
وكما اعتمد الأنباط على جمع المياه في خزانات في الصحراء والجبال، بحيث حاولوا الاستفادة من كل قطرة ماء تنزل من لسماء او تنبع من الارض ، فإن الرومان قد استخدموا هذه البرك والخزانات النبطية العربية الاردنية لاستعمالاتهم واغراضهم , مثل: بركة الموقر، بركة زيزياء، وبركة صخرة (محافظة عجلون) وبركة العامرية (شرقي مدينة السلط)، وبركة دابوق التي تم طمرها في مطلع القرن الحادي والعشرين لتحويلها إلى مكان للبناء بسبب ارتفاع أسعار الأرض هناك. وهناك برك مائية في قرى البادية الشمالية أيضاً، كانت نبطية واستخدموها الرومان ثم المسلمون، ولا زال الناس يستفيدون من مياه هذه البرك حتى الآن (مطلع القرن 21).

تاسعاً: تغيُّر مسمَّيات التحالفات العشائرية، والأماكن الجغرافية: قد شرحنا بالتفصيل كيف ينتقل الشعب الأردني في أدوم من تحت حكم أسرة حدد ، إلى أسرة ميشع، ويحافظ على نفسه، وكيف أن اسم المنطقة يتغيَّر حسب المستجدات. وتتميّز العشائر والعقلية الأردنية بالتماشي مع التغيُّرات الجديدة باستمرار، والهدف هو الصراع من أجل البقاء Conflict for Survival. فهم يتكيفون مع ما يضمن لهم بقاءهم وحمايتهم وتغيير التسميات في كثير من الأحيان، والعودة إليها إذا تطلّب الأمر.
مثلاً: كان تقسيم معان إلى قسمين: الشامية وهو الجزء الشمالي الذي يلي الشام، والحجازية وهو القسم الجنوبي الذي يلي الجنوب (القبلة)، ولكل قسم عشائره الخاصة بهم، وشيوخهم وزعاماتهم ولكن إذا وقع خطر على معان توحّد القسمان معاً على أنهم عشائر معان، وأن مدينتهم هي معان. والأصل في القسمين حسبما ورد في كتب الرحالة المسلمين أنه تم بناء حي للقادمين من الشمال والشرق وهو الشامية ، وحي آخر للقادمين من الجنوب والغرب يسمى الحجازية. ثم توسَّع الحيَّان، وصارت مدينة واحدة موحدة.
ولكن اصطلاح عشائر الشامية والحجازية أخذ يتلاشى ولا يظهر إلا وقت الانتخابات لغايات التصويت فقط، , ثم يختفي باعتبار الجميع أبناء معان، وأن التفرقة بينهم مرفوضة رفضاً قاطعاً، وصار من هم خارج معان يطلقون كلمة "المعانية" على أهل معان جميعاً، ولا ينتسبون لاصطلاح الشامية والحجازية.
أما الكرك فكانت قسمان: الشراقا (أي عشائر الجزء الشرقي من الكرك)، والغرابا (أي عشائر الجزء الغربي من الكرك) ولكن ذلك اختفى الآن مطلع القرن 21 وصار الناس يقولون كركية لتعني أهل الكرك ومحافظة الكرك، أو اسم العشيرة التي يريد الحديث عنها مثل: الضمور، الحمايدة، العمرو، مجالية ، هلسة دون الإشارة إلى الدين أو المكان شراقاً أو غراباً.
وأما السلط فكانت عشائرها تنضوي تحت عنوانين كبيرين هما: الحارة والأكراد، ويضم كل قسم عئائر مسلمة ونصرانية أيضاً، وقد اختفى اصطلاح حارة وأكراد، ولم يعد يستخدم إلا وقت الانتخابات النيابية والبلدية ثم يغيب عن المسرح والاستخدام. وصار الناس يقولون لعشائر السلط عامة: السلطية أو السلطيون، كما يقال العدوان أو العبابيد، لتعني الأولى كل عشائر العدوان ومن ينضوي تحت لوائهم، وتعني الثانية جميع بني عباد في محافظتي البلقاء والعاصمة وسائر محافظات الأردن.
وعندما صدر كتاب تاريخ شرقي الأردن وقبائلها تأليف فردريك بيك وتعريب بهاء الدين طوقان، نجد أنه يذكر العدوان نسباً وهم أبناء فايز الذي سمى ولده عدوان وصار ذلك اسماً لأعقابه من بعده (ص232) ثم يذكر في ص377 أن هناك عشائر تتبع العدوان وتسمى القرضة وهم (كما يقول) خليط من عربان شتى التفوا حول العدوان أثناء قتالهم ابن مهدي، وذكر اسماء عشائر القرضة في الصفحة 377.
ما أريد قوله هنا، أن كلمة القرضة قد اختفت الآن وصارت كلمة مؤذية وذات معنى غير مريح لهذه العشائر الكريمة ، وصار إطلاقها على أي من هذه العشائر التي ذكرها فردريك بيك مرفوضا . وهذه حال العشائر الأردنية عبر التاريخ لا تتوانى عن تغيير الأسماء والاصطلاحات حسبما هي الغاية التي يسعون إليها . فعندما كانت العدوان تحمي هؤلاء من الآخرين، كانوا يعتزون بالاسم وبتبعيتهم للعدوان، أما الآن فإن قانون الدولة قد ساوى بين الجميع، وحلّت الدولة محل القبيلة في حماية الأشخاص والعشائر.
وفي عشائر عباد، ذكر بيك باشا في الكتاب أعلاه، أن تقسيم عباد كان حتى مطلع القرن العشرين بين الجرومية والجبورية، وقد اختفت هذه الاصطلاحات وصارت التقسيمات الجديدة. عباد الشمال الموجودين في محافظة البلقاء مكان الجرومية، وعبابيد الجنوب (الموجودين في محافظة العاصمة عمان، وغالبيتهم في لواء وادي السير) بدلاً من الجبورية.
قد يأخذ البعض على العشائر الأردنية هذا المأخذ بالتكيف والتغير حسبما هي مقتضيات الظروف , ولكن من وجهة نظري أن ذلك أمر طبيعي ومنسجم مع مبدا الصراع من اجل البقاء , وأن هذه العشائر، قادرة على استيعاب المستجدات والتعامل معها بما يحقق مصالحها . فعندما لم تعد التسميات القديمة قادرة على اداء الغرض أو المهمة أو الرسالة التي كانت من قبل، وان هذه المهمات قد تغيّرت، ودخلت مستجدات تستدعي التعامل معها بلياقة. فضلاً أن التسميات القديمة كانت تؤدي غرض الحماية والقوة، أما الآن فإن قانون الدولة كاف للسماح لأراذل الناس أن يسجنوا أفاضلهم في حالة مخالفة الأفاضل للقانون ضد الأراذل او في حالة التبلي على كرام الناس .

عاشراً: الدول التي قامت بالأردن هي دول زراعية وتجارية، وقليل منها عسكرية، فالأدوميون والمديانوين، وأصحاب الأيكة وقوم لوط، وأهل مدين. كانوا يمارسون التجارة كما ورد في القرآن الكريم، وتحدثنا عنه سابقاً في هذا الفصل . وربما تكون دولة أدوم هي أكثر الدول استعداداً حربياً في الأردن في الجنوب وكذل دولة باشان في الشمال . أما دولة حشبون فقد تم القضاء عليها في بداية ظهورها، وأبيدت على أيدي الإسرائيليين ملكاً وشعباً، ولو أنه أتيح لملكهم حشبون أن يبقى سنوات طويلة كسائر الملوك في منأى من الإبادة لاحتلّ عمون وتوسَّع إلى نهر الزرقاء، وصارت مملكته من نهر الأردن غرباً إلى الجوف شرقاً، ومن الزرقاء شمالاً إلى الموجب , بل ربما الى الحسا او العقبة جنوباً.ولكن الصراع غالبا مايؤدي بالشجعان ويحمي الجبناء الذين يختبئون وراء هؤلاء الشجعان .
لقد استطاع ملك حشبون الصاعد أن يدمر قوتين في حينه، مملكة مؤاب ويحرر منهم مادبا إلى الموجب، ومملكة عمون ويحصرها في ربة عمون وضواحيها وقد أصابه الغرور لهذا الانتصار فوقف ضد القوة الإسرائيلية فأبادوه إبادة شاملة كاملة، ولو كان استخدم عقله لحالف بني إسرائيل وسمح لهم بالمرور، وحقق هدفه ومخططه الذي ذكرناه أعلاه.
أما مملكة باشان فكانت زراعية تجارية عسكرية أيضاً، وقد كرّست بنو إسرائيل سائر قواها للقضاء على هذه المملكة . ودعاء أنبيائها للتغلّب على ملكها أوغ وكانوا يعتبرون (أي الباشانيون) من العمالقة. وهناك خرافات حول طول كرسي الملك أوغ وأن طوله اثنا عشر ذراعاً، وهذا نمط من الوهم الإسرائيلي، في محاولة منهم تعني أنهم استطاعوا التغلب على هؤلاء العمالقة، إذن فهم (أي الإسرائيليون) عمالقة العمالقة.
وهذا النمط من مدح العدو والمبالغة في قوته وشجاعته موجود في الأدب العربي أيضاً، حيث أن الفارس يمتدح ضحيته في معنى خفي يعني أن القاتل أو المنتصر كان من القوة والشجاعة بما يفوق ما كان لدى الخصم رغم شجاعة هذا الخصم . ونضرب مثالاً على شاعر فارس اسمه البشر إذ يخاطب أخته فاطمة بعد قتله لأسد إذ يقول:
أفاطِمُ لو شَهِدْت ببطن خبتٍ
وقد لاقى الهِزْبر أخاك بشرا

إذاً لرأيت ليثاً رام ليثاً
هزبراً أغلباً لاقى هزبرا

فقد شبه نفسه بالليث، وبالهزبر الأغلب الذي قتل الأسد الغاضب.
كانت الممالك الأردنية عبارة عن عشائر في الأصل استقرت كل منها ضمن منطقة جغرافية محدودة، وتحوَّل شيوخهم إلى ملوك، وديرتهم إلى مملكة. وإذا وجدنا الكنعانيين في فلسطين قد توحّدوا في مملكة واحدة استطاعت أن تدافع عن نفسها من الهجمات البرية والبحرية فإن أبناء عمهم العموريين في الأردن، قد صاروا عدة ممالك كما قلنا، ولم يكن بمقدورهم استغلال المعادن والموارد الطبيعية بالشكل المطلوب، بل كان استغلالاً بدائياً زراعياً، ولم يظهر منهم علماء مثل الأمم الأخرى ليصنعوا لهم حضارة وإبداع في الاختراعات، وأن أفضل ما أنجزته الممالك الأردنية هو ما حققه الأنباط في نحت البتراء التي صارت من عجائب الدنيا السبعة (2007م).
أما مملكة أدوم فقد كان لها أسطول بحري، وجيش بري استطاع أن يقهر بني إسرائيل وأن يمنعهم من المرور بأرضه أو احتلالها. وأن الملك الذي أشار إليه القرآن الكريم في سورة الكهف أنه كان يأخذ كل سفينة صالحة غصباً، هو ملك أدوم الأردني وهذه الإشارة القرآنية الكريمة تبيّن ولع الملك الأدومي بمصادرة السفن الصالحة في بحر العقبة، وهذا يعني وجود ميناء، وقوة بحرية تتعقّب هذه السفن، وقوّة تجبر من في هذه السفن على الإبحار نحو ميناء خليج إيلة (العقبة).
وإن تنبه مملكة أدوم لاهمية القوة البحرية قد زاد من سطوتها واطال في عمرها، كما جعلها مستهدفة من بني إسرائيل، وقد أقامت هذه المملكة تحالفات مع فراعنة مصر. ففي حوالي عام 1220 ق.م كتبت مخابرات الفرعون رعمسيس الثالث آنذاك تقريراً مفاده، أن جماعة من بدو الأدوميين مرّوا بوادي الطميلات في المنطقة الشرقية من النيل، وذلك لرعي ماشيتهم في تلك الديار وعندما تكرر ترددهم إلى هناك اعتبر الإمبراطور رعمسيس الثاني فيما بعد أن هؤلاء يشكلون خطراً على مملكته فأرسل حملة لطردهم من بلاده، واستمرت في مهمتها حتى وصلت جبال الشراة ووادي عربة. وهذا يدل على انه كان لدى مملكة ادوم ثروة حيوانية هائلة وانها كانت تمر بفترات قحط تلزمهم التحرك الى حيث وقرة الماء والكلاء في شرقي وادي النيل , وانهم لم يكونوا بدوا بلا هوية , بل متنقلون مع التصاقهم بهويتهم الوطنية , لذا جاء في تقرير المخابرات المصرية انذاك وصفهم بانهم بدو الادوميين , اي الجانب المتنقل من سكان مملكة ادوم .
ومن هنا نجد أن مملكة أدوم كانت رعوية أيضاً فضلاً عن الزراعة والتجارة والقوة العسكرية. إذ استطاع الملك الأدومي الشهير حدد / هدد أن يغزو المملكة المديانية الممتدة إلى جنوب أدوم في مناطق حسمى وشواطئ البحر الأحمر. حتى تبوك، وأدبهم ومنعهم من إيذاء مملكته. وبقيت أدوم قائمة حتى زمن الملك داود. ولم يستطع السيطرة عليها أو احتلالها. وقد أغاظت قوتها النبي داودَ فجرَّد عليها كامل قوته، وطرد ملكها / هدد / حدد الثالث كما يذكر العهد القديم في سفر الملوك وسفر العدد. حيث هرب هدد / حدد المذكور إلى مصر وتزوج من أخت الملكة تحفنيس امرأة الفرعون شيشونك الأول (945-924 ق . م ). وعاد إلى بلاده أدوم وحررها من الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك فعلت ممالك مؤاب وعمون إذ استعادت استقلالها وحررت نفسها من هذا الاحتلال ولم يبقى لليهود بعد ذلك في شرق الأردن موطيء قدم سوى بقعة قريبة من العقبة تدعى : عصيون جابر والتي صارت شوكة في خاصرة المملكة الأدومية ومنها انطلقت القوة اليهودية للقضاء على أدوم في القرن التاسع قبل الميلاد.
والمملكة الأردنية العسكرية بالمعنى الحقيقي في مفهوم ذلك الزمن : هي مملكة مؤاب في زمن ميشع، وهو أعظم ملوك الأردن في التاريخ، حيث آل إليه عرش مملكة مؤاب في حوالي عام 860 ق.م، وترك سجلاً عظيماً من الشجاعة وصدق الحب لوطنه وشعبه وبغضه لبني إسرائيل، ورفضه للاحتلال، وهو الذي دوّن انتصاراته وإنجازاته إلى حجر ذيبان البازلتي الذي تم اكتشافه في ذيبان عام 1868م، وقد تم نقله إلى فرنسا، ورايته شخصياً في متحف اللوفر في باريس في شهر أيلول عام 1998م.
لم يرفض الملك ميشع دفع الأثاوة للإسرائيليين فحسب، بل توسَّع بحدوده إلى معان، والكرك واتخذها عاصمة له، وزوّدها بصهاريج المياه، ولا زال اليهود يذكرون ما لقهوه من الذل والهوان على أيدي ميشع لذا فهم يدّعون أنهم هزموه هزيمة منكرة، إلا أن حجر ذيبان لا يشير إلا إلى انتصاره هو على بني إسرائيل. وان مجرد التقش على الحجر يدل على النصر حقيقة وانه كان في راحة بال ونشوة انتصار , لان نقشه لابد واخذ عدة سنوات من العمل الدؤب .
وقد تآزرت العشائر الأردنية وتكاتفت في باديء الامر على مهاجمة ملك يهوذا (873-849 ق.م)، ولكن اختلافهم أدى إلى فشل مهماتهم , مما أغضب ميشع،الذي كان يريد وحدة الارض الاردنية وشعبها وكيانها , فسار إلى أدوم واحتلها وتوسع حتى صارت الأردن من مادبا إلى وادي رم ضمن مملكة مؤاب يحكمها ملك واحد هو ميشع . وعلى أية حال فإن العشائر الأردنية كانت تتكاتف من حين إلى حين وتغزو الممالك اليهودية في فلسطين وتفتك بهم.
وقد وردت نصوص حجر ميشع في كل من كتاب ترسترام أرض مؤاب The Land of Moab الذي ترجمناه للعربية، وفي الحوليات الصادرة عن دائرة الآثار العامة بالأردن، كما وردت ايضا في كتاب الرحالة فوردر في كتابه: بترا وبيريا وفينيقية الصادر عام 1923 كما أورده فردريك بيك في كتاب تاريخ شرقي الأردن وقبائلها Forder; Petra, Perea and Phonecia, 1923. وأما ترجمة النص فجاءت على النحو التالي: ننشره للفائدة مترجماً إلى العربية: وهي المرة الثانية التي ننشره، حيث ورد في كتاب أرض مؤاب الذي ترجمناه للعربية كما قلنا.
نص حجر الملك المؤابي الاردني ميشع: "أنا ميشع ابن لكموش ملك مؤاب الديبوني. حكم والدي مؤاب ثلاثين عاماً وملكت بعد والدي . بنيت محلاً عالياً لكموش في فورخا لأنه أنقذني من جميع الملوك وجعلني أزدري أعدائي . كان أومري ملك إسرائيل اضطهد مؤاب عدة سنوات لأن لكموش كان غاضباً على بلاده أثناءها. خلفه معاصري ابنه الذي قال "سأظلم مؤاب" لكنني أهلكته وبيته وإسرائيل هلاكاً أبدياً. استولى أومري على أرض مادبا وسكن عليها هو وابنه لمدة أربعين سنة، لكن لكموش افتتحها في عهدي. وقد شيَّدت بعل ميون (ماعين) وعملت فيها خزاناً وأعدت بناء قير جاثان، سكن رجال جاد أرض عطروت (تدعى الآن عطروزة على خمسة أميال من جنوب ماعين)، حاربت المدينة واستوليت عليها. قتلت جميع أهل المدينة لِينَسَرَّ (من السرور) لكموش ومؤاب، وحملت منها مذابح عديدة، وسحبته أمام لكموش، في المدينة. ثم أسكنت فيها رجال شارون وماخاروت. قال لي لكموش اذهب وافتح نبو بالقرب من إسرائيل، فذهبت إليها ليلاً وحاربتها من الفجر حتى الظهر وتغلبت عليها وذبحت جميع سكانها، 7000 رجل وولد وامرأة وفتاة وطفل لأنني أوقفتهم إلى عشتور لكموش، وأخذت منها مذابح يهوا وجررتهم على الأرض أمام لكموش.
"وقد بنى ملك إسرائيل جهاز "أم الوليد" وقطنها حين كان يعلن الحرب عليّ ولكن لكموش هزمه أمامي . أسرت من مؤاب مائتي رجل وكل رؤسائها وأخذتهم جميعاً إلى جهاز التي افتتحتها وضممتها إلى ديون (ديبون، ذيبان).
"أنا الذي بنى قورخا والسور الخشبي والمتاريس وأعدت بناء بواباتها وأبراجها، وشيّدت قصر الملك، وحفرت مجاري خزانات المياه في المدينة. لم يكن في قورخا صهريج لهذا أمرت جميع الناس "ليعمل كل منكم صهريجاً في بيته" وحفرت أقبية قورخا بوساطة أسرى إسرائيل.
"وقد أعدت بناء عروعير (عراعر المطلة على وادي الموجب) وعبَّدت الطرقات في أرنون (وادي الموجب)، وأعدت بناء بيت باروت لأنها كانت قد تهدّمت. أعدت بناء حزر لأن كل ديبون كانت خاضعة لسلطاني. وحكمت مائة مدينة ضممتها لسلطاني.
"أعدت بناء مأدبا، واستوليت على بيت دبلاثون وبيت بؤاة ميون وأخذت هناك صاحب الماشية، وقطعان البلاد وسكن الدبيانيون في حورونان وقالت ديبان... قال لي لكموش: اذهب وحارب حورنان فأطعت... سكن لكموش فيها مدة عهدي له". (انتهى نص حجر ميشع ملك المملكة المؤابية الاردنية ).
وبذلك نجد تبايناً في الترجمات لنص حجر ميشع، ولا يوجد نص معتمد للجميع، ولكنه في مجمله يشمل معنى عاماً شاملاً. متقارباً، وأن هذا النص يبيِّن أن ميشع هو أعظم ملك عرفه الأردن في التاريخ.
فهناك تركيز واضح على القوة العسكرية وتحرير البلاد من اليهود، ومعاقبة أدوم لتحالفهم مع بني إسرائيل، واحتلاله لمملكتهم أو لجزء واسع منها، وأنه قتل سكان الجيوب السكانية اليهودية التي أقيمت في دياره أثناء الاحتلال والهيمنة، وأنه قاد جيشه وشعبه بنفسه، وأشرف على القتل بذاته. وأنه كان متديِّناً وثنياً يعبد الإله لكموش، وتحدث عن أسماء ملوك اليهود الذين عاصروه وأنه قهرهم وقد ورد نصّ ميشع أيضاً في كتاب آثار الأردن تأليف لانكستر هاردنج بنص مناسب جداً.

عاشراً: يتميز الأردن في أن التاريخ تغيِّر على أرضه: وقد شرحنا ذلك مطوّلاً في كتابنا: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية بالانجليزية , وأشرنا إليه في كتابنا الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين. ولا بأس هنا من الإشارة إلى ذلك. فهناك معركتان فاصلتان هما مؤتة في جنوب الأردن، واليرموك في شماله كانتا طريق المسلمين إلى النصر على الروم وتحرير البلاد منهم، والتوسع نحو الشام شمالاً، وفلسطين ثم مصر ثم شمال أفريقيا غرباً. ذلك أن الجيش الذي اتجه إلى الغرب بقيادة عمرو بن العاص قد عبر الأردن إلى هدفه المذكور، كما شارك في معارك مع قادة الجيش الإسلامي الثلاثة الآخرين، وكان عدد الجيش برمته 24.000 مجاهداً مقسّمين على أربعة جيوش.
ولم يتمكن صلاح الدين من التقدم إلى القدس إلا بعد أن احتل الكرك وحررها من الصليبيين، ولم يحرر البلاد من هذا الاحتلال إلا بعد أن نصره الله في معركة حطين . وفي عين جالوت شاء الله نصر المماليك على التتار أيضاً فولّوا هرباً من بلاد الشام إلى غير رجعة. فعلى الأرض الأردنية وقعت هذه الأحداث الهامة التي غيَّرت وجه التاريخ حقيقة. وعندما سقطت الأردن بأيدي قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وطرد الأتراك منها، ثم تحرير بلاد الشام خلال وقت قصير. فالأردن هو نقطة بداية التحرير لهذه الأقطار المجاورة وإذا كان بأيدي وقبضة المحتلّين من الشمال أو الغرب، فإنهم في مَنَعةٍ ما دام الأردن بأيديهم، فإن سقط منها، فقدوا بقية البلدان المجاورة جميعها.
وبذلك فإن الحقيقة التي أدركها المصريون القدماء والآشوريون والبابليون والحثيون والإسرائيليون هي أن الأمن والسلام في سوريا وفلسطين وسيناء متوقفان على أحوال الأردن، واستقرارها. وهي بلد المفاجآت التي قد تطلّ عليهم بموجة قادمة من جزيرة العرب أو العراق، أو حتى مصر. لذا كانت هذه الدول جميعاً تهتم بشؤون الأردن وممالكها وأحوالها عبر التحالفات والعلاقات.
ولا بد من الإشارة هنا أن سكان الأردن هم عرب منذ القدم لأنهم قدموا في أغلبهم من جزيرة العرب، أو العراق، أما من من جاء من مصر أو فلسطين فكانوا بأعداد قليلة تنصهر بسهولة في السكان الموجودين على هذه الأرض. أما الإسرائيليون فإن سكنهم في الأردن كان للاحتلال المرفوض الذي أنهاه الله على يد الملك ميشع ملك مؤاب. كما أن الإسرائيليين نظروا إلى الأردن على أنه الجبهة الشرقية المهمة لحمايتهم في احتلالهم لفلسطين، فضلاً عن أن الشعب الأردني تحت مختلف التسميات كان رفض مرورهم واستقرارهم , كما تحافت الممالك الاردنية مع والبابليين ضد الممالك العبرانية في فلسطين.
لقد حاولت في الصفحات السابقة إعطاء نبذة تحليلية عن الأردن، قد تكون ضرورية قبل التحدث عن تاريخ البلاد وأهلها. ولا شك أن ما قلناه أعلاه، ربما يكون كافياً لدحض حجج الكارهين لبلادنا. ومن حقنا أن نتحدث بمرارة وحرارة عن تاريخنا وبدون تعصّب، ولا تهجم على من سوانا.

الاهداء ان مداد القلم يبث الروح والطاقة بصورة متجددة ليس في الاشخاص فحسب , بل وفي الشعوب والاوطان والامم ايضا . فالاقلام قادرة على ايجاد الاوطان وقادرة على تحديدها وقادرة على شطبها من المعادلات والخرائط , والاقلام قادرة على ابراز الشعوب وايجاد مكان لها تحت الشمس مثلما هي قادرة على محوها من الخارطة والوجود , وقادرة على تثبيت الحكومات والحكام مثلما هي قادرة على الغائها من المعادلات , وقادرة على صنع التاريخ وتدوينه وعلى محوه ونقضه ايضا . ومخطيء من يظن ان الاقلام لاتمحو الشعوب ولا تطيح بالحكومات ولا تلغي الاوطان والتاريخ ولا تطوح بالكراسي واصحابها . وان اي شعب لا يوجد فيه مفكر وصاحب قلم ( ولا اقول كاتب مقال ) ماهو الا غثاء كغثاء السيل يذهب جفاء, وان الفكر اثمن سلاح بيد الشعب وصاحب الفكر , وان المفكر اهم من الثروة المالية والاسلحة الفتاكة , وان صاحب القلم والفكر اقوى منها جميعا . وان الارض ابتلعت قارون وداره وامواله لكنها عجزت عن ابتلاع القلم الذي لايساوي مفتاحا من تلك التي كانت تنوء بها العصبة اولو القوة . وان التاريخ خلد فئتين من اهل القبور : فئة اصحاب الفكر والرسالات من جهة , وفئة اصحاب السيف العباقرة / قادة التاريخ العسكري من جهة اخرى , حيث لازالت قبورهم موجودة احتراما لما كانوا عليه من الفكر والقلم والسيف . وما عداهم فلا وجود لقبورهم الا الى حين من الدهر تصبح واياهم بعدها نسيا منسيا .

انتظرونا في الحلقة القادمة....

حسام العامري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2013, 02:53 PM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
باحث في الانساب
 
الصورة الرمزية حسام العامري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

افتراضي الحلقة الثانية من كتاب تاريخ الأردن وعشائره للدكتور: أحمد عويدي العبادي



الحلقة الثانية
من كتاب تاريخ الأردن وعشائره
للدكتور: أحمد عويدي العبادي

الباب الثاني:
الممالك الأردنية القديمة



قامت على الأرض الأردنية عدة ممالك قبل الميلاد وبعده، وقد أشارت إليها أسفار العهد القديم بشكل موسَّع في كثير من الحالات، حسبما كان يتطلب الأمر بالإسرائيليين من عداوة أو حرب أو تحالف أو قوة أو ضعف. وتنتسب الممالك القديمة إلى شعب عربي واحد، وتتكلم لغة عربية واحدة، وهم شعب العموريين الذين هم أشقاء الكنعانيين، فسكن العموريون في الأردن، واتخذ الكنعانيون فلسطين بلداً لهم وسمِّيت أرض كنعان، بينما سُمِّيت الأردن تحت عنوانين عدة ، حسبما نجده في أسفار العهد القديم نفسها: الاسم العام هو بلاد عبر الأردن Trans Jordan ، والاسم الخاص هو المناطق الجغرافية وهي موكونات البلاد التي قامت بها هذه الممالك، وسمِّيت كل مملكة وشعبها باسم تلك المنطقة مثل الأدوميون (نسبة إلى أدوم) والمؤابيون (نسبة إلى مؤاب)، والحشبونيين (نسبة إلى حشبون ـ حسبان الحالية)، والعمونيون (نسبة إلى ربة عمون ـ عمان الحالية). والباشانيون (نسبة إلى باشان وهي بيسان الحالية). ومملكة الأنباط نسبة إلى اسمهم وليس إلى اسم المكان.
جاءت هذه القبائل العربية مهاجرة من جزيرة العرب وحطّت رحالها في أرض الأردن واستوطنت كل واحدة منها دياراً يفصلها عن الأخرى معالم طبيعية مثل وادي الحسا، وادي الموجب، وادي الزرقاء، وادي اليرموك وقد كانت علاقاتهم ودية، ويتناسون ما كان يحدث بينهم من صراع او حروب إلا في فترات متأخرة. وقد ظهرت هذه القبائل بالأردن منذ حوالي ألفي سنة قبل الميلاد، في وقت واحد تقريباً.

أولاً: الأدوميون:
الذين كانت عاصمتهم بصيرا في محافظة الطفيلة الحالية، وقد ظهرت في الجزء الشمالي للمملكة العربية الأردنية مديان التي كانت تمتد جنوباً في شمال جزيرة العرب. وملك الأدوميون الشراة ووادي عربة والبادية الشرقية، وخليج بحر القلزم (أيلة/ العقبة الحالية) وساحل البحر الاحمر إلى الجنوب. وكانت لهم قوة برية وبحرية، ويستفيدون من القوافل التجارية والثروة الزراعية والثروة الرعوية التي سبق وأشرنا أنها ضايقت الفرعون المصري رعمسيس الثالث في فترة متأخرة من عهد المملكة الأدومية.
كان لهم علاقات وطيدة مع مملكة مصر باعتبار أن ملوك وفراعنة مصر، كانوا يهتمون بحدودهم الشرقية من بلاد كنعان (فلسطين) وبلاد عبر الأردن (حيث تجاورهم مملكة أدوم) إلى درجة أن الملك الأدومي هدد الثالث لجأ إلى ملك مصر وتزوج أخت الملكة ثم عاد وحرر بلاده من الاحتلال الإسرائيلي فيما بعد، كما سبق وأشرنا في الباب الأول.
كانت هذه المملكة تتألف في تركيبها السكاني من قبائل، ولكل قبيلة شيخ يعتبر هو زعيمها، ولهؤلاء زعيم يعتبر شيخ المشايخ، وتطوّرت الأمور بعد الاستقرار أن صار الشيخ الأعلى ملكاً للبلاد، يقود الجيوش بالمعارك، وله إدارة الدولة والعشائر، وكانت مملكة جيدة التنظيم، ونظام الحكم فيها وراثي في الذكور، ولم نجد من الاناث من صارت عليهم ملكة. ومن الملوك الذين وصلت أسماؤهم إلينا: / حدد الأول وهو أهمهم، وهدد الثاني، وهدد الثالث ثم الملك قوص الذي حكم في حوالي عام 732 ق.م وأياراموا (701 ق.م)، وقوص جبار (الذي جاء بعد ذلك).

ثانياً: المؤابيون:
وهي مملكة شهيرة كانت عاصمتها ديبون شمال وادي الموجب، ثم انتقلت إلى قبر حارسة (أي الكرك) زمن الملك ميشع. وقد وصلت مملكة مؤاب إلى درجة عالية من الرقيّ والقوة والبناء والاستقرار، ورغم أنهم رفضوا عبور بني إسرائيل من خلال مملكتهم إلا أنهم فعلوا ذلك بطريقة دون إثارة الغزاة الإسرائيليين، وسلموا من الأذى، بعكس ما كان عليه ملك سيحون الذي لقي وشعبُه الإبادة الكاملة كما يقول العهد القديم .
كان الإله لكموش أهم إله عند المؤابيين، وكان ميشع أعظم ملك من ملوكهم الذي دوّن انتصاراته وإنجازاته على حجر ذيبان كما أشرنا في الباب الأول. وقد تعاقب على احتلالها فيما بعد كل من الآشوريين، والبابليين، وصارت مملكة مؤاب ولاية بابلية زمن الملك نبوخذ نصر، ولا بد من الإشارة هنا إلى بالاق بن صفور ملك مؤاب ( قبل ميشع بخمسة قرون تقريبا ) زمن العبور الإسرائيلي للأردن ودوره في مقاومة العبرانيين وتحالفه مع ملوك مديان الخمسة.

ثالثاً: العمونيون:
حيث استقروا في ربة عمون (عمان الحالية) ولا تزال آثارهم قائمة حتى الآن في جبل القلعة رغم ما تعاقب عليها من الدول والحضارات بالتعديل والإضافات. وقد حرر العمونيون بلادهم من الاحتلال الإسرائيلي وطردوا الإسرائيليين إلى بلاد كنعان (فلسطين). وقد قاد حرب التحرير هذا ملكهم ناحاش العموني، حتى إذا ما صار داود ملكاً انقلبت الموازين وقام في حوالي 1000 ق.م بالهجوم على كل من مؤاب وأدوم، ثم في عام 995 ق . م . جرد الملك الاسرائيلي طالوت حملة على عمون زمن الملك العموني حانون بن ناحاش . ومن ملوك العمونيون أيضاً حنون، شوبي، روحوبي، بعثا، شانيب، زاكير.
وقد تحدث العهد القديم طويلاً عن عمون، حيث كان ملوكها حريصون عليها، وعلى عداء سافر مع بني إسرائيل، منذ أن صار طالوت ملكاً، وفصل بجنوده لمحاربة جالوت ملك عمون، وكان داود أحد الجنود/ أو القادة مع طالوت، وشاء الله أن يقتل جالوت، وقد قصَّ القرآن قصّتهم أيضاً. وفصّلناه في جزء: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية (من هذا الكتاب ) باللغة الانجليزية .
وقد حدثت صراعات دموية ما بين مملكتي عمون وباشان (شمال الأردن) وكانت النتيجة انتصار عمون في فترة من الفترات على باشان التي كانت (أي باشان) أكثر جيشاً وسكاناً ومساحة وموارد من عمون. ويذكر سفر التثنية الأصحاح الثالث أن السرير الحديدي للملك أوغ (عوج) كان موجوداً في حوالي عام 1200 ق.م في قلعة ربة عمون. مما يعني بالنسبة لنا انتصار عمون على باشان انتصاراً وصل حدّ جلب سرير الملك نفسه. ويعني أيضاً أن غنائم ذات أهمية تم الحصول عليها في تلك الحرب.
وعندما قرر زعماء الأسباط، وهو ما يدعيه كتاب العهد القديم , أقول قرروا اعتبار الأراضي الأردنية من الغنائم التي يجب توزيعها على أسباطهم، أخذوا مساحات شاسعة من أراضي مملكة عمون مما يلي نهر الأردن من جهة الشرق , واحتلّوها لسبط جاد. أما بعض الإشارات في أنهم احتلّوا مملكة عمون برمتها في فترات متقدمة (أي 1200 ق.م وما بعدها) فهو أمر مستحيل، ذلك أنها كانت مملكة قوية، وأراضيها شاسعة وكان بنو إسرائيل قد أنهكتهم الحروب مع الشعب الكنعاني وسائر الممالك الأردنية الأخرى، وبالتالي كان احتلالهم مقتصرا على اجزاء سهلة مثل منطقة الزور (حول الشريعة/ نهر الأردن)، وحتى أقدام مرتفعات السلط. واما ماوراء ذلك فالأراضي وعرة وهي ليست موقعاً مريحاً للمعارك بالنسبة لهم.
ورغم ادعاء الإسرائيليين في العهد القديم ، أنهم احتلوا أراضي من ممالك مؤاب وعمون وباشان من عروعير وهي مدينة مطلّة على نهر الموجب إلى الجنوب من ذيبان، وعلى الحافة الشمالية لوادي الموجب، إلى جلعاد وهي إلى الشمال الشرقي من السلط وهي أرض وعرة وتكسوها الغابات وتصلح لحرب العصابات التي يتقنها أهل البلاد أكثر من المحتلين، إلى باشان في غور الأردن، أقول رغم هذه الادعاءات إلا أن الحقيقة لا يمكن أن تكون بهذا الشكل إطلاقاً، وهو مخالف للذوق والمنطق وسياق التاريخ .
فعروعر عبارة عن جيب عميق داخل مملكة مؤاب، ولا يمكن أن تقف مؤاب مكتوفة الأيدي أمام قطعها إلى جزئين شمالي وجنوبي، وبالتالي فإن هذه المعلومة لا تتفق مع التاريخ، ولا مع عقلية ملوك وشعب مؤاب في حينه. إذ يتعذر التصديق أن تعجز مملكة مؤاب القومية عن دحر جيب إسرائيلي لا يحتاج لكبير عناء لطرده منه. ولكن يمكن أن تكون مقدمتهم وصلت إلى هناك وتم القضاء عليهم، فأعرضوا صفحاً عن ذكر خسائرهم وهزيمتهم وادعوا احتلال عروعير والاقامة فيها .
أما بالنسبة لجلعاد، فهي أكثر وعورة وصعوبة على الاحتلال الإسرائيلي من عروعير، ذلك أنها أيضاً جيب في مملكة عمون . فالسلط وما حولها وزي كلها عمونية آنذاك، ولا يمكن أن تكون للإسرائيليين قدرة التسلل إلى جلعاد والبقاء فيها وسط مملكة كانت قوية، وانتصرت قوّة على مملكة باشان أوسع وأقوى الممالك الأردنية آنذاك. وبالتالي يصبح كلام العهد القديم هنا مشابهاً لما هو عن عروعير، إذ حاولوا وفشلوا، وهذا الذي يبدو واضحاً بالنسبة لنا والله أعلم.
وحول اصطلاح جلعاد في التوراة لا بد من القول أنه أوسع من مفهومنا الحالي، فقد كانوا يطلقون كلمة جلعاد على الأرض الممتدة من نهر اليرموك إلى وادي السلط، وقد ذكر ذلك بالتفصيل الرحالة البريطاني اليهودي لورنس أوليفنت في كتابه: أرض جلعاد The Land of Gilead . الذي ترجمته شخصياً إلى اللغة العربية وتم نشره.
من هنا، فإن وادي اليابس في شمال الأردن كانت بالنسبة لهم جزءاً من جلعاد، وقد ذكر سفر صموئيل الأول الأصحاح الحادي عشر (11) حادثة في منتهى الأهميّة تبيّن قوة مملكة عمون وملكها ناحاش في حوالي عام 1050 ق.م. إذ قام ناحاش بالهجوم على (يابيش جلعاد أي وادي اليابس)، حيث لم تذكر المصادر الاسرائيلية نوعية وهوية هؤلاء السكان، إن كانوا من بني إسرائيل أم من مملكة باشان باعتبار الموقع يدخل في حدود هذه المملكة الشمالية.
أعلن السكان رغبتهم بالسلم، فوافق ناحاش شريطة أن يقلع عين كل شخص من السكان من اهالي يابش ( وادي اليابس ) ، ولا شك أن ذلك ربما كان لإظهار هيمنته وجبروته من جهة، ولتقليل مهارتهم وقوتهم الحربية المستقبلية من جهة أخرى. تقدم شيوخ يابيش من ناحاش بطلب مهلة سبعة أيام للإجابة، وكان مغزاهم من ذلك البحث عن نجدات. والغريب العجيب أن ناحاش وافق على طلبهم دون ان يفكر في خطورته عليه وعلى جيشه . فأرسل الشيوخ إلى شاؤول ملك اليهود آنذاك في فلسطين يطلبون منه النجدة. وطلب إليهم أن يعدوا ناحاش أنهم سيستسلمون له في اليوم التالي، وذلك لإعطاء جيشه فرصة للوصول إلى المكان قبل الاستسلام. وصادف أن استرخى ناحاش، وتأخر في الهجوم فباغته شاؤول وهزمه هزيمة منكرة.
من الواضح أن الجبروت والغرور الذي هيمن على ناحاش قد أودى به إلى هذه النتيجة. وبعد حوالي خمسين عاماً أي حوالي 1000 ق.م توفي ناحاش، وخلفه ابنه حانون، ذلك أن نظام الحكم كان ملكياً وراثياً في الذكور من الأبناء. وفي الوقت الذي كان ناحاش يتميز غيظاً على شاؤول الذي هزمه، كان ودوداً مع داود الذي كان عدو شاؤول الذي كان يطارد داود، فالتقت المصالح بين ناحاش وداود على المحبة أمام عدوّ واحد وهو شاؤول.
عندما مات ناحاش وتسلّم ولده حانون كما قلنا (سفر صموئيل الثاني الأصحاح العاشر)، أرسل داود وفداً رفيع المستوى من أتباعه لتعزية حانون بوفاة ناحاش إلى ربة عمون (قلعة عمان الحالية) إلا أن الحكمة والصواب جانب حانون، تجاه صديق والده، كما جانب والده ناحاش تجاه عدوهما شاؤول، إذ خضع حانون لرأي مستشاريه التنابلة من حوله من رجال الدولة بأن نوايا داود ليست شريفة، وأن هذا الوفد لم يأت للتعزية وإنما للتلصّص على عورات العمونيين، وجمع المعلومات وبالتالي الهجوم على مملكة عمون مستغلاً حزن الشعب على ملكهم الراحل ناحاش. ولسوء حظ هذه المملكة أن الملك حانون اقتنع برأي هؤلاء المستشارين.
وبناء عليه، أمر حانون بأخذ وفد داود وإهانتهم وحلق نصف لحاهم، وقصّ ثيابهم من الوسط في الجهة الخلفية حتى أستاهم. وكانت هذه في عادات العمونيين نمطاً من التحقير والإهانة السائدة آنذاك. وأرسلهم عائدين إلى داود في حال من المهانة أثارت غضب داود وانسته حسنات ناحاش أمام سوء تصرف ولده حانون. وقام داود بتجهيز جيش لَجْبٍ ونصّب يؤاب قائداً له، وقد أعطاه الأوامر الواضحة في الانتقام شرّ الانتقام من عمون ملكاً وشعباً وملأً (الملأ هم كبار رجال الدولة).
هنا شعر حانون أن مستشاريه قد أساءوا الرأي، فأرسل إلى حلفائه السوريين للنجدة أمام جيش يؤاب ، وجمع العمونيون وحلفاؤهم قوات كبيرة للقتال، وعسكروا حول قلعة ربة عمون. فوجد يؤاب الاسرائيلي نفسه في وضع لا يحسد عليه أمام جيش قوي من الحلفاءمن الممالك الاردنية, فقسّم جيشه إلى قسمين لمجابهة هذا الموقف. وكان النصر حليفه، وألحق بأعدائه هزيمة منكرة ألجأتهم إلى داخل أسوار قلعة عمون. واكتفى يؤاب بذلك، وهو يخشى أن تكون هذه خدعة لإبادة جيشه، فعاد إلى القدس ليخبر سيِّده بما حدث، بينما سلم الجيش العموني والسوري من الإبادة، وإن كانوا ذاقوا الهزيمة . والهزيمة لا تعني القتل وإنما الصمود هو الذي يعني ذلك.
غضب داود لعدم احتلال قلعة ربة عمون وعاصمة المملكة العمونية، فأرسل يؤاب مرة أخرى على رأس جيش لاحتلال ربة عمون، ولكنه لم يستطع الاستيلاء عليها، لمنعتها من جهة، ولتوفر المياه من جهة أخرى من خلال الخزانات، ومن خلال السراديب الأردنية السرية إلى رأس عين عمان. كان طول الحصار لصالح العمونيين وضدّ الإسرائيليين حيث اضطر يؤاب أن يحقق شرفاً كبيراً على أثر مقتل القائد المعروف يوريا الحثي، أحد قادة الملك داود الذي يقال ان داود تزوج امرأة ذلك القائد، وأنه أرسله للموت لهذه الغاية حسبما تذكر اسفار العهد القديم . فطلب يؤاب النجدة من داود الذي حضر هذه المرة بنفسه على رأس قوات كبيرة، وقام باحتلال عمون، ووصفها بأنها مدينة ملكية، وأنها مدينة المياه، وانبهر داود المحتل بتاج الملك ووضعه على رأسه، وكان تاجاً من الذهب مرصّعاً بالحجارة الكريمة، وكان الإله المعبود لدى عمون آنذاك هو ملكوم Malkoom
ولم يقتصر داود ( الذي كان نبيا وملكا ؟؟؟ ) في فعله على ذلك، بل نهب غنائم كثيرة وعامل العمونيين بمنتهى الوحشية، ووضعهم تحت مناشير ونوارج حديد وفؤوس وزجَّ بهم في أتون الأجر/ اي في افران النار المشتعلة , فأحرقهم جميعاً (سكان عاصمة العمونيين) وقام بتخريب المدينة ثم عاد إلى القدس.
استطاع العمونيون أن يلعقوا جراحهم، وتم تنصيب الامير شوبي وهو أحد أبناء الملك ناحاش ملكاً عليهم، لأنهم خسروا بسبب سوء سلوك وتصرف ملكهم حانون الذي أثبت عدم قدرته على الحكم بسبب رعونته وطيشه وخضوعه لسيطرة مستشاريه. ولحسن حظ الملك شوبي أن اندلع حرب بين الملك داود وابنه أبشالوم، فانتهزها شوبي مناسبة وصار يمدّ داود بالسلاح الحربي المصنع حديثاً، والأسرّة، وعزّز موقف داود الذي حفظ الود لعمون، ولم يفكر ثانية في العودة إليها أو تخريبها هذه المرة، إذ لولا الإعانات العمونية لما تمكن داود من قهر ولده أبشالوم.
وإذا صحّ ما ذكرته اسفار العهد القديم ، فإن زوجات الملك سليمان بن داود الغريبات ومنهنّ من عمون قد وضعن بموافقته هياكل لعدو من الآلهة الوثنية في منازله، ومن بينها الإله ملكوم، إله عمون، إلا أنني أشكّك بهذه الرواية التي وردت في : (سفر الملوك الثاني/ الأصحاح 23)، والتاريخ حوالي 940 ق.م. وقد بقيت عمون شوكة في خاصرة الإسرائيليين وعجزوا عن تدميرها أو احتلالها بعد داود. فلجأوا إلى تخويفها عبر الحرب النفسية عن طريق أنبيائهم الذين صاروا يتنبأون بدمار عمون.
ففي سفر عاموص (1: 13) حوالي 670 أي بعد مائتي عام ونيف من انتهاء حملة داود عليها، كما ذكرنا أعلاه. تتنبأ عاموص ضد عمون، واتهم العمونيين أنهم يسلكون مسلكاً وحشياً في حروبهم، وتوعَدهم بنيران على أسوار ربة عمون عاصمتهم تأكل (أي النيران) قصورهم، وأنه سيتم أخذ ملكهم وأمرائهم أسرى. ولكن شيئاً من هذا لم يتحقق بل بقيت عمون تبني قوتها وتزدهر على أحسن ما يكون.
واستمرت هذه النبوءات الكاذبة. وفشلت الحرب النفسية التي استمرت لأكثر من نصف قرن، حتى إذا ما حلّ القرن السادس قبل الميلاد نجد النبي أرميا يقول أن ملكوم إله عمون قد تملّك سبط جاد الإسرائيلي، وذلك يعني أن عمون حررت الأرض من سبط جاد، واستعادت الأراضي إلى حظيرة الدولة العمونية. ورمى عاموص نبوءة قال فيها: أن عمون ستتحول إلى تلٍّ خارب، وسوف تُحرق بناتها (أي قراها) بالنار، وأنها سترتدي السواد. وأن ملكوم سيذهب إلى السبي، وسيتم طرد كل رجل دونما امهال .
إلا أن نبوخذ نصر الذي ظهر في فترة نبوءات أرميا، لم يتجه نحو عمون لتدميرها، لأن عمون قد سبقت إليه، وطلبت محالفته ومؤازرته وساهمت في إبغار صدره ضد المملكمة العبرية في القدس. وكان عدم تحقق النبوءات صفعة للإسرائيليين حقاً، حتى إذا ظهر النبي حزقيال حوالي 588 ق.م استنأنف الحرب النفسية ضد عمون ، من حيث توقف أرميا، وادّعى حزقيال أن نبوخذ نصر سيدمر عمون، بحيث لا تجد من يذكرها، وأن نبوخذ نصر سيصل إلى مفترق طرق إما إلى القدس أو عمون وأنه سيختار الذهاب إلى عمون لتدميرها.
ويبدو أن سوء الطالع لم يحالف ربة عمون، بل حالف القدس، إذ وضع نبوخذ نصر اسم المدينتين كل منهما على سهم. إلى أيهما سيذهب، وهو عادة ضرب القداح، فبرز سهم القدس، وبذلك فشلت نبوءة حزقيال، وأنقذ الله ربة عمون، وتوجه نبوخذ نصر إلى القدس حيث نكب اليهود نكبة تاريخية ذكرها القرآن الكريم في سورة الإسراء ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) [الإسراء:4 , 5 ] .
وهنا قامت الأفراح والليالي الملاح في عمون بسبب نكبة اليهود هذه على ايدي الملك العربي الاشوري نبوخذ نصر ، الأمر الذي أغضب النبي حزقيال ووصف العمونيين بأنهم "يصفقون بأيديهم ويدقون بأرجلهم له. وقد تنبأ لعمون : ( أنها ستكون اصطبلاً لجمال البدو الذين سيغزونها ويدمرونها ) وقد عاد نبوخذ نصر إلى بلاده، ونصّب بعده على اراضي مملكة بني اسرائيل المحتلة وعاصمتها اورشليم القدس , اقول نصب والياً بابلياً تابعاً له وهو: جدلياً. وهنا حدث أمر مفاجئ لم تذكر المصادر التاريخية سبباً أو مبررات له، وهو أن ملك عمون الجديد. بعليبس أغرى إسماعيل اليهودي بقتل جدليا الوالي البابلي بالقدس المعين لحكم فلسطين حسبما ذكر العد القديم في سفر أرميا (40: 14).
وفي رأينا أن هذه قصّة مختلفة من قبل اليهود في محاولة لإيغار صدر نبوخذ نصر ضد عمون، وإلا ما هو المبرّر بقتل جدليا الحليف القوي لعمون والذي سام اليهود خسفاً وصارت الحدود الغربية والجبهة الغربية لعمون آمنة ووادعة؟ أكرر القول أن هذه قصة مختلفة في حينه لغايات الفتنة انذاك بعدما فشلت جميع محاولات ونبوءات ودعاء انبياء بني إسرائيل على عمون والتمني بدمارها، والتي لم تزدد إلا ازدهاراً وإعماراً . ويبدوا أن صمت العهد القديم عن ذكر عمون بعد التحدث عن هذه المؤامرة كان نمطاً من تجنب إدخالها التاريخ، ولا بد من انتظار الحفريات الأثرية لتغطية هذه الفترة من القرن السادس إلى الثالث قبل الميلادي.
تعود عمون ثانية الى في التاريخ إلى مسرح الأحداث في القرن الثالث قبل الميلادي بعد سباق قد تظهر عنه معلومات بعد إجراء الحفريات والدراسات. ولكن هذا الظهور يبرهن على أن عمون استطاعت البقاء، واستمرت بالعمران، وذلك ما يظهر عام 300 ق.م عندما احتل اليونانيون هذه المملكة ضمن احتلالهم للأردن وسوريا. وقد أولاها اليونانيون أهمية كبرى، إذ صارت من ممتلكات بطليموس المصري خلال جزء من القرن الثالث قبل الميلادي. حيث أعيد بناؤها، وأطلقوا اسماً جديداً عليها وهو: فيلادلفيا بدلاً من ربة عمون. وأما الاسم الجديد فهو مشتق من اسم بطليموس فيلادلفوس الثاني (383-346 ق.م).
ازدهرت ربة عمون في الفترة اليونانية أيّما ازدهار، وصارت إحدى تحالف المدن العشرة وغالبيتها في الأردن، وكان تحصينها ضرورة أمنية للإمبراطورية لتكون قادرة على مواجهة الموجات اليدوية القادمة من الصحراء. حيث تعلَّم اليونانيون الدرس في أنهم قادرون على حصار المدن والقلاع واحتلالها، لكنهم غير قادرين على القضاء على البدو أو منع هجماتهم. كما أن اختلاف الثقافة والأساليب الحربية والطبيعة الجغرافية وسرعة الحركة تجعل هؤلاء البدو الأقل تسليحاً، أكثر قدرة على التكتيك والهجوم والهروب والنهب والسلب والتدمير بما يستعصي على جيش نظامي مقيم. كما أن أسلوب البدو يجعل من كل واحد منهم جندي مقاتل أو غازٍ ناهب، أما أسلوب الدولة فإن القتال محصور في الجنود والحامية المرابطة.
حدث صراع بين الجناح المصري والجناح السوري للإمبراطورية اليونانية بين أتباع بطليموس في مصر، والسلوقيين في سوريا، الذين رأوا أهمية ربة عمون، وضرورة السيطرة عليها، لحرمان مصر من مخفر متقدم في خاصرة بلاد الشام من جهة، ولتكون مخفراً متقدماً للسلوقيين ضد المصريين والبدو على حدٍّ سواء من جهة اخرى . فقام الملك أنطيوخس الثالث ( الجناح السوري ) بقيادة جيش كثيف وضرب حصاراً طويلاً على قلعة ربة عمون، أدى إلى احتلالها في نهاية المطاف.
ولكن ذلك الاحتلال كان لخيانة احد الأسرى العمونيين بسرّ البقاء الطويل والصبر على الحصار ، وهو توفر الماء، فدلّهم على وجود نفق سري بين القلعة ونبع الماء في أسفل الوادي، وعندما عرف اليونانيون السرّ عمدوا إلى مصدر الماء فقطعوه ، فاستسلمت المدينة، ولولا ذلك لباء الحصار بالفشل. كما كان فيها مصادر أخرى من البرك والخزانات التي تستخدم للطوارئ. كان ذلك الاحتلال البطليموس عام 218 ق. م. وبقي اليونانيون في عمان مدة تقارب مائة عام بعد هذا الاحتلال , حتى طردهم منها الأنباط.
استولى الأنباط على عمان في القرن الأول قبل الميلاد، إلا أن اليونان جُنّ جنونهم لما حدث، فقام الإمبراطور اليوناني هيرودس الكبير وشنّ حملة هوجاء، واستطاع بعد صراع طويل إخراج الأنباط منها عام 30 ق.م حتى إذا ما حلّ الرومان مكان اليونان انتقلت ربة عمون ومملكتها إلى ملكية الرومان الذين أزالوا غالبية البناء القديم وأعادوا بناء المدينة، حتى إذا ما صارت المسيحية الدين الرسمي لروما، صارت عمان مركزاً لأبرشية مسيحية هي: أبرشية البتراء وفيلادلفيا، وكانت تابعة لأبرشية بصرى في حوران.
واستمرت عمان بالازدهار حتى جاء نور الإسلام يحمله جنود الله من رجال الفتح الإسلامي المظفر في القرن السابع الميلادي، وصارت عمان ترد في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين، وقد أوردنا ذلك مفصّلاً في كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين.
ولا تزال آثار الدول المتعاقبة موجودة في عمان حيث تدل على أن الإنسان العموني الأردني استطاع التكيف مع جميع الدول رغم تباين اتجاهاتها وأساليبها، وعمل على إعمار بلده، وأن نُسِبَ هذا الإعمار للدول التي حكمت الأردن، فالمدرج العموني سمي المدرج الروماني نسبة للعصر الذي بني فيه، وليس لأن بناته كانوا من الرومان. فلا شك أن عملاً هائلاً كهذا يحتاج إلى أيدي عاملة وعمال مهرة هائلة يتعذر جلبها من روما، وإنما من عمان نفسها وما حولها. وتوجد مقاطع حجارة من نفس النوعية المستخدمة في بناء القلعة والمدرج. وقد عاينت بنفسي عدة مواقع منها في ياجوز، وأخرى على طريق ناعور عند خروجها من رأس العين، وأخرى في الضاحية الجنوبية الغربية لعمان. وقد تم طمس الكثير من معالم هذه المحاجر بسبب العمران، أو بسبب استخدامها كسَّارات في الخمسينات حتى السبعينات من القرن العشرين، حيث كانت الحصباء تستخدم للبناء في عمان، ثم انتقلت مواقع الكسارات الى شرقي عمان. بعد ان تجولت في العديد من الواقع عبر القرن العشرين , وانزاحت امام تمدد العمرن والمدينة
ومن المدرجات الأردنية التي أُنشئت بالأردن في زمن الاحتلال الروماني هي: اثنان في عمان وثلاثة في جرش واثنان في بلا (طبقة مُحل)، واثنان في البتراء، واثنان في جدارا (أم قيس). فيكون عددها أحد عشر مدرّجاً. ولا شك أن إنشاءها ينمّ عن فترة ازدهار حضاري واستقرار أمني وتكاثر سكاني ويدل على أن الإنسان الأردني إذا ما شعر بذلك أبدع أيّما إبداع، وأن العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم كانت غير عدائية على الأقل. وإن وجود قاعات للموسيقى، وأخرى للمسرحيات برهان على التقدم الذي شهدته الأردن في فترة الحكم الروماني المتقدمة.
وإن حمام الحوريات على الضفة الشمالية لسيل عمان ليدل على قدر عظيم من الفخامة، وإن أصبح بالياً في معظمه مع الدهر. وإن الرحالة الأجانب الذين زاروا عمان في القرن التاسع عشر الميلادي تحدثوا عن شبكة هائلة من القنوات المائية تحت الأرضية، ونقل الماء بالأسطوانات الفخّارية على الطريقة النبطية. إلا أنهم جميعاً ينكرون نبطيّة هذا الأسلوب، ويعزونه دائماً إلى حضارتهم الغربية وهي روما. كان الرومان لصوص مهرة يسرقون جهود الاردنيين وينسبونها الى انفسهم .

كان نهر عمان الذي صار سيلاً ثم تحول الآن إلى مجرى للمياه العادمة، أقول كان مسقوفاً في الحقبة الرومانية وذلك لحماية مجرى الماء من التلوث، وحماية البساتين من الفيضانات، وليكون ذلك جزءاً من تنظيم المدينة، ولم يصل إلى القرن العشرين إلا بقايا قناطر تهدمت أيضاً بسبب الحركة البنائية في هذه المدينة بعد أن تحولت إلى عاصمة للبلاد. وكانت شوارع عمان مبلطة ومحاطة بالأعمدة القائمة,حيث تحدث عنها الرحالة، وعثر عليها الناس عندما شرعوا في البناء في منتصف القرن العشرين.
ومن الملفت للنظر أن الأردنيين قد اتخذوا أسماء أخرى غير العربية مضافة إلى أسمائهم العربية المحلية، وذلك في كل حقبة، ففي العهد اليوناني نجد أسماءهم تحمل الأسماء اليونانية لأنها اللغة الرسمية والتدوين صار بها وبالتالي قد نعرف الاسم العربي للشخص، وقد لا نعرف كما أن الكتابة كانت باليونانية كلغة رسمية أيضاً. فمثلاً نجد الشاعر العربي المدفون في أم قيس مكتوب على ضريحه: إليك أقول أيها المارّ، كما أنت، كنت أنا، وكما أنا تصير أنت، فتمتع بالحياة كأنك تموت غداً، من نظم الشاعر أرابيوس (355م).ومن الملاحظ ان اسمه من مقطعين هما : اراب / ارابي وتعني العربي او عرب , واما المقطع الثاني فهو مقطع النسبة وهي وس في اللغة اليونانية، والكلمة تعني العربي . وكان في أم قيس معاهد للعلم والأدب تخرج منها شعراء أردنيون منهم الشاعر ملياجر. وكانت إحدى المدن العشرة (الديكابوليس).
وتعود إلى المملكة العمونية التي اندرج أهلها ضمن موجات الحكم المتعاقبة إلى أن جاء الفتح الإسلامي فالتحقوا بعروبتهم حكاماً ومحكومين وخلعوا عبادة آلهة الوثنية، واعتنقوا الإسلام والتوحيد، واندمجوا في أسماء عشائر جديدة، لا زالت هنا وهناك في شتّى بقاع الأردن. وهنا تنطبق عليهم صفة هامة من صفات الشعب الأردني ألا وهي التكيف مع الأوضاع الجديدة من أجل البقاء والاستمرار.
وكما وقع الظلم على الشعوب الأردنية، وصار المؤرخون يتحدثون عن الرومان مع نسيان هذا الشعب وعن اليونان والصليبيين والأتراك , مع نسيان الاردنيين وكذلك الكلام عن المحتل او الحاكم مع نسيان دور الشعب الاردني , فإن الأمر نفسه لا زال يتجاهل الحديث عن وجود شعب اسمه : الأردني، مع تجاهل إنجازاته الحقيقية ونهضته العلمية والعمرانية وانتسابها لأشخاص محددين أو لأناس من غير الشعب الأردني. وبهذا ينطبق المثل القائل: نحن في الأردن مثل خبز الشعير مأكولين ومذمومين. وأيضاً المثل القائل: ملحتنا ما تبلغ ـ أي لا أحد يحترم العيش والملح الذي يتناوله في ديارنا.
ولا بد من الحيث عن عمون بخاصة، والأردن بعامة في فترات سبقت وجود العمونيين في الديار الأردنية، حيث غشيها الهكسوس، وهم ملوك الرعاة الذين كان الحصان، والعجلة التي يجرها الحصان وسيلتهم في الحركة والحرب، وبذلك كانوا متفوقين على الآخرين بهذا السلاح الذي يعتبر في حينه أمراً يفوق التصوّر والإحاطة به. وقد تقدم الهكسوس وحارب قبائل البدو، ولم يتمكن من السيطرة على الأردن، وإنما اكتفى بممر واسع له وهو قادم من الشمال إلى الجنوب، بينما بقيت أجزاء الأردن الشرقية تحت حكم القبائل البدوية. وصل الهكسوس إلى مصر وحكموها، وكان من أولوياتهم الحفاظ على بادية الأردن لأن حكام مصر عبر التاريخ يعتبرونها بوابة الفناء للاننظمة في مصر ، لأن أغلبية من حكم مصر أو احتلها جاء من البوابة الأردنية أو الفلسطينية
واعتقد بعض الباحثين أن الأردن لم تكن مأهولة في فترة الهكسوس وهي من 2100-1500ق.م. وذلك بسبب تحولها إلى جبهة عسكرية تحمي البوابة المصرية الشمالية من هجمات البدو والامم الاخرى التي قد تطمع في السيطرة على مصر . وبذلك صارت مصر بالنسبة لبدو الاردن زمن الهكسوس مصدر رزق واعاشة ومراعي لمواشيهم , في الوقت الذي التزم هؤلاء البدو بعد الاغارة على مملكة الهكسوس . وبذلك ادى التفاهم بتبادل المنافع والسلم بين الطرفين . فعاش الطرفان كل منهما غير قادر على القضاء على الآخر او ترحيله من الارض . من هنا كان العيش المشترك على هذه الأرض التي انقسمت انقساماً طولياً غربي ( مصر وفلسطين ) مع الهكسوس، وشرقي ( بلاد الاردن / ادوم ) مع البدو.
وبقيت الفكرة الخاطئة بخلوّ البلاد من السكان عن الفترة أعلاه، قائمة حتى عام 1955 م عندما تم اكتشاف هيكل صغير خلال أعمال الإنشاءات في مطار عمان/ ماركا. ويحتوي الهيكل على مقادير كبيرة من الأواني الفخارية والأدوات الأخرى، ومنها أواني فخارية مستوردة من اليونان وقبرص، ومزهريات حجر مصرية، ومثل هذا يدل بل ويبرهن على أن عمان، وبالتالي الأردن كانت مأهولة بالسكان المتحضرين في الفترة الطويلة التي يعتقد البعض انها كانت خالية من السكان , بل وتدل هذه المخلفات الاثرية أن تزاوجاً بين المحتلين الهكسوس والبدو الاردنيين المجاورين لحدود مملكة الهكسوس قد أخذ مكانه في تفاهم وتناغم مما جعل الحياة أكثر استقراراً وازدهاراً، يدل على ذلك هذا الهيكل الذي يعني فيما يعنيه وجود رجال دين وأناس يتعبدون وبالتالي شعب مستقر متصل مع الامم من حوله , بل شعب له دينه وحضارته وثقافته , واذا كانت اخباره غير مدونة فان ذلك قصور في الحفريات التي كان يتوجب اجراؤها لوصول الى مزيد من التفاصيل عن هذه الحقبة وغيرها من الحقب التاريخية . فالاقدمون عاشوا بما ساهم وساعد في بقائهم وتركوا من الاثار القليلة او الكثيرة ماتعطي الاشارات اوالتفصيلات عنهم وعن نمط حياتهم وثقافتهم ومعتقداتهم . ولكن قدر الاردن انه دائما كخبز الشعير ماكول ومذموم ولا حول ولا قوة الابالله العلي العظيم

رابعاً: الأنباط:
إن الحديث عن الأنباط يبقى قليلاً مهما كَثُر (بضم الثاء) ولأنهم شعب فريد من نوعه ومتميز بعبقريته , تحوّل من البداوة والرعاية إلى الفلاحة ثم إلى المدينة ثم إلى نحت مدينة في الصخر لا شبيه لها في الدنيا، وصارت عام 2007م من عجائب الدنيا السبعة.
يقول العهد القديم في سفر التكوين أن الأرض الممتدة من وادي زاراد (الحسا) حتى بحر القلزم (خليج العقبة) كان يدعى سعير ـ وهو يسمى الشراة اليوم. وقد ورد اسم سعير هذا في الروايات التاريخية، وفي كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين أيضاً وإنما ورد بلفظ سعير أو شراة فهما كلمتان مترادفتان على كل حال وان اختلف اللفظ . إن هذا الجزء من الكلام في سفر التكوين أمر لا يحتاج إلى نقاش لأنه ملموس بين أيدينا.
أما الذي يحتاج إلى نقاش فهو قول العهد القديم ، أن هذا الجزء من الأرض كان يطلق عليه اسم أدوم، وأنها أعطيت لعيسو. أما اسم أدوم لهذه الديار، فلا خلاف عليه، أما أنها أعطيت لعيسو فهي نقطة النقاش. ويذكر العهد القديم أيضاً أن أولاد عيسو وأحفاده تكاثروا واستطاعوا طرد الحوريين وهم سكان الكهوف في هذه المناطق وهي جنوب الاردن أو القضاء عليهم حيث تمكن أبناء عيسو باحتلال الديرة بأجمعها. وبذلك حولوا عيسو الى بطلاسطوري وان ذريته تتكاثر كالجراد وهو مالا يتفق مع عقل .
إنه يستحيل أن تكون ذرية عيسو قد تكاثرت خلال هذه المدة من زمن إبراهيم إلى زمن موسى وهي خمسة قرون أن يكون عددهم قد وصل إلى درجة للقضاء على مملكة أدوم القوية الواسعة التي كان سكانها يصلون إلى عدة ملايين من البشر المتجانسين المؤمنين بقيادتهم في حينه.
كما أن عيسو من العبرانيين، والأدوميون عرب من العموريين وقد وصلوا كقبيلة بهذا الاسم إلى الأردن، وشكلوا مملكة، وصار لهم ملك كما سبق وشرحنا من قبل وبالتالي فإن التوراة التي دأبت أن تَنْسِب كل شيء إلى العبرانيين ثم إلى بني إسرائيل، لم تجد من يناقش هذه المسألة من المؤرخين السابقين والمعاصرين. وقد يكون عيسو حاول السيطرة على الحاكم ففشل، ولكن الإسرائيليين لا يذكرون فشلهم وهزائمهم إلا في حالات قليلة وإنما يتحدثون عنها على أنها انتصارات لهم وإنجازات، ومن هنا فإن الرأي العلمي الذي يخرج عن الإسرائيليين محوط دائماً بالشبهات، ومنسوب بالباطل والتزوير ويجعلون الغلبة لهم، ويحاولون أن يجعلوا أنفسهم أساس كل شيء غير واضح للآخرين وينسبون له الأمجاد الوهمية.
إن اسم سعير قد جاء من اسم أحد ملوك أدوم، وكانت الأسرة الحاكمة تتألف من الأمراء، ومجلس الحكم يتألف من شيوخ العشائر ضمن المملكة الأدومية الأردنية. وإن التوراة لتناقض نفسها وهي تسرد أسماء ملوك أدوم ثم تحوّل ذرية عيسو إلى أبطال وهميين، يتعاملون مع الأدوميين وكأنهم عصافير أو أرانب. وإن حديث التوراة عن عيسو أيضاً يأتي قبل ولادة عيسو نفسه، فلا أدري كيف استطاع عيسو أن تكون له ذرية تشكل شعباً ليقهر الشعب الأدومي الأردني، قبل أن يوجد هو نفسه في الحياة وقبل ان يولد من بطن امه . وأن الأحداث التي تشير إليها التوراة تقع إلى حوالي عشرين قرناً قبل الميلاد (2000 ق.م) أي قبل مجيء سيدنا إبراهيم إلى فلسطين أصلاً، وحيث كانت فلسطين أيضاً للكنعانيين منذ عشرات القرون وكانوا في حالة من الازدهار والاستقرار، وكذلك كان شأن أبناء عمهم العموريين العرب الأردنيين ومنهم الأدوميون.
تزيد التوراة أيضاً في معلومة لا يمكن أن تتفق مع العقل ولا تتطابق مع الزمن إذ تقول أن مملكتي مؤاب وعمون قد تشكلت من أبناء بنات لوط. وهذا أمر لا يتفق مع العقل أبداً فالعمونيون والمؤابيون كانوا موجودين كشعب وعشائر في حوالي 2000 ق.م أي قبل مجيء لوط وإبراهيم عليهما السلام باكثر من مائتين وخمسين سنة , ولكن المنطقة المعقول أن تكون إحدى بنات لوط لجأت وزوجها (إن كانت متزوجة) إلى مملكة مؤاب باعتبار زوجها مؤابي من هناك لأن أهل قرى قوم لوط كانوا يرتكبون الفاحشة، وإن الثانية لجأت إلى مملكة عمون لأن المكان أيضاً قريب من المملكتين المتجاورتين وإن وجود التمثال الحجري لامرأة لوط الذي يعتقد العامة أنه لها وأن الله مسخها حجراً لكفرها. يقع ضمن مملكة عمون، وقريب من مملكة مؤاب في الآن نفسه، كما أن قبر لوط غير معروف إلى الآن، وأغلب الظن أنه لجأ إلى مملكة عمون لبعدها عن مكان السخط الالهي , ثم مؤاب لقربها من ديار من بقي من القرى ممن امن ولم يصبها الله بالنازلة التي اصابت المؤتفكات ( قرى قوم لوط الشاذة ) وربما كانت الحركة عكسية والله اعلم . ومن المنطق انه زوّج ابنتيه ممن أمن من أبناء هاتين المملكتين وأن التوراة تغاضت عن الحقيقة وحرفتها وكان همّها الوحيد هو فقط القول بأن أدوم من أبناء عيسو أو العيص، وأن عمون ومؤاب من أبناء بنات لوط.
ولنفرض جدلاً دون التسليم بذلك أن رجالا من هاتين المملكتين : ادوم وعمون تزوجوا من بنات لوط عليه السلام , والجواب أنهما كبنات نبي لا بد وأن يتزوجن من ناس مؤمنين أيضاً. وإذا أردنا المقارنة نجد أن شعيب (الحفيد الأدنى للنبي شعيب عليه السلام، والحامل لاسمه) قد زوّج ابنته من موسى لأنه عرفه بعد الحديث معه أنه (أي موسى) مسلم وليس كافراً. وانهما وضعها الله سبحانه وكيلا على شرطيهما. وليس غريبا ان يكون هناك مؤمنين من رعايا او امراء مملكتي ادوم وعمون . وكذلك قد يكون الازواج من المؤمنين من قوم لوط وانهم بعدما اصاب قومهم ماصابهكم رحلوا الى ادوم وعمون , وانخرطوا في المجتمع والحياة هناك .
وبناء عليه فإنني آخذ معلومات التوراة / العهد القديم بحذر، وهي على غزارتها لا تنشر إلا ما يخدم عقيدة هؤلاء القوم الحاقدة على سائر البشر والعقائد والأديان. وتتناقض التوراة مع نفسها مرة أخرى عندما تقول: أن عمون ومؤاب كانتا في العصور السابقة خاضعتين لأجناس من العمالقة كانوا يُدْعون الأيميين في مؤاب، والروفانيين والزمزميين في عمون. وأنهم استمروا حتى قام الإمبراطور الفارسي كدر هومر ملك عيلام حملة تأديبية سحقت هؤلاء العمالقة كما سحقت قوة الحوريين في سعير.
نخلص إلى القول أن هذه العشائر التي أشارت إليها التوراة كانت موجودة وهي عربية بلا منازع لأنه لم يستقر في الأردن شعب إلا الذين جاءوا من الشرق. وأن العموريين عندما جاءوا طردوا هذه الشعوب وحلوا مكانها ولا علاقة لهم بعيسو ولا لوط ولا بني اسرائيل .وما دام الشيء بالشيء يذكر فإن من العشائر الأردنية التي سبقت العموريين , هم : الكفتاريون والزمزميون وغيرهم.
ثم نعود إلى موضوعنا الرئيس هنا، وهم: الأنباط وهي المملكة الأردنية القديمة الوحيدة التي ليست من العموريين، وإن كانوا جميعاً من العرب. وقد تحدثنا في كتابنا: في ربوع الأردن جولات ومشاهدات عن كيفية تحوّل الأنباط العرب من رعاة إلى رعاة مزارعين ثم إلى مستقرين ثم إلى تجار، ثم إلى مرحلة البناء، وتوطيد التملك في هذه الديار، فصاروا مهرة في الإنتاج الزراعي، وتربية أصناف الماشية، وبخاصة الجمال لحاجتهم إليها في نقل البضائع عبر الطرق التجارية القديمة، حيث كانت البتراء نقطة تجمع وإعادة توزيع إلى مصر، وغزة والشام وبالتالي إلى أوروبا عبر موانئ البحر الرومي ـ البحر الأبيض المتوسط.
ورغم أن الدراسات لم تغطي الأنباط بصورة وافية، إلا أنني ومن خلال معاينة البتراء وقراءة كثير مما يتعلق بهم باللغتين العربية والإنجليزية، أخرج برأي خاص أرى فيه أن الأنباط عرب قدموا إلى الأردن من الشرق وهم بدو رحّل يحملون متاعهم فوق جمالهم، ومعهم أنعامهم من الغنم والابل والبقر والخيل والبغال والحمير , وأنهم جاءوا من منطقة كانت تتوفر فيها المياه بصعوبة، وكانوا يستنبطون الماء أي يستخرجونه من أرض تبدو قاحلة في مظهرها , فصار هذا اسمهم، مثلما صار اسم الغساسنة من اسم العين التي نزلوا عليها.
وعندما تجولوا في بادية الأردن وربوعه، وجدوا من الصعوبة عليهم السكن في منطقة الشمال والوسط والكرك لعدم قدرتهم على الاصطدام مع الأردنيين السابقين، ومع الممالك القائمة في الاردن وفلسطين ومع الإمبراطورية اليونانية التي كانت الأردن إحدى ممتلكاتها، فاختاروا منطقة تتوفر فيها حاجتهم من الأمن اولا والماء ثانياً والغذاء ثالثاً.
1. توفير الأمن: حيث أن هذه منطقة وعرة يصعب على أي جيش اقتحامها، وإذا اختفى أهلها فيها تبدو وكأنها قاحلة خالية من السكان. وهذا شبيه بما سبق وذكرناه من السراديب في القرى الأردنية الأخرى التي تستوعب سكان القرية ومواشيهم ويلجأون إليها وقت البرد الشديد، واجتياح الأعداء الذين لايجدون أحداً في المكان , وإن المتجول في منطقة البتراء وما حولها إلى وادي عربة يجدها ملاذاً آمناً طبيعياً هائلاً. وإن المتجول في الجبال المحيطة بها شرقاً وجنوباً وشمالاً يجد نقاط مراقبة اثرية قديمة تطل على جبال الشراة والسهول الشرقية حتى ما بعد معان أي حوالي خمسين كيلو متراً، حيث توجد العيون الغزيرة العذبة في هذه الجبال والأرض الخصبة فيها.
ويبدو أن هذه النقاط المسماة باللهجة الأردنية مناطر Manater ومفردها منطرة، إنما كانت نقاط مراقبة بصرية يرابط فيها مجموعة من الرجال ويبلّغون قولهم بواسطة إشعال النار أو التحرك الفوري إلى حيث مركز الشعب النبطي ليستعد لمجابهة الغزاة القادمين من أية جهة كانت.
وعندما تكون الأمور آمنة ينتشرون نحو الشرق ويستغلون سهول الشراة ومياهها للزراعة والإنتاج، واستطاعوا التوسع حتى حققوا الشهرة إلى درجة اضطرت القوافل التجارية القادمة من اليمن والشام أن تمرّ بهم كمحطّة رئيسة بديلة عن محطات وادي الأيكة ومدين، ومحطات قرى قوم لوط، أو متممة لها، ولكن القوافل هنا تجد الأمن والأمان والرعاية مما جعل سمعة الأنباط تفوق كل سمعة في هذا الصدد، بعكس ما كان عليه أمر أهل مدين والأيكة، وقرى قوم لوط، حيث كانوا يطففون الميزان والكيل ويقطعون السبيل على الناس، وقد ذكر القرآن الكريم ذلك وشرحناه مفصّلاً في كتابنا، التاريخ السياسي للعشائر الأردنية، أحد أجزاء هذا الكتاب باللغة الانجليزية .
تحوّل الأنباط من قبيلة لها شيوخ عدة، وشيوخ مشايخ إلى مملكة لها أمراء، ولها ملك يعودون إليه وله قرار الحرب والسلم، وعليه خدمة ورعاية شعبة، وامتاز ملوكهم بالتواضع المعهود في البوادي الأردنية سابقاً. وقد حملوا الأسماء العربية، كما سنرى بعد قليل إن شاء الله.
2. توفر الماء : فالماء أساس الحياة , وإن نوعية المياه هنا من حيث المصادر تتكون من ثلاثة أنماط، الأول مياه النبع السطحية، وأهمها وأغزرها عيون موسى عند فتحة الجبل الذي يؤدي إلى وادي موسى ثم إلى البتراء على مسافة ثلاثة كيلو مترات من النبع. وتتميز هذه النبعة بغزارة وعذوبة مياهها، وخفيتها أي أن الشخص الغريب لا يدرك ولا يتصور ولا يعرف بوجود العين إلا لحظة وصولها، عندما يكون على بعد أمتار منها فقط. وهذا بحد ذاته جعل الغزاة يستخدمون منابع الصدقة والفرذخ وأيل من قرى الشراة إلى الشرق من وادي موسى وعلى الطريق إلى معان. وبهذا صارت مياه عين وادي موسى آمنة من الأعداء لأنهم لا يرونها من مسافة بعيدة، كما أن بداية مجراها تسير في وادٍ ضيق لمسافة طويلة نوعاً ما.
وأما النمط الثاني فهي مياه الجمع، حيث أن جبال البتراء جرداء تتكون من الحجر الرملي الأملس الذي لا يشرب الماء، وبالتالي فإن أدنى زخات من المطر تلقي بهذه المياه على صفحة الصخر إلى أقدامه، وهناك استنبط الأنباط طريقة حولوا بموجبها هذه المياه إلى خزانات كبيرة تمتلئ بالماء، فلا يضيع منها شيء أبداً. وهناك أيضاً تجاويف صخرية طبيعية أو منحوتة تسمى الخوابي Khawbi ، ومفردها خابية Khabiah ، تتجمع فيها مياه المطر النازلة عل الصخر، وتحتفظ الخوابي بالماء في ظل ظليل طيلة السنة بعيداً عن الشمس والتبخر، وتشكل مصدراً نقيا للشرب.
وأما النمط الآخر فهو الخزانات: التي كانت تستخدم للشرب والتجارة، وقد أقام الأنباط عدداً من السدود في نهايات الأودية النازلة من سلسلة جبال البتراء إلى وادي عربة، بحيث تتحول إلى الحلّ الثالث والأخير للاحتفاظ بكل قطرة ماء تنزل على تلك الديار. وعلى هذه السدود قامت الزراعات الكثيفة التي أنتجت خضاراً وفواكه في غير موسمها، واستخدامها في التصدير للتجمعات السكانية المجاورة في الأردن وفلسطين، وجلب دخل كبير من جراء ذلك , فضلاً عن الاكتفاء الذاتي لاستخدامات السكان أنفسهم، وقد عثرت السلطات الرسمية بالأردن على العديد من السدود النبطية , اقول عثرت عليها في العصر الحديث وأقامت على أنقاضها سدوداً حديثة كما أنه توجد بعض أشجار العنب (دوالي) إلى ماقبل دخولي السجن (2007) أما الآن وأنا أكتب هذا الكتاب من الذاكرة في السجن وفي ظروف سيئة. ومن أسوأ ما يمر بالإنسان السويّ فإنني لا أدري إن اندثرت هذه الدوالي. وأشجار التين والزيتون ام لا ؟ .
واضح أن الأنباط اختاروا أكثر المواقع منعة في جبال البتراء حيث الممر الضيق وهو فتحة طبيعية في الجبل الصخري، ويفضي بعد ثلاثة كيلو مترات إلى فسحة من الأرض، حيث أقاموا الخزنة التي هي مقبرة لملوكهم، ثم إلى مدرج منحوت في الحجر الرمي والذي تأكل بحيث يحتاج إلى ترميم، ثم نجد قصر العدل وقد تجولت فيه شخصيا عدة مرات، ورأيته كيف كان محكم التنظيم والنحت والتوزيع، ثم شارع الأعمدة، ثم تلال إلى الشمال حيث يناياتها الاثرية تحت التراب الآن، ومغائر متناثرة هنا وهناك ، ثم إلى الغرب حيث يوجد الدير والكثير من الكهوف والمنحوتات والمسلة .
لم يترك الأنباط أنفسهم تحت رحمة أي غزاة قد يحتلون منابع عيون وادي موسى، حيث أقاموا خطّاً سريّاً لنقل المياه تحت الأرض، يجلب المياه من نقطة سريّة عند النبع غير مكشوفة، ولا يؤثر عليها وجود الأعداء على النبع، ويتألف هذا الخط من الفخار الناعم المتقن، وقد رأيت العديد من أجزائه في عام 1968 في بساتين الجيَّة Jayyah المطلّة على وادي موسى وينتهي الخط إلى خزان للمياه قبل مدخل البتراء. وقد زرته عام 1987 وكتبت عنه ورسمته وشرحت ما حوله في كتابنا: في ربوع الأردن جولات ومشاهدات، 1987 ـ الجزء الأول.
وبعد تجمع المياه في الخزان المذكور يجري نقلها ثانية عبر اسطوانات فخارية اخرى يمكن مشاهدتها بسهولة مغطاة بالجص تارة، ومكسورة تارة أخرى في سفح ممر صخر السيق المؤدي إلى الخزنة، وأن هذه المياه كانت كافية لأهل المدينة الصخرية، كما كان لديهم مصدر آخر للمياه بديل في حالة الطوارئ ومعزّز للخط الأول، ألا وهو العين البيضاء التي تقع إلى الشمال من البتراء . وقد تحولت البيضاء اليوم إلى قرية كبيرة فيها سائر خدمات البنية التحتية ، وزرتها ومعي وفد كوري جنوبي في عام 2002 وذلك في أشهر آب صيفاً. ولا أدري إن كانت عيون غير هذه، سوى عيون بلدة وادي موسى الكثيرة والتي تتحول إلى سيل ينتهي إلى السيق.
من كل ما سبق نجد أن الأمن والحماية كان متوفراً في أعلى درجاته في هذه المنطقة وكذلك الماء، وهذا وحده كاف لشعب بدوي لديه ماشيته التي يعتاش منها. وهذا ينقلنا إلى الغذاء.
3. الغذاء: وأقصد به طعام الإنسان، وعلف الحيوان، وإذا كانت المقولة السائدة أن البدو ينتقلون دائماً طلباً للماء والكلأ، فإنني أرى إضافة الأمن والحماية التي جعلتها الأولى , والتي لابد من توفرها للاستقرار الأنباط وعندما توفرت ساهمت باساقرار الانباط , أما الغذاء هنا، فهو من الزراعة ومن الإنتاج الحيواني ثم من التجارة عندما تحوّلت إليهم ومن خلالهم طرق التجارة العالمية السائدة آنذاك.

أما الكلأ فكان متوفراً في جبال الشراة في الربيع والصيف والخريف، بينما نجده وافراً في الشتاء مع الدفء في وادي عربة والأغوار حيث توجد طريق ضيق جداً تربط البتراء بالأغوار محاذية للوادي الذي يبدأ من حوضالمدينة الوردية ، وينتهي إلى وادي عربة، وقد وصفه لي من سلكه، ولم أشاهده بنفسي بل عاينت السدّ النبطي في غور الصافي أثناء قيام سلطة وادي الأردن بإعادة بنائه في الأغوار الجنوبية.
ويتوفر الكلأ والماء للماشية والطقس المناسب وهو البرودة ربيعاً وصيفاً وخريفاً (جبال الشراة)، والدفء شتاءً (وادي عربة)، صار الإنتاج غزيراً وزاد فائضه عن الحاجة، مما عزّز الميل نحو التجارة والمتاجرة، مع خارج البتراء، وأقربهم إليها مملكة مؤاب، وشعب فلسطين، وشعب مصر، ثم إلى شعب الحجاز والشام وبذلك دخلوا على خط القوافل التجارية، وصاروا محطّة رئيسية تنتهي إليها القوافل المتجهة شمالاً والعائدة جنوباً لتبادل البضاعة والتزوّد بالإنتاج النبطي المطلوب للاستهلاك خارج المملكة النبطية. وبذلك أصبحت التجارة عندهم قائمة على عناصر أربعة:
1. أنهم نقطة مرور للقوافل التي جاءت بحمولتها من وإلى الحجاز أو اليمن، ومن او إلى الشام أو إلى أي بلد خارج حدودهم، ويتقاضون منهم جباية مكوس المرور فقط لقاء خدمات الدلالة والحماية وتاجير الرواحل وتوفير الخدمات والطعام والشراب والعلف .
2. أنهم نقطة تبادل البضائع القادمة من الشمال والجنوب والشرق والغرب، فتحولت مدينتهم إلى سوق مركزي للمنطقة برمتها، تنتهي إليها البضاعة وتخرج منها موزعة إلى أهدافها المتعددة. وفي هذه يستفيدون من المكوس بالإضافة إلى عنصر فارق العملة وفارق السعر والبيع والشراء.
3. أنهم ينقلون البضاعة لقاء أجر معين، فهم يعرفون الطرق، ولديهم الإبل والبغال التي تستخدم للنقل يؤجرونها لهذه الغاية ومعها أصحابها، وبذلك تستفيد الدولة من جهة والمواطن النبطي من جهة أخرى.
4. الحماية والدلالة: كان الانباط يقومون بحماية هذه القوافل داخل مملكتهم ويتقاضون أموالاً لقاء ذلك، كما أن الإدلاء يتقاضون أجرة عن جهودهم هذه. حتى صاروا خبراء بالطرق إلى مصر والحجاز واليمن وفلسطين والشام والحجاز واليمن , وصاروا خبراء بعادات أهلها ولهجاتهم ولغاتهم وحروفهم، حيث تتطلب مهنتهم ذلك.
وفي العصر الحديث نجد أن أهل وادي موسى من بني ليث وهم من أعقاب الأنباط الأول، أقول هؤلاء الذين يتعاملون مع السياح يتحدثون عدة لغات أجنبية مضافاً للعربية، وقد التقيت بدوياً في البتراء يتحدث خمس لغات (الإنجليزية والإسبانية والألمانية والفرنسية والطليانية) وهي لغات السياح الأكثر تردداً على البتراء . ويبدو الأمر مثيراً للسياح عندما يرون بدويّاً يتحدث لغتهم ويوصلهم الرسالة المطلوبة والشرح اللازم، ويرتاحون غليه أكثر من الدليل المتأنق القادم من عمان.ولا شك ان هذا تكرار لما كان يجري قبل الفي عام ونيف , عندما كان اجدادهم الاوائل وهم الانباط يتكلمون العربية وهي لغتهم , واللاتينية واليونانية والارامية والعربية الجنوبية والسريانية , مما جعلهم محور استقطاب التجارة العالمية في جينه . انه المشهد نفسه الذي نجد فيه الان بدويا بتحدث اللغات الحية مضافا الى لغته الام وهي العربية . لقد تغيرت القرون وتعاقبت الايام ولكن عندما تعود المهمات والادوار الاحفاد فانهم يتصرفون كما كان يتصرف الاجداد . كل يفعل مايضمن له البقاء ضمن الصراع من اجله .
وقد تزوجت سيدة إسبانية من دليل سائح واختارت العيش في البتراء، وأنجبت وعاشت مع زوجها، وزرته وتحدثت إليها في بيتها بالعين البيضاء ومعي الوفد الكوري صيف عام 2002 . وقد قرأت في السجن في إحدى الصحف المحلية بالأردن ان هذا الزوج البدوي توفي رحمه الله , وان زوجنه الاسبانية الفت كتابا عن قصة حياتها معه في البتراء. ولم أطلع على الكتاب، لكنني قرأت عنوانه، وأظنه كان بالإنجليزية أو الإسبانية.
وبذلك نجد أن الأنباط لم يتركوا شجراً ولا حجراً ولا بشراً ولا ماشية إلا واستغلوها أحسن استغلال وإلى أقصى درجة , وذلك برهان على أنهم شعب عملي وجاد. وأن كل واحد كان لا يتوانى عن بناء ثروته التي يستطيع بناءها دونما تدخل من الدولة، وأنه شعب كان يعيش دون أن يدفع الضرائب وإنما يستفيد مما يدفعه الغرباء للدولة.
وبذلك تحوّل الأنباط من قبيلة لها عدة شيوخ، وشيوخ مشايخ، إلى شعب وتحول الشيوخ إلى أمراء، وشيخ المشايخ إلى ملك، وتحولت البلاد التي سيطروا عليها إلى مملكة بدلاً من الديار المحلية الضيقة في البتراء ووادي موسى. وتحقق الاستقرار والرخاء وزخم الإنتاج، والتكاثر البشري من خلال التوالد، وانضمام مجموعات من الشعب الأردني اليهم من القادمين من الممالك الاخرة طلبا للرزق والعمل او هروبا من العقاب اذا كان مطلوبا هناك , وادى هذا الانجذاب الشعبي الاردني الى البتراء ان اصبحوا تحت لواء الشيوخ طلبا لحماية والشرعية , فزاد عدد السكان وزاد معه الانتاج .
زاد السكان اذن من خلال مصدرين هما: التوالد الطبيعي والالتحاق بهم من الادوميين وسائر الممالك . وصارت البتراء ملاذا امنا لكل طامع بالحرية والحماية والعيش الكريم .وبذلك تكون شعب يحمل اسم القبيلة وهي الانباط دون الالتفات إلى ان اجزاءا منه من غير تلك القبيلة نسباً واصلا .
ومن المألوف في التاريخ الأردني عبر حقب التاريخ الزمني أن الشعب المحلي أو العشيرة المحلية تنضوي تحت لواء عشيرة قادمة, او ان قادمة تنضوي تحت لواء عشيرة موجودة وسابقة لها , أو أن يسود شخص غريب في عشيرة معينة بعد أن يتزوج من تلك العشيرة ويصير جزءاً منهم بالحلف والمصاهرة. أما في حالة الأنباط، فقد بقي اسمهم هو الأقوى، وبقيت لهم السيادة والقيادة، وحتى لو كان بعض رجالاتهم الذين ظهروا في التاريخ من أصل مؤابي أو ادومي أو عموني، فإن ذلك لا يظهر أبداً، وبذلك تكاتف الجميع لبناء مملكتهم التي توسعت وأخذت جميع أراضي أدوم من وادي الحسا شمالاً إلى جنوب خليج العقبة. وتوسعت شمالاً عبر البادية الأردنية فبنت مدينة ام الجمال الواقعة حالياً في محافظة المفرق في شمال الأردن، ثم إلى دمشق أيضاً.
وإذا استذكرنا سيطرة الأدوميين على جنوب فلسطين، فإن الأنباط فعلوا الأمر نفسه للوصول إلى شاطئ البحر الرومي (الأبيض المتوسط)، وبذلك اصبح لهم منفذان بحريان هما أيلة (العقبة)، وغزة (البحر الرومي)، ومع هذا فإن الأنباط استخدموا سفن غيرهم في نقل البضاعة عن طريق الإيجار والاستئجار، لكنهم لم يبنوا أسطولاً تجارياً ولا بحرياً، بل غلبت عليهم بداوتهم واستمروا أمة برية بعيداً عن ركوب البحر.
وعندما رحل جزء من الأدوميين إلى فلسطين, تحت وطاة الهجوم النبطي , فإن الجزء الآخر من الرعية بقي في ديار آبائه وأجداده تحت حماية ملكة الانباط وصاروا جزءا من الانباط . ولا بد من القول هنا ان نسل الادومين بقي متمثلا في عشائر اردنية لازالت تعيش فوق ربوع الاردن منذ الاف السنين إلى الآن , موزعة في مختلف المحافظات وبخاصة في محافظتي معان والكرك بأسماء أخرى هذا ناهيك عن عشائر بني حسن في محافظات الوسط والشمال وهم الأدوميون الوحيدون في هذه المحافظات الشمالية . وتشكل عشائر بني حسن الآن أكبر عشائر الأردن عدداً، وقد انضم إليهم عدد كبير من العائلات والحمائل وصاروا جزءاً من هذه العشائر.
أما عشائر بني حسن فهم ادوميون من بقايا مملكة أدوم، وكانت منازلهم في بصيرا والقادسية وظانا قبل أن يرحلوا إلى البلقاء، ولا تزال العديد من العشائر تحمل الأسماء نفسها من عشائر بني حسن، موجودة في محافظة الطفيلة، وصار بينهم تعارف حديثاً.
وفي رأينا أن أهل الشوبك واهل بصيرا وقراها. وعدد من عشائر الطفيلة هم أصلاً من الأدوميين. وأن من طبيعة العشائر الأردنية، كما سبق وشرحنا أنها تغيِّر الأسماء والولاءات. والالتحاق في كل عهد حسبما يحقق لها البقاء والاستمرار. وقد نقل بنو حسن معهم مقاماً للملك الأدومي حدد وأقاموه على تلّة عالية مشرفة إلى الجنوب من مجرى نهر الزرقاء وزرته بنفسي في عام 2006م. ويسمونه حدد بالحاء وليس بالهاء، ونحن نعرف أن الحاء تتحول إلى هاء، وأن النقل الأساس للاسم كان من التوراة فكتبوها هدد ( بالهاء ) ، وأما العرب ومنهم الأدوميون فيلفظونه حدد ( بالحاء ) . أما أنا فأكتبه في الصيغتين في كتابي وكلاهما صحيح لا غبار عليه كما ان كليهما اسم عربي وليس فيه اعجمية .
ورغم أن البتراء بقيت معروفة لأبناء المنطقة عبر التاريخ، وورد ذكرها في سيرة ابن اسحق مرتبة بالاسم "البتراء"، إلا أنها بقيت مجهولة لدى الغرب حتى قدم الرحالة السويسري/ الإنجليزي عام 1812 واكتشفها ضمن حبّ الاستطلاع في الوصول إلى قبر هارون المطل عليها من جهة الجنوب، وقد دوّن ملحوظاته عنها في كتابه: Travels in Syria and the Holy Land رحلاتي في سوريا والأرض المقدسة. وأن اصطلاح الأرض المقدسة الذي يعني الأردن وفلسطين هو اصطلاح ثوراتي على أنها أرض الميعاد لبني إسرائيل. وقد تحولت الآن محجّاً كبيراً للسواح من كل حدب وصوب في العالم. وقد صار الدخول إليها الآن صعباً ولا يتم إلا ضمن إجراءات أكثر من يتأذى منها هو الأردني الذي يجد نفسه محروماً من رؤية إنجاز شعب أردني، أو عليه أن يدفع كثيراً للدخول.
وقد خلط الرحالة والمؤرخون والأثريون بين البتراء وسلع أو السَّلْع ، ذلك أن كليهما منحوت في الصخر في أرض وعرة وفي جبال الشراة، وفي مواقع حصينة . كما أن كلمة السيق المؤدي إلى البتراء، والسَّلع الذي يعني المكان أو المدنية الأثرية متقاربان في الفهم العام للكلمتين. وقد زرت كلاً من الموقعين: البتراء وهي المعرفة للناس، وعاصمة الأنباط، وهي في محافظة معان وضمن لواء وادي موسى وواجهات لعشائر اللياثنة والحويطات وبنو عطية , وجميعهم من أحفاد الأنباط بالنسبة لي. وشاهدت السّلع وهي مدينة منحوتة في الصخر إلى الغرب من ظانا، وقد رأيتها من تلة عالية مشرفة على ظانا غرباً، وعلى البادية شرقاً تسمى العِلَّمة، وذلك يعني علوّ المكان، وأنها معلم بارز من بين الظواهر المحيطة به.
والسَّلع وهي في محافظة الطفيلة منحوتة في صخر وردي يميل إلى اللون الأبيض. بينما يميل لون صخر البتراء إلى الأرجواني والمتعدد في آن واحد وإذا كانت السّلع نُحِتَتْ قبل البتراء فلا بد أنها من عمل الأدوميين لتكون مدينة الطوارئ يلجأون إليها رحيلاً من عاصمتهم بصيرا القريبة من المكان. وتم اختيار مكانها في موقع وعر يتعذر على الأعداء الوصول إليه.
وفي هذه الحالة (أي إذا كانت قبل البتراء) يصبح من المعقول القول أن هذا النموذج أوحى للأنباط باستخدام هذا النحت في مناطق البتراء، وأن مهندسين وعمالاً مهرة من الأدوميين الذين انضموا إلى الأنباط ساهموا في تدريب العاملين النبطيين وفي أعمال الهندسة والتخطيط والبناء، وقد استمر هذا النحت بضع مئات من السنوات فهو لم ينجز بين عشية وضحاها.
وإذا كانت منحوتة زمن البتراء من حيث التاريخ تكون مشروعاً لنحت مدينة أخرى تدل على عظيم الاستقرار والازدهار الذي وصلت إليه البتراء، ووصل إليه شعب الأنباط. وإذا كانت منحوتة بعد البتراء، فإن ذلك احتمال ضعيف جداً لأن البلاد صارت تحت الحكم الروماني.
لذا فإن المرور بمدينة سَلْع الواردة في الكتب التاريخية القديمة أو كتب الرحالة يعني المرور بالبتراء، لكنه اسم خطأ أُطلق في غير مكانه. لانه اسم لسلع الطفيلة / بصيرا التي تتعذر زيارتها لوعورة موقعها وصعوبة الوصول اليه , مقارنة بالسهولة التي عليها زيارة البتراء. وبالنسبة لي فإن كليهما ثروة وطنية أردنية، تلقي الضوء على تاريخنا الاردني ورقي العقل الاردني ومهارته الهندسية وقدرته على البقاء في اسوا الظروف حتى بين ثنايا الصخور القاحلة وكانه في المروج الخصبة , كما انها تجلب الباحثين والسياح، وسوف تكونان، وبخاصة البتراء، موضوع بحوث وروايات وأفلام وقصص وحفريات ومقالات، لا تنقطع، ولكل جيل من الاجيال نظرته ونتائجه التي قد تختلف أو تأتلف مع الآخرين ممن سبقوه أو لحقوه.
لا بد من الإشارة هنا إلى وجود العديد من القرى المحيطة بالبتراء من الشرق والشمال والجنوب الشرقي، ذات التربة الخصبة والمياه الغزيرة وهي تبدو لمن يراها من بعيد أنها قريبة في متناول اليد إلا أنها في الحقيقة تفصلها عنها أراضي واسعة ومساحات شاسعة على سفوح الجبال، وتقوم الزراعة في كثير من الأحيان على المصاطب الموروثة، ربما منذ زمن الأنباط، وفيها أشجار الفاكهة مثل المشمش والتفاح والعنب والتوت، فضلاً عن الخضار الموسمية، وكل منتجاتها تنضج في وقت مبكر من الموسم بسبب طبيعة مناخ المنطقة وحمايتها من عصف الريح , لاحاطتها بالجبال من الجهات الثلاثة الشمالية والشرقية والجنوبية التي تحتضن حوض وادي موسى، فضلاً عن الحاجز الرابع وهو جبال البتراء لكنه بعيد في أفق السماء إلى الغرب من هذه المنطقة.
ويمكن تصوّر الأمر نفسه زمن الأنباط، وكيف كانوا يصدّرون الزبيب والتين الجاف والتفاح وربما عصائر الفواكه في موسم مبكر عن سائر الاقطار من حولهم , فضلاً عن السمن واللبن الجاف (الجميد) واللحم المقدد (اللحم الجاف) الذي اُشتهر به البدو، ومنهم الأنباط، والجلود ومصنوعات الشعر والصوف والمنسوجات القائمة على الشعر والصوف والوبر، وهو من منتجات الحيوانات التي كانت متوفرة لدى الأنباط، . وبذلك بنى الأنباط مملكتهم التجارية الزراعية الرعوية العظيمة القائمة على الاقتصاد.
ثم نعود إلى السرد التاريخي الخاص بالأنباط،: إن الحديث عن الأنباط جزء لا يتجزأ من الحديث عن ديارهم، ذلك أنهم ليسوا الشعب الأول الذي تنبه إلى أهمية المكان، وإنما الأول الذي استغل المكان أحسن استغلال، وربما كان استغلال الحوريين والأدوميين الذين سبقوهم إلى البتراء، وما قاموا به من تحت الكهوف قد نبه الانباط إلى أهمية هذا الصخر والمكان معا ضمن بحثهم عن الامن والحماية الطبيعية قبل ان يعززوها ببناء القوات المسلحة النبطية . وقد استغلوا الصخر والمكان والامكانات إلى أقصى درجات الاستغلال التي يمكن للعقل انذاك ان يصلها بما توفر له من الوسائل البدائية.
تشير الحفريات إلى أن المكان كان مسكناً للإنسان منذ عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، وتم التوصل إلى هذه النتيجة من بقايا أثرية تم العثور عليها في كهف صخري في موقع منعزل في واد بعيد عثرت عليه الآنسة ديانا كركبرايد ابنة المعتمد البريطاني في الأردن في النصف الاول من القرن العشرين , والتي أقامت ستة أشهر في البتراء لأعمال البحث والحفريات عام 1956. أقول عثرت فيما عثرت عليه على آثار لإنسان ما قبل التاريخ الذي كان يعيش في هذا الكهف جانباً من السنة , وعلى مدى قرون طويلة من الزمن تجاوزت آلاف السنين. مما يدل على أن ذلك كان سكنا عبر الاجيال المتعاقبة. وقد عُثِرَ في هذا الكهف على أدوات صوانية. وأدوات أخرى مما كان يستخدم في ذلك العصر.
هذا الكهف الذي يبدو طبيعيّاً نبّه الإنسان الذي يتخذ من البتراء مأوى ومسكناً إلى أن الوسيلة الفضلى للتعامل مع المكان هي التآلف مع الصخر، ونحت الكهوف وعدم الاقتصار على الكهوف الطبيعية لانها غير كافية لاستخدام الانسان وتزايد الاعداد . وبذلك اتجه الانسان لتقليد الطبيعة في هذا المكان بايجاد كهوف كتلك التي نتجت عن العوامل الطبيعية . وحيث ان الصخر رملي فان النحت او القطع فيه كان سهلا بواسطة الأدوات الصوانية المتاحة في البيئة ، ذلك أنه حجر رملي متحوِّل (صخر متحوِّل) وطيع في تشكيله للادوات الحادة صوانية كانت أم حديدية أم عظاماً لدواب قوية كالجمل والأسد والنمر والحصان والبغل.
لم تقتصر اكتشافات ديانا كركبرايد على هذا الكهف، بل وجدت آثاراً لقرى تعود لنفس العصر في مواقع البيضا إلى الشرق من البتراء حيث تبيَّن من الحفريات أن موقع البيضاء يماثل في أهميته موقع أريحا للفترة التي تعود إلى سبعة آلاف سنة قبل الميلاد , كما وجدت ستة قرى أخرى تعود إلى تلك الفترة، وظهرت في هذه القرى منازل مبنية من الحجر، على مستوى حسن، فضلاً عن العثور على أسلحة وعظام وحجارة.
ليس هذا فحسب بل أن إنسان البتراء هذا كان يتبادل التجارة مع أقطار بعيدة مثل آسيا الصغرى وساحل البحر الأبيض المتوسط في هذه الفترة المستمرة من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد إلى ما بعد ذلك. ومن المدهش أن حفريات ديانا كبركبرايد أفصحت عن قرى تحت أنقاض هذه القرى الستة أيضاً، مما يعني أن الاستقرار في المكان يعود إلى ما قبل عشرة آلاف سنة قبل الميلاد.
إذن من الواضح أن أهمية المكان وتوفر عناصر الأمن والحماية والماء والغذاء قد اجتذب انتباه سائر المجوعات البشرية التي سكنت البتراء أو وصلت إليها، وحطّت رحالها فيها من أي البلاد كانت قادمة، والأغلب أنها كانت قادمة من الشرق في جميع الحالات. والله أعلم.
وكما قلنا فإن عناصر الحياة والبقاء والاستقرار والاستمرار والازدهار كانت متوفرة في حوض البتراء، ثم تحوّلت إلى مركز عصب للقوافل التجارية العابرة بين الأقطار، لذلك أفصحت الحفريات عن دلائل تشير إلى هذا الاتساع في التبادل التجاري مع آسيا الصغرى وسواحل البحر المتوسط.
وعندما وصل الحوريون وهم سكان الجبال قبل الانباط حطّوا رحالهم هنا. ولا بد من مناقشة أمرين هنا وهما: اسم الحوريين، وتركيبة شعب الحوريين . الذين هيمنوا على حوض البتراء ومناطق الشوبك والطفيلة قبل مجيء الانباط بما يزيد على خمسة قرون على الاقل
أما بالنسبة لاسم الحوريين : ، فقد اصطلح المؤرخون أن كلمة الحوريين تعني سكان الجبال، وهذا كلام ينقصه الدليل، حيث لم يكلف أحد منهم نفسه في مناقشة ذلك. والحقيقة أن الكلمة مشتقة من الحَوَرَ Al-hawar وهو اللون العسلي المائل إلى الحمرة، بحيث تبدو بألوان متعددة يغلب عليها اللون الأحمر والبني الفاتح. وقد قال الشاعر العربي:
إن العيون التي في طرفها حَوَرٌ


قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به

وان أضعف خلق الله إنسانا


فلو أخذنا المعنى كما يتداوله المؤرخون وجميعهم من غير الأردن، لاعتبرنا أن في طرف أعين الفتاة جبل أو سكان الجبال؟ وهذا لا يتفق مع الحقيقة ولا العشق ولا الغزل، ولكن الحور هنا هو اللون الجذاب الساحر للناظر، والذي هو اللون العسلي المائل إلى الحمرة الخفيفة، بحيث يبدو وكأنه متعدد الألوان والاطياف .
وفي الأردن يقولون للتربة حُوَّر Hawwar أي أن لونها يميل إلى الحمرة المزوجة بالبياض ، بحيث تمتص الماء أكثر من غيرها من أنواع التربة، وهي خصبة الإنتاج إذا ارتوت، فيقولون: ( "إذا جاء السَّحاب جاء التراب ) أي إذا كان المطر غزيراً كان الإنتاج وفيراً، وفي الأردن قرية من قرى إربد إلى الشرق منها) تسمّى حُوّارة وتسمى: حوّارة إربد وسميت كذلك بسبب لون الحَوَر Hawar الغالب على تربتها.
ونعود إلى الحوريين، فإن هذه التسمية في اللهجة الأردنية منسوبة إلى المكان ذي الصخور الوردية، ذات الالوان المتعددة الممتزجة في الآن نفسه , وتبدو كطيف في طبقات الصخر، بل تبدو جميلة ورائعة فصار الاسم لاصق بهم لسكناهم في هذه الصخور الحَوَرِيّة al-hawariyyah أما اسمهم الحقيقي فيبدو أنه اختفى وحلَّ محلّه كلمة الحوريين، مثلما هو حال أدوم التي سميت كذلك بسبب حمرة الصخور المحاذية لهم غرباً، وهي بلون الأدم وهو جلد الشاة إذا مال للاحمرار. والبدو يقولون لابن الناقة الحُوار al-huwar لأن اللون الغالب على الإبل هو اللون العسلي المائل للحمرة الخفيفة.

ومن الواضح أن الحوريين سكنوا أماكن البتراء وأدوم قبل الأنباط بقرون طويلة، وأنهم تكيّفوا مع الحياة، ولا بدَّ أنهم نحتوا العديد من الكهوف التي نرى بعضها قائمة إلى الآن، وتبدو بسيطة وبدائية، وأنها حفرت لغايات السكن او الحراسة والمراقبة , وإذا كانت الأبنية التي يصنعها الإنسان يصيبها الهدم والعدم. وإعادة البناء، أو الانجراف بفعل الأمطار أو الاختفاء تحت انقاض الطمي والركام. فإن مثل هذا الكهوف تبقى صامدة صامتة صالحة لغايات السكن والخزين والاستعمالات الأخرى عبر القرون والأجيال. وبالتالي من فهو أكثر فائدة من البناء، فضلاً عن رطوبته صيفاً ودفئه شتاءً.
واذا كان الشيء بالشيء يذكر فانه لابد وتم استخدام هذه الكهوف في كثير من الحالات لغايات العبادة وتقديم القرابين وربما للدفن او التبرك او الطقوس والمناسبات الدينية . ولكن انعدام الادلة على هذا كله ناى بالباحثين عن التفكير في هذا الموضوع , وانا ارى ضرورة النظر اليه ولو من باب التخيل الذي لادليل عليه الا التصورات الخاصة بمثل هذه الشعوب الوثنية .
والنقطة الثانية هي تركيبة ومصير الحوريين . لا بد من الإشارة هنا والتذكير أنه لا توجد إبادة كاملة لشعب كامل في الأردن إلا في حالات قليلة منها مذابح مملكة حشبون على أيدي اليهود أثناء عبورهم إلى أرض كنعان (فلسطين). ولقد داب المؤرخون على القول أن الأدوميين طردوا الحوريين أو أبادوهم، ثم القول أن الأنباط فعلوا الشيء نفسه مع الأدوميين ثم الرومان مع الأنباط وهكذا.
نحن نرى غير هذا الرأي، وقبل الخوض فيه نقول أن العرب عندما افتتحوا إسبانيا والعراق والشام وسائر الأقطار أبقوا أهلها فيها تحت فئتين أما اعتناق الإسلام. أو البقاء على دين النصرانية مع دفع الجزية. ومع الزمن تعلّم هؤلاء لغة العرب الفاتحين وصاروا من موالي العرب ثم صاروا عربا مع تعاقب الاجيال , وذابوا في المجتمع العربي الجديد وهم في ديارهم. لم يطردهم العرب ولم يقترفوا بحقهم المذابح والمجازر, وعندما دالت دولة العرب في الاندلس وآلت إلى الزوال حلّ الإسبان مكان العرب في الحكم، وكان العربي المسلم الأندلسي بين خيارين إما اعتناق النصرانية ليصبح اسبانيا اوروبيا وحينها يبقى بالاندلس واما اندلسيا عربيا مسلما وحينها مصيره القتل او مغادرة الاندلس الى بلاد العرب في شمال افريقيا والمشرق العربي ,أو الخروج إلى بلاد أخرى ومنا الامريكتين بعد اكتشافهما .
وبالفعل تحول الكثير منهم عن الإسلام تنصيراً أي بالقوة الجبرية وباوامر محاكم التفتيش التي هي وصمة عار في جبين الاسبان الى يوم القيامة . بقي العرب مسلمون بالسرِ وصارت العناصر الإسبانية التي كانت تحولت إلى العروبة والإسلام، نصرانية مرة أخرى ومعها نسبة عالية من العرب المسلمين الذين اجبروا على اعتناق النتصرانية او الموت . وتبدّلت الأسماء، وصارت الأندلس نصرانية إسبانية، ليس فيها عربي ظاهر . وأما الجزء الآخر من العرب فخرج إلى شمال أفريقيا، وإلى مالطا، وإلى بعض أجزاء جنوب أوروبا وهو تائه لا يدري أين يذهب لما حلّ بهم من مأساة لم يذكر ولن يذكر التاريخ أسوأ منها وأكثر وحشية وهمجية . وعندما افتتح الإسبان أمريكا، ولحقتها البرتغال وبريطانيا وفرنسا، قاموا بحرب إبادة ضد الهنود الحمر، ومع هذا بقي الهنود الحمر بأعداد ضئيلة تكاثرت مع الزمن محتفظة بثقافاتها ولغاتها المحليّة فضلاً عن تقمّصها للثقافة الغربية الجديدة. بل إن عدداً من دول أمريكا اللاتينية الآن عادت يحكمها أبناء الهنود الحمر بسبب نسبتهم الغالبة على الوافدين، وبسبب الوعي القومي للسكان الأصليين.
نخلص من هذا أن العرب في المشرق العربي لم يبيدوا الفرس عندما جاءوا بالفتح الاسلامي , كما ان العرب لم يبيدو البربر رغم ماكان بينهم من قتال في بواكير الفتوحات الاسلامية . كما طالت السلامة اهل الأندلس النصارى . ولكن ماحدث وكما هو شأن هيمنة الغالب عادة، هيمنت الثقافة العربية الإسلامية على هذه الشعوب، وعندما انحسر سلطان العرب عنهم عادت هذه إلى حيث كانوا وبالتالي فإن كلمة إبادة كاملة قد لا تتفق مع جميع الحالات،وهي ليست في ثقافة العربي لا في الجاهلية ولا في الاسلام . وما فعله الاسبان من ابادة وتنصير ضد عرب ومسلمي الاندلس يتفق مع مافعله اليهود ضد مملكة حشبون باعتراف التوراة وتبجحها بذبح الأطفال والنساء والعجزة ونهب المواشي والموجودات مما يبرهن على بني إسرائيل كانوا قتلة. ولصوص، فضلاً عن أنهم سُرَّاق التاريخ.
سقنا هذه البلااهين الطويلة لنقول ان كلمة ابادةالحوريين او الانباط او اي شعب اخر قديم انما كانت نجازا لاحقيقة , وان ماحدث انما كان مذابح راح ضحيتها الكثير من الناس ولكن ليس كل الناس من ذلك الشعب المستهدف
ونعود للحوريين، فهم شعب كامل بالنسبة لمفهوم عصرهم ذاك قبل آلاف السنين، وهم عرب جاءوا من الشرق، وبالتالي لا بد وتربطهم بالأدوميين صلة التاريخ ومكان الأصل ونقاط الانطلاق, كلاهما من عرب الجزيرة , وكلاهما اختاروا الاردن وطنا لهم , وكلاهما اختاروا المناطق الصخرية ملاذا وقت الخطر بحثا عن الامن والطمانينة , وكلاهما عاش مئات السنين فوق هذه الارض دون ان يتركها الا بعد ان جاءت قوة اخرى وانهت دولة كل منهم وبقي الكثير من الشعب ومات وقتل الكثير وهاجر الكثير الى ديار اخرى .
كل منهما يريد العيش بوئام وسلام في المنازل الجديدة وهي هذا الجزء من الأردن الذي تتوفر فيه الحماية والماء والغذاء. ولا شك أن استقرار الأدوميين واختيارهم للمنطقة يدل على تقارب أو تطابق المفهوم والعقلية، والتي لا تكون عادة إلا إذا كانوا من أصل واحد. لذا فإن العلاقات في البداية لا بد وكانت حول ضيق العيش والمكان بالشعبين، وعدم كفاية الموارد الطبيعية لهما معاً، مما أدى إلى الصراع بين الطرفين.
ويبدأ الصراع عادة بأبسط الأشياء،وابسط الناس وينتهي إلى قمّة الهرم وهم شيوخ أو ملوك الطرفين الذين يقيسون الأمور حسب مصالحهم , وكل عائلة تريد أن تبقى في سدّة الحكم، وترى في الطرف الآخر خطراً يتهددها، وتتم التعبئة، وتقع الحرب. حتى إذا ما فقد شيوخ وزعماء الحوريين سيادتهم وقيادتهم موتاً أو هرباً أو خضوعاً للقادمين، تحوّلت نسبة من الناس من شعبهم لتنضوي تحت لواء المحتلين الجدد، وتصبح جزءاً من الشعب الجديد، وتنتحل اسمه، وتبتعد عن اسمها السابق الذي جاء لها بالبلاء . فالصراع من اجل البقاء هو الاساس في هذا الموضوع . وهذا ما شرحناه سابقاً في هذا الجزء، وشرحناه مفصّلاً ومطوّلاً في جزء: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية بالانجليزية .
وإذا اعتمدنا رواية العهد القديم في أن سلع كانت للحوريين، فيكون ذلك مطابقاً لما نراه أن الأدوميين جاء إلى منطقة الحوريين الذين كانوا يمتدون على الأراضي التي صارت لأدوم (مناطق الطفيلة) والبتراء التي صارت للأنباط، ونحن بصدد الحديث عنها، أما سلع المشار اليها في العهد القديم فهي التي أشرنا إليها وتقع في لواء بصيرا/ بمحافظة الطفيلة، وإذا ثبت رأي التوراة تكون سلع من نحت الحوريين، ومتقدمة على البتراء، وتكون سبباً من حوافز الأنباط فيما بعد لنحت البتراء على النحو الذي نراه الآن.
ومما يشير أن الأدوميين امتلكوا سلع بعد الحوريين ما أوردته التوراة أيضاً متباهية بهمجية بني إسرائيل، وحقدهم على البشرية من غيرهم، وبخاصة على العرب، إذ تروي (التوراة) أن الملك أمصيا Amesya ملك يهوذا (796-781ق.م) احترب مع الأدوميين وألحق بهم هزيمة وذبح عشرة آلاف منهم على أرض المعركة وأخذ عشرة آلاف آخرين إلى صخرة سلع وطرحهم عن رأس سلع فتكسّروا أجمعين.
وإذا كان الأدوميين يفقدون في معركة عشرين ألف رجل مقاتل , منهم من لقي حتفه قتلا ومنهم من القي به من اعلى صخرة في سلع ، فإن ذلك يعني أنهم كانوا على كثرة كبيرة وواضحة . وإذا كان لا بد وحدثت معركة فلا بد أنها صارت إلى الغرب والشمال من الرشادية الحالية في التلال المتماوجة ووادي غرندل التي جميعها تصلح لمعركة بالسهام والسيوف والاختباء، ولأنها على أبواب بصيرا عاصمة الادوميين . ولكن التوراة لم تتحدث عن قتل ملك أدوم أو احتلال بصيرا في هذه المعركة تحديداً أما ما يقوله المؤرخون أن سلع في هذا النص تعني البتراء، وأن أم البيارة المطلّة على البتراء كانت مسرحاً لقتل الأسرى، فإنني لا أتفق معهم، وإنما أرى أن كلمة السلع تعني التي ذكرناها ووصفناها غربي ظانا، في محافظة الطفيلة.
وان المعركة التي انتصر بها الاسرائيليون على الادوميين في القرن الثامن قبل الميلادي وقعت في نفس المكان الذي وقعت فيه معركة الجيش الاسلامي بقيادة عمرو بن العاص في القرن السابع ميلادي وفيها هزم الروم في غرندل الى الشرق من بصيرا . وبذلك نجد ان العرب ثارت لنفسها بعد اربعة عشر قرنا , كما ثارت في معركة اليرموك فيما بعد وهزمت الروم في المكان الذي كان ملك اسرائيل هزم تحالف الملوك الاردنيين في هيرموكس التي صارت اليرموك . انه التاريخ يعيد نفسه ولو بعد قرون طويلة .
وبذلك ذكر التاريخ أربعة أجيال من الأمم أشرنا إليها توّاً، وهي إنسان ما قبل التاريخ من عشرة آلاف قبل الميلادي وما قبلها كما اشارت ديانا كركبرايد في دراستها لكهوف البتراء , وما بعد ذلك ايضا . ثم جاء الحوريون الذين حلّوا محلّ من سبقهم وصموا اليهم بقيا القبائل الموجودة في عين المنطقة واحتووهم ثم جاء. ث جاء الأدوميون وأنشأوا مملكتهم المهمة التي استمرت قرونا طويلة بين ضعف وقوة وبسط نفوذ وتقلص مساحة . . وفي رأينا أن الأدوميين تشكلوا من الأدوميين والحوريين والمجموعات التي سبقتهم، وأنه كلما جاءت موجة إلى هذا المكان انطلقت من نقطة وصول من سبقها من حيث الإنتاج والرعاية والمعيشة والتجارة وضمت اليها من كان قبلها .
من هنا، فلا يليق بذوي الجحا أن يتخيلوا أن الحوريين كانوا من النقاء بحيث لم يدخل بهم أو ينضم إليهم أناس من خارجهم، بل انضم إليهم من سبقهم ,ومن جاء الى ديرتهم او لجأ اليهم طالبا حمليتهم . وكذلك كان شان الأدوميين والأنباط، فإن أهل المكان صاروا من رعايا الموجة الجديدة وأخذوا اسمهم. ولا شك أن المثل الأردني الذي يقول: اللي ياخذ أمي هو عمي ينطبق على هذه الطريقة كما تبرهن هذه الأحداث على أن الثابت في الأردن هما: الأرض، والإنسان، وأن التغيير يكون في الطبقات العليا عادة ونسميات الدول وتغير الانظمة . اما الشعوب فهي لاصقة بالارض بكل تاكيد .
تحولت البتراء زمن الأنباط إلى مكان نادر وفريد في العالم للتزاوج والوئام بين الطبيعة والإنسان، والحاجة والاختراع، والعروبة والفن، وملتقى الحضارات عبر قوافل التجارة. وأجادوا تطوير واستخدام الدولاب في صنع اسطوانات وصحون وأدوات الفخار الأخرى، بما يفوق قدرة الصينيين في هذا المجال. وقد زينوا الصفحات الداخلية للصحون بالنقوش، والدهان الأسود والبني الغامق بطريقة بالغة الدقة، نقول هذا لنبين أن الأنباط أحرزوا مستوى من التقدم الحضاري والازدهار الاقتصادي ما جعلهم موضع إعجاب البلدان الأخرى، وحسد الإمبراطورية الرومانية والممالك اليهودية في فلسطين.
وقد طوّروا الحرف العربي إلى عدة مراحل، وصاروا يكتبون النصوص بحروف منفردة ومتماسكة، ونقشوها على الصخور وصفائح الصخور ومع هذا فهي قليلة، لكنها على درجة من الأهمية، وهي أقرب الخطوط واللغات إلى لغة العرب الشماليين وحروف الصفاوي في بادية الأردن الشمالية. وبذلك احتوى متحف الأردن الطبيعي على نموذجين من تطور الحرف العربي الذي خدم البشرية جمعاء وهو الحرف الصفوي والحرف النبطي وكلاهما متشابهة مع مطابقة الأحرف في نصوص الفئتين.
وقد تم العثور على نص منحوت على نصيبة قبر الملك الحارث مؤرخاً في السنة الخامسة والثلاثين من سنوات حكمه وهذا نصّه بالعربية الحالية هذا القبر الذي بناه الطبيب ابن وائل لنفسه وأولاده وعامة الشعب لا يباع ولا يمسكه أي إنسان هذا القبر للحارث ملك الأنباط وتم نقشه سنة خمس وثلاثين من فترة حكمه وهو ملك ملوك الأنباط وهو مكرّس للإله ذو الشرى، سنة خمس وثلاثين من فترة حكمه) وتشير هنا أن النبطية تكتب كالعربية أفقياً ومن اليمن إلى الشمال.
النص النبطي ونه (هذا) قبرا (قبر) دي (العائد إلى) عبد كهلن (الطبيب) لنفسه وبلده وأحره (عامة الشعب النبطي) وان هذا القبر لا يؤجر (أي لا يؤجر ولا يباع) ولا يُمْشَكَنْ (لا يُلْمَس)، كل أنوس (من قبل أي إنسان)، ونا قبرا (هذا القبر) لحرثت (للحارث) ملك ملك بنطو (أي ملك ملوك الأنباط)، رمم عمه (المحب لشعبه) سشنت (سنة) ثلثين (ثلاثين) وخمش (خمسة) للإله دو شرى (الإله ذو الشرى) ومن خلال هذا النقش نجد أن:
1. ملك الأنباط كان ملكاً للملوك ذلك أن الأمراء في سائر أنحاء الدولة والشعب آنذاك كانوا يُسَمَّون ملوكاً، مثلما كان الأمر زمن الأيوبيين عندما كان يسمى ابن الملك ملكاً رغم أنه أمير أو من عليه القوم يحكم أن والده ملكاً.
2. ومن خلال النص نجدهم يؤرخون بفترة حكم الملك القائم، لأنهم لم يعرفوا شيئاً اسمه التوقيت الميلادي حيث كانوا قبله، ولا الهجري لأنهم قبل هذا التاريخ بفترات طويلة.
3. ومن الملفت للنظر أن النص جعل من قبر الملك أمراً مقدساً مصوناً بالحرز، وأنه لا يجوز بيعه ولا لمسه، ولا الإساءة إليه احتراماً للملك الذي خدم شعبه وقاده إلى الرخاء والبناء، وما عرف هذا الطبيب ابن وائل النبطي الأردني العربي أن قبر الحارث والبتراء برمتها ستمر في فترة من التاريخ تتحول فيه إلى سلعة للبيع والشراء والإيجار دونما مراعاة لحرمة الملك الحارث أو للشعب النبطي أو لورثته من أبناء الشعب الأردني. فسبحان الله مقلِّب الأحوال والأزمنة، ومغيِّر الأمور والدهور.
4. كأنهم كانوا يعبدون الإله ذو الشرى، وهذا اسم جبال الشراة التي تقع البتراء فيها، والتي تسميها التوراة: سعير، وبعض المصادر تسميها سعيرا والأردنيون يلفظونها: الشراة.بلفظ التاء المربوطة هاءا او تاءا مفتوحة
5. نلاحظ التركيز على أن الملك محبُّ لشعبه، لأن هذه المحبة تحوطه بالرعاية في مماته، كما كان يحوطهم في حياته بمحبته ورعايته، وإن الطبيب ابن وائل لدليل على تقدمهم بالطب في حينه، وأنهم لم ينسوا هذا العلم من حياتهم. ويبدو واضحاً أنه كان طبيب الملك وأنه حصل على موافقة الملك في حياته على وضع هذا النص على قبر الملك بعد موته , وانه كان ملازما له عند الاحتضار وان طبيب الملك كان بمثابة الناطق الرسمي للملك في الامور الهامة , وان القضايا الروحية الخاصة بالملك كانت من مهمات الطبيب الخاص وليس من اختصاص الكهنة .
وما دام الشيء بالشيء يذكر فإن آلهة الأنباط لم تقتصر على ذي الشرا أو ذو شرى، أو ذو الشرا، وإنما كان لديهم اللات وهو الصنم المشهور عند العرب في الحجاز وفي الأردن، وفي الوقت الذي نجد فيه اللات على شكل صنم معتاد لأنه إله مستورد، ولا مجال للتغيير فيه، فإنهم كانوا يجسّدون (ذو الشرى) أو (دوشارا) على هيئة كتلة من الصخر أو عمود من الصخر طويل يتم غرسه في الأرض.
وقد رأيت نموذجين لهذا الإله (ذو الشرى) في كل من قرية عروعير المطلّة على الموجب والقائمة على ضفته الشمالية، حيث رأيته عام 1987م ووصفته في كتابي. في ربوع الأردن جولات ومشاهدات، حيث يوجد حجر طويل جداً، ومن حوله حجارة أخرى أقلّ منه طولاً، متطابقة معه بالنحت والهيئة . وأما النموذج الآخر لهذا الإله الذي رأيته فهو في قرية أدر Adir من قرى عشيرة المعايطة/ شمال الكرك ويسمونه صربوط أي الحجر القائم الطويل. حيث لا زال قائماً، ورأيته أواخر صيف عام 2005.
ومن خلال هذين النموذجين للإله النبطي "ذو الشرى" نجد أنه كان منتشراً في الديار الأردنية، وربما عبده أناس غيرهم أيضاً، كما أنه مؤشر على أن هذه القرى والمناطق خضعت للأنباط، ثقافياً وروحيّاً على الأقل.
وقد تنبهت اليونان لهذه المملكة النبطية الفتية وقوتها ، ومهارة أهلها بالتجارة والتوسع فأرسلت حملة عسكرية قادها حاكم سوريا اليوناني انتيجونس وذلك لإخضاع الأنباط لسلطة أثينا. وقد تمكن هذا القائد من احتلالها، وكانوا يسمونها الصخرة حيث ورد اسمها في كتابات يونانية تعود إلى عام 310 ق.م أنه يدعوها باسم: "الصخرة... في غاية المناعة ولكنها بدون أسوار" ثم يواصل النص اليوناني إعطاء معلومات عن شعبها فيقول: "العرب الذين يُعرفون باسم الأنباط" إلا أن النصّ يذكر أمراً مغايراً للحقيقة التي عرفناها ووجدناها عن الأنباط حيث يقول: "أن هؤلاء الأنباط اتخذوا لهم سُنّةً أن لا يزرعوا قمحاً ولا يغرسوا أشجاراً مثمرة ولا يشربوا خمراً ولا يبنوا بيتاً ". وهذا كلام عارٍ عن الصحّة. اللهم إلا إذا كان المقصود أنهم ترفعوا عن ممارسة هذه الاعمال واستخدموا غيرهم لأداء هذه المهمات نيابة عنهم لانشغالهم بالتجارة. أما ما عدا ذلك فهو أمر غير صحيح.
وتعود إلى حملة أنتيجونس الذي وصل البتراء في يوم مناسبة عامة هامة استدعت خروج الشباب الأنباط. خارج المدينة للاحتفال والرقص والغناء وتبادل وسماع الشعر والقصص والحكايات، باعتبارها مناسبة تثقيفية فضلاً عما كانت عليه من إشباع للفرح والتعارف. دخل القائد اليوناني إلى الصخرة ولم يجد إلا الشيوخ الذين بلغوا من الكبر عتيا ، وبلدة هادئة وادعة خالية من المحاربين ، فمارس رجولته اليونانية على الشيوخ والأطفال والنساء وقتلهم، نهب وجنوده ما وصلته أيديهم من المتاع وحلي النساء والمال والمرّ واللبان و500 آنية من الفضّة يبدو أنها كانت في خزينة الدولة.
انطلق بعض الرجال الذين سلموا من القتل إلى مكان الاحتفال لإخبار الشباب الانباط بما حدث في غيابهم، فعاد الشباب سراعاً إلى حيث وجدوا الدماء والجثث، حيث طارت أنفسهم شعاعاً وغضباً، بينما انسحب اليونان بعد أن سرقوا ما سرقوا، وقتلوا ما قتلوا. فما كان من الشباب إلا واقنفوا أثر الجيش اليوناني الذي نام في سبات عميق تحت نشوة النصر والغرور الذي أصابهم.
وفي ظلمة الليل وهم نيام هجم عليهم شباب الأنباط وأبادوا الجنود اليونانيين جميعاً وعددهم أربعة آلاف جندي، لم يبق منهم حيُّ إلا خمسين جندياً هربوا بارواحهم ليرووا لقادتهم تفاصيل الحكاية من اولها الى اخرها . وبذلك بدأت فترة من الحرب والقتال وكسر العظم وإراقة الدماء بين اليونان والانباط . وكان رأي الملك النبطي والدولة أن يرسلوا إلى أنتيجونس في الشام رسالة يشرحون فيه ما فعله جيشه من النهب والقتل والتخريب، وأن الأنباط توّاقون للصداقة، كارهون لإراقة الدماء، وألا تزداد العلاقات النبطية اليونانية سوءاً. وتظاهر أنتيجونس بالقناعة والرضا بذلك ليخدع الأنباط ويطمئنهم بالصداقة والمودة، ولكنه في الحقيقة كان يعدّ العدّة لحملة قوية بقيادة ديمتريوس.
وبالمقابل فإن الأنباط لم ينخدعوا باقوال أنتيجونس المعسولة، فازدادوا استعداداً ويقظة، وأنشأوا مخافر أمامية للمراقبة في جبال الشراة وحول البتراء، أشرنا إليها سابقاً. لكي تحيطهم علماً بأي تحرك للعدو إن تقدم قبل الوصول إلى ديارهم.
وصلت الأنباء باقتراب الحملة، فقام الناس بالبتراء بحمل أمتعتهم وأموالهم وما كان ثميناً لديهم، وأودعوا ما تعذر عليهم حملة في مكان منيع تحت حراسة حامية منيعة قوية، وغادروا البتراء التي أصبحت خاوية على عروشها خالية من أهلها الذين تفرقوا في الصحراء والأجزاء الشرقية من الشراة، ومعان، حيث تتوفر المياه.
أما القائد اليوناني فقد أراد الاستيلاء على الودائع، ولكن الحامية النبطية صدّته بجدارة، وتقدّم رجال من كبار الدولة إليه وصار التباحث والمفاوضات التي انتهت إلى تقديمهم هدايا ثمينة إليه، فرضي من الغنيمة بالإياب سالماً. وعاد الناس إلى منازلهم، كان ذلك في مطلع بناء البتراء، ويبدو أنها لم تكن قد اكتملت بعد، لكنها كانت مدينة بلا أسوار لأنها مسوّرة بالحجر الطبيعي الذي يفوق كل عمل بشري مهما كان عظيماً. وبدأت صداقات اليونان مع البتراء إلى درجة أن شخصاً يونانياً اسمه أثينودوروس ولد في البتراء، وهو الذي زوّد سترابو المؤرخ اليوناني بمعلومات عنها، وقد دوّن سترابو وصف المدينة، في حوالي القرن الأول قبل الميلاد وفيما يلي فقرات مما ورد في كتابه عن المدينة الوردية:
"يمتاز الأنباط باعتدالهم وجدِّهم، حتى أنهم يفرضون عقوبة علنية على كل شخص تتناقص ثروته، أما الذي يُنَمِّي ثروته فيزيدونه تكريماً وشرفا... وحيث أن الأنباط لا يقتنون من العبيد إلا القليل، فإنهم يستخدمون ذوي القربى في أعمالهم، أو يتبادلون الخدمة لبعضهم بعضاً؟ أو يخدمون أنفسهم بأنفسهم، وهو ما ينطبق على الملوك مثلما هو الحال على بقية أفراد الرعية، وهم يؤلفون مآدب للطعام تضم كل مأدبة منها ثلاثة عشر رجلاً ومعهما فتاتان تجيدان الغناء. أما الملك فيقيم في منزله الكبير مآدب طعام عديدة يدعو إليها رجال الدولة وعدداً من عامة الشعب... وهكذا ترى أن الملك ديموقراطي، فهو بالإضافة إلى خدمته لنفسه، فإنه يقوم بخدمة الآخرين في بيته. كما أنه كثيراً ما يقدم حساب نفقاته إلى الشعب، وأحياناً أخرى يجري التدقيق في مسلك حياته، أما مساكن الأنباط فهي منشآت ضخمة من الحجر ومدنهم غير محاطة بالأسوار بسبب حالة السلم والأمن السائدين في بلادهم وتكثر الثمار في بلادهم باستثناء الزيتون، وهم يستعملون الزيت المستخرج من السمسم، وأغنامهم بيضاء الشعر، وثيرانهم كبيرة، وليس في بلادهم خيول، لذلك يستعيضون عنها باستخدام الجمال. حتى الملوك يخرجون وهم يرتدون بزات لا أحزمة لها، ويرتدون النعال، ويصنعون ملابسهم من الأرجوان... إنهم يمجّدون الشمس ويقيمون لها هيكلاً في منازلهم ويسكبون الخمر عليها يومياً ويحرقون أمامها البخور، وعاصمة الأنباط هي المسماة البتراء... تحميها الجبال الصخرية من جميع الجوانب. وهذه الجبال سحيقة الانحدار من الخارج ويعتريها الجفاف من ظاهرها، ولكنها من الداخل كثيرة الينابيع ومن مياهها يستقي الناس ويروون البساتين".
إن ما أورده سترابو على لسان الرجل النبطي أو المولود بالبتراء ويحمل اسماً يونانياً، يتضمن الكثير من المحطات التي تستحق الإشارة إليها:
1. أن الثروة عنصر أساس في حياتهم حيث يعاقبون الكسلان الذي يجلس عن طلب الرزق، ويتوانى عن تنمية ثروته، عقوبة تعزيزية وهي توبيخه أمام الناس ليكون عبرة للآخرين. أما من يزيد في ثروته فإنه بالمقابل يجد التكريم والحوافز المهمة ليستمر في عمله وإنجازاته.
2. موضوع الخدمة، وهو أمر يتفق مع العرف العربي القديم الذي كان سائد والقائل:
وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً


ومالي من شيمة غيرها تشبه العبدا


فالملك يخدم ضيوفه، والناس كل يخدم ضيفه، ويخدم نفسه والمجتمع هنا مجتمع أحرار، لذلك فإن عدد العبيد قليل مقارنة بما كانوا عليه من الثراء. وتتجلى هذه الخدمة في تقديم الطعام وإقامة المآدب سواء لدى العامة أم لدى الملك.
3. المحاسبة والمراقبة للملك فالحكم عندهم ديمقراطي يخضع فيه الملك للمساءلة حول مسلكياته الحياتية، وحول ثروته ومن أين اكتسبها، فلا مجال للنهب من مال الشعب أو خزينة الدولة. فما دام الملك نزيهاً من حيث المال، سويّاً من حيث السلوك، فإنه يصلح لإدارة المملكة، وإلا فإنهم يستبدلونه بآخر دونما تواني أو خجل. ولكي لا تصل الأمور إلى مثل ذلك. نجد ملوكهم يعيشون حياة شعبهم وأبوابهم مفتوحة للناس، ويعودون للرعية عند اتخاذ أي قرار مصيري أو هام.
4. أن الثمار كثيرة في البتراء بسبب خصوبة التربة وتوفر المياه من جهة، وحالة السلم والأمن السائدين، وقد توصّلوا إلى استخراج الزيت من السمسم.
5. أن مواشيهم كانت من الأغنام البيضاء (وهي النعاج)، والإبل والبقر.
6. أنهم يمجّدون الشمس ويقيمون لها هياكل في منازلهم.
هذه الأقوال التي تعود للقرن الثالث قبل الميلاد تصف حال البتراء قبل اكتمال قطعها في الصخر، وهي تبيّن كيفية نمو البتراء العمراني بشكل متزايد حتى صارت قاعدة لخطوط التجارة الدولية في حينه القادمة من جزيرة العرب ومن هناك توزيع هذه البضائع إلى فلسطين وشواطئها، والبحر الرومي ومصر وسوريا، ثم دفعها إلى أوروبا.
تمدد الأنباط واكتملت دولتهم في القرن الثاني قبل الميلاد، وتوسعت شمالاً وغرباً، وصارت إحدى القوى الهامة في المنطقة التي يحسب لها حسابها، ولها جيشها القادر ليس للدفاع عنها فحسب، بل ومهاجمة ممالك أخرى خارج الديار النبطية الأردنية وإذا كانت الأحداث التاريخية تطالعنا بأسماء ملوكهم. فإن الحارث الأول هو الأول أيضاً الذي نتعرف عليه على رأس دولة مركزية قوية ذات شوكة وقوة اقتصادية وجيش للدفاع عن المملكة . ولكن ذلك لم يتحقق إلا بعد مراحل طويلة، وملوك آخرين طواهم النسيان ,سَيُكْشَفُ النقاب عنهم من خلال الحفريات الأثرية التي لا زالت البتراء بحاجة إلى الكثير منها، بل لا زالت تعتبر بكراً في هذا المضمار رغم كل ما تم عمله من قبل.
ظهر الحارث الأول في أواخر القرن الثاني قبل الميلادي. ونرى أن اسمه اسماً عربيّاً ناصعاً، وكذلك أسماء ملوك الأنباط من بعده، وأن تسميتمهم : الأول والثاني والثالث وما إلى ذلك تدل على أنه كان نظاماً وراثيّاً من خط نسبي واحد الابن عن ابيه وهكذا , وهذا ماكان متعارفاً عليه بين الشعب والأسرة الملكية الحاكمة، وشبيه به ما هو موجود في الأسر المالكة في دول شتى وعبر التاريخ , وشبيه لتسمية الملوك في أوروبا عبر تاريخها وعند العرب في تاريخهم المعاصر ومن قبله.
لقد كان بلاط الحارث الأول ذا شوكة قوية يلجأ إليه زعماء آخرون طلباً للحماية، ومنهم جاسون كبير كهنة اليهود في القدس بعد طرده من فلسطين حيث لجأ إلى بلاط الحارث الأول. أما عبادة الأول الذي كان ملكاً في بداية القرن الأول قبل الميلاد فقد تغلب على جانوس حاكم فلسطين وهزمه في ميدان المعركة. وزاد على ذلك باسترداده لمؤاب وجلعاد، وبذلك نجد أن الأنباط قد سيطروا على غالبية أجزاء الأردن الحالي حتى نهر الزرقاء ثم إلى نهر اليرموك في مرحلة لاحقة .
وبذلك تكون مملكة الأنباط أول مملكة عربية أردنية تقوم حدودها على الأراضي الأردنية الحالية من خليج العقبة إلى نهر اليرموك ومن وادي السرحان في البادية شرقاً , الى نهر الاردن وغور الاردن غرباً، مما زاد من قوتها وثرائها، ووحدت شعوب الممالك السابقة (مؤاب، وعمون وباشان) في شعب واحد وهوية واحدة وهي النبطية الاردنية ، وأننا لنجد آثارهم في برك الماء وخزاناتها ومعاصر الخمر والزيتون في سائر أنحاء الأردن التي يقول عنها العامة أنها رومية، وهي في حقيقتها نبطية وبعضها من منجزات الدول الأردنية الأخرى من قبلهم.
لم يتوقف توسع الأنباط عند نهر اليرموك، بل تعداه إلى دمشق، وذلك زمن الملك الحارث الثالث بن عبادة. وقد كانت الدولة من القوة والرخاء والاستقرار الداخلي وتماسك الجبهة الداخلية، بحيث توسع أفق التفكير عند هذا الملك (الحارث الثالث) وأبدى اهتمامه الواسع بالأحداث السياسية في فلسطين اهتماماً كبيراً، وقد شعر الرومان بخطورة هذه المملكة وملكها وتطلعاته , وأرسلوا حملة عسكرية للتنكيل بها يقودها سكاوروس، إلا أن الأنباط أخلوا المدينة، ثم فاوضوا المعتدي وابتاعوه بالهدايا، واحتفظوا باستقلالهم، وعاد بما تاقت نفسه إليه من المتاع، وليس بما قررته إدارته في اجتثاث المملكة النبطية.
وعندما أحس الأنباط أن الرومان يتشوّقون ذات يوم لاحتلال بلادهم، وأنهم لا بد قادمون إن بقيت بالروم قوة، تطلع الملوك الاباط الى حلفاء يستقوون بهم ضد الرومان . فما كان من الملك النبطي مالك الثاني (مالكوم)، إلا أن وقف إلى جانب الفرس عندما اشتبكوا في حرب مع روما، ولكن سوء الطالع كان حليف الفرس الذين ولّوا أدبارهم هرباً أمام الرومان , مما اضطر الأنباط، تحت وطأة الحزن والأسى، أن يدفعوا الجزية للرومان، وكان ذلك في حوالي عام 40 ق.م. إلا أن الرومان وقد تميّزوا غيظاً من هذه المملكة الاردنية , اعتبروها واحدة من أملاكهم التي تباع وتشترى وتهدى. فقام مارك أنطونيو بتقديم جزءاً كبيراً من أراضي العرب ومن ضمنه مملكة الأنباط، هدية إلى محبوبته كليوبترا ملكة مصر انذاك ، فتحوّل دفع الجزية إليها في مصر، بدلاً منها في أثينا.
لم يرق ذلك للأنباط الذين وقفوا داعمين لملكهم ( مالك / مالكوم ) للتخلّص من هذه المهانة التي لحقت بهم في انهم من عديد سقط المتاع والعبيد والمواشي , فصار الملك مالك يتباطئ في إرسال المترتب على مملكته مدعوما من شعبه وملتزما بارادة هذا الشعب ورغبته ، فما كان من هيرودس الكبير إلا ودخل على الخط مع كليوبترا، واتفقوا على محاربة العنصر العربي، وإذلاله، وإهانة كبريائه الذي يحمله الأنباط.
شكل أنطونيوا وكليوبترا جيشاً مشتركاً للقضاء على مملكة الأنباط، ومحوها عن الخارطة والوجود , إلا أن مالك الثاني وشعبه كانوا قد استعدوا جيّداً لهذا اليوم في معركة موت أو حياة، معركة الكرامة والآباء العربي ضد هؤلاء الغزاة، وراح الملك مالك يرسل الهدايا والعطايا سرّاً لقادة الجيش اقادم لمهاجمته واشتراهم بالرشوة والمال، وعندما احتدمت المعركة قرب السويس هرب هؤلاء القادة المرتشين , ومعهم هرب الجيش وتم إغراق أسطولهم فلحق بهم مالك وجيشه وعملوا فيهم مقتلة عظيمة، وإهانة أشفت صدور الأنباط والعرب في يوم كيوم ذي قار ضد الفرس التي صارت فيما بعد في التاريخ الاسلامي . .
وهنا تحوّل رأس أنطونيو الحامي الأحمق وقد فشل في الثأر لمعشوقته إلى استخدام العقل والحكمة، وتخلّص من قادته الذين خانوه، وصار هزيلاً ذليلا أمام محبوبته كليوبترا فاستعد ثانية بجيش لجب عام (31/32ق.م) حقّق نصراً على الأنباط واحتل جانباً من أراضيهم، لكنه لم يتمكن من احتلالها برمتها كما كان يصبو اليه , ولكنه انخذل بعد ذلك في واقعة كاناثا Kanatha .
وفي عام 28ق. م . مات مالك الثاني وخلفه عبادة الثالث الذي حكم حتى عام 9 ق.م. وهنا تطور مستوى المواجهة مع الغرب (الرومان) حيث أعد الإمبراطور أغسطس حملة عسكرية لمهاجمة بلاد العرب، وفي ذلك برهان على صراع الشرق والغرب منذ العصور القديمة، وأنهم دائماً يغزون بلادنا، ويعملون ما وسعهم الجهد لاحتلالها واستعمارنا. كان لا بد من وسيلة يسلكها الانباط للتخلص من هذا الجيش الرومي الجرار، وبعد طول تفكير اتفق الملك عبادة الثالث مع رئيس وزارئه صالح (ساليوس) أن يفرّ صالح مدّعياً تمرّده على الملك وثورته ضده، وان يلجأ إلى قائد الجيش الروماني طالباً الحماية من سيّده . وبالفعل نفذ الخطةوانطلت الحيلة على الرومان فاستقبلوه بقبول حسن وترحيب حار.

وحيث أن الرومان ليسوا أصحاب خبرة بهذه الديار واهلها ، فقد عرضوا على صالح أن يدلّهم على الطريق إلى البتراء، مقابل تنصيبه ملكا على البتراء بدل الملك عند انتهاء الاحتلال، فوافق ظاهريا على ذلك. وسار الجيش وراء دليله صالح النبطي حيث سلك به أكثر المناطق وعورة وقحولة، فمات الجيش من الإرهاق والعطش والجفاف وحرارة الشمس، ثم تركه للطير، وعاد إلى سيّده وقد أدى مهمة عجزت عنها مملكة الأنباط برمتها. وهذه الحادثة تكررت في حوالي عام 1840 عندماقام جلحد الحباشنة بمهمة الدليل للجيش المصري الذي يقوده ابراهيم باشا , ولكن جلحد سلك بالجيش المصري طريقا وعرا قاحلا ادىالى هلاك غالبية الجيش وانكفائه الى بلاده مصر ومغادرة الاردن الى غير رجعة . وبذلك فان جلحد الكركي وصالح النبطي قاما بالمهمات الوطنية التي انقذت الاردنيين كل في زمنه , من قبضة الاحتلال الاجنبي
أدى هذا الهلاك للجيش الرومي إلى نشوة المملكة النبطية الأردنية، فازدادت ازدهاراً وثراءً، وصار عبادة يتطلع للتخلص من هيرودس خصم والد عبادة كما سبق وذكرنا. فاتصل عبادة (الثالث) بالقيصر للتخلص من هذا القائد الروماني. وكان من الأسباب أن سالومي الفتاة الصارخة الجمال كانت ابنة زوجة هيرودس، هدفاً يتطلع عبادة للزواج منها، إلا أن طلبه قوبل بالرفض. وامله قد تبدد. ومع هذا لم تتأثر البتراء بهذه المجريات.
كان هيرودس ملكاً على مملكة يهوذا في فلسطين ومركزها القدس، وهناك في التاريخ هيرودس الكبير، وهيرودس التتراكي الذي شبت في عهده الفتن والثورات، الأمر الذي أدى بالرومان أن يتدخلوا لحفظ الأمن، وخشية تدخل فارس في شؤون فلسطين التي كانت تحت هيمنة الروم وإن كانت تحت حكم اليهود. وهنا وجد الملك النبطي عبادة الثالث أن هذه فرصة مواتية لتحقيق أربعة أهداف:
1. أولاها إبعاد غضب وانتقام روما عن الأنباط وحصره ضد اليهود.
2. ثانيها أن يقضي على مملكة اليهود أو على هيرودس الذي رفض تزويجه ابنة زوجته الفتاة الصارخة الجمال سالومي. وهذه وسيلة انتقام تشفي صدره وغيظه.
3. حماية بلاده، على أنها حليفة لروما ووقفت معها في الأيام العصيبة.
4. إظهار قوة الجيش النبطي بحيث يضع الهيبة في قلوب اليهود والرومان كلاهما على حد سواء.
5. في هذه الاثناء ارتقى الملك الحارث الرابع عرش المملكة العربية الاردنية النبطية ضمن النظام الملكي الوراثي المتبع في ارتقاء غرش هذه المملكة . وكان الحارث الرابع يخشى من غدر الرومان وراح يقوم بالاستعداد لمجابهة الحملة لما وصله من اخبار نية الرومان الغدر به .
تولى الحارث الرابع عرش مملكة الأنباط بعد والده عبادة الثالث، الذي أراد أن يرتبط وهيرودوس بعلاقة حميمة، حيث لم يكن راضياً عن رغبة والده بالزواج من سالومي، خشية هيمنة اليهود على مملكة الأنباط، وقام بحلٍّ معاكس، وهو تزويج ابنته الأميرة العربية النبطية من الملك هيرودوس، لتكون هي نقطة القوة النبطية هناك، ولعلها تلد من الأولاد من يتولى العرش في فلسطين ويصبحوا حلفاء أو أتباع لأخوالهم مملكة الأنباط.
كانت خطة الحارث الرابع في غاية الذكاء، وكان الزواج سياسيّاً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ولكن الأميرة العربية النبطية اكتشفت في زوجها ما هالها، ألا وهي العلاقات الغرامية بين زوجها هيرودوس وهيرودياس أرملة أخيه. وهنا طلبت الأميرة النبطية الطلاق، فرفض هيرودوس الذي حاول لملمة الفضيحة. ولكنها نزحت ومن معها من الخدم والأدلاء إلى شرق الأردن حيث استراحت في قلعة مكاور ثم واصلت مسيرها إلى البتراء. وأعلمت والدها بما حدث، والذي بدوره جمع العائلة المالكة ورجال الدولة وقادة الجيش واعتبر ذلك إهانة لشرفه العربي لا يغسله إلا الدم.
زحف الحارث الرابع بنفسه على رأس جيش إلى هيرودس وتغلّب عليه وبطش به، وثار لشرفه، ولكن هيرودس اللعوب استنجد بالإمبراطور الروماني طيبرويوس الذي لبّى النداء واستجاب للطلب فأوعز إلى عامله في سوريا أن يقود حملة لخلع الحارث الرابع لأنه تجرّأ على الإغارة على أحد أتباع روما، وكان عليه (على الحارث) أن يشكوه للإمبراطور لا أن يأخذ القانون بيده
إلا أن حظ الحارث الرابع كان ساطعاً، فبينما كان يقوم بالاستعدادات لمجابهة هذه الحملة، مات الإمبراطور الروماني ، مما أضطر قائد الحملة الرومانية فيتيلوس أن يعود من الطريق ولكن ليس إلى سوريا، وإنما إلى أنطاكيا، وذلك يعني ابتعاد الخطر خطوات بعيدة جداً عن البتراء العربية
وأثناء ذلك وجد هيرودس اليهودي الفرصة مواتية للراحة والاستجمام وعدم إثارة مشاعر الحارث الرابع والأنباط، بعدم التحرش بهم، وإنما التفرغ لملذاته فذهب وأرملة أخيه التي تزوّجها بما ينافي عقليات الشريعة اليهودية، أقول ذهبوا إلى قلعة مكاور (ماخيروس) في شرق الاردن في الجبال المطلة على البحر الميت ، ومعهم سالومي ابنة أخيه ابنة زوجته أرملة أخيه هيرودياس، وهناك أمضى وقته بالشراب وسماع الموسيقى ومشاهدة الرقص الأمر الذي أثار النبي يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان) عليه السلام الذي رفض هذا التصرف، ورفض مباركة زواج هيرودوس من ارملة اخيه ، مما جعل هيرودوس بسجنه في سجن قلعة مكاور نفسها.
أقام هيرودوس وليمة حضرها رجال الدولة والجيش وكلهم غاضبون على النبي يحيى لما قام به من إثارة الناس ضد هيرودوس لأنه خالف شريعة التوراة، وفي تلك الحفلة التي كانت بمناسبة عيد ميلاده، رقصت سالومي بما أعجب عمها، فقال لها اطلبي ما شئت فقالت لها أمها: اطلبي رأس يوحنا المعمدان، فأمر به فقتل وجيء برأسه على طبق وضعوه على المائدة. كان ذلك في الأردن في قلعة مكاور (ماخيروس) التي تقع في الأجزاء الغربية من جبل بني حميدة.
وقد أشار الإنجيل إلى الحارث الرابع، حيث كان عامله على دمشق أثناء سجن القديس بولس الذي نجا من السجن بواسطة حبل وصل إليه وربطه بالنافذة وتدلى منه.
وتنقطع المعلومات المتوفرة بعد الحارث الرابع عن مملكة الأنباط، لكن الاحتلال الروماني لها قد ألقى الضوء على آخر ملوكها رئبال الثاني ورئبال معناها ابن الأسد باللغة العربية الذي توفي عام 106 والذي أصبحت البلاد بعد وفاته مقاطعة رومانية. حيث استولى عليها الرومان وفرضوا عليها النمط الروماني من حيث البناء والهندسة والسيادة .
وبالفعل أصاب الغرور والنشوة جيش الأنباط بعد التنكيل بمملكة يهوذا، وهم يرون عدوّاً لدوداً قد تلاشى من الخارطة أو صار واهناً في الحسابات العسكرية والسياسية، ولكن ذلك أثار غضب القائد الروماني الذي أعلن عدم حاجته لاستمرار الجيش النبطي معه. وهنا غيّر هيرودوس طريقته في الحكم مرة أخرى. وصار طائعاً للرومان. فنصّبوه على سائر مملكة يهوذا، وجزء من بلاد شرق الأردن.
يتحدث المؤرخون والكتاب عادة عن انهيار الأنباط والبتراء ملكاً ونظاماً ودولة وشعبا بل وتلاشيهم ً في عام 106 عندما هاجمهم تراجان الإمبراطور الروماني، ولكنني أرى رأياً آخر، ذلك أنني كسياسي أولاً، ومؤرخ ثانياً، أرى أنه يستحيل انتهاء شعب ودولة تأسست عبر ستة قرون أو خمسة في لحظة واحدة، كما أن الرومان لم يكونوا يريدون القضاء على كل شيء في البتراء لأن ذلك ليس من مصلحتهم، لحاجتهم الاقتصادية والفنية والإرث الحضاري الفني لهذا الشعب.
من هنا، فإنني أرى أن الرومان قضوا في البداية على عنصرين هامين وأساس في بناء الدولة وهما: الجيش حيث تتحدث الروايات عن إلقاء عشرة آلاف رجل من على أسطح الصخور العالية، فتهشمت عظامهم إلى غير رجعة. وأنا أرى رغم تباين الآراء، أن هؤلاء كانوا القوات المسلحة النبطية، أو مجموعات من الشباب المسلحين الذين تم العثور عليهم يحرسون داخل البتراء. وبذلك أنهى الرومان القوات المسلحة النبطية بالقتل والإبادة وليس بالأسر، ولا بإعادة التأهيل ولا بالغذاء.
وأما العنصر الثاني فهو القضاء على الاستقلال، وبالتالي على السيادة والقيادة التي كانت تتمتع بها دولة الأنباط، وملوكهم، لأن أدواتهم كانت في الدرجة الأولى قواتهم المسلحة التي لقيت حتفها بين قتل في المعركة أو إلقاء من فوق الصخور الشاهقة. وفي حالة تغلب أية دولة على أخرى فإنها تطلب الاستسلام لها من قبل السلطات الحاكمة. وحيث لم يعد لملك الأنباط ودولته وهو رئبال الثاني Rabal II حيلة أو وسيلة في المقاومة أو الحرب، فقد استسلم للقائد الروماني وخضع لشروطه كاملة لقاء البقاء على حياته وعلى شعبه وعلى عرشه الكرتوني الوهمي .
من هنا تحولت البتراء إلى وسيلة أو سلطة حكم ذاتي تحت أوامر والي سوريا الروماني، وخضعت للقوانين والثقافة الرومانية، وظهرت هندسة البناء الروماني واضحة في شارع الأعمدة التي تم كشف النقاب عنها منذ وقت مبكر من القرن العشرين.
وبناء عليه فإن ثروات البتراء بدأت تنخفض بالتدريج، وعاد الامر الى مكان عليه اوله , اذ عاد الملك عبارة عن شيخ للعشيرة والبلدة تحت اوامر الحامية الرومانية ، وانفصلت بقية الأجزاء بالقوة العسكرية. وتم تغيير طريق التجارة لتصبح تدمر هي المحطة البديلة عن البتراء، وكلما ازدهرت تدمر، ذبُلَتْ البتراء، حتى لفَّها النسيان من صفحات التاريخ وبقيت رهينة الصخور الصماء لايعرفها الا اهلها الذين يندبون حظهم العاثر بهم من مملكة مزدهرة الى خيام تخفق الارياح فيها .
ومع هذا بقيت آهلة بالسكان حتى بعد انتشار المسيحية في الأردن أي في القرن الرابع الميلادي وما بعد ذلك، حيث تم العثور عند الجرة على صفحة الجدار الخلفي في حجرة واسعة تسمى ضريح الجرة كتابة مدهونة باللغة اليونانية تنبئ أن الحجرة كانت تستعمل كنيسة في سنة 447 ب.م. فضلاً عن آثار في عدد من الكهوف تبيِّن أنها كانت تستخدم من قبل الرهبان النصارى.
وقد تم العثور أيضاً على نقوش باللاتينية وأخرى بالنبطية تعود لنفس الفترة، كدليل على أن البتراء كانت آهلة بالسكان في الفترة الرومانية، لكنها كانت مسلوبة السيادة، مقطّعة الأوصال وفيها لغتان : النبطية العربية وهي لغة اهلها , واللاتينية الرسمية وه يلغة الدولة المحتلة . فالنص اللاتيني موجود على ضريح سكستوس ومحفور في الصخر الوردي باللاتينية فوق مدخل الضريح، وهذه ترجمة للنص:
"إلى لوسيوس الصغير ابن لوسيوس بابيريوس سكستيوس فلور نتينوس أحد المسؤولين الثلاثة عن سك النقود الفضية والذهبية المحامي العسكري لفيلق منيرفا الأول، المدعي العام لمقاطعة أشيا، محامي الشعب، قائد الفيلق الثامن في هسبانيا، القنصل الأول في مقاطعة ناربونتسيس، الوالي المعين من قبل أغسطس، حاكم مقاطعة بلاد العرب، الأب الذي يعرف واجباته جيداً، تمشّياً مع وصيته بعينها".
من الواضح أن لوسيوس هذا كان الحاكم الفعلي للمقاطعة العربية وعاصمتها البتراء، أي حاكماً لبقايا مملكة الأنباط بما فيها البتراء وأن ملوك الأنباط صاروا تحت إمرته وفقدوا استقلالهم ولم يفقدوا حياتهم واتصالهم بشعبهم , طالما ان نشاطهم وعملهم هذا دونما أي نشاط عسكري.
أما النص الثاني للفترة نفسها، أي بعد الاحتلال الروماني للبتراء فقد تم العثور عليه على ضريح في وادي التركمانية وهو موجود فوق الباب، وفيما يلي نصّه:
"إن هذا الضريح والحجرات الكبيرة والصغيرة التي في داخله، والقبور المبنيّة على طراز المدافن الجانبية، والساحة الواقعة أمام الضريح، والأروقة والمنازل التي بداخلها، والحدائق، والثلاثية، وآبار المياه، والشرفة والجدران وبقية العقارات والأمتعة الموجودة في جميع هذه الأماكن، قد كُرِّست ونُذِرَتْ مُلْكاً مصوناً لدوشارا Dhu shara إله ربِّنا، وعرشه المقدس، وجميع الآلهة حسب التعيين في الوثائق المتعلّقة بالمواضع المنذورة حسب محتوياتها، وحسبما يقضي أمر دوشار Dhu shara وعرشه وجميع الآلهة بأن منطوق هذه الوثائق المتعلقة بالمواضع والأشياء المنذورة يجب أن يطبق وينفذ دون أي تحوير. كما يجب ألا يجري أي تراجع أو نكوص عما تتضمنه تلك الوثائق، وأن لا يدفن أي إنسان في هذا الضريح عدا الشخص الذي يملك وثيقة خطية تمنحه حق الدفن حسب نصوص الوثائق المذكورة المتعلقة بالأشياء المنذورة إلى الأبد".
من هذا النص نجد أن البتراء بقيت مأهولة بالسكان، وعامرة بالثقافة والحضارة حسبما هي تقاليدهم وعاداتهم، مع إضافة الثقافة الرومانية والتزاوج معها حسبما ذكرنا من قبل. وأن هناك قبور خاصّة ومقدّسة تابعة للآلهة لا يجوز الدفن فيها إلا لمن لديه وثيقة خطيّة تخوّله لذلك وتعطيه حق الدفن كما يبيّن النص وجود عدة آلهة لدى الأنباط أهمها وأعلاها هو ذو شرى Dhu shara ، وأنه لا يجوز التلاعب بهذه الوثائق والنذور.
أما ما يظهر من وجود سلسلة من الأخاديد المزدوجة السطحية في كثير من واجهات الصخور المنحوتة فإنها في رأينا مواضع الحبال التي كان يتم ربط عارضة النحت بها، حيث يبدأ النحت من الأعلى إلى الأدنى على عارضة ربما تكون من الخشب المغطى بالجلد. مربوطة بحبال من وبر الجمال وصوف النعاج او من جلدها ، بحيث تحتك هذه الحبالة بالصخر وتؤثر به، ولا أظن وجود سبب آخر لهذه الحزوز (مفردها حَزَّ). ولمزيد من الشرح عن البتراء يمكن مطالعة ما كتبناه عنها في الجزء الأول من كتابنا في ربوع الأردن جولات ومشاهدات.
كان لكل ملك من ملوك الأنباط ضريحه الخاص به، تماماً مثلما هو شأن الملوك المعاصرين في العالم. وقد اعتنى الأنباط بأضرحة الموتى. وبقيت منها أضرحة صارت جزءاً من الإنجاز العظيم الذي حققوه في فن النحت والبناء في هذه المدينة الوردية. وهذه الأضرحة الهامة هي: ضريح الجرة، الضريح الكورنتي، ضريح القصر، ضريح فلورنتينس، عدا عن الأضرحة الأخرى من الدرجة الثانية في الأهمية. كما توجد خرائب لقلعة صليبية مهدمة وهذا يدل على أنها كانت مأهولة في ذلك العصر.
وصول سقوط البتراء لا بد أن ندلي بدلونا حول ذلك:
1. إن مملكة الأنباط الأردنية العربية، كانت المشروع العربي الحضاري السياسي الوحيد في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط في زمنها، وصارت معروفة لدى جميع دول وسكان هذه البلدان. وأهل اليمن والحجاز وسكانها وحكامها. ومثل ذلك كان يشكل خطراً على دولة الرومان الشرقية والتي كان مركزها القسطنطينية والمسماة بيزنطة من جهة، ودولة الرومان الثانية وكان مركزها مصر حيث جرت المعارك بين الأنباط وبين قوات كليوبترا من جهة وبينهم وبين قوات الرومان السوريين من جهة أخرى مدعومين من روما . وكما بينَّا فقد كان النصر حليف الأنباط بالحيلة تارة والسيف تارة أخرى والحظ طوراً آخر، حتى كانت سنة 106 عندما سقطت زمن الإمبراطور الروماني هدريان ثم دخلت في غياهب التاريخ والنسيان، ولكنها لم تدخل صفحات التلاشي كما يظن البعض حتى عادت إليها أمجادها من جديد في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين.
2. إحاطتها بالأعداء في صراعها مع المملكة اليهودية بالقدس والممالك الرومانية في سوريا ومصر كما قلنا توَّاً، مما زاد من أعدائها , وصاروا على ماكان بينهم من خلافات، متفقون على القضاء على هذا المشروع العربي الرائد، وقد تمكنوا من ذلك في نهاية المطاف.
3. ضعف الجيش النبطي امام الروماني المصري والبيزنطي وقوات روما . حيث كان على الانباط ان يواجهوا ثلاثة جيوش مما جعل جيشهمضعيفا وضيئلا امام هذ الجيوش .
4. الوهن الطبيعي الملازم لمرور الزمن، فكل دولة تبدأ بالخطوة الأولى ثم تتعاظم وتنمو فيها عناصر البقاء، إلى أن تصل الأوج ثم تنحدر إلى نقطة الصفر مرة أخرى. وبالتالي كان أفول نجمها أمرا طبيعيا في مسار الحياة، لأن الثابت هو التغير.
5. ظهور تدمر كمركز دولي لخطوط المواصلات والتجارة بديلاً عن البتراء.

حسام العامري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2013, 03:00 PM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
باحث في الانساب
 
الصورة الرمزية حسام العامري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

افتراضي الحلقة الثالثة من كتاب تاريخ الأردن وعشائره للدكتور: أحمد عويدي العبادي


الحلقة الثالثة
من كتاب تاريخ الأردن وعشائره
للدكتور: أحمد عويدي العبادي

الباب الثالث
مناقشة نصوص التوراة


ذكر القرآن الكريم في آياته المحكمات وكلها محكمات قصص الأقوام الأردنية فوق الأرض الأردنية، وعلاقتهم بالكفر والإيمان وبالأنبياء الذين أنزلهم الله سبحانه وتعالى عليهم، وما حلّ بهم لكفرهم، وكيف أنقذ الله من أمن منهم، وكيف انتقل كل نبي من الديار التي كان بها، وحلَّ بها العذاب إلى مواقع أخرى تارة لا ندري مثل صالح ولوط، وتارة عرفنا كما هو الامر في حالة سيدنا شعيب عليه الصلاة والسلام الذي انتقل من مدين في منطقة الكرك إلى وادي الأيكة المعروف الآن بوادي شعيب، أو وادي السلط، .
يبدو أن مهمة الأنبياء (صالح، ولوط، وشعيب) انتهت الى فرز الناس إلى فئتين: فئة آمنت بالله ونجت مع النبي، وأخرى كفرت وكان مصيرها الهلاك بالصيحة والرجفة، وعاليها سافلها، ومطر من حجارة السوء، ويوم الظلة.
وقد جئنا إلى ذلك بالشرح في الجزء الخاص بالتاريخ السياسي للعشائر الأردنية من هذا الكتاب، كما شرحنا مطوَّلاً إشارات القرآن الكريم إلى المواقع الأردنية في كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين (2007). كما تحدثنا أيضاً عن ورود هذه المواقع في التوراة والإنجيل في الكتاب نفسه .
وحيث لا داعي للإعادة والإطالة، فإن موضوع حديثنا هنا في هذا الجزء من تاريخ الأردن، هو مناقشة نصوص العهد القديم ، لأنها الأساس الذي اعتمده سائر المؤرخين والكتاب والرحالة الأجانب، على أنه مصدر موثوق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهي نقطة التباين بين موقفنا وموقفهم. فنحن نناقش ما ورد في النصوص، منها ما نتفق معه ومنها ما يخالف المنطق والواقع وثقافة أهل البلاد ونتائج الحفريات فنختلف معه .
وقد ورد ذكر الأردن في العديد من أسفار التوراة / العهد القديم ، وأكثر ما تردد في كل من الأسفار التالية: التكوين، العدد، الملوك الأول، الملوك الثاني، تثنية الاشتراع، القضاة، صموئيل الأول، صموئيل الثاني، الخروج. تحدثت عن وقائع في الأردن، سواء أكانت مرتبطة بالصراع بين أهل البلاد وبني إسرائيل، أم عن أحداث فوق الأراضي الأردنية. وفي جميعها نجد أن كاتب العهد القديم يجعل اليد العليا دائماً لبني إسرائيل، ويجعل اليد السفلى لغيرهم.
وقد وجدت من خلال ترجمتي للعديد من كتب الرحالة الأجانب إلى هذه الديار أنهم كانوا يعتمدون التوراة مصدراً رئيسياً ـ وصحيحاً ـ بالنسبة لهم، عن الأردن، وأسماء المواقع، والأحداث التاريخية، وتتناسى التوراة والرحالة أن هذه المواقع أصلاً كانت ذات أسماء محلية أطلقها أهل البلاد الأصليين من رعايا الممالك الأردنية قبل مجيء الإسرائيليين إلى المنطقة، وكل ما فعله كتاب التوراة أنهم استخدموا الاسم العربي الاردني القديم كما هو على حاله، أو مع شيء من التحريف الذي يرتبط باللفظ اللغوي ذلك أن العين في العربية غير موجودة في العبرية، وكذلك الحاء التي تتحول في لغتهم إلى خاء.فسرقوا التاريخ وهم اكثر سراق للتاريخ .
يأتي اهتمام التوراة بالأردن من عدة منطلقات هي:
1. أنها جزء من الديار المقدسة التي يزعمون أنها وطنهم الموعود وبالتالي فإن حيلهم لم تنطلي على ملوك الأردن عندما طلب الإسرائيليون المرور رغم انهم وعدوا ان مرورهم ذاك سيكون دون إحداث أي أذى، بل كان هؤلاء الملوك الاردنيين يعرفون أن لهؤلاء الغزاة أطماع توسعية واحتلالية في الهيمنة على الأردن على أنها جزء من بلاد كنعان، باعتبار الشعبين العموري (الأردني) والكنعاني من أصل واحد، أو من ديار واحدة على الأقل.
وحيث كانت توجد ممالك قوية، تساعدها طبيعة الأرض الأردنية الوعرة ذات البنية المغطاة بالحجر والشجر، فإن العبور تم احتلال بلاد كنعان كان أيسر عليهم من البدء باحتلال الأردن، وإنما أرادوا أن يدخلوا إلى الرحم للنمو هناك لتكون الولادة على حساب الأردن، وأن الولادة في بلاد كنعان تكون دائماً على حساب الأردن.
وعندما صدر وعد بلفور في 17/10/1917 نصّ على أن بريطانيا تتطلع لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، باعتبار هذا الوعد إنجاز لوعد ديني قديم أن هذه الديار هي لهم، وهم مدعومون من سائر أقطار العالم بما فيها كثير من الدول العربية (للأسف الشديد!!) وكان الوعد يشمل كلاً من فلسطين وشرق الأردن في آن واحد، ثم قامت بريطانيا، واستثنت الجزء الشرقي (الأردن)، ليكون مستودعاً أو محطّة أو وطناً للمغادرين من فلسطين على شكل مهاجرين أو نازحين، أو مواطنين أو تهجير، أو أي عنوان يروق لك.
وأن المؤرخ الأردني، يجد قلمه دائماً قاصراً دون الحديث عن هذا الموضوع لأنه يُنْعت حينها بأوصاف الإقليمية والعنصرية ومحاربة ما يسمى بالوحدة الوطنية لمجرد جرأته على مناقشة موضوع التهجير الفلسطيني إلى الأردن، أو إجبارهم على الهوية الأردنية في مطلع الخمسينيات أو أي شأن يتعلق بالشعبين. ورغم أن لدي رأي ورؤى وفكر واضح حول هذا الموضوع، فإنني أمسك عنه، وأختصر الأمر بكلمات قليلة: أن الأردن وفلسطين والأردنيين والفلسطينيين وقعوا جميعاً ضحية مؤامرة دولية كبرى، وأنهم في حقيقتهم ليسوا أعداءً لبعضهم، وإنما يشغلهم أعداء الطرفين في الصراع بينهما بالإنابة، أو الحرب بالنيابة عن أطراف أخرى.

ومن الواضح أن المطامع الصهيونية بالأردن استمرت عبر التاريخ، منذ الخروج 1350 ق. م . إلى الآن، حيث أخذت أشكال تأجير الأراضي (قبل منتصف القرن العشرين) ومن ثم بيعها لليهود تحت مسميات وعناوين منها الاستثمار وذلك في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين ومن الواضح أن جيلنا سيترك للأجيال القادمة ركاما وحطاما ضخما جداً من الهموم التي لا طاقة له بها. والاتفاقيات والتبعات الاقتصادية التي ستحولهم إلى أجراء أو عمال كل فوق أرض ابائهم واجدادهم . ولا ندري هل سيكون ذلك بمثابة بدء الصراع أم لا. وإذا حدث فسيكون صراعاً بين الأغنياء والفقراء، بين الجياع ومن لا يجد لقمة العيش من جهة وبين الذين بطرت معيشتهم وامتصوا دكاء الناس والفقرء , بغض النظر عن الأصل أو اللون أو العرق.
2. تكتسب الأردن أيضاً أهمية كبرى من خلال سيرة النبي موسى والنبي هارون، حيث ترى التوراة أن موسى مدفون فيها، وبالذات في منطقة صياغة غربي مأدبا. وأن هارون مدفون في طور البتراء حيث قبره وعليه قبة إلى الآن، وتحدث عنه الرحالة العرب والأجانب عبر القرون الماضية. ورغم أنني أرى أن موسى عليه السلام مات خارج الأردن، وأن دخوله للأردن قبل موته لم يكن في رأينا إلا نمطاً من الكشف الإلهي الذي خصّ به أنبياءه وأولياءه أن جاء به إلى صياغة ليرى بلاد كنعان أو أنه كشف له ملك البلاد من خلال الكشف النبوي للأموات والأشياء، أقول رغم أنني أرى ذلك، إلا أن زخم التدوين التوراتي والرحالة يصرّ على أن موسى دخل الأردن وحارب الممالك الأردنية وأنه وقف في صياغة فأراه الله البلاد المقدسة ثم أماته.
لا أرى أن نقف طويلاً حول التأييد والتفنيد لهذا الرأي، ولكن نقول أن اليهود ينظرون أن في الأردن قبران لأحب أنبيائهم إليهم موسى وهارون عليهما السلام، وبالتالي فهي قريبة إلى قلوبهم، وهم لا يتوانون لحظة للتشوُّف إليها واحتلالها سواء بالهيمنة على سيادتها أو الشراء أو الاستئجار أو الاحتلال.
ليس هذا فحسب، بل إن القرآن الكريم والتوراة كلاهما على حدٍّ سواء تحدّثنا عن رعاية سيدنا موسى عند شعيب كاهن مدين الذي تسميه التوراة جيثرو Jethro ، والذي رأينا، من خلال الدراسة والتمحيص ومقارنة الأحداث والأزمنة، أن شعيب موسى لم يكن نبيّاً، بل كان مؤمناً ورجلاً صالحاً، وأنه حفيد شعيب النبي، وبالتالي فإنه من قبيلة جذام العربية. وهذا يدل على أن نسل المؤمنين من أهل مدين قد عادوا إليها بعد أن دمّر الله الكفرة زمن شعيب الاول ، وبالتالي لم يكن في العقوبة أشعة تحول دون نبات الزرع والضرع والحياة، وإنما صيحة ورجفة فقط وهذه لاتجعل الارض عقيما كالاشعاعات .
3. المفاوضات الإسرائيلية مع الملوك الأردنيين من أجل المرور والعبور ورفض هؤلاء الملوك لذلك جملة وتفصيلاً، ولم يقتصر الرفض على ذلك، بل اشتمل على رفض وجود بني إسرائيل في ديار بني عمهم الكنعانيين ( فلسطين ) لذلك تتحدث التوراة عن معارك وحروب طاحنة بين الممالك الإسرائيلية منذ حطت رحالها في فلسطين إلى ما بعد ذلك بألف وخمسمائة سنة، كان آخرها ما قام به أعظم الملوك الأردنيين في التاريخ وهو : الملك ميشع من تحرير البلاد من الاحتلال الإسرائيلي، وقد أشرنا إلى ذلك في أكثر من موضع في هذا الكتاب وغيره.
إن ما حدث من صراع بين فرعون وبني إسرائيل، وما سامه من خسف لهم إذ كان يذبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم ويستعبدهم في أعمال السخرة والخدمات عند المصريين، لم يكن بمنأى عن علم الممالك الأردنية برمتها، ذلك أن خط التجارة بين هذه الممالك، وبخاصة أدوم ومصر، كان عامراً، وكان اصحاب المواشي في أدوم يلجأون إلى مصر في سنيّ القحط التي تصاب بها شرق الأردن. وكانوا يستوردون حاجاتهم من مصر. بل إن العديد من الملوك والفراعنة، ومنهم الملك الريان بن الوليد (ملك النبي يوسف) هو من الديار الأردنية أصلاً.
إذن كان الأردنيون جميعاً من باشان إلى عمون إلى حشبون إلى مؤاب إلى أدوم إلى مديان، بالصورة عما يحدث لبني إسرائيل هناك، أو على الأقل كان الملوك يتلقون مثل هذه المعلومات من التجار وبعثات االلاط الملكي في تبادل السفارات والهدايا والتفاقات على الصداقة والمودة . وكان ملوك الاردن يرقبون ذلك بعين الحذر وحب الفضول. وعندما حضر سيدنا موسى إلى مدين، ذكر القرآن الكريم ذلك بقوله ( ولما توجه تلقاء مدين ) فهو لم يذهب وحده، ولا عبر برية ليس فيها طريق كما يقول بعض الكتاب، بل ترى أنه اختار في مرحلة من مراحل الطريق بين مصر وادوم ، والتحق في احدى المحطات بقافلة تجارية من مدينة متجه تلقاء مدين، أي نحو مدين، ورافقها حتى وصل إلى هناك، دون أن يفصح عن هويته. بل إنه كان في البلاط الفرعوني الذي كان على علم ودراية بالملك من حوله أيضاً، وبحركة التجارة والناس إلى مصر، ومع مصر. وحيث انه كان في بلاط الفرعون فانهم لم يكونوا يعرفونه , واصطحبوه معهم دونما سؤال , وهي العادة الاردنية التي تنص على عدم سؤال الضيف عن اسمه وهويته لمدة ثلاثة ايام وثلث .
وكان الملوك الأردنيون أيضاً بصورة الحدث من نزول موسى وهارون كانبياءوما حدث لهم لان ذلك استغرق سنوات طويلة وان العقاب الالهي لقوم فرعون قد اثر على التجار والرعاة الاردنيين
كان ملوك الاردن ايضا على دراية لما حصل لفرعون وقومه وجنده من الغرق ، ونجاة موسى عليه السلام ومن معه أجمعين، ومكوث بني إسرائيل أربعين سنة غضباً من الله عليهم لعبادتهم العجل، وعدم إطاعتهم لله سبحانه الذي نصرهم على فرعون وانجاهم منه ومن رجاله . وبناء عليه فان الرعب من الغضب الالهي قد اصاب قلوب الملوك الاردنيين بكل تاكيد . كانوا يخشون أن ربَّ السماء يقف مع بني إسرائيل، وأنه غضب عليهم ومع هذا أنزل عليهم المنِّ والسلوى، وأن جيلاً جديداً قد جاء إلى الحياة لم يكن يرتكب خطايا من سبقه، بل جيل مؤمن بإله موسى. وبالتالي فإن مجابهة هؤلاء صعبة، وأن الأفضل هو إبعادهم وابتعادهم عن الديار الأردنية، وكذلك كان الامر والحال من هؤلاء الملوك.
صحيح أن التوراة تقول أن موسى هو الذي قاد بني إسرائيل من العقبة عبر الأردن، لكنني أشك في ذلك، ولكن الثابت أن يوشع بن نون فتى موسى، وزوج مريم أخت موسى هما اللذان قادا بني إسرائيل عبر الأردن ثم في فلسطين حتى توطدت أقدامهم هناك، قبل أن يموت يوشع في الأردن ويدفن فيها حيث لا زال ضريحه في زي إلى الآن مطلاً على فلسطين (الديار المقدسة). لذا فقد باءت بالفشل طلبات عبور بني إسرائيل للديار الأردنية، للأسباب المذكورة أعلاه، فضلاً عن أن ملوك الأردن يعرفون أن بني إسرائيل يعتبرون الأردن جزءاً من الديار المقدسة المنوي الهيمنة عليها واحتلالها.
أدى هذا الرفض إلى بذل مزيد من الجهد، وقضاء مزيد من الوقت ليسلك بنو إسرائيل وادي اليتم ثم عبر الديسة ثم إلى معان فالأزرق ثم عبر ثغرة من أراضي مملكة عمون التي كانت في تلك الفترة في أوج وهنها حتى إذا ما دخلوا فلسطين عن طريق مخاضة دامية إلى أريحا شعروا بالأمن والأمان أن أقدامهم قد وطئت الأراضي المقدسة الموعودة. وهنا حدث ما كان يخشاه الملوك الأردنيون من أن بلاد كنعان صارت قاعدة لبني إسرائيل لغزو الأردن.
4. الأردن ملاذ آمن. أشارت التوراة إلى اتخاذ مساحات من شرق الأردن كملاذ آمن للأبقين والهاربين والمتمردين والضعفاء. وهو المكان الوحيد الذي أشارت إليه التوراة. أما الاصطلاح فقد تم إعادة تسويقه في القرن العشرين باتخاذ ملاذات آمنة للأقليات في الدولة التي لا تتفق سياستها مع الغرب، بحيث يلجأ إليها أعداد من الناس المضطهدين ليجدوا الأماكن. كما أن هذه الملاذات الآمنة كانت نزعاً للسيادة الأردنية من على أجزاء من أراضيها، وأن بني إسرائيل ادعت الشرعية على أرض لا شرعية لوجودهم بها أصلاً.
وإذا أردنا التوسع في الشرح، فنقول أن من معاني كلمة الأردن: النعاس، والشدة والغلبة والقوة. كما أن النعاس مؤشر على الأمن والطمأنينة أيضاً ( ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154 ) [آل عمران:154]
فالنعاس هنا اقترن بالأمن والنعاس، وبالتالي فإن الملاذ الآمن هو جزء من طبيعة معنى اسم الأردن، وليس غريباً عليه.
5. الصراع الطويل بين الإسرائيليين في فلسطين (بعد عبورهم واستقرارهم) وبين الممالك الأردنية، حيث تأخذ هذه مساحة كبيرة في التوراة من الحديث عن الأردن وممالكه وشعوبه. وقد ذكر القرآن الكريم الحرب ما بين جالوت ملك عمون وطالوت ملك اليهود وكيف أن داود قتل جالوت وأن بني إسرائيل انتصروا بإذن الله، وهم الفئة القليلة، على العمونيين وهم الفئة الكثيرة. ولولا إرادة الله، لما كان للإسرائيليين طاقة بجالوت ( لاطاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده )
أدى هذا الصراع إلى عدة أمور منها: حركة الاحتلال والتحرير، إذ كان الإسرائيليون يحتلون أجزاءً من الأردن فيحررها الأردنيون ويحتلون أجزاء من فلسطين وهكذا دواليك بين مدّ وجزر، وإذا انهزم طرف ذات مرة، أعاد الكرة في الهجوم لتحقيق نصر جديد دونما كلل أو ملل.
كما أدى هذا الصراع إلى فترات سلم ووئام بين ثنايا فترات الحرب والخصام، كان يحدث خلالها تزاوج، حيث تزوج داود عدة أميرات عربيات من الأردن، كما أن داود نفسه اتخذ من الأردن ملاذاً آمناً عندما كان شاؤول يطارده، وقام ملك عمون حانون باستقباله والإحسان إليه ودعمه في صراعه ضد شاؤول، حتى استعاد ملكه.
إذن لم يكن الصراع شرّ كله، ولا خير كلّه، بل فترات متعاقبة بين مدّ وجزر، يدخل الطمع تارة والحماقة تارة أخرى لتأجيج الصراع . ولم يقتصر هذا الصراع على ملك أردني دون آخر، بل تعداه إليهم ومعهم جميعاً من ملوك مديان إلى ملوك باشان. كما أن فترات الهدنة والصداقة كانت تصاب بالانتكاس، فلا تطول مدّتها، وكانت الحروب تتفاوت بين مناوشات خفيفة الى معارك الى حروب طاحنة، مثل حرب ميشع مع عمري ملك إسرائيل في زمنه وحرب ملك إسرائيل مع ملوك مديان وقتله لهم إن صدقت التوارة.
وغالبا ما كانت الأردن هي ساحة المعركة والصراع، مما أدى إلى نزوح الناس من مناطق عبور الجيوش والمعارك، إلى مكان آمنة أخرى، لذلك لم يكن غريباً أن نجد المواطنين من مؤاب Moab ، وقد رحلوا إلى عمون أو أدوم أو باشان ليكونوا من رعاياها للابتعاد عن مدن الصراع من جهة ولكي لا يقوم ملك تلك الديار بإلزام أولادهم بحمل السلاح للقتال ضد بني إسرائيل. وكان لهؤلاء الأردنيين قدرة هائلة على التكيف مع أي احتلال لأرضهم، أو التمازج مع المجتمع الجديد في المملكة الجديدة بمجرد التحاقهم بها والتحول إلى رعاياها.
أدى هذا الصراع، وما سببته المملكة اليهودية في القدس من اضطراب في المنطقة ووجع رأس لآشور، أن قام الملك الآشوري نبوخذ نصر بغزو القدس والقضاء على مملكة يهوذا، وسوق السبايا والأسرى والأطفال والرجال والنساء إلى بابل، فيما يسمى السبي البابلي، أو السبي الأول، والأمر نفسه قام به الرومان بعد الميلاد كما سيأتي إن شاء الله.
6. الطمع بخصوبة الأردن وتوفر مياهها العذبة، واعتبارها الجبهة الشرقية لفلسطين. فقد كانت الأردن في تلك الحقبة جنات تجري من تحتها الأنهار. وأن ما ورد من نصوص في كل من التوراة والقرآن الكريم لتدل على ذلك بدون منازع. وكانت مساحاتها مكسوّة بالأشجار البرية، والفواكه التي تنمو بشكل طبيعي، والأعشاب، وبالتالي مرعى هائلاً للمواشي، وخصباً للإنتاج الزراعي، وأن الخرائب العائدة إلى جميع الشعوب المتعاقبة، كما أن أسطح الصخور ووجود المستحاثّات ـ الحيوانات البحرية المتحجرة ـ في أراضي الجبال والوديان البرية في أطراف البادية ليدل على أن البحر كان يطمي هذه المنطقة.
إن الصخور الجرداء كانت ذات يوم مغطاة بالتربة والأشجار والأعشاب إلا أن عوامل التعرية الهوائية (الريح) والمائية (المطر) قد نقلت التراب إلى أماكن أخرى في الوديان، وربما في دلتا تلك الوديان التي كانت مجرى للسيول والأنهار في حينه، وعندما انحسر البحر ظهرت الأشجار والنباتات المختلفة، وتفجرت الينابيع، وقامت عليها قرى مستقرة بدائية، قامت عليها الامارات والممالك، وانتهينا إلى الصراع على هذه الأرض الاردنية الطيبة التي لطيبتها واهميتها تقود إلى الصراع عليها، وليس بمقدور أحد الاحتفاظ بها إلا إذا كان قويّاً قادراً على الدفاع، وصدّ الهجوم.
وبالإضافة إلى ذلك فإن الأردن كانت الجبهة الشرقية لفلسطين التي قامت بها دولة يهوذا، وبالتالي فإن الهاجس الأمني لدى هذه الدولة هو تأمين الأوضاع بالأردن من خلال الاحتلال أو الهدنة والصداقة، حتى لا تكون ممرّاً لأمم غازية ضد بني يهود، وقد حدث ما كانوا يأملونه أو يخافونه بمجيء نبوخذ نصر الذي يبدو أنه كان متحالفاً مع ملك عمون في حينه. وقد بقي الهاجس الأمني مهيمناً على الإسرائيليين في العصر الحديث، حيال الأردن أيضاً. وهم معنيون دائماً أن بوابة الأردن هي أخطر البوابات عليهم. لذلك فهي أرض المحشر والرباط ومنها يتم القضاء على اليهود.
من هنا فإن التوراة لم تغفل الأحداث في الأردن، ولا الأوضاع فيها، بل جاءت أحياناً تعطي تفصيلات لا نجدها إلا في التوراة في العصر الحاضر. ورغم اختلاف المؤرخين في تاريخ الخروج الإسرائيلي من مصر، إلا أنه ربما يكون في عام 1230 ق.م. وأن هذا التاريخ، إما أن يكون تاريخ الخروج وحينها يضاف إليه أربعون عاماً لإعطاء تاريخ بدء حركة عبورهم من خلال الأردن، أو أن العبور إلى الأردن كان في هذا التاريخ، وعلى كل حال ليس من الأهمية بمكان أن يكون دخولهم الأردن في هذا الوقت أو قبله أو بعده بأربعين سنة , وانما الاهمية للمبدا .
ورغم أن المؤرخين يذكرون خلوّ الأردن من السكان في هذه الفترة، إلا أن نصوص التوراة تنصف الأردن عند هذه النقطة أو تتحدث عن الممالك التي رفضت السماح لبني إسرائيل بالاجتياز/ العبور إلى أرض كنعان، وأن هذا العدد الهائل من السكان الأردنيين لا يمكن أن يوجد أو يتكاثر بين عشية وضحاها، بل لا بد وأن ذلك أخذ أجيالاً متعاقبة لتحقيق ما كان عليه الحال الموصوف في التوراة.
وإذا تحدثت التوراة عن حقيقة وهي وجود ممالك، وكل مملكة يرأسها ملك، فإن ذلك يعني وجود شعب وجيش، واعداد كبيرة من الناس، وسكان قادرين على الحفاظ على هويتهم واستمرارهم وحياتهم في زمن ليس فيه للضعيف مكان، وإنما الحياة والبقاء للأقوى والقانون للأقوى، وقد ذكرنا من خلال نصوص التوراة، في كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين، كيف كانت توجد الطريق السلطاني التي تخترق الأردن من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه مارة بجميع الممالك، وخادمة لها ولشعوبها، وربما كانت أيضاً طريقاً للتجارة الداخلية أو الخارجية. ولا نريد الحديث عن صراع بني إسرائيل مع سيحون ملك حشبون فقد أشبعناه بحثاً في جزء التاريخ السياسي للعشائر الأردنية، وأشرنا إليه في غير موقع من هذا الكتاب.
تتناقض التوراة عندما تقول مرة أن موسى طلب الإذن بالمرور مسلحاً عبر مملكة أدوم، وأنه طلب السماح له بابتياح الطعام والماء، ونحن نعرف أن موسى (تحديداً كان يحمل معه حجراً، وأينما حط رحاله ضربه بعصاه فتنفجر منه اثنتا عشر عيناً، كل سبط علم مورده ومشربه منها. إذن فإن الذي يطلب الإذن ليس موسى، وهذا دليل على أن موسى مات، لأن قضية الماء تحديداً كانت من أهم معجزات موسى عليه السلام، مع كثير ما أعطاه الله من معجزات وكرامات.
ويقول النص أنهم يطلبون من مملكتي مؤاب وحشبون أن يسمحوا لهم بالعبور والمرور وأن يبتاعوا الماء والغذاء، أسوة بما فعله الأدوميون: "كما فعل بي بنو عيسو الساكنون في سعير والمؤابيون الساكنون في عار (وهي ربة مؤاب أو الكرك)" وهذا النص يوحي بأنه عومل معاملة طيبة، وهو أمر غير صحيح لأن التوراة نفسها تتحدث أن بني إسرائيل تعاملت مع جميع قرى أدوم ومؤاب التي مرت بها بالقتل والإبادة والتشريد وأنهم قتلوا كل امرأة وطفل في المدن التي شاء سوء طالعها أن تسقط بأيديهم. كما أن عار نفسها قد لقيت التدمير على أيدي سيحون ملك حشبون قبل قدوم بني إسرائيل. وأصبحت خاوية على عروشها. فكيف ينطبق قولهم بتدميرها من قبل سيحون ثم يتحدثون عن أنها صارت مسكونة. أقول متناقضة، تدل على عدم صحّة الرواية برمّتها.
ورغم أن التوراة تتحدث عما ألحق الإسرائيليون من هزيمة منكرة بملك سيحون وإبادة مملكته، وأنها وجدت ممراً آمناً إلى فلسطين/ أرض كنعان، إلا أنها تتحدث عن حشد قوات مؤابية أدومية مديانية إلى الغرب من شيحون؟! ونحن نرى أن المنطق المعقول في الأمر في أن هذه الممالك الثلاثة، وهي مديان وأدوم ومؤاب قد أقامت تحالفاً عسكرياً بينها، وحشدت هذه القوات في الأراضي الوعرة المطلة على الغور لقطع الطريق على بني إسرائيل من أن يقوموا بحركة التفاف والسير بمحاذاة الغور والبحر الميت واحتلال المرتفعات الغربية لمؤاب وأدوم حتى العقبة أو حتى أراضي مديان الممتدة إلى الجنوب من رأس بحر القلزم. بالإضافة إلى وضع القوات الإسرائيلية بين فكي كماشة: الأراضي الوعرة شرقاً والبحر الميت غرباً والعمل على إبادتهم ثأراً بدماء أبناء عمهم الحشبوسيين، وتأديباً لهم كي لا تسوِّل لهم أنفسهم بالتطلع إلى احتلال الأردن.
أدت هذه الحشود التي كانت في أراضي صعبة الاجتياز، ويتعذر الهجوم عليها من القوات الإسرائيلية، أقول أدت ببني إسرائيل أن يذهبوا شمالاً إلى أراضي مملكة باشان Bashan الواسعة، وإلى سهول حوران ودرعا، حيث التقاهم الملك عوج ملك باشان على رأس قواته، إلا أن الأسلوب الوحشي الذي فعله بنو إسرائيل من قتلهم لأهل حسبان قد أوجد الرعب في قلوب أهل باشان Bashan حيث منيت قواتهم وعلى رأسها الملك عوج بالهزيمة المنكرة، شرع بعدها الإسرائيليون بقتل الإبادة للرجال والنساء والأطفال والعجزة والمعوقين وكل إنسان يتحرك.
من هنا طار خبر بني إسرائيل لدى شعب الممالك الأردنية وملوكها على أنهم شعب متوحش قاتل لا يعرف الرحمة، ولا المهادنة ولا المفاوضات، ويحتقر ما سواه من الشعوب. أقول أدى إلى صمت مطبق ساد الأردن وأهله، كما أن تحرك الإسرائيليين نحو الشمال قد وضع الأمان في قلوب ملوك مديان ومؤاب وأدوم فانسحبت قواتهم نحو المرتفعات الشرقية. واستغل الإسرائيليون هذا الانسحاب بعد انتصارهم على باشان Bashan ، وعادوا إلى غور الأردن المقابل لأريحا Jarico وهي الهدف الأول في بلاد كنعان التي كان عليهم أن يعبروا من خلالها، وليس من خلال أي مكان لأن ذلك كان أمر النهي أن يدخلوا من أريحا. ( قال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فاذا دخلتموه فانكم غالبون وعلى الله توكلوا ان كنتم مؤمنين ) . أما الرجلان فهم يوشع بن نون، وناداب (زوج مريم أخت النبي موسى بن عمران). والله أعلم. وهذا دليل آخر أن موسى النبي لا يمكن أن يأمر بقتل ملايين البشر من الحشبوسيين وهم أبرياء وبالتالي لم يكن موجوداً أصلاً في هذه الأحداث.
ونعود إلى هذه التعزيزات ـ الإسرائيلية، وتعزيزات تحالف الممالك الأردنية، حيث كان بولاق بن صفر هو ملك مؤاب آنذاك، وحيث استتب أمر الإسرائيليين مؤقتاً في شرق الأردن حتى نهر اليرموك بقضائهم على عوج Og ملك باشان. كان بالاق أو بولاق من صفر أو صفور Balaq Bin Safar أو Balaq Bin Safoor ملكاً يقظاً. حريصاً على بلاده ومملكته وشعبه وعرشه ونفسه كلها في آن واحد، وكان قد طارت نفسه رعباً وشعاعاً مما حققه الإسرائيليون في حروبهم مع ملك حشبون عندما سحقوه في معركتهم معه في ياجوز، في المناطق الشمالية من أراضي مملكة عمون التي كانت ضعيفة لدرجة أنها غير قادرة على مقاومة أحد إلا إذا انضمت بالتحالف إلى قوى أخرى.
استعد بولاق/ بالاق Bolaq/ Balaq للمعركة من خلال التحالف مع أدوم وملوك مديان باعتبارهم من جنس وعرق واحد وديار واحد وتحت خطر واحد وهو خطر بني إسرائيل. وعندما رأى الملوك أن بني إسرائيل مدعومين من السماء، وأن لديهم أنبياء قادرين على التنبؤ بالنتيجة من جهة، والدعم الروحي للجيش الإسرائيلي من جهة أخرى، وهذه قوة جديدة بالنسبة لملوك وثنيين تعتبر في زمنهم تفوقا عسكريا يتجاوز القدرة المعهودة للبشر والسلاح المتوفر . إذن لا بد من مجابهة أنبياء بني إسرائيل بأنبياء العرب الأردنيين، ولا بد من مواجهة دعم السماء للأعداءن بدعم السماء لتحالف الملوك الأردنيين.
وهنا وقع خيار الملوك على بلعام Balaam النبي الذي كان في مدينة بلعما إلى الشرق من جرش، وكان رجلاً صالحاً مستجاب الدعاء، فطلبه الملك بالاق Balaq ، والتقاه وسائر الملوك، وشرحوا له الأوضاع، وأن البلاد مهددة بالاحتلال، والشعب بالفناء والمواشي والثروات بالنهب والسلب، وأن الأرض ستكون غير الأرض والشعب غير الشعب. كان بلعام Balaam مشهوراً بحكمته واستجابة دعوته، إذ كان يحمل اسم الله الأعظم، وأتاه الله من الآيات ما جعله موضع احترام ومحبة شعب مؤاب، وربما عمون وحشبون، ولا شك أن بالاق Balaq لا بد وشرح له النتائج الكارثية على مملكة حشبون وأن الفناء سيكون نتيجة على الجميع بما فيهم بلعام ومدينته واهله .
تأمل بلعام طلب الملوك، وقال إن الرّب قد أمرني إلا ألعن بني إسرائيل بسبب ما فيهم من أنبياء، ولأن الله سبحانه يعجل لهم العقوبة في لحظة ارتكاب الخطيئة ليطهرهم من المجرمين والمنحرفين. ولكن بولاق ركّز على ما قام به هؤلاء من المذابح والنهب والسلب، وبالتالي فإنهم لو كانوا على درجة من الدين أو الأخلاق لما فعلوا ما فعلوا. كما أنهم غرباء على الوطن الذي يجب أن يبقى لأهله؟ وأن الأجيال التاريخية لن ترحم هؤلاء الملوك إن استسلموا للإسرائيليين، وأنه قد جهّز جيشاً لجباً/ كبيراً للدفاع عن البلاد وسحق العدو، ولكن لا بد من هزيمتهم روحياً أولاً، وهو ما يستطيعه نبي، ولا يقدر عليه جندي أو ملك.
قدم بولاق Bolaq هدايا لزوجة بلعام التي انضمت إلى بني قومها تطالب زوجها أن يقف مع الوطن وليس مع العقيدة، ومع شعبه وليس مع بني إسرائيل. وهنا اقتنع بلعام Balaam ، برأي الملوك والزوجة وطلب الذهاب إلى المرتفعات المقدسة، حيث رحّب الجميع بذلك، وساروا في موكب مهيب إلى قمة جبل مقدس لدى المؤابيين وهو جبل بعل وأعتقد أنه جبل نبو المطلّ على شونة تمرين ( حيث كان يعسكر الجيش الإسرائيلي في الغور هناك ) ، والذي يمكن رؤيته بالعين المجردة من قبل النبي والملوك والوفد المرافق لهم فوق تل نبو او اي من التلال المجاورة له.

طلب بلعام Balaam من بولاق Bolaq أن يبني سبعة مذابح وهي عبارة نًصًب dolms من الحجارة ووضعها في دائرة اختطها هذا النبي لتكون مقدّسة روحياً، وأن يضحي الملك ثوراً وكبشاً على كل مذبح من هذه المذابح السبعة، وهذه كانت سنّة لديهم في ذلك العصر. وعندما نفّذ الملك ذلك، طلب بلعام Balaam إليه أن يقف إلى جانب أضحيته، بينما يمضي هو إلى رابية مجاورة ليتلقى الوحي من الله سبحانه حول مدى الاستجابة أو عدمها، وحول ما عليه أن يفعله من خطوة تليها .
عاد بلعام Balaam حيث المذابح والملك وجميع رؤساء مؤاب وهم ينتظرون عودته، وهم بجانب المحروقات الأضاحي، فأخذ بلعام Balaam يبارك بني إسرائيل بدل أن يلعنهم كما كان منتظراً، لقد فوجئ النبي بنفسه وهو يجد لسانه ينطق بغير ما يريده قلبه وما هو في ذهنه. لذلك أمر بإعادة الاحتفال والأضاحي مرة أخرى وكان على قمة سباغة حيث الفرصة مواتية للعن الجيش الإسرائيلي الذي يمكن رؤيته ـ كما قلنا ـ بالعين المجردة في سهول شونة نمرين بغور الأردن الأوسط.
ومع هذا لم تَهِنْ عزيمة النبي، ولا عزيمة الملك كلاهما، وأمر بإعادة العملية للمرة الثالثة، وكانت النتيجة كما هي في الأولى والثانية، وهنا نفض بولاق Bolaq يده عن الموضوع، وتخلّى أيضاً عن فكرة محاربة الإسرائيليين باعتبار أنهم مدعومين من السماء التي ترفض دعمه هو ضدهم ، إلا أن ملوك المديانيين رفضوا هذا الرأي من بولاق Bolaq ، وقالوا: لقد قطعنا أياماً طويلة في المسير لنقاتل هذا الشعب قبل أن يقاتلنا، وتغزوه قبل أن يغزونا، وبذلك انفرط عقد الحلف بين الملوك الاردنيين ضد بني إسرائيل , عهلى طريقة تناثر العربان عندما يكون الغضب والرحيل هو الوسيلة البديلة عن الحوار وسماع الراي والراي الاخر .
كان المديانيون Mediyanyoon يمتدون جنوب مملكة أدوم، وكانوا على علاقة تحالف مع مؤاب وعمون. وأما علاقات مديان مع أدوم فكانت تتراوح بين السلم والحرب، والحب والغضب والتوحّد والتفرقة، حسبما تقتضي المصالح المؤقتة إلا أنهم كانوا على خط واحد وحلف واحد هذه المرة، بسبب وجود عدو استراتيجي مشترك وهم بنو إسرائيل، حيث نظر جميع الملوك إليهم (اليهود) على أنهم قوة غازية محتلة تحمل أطماعاً توسّعية، ومدعومة من السماء من خلال وجود أنبياء وكهنة فيهم .
وهنا تضطرب المعادلة، وينفرط عقد تحالف الملوك الاردنيين , ويتحرك كل ملك على هواه، وربما ضمن مخطط، حيث قام عجلون ملك مؤاب في هذه الفترة بالزحف على فلسطين يسانده ملوك مديان، حيث طردوا بني إسرائيل من غور الأردن، ومن شونة نمرين، وساقوهم إلى أرض كنعان عبر مخاضة الشونة الجنوبية، وصار الإسرائيليون في حيص بيص من أمرهم، فتحالفوا مع عمون لإخراجها من تحالف ملوك الأردن، لقاء الانسحاب من أراضي مملكة عمون طوعاً واختياراً، وتحالفوا أيضاً مع العمالقة الذين كانوا في جنوب فلسطين، وليس مع عمالقة شمال الأردن، ووجدوا أن قتل عجلون سينهي لهم ورطة قد تؤدي بهم إلى الإبادة الجماعية.
وحيث تعذر عليهم مواجهة قوات الملك الأردني المؤابي عجلون أرسلوا إليه من يقتله غيلة. وكان القوم إذا انهزم ملكهم أو لقي حتفه ولّوا هرباً، ولكن المؤابيين صمدوا للدفاع عن أنفسهم فوقعت مذبحة عظيمة بين الطرفين ولكن تحالف القوى الإسرائيلية تغلب على المؤابيين الذين تم طردهم من فلسطين، وعادت فلولهم إلى ديارهم في شرق الأردن.
إلا أن النصر الذي حققته القوات الإسرائيلية بقيادة جدعون على قوات مؤاب والملك عجلون قد قلب المعادلات من أولها إلى آخرها، إذ استثمر فوزه، وتوجه نحو قوات مديان التي كانت تتألف من المشاة والهجانة (أي فرسان الجمال Camels Riders ) وحيث كانوا يحاربون في أجواء غير مناسبة بالنسبة لهم، وبعيدة عن بلدانهم ومقرهم، وحيث ضعفت جبهة مؤاب بسبب مقتل ملكها عجلون واندحار من بقي من قواته، وحيث تحالفت عمون مع بني إسرائيل، فقد كان عليهم أن يهربوا، ولكن عمون رفضت السماح لهم بالمرور من أراضيها بسبب التحالف مع الإسرائيليين فاضطروا للتوجه شرقاً من الضفة الشمالية لنهر الزرقاء، رغم صعوبة الطريق على الإبل.
وجد المديانيون مؤازرة ومأوى من أهل دير علا الذين نصحوهم أن يسلكوا الضفة الشمالية لمجرى نهر الزرقاء الذي هو الحد الشمالي لمملكة عمون. فمرّوا بقرية برما التي قدمت المساعدة لهم، إلا أن جدعون وقواته كانوا في أعقابهم يريدون القضاء عليهم. وتقول التوراة (سفر القضاة الأصحاح السادس) أنهم( المديانيون ) ذهبوا إلى الجبيهة. ويبدو أنهم تجاوزوا إليها في حركة التفاف من وراء الزرقاء حيث ينبع نهر الزرقاء , مما يبيّن جهلهم بالمناطق، وانعدام الادلاء حيث تخلى عنهم الحلفاء , وهذا خطأ عسكري قاتل. ومن هناك أشرفوا على فلسطين يتنهدون زفرات الحزن والأسى، ويتطلعون إلى الصحراء من ورائهم لتكون ملاذاً امنا لهم، إذا ما اضْطُرّوا لمغادرة المكان.
اما قوات جدعون اليهودي فلم تعطي نفسا لقوات المديانيين ولم تمكنهم من إعادة التنظيم في الجبيهة وتحقيق نصر مناسب لهم على حساب مملكة عمون الضعيفة، بل لحق بهم جدعون وحاربهم واضطرهم للهروب إلى وادي السرحان. ورغم أن التوراة تتحدث عن ذبح ملوكهم الأربعة وأمرائهم بعد القبض عليهم في وادي السرحان إلا أن ذلك غير مقنع. إذ أن جدعون لا يمكن أن يوغل في الصحراء بعيدا عن ديار كنعان بحيث يسهل قطع خطوط الأعداء عليه في أرض وشعب وأجواء جميعهم أعداء له، وفي ظروف قد تتحرك مؤاب ولو بقليل من الجيش وتلحق به وتبيد قوات جدعون عن بكرة أبيها.
إن المقنع هو أن المعركة النهائية بين المديانيين والإسرائيليين كانت في منطقة الجبيهة، والأغلب أنها كانت في ياجوز المجاورة، حيث يمكن أن نتصور الجيشين وقد عسكر المديانيون على سيل ماء ياجوز القوي (آنذاك)، وعسكر الجيش الإسرائيلي على سيل الجبيهة الذي يقع إلى الغرب من شفا بدران ويحدّه من الشمال وينتهي إلى نهر الزرقاء، بينما ينتهي سيل ياجوز إلى الرصيفة وسيل عمان. ويمكن القول بطمأنينة أن المعركة وقعت، وأنها كانت لا غالب ولا مغلوب، بل جنَّ الليل على قتال، وأصبح الصباح وقد غادر المديانيون شرقاً إلى الصحراء للنجاة بأنفسهم، واعتبروا وجودهم في الجبيهة للاستراحة فقط، ليس إلا.ولكنهم اعتبروا استمرارهم فيها انتحارا ومذبحة وابادة او مخاطرة غير محمودة العواقب وذلك اضعف الايمان .
ولكن التوراة والأحداث، تذكر أن أسماء ملوك مديان في هذه الحرب، وهم: زبَحْ وسلمناع Zabah and Slimna وغراب Ghorab وذئب Dhieb . على أن جدعون قتلهم جميعاً وهذا بالنسبة لي ضرب من ضروب الخيال، وبطولات أسطورية تبدو أبعد ما تكون عن الحقيقة، وعاد المديانيون إلى بلادهم الممتدة من رم والديسة وحسمى نحو الجنوب.
قد يكون من المناسب القول هنا ان المديانيين هم ابناء واحفاد المؤمنين من قوم شعيب من قبيلة جذام من اهل مدين ومن الذين لم يصبهم العذاب . وقد هاجروا الى الجنوب وحملوا اسمهم بلفظ اخر : من مدين الى مديان ومديانيين , وقد تاسست مملكتهم الجديدة بهذا الاسم ( مديان ) على الاراضي الممتدة من العلا ومدائن صالح وتبوك وينبع جنوبا وسواحل البحر الامر الى الحدود مع ادوم شمالا . ورغم بعدهم مكانا عن ممالك الاردن , الا انهم بقوا على حبهم واخلاصهم لهذه الديار والوقوف مع ملوك الاردن وشعبه ضد اي خطر خارجي وبخاصة الخطر الاسرائيلي . لذلك اقتضى التنويه .
في هذه الأثناء افاقت عمون من غفوتها، ونهضت من كبوتها، فوجدت أن التحالف مع بني إسرائيل ضد بني جلدتهم ووطنهم ولغتهم أمر مشين معيب . وفي صحوة من الضمير الوطني والقومي بدأوا يشنون الغارات على الإسرائيليين النازلين في بلادهم والذين كما هي عادتهم، نكثوا عهودهم بعدم الانسحاب من الديار العمونية. وبالفعل حققوا شيئاً من النجاح، ومع هذا لم ينسحب الإسرائيليون رغم شدة هجمات العصابات العمونية عليهم في غور الأردن. وكان زعيم إسرائيل في هذه الفترة هو يفتاح، Yaftah الذي رفض طلب العمونيين بإعادة الأراضي العمونية لأهلها.
كان لا بد من المواجهة، فالعمونيون توّاقون لتحرير بلادهم، والإسرائيليون مُصرّون على البقاء في الديار العمونية، فكانت المعركة بين الطرفين، وكانت النتيجة أن نكص العمونيون على أعقابهم، وتوسع الإسرائيليون في أراضي عمون حتى حسبان في المرتفعات الأردنية الشرقية. وراح ملوك عمون يبنون جيشهم ويعدّون العدّة للتحرير. حتى كان ما كان منهم من مهاجمة سكان وادي اليابس شمال الأردن واستنجاد أولئك بشاؤول زعيم إسرائيل الذي هزم العمونيين مرة اخرى وقتل ناحاش Nahash ملك عمون القوي آنذاك. ومع هذا لم تكن هزيمة بسبب القوة وإنما بسبب الخديعة. وأما بقية الأحداث فأشرنا إليها ضمن الحديث عن العمونيين في الباب الثاني من هذا المجلد.
أما وأن الشيء بالشيء يذكر، فإنه عندما صارت الأمور في المملكة اليهودية إلى صراع بين داود وشاؤول، لجأ الأول إلى شرق الأردن، وطلب حماية الممالك منها عمون، ومؤاب وأدوم، فارّاً من وجه شاؤول. وعندما انتصر داود بمؤازرة من الممالك الأردنية واعتلى العرش، تقول التوراة أنه غدر بمن آووه ونصروه وأيدوه، وأنه قد انتزع الاراضي من أهل الأردن التي كانت ملاذاً آمناً وعشّاً هانئاً له.
وإذا صحّت أقوال التوراة، ولا أظنها كذلك، فإن داود قام بالاعتداء على الممالك التي أوته، حيث أسند إلى القائد يؤاب Yo'ab أن يتصدى للأدوميين الذين هاجموا جنوب فلسطين وهو الجزء المحاذي لأراضي مملكتهم، بهدف التوسع فيه. وتقول التوراة أن يؤاب طارد الأدوميين وقتل كل ذكر وقع تحت يديه. أما الأمير الأدومي الصغير هدد الثالث Hadad III فقد فرّ بروحه إلى فرعون مصر الذي استقبله أحسن استقبال، ومنحه بيتاً ومزرعة وحياة هانئة، ثم زوجه من أخت الملكة، حتى إذا ما اشتدّ ساعده وعوده عاد إلى بلده بصيرا ليقود حرب التحرير ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقد حالفه النجاح والفلاح في ذلك.
وتقول التوراة أن داود أخضع مؤاب، وهو كلام ليس عليه دليل، وإنما هو في رأينا من الإسرائيليات، ذلك أن الحرب كانت سجالا بين احتلال واندحار، ونصر وهزيمة، ولكن التوراة تدوِّن دائماً ما هو في صالح بني إسرائيل على حساب الآخرين دائماً وعلى حساب الحقيقة . ولا نريد أن نكرر ما سبق وذكرناه حول علاقة داود مع عمون من حرب ومودة، فقد جئنا على ذلك في الحديث عن العمونيين.
لم تكن سيطرة داود على الأردن سيطرة كاملة ، ذلك أنه عندما توفي عام 960 ق.م. استطاعت مملكة الأدوميين أن تستعيد قدراً من الاستقلال عن الهيمنة الإسرائيلية، وكان للملك هدد الثالث Hadad III دور في توعية شعبه ونهضته للثورة ضد الغزاة المحتلين.
ما إن وافت داود المنية عام 960 ق.م. حتى نهضت أدوم واستعادت أنفاسها بقيادة الملك هدد الثالث Hadad III الذي صار يحكم بلاده مرة أخرى برغبة جامحة من شعبه، باعتباره منقذاً وطنياً لما وصلت إليه حالهم ومملكتهم. ونهضت الممالك الأردنية الأخرى، فوجد الملك سليمان ( خليفة داود ) نفسه أمام صحوة أردنية قد تتطور إلى تحالف قوي يمزِّق مملكته إرباً إرباً، فما كان منه إلا وتعامل بنعومة مع الأمر الواقع الجديد، والصحوة الوطنية، فاتخذ من أميرات عربيات أردنيات زوجات له، من أدوم ومؤاب وعمون، وكانت زوجته العمونية ابنة للملك حانون بن ناحاش.كان زواجا سياسيا بكل مافي الكلمة من معنى .
اتجه سليمان نحو صهر النحاس في عصيون جابر، وصار المصنع في نقطة تهب عليها الرياح من وادي عربة في أقصى قوة وسرعة لها لتشعل نيران الأفران، وتم جلب النحاس من وادي فينان من أراضي أدوم إلى الغرب من ظانا، في وادي عربة، ومع صهر النحاس، كان هناك صنع للفخار أيضاً، ولكن نوعية ومصنعية هذا الفخار هنا يختلف عما كان مألوفاً في فلسطين، وإنما متطابق مع ما هو عليه الحال في الحجاز واليمن وجزيرة العرب حيث كانت العلاقات التجارية مستمرة لم تتوقف بسبب الحروب، بل إن التجارة قد تزدهر وقت الحرب للحاجة الملحّة لعناصر معينة قد لا يحتاجها الناس في أيام السلم.
استمرت الحياة قائمة على الزراعة والرعاية كعماد لاقتصاد الممالك الأردنية، واستمرت كل مملكة في بناء ذاتها للدفاع عن نفسها أمام الخطر اليهودي زمن الملك سليمان الذي أوتي من الله قدرات خارقة وتحكم في الأنس والجن والطير والشياطين، مما جعله واسع الثراء والملك، ولديه جيش علني من الجنود، وخفي من الجن والشياطين، فضلاً عما أتاه الله من الصلاحيات في الإنفاق والقتل والأسر والفداء، وإطلاق السّراح كيف يشاء .
استمرت هيبة سليمان مهيمنة على ملوك الأردن لمدة ثلاثين عاماً عندما خرّ صريعاً وهو واقف يتوكأ على عصاه، وإذا به ميث دون علم الجن والإنس بذلك ، وكان موته عام 931 ق.م. حيث انقسمت مملكته على أثر وفاته إلى مملكتين هما: يهوذا وإسرائيل، مما سهّل الامر على الملوك الأردنيين، وبخاصة أن المملكتين كانتا في صراع عنيف.
بنى يوشافاط Yushfat ملك يهوذا أسطولاً في عصيون جابر، وانتهى إلى دمار عندما هبّت عليه عاصفة لم تبقي منه شيئاً ولم تَذَر. وأما الكارثة الثانية التي أصابت هذه المملكة وعاصمتها القدس، فهي هجوم التحالف العموني المؤابي الذين قتلوا من اليهود مقتلة عظيمة، ولكن الخدع الإسرائيلية وقعت الفتنة بين المتحالفين، فصار الاقتتال بينهم بدلاً من أن يتواصل ضد الإسرائيليين الذين كان همهم سلب ما لدى القتلى من سلاح ومال ومتاع.
وبلغ من قوة الممالك الأردنية، بحيث صارت مملكة بني إسرائيل تفكر طويلاً قبل أن تتجاوز الوادي أو النهر إليها. ونجد النبي أرميا يشير بحقد بالغ إلى أدوم وذلك في الأصحاح التاسع والأربعين والعدد السادس عشر مخاطباً أدوم بقوله: "قد غرّك تخويفك كبرياء قلبك يا ساكن في محاجي الصخر الماسك مرتفع الأكمة، وإن رفعتَ كَنَسْرٍ عِشَّكَ مَن هناك أُمْدِرُكِ يقول الربّ"، وقد اشتهرت الأردن عبر التاريخ بالحنطة والشعير والمراعي والخصبة والكروم.
ولو صدّقنا ما أوردته التوراة من أعداد المواشي الغنائم في الحروب سواء أكانت من مملكة إسرائيل ويهوذا أو كانت منهما معا ا، فإن الأرقام تبدو عالية حيث ورد عندهم أنه عندما افتتح موسى مملكة مديان سلب منها 675000 ألف رأس معز و73000 ثور و61000 حمار ونحن نرى أن موسى لم يعش إلى الوقت الذي تحركت فيه بنو إسرائيل نحو عبور الأردن. حيث منعهم الأدوميون، فمالوا إلى مملكة مديان بقيادة ميشع وليس بقيادة موسى الذي مات وبنو إسرائيل في التيه، بغض النظر عن مكان دفنه، لأنه نبي وله كرامة، وكما سبق وقلنا لا بد أن الله سبحانه وتعالى كشف له أرض كنعان المقدسة، ولا تناقض أو خلاف بين ما نرى ووقوفه على صياغة، لأن وقوفه كان بطلبه من الله سبحانه، فاستجاب له سبحانه حتى إذا ما رأى رؤياه الأخير انتقل إلى الرفيق الأعلى وقومه لا زالوا في التيه. هذا رأينا. والله أعلم.
ثم نعود إلى عدد المكسوبات أو المنهوبات من مديان، فلو صحّ هذا، فإن ذلك يعني أن جانباً كبيراً من ثروة المديانيين ذهبت من أيديهم، وهذه تحتاج إلى مياه للشرب ومراعي واسعة، ورعاية كبيرة، فضلاً عن أنها جذابة للأعداء الذين لا بد وتنفتح شهيتهم لهذه القطعان التي يشق غبارها عنان السماء.
ولو أخذنا هذا الرقم كحقيقة، فإن ذلك يعني الثروة الهائلة التي كانت عليها مملكة مديان، وأن البلاد كانت ماطرة، مكسوّة بالأشجار والأعشاب، وأن المياه متوفرة في ينابيع ومسيلات في كل ركن وزاوية. كما أن ذلك يرتبط بما كان عليه رعاة أدوم من ثروة حيوانية كانوا يتحركون بها إلى المناطق الشرقية من مصر حيث الماء والكلأ وكانوا يتحركون عندما تضيق بهم البلاد، وتصعب الحياة.
وبعد ذلك بأكثر من سبعة قرون نجد التوراة تتحدث عن أمر مشابه لدى مؤاب، إذ تتحدث عن أن ميشع ملك مؤاب يملك عدداً هائلاً من المواشي كان مجموع ما أعطى منها إلى ملك إسرائيل قبل تحرير بلاده من الاحتلال الإسرائيلي، مائة ألف خروف. ومائة ألف كبش، كما خسر أهل جلعاد خمسين ألف رأس من الجمال، ومائتين وخمسين ألف رأس من المعز وألفي حمار في حرب لم ينتصروا فيها، وإنما كانت ما بين مملكة عمون ومملكة يهوذا كما سبق وقلنا.
وبمناقشة هذه الأرقام نجد أنفسنا أمام أحد أمرين:
1. إنه رقم مبالغ فيه، وذلك لأن التوراة تمتدح بني إسرائيل من خلال تضخيم قدرة العدو وثروته، وأن مملكة لديها مثل هذه الثروة لا بد وتكون قوية، وبالتالي فإن المنتصر يجب أن يكون أقوى منها، وأنا أميل إلى الرأي الذي يرى مبالغة كبيرة في هذا الرقم.
2. أن يكون رقماً حقيقياً، حينها يدل هذا على ثروة هائلة لأهل البلاد، وخصب وتوفر للماء والكلأ بما يفوق تصوّرنا الآن، فإذا كان هذا الرقم هو مقدار ما تم دفعه لبني إسرائيل أو سلبه من قبلهم، فإن ذلك يعني أن ما بقي يساوي أضعافاً مضاعفة عدداً ونوعاً، وبالتالي يعني ثروة هائلة تجعلنا نتصوّر الإنتاج الحيواني في قمّته وذروته، ونستطيع أن نتصوّر تصدير المنتجات الحيوانية من السمن واللبن الناشف والجلود، والمصارين الجافة التي تستخدم في صناعة السفن والدروع والأحذية والملابس والحلي في ذلك العصر. ونستطيع أن نتخيل أن الإنتاج الحيواني الأردني كان عماد هذه الصناعات في فلسطين وأوروبا وآسيا الصغرى وأن كثرة الخرائب التي لا زال كثير منها قائماً ليدل على خيرات البلاد القديمة.
3. وفي الحالتين فإن ذلك دليل على خيرات الأردن، وهذا ما ذكره بيركهارت في كتابة: رحلات في سوريا والبلاد المقدسة، عام 1812، وكذلك ما كتبه ترتسترام عام 1872 في كتابه: أرض مؤاب حيث كانت فكرتهم المسبقة قبل دخولهم الديار الأردنية محوطة بالضبابية في أنها بلاد قاحلة وأنها لا سكان فيها، ولا أهل لها، وعندما دخلوها وجدوها بلاداً خصبة خضراء ذات مياه سطحية وجوفية , اهلة بالسكان وملئية بالقطعان ومزروعة بانواع الحبوب , ومياهها كثيرة وينابيعها غزيرة . واهلها كرماء .
كانت جلعاد والتي تشمل الأراضي الأردنية من وادي شعيب إلى نهر اليرموك، وتنتهي غرباً إلى نهر الأردن، وشرقاً إلى سيف البادية، أي إلى بدء امتداد السهول المتصلة بالمرتفعات الشرقية. وكانت هذه الديار مليئة بالريحان والمرّ المكّاوي وهو البعيثران وهو الآن شجر صحراوي يستخدم للتطبيب والدواء، وهو من ضمن عقاقير الطب المصري، وبذلك كانت القوافل التجارية تنقل البعيثرات من الأردن إلى مصر كدواء وجزء من عناصر التحنيط، وقد ذكر ذلك سفر التكوين في الأصحاح السابع والثلاثين والعدد 25.
لم تكن المنتجات الأردنية البرية من الأعشاب والعسل البري , أقول لم تكن وحدها التي تحملها القوافل إلى مصر، بل كانت الأردن ممرّاً ومحطّة للتجارة القادمة من الهند واليمن والحجاز، حيث تنتهي هذه إلى مصر وبلاد كنعان (فلسطين) وآسيا الصغرى، وبالتالي إلى اليونان التي كانت مركز الحضارة الأوروبية، والتي أدى تصدير البضائع إليها إلى اجتذابها إلى سحر الشرق، حيث أن الأردن هو بوابة الشرق عبر البادية والصحراء والسلسلة الجبلية (الحجاز) والبحر (العقبة).
أدى العمل بالتجارة إلى الاستقرار والثروة، وبالتالي تفرّغ الناس إلى تربية المواشي، واستطاعت دول مديان وأدوم ومؤاب وعمون وباشان منع الغزوات الداخلية بين أبناء رعية كل مملكة، أو بين رعية مملكة وأخرى، وأقيمت القرى التي ذكرها القرآن الكريم وأشرنا إليها في الباب الأول، كما أن البدو انشغلوا في التجارة بدلاً من الغزو، حيث وجدوها (أي التجارة) أكثر جدوى ومالاً وسلامة من الغزو الذي يتعرض فيه الشخص لخطر القتل والنهب منه، كما يمكن أن يكون قاتلاً أو ناهباً، وهو خاسر في كليهما ورابح في التجارة تحت كل الظروف.
ولكن هذه الخطوط انقطعت بعد سقوط البتراء وظهور تدمر كما سبق وقلنا. وكانت هناك خطوط اتصال أردنية / مصرية ليس بسبب التجارة والرعاية فحسب، بل وأيضاً بسبب استخراج المعادن من مناجمها بالأردن . وإذا كان لا بد من إلقاء الضوء على مصر، فإن حكم السلالة الأول بدأت بحكم مصر في حوالي 3400 ق.م. وانتهت أن اعتلى أحمس الأول أول ملوك الثامنة عشرة عرش المملكة المصرية سنة 1850 ق.م وقد كان في بلادهم من الخيرات ما جعلهم ينشغلون إلى حمايتها وبنائها، وعدم التطلع إلى بلدان أخرى فلم يخرجوا من وادي النيل، لكنهم تطلعوا إلى المناجم الأردنية في وادي عربة، حيث استخرجوا النحاس في وادي فينون/ فينان Faynoon/ Faynan كما كانوا يستخرجون النحاس من سيناء (3400-2980 ق.م)، والنحاس من وادي عربة وادي فينان Faynan أيضاً.
وقد ذكر سفر الأعداد/ الأصحاح 33، والعدد الأصحاح 42 فينون/ فينان Faynoon/ Faynan ، حيث تم العثور على أدوات نحاسية عديدة، وبقايا مستعمرة مصرية كانت مسكناً للعمال والمهندسين الذين كانت مهمتهم استخراج النحاس وحمله إلى مصر عبر البحر/ خليج العقبة/، والبر على الجمال والحمير، ويقول المؤرخ يوسيبوس سيزاريا Eusebius Ceasaria (260-360 ب.م) أن الحكومات المصرية القديمة كانت ترسل المجرمين من سجونها إلى هذه المستعمرات، في وادي فينان ليقوموا بعملية التنقيب عن النحاس. وقد قام الرومان باستغلال هذا الوادي فيما بعد أيضاً. ولا زالت آثار القرى القديمة والمناجم وأفران الصهر ظاهرة إلى الآن، وأن غطتها الرمال والغبار، وقد رأيتها بنفسي عام 1972 عندما مررت بها قادماً من الطفيلة/ ظانا إلى فينان ثم إلى وادي عربة ثم باتجاه الشمال.
وفي فترات متعددة كانت سنوات المحل/ القحط تغشى الأردن، فيضطر بدو مملكتي أدوم ومديان أن يتحركوا نحو شرقي الدلتا، ويغيرون عليها ليأخذوا حاجاتهم بالنهب والسلب وليس بالتبادل والتجارة، ومثل هذا التصرف أثار ملوك مصر الذين كان عليهم حماية رعاياهم، مما اضطر معه الفرعون بيب الأول Bieb I (2560 ق.م) ثم الفرعون سيزوستريس Ceazostries الثالث الى شن حملات متعددة لمحاربة هؤلاء البدو الاردنيين ، ومنعهم من الغارات على الدلتا. وكانت الجيوش المصرية تطاردهم حتى يدخلون بلادهم في وادي عربة وجبال الشراة، ثم تعود هذه الجيوش، كدليل أن القوات الأدومية والمديانية كانت من المدى بحيث كان الفراعنة يفضلون عدم خوض حروب معها، ذلك أن بلادهم وعرة، وأنها صعبة للقتال بالنسبة للمصريين الذين اعتادوا الحياة في بلاد سهلية كثيرة المياه طيبة المناخ، وافرة الإنتاج.
ولم تؤثر هذه الغارات المصرية على الطرق التجارية بين الأردن ومصر، التي بقيت مستمرة، حيث ذكرت المصادر التاريخية أن سينوح Sienoh أحد القادة المصريين غادر بلاده بعد موت الفرعون المصري أمنحوتب (سنة 1970ق.م) فأتى القائد المصري إلى الأردن للراحة والاستجمام والحماية، ولا شك أنه كان معروفاً لدى ملوك أدوم ومديان بحيث أقام ضيفاً في بلاط أحدهما، ما رغب أن يبقى، حيث مكث حوالي سنتين غادرها بعد ذلك إلى فلسطين ( Olmsted: History of Palestine and Syria, 1931, P.85 ).
كان المصريون مهتمون بخمس نقاط من طرف الجبهة الأردنية:
1. استمرار استخراج النحاس وعدم منعه أو توقيفه، وهذا الذي بقي مستمراً، ولا بد أنه تمّ بموجب اتفاقية مصرية مع بين الحوريين، ثم مع الأدوميين من , ذلك أن هذه المنطقة تقع ضمن أراضي الادوميين التي انتزعزها من الحوريين ، ويبدو أن أساس الأمر أن الاردنيين استخرجوا النحاس وصدّروه إلى هناك حيث عرف المصريون بذلك فصاروا يقومون بالمهمة جنباً إلى جنب مع المملكة الأردنية الأدومية بموجب اتفاقية معينة. إذ يتعذر على مصر أن تستخرج هذا المعدن الهام من الأراضي الأردنية، بدون موافقة الدولة صاحبة السيادة في حينه. , كما ان مدى الحاجة اليه لاتستوجب حروبا على الاردن , لان الاتفاقيات كانت تحقق الاهداف بكل سهولة وسلام .
2. استمرار تصدير البعيثرات (المر المكاوي) للتحنيط، والإنتاج الحيواني وكان هذا وافراً ولا غبار عليه.
3. عدم الغارات البدوية الأردنية على الأراضي المصرية، وعندما تجاوز البدو حدودهم قام الجيش المصري بقيادة الفرعون بطردهم كما ذكرنا دون ان يلجأ الى الابادة او الاحتلال والبقاء في الارض الاردنية . بل درء الشر فقط .
4. الوئام مع الممالك الأردنية، ومن دلالته مجيء القائد المصري إلى البلاط الأدومي أو المدياني معززا مكرما ولمدة سنتين , وذهاب الأمير هدد الثالث Hadad III الأدومي إلى البلاط الفرعوني، وإقامته مُعَزَّزاً مكرّماً هناك وزواجه من أخت الملكة التي رافقته إلى بصيرا لتكون ملكة على أدوم أو زوجة الملك الأدومي، سمِّها ما شئت.
5. ضمان الحفاظ على الطرق التجارية المؤدية إلى مصر، للحاجة القومية لهذه التجارة، حتى إذا ما تعرّضت مواصلات مصر/ سوريا للخطر في منطقة جلعاد/ في شمال الأردن، أغار ملوك السلالة الثامنة عشرة على منطقة عجلون لضمان خط المواصلات الواصل بين مصر وسوريا.
وما دام الشيء بالشيء يذكر فإنه قد وردت أسماء مناطق أردنية في سجلات الفرعون المصري تحتموس الثالث Tahtamoos III التي تم اكتشافها في طيبة Tiebah ، أما أسماء الأماكن الأردنية فهي موجودة في اراضي مملكتي مؤاب وعمون. أما السجلات الملكية المصرية التي كتبت في عهد أخناتون Akhnatoon (375-358ق.م), والتي تم اكتشافها في تل العمارنة Tell Al-Amarnah ، قد ذكرت ثلاثة أماكن أردنية هي:
1. وادي اليابس في جلعاد، أي في مملكة باشان، في محافظة عجلون، وقد تبيّن من هذه الوثائق أن الفرعون عهد إلى قائد عسكري لإدارة هذه المنطقة لضمان خطوط المواصلات مع سوريا شومال الاردن وحوران ( حيث الحبوب ) ، وعدم ظهور ثوار قد يخلعون الهيمنة المصرية. ومع هذا وجد هذا القائد مقاومة وتمرّدوا اضطر معه إلى طلب الإمداد من سيده الفرعون. وحيث عجز الفرعون عن تلبية الطلب، أو رغبة منه في عدم خوض معركة استنزاف مع الأردنيين، فقد ترك قائده إلى مصيره الذي كان القتل على أيدي أهل عجلون
2. المكان الثاني هو أدومو Adomo مملكة أدوم الأردنية وهي الأقرب إلى مصر من الممالك الأردنية.
3. المكان الثالث هو نهر الزرقاء المسمى في الوثائق المصرية باسم صارقي Sarqi .4
4. كان الأردن إذن ملاذاً للقادة المصريين عندما يحتدم الصراع بينهم، كما كان بين حين وآخر مصدر إزعاج للمملكة المصرية، وكما قلنا من قبل فإن الأردن هي مصدر إزعاج لجميع الملوك المصريين عبر التاريخ. وكما أن الطريق التجاري الأردني المصري كان واضحاً ومكتملاً عام 2000 ق.م.وقد كانت الاردن ملاذا امنا لامراء وملوك وقادة مصر عبر التاريخ وهذا ماسنجده من لجوء امراء المماليك اليها طلبا للحماية والراحة والاعداد لاستعادة العرش او الامارة .
ثم نعود إلى عبور بني إسرائيل، وقد سار ذلك على مرحلتين:
1. الأولى قبل التيه، حيث أرسل موسى عليه السلام رسله إلى الممالك الأردنية والكنعانية (الفلسطينية فيما بعد) للسماح له بالمرور، ضمن أخلاق النبي على ألا يقاتل أحداً إلا دفاعاً عن النفس والعقيدة والأمة، وكان أمامه ثلاث خيارات: الأول من جنوب بلاد كنعان ( فلسطين / جهة بير السبع ) حيث وجد مقاومة شديدة، ودولة قادرة على التصدي لها، وبخاصة أنها (دولة كنعان) كانت وأرضها مستهدفة بالإطاحة والاحتلال وربما الإبادة. لذلك كانت القضية بالنسبة للكنعانيين قضية حياة أو موت، ولا زال في ذاكرتهم مجيء إبراهيم عليه السلام وإقامتة في أورسالم. أي بيت السلام وهي بيت المقدس، في مكان كان أصلاً مقدساً عند الكنعانيين، وكذلك عند سائر الأديان والأجيال والأعراق من قبل وفيما بعد الى يوم الدين .
ونستطيع أن نستشف من النص التوراتي أن دولة كنعان قد وضعت خطاً من الجيش للدفاع عن بلادها، لم تكن بنو إسرائيل قد تعافت من مذلتها ومهانتها تحت وطأة حكم فرعون، فضلاً عن توّرطهم في عبادة العجل بدلاً من عبادة الله سبحانه، وغضب اللهسبانه عليهم , وغضب موسى عليهم، وهذا ما ذكره القرآن الكريم بكل صراحة ووضوح.
وجد موسى وهو ينظر بحسِّ القائد وحدسه أنه لا يستطيع خوض حرب مع الكنعانيين والأردنيين، لأن نسبة المؤمنين بالله من قومه كانت نسبة قليلة، ولأنهم متخاذلون في القتال، وكلما دعاهم إلى ذلك قالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، وبالتالي لم يكن لديه في الحقيقة جيش يستطيع أن يخترق به أية جبهة من الجبهتين الأردنية والكنعانية. من هنا كظم غيظه وراح ينتظر أوامر الله سبحانه الذي قدّر بحكمته أن يتيه بنو إسرائيل في صحراء سيناء، وبعض مناطق أدوم في وادي عربة، لمدة أربعين سنة أبيد فيها هذا الجيل المتخاذل الذي رضع الذلة والمهانة مع حليب أمه تحت حكم فرعون , ولم يبق من ذلك الجيل إلا رجلان هما ميشع وكالب/ أو ناداب زوج مريم أخت موسى عليه الصلاة والسلام.كما ان الموت جاء على هارون اثناء التيه وعلى موسى كذلك مع خلاف في الروايات لاتعنينا
2. بعد التيه : أي بعد أربعين سنة من بدء عبادتهم للعجل وكفرهم بالله سبحانه حيث لقي الجيل كله مصرعه كما قلنا توا ، وظهر جيل جديد، وبالتالي فإن الذي أرسل الرسائل الجديدة للعبور ليس موسى، لأنه يكون قد انتقل إلى الرفيق الأعلى. كما أن السائد في التوراة ولدى المؤرخين أنهم لا يعطون أهمية للأربعين سنة التي أعطاها القرآن الكريم. مما يجعلنا في وضع لا يتفق مع مايرونه في مجريات الزمن والحقيقة. لذا فإن الرسائل التي كانت من موسى كانت قبل التيه، وكان الانقطاع كافياً للممالك الاردنية للتجنيد والتدريب لقوات مديانية، وأدومية ومؤابية، وهم يرقبون ما يجري لبني إسرائيل، ويصلهم عبر القوافل والرعاة.
ولا شك أن هذه كانت استراحة وفسحة زمنية لم تكن في الحسبان لهذه الممالك للاستعداد، لذلك لم يستطع بنو إسرائيل اختراقها إلا في نقطة الضعف وهي أراضي مملكة حشبون، حيث كان ملك حشبون مصاب بالغرور لما حققه من انتصارات على الادوميين والعمونيين , فتركوه يواحه مصيره بنفسه وانتهى الى قتل وابادة شعبه كما سبق وذكرنا. وذكرت التوراة أيضاً . وإذا كان الخلط في هذا واضح في الكتابات والتاريخ عند المفسصرين والمؤرخين ، فهو بالنسبة لي واضح في أن موسى عليه كان موجوداً قبل التيه، ولم يكن موجوداً بعد التيه. وكان يوشع هو الذي يقود بني إسرائيل باعتباره أحد تلاميذ موسى، وصار نبيّاً يوحى إليه، فضلاً عن كونه قائداً عسكرياً، كان مؤمناً بموسى منذ كان موسى يصارع فرعون إلى الوقت الذي آلت إليه قيادة بني إسرائيل للنجاة من فرعون , ومن ثم لمحاولة العبور إلى أرض كنعان عبر الاردن وليس عبر جنوب ارض كنعان .
وقد سبق وقلنا أن بني إسرائيل حاولوا العبور من جنوب بلاد كنعان، إلا أنهم وجدوا جيشاً ومقاومة للأسباب المذكورة أعلاه، باعتبارهم (الكنعانيون) مستهدفون بالقتل والتشريد والاحتلال، وربما الإبادة. ثم حاولوا الاستئذان من مملكة أدوم التي كانت تبسط سلطانها على وادي عربة بجانبيه الشرقي والغربي، ولا بد أنه كان وافر الماء والكلأ والأشجار، وبالتالي كانت الرحلة عبرة سهلة للوصول إلى أريحا. إلا أن الأدوميين رفضوا ذلك.
ومن خلال المقاومة الكنعانية والأدومية والمؤابية، يتبيّن أن بني إسرائيل لم يكونوا يملكون العصا السحرية التي هي معجزة موسى لأنه التحق بالرفيق الأعلى، وأنهم أيضاً، ورغم إبادة الجيل الخانع المتخاذل، فإن الجيل الجديد لا زال جباناً خائفاً مرعوباً من خلال ما سمعه من روايات البطش الفرعوني والعقاب الالهي . لذك فقد كانوا يقومون بإبادة الشعوب الذين يقعون تحت سيطرتهم ولا يعرفون الأسر أو العفو، أو مقاتلة الرجال وحدهم بل يقتلون الطفل قبل أمه وأبيه، والمرأة قبل زوجها، والزوج قبل الجندي الذي يقتلونه بدم بارد، وهم يمتلئون غيظاً وحقداً على سائر شعوب البشرية , وأن كتب التاريخ الاسرائيلية والتوراة تشير إلى ذلك صراحة، فضلا عما يمكن استنتاجه من مجريات الأحداث، ومن بين ثنايا النصوص.
أمام ذلك وجد بنوا إسرائيل طريقاً ما بين مملكتي أدوم ومديان، وهي وادي اليتم ثم إلى باير، ثم إلى الجفر ثم إلى الأزرق، وإن اختلفت الروايات، وبذلك سلكوا سبيلاً بعيداً عن أنظار الأدوميين والمؤابيين والمديانيين، وعن أراضيهم، وعن متناول جيشهم، حتى وصلوا الى الحلقة الاضعف في هذه الممالك , وهي مملكة حشبون حيث تبدأ الأحداث حسب نصوص التوراة بالإبادة الجماعية الكاملة لسكان هذه المملكة الأردنية.ولولا عداوة ملك حشبون لجيرانه الملوك الاردنيين لما انفرد به بنو اسرائيل ولكان مجرى التاريخ على غير هذا الذي رايناه .
وتقول التوراة أن موسى وصل بقومه إلى وادي أرنون الموجب الذي كان حسب قولها الحد الفاصل بين الأموريين (الحشبوسيين) والمؤابيين. ونحن نرى عكس ذلك تماماً. وهو أن موسى لم يكن على رأس بني إسرائيل عند دخولهم الأردن. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المجيء إلى وادي الموجب كان متعذِّراً على بني إسرائيل الوصول إليه. كما أن مملكة حشبون الأمورية الأردنية قد توسَّعت على حساب مؤاب وعمون بفضل شجاعة ملكها سيحون، لكنها لم تصل إلى الموجب في حدودها، بل بقيت في ذيبان، وإن التوسع الأموري لم يتجاوز ديبون ، وبقيت الأراضي الى الجنوب من ممتلكات مؤاب التي انتقلت عاصمتها من ديبون (ذيبان Deban ) إلى ربة مؤاب Rabbet Moab ثم إلى قير حارسة Gayr Harsah أي الكرك.
ونحن نرى أن ملك سيحون أراد أن تكون المعركة خارج حدود مملكته طمعاً منه في دفع الضرر عن الممتلكات والثروات والشعب، فكانت في أرض جهز Jahaz أي ياجوز الحالية، حيث تكررت فوق أراضيها معركة فيما بعد، بين جدعون زعيم مملكة يهوذا، وملوك المديانيين، كما سبق وشرحنا في هذا الباب، وبدل أن يقوم سيحون بالمباغتة، فيبدو أن العكس هو ما حدث وأن الإسرائيليين باغتوا سيحون وجيشه وهو في وادي ياجوز حيث كان الماء وافراً وسيلاً غزيراً ـ كما قلنا سابقاً ـ فلجأ إلى الفرار، وتابعه الإسرائيليون حتى عقر داره في حسبان فدمّروا كل شيء، وقتلوا كل إنسان ونهبوا كل عقار ومقدّرات وحيوانات حسبما تذكر التوراة ذلك.
ورغم أن بعض الرحالة يذكر مكاناً آخر للمعركة مثل أم الوليد شرقي مادبا، (وهذا ما يقوله فورد Ford في كتابه: بترا وفينيقية)، وأن أم الوليد هي حاليا إحدى قرى بني صخر وهي اثرية قديمة وتاريخية ، ولا شك أنها كانت من ممتلكات مملكة الأموريين وملكها سيحون، ويرى البعض مثل ترتسترام في كتابه: أرض مؤاب The Land of Moab الذي ترجمناه إلى العربية، أن مكان المعركة في خربة السمراء بحذاء الموجب بالقرب من جبل شيحان.
أما نحن فنرى غير هذا، ففي رأينا أن سيحون كان يعيش نشوة النصر على عمون ومؤاب قد جعلته ينظر بازدراء وخوف في الآن نفسه من بني إسرائيل أنه منعهم من دخول حدوده الشرقية، وبقي يتابعهم في مناوشات بعيدا عن الدخول في اراضي مملكته حتى حطوا رحالهم في ياجوز حيث المياه والارض التي تصلح للقتا ، وحيث كان أمامهم لحظات مصيرية إما أن يكونوا أو لا يكونوا , استدرجوا هذا الملك الاردني إلى خارج حدوده وخارج قاعدته ومدده ، وهو راضي بذلك أنه لايريد المعركة في مملكته حرصاً على مقدّراتها، كما قلنا قبل قليل.وكان لكل طرف حساباته في وقوع المعركة في ياجوز
هناك في ياجوز كانت المباغتة، وكانت الهزيمة، وكانت الإبادة أن صدقت التوراة في ذلك، حيث لا توجد لدينا مراجع أخرى سواها عن الأحداث والحروب بين الإسرائيليين والأموريين الأردنيين. واختفى اسم مملكة سيحون من التاريخ بفعل السيف والحقد. وقد أدى هذا إلى تنبيه بقية الممالك الأردنية، وأيقنوا أنهم على حق في منع عبور بني إسرائيل لأراضيهم. إلا أن مأخذاً عظيماً يؤخذ على هؤلاء الملوك، حيث كان عليهم أن يساندوا سيحون، ولكن حقدهم عليه وتخوّفهم منه وكرههم له بتوسعه على حساب جيرانه مملكتي مؤاب وعمون، جعله منفرداً في المعركة وتوقف الملوك عن دعمه خشية أن يتفرغ لهم ويوسع حدود مملكته على حسابهم، إن هو انتصر على بني إسرائيل.
لذا نستطيع تصوّر الموقف في أنهم وقفوا جميعاً موقف الشامت، وانتابهم السرور بتحطيم هذه القوة الجديدة، الأمر الذي اضطرهم إلى خوض غمار حروب وصراعات دامت مئات السنين مع الإسرائيليين بين مدّ وجزر، وهزيمة ونصر ونجد أيضاً ذكراً للتحالفات الملكية، إلا أن سيحون لم تدخل في حلف من أحد من جاراتها الممالك الأردنية في حينه.ولم تعد موجودة بعد الابادة , حيث عادت الحدود الى سابق عهدها وصارت اراضي مملكة حشبون نهبا مقسما بين سائر الممالك الاردنية المجاورة لها وهي : عمون ومؤاب .
استمرت هذه المشاحنات والعداوات بين الاردنيين والاسرائيليين ، حيث نجد مملكة أدوم تتحالف مع نبوخذ نصر الآشوري، الذي دخل القدس عام 587 ق.م. ونهب القدس، وشاركه الأدوميون بالنهب والسلب والقتل ثأراً لمعارك ودماء سابقة بين الأدوميين والإسرائيليين. وقد أدى هذا إلى غضب أنبياء بني إسرائيل على أدوم، وتمنّوا لها الزوال والتلاشي، وتنبأوا بسقوطها، حيث دارت الأيام، فرحل جزء منهم إلى فلسطين، وبقي الجزء الآخر في مواقعه ليكون من رعايا مملكة الأنباط الجديدة. التي تحدثنا عنها.
وبرحيل أسرة الملك الادومي من بصيرا Bsaira / الطفيلة Tafilah من أدوم/ الأردن إلى فلسطين، عاد الأدوميون وبنوا مملكة أخرى في جنوب فلسطين، أي في الأراضي التي كانت تابعة لأدوم أصلاً عندما كان مركزها في بصيرا , مثلما فعل المديانيون وبنوا مملكة جديدة في شمال جزيرة العرب بعد ان اصاب الله سبحانه مملكتهم الاصلية مدين بالعذاب كما سبق وشرحنا . اما الادوميون فقد غيروا ساماءهم في ديارهم الجديدة في فلسطين , واثروا الاسماء اليونانية , هروبا من الانباط وسطوتهم , وحيث كانت الثقافة اليونانية تهيمن على حوض البحر الرومي (البحر الأبيض المتوسط). فقد أرغمهم الأنباط على الرحيل كما قلنا، ووجدوا استمرارهم في جزء من مملكتهم الواقع في فلسطين وصاروا يعرفون هناك بالأدومانيين Adomaniyyien وظهر منهم الهيروديين ملوك القدس، حيث يذكرهم التاريخ (أي الهيروديين) على أنهم من بني إسرائيل، وهم عرب أدوميون من الأردن أصلاً وملوك من ملوك الادوميين اعتنقوا اليهودية من اجل الوصول الى عرش المملكة , وكذلك كان وتحقق هدفهم .
في هذه الأثناء قدم الفلسطينيون من كريت بقوة وبأعداد ضخمة، فأضطرت المملكة اليهودية لعقد الهدنة معهم للتفرغ إلى الصراع مع المؤابيين والعمونيين الذين لجأوا إلى الغارات وحرب العصابات لاستنزاف القوى الإسرائيلية في بلاد كنعان .
قبل مغادرة ادوم لديارها الاردنية واثناء الصراع الاردني الاسرائيلي , كانت ادوم مشغولة بالصراع مع مملكة مديان التي كان رعاتها يعتدون على أراضي أدوم في جنوب الاردن . بل ان مديان صارت عنصر اضطراب للمنطقة برمتها، مما أخذ انتباه أدوم إلى ذلك بدلاً من مؤازرة مؤاب وعمون في صراعهم مع بني إسرائيل وجعلهم يدفعون الثمن ولم يجدوا من يؤازرهم من ملوك الاردنعندما الم بهم الخطب الاسرائيلي وهجرة الانباط الى هذه الديار
وتقول التوراة في سفر القضاة الأصحاح الثامن أن جدعون ملك يهوذا تجاوز نهر الأردن في متابعة ملوك مديان زبح Zabah وصلمناع Silimna ، وأنه قتلهم. وقد سبق وشككنا في هذه الرواية، ولا داعي للإعادة والتكرار. كما فقدت عمون ملكها القوي ناحاش في أحراش عجلون كما قلنا. وتشير التوراة في سفر صموئيل الأول إلى أن عمون توسعت على حساب مملكة باشان وأن أراضي الأخيرة صارت جزءاً من أراضي الأولى، إلا أنني أرى عكس ذلك.
ففي رأينا أن التمدد العموني في أرض جلعاد لم يتجاوز تطهيرها من العناصر المعادية، وضرب نقاط التجمع في ضربة استباقية خشية هجومهم على أملاك عمون التي تبدأ بنهر الزرقاء. ولكن الهزيمة كانت نصيبهم بعد الخدعة والمفاجأة التي قام بها ملك يهوذا شاؤول ضد ناحاش ملك عمون.
أدى هذا الضعف العموني مرة أخرى إلى فقدان جزء من أراضيهم في الغور الممتدة من البحر الميت حتى غور نمرين، لحساب مملكة مؤاب. وبدت الأمور على النحو التالي: أدوم في أمن ورخاء بسبب تحالفها مع نبوخذ نصر ودفعت الثمن فيما بعد كما ذكرنا اعلاه ، مديان مصدر اضطراب، مؤاب استعادت أراضيها في الغور، عمون خسرت معركتها في جلعاد وانكفأت إلى حدود نهر الزرقاء لا تتجاوزه، وباشان مصابة بالشلل بسبب أعمال الإبادة التي قام بها الإسرائيليون ضد الباشانيين. ويستمر الصراع بين مدّ وجزر إلى أن أتى ميشع عام 860، وهو أعظم ملك أردني في تاريخ الاردن وحرر الأردن من الاحتلال الإسرائيلي.
ميشع الملك الأردني العظيم، جاء ومعه مشروعه الوطني، ووجد أنه يعاني من ثلاثة أمور
هي: الاحتلال، ضعف المملكة، اضطراب الداخل:
1. الاحتلال الإسرائيلي، حيث تطلّع لتحرير بلاده من ذلك، بل وتحرير كافة الممالك الاردنية لكي لايبقى موطيء قدم اسرائيلي على الارض الاردنية / بلاد عبر الأردن. فرفض دفع الأتاوة التي كانت مفروضة على مملكته، وكان ذلك بمثابة إعلان حرب ضد الإسرائيليين.
2. توسيع حدود مملكته حتى معان وثبوك وينبع ، وبذلك توسع على حساب أدوم وصار على تماسٍّ حدودي مع المديانيين الذين كان لهم صداقة وعداء في آن واحد مع مؤاب، أي لم تكن لديهم صداقة دائمة ولا عداوة دائمة. من هنا نقل عاصمته من ربة مؤاب إلى قير حارسة / الكرك .
أما التوراة فتصف ميشع أنه "صاحب مواشي" وذلك أمر لا يتفق مع الحقيقة، وأنه لقب للتقليل من شأنه، لكنه أثبت من خلال عقله الاستراتيجي وشجاعته وفكره ومشروعه الوطني انه : وطني وصاحب مبادئ، وليس صاحب مواشي، وأن ثروته الطائلة من المواشي لا تعيبه، لأنها كانت السلعة الدارجة للبيع والشراء آنذاك، كمادة رئيسة من مواد التبادل , ولكنها على كثرتها لم تصل الى مستوى ثروته من العقل الراجح والقلب الشجاع والفكر الثاقب الذي اثبته في مشروعه وحروبه وانتصاراته .
يقول العهد القديم انه كان لبني إسرائيل ملكان زمن يوشع ووالده , هما: أخاب بن عمري ملك إسرائيل، وخلفه من بعده يهودام بن آخاب، والذي كانت ثورة ميشع في زمنه حسبما تقول التوراة، إلا أن حجر ميشع يقول أن ملك إسرائيل زمن ميشع كان الملك عمري ، وهذا نصّ أكثر صدقاً ودقّة مما ورد في التوراة، لأن ميشع تحدث الحقيقة في وصف للواقع المحيط به، بينما تحدثت التوراة بالأمور حسبما هي التي تخدم أهداف اليهود.لذا فان نص ميشع ادق واصدق بل هو الدقة والصدق بعينه .
إن الذي حدث هو أن مملكتا إسرائيل ويهوذا تحالفتا معاً، وانضمت إليهم أدوم في محاولة للقضاء على ميشع ودولته الفتية القوية. وكان لكل طرف هدف وحسابات ، ورغم عداوتهم الثلاثة لبعضهم بعضا ، إلا أنهم متفقون على أن ميشع ومؤاب يشكل عليهم خطراً جامحاً , إذ أنه قد تمدد في أراضي أدوم حتى وصل معان وتبوك كما قلنا اعلاه ، أما مملكة إسرائيل وحدها فلم تعد قادرة على المجابهة مع مؤاب، وكذلك الحال بالنسبة ليهوذا، فاتفقوا على القضاء على ميشع واقتسام مملكتة مؤاب وبالفعل لاحقوا ميشع وجيشه حتى تحصّن في قلعة الكرك، وصار أمام معركة موت أو حياة، يكون أو لا يكون، وهنا أقدم على عمل تكرر في عام 1840/1941, وهو أن ميشع أصعد ولده البكر وولي عهده على محرقة فوق سور الكرك، فاحترق أضحية للآلهة كموش من أجل النصر على جيوش بني اسرائيل التي تحاصر قلعةقير حارسة / الكرك , فلما راى الجيش الاسرائيلي ذلك ولى هربا ولحق به ميشع واباده .
وتكررت الصورة في العصر الحديث عام 1940 / 1941 بنفس المكان وهو قلعة الكرك , عندما قام الشيخ ابراهيم الضمور الغساسنة شيخ الكرك انذاك بمقاومة ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا قائد الجيش المصري الذي غزا الشام , الذي حاصر قلعة الكرك حيث رفض ابراهيم الضمور الغساسنة تسليمها , وقام ابراهيم باشا المصري بحرق ولدي ابراهيم الضمورخارج الاسوار وعلى مراى من والدهما , ومع هذا بقي ابراهيم الضمور صامدا واعتبرهما اضحية مناجل سلامة الارض والعرض والناس والكرامة , وانكفأ ابراهيم باشا قافلا الى مصر بدلالة جلحد الحباشنة الذي اننتقم لاولاد ابراهيم الضمور ان سلك بالجيش المصري طريقا وعرا هلك جله من الجوع والعطش والوعورة والحر . انه التاريخ يتكرر على ارض الاردن كما راينا في اليرموك ومعركة غرندل والكرك وغيرها .
كانت النتيجة كما كان يتوقعها ميشع، إذ أن الأمر أغاظ الأدوميين والإسرائيليين، وقالوا: إذا كان هذا يضحي بابنه فإنه سوف يقتل الجميع إن ظفر بهم. فما أصبح الصباح، إلا وقد غادروا جميعاً، وانفك الحصار. ولا شك أن الجميع اعتقدوا أن الرجل فعل ذلك بأوامر من الآلهة كموش , وأنه سينصره إن خاض المعركة بعد ذلك وهو الأمر الذي قال به ميشع لجنوده، أنه إذا كان يقدم ولده قرباناً على الأسوار، فما معنى حياة البقية.وقد فعل عودة ابو تايه عملا مشابها في عام 1910 عندما تم حصره والحويطات على طور الطبيق من قبل بني صخر وقال لرجاله انه راى بالمنام ان سينتصر في اليوم النالي وكذلك كان . هذا شان القادة عندما يتعاملون مع رجالهم وشعوبهم بما يتفق ونفسياتهم وعقلياتهم .
وبذلك صار المتحالف الإسرائيلي الأدومي أمام جيش لا يعرف الاستسلام وإنما النصر أو الموت ً، فأعرضوا وغادروا المكان , ولحق بهم ميشع واخذ بثار ولده وقتل من الاسرائيليين وحلفائهم الادومين خلقا كثيرا وانبره الاعداء بالهزيمة كل منهم يسابق اريح وانتصر ميشع . وما ان خرج ميشع منتصراً، حتى تمدد مرة أخرى على حساب أدوم وعمون، ومع هذا التوسع زادت ثروة مملكته ومساحتها وقوتها، وساهم في إضعاف الممالك الأخرى الأردنية والإسرائيلية. وبعد ذلك كتب ميشع النص على حجره المشهور، وبعد أن حرر الأردن من الإسرائيليين.
ونلاحظ أن ميشع لم يتطرق في نصّه إلى أدوم، ولا إلى التحالف أصلاً، وإنما إلى الملك اليهودي القوي الذي كان مكلفاً باحتلال بلاد مؤاب وأخذ الجزية منها وهو عمري Amri . ولكن المملكتين اليهوديتين وبعد أن فشلتا في تحقيق نصر على ميشع وجهت أسلحتها وغاراتها إلى حليفتها أدوم التي صارت تحت هيمنة العبرانيين، وهذا جزاء كل من يخون بلده أو جيرانه، ودخل ميشع في التاريخ من أوسع أبوابه إلا أن ملوك أدوم في هذه المرحلة قد جانبهم الصواب والحكمة في التحالف ضد أبناء جلدتهم ووطنهم. ففقدوا ملكهم ومملكتهم تحت ضربات حلفائهم الغدارين وهم الاسرائيليون , وضربات المؤابيين الانتقامية , ثم تحت وطاة الهجرة اللنبطية كما قلنا اعلاه .
أدرك الأدوميون سوء فعلتهم، وقرعوا سنّ الندم، فجنحوا إلى الثورة، ضد العبرانيين، Hebro ، وبالفعل نجحوا في ذلك، وتحركوا في ملاحقة فلول جنود مملكة يهوذا إلى جنوب فلسطين، وكان ذلك في زمن الملك اليهودي أمصيا Amesia الذي تمكن من صدّ هجوم قام به الأدوميون على جنوب فلسطين، ثم لاحقهم إلى بلادهم. وتقول التوراة ان اليهود في هجومهم هذا قد استولوا على سلع الادومية ، وهي التي في محافظة الطفيلة إلى الجنوب من بصيرا/ عاصمة أدوم، ولكن التوراة تقول عنها أنها البتراء وهذا كلام غير صحيح، وقد تحدثنا سابقا عن الفارق ما بين سَلَع والبتراء وتحديد مكان كل منهما ولا دعي للاعادة .
وبذلك اختفت الهيمنة العبرانية من الأردن ليس في مؤاب وعمون فحسب، بل وأيضاً من أراضي مملكة أدوم، ما عدا عصيون جابر التي هي إيلات الحالية، حيث بقيت ميناء لمملكة يهوذا. وقد أفصحت الحفريات فيها عن خاتم باسم يؤام حفيد أمصيا.
وهكذا أفل نجم الهيمنة الإسرائيلية على الأردن. وتحررت جميع الممالك الاردنية من هذا النير الاحتلالي الأجنبي على يد الملك الاردني العظيم ميشع اعظم ملك اردني في تاريخ الاردن ، ودخلت الأردن في عهد جديد، صارت فيه الممالك الأردنية تغير على الممالك الإسرائيلية في حرب استنزاف وعصابات على الطريقة القديمة. وعاد الأمر إلى ما كان عليه في مطلع استقرار الإسرائيليين في فلسطين عندما غزتهم قبائل شرق الأردن وفتكت بهم، ولكن وجود أنبياء من بني إسرائيل، وبخاصة زمن داود وسليمان قد أعاد اليهم هيبتهم.

حسام العامري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-02-2013, 01:28 PM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس قبائل بلاد الشام و فلسطين
 
الصورة الرمزية الجنتل الرياشي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

الاخ العزيز حسام العامري

جهود مشكورة وطيبة ومباركه لنقل كتاب الكاتب الاردني الدكتور احمد عويدي العبادي .

ننتظر كل جديد منك .

الجنتل الرياشي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-02-2013, 10:35 PM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
باحث في الانساب
 
الصورة الرمزية حسام العامري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

افتراضي


تحية لك أخي الجنتل الرياشي

شكرا على تشجيعك لي وعلى كلماتك الجميلة

أسعدني مرورك العطر

دمت بود

تقبل أرق تحياتي

حسام العامري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-02-2013, 11:29 PM   رقم المشاركة :[6]
معلومات العضو
باحث في الانساب
 
الصورة الرمزية حسام العامري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

افتراضي الحلقة الرابعة من كتاب تاريخ الأردن وعشائره للدكتور: أحمد عويدي العبادي


الحلقة الرابعة
من كتاب تاريخ الأردن وعشائره
للدكتور: أحمد عويدي العبادي


الباب الرابع:
رياح السموم الغربية
(اليونان والرومان من 331ق.م-638م)


اليونان 331ق.م -106م:

كان صراع البقاء بين الدول في العهد القديم ينتهي بانتصار الأقوى سلاحاً أو الأقوى خدعة او الاقل خيانة , لأن الحرب خدعة، ولأن قوة السلاح والعضلات والجيش والحيلة والعنف والبطش كانت هي السائدة في الوصول إلى النصر والاحتلال وسدّة الحكم وضبط الشعب والبلاد في الداخل من الخارج واحتلال الشعوب والبلدان الاخرى ونهب مقدراتها وفرض قانون القوة الذي ليس له حدود ولا ضوابط ولا هيئة امم ولا هيئة لمم .

لم تكن الدول القديمة قائمة في العصور الجاهلية والوثنية الاولى على الفكر وان قامت على الفكرة,فكرة القائد العسكري او الاسرة او المجموعة او العصابة او الطغمة Junta ولم تكن قائمة على الدين الشامل وان قامت احيانا على التدين ومزازلة عبادة اله معين من الالهة المتعددة في المحيط . كانت الدول تقوم على موال في راس الحاكم ومن حوله طمعا في حب السيطرة وحب الدنيا والاستئثار بالسلطة ومايتبعها من المال والجواري ورؤية الناي عبيد بين يدي هذا الحاكم او ذاك , ونهب مقدرات الشعوب الأخرى، والهوس في بهرجة السلطة والتاج وعروش الأباطرة والملوك دونما رادع ديني او اخلاقي او انساني , بل ان بعض الملوك كانوا يعتبرون انفسهم الهة يعبدون وتجب عبادتهم , وهذا ماخبرنا به القران الكريم عن النمرود وفرعون . والذين وان ماتوا بقيت منهم نسخ تتكرر على مدى التاريخ البشري .

كانت القوة الأولى التي غزت الأردن هي الموجات العربية التي جاءت من جزيرة العرب وأكنافها مثل بلاد ما بين الرافدين، واستقرت وشكلت الممالك التي كانت وستبقى إلى هذه الفترة مدار حديثنا عن الأردن، ثم جاءت موجة الآشوريين ثم البابليين ثم الفرس، بحيث استمرت هذه الموجات المتتالية العراقية والفارسية من عام 800 ق.م ـ 331 ق.م أي حوالي خمسة قرون. ثم جاء اليونان واستمر احتلالهم حوالي خمسة قرون، ومن ثم الامبراطورية الرومانية التي استمرت مثلها ( 5 قرون ) ثم الراشدية والأموية والعباسية واستمرت حوالي خمسة قرون. ثم جاءت أمم أخرى كما سنرى في ثنايا هذا الكتاب إن شاء الله.

ومن خلال ما ذكرنا وما سنذكر نستطيع القول أن جميع الحضارات الآشورية والبابلية والفارسية واليونانية والرومانية ثم الأموية والعباسية تجد لها بصمات في بلادنا التي كانت ممرّاً ومستقرّاً لهذه الحضارات او ضمن مجالها الحيوي وساحة من ساحات وغاها في الصراع من اجل البقاء .

في حوالي عام 500 ق.م سمح الفرس الذين كانوا يحتلون بلاد الرافدين العربية , لبعض اليهود المأسورين في فارس وبلاد ما بين النهرين بالعودة إلى القدس وفلسطين أي بعد حوالي قرنين من الغربة والاغتراب والسبي الذي اوقعه نبوخذ نصر الملك العربي ا. لذلك عندما غابت الدولة الفارسية كانت مملكة يهوذا قائمة في فلسطين مثلما كان الحال في استمرار قيام الممالك الأردنية في شرق الأردن. لقد بدأ نفوذ فارس يتقلص في ممالك الجبهة الغربية ( الاردن وسوريا وفلسطين ) لبعد المكان عن العاصمة ولاختلاف الثقافة والعرق بين فارسي وعربي، وتباين في الأهداف، حيث جنحت هذه الممالك العربية والعبرية نحو الاستقلال , وجنحت فارس إلى استعمار هذه البلدان ونهب خيراتها وانعدام رسالتها للاستمرارا والاستقرار والاندماج مع القوميات الاخرى .

بدأت دولة اليونان تظهر بظهور شاب فارس طموح مطاع في بلاده وجيشه وهو الإسكندر من بلدة مكدونيا اليونانية. حيث وجد ان التوسع إلى الغرب أمر صعب بسبب قسوة المناخ وصمود جبال الألب وقلة الفائدة مقارنة بتلك التي يمكنه ان يجنيها من التوجه الى الشرق ، فوجد أن الأيسر عليه والاجدى له أن يتجه نحو الشرق، وأن يشرع في بناء إمبراطورية يونانية ماوراء البحر المتوسط، ورغم أن هذه كانت مجازفة واضحة، إلا أنه لم يجد قوة تقف أمامه، بسبب تعدد الممالك وتناحرها من جهة، وضعف الدولة الفارسية من جهة أخرى التي انهكت الشعوب العربية في الاردن وسوريا وفلسطيسن وبلاد الرافدين ، ولاعتماده عنصري المفاجأة والدعاية المسبقة طوراً آخر , ولانه جاء في وقت كان العرب اعلاه يتطلعون للتخلص من الاستعمار الفارسي ومستعدون لمساندة اية قوة جديدة تحقق لهم هذا الهدف الوطني والقومي , وتنتقم من الفرس شر انتقام ..

وجد الإسكندر المقدوني أن يتجنب نقاط الضعف والانحلال لكل من آشور وبابل وفارس, في تعامله مع ممالك الشرق في بلاد سوريا الكبرى وفارس والهند والسند . لقد كان الفرس يهتمون بالقوة والولاء الظاهري والجباية ويسلكون القمع وبناء الحقد الدفين لدى الشعوب المقهورة . أما الإسكندر فقد أضاف ثلاثة عناصر هامة في حروبه أو فتوحاته كما يحلو للبعض تسميتها، وهي : نشر الحضارة اليونانية ونشر اللغة اليونانية ونشر الثقافة اليونانية، لأن هذه العناصر تجذب الشعوب وتجعلها عناصر بناء للدولة وليس معاول هدم لها , متظاهرا باخفاء السيف الذي كان وسيلة النفور من الفرس

كانت الحضارة اليونانية تشتمل على أنماط البناء والنحت والموسيقى والفلسفة والشعر والأدب والمسرح , وهذه بدورها امور تساهم في تهذيب الشعوب، بل وتساهم في توحيدها ايضا. فقد كانت ممالك الجبهة الغربية ( اي سوريا الكبرى ) زمن الدولة المحتلة السابقة ( الفارسية ) متباينة في الثقافة والحضارة واللغة والسلوك والتعامل والحقد العجيب على العنصر العربي , ولم تفرض آشور أو بابل أو فارس أو أي منهم ذلك على السكان لانشغالهم بجميع الضرائب والأتاوات . أما اليونانيون فقد وضعوا قاسماً مشتركاً عاماً بين هذه الشعوب يتحدثون لغتين المحلية للدولة أو المملكة، والرسمية وهي اليونانية، وكذلك يمارس ثقافته وحضارته المحلية، لكنه عند التعامل العام والرسمي ومع الممالك الأخرى يتحدث اليونانية ويتعامل في بلده بلغتهالمحلية , .وبذلك صار لهذه الدويلات وجهان ولغتان وهويتان وثقافتان معترف بهما من قبل الدولة اليونانية , الاولى تحافظ على كيانها الصغير والثانية تحميها ضمن الكيان الكبير الواسع في اطار الدولة , وبذلك حفظ اليونان والعربان كل توازنه في صضيغة تفاهم من اجل البقاء وصراع البيقاء وكل مستفيد من هذا الوضع , ويحافظ عليه .

من هنا صارت اللغة اليونانية بالاضافة الى الارامية العربية والعربية المحلية للمالك هي لغة علية القوم والتجار ورجال الثقافة في جميع بلاد سوريا والأردن وفلسطين ومصر والعراق وفارس بعد الاحتلال , وصارت اليونانية لغة التفاهم المشتركة بينهم جميعاً، مما وحّد أصحاب القرار في هذه الأقطار، وصار من السهولة اجتذابهم إلى عاصمة موحدة ودولة موحدة. وانتشرت الأسماء اليونانية على الأماكن ـ مثلاً أصبحت عمان/ ربة عمون سابقا , تدعى فيلادلفيا، وجراشا - جرش، تدعى أنطاكية. كما أطلقوا الأسماء اليونانية على البارزين من العرب، حيث سمي الملك النبطي مالك الثاني باسم مالكوس، وهكذا دواليك، وصارت أسماء الشعراء البارزين في الأردن أسماء يونانية، وصارت أم قيس تسمى جدارا.وصار شعراؤهاالاردنيون يحملون اسماء يونانية ويقولون الشعر باليونانية , ولم يصل الينا شعرهم بالارامية ( العربية العامة انذاك ) او بالعربية المحلية / حسب اللهجات العربية المتعددة انذاك .

تجنب اليونان نقاط الضعف التي كانت متعلقة بمعسكرات الجيش عند قوى الاحتلال السابقة, فقد كانت الحاميات السابقة ترابط في العواصم والمدن والبلدات الاردنية والسورية والفلسطينية , أو قرباً منها ثم تنسحب بعد أداء مهماتها. إلا أن اليونان سلكوا سبيلاً آخر، وهو إقامة مدن يونانية ثابتة ومستقرة وذات سيادة محدودة كما هي السيادة المحدودة للمالك الاردنية , فصارت بمثابة مايمكن اعتباره ممالك يونانية او امارات يونانية مقابل مملك اردنية او امارات اردنية , دون ان ياغوا اللمالك الاردنية التي تحولت الى حكم ذاتي خاضع اما للمدينة الجديدة او للولاية او ادولة . وفي كل الاحوال ادى الفهم المشترك الى ايجاد صيغة من التفاهم والتعاون في هذا الاطار نافع للاردنيين واليونانيين .

اذن شكلت اليونان شكلت إمارات أو ممالك صغيرة شبه مستقلة على الاراضي الاردنية , وسميت تحالف المدن العشرة، كل منها لديه إدارة مركزية، يرتبط بالمدن الأخرى بروابط الدفاع والثقافة واللغة والمصالح التجارية والمشاريع المشتركة ، ولها قوانينها الخاصة بها التي تضمن لها البقاء والاستمرار والاستقرار والازدهار وقد سميت هذه المدن، أو هذا الأسلوب العسكري السياسي الثقافي الاقتصادي الامني الجديد باسم تحالف المدن العشرة/ او الديكابوليس، وقد استمرت هذه المدن وهذا النظام حتى جاء الإسلام بعد ألف سنة تقريباً، إذ ازدهرت وازدادت وتعددت هذه المدن في زمن الرومان بعد خمسة قرون وتمددت على ارض الاردن حتى صارت العقبة جزءا من هذه المدن او هذا التحالف .

تحالف المدن هذا كان اتحادا لامركزيا , اشبه مايكون بالاتحاد الكنفدرالي كما قلنا. فكان يتألف من بيسان (سايثو بوليس)، وخربة فحل (إبلاّ)، وجرش (جراسا)، وأم قيس (جدارا )، وفيق Faiq ، وهي قرية بسورية (هبوس)، وايدون (شمال الأردن ديون زمن اليونان)، وتل شهاب (رفانا) وقنوات (في جبل الدروز ـ وهي كناثا)، وعمان (فيلادلفيا/ ربة عمون)، وبيت راس , ودرعا (ادرعي) وبصرى (بصرى اسكي شام).

يرى بعض الكتاب أنه يتعذر معرفة بدء تشكيل هذا التحالف، ولكننا نرى أنه في أساسه يوناني عمل بانتظام وأدى ادوارا ومهمات هامة، بحيث بات ضرورياً لاستمرر حياة الاحتلال الغربي للاردن , بحيث لم يستطع الرومان إلغاءه، بل قوي وزاد زمن الرومان ليشمل مدناً أردنية آخرها ومنها : العقبة على رأس بحر القلزم (البحر الأحمر). وكان لهذه المدن نفوذ على ما جاورها من القرى والمدن والأراضي والسكان، وكانت كل مدينة لديها شبه اكتفاء ذاتي ـ وتتبادل مع المدن الأخرى ما ينقصها من حاجات لتصدير إليها ما يزيد عندها من هذه الحاجات واستيراد منها والم يتوفر لديها .

ونرىايضا ان اليونان طوروا هذا النظام من نظام الممالك الاردنية , فبدل اعتماد الممالك ولكل منها عاصمة , نظما المدن على انها ممالك وامارات صغيرة تحكم نفسها وتدافع عن ذاتها . وبذلك فان نسخة المدن العشرة هي نسخة مطورة عن عواصم الممالك الاردنية التي سبقت بوجودها وجود اليونان

النقطة الأخرى وهي أن سكان وحاميات هذه المدن ( الديكابوليس ) دفعوا الخاوة للبدو الاردنيين , وكانت المدن ايضا سوقا لمنتجات البدو من اللحوم والمواشي والجلود والالبان السائلة واليابسة ( اتلجميد او الاقط ) والملح الذي كان يتم جلبه من الازرق والقريات وكانت كلها اراضي اردنية انذاك .، ولم يأخذوا بل عجزوا من يستطيعوا اخذ شيء من البدو من المال او الضرائب او الخاوة وانما كان هم المدن طلب السلامة من هجمات عرباننا البدو . ، فقد ظهر لنا بالوقائع أن البدو كانوا دائماً من الأسباب الرئيسة في استنزاف آشور وبابل وفارس( وبالتالي سبب رئيس فس القضاء عليها ) بسبب استمرار الحملات عليهم ( على العشائر الاردنية ) ومطالبتهم بدفع الأتاوة , ومصادرة اموالهم ومواشيهم واحيانا رجالهم وابناءهم كما حصل مع ممالك الجنوب .

وعندما كانت هذه الدول ترد بالقوة والقمع والملاحقة ضد عرباننا كان رد فعل البدو الاردنيين هو : القيام بالغزو والاغارات وحرب الاستنزاف على المدن والقرى المحتلة ويخربونها ليجمعوا ما يقوتهم وما يدفعونه للدولة المحتلة اذا تمكنت منهم ذات مرة .وكان بدو الاردن ( اقصد العشائر الاردنية اينما ورد بدو الاردن لانهم كانوا في غالبهم من البدو ) ينظرون لجميع القوى الغازية ان عليها الرحيل عن بلادنا عاجلا ام اجلا , وعليها ان تعيد شيئا مما نهبته من مقدرات الاردن واذا قصرت هذه الدول اغار العشائر ونهبوا , ويعتبرون عملهم هذا انه عمل وطني لانه ضد الاجنبي وصارت هذه ثقافة متجذرة لدى الاردنيين عبر التاريخ وهي : ان ماعلى الاردن يجب ان يبقى لاهل الاردن اليوم او غدا او بعد حين . هذه ثقافة عمرها الاف السنين ولا تذهب بدعاية او مقال او ردح اوشتائم , هذه ثقافة تشكلت عبر معاناة الاردنيين وصراعهم من اجل البقاء . فقد رحلت كل الامم وبقي ماعلى الاردن للاردنيين ومن لايعرف ذلك فعليه ان يقرا التاريخ جيدا وان يعرف الاردنيين جيدا . واما مايقال عنه انه نهب وسلب فقد كانوا يرون انه استعادة حقوق وليس نهب لحقوق الاخرين .

. إلا أن اليونان استفادوا من اخطاء من سبقهم وتجنبوها بذكاء ودهاء , ووجدوا ان البدو الاردنيين هم اساس الاستمرار والاستقرار او الخراب والدمار في هذه الديار . من هنا عكس اليونان الاية في التعامل مع الاردنيين بشكل عام والبدو منهم بشكل خاص . إذ أنهم خصصوا قسطاً من فائض إنتاج المدن العشرة لدفعه للبدو المجاورين على شكل مساعدة ( هي في الحقيقة خاوة ) او تبادل البضائع ، فصارت المرة الأولى في تاريخ الأردن التي صارت الدولة تدفع للبدو أتاوة بدل ترك الامور للغارات والنهب , وصارت هذه سنة سياسية دائمة واستمرت زمن الرومان والأمويين، والايوبيين والمماليك والعثمانيين والانتداب البريطاني . واما الدولة التي لم تدفع لهم هذه الصرر (مفردها صرة) فلم تستطع الاستقرار والاستمرار فوق الأرض الأردنية، حتى جاءت الحرب العالمية الأولى فسلك الإنجليز وأتباعهم السياسة نفسها.

وبهذه السياسة اليونانية الحكيمة، استقرت أمور اليونانيين في الأردن خمسة قرون دون أن يخلو الأمر من هجوم هذه القبائل بين حين وآخر، حتى إذا ما حصلوا على ما يريدون هدأت أحوالهم وتحولوا إلى أصدقاء. بل إن هؤلاء البدو في زمن الرومان شكلوا إمارات وممالك حماية للدولة الرومانية زمن الضجاعمة ومن بعدهم : الغساسنة.

إذن جاء اليونانيون بأسلوب جديد، جذب الناس، واستقرت بهم الأمور، وصار الصراع بين أجنحة الإمبراطورية اليونانية وقادتها، وليس بينها وبين الشعوب المحكومة. ولم يجدوا أمامهم في سوريا والأردن قوة يحسب لها حسابها إلا الأنباط الذين تراوحت علاقاتهم باليونانيين بين الحرب والسلم، والصداقة والعداوة وصراع المصالح التجارية والعسكرية والوطنية والقومية , وتعاملوا معاً مثل لعبة القط والفأر. وقد انتشرت الفلسفة اليونانية واشتهر فلاسفتهم وأطباؤهم وعلماؤهم، وتمت ترجمة كتبهم وآرائهم في زمن المأمون/ العصر العباسي، واستفاد العرب منهم أيّما فائدة.

لابد من القول الى ان الاردنيين زمن الرومان كانوا يتالفون من عدة طبقات : الاولى وهي التي اندمجت بالثقافة اليونانية واتقنت لغة اليونان وتقمصت حضارتهم والسوبهم في الحياة ومنهم الشعراء والقادة وكبار التجار . واما الطبقة الثانية فهي طبقة التجار الذين كانوا يتكلمون اللغات الثلاثة وهي العربية الارامية والعربية المحلية واليونانية وكانوةا مقبولين من جميع اطراف النزاع والصداقة لانهم عصب الحياة , واما الططبقة الثالثة فكانت طبقة الزراع والرعاه وهذؤء همهم الانتالج والاستفادة من ذلك لذا كانوا يحتمون بالمدن العشرة من هجمات اخوتهم البدو من جهة ويحتمون بالبدو اذا جارت عليهم المدن بالضرائب ويدلون البدو على مواطن الدخول والخروج والمخازن . واما الطبقة الرابعة فكانت طبقة البدو المتنقلين الذين كانوا نقطة التوازن والسيف المصلت الذي يحر الاردن في النهايةو من الغزاة ويحمي الفلاحين تارة وينهبونهم تارة اخرى

من هنا ظهر اصطلاح الخوة البدوي الاردني , منذ العصر اليوناني وهو ان كل قبيلة بدوية كانت تتخاوى مع قرية او عشيرة فلاحين ( يصبحوا اخوة ) مقابل تبادل الانتاج ومقابل حماية كل طرف للطرف الاخر ومقابل ( يعشي ويمشي - اي اذا راد الاخو / الاخ ان يغزي طرفا اخر يقوم اخوه المستقر بتقديم العشاء له ويدله على الاماكن التي فيها الاشياء التي تستحق النهب او السطو ) . وبقي هذا المبدا الى عام 1925 في الاردن وانقطع بانقطاع الغزو . وان كبار السن يعرفونه جيدا واشرت اليه في بعض مسلسلاتي البدوية التي سياتي تنفيذها لاحقا ان شاء الله . فهذه عادة اسسها الاردنيون ضمن صراعهم من اجل البقاء منذ 2500 سنة وما حولها . واما الخاوة فهي التي تؤخذ عنوة بعكس الخوة التي هي تبادل منافع بالرضى ولا يكون ذلك من طرف واحد بل ان الطرفين يقدمون لبعضهم هذه الحاجات . ومع تعدد الطبقات بالاردن الا انها كانت في النهاية تعمل من اجل البقاء .

من الواضح إذن أن اليونان سلكوا طريقاً مغايراً لدول الشرق ( الفرس والعرب العراقيين ) ، فصار الميل العربي نحو الغرب مريحاً لهم، لأنه أقل عنفاً وتكلفة، وتوطدت أركان الدولة اليونانية , بحيث تستطيع حمايتهم من أية قوة غازية تأتي من الشرق. وهكذا كان تداول للأيام بين الناس، بين الشرق والغرب، بين م?Zطْلِع?Z الشمس ومغربها. كما أن قوى الجبهة الغربية لم تتوحد ولم يظهر قائد قوي يوحدها في دولة واحدة ضد اليونان , لتكون قوة منافسة للشرق والغرب معاً، وإنما بقيت اوروبا ممالك مبعثرة، متناحرة متنافرة، حيث قطف اليونان ثمار هذه الأمور كلها لمصلحتهم، وأيضاً لا بد من القول إنه كان لمصلحة شعوب هذه الممالك العربية التي نحن بصدد الحديث عنها .

ثم نعود إلى سرد الأحداث زمن اليونانيين، حيث ظهر ( كما قلنا ) فجأة عام 331 ق.م قائد شاب من بلدة مكدونيا، اسمه الإسكندر المقدوني، واعتمد سرعة الفتح، والحرب الخاطفة، بحيث لم يشهد التاريخ مثيلاً لسرعة فتوحاته ونجاحها. وعندما حط رحاله في بلاد الشرق/ الجبهة الغربية كان أول نجاح له أنه تغلب على الإمبراطور الفارسي داريوس في سوريا عام 331ق . م . فهزمه وهزم جيشه الفارسي شرّ هزيمة فتحت أمامه مجال طرد الفرس من الاردن وسوريا وفلسطين، واكتساحها جميعا ، إلى أن توقف (الإسكندر) على أبواب غزة التي قاومته حاميتها بشراسة, وطويلاً من الوقت. فقد كانت غزة من ممتلكات الأنباط، الاردنيين , حيث كان فيها حامية عسكرية نبطية، ولكن الإسكندر استطاع السيطرة عليها عام 332 ق.م.بعد طول عناء .

اما هزيمة داريوس الفارسي في سوريا أمام الإسكندر المقدوني فقد وضعت الرعب في قلبه وقلوب جيشه وشعبه، وأعطت فرصة لشعوب بلاد ما بين الرافدين العرب ان يتخلصوا من الاحتلال الفارسي. ووجد داريوس أن الأفضل له أن ينكفئ إلى قلب الإمبراطورية الفارسية , وأن يستدرج الإسكندر إلى هناك ليقضي عليه , ثم يلاحق فلوله ويستعيد ممالك الجبهة الغربية كلها ( سوريا الكبرى ) وينتقم من كل من ساعد اليونانيين وعلى راسهم الاردنيين والسوريين والفلسطينيين . ولكن الرياح لا تجري دائماً بما تشتهي السفن. فقد سار الإسكندر واكتسح بلاد الرافدين ثم دخل إلى إمبراطورية فارس وهو مزهوّ بالنصر، فالتقي بالجيوش الفارسية بقيادة داريوس في سهل اربالا في قلب إيران نفسها , والتقى الجيشان جيش مهزوم بذاته ويحارب على ارضه وهو جيش داريوس , واخر مزهو منتصر بذاته وهو جيش الاسكندر . كان داريوس يعتقد ان خوض المعركة على ارض فارس ستمكنه من عنق وتاج الاسكندر , وربما راح يتخيل الاسكندر اسيرا بين يديه مكبلا بالاغلال , ولكن حسابات داريوس كانت وهما من الخيال , لا بل كانت خاطئة بككل المقاييس فالنهزم بذاته لاتنصره ارض ولا سلاحوالنتصر بذاته لاتهزمه ارض ولا سلاح . وبدلا من ان يصرخ داريوس بالنصر , انهزم وجيشه شرّ هزيمة منكرة في بلاده، مما فتح الطريق أمام الإسكندر لافتتاح بقية بلاد الرافدين وبالتحديد بابل، والعودة اليها من الشرق الى الغرب بعكس ماكان الجميع يتوقع . وبالتالي تمكن من الهيمنة على سائر ممتلكات الإمبراطورية الفارسية الداخلية. وتحقق له ذلك بسرعة مذهلة.

استمر الإسكندر في مسيره نحو الشرق واكتسح الهند حتى وصل إلى شواطئ الهندوس بعد أن تحقق له النصر تلو النصر، وبذلك صارت سوريا وفلسطين والأردن وما يسمى العراق الآن وإيران الآن والهند وباكستان ضمن إمبراطورية هذا الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره بسنتين بعد بل ولم يتزوج بعد ايضا لانه تزوج الفضية العسكرية وليسالنساء والجواري . واعتمد تقسيم كل بلد إلى ممالك عليها ملوك يتساوون في الصلاحية وبهرجة السلطان مما استحال معه توحيدهم فيما بعد واستمرت ممالكهم مجزأة لخمسة قرون لاحقة.وكانت هذه خطة الفيلسوف اليوناني ارسطو وهو استاذ الاسكندر والاب الروحي لانتصاراته, حتى قيل فيما بعد ان الاسكندر كان يحكم الهند والسند وفارس وهو في قبره لمدة خمسمائة عام بعد مماته لتطبيقه خطة ارسطوطاليس القائم على من نظام التفرقة بين الملوك والمساواة بينهم في الامتيازات والبهرجة , بحيث لايخضع اي منهم للاخر حفظا على مكاسبه .

كان سوء طالع بلاد سوريا والأردن وفلسطين والعراق وفارس والهند قد تحول إلى حسن طائع للإسكندر المقدوني، مما ملأ رأسه بالآمال العريضة، بحيث رأى أن يسيطر على عالم الشرق كله ، ووجد أن يعود من الهند إلى جزيرة العرب. لأنها مصدر الإزعاج القائم والمحتمل. فهي التي كانت عبر القرون والدول السابقة تفتح بالموجات الشجاعة وربما المتوحشة من الصحراء إلى بلاد الخضراء (الأردن وسوريا وفلسطين ومصر).وهي مصدر الخطر الدائم الداهم .

من هنا فإن الإسكندر المقدوني رأى أن يقضي على بيت الديابير العربي أو خلية النحل في جزيرة العرب قبل أن تفرز خلايا أخرى تؤدي إلى سقوط إمبراطوريته كما سقطت آشور وبابل وفارس، وكما تغيّرت الأسر الحاكمة في مصر بسبب ضربات البدو القادمين من جزيرة العرب أو من الأردن أو عبر الأردن واقامتهم لممالكهم في مصر فيما سمي الاسر ( مفردها اسرة ) . وكان العرب أيضاً ينظرون إلى مكة والكعبة أنها مركزهم الروحي رغم أنهم كانوا يعبدون الأصنام بحجة أو باعتقادهم أن الاصنام كانت تقربهم من الله زلفى.

كان الاسكندر يريد دخول جزيرة العرب عبر النقاط الساخنة والواحات الخصبة والطريق التجاري الحربي المعروف للعرب منذ اقدم العصور وهي : وادي السرحان ودومة الجندل وتيماء ثم إلى العلا، ثم إلى خيبر ثم إلى يثرب (المدينة المنورة فيما بعد)، ثم إلى بكّة (أي مكة المكرمة) وقد سمع أيضاً بعظمة بلاد اليمن وخيراتها، ولا شك أن الأطاييب والبضاعة الثمينة القادمة من اليمن كانت تصل إلى اليونان والى بلاط الاسكندر وبلاط ابيه قبل ان يتحرك نحوالشرق ويحقق ماتوصل اليه , مما اثار لعابه ان يجمع المجد من اطرافه/ اي السياسية والحكمة والقوة العسكرية والاقتصادية والبشرية . لذا فإن السيطرة على اليمن وجزيرة العرب والهند، يعني أنه سيطر على مواد التجارة القديمة، وطرقها، وبالتالي سيستخدمها ضمن سلاحه الاقتصادي ضد أية دولة أوروبية او اية دولة تحت سلطانه .

وبذلك سيطر الاسكندر على حوران المشهورة بأفضل قمح على وجه الأرض منذ القديم، وعلى مصادر مواد التجارة، وعلى خامات الذهب والحديد في كل من مصر، وبلاد الرافدين والهند. ولا شك أنه كان يحلم بهذه الإمبراطورية التي تضم هذه القوميات والأعراق واللغات والأديان والاقطار ، ولا يوحدها إلا اللغة اليونانية والآلهة اليونانية التي انتشرت حيث انتشر جيشهم.

وكما يقول المتنبي فيما ينطبق على حالة الإسكندر:

وإذا كات النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

لا يمكن معرفة نتيجة ما كانت ستكون عليه نتيجة غزو الإسكندر لجزيرة العرب. ولكنه لو فعلها لوجد الهلاك بسبب الصحاري الواسعة، وقدرة القبائل على الاختفاء في مجاهل الصحراء وجبال الحجاز، واليمن، ثم الانقضاض فجأة على القوات اليونانية والقضاء عليها. وفي رأينا، لو أن الإسكندر فعلها لكانت الإبادة هي مصير جيشه وقادته وانهارت امبراطوريته التي كانت طور النشكيل . ولكن الله سبحانه اختار الأفضل للعرب وجزيرتهم، وللأماكن المقدسة أيضاً، فمات الإسكندر وعمره ثلاث وثلاثون سنة بعد أن حكم ثلاث عشرة سنة.

لم يكن للإسكندر ولي عهد، لأنه تأخر في زواجه، كما أن زوجه لم تنجب له ولداً إلا بعد وفاته، إذ غاب عن الدنيا وابنه جنيناً في بطن أمه. وبموته تحولت الإمبراطورية الواسعة الأرجاء إلى فريسة لقواده. وحاول أكبر وأهم قادته أنتغونس Antoghonis أن يخلف الإسكندر، إلا أن طلبه للعرش قد أثار حفيظة بقية القادة العسكريين من حوله، فأسرعوا إلى اغتياله بعد وفاة سيده الاسكندر بمدة وجيزة.

وبهذا الموت، وما تلاه من الاغتيال، انقسمت الإمبراطورية إلى ثلاثة أقسام:

1. الجزء الأوروبي وقد تولاه أنتغونس حفيد انتغونس القتيل المذكور.

2. بلاد فارس والرافدين وسوريا حتى شمال دمشق، فقد تولاها القائد سلوقس Saloqois .

3. الجزء الجنوبي من سوريا والأردن، وفلسطين ومصر فقد صارت تحت قيادة بطليموس.

ووقع الصراع العنيف بين هؤلاء القادة، كل يحاول أن يحتل ممتلكات الآخر ليكون الخلف الشرعي أو القوي للإسكندر المقدوني وكان أشد حلقات الصراع تلك التي كانت بين البطالسة أتباع بطليموس ومركزهم مصر من جهة، والسلوقيين (أتباع سلوقس) ومركزهم الشمال ( وسط الشام وشماله وفارس والرافدين ) من جهة اخرى .

أما وأن ما يهمنا من الأمر هو الأردن وتاريخه وموقعه في هذا النزاع، فإنها كانت ضمن ممالك البطالسة المصريين وقد تم العثور على خزينة بطليموس في عراق الأمير أثناء توسيع الطريق الرئيس العام عند الطور وذلك عام 1993 ، وكانت من البرونز والفضة، وبكميات كبيرة، استفاد منها السكان المحليون في حينه.

في هذا الزمن نشأت مدينة ديون ـ أيدون الحالية ـ وتم إعادة إعمار مدينة طبقة فحل، وسموها: يلاّ التي سماها أحد قادة الإسكندر نسبة إلى المدينة التي وُلد فيها الإسكندر في مقدونيا.

ورغم تغير القيادة، وانقسام ممتلكات الدولة، إلا أن السلوقيين سلكوا منهج الإسكندر في إقامة المدن اليونانية في البلاد الجديدة، وإسكان اليونانيين فيها، وقد أعادوا بناء جرش التي كانت مدينة تعود للعصور السالفة من قبل. ولكنهم أسموها أنطاكيا. وقد أدى تغيير الاسم إلى خلق الوهم لدى بعض المؤرخين في أن أحد قادة الإسكندر أنشأ جرش، ولكن الحقيقة ليست كذلك. إذ أن جرش كانت مدينة من المدن الأردنية القديمة بسبب وجود مجموعات مستقرة وخصوبة التربة وطيب المناخ وعذوبة المياه وتوفرها على مدار السنة والأعوام إلى الآن (2008).

بقيت مملكة الأنباط بعيدة عن الأذى والاحتلال والقهر اليوناني رغم أن ممالك عمون ومؤاب قد خضعت لبطليموس قائد مصر وتحولت الى حكم ذاتي . وحيث أن مصر كانت بعيدة عن البتراء، والطريق صعبة فقد سبق القائد اليوناني السلوقي على سوريا إلى التحرك إلى البتراء لإنهاء هذه الدولة وضمها، وضم ممالك الأردن قاطبة الى الإدارة اليونانية في سوريا، بدلاً من تبعيتها إلى مصر، وسكت بطليموس عن تحركات الجيش السلوقي السوري.

ففي حوالي عام 311 ق.م سيّر أنتغونس Antighonios ملك سوريا جيشاً قوامه أربعة ألاف جندي مشاة نحو البتراء العربية الأردنية يرافقهم ستمائة من الفرسان لإخضاع المملكة الاردنية النبطية وضمها إلى سوريا بدل استمرار استقلالها أو احتمال ضمها إلى البطالسة المصريين ، وبالفعل وصل أنتغونس وجيشه إلى البتراء بينما كان رجالها في احتفال خارج المدينة الصخرية الوردية , حيث قتل وسلب ونهب وانسحب، مطمئناً أن البتراء بدون رجال ولا جيش، وأنهم قوم لا يعرفون الحرب أبداً، وإنما يعرفون المال والتجارة وليس غير ذلك أبداً.وارتاحت باله ووجد انهم سيكون المالك للمملكة الاردنية النبطية بدلا من بطالمة مصر .

وبناء عليه نام القائد اليوناني قرير العين وربما استسلم للهواجس في غزو مصر من الاردن , ونام جيشه المنتصر وقد حازوا من الغنائم ما ملأ أيديهم وأحمالهم. ولكنهم كانوا يجهلون حقيقة تاريخية مهمة وهي المبدا الاردني الذي يقول : ضبع الرجال اللي ينام وهو محيوف ويشبع وهو مضيوف . ونسي ان من يتعدى على الاردن واهله عليه ان يطلق النوم طلاقا بائنا يالثلاثة لارجعة فيه . وعلى اية حال كانت المفاجأة والقائد وجيشه في هجعة الليل الساجي , عندما عاد الرجال الانباط الى مدينتهم البتراء ووجدوا الكارثة حلّت بالرجال والنساء والأطفال، فتعقبوا الجيش اليوناني حيث خيم في سبات عميق ، وإذا به نائم يعيش أحلام النصر فأعمل الأنباط بالجيش قتلاً وأبادوهم عن بكرة أبيهم , واستعادوا المنهوبات والقوا بجثثهم الى الطير والوحش وهي اتلعادة القديمة التي بقيت سائدة عند العرب وفي زمن الغزوات البدوية . ولم ينجُ من جيش انتغونس إلا خمسون جندياً، هربوا إلى ملكهم في دمشق ليخبروه بما حدث بالتفاصيل الدايمة . فما كان من الملك أنتغونس إلا أن لجأ إلى الملاطفة ريثما يجهّز جيشاً أكثر عدداً وأقوى عدّة، فأرسل كتاب تطمين ولطف للأنباط الذين لم ينخدعوا بالأمر، وأيقنوا أن هذا الملك سيهاجمهم بأسلوب آخر وقد استعدوا لذلك أفضل استعداد متوفر لديهم في حينه.

وبالفعل حدث ما كان يتوجس الأنباط منه خيفة، حيث أرس أنتغونس جيشاً من ثمانية آلاف مقاتل نصفها مشاة والنصف الآخر من الفرسان، يريد القضاء على الأنباط ووملكتهم الاردنية واحتلال عاصمتهم البتراء . وانسحب الأنباط من البتراء، حيث لم يبقى أحد منهم في المدينة سوى العجزة والشيوخ والأرامل والأطفال الذين قدموا الأموال للجيش اليوناني السوري فعاد أدراجه من حيث أتى إلى دمشق حيث لم يجد رجالا يحاربهم . وبذلك نجد أن الأنباط كانوا يتخذون من صخرية المدينة معقلاً ناجحاً في الدفاع أنفسهم، وذلك لحصانتها الطبيعية.

من جهة أخرى استمرت حركة الأعمار اليونانية في الأردن، ببناء المدن على أنقاض المدن الاردنية القديمة، وتم اختيار التلال الصخرية لإنشاء المدن الجديدة عليها، لتبقى الأرض الزراعية مصدراً للإنتاج، وفي منأى عن التدمير، وازدهرت عمان، وسميت فيلادلفيا.

ومع انتشار العمران والمدن والتوطين اليوناني في المدن المتحالفة، انتشرت اللغة اليونانية المكتوبة ايضا ، مما اضطر المغلوب أن يقلِّد الغالب، وأن يتعلموا اللغة الجديدة التي صارت إلى جانب اللغة الآرامية المكتوبة لأهالي سوريا والأردن وفلسطين، فضلاً عن اللغات المحلية لكل مملكة وكل هذه اللهجات المحلية كانت في اطار اللغة العربية ، كما تنبه اليونان إلى القضية الروحية، ونشروا عبادة آلهتهم لتكون تعزيزاً للآلهة المحلية،وتعزيزا لوحدة الشعوب تحت راية الثقافة اليونانية , وصار الناس يعبدون الآلهة اليونانية لأنها آلهة الدولة العالبة، بالإضافة إلى آلهتهم المحلية. ولم يكن لدى اليونان حرج من استخدام اللغات الآرامية والمحلية، والأديان السابقة، طالما أن لغتهم وآلهتهم قد صارت فوق سائر اللغات والأديان وطالما انه لاتوجد توجهات لمقاومتهم او التخلص منهم .

وجد اليونان في مملكة الأنباط خطراً واضحاً بسبب قدرة الانباط التجارية والإنتاجية للزراعة والرعاية، وبسبب موقعهم المحصّن، ولأنهم المشروع العربي القومي الوطني في المنطقة الذي يمكن أن يجمع الجبهة الغربية لتكون في مواجهة الرياح الغربية. وكان لا بد من عمل عدة أمور لتحجيم هذه المملكة الاردنية النبطية الفتية القوية , ولمنع قيام المملكة الاردنية الكبرى امام الدولة اليونانية الكبرى .

1. قام اليونان بدعم العمونيين لشن هجمات على الأنباط إلى الجنوب من وادي الموجب، وتوسعت عمون ربما إلى ربة مؤاب ( الربة الحالية الى الجنوب من جبل شيحان بمحافظة الكرك الحالية ) ، وبذلك حرمت الأنباط من سهول شيحان الخصبة الرطبة (آنذاك) ومنتجاتها التي تاتي بعد سهول حوران في الاهمية , وحرمتها ايضا من مقدرات نهر الموجب وحوضه ( كان نهرا انذاك ) . وصارت عمون شوكة في خاصرة الأنباط، رغم انهما كلاهما عرب واردنيون وأبناء جلدة واحدة. ولكن الأمور كانت تعتمد المصالح بالدرجة الأولى , ولان العمونيين ساروا في ركاب اليونان طمعا في الحفاظ على مملكتهم وانفسهم واعتمادا على دعم الدولة اليونانية لهم .

2. تسيير الحملات العسكرية اليونانية التي كانت تتراوح بين الفلاح Victory ( النصر ) تارة والفشل والهزيمة تارة أخرى، كما سبق وذكرنا حول حملة أنتغونس Antighonios التي تعاقب النصر فيها والهزيمة في ليلة واحدة .

استغل ملك مصر وهو بطليموس الثاني هذا الصراع الأردني/ الأردني , أي العموني / النبطي وهو يتطلع لضم الجبهة الأردنية إلى مصر، فضلاً عن مخططه للاستيلاء على طرق التجارة التي تمر برمتهاا عبر الاراضي الاردنية الواسعة في ذلك الزمن ( من تيماء والجوف ودومة الجندل ووادي السرحان الى البتراء وعمون وايلة -- وغزة ورفح التي كانت اردينة نبطية ) وحرمان تحالف المدن اليونانية بالاردن من مصدر اقتصادي هام وهو التجارة ، والسعي لذبول هذه المدن، وبالتالي تلاشيها وانهيار الجبهة الأردنية العسكرية (تحالف المدن) التي أشادها اليونان، لتسهل السيطرة عليها.فاذا ما انهارت تكون الدولة السلوقية ( في سوريا ) قد حرمت ( بضم الميم ) من جبهة هامة وموارد عسكرية واقتصادية هامة .

فعندما ارتقى بطليموس الثاني عرش مصر عام 286 ق.م. ابتدأ عصره بالحروب والفتوحات، ورأى أن يهاجم عمون الاردنية قبل أن تلتقط أنفاسها , او تلملم جراحها , لأنها الجبهة التي تحمي تحالف المدن الاردنية اليونانية العشرة ، حيث كانت فيلادلفيا ـ ربة عمون هي عاصمتها جميعا , وقد بدأت تزدهر بالبناء والحضارة واستقطاب السكان من بدو ويونان وهي قائمة على نهر ماء قوي، وفي مكان محصن، وتحيط بها سهول زراعية هائلة وخصبة من جميع الجهات ,وقريبة من نهر الزرقاء .

سلك بطليموس اسلوب الخديعة وتجاوز القلاع لكي يظنّ الأنباط، انه لن يهاجمهم حتى لايتحالفون مع العمونيين وحتى لاينهمون عداواتهم ضد بعضهم بعضا . من هنا بدأ هجومه عل العمونيين اعداء الانباط في تلك المرحلة مما اثلج صدور الانباط انه ادى المهمة نيابة عنهم فوقفوا موقف المتفرج المتشفي وهم يرون بطليموس المصري يكتسح مملكة عمون، فانسحب السلوقيون السوريون منها وابتسم الانباط لهذا النصر .

ما إن حقق بطليموس الثاني أهدافه، وقلّم أظافر عمون بضرب قوتها، وأظافر اليونانيين السلوقيين باكتساح البلاد وما فيها من تحالف المدن، حتى انفرد للمملكة الاردنية النبطية التي صار حالها يقول: لقد أُكِلْتُ يوم أُكل الثور الأبيض. فسيّر عام 280 ق.م جيشاً للاستيلاء على محطات الطريق التجاري الذي يستخدمه الأنباط ويسيطرون عليه. ولم يبدأ بالطرف الغربي منه، بل توغل في البادية والصحراء الشرقية ، واكتسح تيماء والعلا ومدائن صالح التي كانت جزءاً من ممتلكات الأنباط الأردنيين. وبذلك استولى على طريق البهارات القادمة من الجنوب، وصار لدولته مصدر دخل يفوق أية أتاوة يمكن أن تدفعها أية مملكة أخرى في الديار الأردنية.وصارت خسارة الانباط اضعاف اضعاف اية خسارة يمكن ان تتاتى لهم من دعمهم لابناء عمهم العمونيين , ولكن سبق السيف العذل .

كان لهذه الضربة اليونانية المصرية الموجهة الى شريان الحياة النبطي أثرا قاتلا على الأنباط الذين فقدوا المورد الرئيس في تغذية مواردهم وهو الخط التجاري، وصار همهم ( الانباط ) الآن هو الحفاظ على البتراء العاصمة والحيلولة دون سقوطها في أيدي قوات بطليموس الثاني اليونان المصري التي كانت تتقدم إليهم من محور الجبهة الشرقية بعد اكتساح المواقع المذكورة أعلاه. ورغم انحطاط معنويات الأنباط وقتلهم اقتصادياً بهذه الحملات البطليموسية المصرية . إلا أنهم صاروا أمام مبدأ: نكون أو لا نكون وعضوا على مصيرهم بالنواجذ , وقرعوا سن الندم ان تخلواعن مملكة عمون لسنابك خيل بطليموس لتاتي حوافها وتدوسهم , وهذا شان كل من يتخاذل عن مساندة ابن وطنه وقت المحن . واستنفروا صغيراً وكبيراً، ملكاً ورعية للدفاع عن عاصمة بلادهم وبالفعل ابتسم لهم الحظ وقد تقدمهم الملك نغسه مقدما روحه للدفاع عن شعبه وملكته وعاصمة ملكه , واستطاعوا صد بطليموس، وبذلك سجّلوا انتصارا على قوة تفوقهم عددا وعدة ً، رغم أنهم لم يتواجهوا في معركة أرضية.

صار الأنباط يفتخرون بنصريهم : النصر الاول على جيش أنتغونس السلوقي اليوناني القادم من سوريا عام 311 ق.م، والثاني انتصارهم الأخير على بطليموس الثاني عام 286 ق . م أي بعد ربع قرن من الانتصار الأول. مما حوّل الأنباط إلى كابوس حقيقي ليس للمصريين فحسب، وإنما للعمونيين والسلوقيين أيضاً, اي كابوس لاطراف العداوة الذين لايتفقون الا على محاربة الانباط والقضاء على مملكتهم .

الاردن النبطية منطقة محايدة

كانت سياسة ملوك الأنباط حكيمة، ووجدوا أن ليس من مصلحتهم معاداة العدوين اللدودين لبعضهما البطالسة والسلوقيين, مما قد يوحدهما ضد الانباط الذين وجدوا ضرورة استغلال هذه العداوة بين حكام مصر وحكام سوريا واذكاء مزيد من نار الفتنة بينمها , والاستفادة منها بأقصى ما يمكن أن تكون الاستفادة. وبالفعل نجحت هذه السياسة النبطية وصار الأنباط يلعبون على الطرفين وتحوّلوا إلى منطقة محايدة أو مملكة اردنية محايدة مستعدة لخدمة الطرفين اقتصادياً من خلال التجارة والإنتاج، وأيضاً عدم السماح بأية نشاطات على أراضيها تكون معادية للمصريين أو السوريين، وعدم شنّ هجمات نبطية على أيٍّ من ممتلكات الدولتين. ورضي البطالمة والسلوقيون بهذا الحل. وسمح الأنباط للثقافة واللغة اليونانية بالدخول إلى بلادهم، مثلما سمح اليونان المصريون والسوريون بدخول التجارة والإنتاج النبطي إلى بلدانهم .وبذلك تحقق مبدا تبادل المصالح بدل تبادل المعارك .

كانت هذه السياسة الملكية الاردنية النبطية ناجحة، وانتعشت البتراء ومملكتها مرة أخرى واسترجعوا مكانتهم الاقتصادية، ووسّعوا نفوذهم بصمت وهدوء، وبدون إثارة العملاقين من حولهما. وامتدوا إلى بصرى والجولان شمالاً. وإلى جنوب فلسطين غربا ، تحت غطاء التجارة وبدون قوات عسكرية قد تغير موقف السوريين أو المصريين تجاهم من مودة الى عداوة , وبخاصة انهما رايا أن تمدد الأنباط يخدم كليهما لأنه ليس تمدّداً لأحد من الدولتين ولا ضد اي من الدولتين ، وأن دولة الانباط يمكن سحقها في أي وقت،لانها ليست دولة عسكرية بل اقتصادية فقط , وأنها مهما توسعت فهي ضيقة مقارنة مع ماهي عليه سوريا ومصر من السعة وقوة الدولة والموارد ، ومهما ازدهرت فهي أقل مواردا مما في الدولتين الشمالية والجنوبية ـ أي السورية والمصرية . ومهما كانت دولة الانباط الاردنية قوية، فليس لديها قوات عسكرية تستطيع مواجهة أي من الجيشين السوري والمصري. لذا كان الرضا البطلمي Batliomios والسلوقي حاصلاً على هذا التوسع في الأرض والبناء والتجارة وكل يعتبر الأنباط حليفه. بل إن المملكة الاردنية النبطية تحولت إلى نقطة تداخل الدائرتين الشمالية والجنوبية، ومحسوبة على كل منهما وليست ضد اي منهما .

هدأت الأمور إذن بعد عام 280 ق . م . على أن شرق الأردن من اليرموك حتى العقبة صار تابعاً لدولة البطالمة المصرية إلا أن هذا الأمر لم يدم لأكثر من اثنين وستين عاماً، حيث سار انتيوخس Antiokhios الثالث على رأس حملة عسكرية لاستعادة الأراضي الأردنية إلى هيمنة السلوقيين السوريين ، وطرد البطالمة المصريين من البلاد . واستطاع انتيوخس هذا أن يكتسح شمال الأردن فعلا , حيث سيطر تحديداً على جدارا (أم قيس) Gadara واستعاد إبلا Ibla (أي طبقة فحل) ولكنه فشل في استعادة فيلادلفيا ( عمان ) نظرا لما كانت عليه من التحصين. فلجأ إلى قطع المياه عنها، مما أدى إلى استسلامها بفضل مساعدة الأنباط للقوات السورية وانضمامهم إلى انتيوخس، إلا أن بطليموس شنّ حملة عسكرية عنيفة وواسعة وقوية في العام التالي أي 217 ق.م واستعاد فيلادلفيا وشمال الأردن، وبقيت البلاد في قبضته حتى عام 202 ق.م ( اي مدة خمسة عشر عاما ) حيث غزاها انتيوخس الثالث واحتلها لمدة سنة واحدة فقط.

إزاء هذا التداول في الاحتلال والتحرير، والقتال، والتدمير والتعمير او محاولة التعمير , كان لا بد من الوصول إلى حل بين الملكين المصري والسوري، حيث انعقد الصلح بينهما عام 197 ق.م احتفظ انتيوخس بموجبه بسوريا وفلسطين، واحتفظ بطليموس بمصر، وصارت الأردن منطقة محايدة Buffer Zone / Neutralized Zone واقتصر التدخل بالاردن على الأمور التجارية والزراعية والثقافية , كما أنه لم تكن توجد ممالك اردنية قوية يمكن أن تشكل خطراً في حينه على الدولتين. وقد كانت هذه سياسة حكيمة من الملكين في جعل الأردن منطقة ملاذ أمن للطرفين مع تحريم أية تحركات عسكرية لأي طرف في هذه البلاد، وترك الحرية لأهلها من الحضر والبدو أن يعيشوا بحرية مع استمرار دفع السلوقيين السوريين للأتاوة للبدو لحماية مصالحهم في مدن التحالف العشرة.وبذلك خرج الاردنيون عامة والانباط خاصة بنتائج مبهرة وممتازة من هذا الاتفاق بين الاطراف المختلفة وعادت الالفة بين عمون والانباط , وصارت العلاقة مع البدو هادئة وودودة .

أدى الاتفاق بانتزاع بؤرة الصراع من الأردن إلى أن أصبحت ملاذاً آمناً كما قلنا، وأن الصراع على الارض الاردنية تحول إلى صراع سياسي اردني داخلي وليس إلى عسكري مسلح. حيث حدث خلاف بين أمراء المملكة العمونية، فلجأ أحد هؤلاء الأمراء وهو هيركاتوس ( عربي عموني باسم يوناني كما سبق وشرحنا) إلى عراق الأمير غربي ربة عمون بحوالي ثلاثين كيلو مترا ، وأنشأ إمارة صغيرة كان مقرها المغائر في طور العراق المذكور ، ثم بنى مدينة حولها لاتزال اساستها قائمة الى الان , ثم أنشأ قصراً فريداً من نوعه في العالم، حيث تتألف جدرانه من حجارة يصل حجم بعضها إلى ثمانية أمتار × أربعة أمتار للحجر الواحد. تم اقتطاعها من الجانب الغربي لموقع القصر في سفح الجبل المشرف على المنطقة والمسمى إلى الآن منطقة الهدم او المقطع , وذلك أن استخراج الحجارة منها قد أزالت الطبقة الصخرية العليا مما عرّض التربة الحورية للانهيار والانزلاق الذي يسميه السكان المحليون: الهدم، أي أنها مهدومة وصارت في وضع مغاير لما كانت عليه أصلاً في طبيعتها.واما القطع فلانه تم قطع الحجارة من ذلك المكان .

يقول العديد من الكتاب أن هيركاتوس أمير يهودي معتمدين بذلك على إسرائيليات تنسب كل مجد وعبقرية لهم، ضمن مخطط للادعاء بأن هذه الأراضي إسرائيلية أو يهودية. ولم تعثر الحفريات إلى الآن على أية عملة أو نقود إسرائيلية في منطقة عراق الامير وما حولها ، وإنما على أموال زمن عهد بطليموس كما سبق وقلنا. فضلاً عن العثور على ذهب روماني يعود للعصر الروماني الذي جاء فيما بعد

لقد سبق وقلنا أن أمراء الأردن وملوكها صاروا يتخذون اسمين في العصر اليوناني وذلك كجزء منصراع البقاء واستمرار الحياة بتطبيق قانون الدولة الغازية وهي اليونان لموادعتها , وتطبيق قانونهم الخاص بهم داخل المملكة الصغيرة , فصار للملوك والكبقة المتقدمة بخاصة اسمان هما : الاسم العربي، والاسم اليوناني، مثل: ملكانوس عن الملك النبطي مالك الثاني. ومعروف أن إضافة الواو والسين إلى الكلمة موجود في اللغة اليونانية. لذا فإن اسم هيركاتوس هو اسم يوناني. وأما الاسم العربي العموني فلا نعرفه، لأنه استخدم الاسم الرسمي الشائع آنذاك. وقد ذكر بعض الكتاب أن هيركاتوس كان أميراً يهودياً من مملكة يهوذا في فلسطين وأنه ذهب إلى مصر، وأنه اختلف مع أهله فهاجر إلى الأردن. وهي رواية نرى أنها غير صحيحة، لأنه لا يوجد ما يثبتها. كما أن رأينا لا يوجد ما يدحضه، حتى ولو كان (أي رأينا) بدون دليل سوى التحليل والدقة في التقصي . ومثلما يطلبون الدليل منا، نطلب منهم دليلاً مستقلاً غير مأخوذ من المصادر الإسرائيلية.

ونحن قد رأينا أن فلسطين (بمن فيها مملكة يهوذا) كانت تحت سيطرة السلوقيين السوريين، وأن ذهاب هيركاتوس من فلسطين إلى مصر سيعني أنه غيّر ولاءه من السلاجقة الى البطالمة , مما يستوجب قتله ، وبالتالي فإنه لن يجازف بذلك، كما كنا رأينا أن الأردن صارت منطقة محايدة، ولن يسمح السوريون بتأسيس إمارة ولاء أميرها للبطالمة المصريين مما قد يشكل حامية عسكرية تهدد مملكة عمون ذات التحالف مع الطرفين. كما أن المعاهدة لم تسمح بتأليف إمارات تابعة لأي من الطرفين في الأراضي الأردنية.فلو كان يهوديا لكان ذلك اختراق للمعاهدة ولاستوجب الهجوم السلوقي السوري بكل تاكيد ولاشتعلت حرب بين المملكتين وراحت عمون فرق عملة بين القوتين الاعظم انذاك .

ونحن نرى أن هيركاتوس هو أمير عموني انشق عن أسرته وأقطع له البلاط الملكي العموني منطقة عراق الأمير للعيش هناك، حيث لا توجد مساحة ولا مكانات ولا سكان يمكن أن يشكلوا خطراً على العرش العموني. كما أن الملك لم يطلب من سوريا أو مصر قمع هذا الأمير. ولو كان متمرّداً على ملك يهوذا لأوغروا عليه صدر البطالمة والسلوقيين وحالوا دون تأسيس هذه الإمارة الصغيرة.

نحن نرى أن هذه التي في عراق الامير لم تكن إمارة ولا دولة ولا انفصالية عن مملكة عمون ، وإنما مزرعة لهذا الأمير العومني بدعم من الملك العموني تفسه ، حيث أن الموقع ساقط استراتيجياً، بسبب سهولة محاصرته ومنع الإمدادات عنه ، حيث أن الموقع في حضن الجبل من الجهات الغربية والشمالية والجنوبية، أما من الشرق فيحده سيل عراق الامير الذي يتخذ من الوادي الحاد الجوانب مسيلاً له. كما أن الآثار منتشرة على مدى عدة كيلو مترات مربعة في المكان مما يدل على أنه وفي أحسن حال أن هيركاتوس العموني كان أميراً أو حاكماً لمنطقة عراق الأمير، وأنه كان تابعاً للملك العموني.

لقد كان الحقد اليوناني والعموني على اليهود يمنعان من إقامة إمارة أو دولة يهودية في مملكة عمون العدو اللدود لمملكة يهوذا. وبالفعل ما إن تسلّم انتيوخس الرابع السلوقي السوري سدّة الحكم، حتى أعلن كرهه لليهود واضطهاده لهم. فحرمهم من الختان، ومن أداء شعائرهم الدينية وأحرق كتبهم الدينية، وأبطل شعائرهم، وأرغمهم على انتهاك حرمة يوم السبت المقدس لديهم، وأجبرهم على أكل لحم الخنزير المحرم أكله في شريعتهم .

لم تكن مملكة اليهود في القدس حرة في التصرف كما قد يتصور البعض , حيث كان عرشها صوريا وكانت كما هو شان الممالك الاردنية تتمتع بقدر متدني من الحكم الذاتي , وخاضعة للمندوب السامي اليوناني السوري حيث كان أبولينياس حاكماً للقدس فوق الملك اليهودي، ولا يمكن له أن يسمح لهيركاتوس لو كان يهودياً من القدس ( كما تقول الروايات ) أن يذهب وأخاه إلى الإسكندرية، وأن يتناول مادبة العشاء على مائدة الملك المصر العدواللدود للملك السوري , وأن يأخذ الأموال يدون علم الحاكم اليوناني الأعلى ( المندوب السامي اليوناني ) في قلسطين . وبذلك نرى أن هيركاتوس ليس من مملكة اليهود تحت أي ظرف من الظروف , وليس يهوديا بل عربيا عمونيا اردنيا يحمل الاسم اليوناني وهو ماكان سائدا في تلك الحقية . اننا نؤكد هنا ان هيركانوس كان اميرا مهما في مملكة عمون الاردنية العربية ومن الاسرة الحاكمة ، وأمر الملك بإقطاعه هذه المنطقة لحلّ إشكال كبير لديه في مؤسسته العرش بين الأمراء , بدون قتال بينهم .ويبدو انه نافس الملك على العرش او طالب بولاية العهد ثم توصل الطرفان الى حل يسمح له بتملك اقطاعية على نهر جاري / نهر عراق الامير , وتربة خصبة ومنظقة حصينة على الاعدعء لكنها ليست حصينة او عصية على مملكة عمون .

ورغم أن الحاكم السوري للقدس المندوب السامي اليوناني أبولينياس كان منفذاً أميناً لسياسة سيّده انتيوخس، فإنه كان على حذر وخشية من ثورة اليهود، كما هي عادتهم ( اليهود ) في الثورات ضد السلطات المحتلة المتعاقبة . وبالفعل وقع المحذور حيث اعلن اليهود ثورتهم ضد اليونانيين , والتي قادها ملكهم اليهودي حيث قتل عمال الملك السلوقي السوري اليوناني واعتصم الملك الثائر وأولاده في الجبل , وعندما لقي حتفه خلفه ولده يهوذا الذي كان المخلص الحقيقي لشعبه من الاضطهاد اليوناني , والمتفهم لسياسة والده في هذا الاطار , حيث تمكن بقوة قليلة أن يقهر الجيوش اليونانية التي أُرسلت لمطاردته. حتى إذا ما حلّ عام 167 ق.م اندحر أبولينياس/ اليوناني السوري , ولقي حتفه عام 166 ق.م، فتقدم جيش يوناني آخر لإنقاذ الموقف لكنه تجرّع الهزيمة ايضا على يد جيش يهوذا ايضا كسلفه ابولينياس .

أرسل أنتيوخس جيشاً ثالثا عام 165 ق.م قوامه أربعون ألفاً من المشاة وسبعة آلاف فارس، وحملات أخرى، باءت كلها بالفشل، والت النتائج بالنصر ليهوذا، وبذلك خلّص القدس من الوجود اليوناني، ولكن إلى حين. ومن حسن طالع يهوذا أن عدوّه المتربّص به أنتيوخس قد مات عام 164 قهراً وربما انتحارا , لما لحقه من هزائم على يد قوة يهودية أقل منه عدداً وعدة، مما كشف جبهته الجنوبية للبطالمة في مصر، وصار عرشه السوري مهزوزا مهدداً في عقر داره دمشق ، وقد يتحول من ملك على العرش إلى أسير في الأغلال وراء القضبان في أية لحظة . حقاً لقد كانت مأساة بالنسبة له، وكانت الهزائم المتلاحقة ضده قد أقنعته أنه انتهى كملك، وقد تقوم ضده ثورة داخلية في أية لحظة، وهذا بحد ذاته أفضى به إلى الموت قهراً او انتحارا او تصفية على ايدي قادته الذين راوا فيه وجه شؤم على البلاد والجيش والدولة وهيبتها ومكانتها . لقد كان سوء الطالع قد افضى به الى ماهو خارج معادلات القوة . فالحظ احيانا اهم من القوة بكثير , وهذا ماكان من امر انتيوخس . لقد مات ( او انتحر او قتل ) قهرا لانه شعر بالاهانة والذلة وكان حظه عاثرا بينما ابتسم الحظ ليهوذا الذي وجد نفسه رمزا قوميا لليهود ومخلصا لهم من دولة السلوقيين . .

مملكة يهوذا وصراعها مع الاردنيين

وبموت الملك السلوقي انتيوخس عام 164 ق.م كما قلنا، خلا الجو في ليهوذا في فلسطين , حيث امتدت طموحاته إلى ماوراء نهر اردن محاولا نامين جبهته الشرقية بالامن والموارد والتجارة , فتطلع الى مملكة الأنباط في جنوب الأردن، فسيّر حملة إلى اراضيها الممتدة في جنوب فلسطين وجنوب الأردن حيث يهيمن الأنباط , وصادف قوة عربية نبطية في وادي عربة وهزمها فتفرقت فى القفار والاوعار . وبناءا عليه صارت الطريق مفتوحة امامه إلى بقية بلاد شرق الأردن، وكان الموقع الأهم بالنسبة له، هو مملكة عمون باعتبارها قبالة القدس حيث عاصمته , ولانها تقع على موقع استراتيجي وهي مصدر انتاج الحبوب بانواعها والعسل والزعتر والمواشي ومنتجات الالبان وهي المنتجات التي بقيت منطفة البلقاء مشهورة بها منذ اقدم العصور الى اواخر العصر العباسي . وبالفعل استطاع يهوذا أن يدمّر الفيلق الاردني العموني في معركة أم جوزة (جازر) إلى الشمال الشرقي من السلط. وهنا نتوقف لحظة لنجد أن ملك عمون آنذاك أو قائد جيشها يسمى ثيوسيوس Thiosois وهو عربي عموني واسمه يوناني، وهذا يعيدنا إلى اسم هيركاتوس العربي العموني الذي حمل اسماً يونانياً كما سبق وذكرنا

في أعقاب معركة أم جوزة ( جازر ) ، حدث ما لم يكن في حسبان يهوذا، إذ ثار ضده سكان جلعاد العمونيون الاردنيون العرب في تحرك عام في صراعهم من اجل البقاء ، وشنوا حربا ومقاومة شعبية ضده وضد جيشه ،ولم يكن من بينهم من قبل على نفسه العمالة له ولليهود بل تحولوا جميعا الى جيش وطني مقاوم مقاتل ذكورهم واناثهم وكبيرهم وصغيرهم , لان اية هيمنة ليهوذا ستعني ابادتهم وقتل اطفالهم وسبي نسائهم وهو ماكان يمارسه اليهود ضد الاخرين دائما . الأمر الذي أعاد للملك العموني أنفاسه، فأعاد تنظيم قواته مرة أخرى . وعندما التقت الارادة وتحول الجميع الى همة رجل واحد قيض الله لهم النصر , واستطاع الملك العموني الاردني وشعبه يهزموا يهوذا وجيشه الذي كان يعتبر نفسه انه لايقهر . وفي الوقت الذي ايقن الملك العموني الاردني أنه قد حقق ما كان يصبو إليه وتنفس الصعداء أن يهوذا لن تقوم لها قائمة على المدى المنظور.راح يهوذا يخطط بطريقة مختلفة لاستيعاب الهزيمة تحويلها الى نصر له .

اعتمد يهوذا عنصر المفاجأة وسرعة الحركة، حيث عاد من فلسطين على راس ثمانية آلاف مقاتل، فمرّ بجلعاد وأخضعها وانتقم منها , حيث وجدها خالية من الجيش العموني واخذها على حين غرة من اهلها , الذين لم يتوصروا ان يهوذا سيعود بهذه الرسعة . فقل يهوذا بعد ذلك راجعا إلى بصرى حوران مزهوا بالنصر على شعب اعزل , حيث افتتحها ثم إلى الحرّة شمال الأردن حيث كان الملك العموني معسكراً يبحث عن الصيد والمتعة ( وشعبه في جلعاد قد اصابهم مااصابهم ) بعد ان اعتقد ان يهوذا قد ولى فرارا الى غير رجعة , ولم يكن ملك عمون يتوقع ملاحقة يهوذا له في اعماق البرية تلك وهنا هرب العموني وجيشه وبدلا من اصطيادهم للغزلان والحباري صاروا هم مادة الصيد لجيش يهوذا , وتفرقوا في البلاد امام الهجوم اليهودي المباغت ، ولحقهم يهوذا وجيشه وفتك بملك عمون المذكور وجيشه . عاد يهوذا منتصراً عن طريق وادي نهر اليرموك. ومع هذا لم يثبت في الأماكن التي اكتسحها، وانما كانت حركته عبارة عن اجتياح عسكري مؤقت، لتأديب العمونيين وتدمير قوتهم وفرض هيبة المملكة اليهودية علىبلاد شرق الاردن , ليس إلا.

وقد أدت هذه الحملة اليهودية وتصرفات يهوذا إلى إثارة ملك سلوقيا في سوريا الذي أرسل جيشاً وحركه نحو القدس قوامه مائة ألف من المشاة وعشرين ألفاً من الفرسان. ووصل الجيش إلى القدس وحاصرها، وصارت مملكة يهوذا في وضع حرج، حتى إذا ماكادت تنهار او تستسلم ، وتلقى الإبادة بالسيف، وصل خبر إلى القائد اليوناني مفاده أن الاضطرابات في سوريا قد اشتعلت، وخصوصاً في أنطاكيا. مما اضطر معه أن يقوم القائد اليوناني بعقد الصلح مع الملك يهوذا، وأن يعود الى وطنه , ليرسل جيشاً آخر في عام 161 ق.م، ولكنه لم يذهب لفلسطين وإنما إلى شرق الأردن حيث قام بذبح عدد كبير جداً من اليهود الذين كانوا التجأوا من بصرى والقدس إلى إبيلا في مشارف الغور الشمالي وهي طبقة فحل Abella .

لم يكن يهوذا بالمستوى الذي يحشد جيشاً لمجابهة الجيش السوري السلوقي، ومع هذا قرر الهجوم على المحتلين مهما كانت النتيجة. وبالفعل كان عمله هذا انتحاراً سياسياً وعسكرياً أدى إلى هلاكه، مما أدى إلى سيادة الأمن والسلام على شرق الأردن حتى عام 103 ق.م، حيث عاد إلى الواجهة والساحة الصراع القديم بين مملكة يهوذا والممالك الأردنية.

خلف إسكندر جانوس والده يهوذا على عرش مملكة يهوذا بالقدس , فكانت فاتحة أعمال جانوس الهجوم على مدينة جدارا (أم قيس) الاردنية , وحاصرها عشرة أشهر ثم دخلها وهدمها، ثم سار إلى بلدة أماثيوس Amathios البلدة المنيعة في شمال غور الأردن، حيث تغلب عليها ودخلها، واشتبك في معركة مع جيش موحد من الجلعاديين العمونيين والمؤابيين، وانتصر عليهم، ومع هذا كانت قواه خائرة جداً، فالتقى مع قبيلة بدوية وهم العبابيد،ولم ياخذهم بعين الاعتبار , الا ان ظهورهم المفاجيء من بين الغابات انذاك ,وانقضاضهم على جيشه المنهك , جعل المعركة مصيرية حقا وحامية الوطيس , بل معركة وجود او عدم وجود لكليهما . ولم ينفع الاسكندر اليهودي تقليله من شان قبيلة العبابيد البدوية هذه , مما كان له اكبر الأثر على الملك اليهودي وجيشه , واستطاع شيخ البدو العبابيد من النصر على الملك الإسكندر بن يهوذا في مكان يدعى هيرموكس وهو موقع معركة اليرموك الذي انتصر فيها العرب المسلمون على الروم بعد سبعمائة سنة ونيف . انه موقع ينتصر فيه العرب على اعدائهم من غير العرب ففي المعركة الأولى عام 103 ق.م انتصر شيخ البدو العبابيد على اليهود الذين كانوا في قمة غرورهم بعد انتصارهم على الجلعاديين العمونيين والباشانيين والمؤابيين، وبعد أن صار إسكندر مصدر رعب للاردنيين جميعا في هذه الديار من اقصلا شمالها الى اقصى جنوبها , وبعد ان صار يتبجح انه صاحب الجيش الذي لايقهر وهي الاكذوبة التي بقي الاسرائيليون يرددونها الى يومنا هذا . إلا أن قانون الأردن قائم دائماً على مبدأ: الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة من غير اهله ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين ) .

وفي راينا ان الامر في هذا النصر كان لجذام والتي كانت عباد ولا زالت جزءا منها . كانت قبيلة جذام الاردنية العربية تمتد انذاك في الاردن من العلا الى هضبة الجولان , وقد تعاقب على زعامتها كثير من بطونها كما سنرى في معرض الحديث عن العشائر . ويبدو لي ان زعامتهم كانت في العبابيد في تلك الحقبة من التاريخ , وكانت الممالك الاردنية تحوي مواطنين جذاميين في سائر ربوع الوطن , حيث قام الملك اليهودي اسكندر بقتل العديد منهم مما جعل القبيلة برمتها تتجمع وتلحق بالجيش اليهودي الى الشمال وان تنتظر الى اللحظات التي امتزج فيها غرور النصر مع الارهاق بعد المعارك الطاحنة مقرونة بانشغال اليهود في نهب الغنائم وتوزيعها . يبدو ان انقضاض العبابيد الجذاميين على الجيش اليهودي الذي لايقهر كان في مثل هذه المعطيات . وعندما عجزت جيوش الممالك من الفتك بالملك اليهودي , تبدلت المعادلات والحسابات الجديدة بانقضاض العبابيد وجذام على القوات اليهودية المنتصرة .والحقت بالاسكندر بن يهوذا شر الهزيمة .

ومع هذا أعاد الاسكندر ترتيب قواته، وجنّد أعداداً جديدة. وخاض حرباً مع الأردنيين، استمرت من 84 ق.م ـ إلى عام 81 ق.م حيث استولى على أيدون وما حولها، وجراسا (جرش)، حتى إذا ما مات عام 78 ق.م كانت جلعاد (من نهر اليرموك إلى وادي شعيب، وعمون ومؤاب كلها تحت سيطرته) وأعاد بناء قلعة ماخيروس (مكاور) بجوار مادبا لتكون مخفراً متقدماً يحول دون غزو الأنباط على الديار التي افتتحها.

لا بد من أسباب كانت كامنة وراء تطلعات إسكندر بن يهوذا في السيطرة على الأردن منها:

1. زوال قوة التأثير المصري والسوري في الأحداث الأردنية، وتركوا الممالك الأردنية إلى قدرها، ولأي قائد قد يجتاحها او قد يظهر منها .

2. وكذلك كان أن المملكة اليهودية في القدس لا يهدأ لها بال إلا بتأمين جبهة الأردن.

3. وكذلك كان الثأر من العمونيين الذين لم يتوانوا في قتل اليهود من قبل.

4. إن النصر الذي حققته القبيلة البدوية / جذام / عباد ضد اليهود في ارض هيرموكس / اليرموك الحالية صار عقدة لدى اليهود ووجدوا ألا مفرّ من الثأر.

5. وكذلك كان أن الإسكندر بن يهوذا وجد ضعفاً في الممالك الأردنية، وقوة لديه.

6. انتشار القلاقل والفتن في سوريا وضعف الملك السلوقي في دمشق.

7. طمع بطليموس المصري في ضم الأردن إلى مملكته متجاوزاً بذلك اتفاق عام 197 ق.م.


الانباط مشروع وطني اردني سياسي

أمام ذلك صار أبناء شرق الأردن ينظرون إلى الأنباط أنهم المشروع الوطني الأفضل والأمثل الذي سيشكل لهم حماية من بطش المملكة اليهودية وغيرها . لذلك كان من السهل على الأنباط أن يتمددوا في الأردن حيث وجدوا ترحيباً شعبياً ورسمياً وافضلية على اليهود. وهنا برزت أسماء الملوك الأنباط، وصاروا معروفين جيداً لدى شعوب الممالك الأردنية من اليرموك إلى العلاء. وقد برز من الملوك بعد هذا التاريخ التالية أسماؤهم:

1. الحارث (واسمه اليوناني فيلهلن) (95 ـ 50 ق.م).

2. مالك (واسمه اليوناني مالكوم) (50 ـ 28 ق.م).

3. عبادة (28 ـ 7 ق.م).

4. الحارث الثاني (واسمه اليوناني فلوديموس) (7 ق.م ـ 40 ب.م) وهو الذي تزوجت ابنته من هيرودس أنتيباس وخانها وخلعته .( وهيرودس اصلا ادومي عربي اردني اعتنق اليهودية كما قلنا سابقا )

5. مالك (40 ـ 75 ب.م).

6. وايل (75 ـ 106 ب.م).

أما من حيث تمتعهم ومملكتهم بالاستقلال والتبعية، فقد لعب هؤلاء الملوك دوراً هاماً في بناء مملكتهم، واستطاعوا حفظ توازنهم في علاقاتهم مع المصريين والسوريين، حيث استغلوا الصراع بين الطرفين أفضل استغلال كما اشرنا اعلاه .

ولكن قدوم القائد الروماني بومبي عام 64 ق.م قد قلب المعادلات راسا على عقب , فبعد قرون من الفهم والتفاهم النبطي مع اليونان، جاءت دولة أخرى تحلّ محلّ اليونانيين، وهي دولة روما، ذات الثقافة والديانة واللغة والأهداف والوسائل المختلفة في التعامل مع الشعوب. كان الحكم لدى اليونان وراثي كما رأينا في اسرة الرجل الواحد الاب الى الابن الى الحفيد وكان في خط الذكور وليس في الاناث او خط الاناث ، حيث أن أبناء واحفاد أنتخيوس قد واصلوا الجلوس على عرش سوريا، وكذلك شان أبناء بطليموس واحفاده في التعاقب على عرش مصر. حيث كان النظام مؤسسياً قائماً على السياسة ومؤسسة العرش الوراثية في الدولة.

أما لدى الرومان فالأمر مختلف تماماً، حيث أن المجال مفتوح لأي قائد عسكري شجاع يؤيده الجيش أو مجلس الشيوخ أن يصير إمبراطورياً سواء أكان عربياً أم رومانياً أو مهما كان أصله. وأن الإمبراطور العربي الحوراني الذي كان احد رعايا مملكة باشان الاردنية وهو : كراكلا أكبر مثال على ذلك كما سنرى عند الحديث عن الرومان . ورغم الاحتلال العسكري الروماني للأردن إلا أن الثقافة اليونانية ونظام المدن العشرة بقي قائماً، لأنه كان يؤدي مهمات هائلة في رفد موارد الدولة، وحماية أمنها والتعامل مع بدو الصحراء الذين كانت هذه المدن خطاً متقدماً لحماية الإمبراطورية غرباً من الموجات الشرقية البدوية وغيرها.

أقول تقدم يومبي عام 64 ق.م على رأس الجيش الروماني باتجاه سوريا، ولكن الهيمنة الحقيقية للرومان على الأنباط لم تكتمل الا عام 106م زمن الإمبراطور هدريان: ولم يكن هذا التقدم الروماني سريعاً بل بطيئاً استمر من عام 64 ق.م إلى 106م أي حوالي مائة وسبعين عاماً، بقيت مملكة الأنباط الأردنية العربية خلالها مزدهرة، وتتعامل مع القوى السياسية بذكاء وبراعة.

لقد كان الصراع بين البطالمة المصريين، والسلوقيين السوريين، إلا أن الرومان بدأوا بالدخول إلى سوريا سعياً للسيطرة على سهول حوران التي صارت مخزن روما للحبوب، والتي إكراماً لأهميتها وخطورتها صار منها الإمبراطور كراكلا (لا أعرف اسمه العربي)، حيث أن ذلك ساعد في سهولة السيطرة على سوريا والأردن وفلسطين باعتبار أن الإمبراطور من هذه الديار، وبالتالي كانت العواطف القومية العربية مهمة في قبول الرومان كقوى بديلة عن اليونان . ومع هذا بقيت الثقافة اليونانية قائمة في المنطقة على مدى خمسة قرون , حتى انحسرت الدولة الرومانية على أيدي القوات الإسلامية زمن سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

إلا أن عامل الهدم والتخريب في الأردن في هذه الفترة الانتقالية كان على أيدي اليهود الذين عملوا تدميراً وهدماً لأية مدينة أردنية تقع تحت قبضتهم، بما فيها المدن العشرة، وصار اليهود ينهبون الأردن بحجة الحفاظ على حدودهم الشرقية، وبحجة تحقيق الأمن لرعاياهم، وهي العقيدة الأمنية ذاتها التي تنادي بها إسرائيل في العصر الحديث.

ولم يقتصر النهب والسلب على اليهود، بل إن بدو الصحراء تقدموا من هذه المراكز العمرانية والحقول والزراعة وصاروا ينهبون ويسلبون في غياب الأعطيات السنوية لهم. وفي خضم هذه الفوضى على أيدي البدو من الشرق، واليهود من الغرب تلاشت الممالك الاردنية الهرمة العجوز بعد أكثر من ألف سنة من البقاء والاستمرار، مثل مملكة عمون، ومملكة مؤاب، حيث أصبحت عمون جزءاً من تحالف المدن العشرة، وصارت مؤاب جزءاً من المملكة النبطية.

وبمعنى آخر، فإن هذه الفوضى التي كانت رياح الشؤم على عمون ومؤاب، كانت بالمقابل رياح السّعد على الأنباط الذين كانوا المستفيد الوحيد من هذه الفوضى، وتداعت إلى مملكتهم العشائر التي كانت ضمن اهالي عمون ومؤاب بعد أن شعروا ( العشائر ) بخطر فقدان الأمن من الشرق والغرب على حدٍّ سواء , وراحوا يبحثون عنه في كنف العرش النبطي وصاروا انباطا . وعندما وصل بومبي الروماني عام 64 ق.م إلى سوريا، كانت هيمنة الأنباط قد امتدت على شرق الأردن وسيطرت على دمشق وباديتها ، وتجاوزت المملكة اليونانية السلوقية السورية التي كانت عجوزا هرمة بلغت سن الياس المطلق من ارذل العمر . وبمعنى آخر فإن وجود الأنباط قد أزال سلفاً من وجه يومبي القائد الروماني كلاً من مملكتي مؤاب وعمون، كما مملكة السلوقيين في دمشق.

سيطر الأنباط على بادية شرق الأردن وبنوا مدينة أم الجمال، وصارت الحرة في البادية الشمالية، وجبل الدروز وبصرى وحوران ضمن ممتلكاتهم، بل إن الأنباط وجدوها فرصة قبل قدوم بومبي للتحالف مع الفرس لضرب المملكة اليهودية الهزيلة في القدس التي كان يجلس على عرشها عدوهم اللدود الإسكندر جانوس بن يهوذا السالف الذكر . وبالفعل تحرك الجيش النبطي إلى القدس وحاصر الإسكندر، إلا أنه رفع الحصار بوساطة وتدخل من بومبي الروماني، فانسحب الملك النبطي الحارث الثاني إلى مغادرة القدس وعاد إلى بلاده في البتراء.

لقد كان الصراع آنذاك صراع القوة والوحشية في آن واحد، فلم تكن هذه الشعوب تدين بدين سماوي، بل بأديان وثنيّة صنعها كهنة كل شعب وجعلوا منها وهما إلهيّا ليس له أساس مادي أصلاً، وملموس سوى نقش على حجر اسمه الصنم ويقولون وهماً انه إله.

كان الأنباط شعب تجاري زراعي رعوي من الطراز الأول، وكان اليونانيون شعب صاحب حضارة وثقافة، وقد استفادت الأردن من فترات الأمن والحيادية التي كان للأنباط دور هام في تحقيقها والتوصل إلى هذه النتيجة.

تلاشت ممالك أدوم ثم مؤاب على أيدي الأنباط بصفة رئيسة أما عمون فقد كانت القصلة التي قضمت ظهرها هي تقدم يومبي نحو دمشق ثم نحو الأردن وفلسطين.

وبالفعل حدث الفراغ السياسي والعسكري في الأردن وفلسطين معاً، وبرزت دولة الأنباط في شرق الأردن، ورحلت دولة أدوم إلى غرب الأردن وإلى جنوب فلسطين، وأعادوا تسمية أنفسهم، باسم: أدوميا Adomia ، لأن المكان والزمان قد تغيّر، ولأن نسبة كبيرة من سكان مملكة ادوم بقيت في مواضعها وانضوت تحت لواء الأنباط، وأن العديد من السكان في جنوب فلسطين من غير الأدوميين قد صاروا من رعاياهم في مملكتهم الجديدة / ادوميا . ورغم أن الأدوميين الأردنيين كانوا في صراع مع اليهود تارة وتحالف تارة أخرى، إلا أنهم بدّلوا سياستهم في منازلهم الجديدة، وتحالفوا مع الرومان وليس مع اليونان، كما سنرى بعد قليل، وغيّروا الموالاة والتحالف لأن ذلك أدى إلى مزيد من المكاسب، وغيّروا أسماؤهم العربية إلى اليونانية والرومانية، فصار هيرودس العربي الأدومي الأردني ملكاً على اليهود في القدس بتنصيب من روما. كما سنرى إن شاء الله في الصفحات القادمة.وهو الذي امر بذبح سيدنا يحي عليه الصلاة والسلام من اجل عيون عشيقته والراقصة ابنتها كما سياتي ان شاء الله تعالى .

إذن صارت في الأردن وفلسطين ثلاث قوى في نهاية العصر اليوناني ( قبيل مولد السيد المسيح عليه الصلاة والسلام ) ، الأنباط : وديارهم من خليج العقبة إلى دمشق . وأدوميا : وديارهم في جنوب فلسطين . ويهوذا : وديارهم في القدس التي لم تتوانى عن الأخذ بثأرها من مملكتي مؤاب وعمون، وساهمت في تلاشيهما، وأخذت أراضي الغور والواجهة الغربية من مرتفعات الأردن الشرقية، بينما بقيت الأراضي الأخرى تحت سيطرة الأنباط. الذين أيضاً مارسوا: لعبة القط والفأر مع أدوميا الجديدة عدوتهم اللدودة قبل عدة قرون.

ضعفت الدولة اليونانية في مركزها باليونان، ومعها ضعفت سائر الإدارات التابعة لها في الأقطار الخارجية، وحيث أن الشعوب بطبعها تتربص الدوائر بالمحتلين، فقد عادت الممالك الاردنية والسورية والعبرية إلى صحوتها مرة أخرى وصار فراغ عام اذ لاتوجد قوة محلية في الاردن وسوريا قادرة على توحيد هذ الممالك والشعوب . ، كان لا بد من مليء هذا الفراغ بقوة جديدة وهي القوة الرومانية.

روما 64 ق.م ـ 638م:

يقول الله سبحانه وتعالى: ( وتلك الايام نداولها بين الناس ) ويقول الشاعر العربي:

لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتها دول من سرّه زمن ساءته أزمان

وكذلك الأيام دول وتداول، والقوى السياسية والعسكرية تتصارع فيها عناصر البقاء والفناء معاً. فإن تغلبت إحداهما على الأخرى صارت تلك صفة الدولة بقاءً أو فناءً، وإن للدول أعمار كما للإنسان، وإن عمر الدولة مرتبط عادة بقوة عاصمتها، التي تعتبر القلب النابض، فإن توقف أو ضعف ساد الوهن على سائر أنحاء الجسم.

استطاع اليونان أن يحلّوا مكان دولة الفرس التي كانت ناجحة في الإدارة، فاشلة فيما سواها , وكانت في طريقها لفرض الثقافة الفارسية على العرب الا ان القدر انتزع منها سيطرتها على بلادنا , والت الامور الى قوة اخرى وهي اليونان كما قلنا . استطاع اليونان أن ينقلوا مع السيف والجندي والحصان، سلاحاً آخر وهو اللغة والثقافة والحضارة والفلسفة والمسارح والمستوطنين اليونان في الديار السورية والأردنية، ليكونوا مخافر متقدمة عسكرياً، ورسل حضارة للشعوب المغلوبة. وسنّ اليونان أوّل طريقة للخلاص من موجات وهجمات البدو، وهو دفع الأتاوة لهم بدل أخذها منهم، فالبدوي بطبعه يحب الكسب من الآخرين، لأنه عاش في بيئة صعبة، ولا يتوانى عن استغلال كل إمكانات متوفرة فيها من أجل عيشه وبقائه , انه صراع البقاء مع الحياة ومع الطبيعة ومع اخيه الانسان .

تقع اليونان إلى الشرق من إيطاليا، ويفصل بينهما بحر الأدرياتيك المتصل بالبحر الرومي (الأبيض المتوسط)، ومساحتها لا تزيد عن نصف مساحة إيطاليا. وقد ظهر فيها فلاسفة لا زالوا معروفين لجميع شعوب الأرض وهم سقراط، وأرسطو (أستاذ ومستشار الإسكندر المقدوني) وأفلاطون (صاحب كتاب الجمهورية الفاضلة) وديوجين وغيرهم كثير.

كان فكر هؤلاء قد اضاء شموس المعرفة في بلاد اليونان، فبُنيت الحضارة اليونانية على أساس هذه الفلسفة، وصار هؤلاء الأعلام ثروة لليونان تفوق قدرة الجيوش، والمعادن الطبيعية والشعب نفسه، ومن خلال فلسفتهم تأسست دولة تقوم على الحكمة والثقافة وتثقيف الشعوب، لذلك جاءوا إلى بلادنا وهم أصحاب رسالة وفلسفة واهداف واضحة فضلا عن اهدافهم العسكرية والاستعمارية ايضا .

لا يمكن إغماض العينين عن التأثير اليوناني على إيطاليا المجاورة، وبالتالي إيجاد روح التنافس والتباغض بينهما في ان واحد , فقامت روما وكانت البلاد تسمى باسمها يسنّ القوانين والتشريعات لعلّها تنافس أثينا فيما صدر فيها من فلسفة وثقافة وحكمة . كانت سلطة القانون مهمة، وكانت ممارسة الديمقراطية بانتخاب مجلس للشيوخ لا يُسمح بتجاوزها في تعيينات الأباطرة وكبار رجال الدولة، وصياغة وإصدار القوانين إلا بعد الرجوع إلى مجلس الشيوخ هذا.كانت روما بلدا ديموقراطيا من طراز رفيع ولكن مع شعبها في ايطاليا بالدرجة الاولى ثم في بقية الامبراطورية .

من هنا استطاعت روما أن تعوِّض نقصها الثقافي عند اليونان، بأن تفوقت عليها بالديمقراطية والقوانين وبناء جيش قوي يعمل حسبما تنص قوانين روما الصادرة عن مجلس الشيوخ الذي كان الحاكم الحقيقي للبلاد، وحاكم الإمبراطورية فيما بعد. وبذلك نخلص إلى أن روما قدّمت فكراً للعالم قوامه الديمقراطية والقانون، كما قدّمت أثينا الحكمة والثقافة والحضارة.

لقد استفادت روما دروساً من دول الشرق التي حكمت بلادنا قبلها ، واستفادت من اليونانيين وتجاربهم. لذا كانت سياسة الرومان قائمة على تقوية جميع عناصر الاستقرار والازدهار. وفي الوقت نفسه البطش بأية دولة قد تشكل عدواً حقيقيًاً أو محتملاً لها. فقامت على تقوية ودعم تحالف المدن العشرة، وعلى دعم زراعة القمح في حوران، وعلى دعم إقامة وبناء المدن والمسارح، وليس الاقتصار على تقديم المسرحيات، وبناء المدرّجات وليس الجلوس في العراء، وعلى بناء معسكرات وحاميات في البلاد الجديدة فضلاً عن مدن التحالف وانتظار المدد من روما.

اعتمد الرومان في الادارة ما فعله الفرس في تقسيم البلاد إلى ولايات كما سنرى ـ إن شاء الله ـ ولكن بالطريقة التي تخدمهم ـ وان تكون ولايات عسكرية , ودعموا عناصر الثقافة اليونانية واستبدلوها إلى الرومانية تدريجياً ودفعوا مبالغ طائلة للبدو، وأضافوا عنصراً جديداً وهاماً في سيطرتهم على البلاد وهو إقامة الإمارات العربية التي تحتوي البدو والهجرات القادمة من جزيرة العرب ، ودعموا هذه الإمارات أو الممالك. وزادوا أن اعتنقوا المسيحية وجعلوها الرابط العام بين كافة الأعراق والشعوب واللغات في داخل الامبراطورية الرومانية ، وذلك لتقوية الدولة وديمومتها.

وبالفعل كانت النتيجة مذهلة إذ استمرت دولتهم سبعة قرون ونيف ولولا حروبهم مع مملكة الفرس , مما أدى إل استنزاف موارد الدولة وإنهاك الجيوش، وظهور قوة الإسلام بعقيدة جديدة وحدت العرب، لاستمر الرومان قروناً أخرى طويلة ولاستطاعوا احتلال بلاد فارس حتى الهند، ولكانت دولتهم أعظم وأوسع دولة في العالم في حينه واكبر واوسع واقوى من دولة الاسكندر المقدوني .

قبل أن يتوجه الرومان إلى الشرق رتّبوا البيت الأوروبي، فسيطروا على أوروبا وبريطانيا، وصارت لديهم دولة قوية وهائلة ابتلعت اليونان بسهولة ويسر، ثم تحركوا نحو الشرق إلى بلادنا حيث كانت الفوضى ضاربة أطنابها في سوريا وفلسطين، وكانت الأحوال شبه مستقرة في شرق الأردن آنذاك. ووجدت روما أن لا مناص من فرض القانون والنظام في بلادنا، كي لا يعود الفرس او عرب العراق ( الاشوريون والبابليون والكلدانيون ) ثانية إليها، وتصبح مصدر إزعاج لهم، قد يهددهم في عقر دارهم روما.

أوكلت روما مهمة احتلال الشرق إلى الى القائد بومبي Bombay حوالي سنة 64 ق.م حيث اكتسح سوريا وشرق الأردن، وبدلاً من أن يعمل بالتدمير والتخريب، أمر بإعادة وزيادة بناء المدن العشرة، والمدن الأخرى في الأردن، وشجّع سيادة القانون والأمن والنظام لأنه بدون هذه تستحيل عملية البناء والازدهار والاقتصاد.فهم قادمون للاستقرار لقرون طويلة وليس الى حين من الزمن .

كان اليهود قد خرّبوا الكثير من المدن الأردنية بعامة، ومدن التحالف بخاصة، وذلك في فترة فراغ السلطة الذي أشرنا إليه أعلاه بعد تداعي سلطة اليونان وظهور الرومان في البلاد . بل إن بومبي عزز أسس الحلف التجاري بين هذه المدن، وصار القانون هو صاحب السيادة في هذه العلاقات , باعتبار روما دولة قانون ومؤسسات مثلما كانت اليونان دولة ثقافة وحضارة وحكمة .

وكان على هذه المدن أن تدفع الضرائب لخزائن الإمبراطورية الرومانية ، وتدفع الأتاوات للقبائل البدوية الاردنية لضمان عدم لجوئهم إلى القوة والغارات والنهب والسلب وحرب الاستنزاف . وقد بقيت هذه العادة سائدة حتى بداية القرن العشرين ـ أي بعد أن تأسست إدارة بالأردن. وكان هؤلاء البدو منذ زمن اليونان والرومان أي منذ ما يزيد على ثلاثة وثلاثين قرناً يأخذون الأتاوة من هذه المدن العشرة ثم من الفرس فيما بعد، ويحصلون منها على حاجاتهم الأساس من الحبوب المختلفة. مقابل عدم تدميرهم لهذه المزروعات والمنتجات، لأنه كان لهم نصيب منها.

وقد تطوّر مفهوم الأتاوة المدفوع لبدو الاردن في عصور الصليبيين والمماليك والأتراك، وصار يسمى الخاوة، وهو تحريف واضح أو لفظ مطابق لكلمة الأتاوة، يدفعها الضعيف للقوي، وهي ضريبة إجبارية قد تكون محدودة، وقد تكون بلا حدود أيضاً. كما سماها الاتراك الصرة لانها كانت تعطى للشيوخ في اكياس من قماش مغلقة ( مصرورة ) . وأن القارئ لكتب الرحالة الذين حضروا إلى بلادنا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ليجد مأساة الفلاح الأردني، وهجر القرى، وانهيار الإنتاج، وحرمان الأردن من سكانه بهجرتهم إلى فلسطين أو مصر أو الشام أو البداوة بحثاً عن الأمن والأمان أولاً ثم عن لقمة العيش ثانياً.

وجد الرومان أن سياسة دفع الخاوة أو الأتاوة السنوية لهؤلاء البدو الأردنيين أمر ضروري , ويوفر عليهم أضعاف ما يمكنهم خسرانه من المنجزات والقدرات والثروات لو أنهم لم يدفعوا شيئاً لهؤلاء . وكان يتم الدفع مع ضابط صرف رواتب الجند , ولكن في كل عام مرة، وكانت مراكز الدفع في معسكرات الجيش الروماني. في اللجون وأذرح، والقسطل، لأن جلب شيوخ البدو إليها يجعلهم يشاهدون بأم أعينهم قوة الدولة من خلال رؤية الجنود والمعسكرات ، ولكي لا يحدث اعتداء على الخزينة المتنقلة (ضابط الصرف) من هؤلاء البدو، وكانوا سيفعلون ذلك لو اختلوا به خارج المعسكرات.

وفي قراءة بسيطة في قائمة المدن العشرة التي زادت على هذا الرقم أصلاً نجدها تمتد من بيسان إلى العقبة، وتشمل دمشق وعمان، وأن أكثرها كان في الأردن تحديداً لأن الرومان وكذلك اليونان أدركوا أن وجود الأردن في قبضتهم يعني حماية الجبهة الشرقية للامبراطورية برمتها . فالاردن بوابة جزيرة العرب وبلاد الرافدين، حيث تخشى الدول الغربية من ظهور قوى عسكرية أو موجات بشرية من هذين المكانين أصلاً (الجزيرة والرافدين).

كانت حملة بومبي الروحاني عام 64 ق.م على الاردن وسوريا , تهدف إلى عدة أمور:

1. كانت استطلاعية لمعرفة الأوضاع الداخلية كما هي على أرض الواقع في سوريا والأردن وفلسطين، لنفل المعلومة الصحيحة المؤدية إلى اتخاذ القرار الصحيح. وكان يحمل من الصلاحيات ما جعله يأمر ببقاء مدن التحالف وتقويتها وتعزيزها على حالها , فبقيت على ما كانت عليه في زمن اليونانيين.

2. كانت حملة لاستعراض القوة، وتمهيدية للناس أن الرومان قد حلّوا مكان اليونان، وأن الاحتلال الروماني قادم , وبالتالي لا بد من تهيئة السكان للأمر الواقع والرضوخ له , وان كان من جهة اخرى ينطوي على مجازفة في ان الناس قد يجتمعوا ويقاوموا المحتل الجديد، وقد يفعلوا العكس أي أن يرحبوا بهم للتخلص من الفوضى وهجوم القبائل البدوية، والفراغ الأمني والسياسي والعسكري، ويبدو أن الخيار الأخير كان السائد الأغلب لدى أهل الأردن على الأقل وبخاصة المستقرين والمزارعين .

3. كانت حملة هامة لمعرفة ردود فعل بلاد فارس والرافدين، وفيما إذا كانت هناك قوى قد تظهر، ليتم التعامل معها على أساس صحيح ودراسة صحيحة ومسبقة , ولكن ماحدث ان ردود الفعل هذه كانت معدومة، ولم توجد دولة قادرة على المنافسة للقوة الرومانية الجديدة .

4. كانت أيضاً لمعرفة ردود فعل بدو الأردن بما فيهم قبائل وادي السرحان والجوف ودومة الجندل والعلا ومدائن صالح وتيماء الذين لم يحرّكوا ساكناً، لأن الرومان لم يتحدثوا عن أي هدف يقتضي مهاجمة هؤلاء البدو او ملاحقتهم او منعهم من دخول بقية البلاد الاردنية او التحرك باتجاه مناجع الماء والكلاء في جبال الاردن وسهوله واغواره , كما لم يعلن الرومان نيتهم عن أخذ الضرائب من هؤلاء البدو وأن حدث ذلك (الجباية) في وقت متأخر ـ بعد الميلاد, كما لم يكن بمقدور الرومان الدخول في اعماق البادية والصحراء , وبلتالي لم يحرك البدو ساكنا ولعلهم توقعوا ان يجدون في المحتل الجديد مزيدا من الاوال اليت يمكن السطو عليها وهنبها , في ضوء جهل هؤلاء الرومان باساليب البدو فيالدفاع والهجوم والكر والفر والتخفي والتنكر ومباغتة الاهداف .

5. لمعرفة وضع مملكة يهوذا التي بقيت على مدى أكثر من ألف سنة خلت مصدر قلق للدول المتعاقبة وسبباً رئيساً من أسباب سقوط هذه الدول. وقد وجد بومبي ـ كما يبدو لنا ـ أن السبب هو وجود ملك لليهود منهم، وأنه يسير برأيهم، ويطيعون رأيه، وأنهم يريدون الثأر من ممالك وشعوب (أو شعب) شرق الأردن، حيث الصراع الطويل بين الشعبين اليهودي والأردني بدأ منذ زمن الخروج 1330 ق.م إلى الآن 64 ق.م، أي منذ ثلاثة عشر قرناً تقريباً.

وبناءً عليه , قدم بومبي تقريره إلى مجلس الشيوخ الذي اتخذ قراراً بتكليف الجيش بأمور هامة:

1. أن يعالج أمر مملكة اليهود لضمان موالاتها للرومان أو ضعفها على الأقل بحيث لاتقددر على الهجوم اوالاستمرار في انها مصدر ازعاج عام في المنطقة .

2. أن يحتل الأردن ليوقف الصراع الاردني الاسرائيلي الذي استمر ثلاثة عشر قرنا ويحول دون التفرغ للبناء وتحقيق الامن من قبل الاردنيين واليهود الذين لن يجرءوا على مهاجمة الاردن اذا صارت ولاية رومانية , وبخاصة انها جبهة هامة لتحول دون تقدم البدو باتجاه المناطق الخضراء لغايات النهب والهجوم وزعزعة الامن والحيلولة دون الاشادة والبناء .

3. أن يعالج الوضع مع الأنباط وأن يتحول الجيش دون تمددهم أو تشكيل قوة هامة في بلاد سوريا والأردن وفلسطين , فالانباط هم المشروع العربي في المنطقة وهم مملكة تستقطب الاردنيين من رعايا الممالك الاخرى التي هرمت او تلاشت , وبالتالي فن ظهور ملك يوحد هذا الشعب ويوحد الاردن سيكون عونا لفارس على الروم وعونا للعرب وجزيرتهم على الامبراطورية الرومانية .

4. أن تستمر سياسة تحالف المدن./ الديكابوليس لانها تؤدي خدمات ومهمات وادوار تعود عليها الناس عبر خمسة قرون , كما ان البديل يحتاج الى بنية تحتية وهوغير مضمون النتائج اصلا .

5. أن تصبح البلاد المحتلة ولاية رومانية بحتة تتبع روما فتزيدها قوة

6. أن يتم استيراد قمح حوران إلى إيطاليا، واعتبارها جزءاً من روما، وسلة غذائها، هذا ما نستشفّه من الأحداث التاريخية.

وبناءا على هذا التقرير الذي قدمه بومبي الى مجلس السيوخ الروماني , تحركت حملة عسكرية رومانية أخرى يقودها مارك أنطونيو وذلك عام 40 ق.م أي بعد ربع قرن من الحملة الأولى. وقام بتعيين هيرودس العربي الأدومي الاردني ملك أدوميا (الجديدة ـ المشار إليها أعلاه) ملكاً على يهوذا، وبالتالي ملكاً على اليهود رغم أنه غير يهودي لكنه تظاهر باعتناق اليهودية , وبمعنى آخر كان مارك انطونيو صورة أخرى للمندوب السامي الفارسي الذين عينهم داريوس على مملكة اليهود والممالك الأردنية.

اغتنم هيرودوس الادومي الاردني وجوده ملكاً على اليهود والأدوميين الموجودين في جنوب ماسمي بفلسطين لاحقا , وكان أول ما تطلّع إليه هو الثأر من الأنباط العرب الأردنيين الذين طردوا اسرته الأدومية الملكية من جنوب الأردن، واحتلوا أراضيهم، وأجبروهم على النزوح إلى فلسطين ومعهم قسط كبير من رعيتهم الأدومية (ادوميا ) . كما أن اليهود وجدوا في مخططات ملكهم العربي الأدومي الجديد ما يشفي صدورهم بالهجوم على الأراضي الأردنية رغم وجود الاحتلال الروماني .

نجح هيرودس الأدومي العربي الاردني (ملك اليهود الجديد ) في طرد الأنباط من الجزء الشمالي من الأردن ( من شمال نهر الزرقاء ) ، وصار يتصرف كيهودي متطرف ضد الاردنيين وذلك لكي يرضي رعيته اليهودية من جهة، ولكي يضمن وراثة العرش في أولاده على قوم ليس منهم دينا ولا عرقا ولا دما من جهة اخرى . وقد كان لتعيينه ملكاً في القدس أثراً كبيراً في تسهيل عملية الاحتلال الروماني لسوريا والأردن وفلسطين، وفيما بعد للقضاء على مملكة الأنباط. بل إن هيرودوس وعدد من الأدوميين في جنوب فلسطين قد اعتنقوا اليهودية، وصاروا يتصرفون كيهود. وصار كهنة الأوثان السابقين، كهنة في الدين الجديد، لأن الناس على دين ملوكهم .

صار ترتيب تحالف المدن / الديكابولوس , زمن الرومان يسير على النحو التالي:

1. تشكيل مجلس إدارة لكل مدينة، وله صلاحية إصدار النقد .

2. على كل مدينة أن تؤازر المدينة الأخرى في مواضيع الدفاع والتجارة.

3. أن تقبل كل مدينة بمراقبة الحاكم الروماني لسوريا في إدارة شؤونها السياسية والقضائية.

4. أن تدفع الضرائب لخزينة الإمبراطورية الرومانية .

5. أن تقدم عناصر من سكانها للقيام بالخدمة العسكرية عند الحاجة.

6. أن تضع هذه المدن صور القيصر على عملتها النقدية الصادرة عنها.

7. أن تضرب مملكة الأنباط عملتها الخاصة بها وعليها صورة الملك الحارث يقود جملاً ويقدّم غصناً من الزيتون إلى الرومان كرمز على خضوعه للرومان .

وعندما غادر بومبي بلاد الشرق عام 62 ق.م أي بعد عامين من العمل والمعارك والإدارة كانت سوريا وشمال الأردن، يسودها الأمن والسلام , ولكن الفوضى عادت عام 50 ق.م، مما أدى إلى زعزعة الكيان الروماني من أساسه، وذلك بعد اندحار القائد الروماني كراسوس Karasos على أيدي البارتنيين عام 53 ق.م.

ونعود للقول أنه في عام 42 ق.م وصل القائد الروماني مارك أنطونيو على رأس حملة جردها من روما للقضاء على مملكة اليهود وملكهم هيرودس ( المذكور اعلاه ) الذي بدوره ولى هاربا بروحه والتجأ الى عدوه اللدود الملك الاردني : مالك - ملك الأنباط الذي وجدها فرصة في هزيمة خصمه السابق وابتعاده عن عرش مملكة القدس . ولكن مالك لم يقتله لان القيم العربية الاردنية لاتسمح بقتل المستجير حتى ولو كان عدوا . وانما اكتفى ان رفض إجارته من قائد الحملة الرومانية , فهرب هيرودوس إلى روما يحمل سلاحاً هاماً وهو مساندته لروما ومناصرته وخضوعه التام لها وهو ماتاقت اليه طويلا , واخذت ماتريد دونما عناء . وبالفعل غادر من البتراء إلى الإسكندرية ثم بحراً إلى روما، حامداً لآلهته أن مالك لم يقتله، وإنما اكتفى برفض حمايته وإيوائه.

في روما وجد هيرودس استقبالاً حافلاً، وقد وجد دعماً من مارك أنطونيو ( Antony ) حيث قدمه إلى مجلس الشيوخ على أنه الصديق الحميم والخادم الأمين لروما . وفي أجواء مشحونة بالعواطف هناك قرر مجلس الشيوخ إسناد عرش مملكة يهوذا بالقدس إلى هيرودس الأدومي العربي، مما فتح الطريق أمام الإمبراطور الروماني أغسطس أن يضيف جدارا Gadara في شمال الأردن إلى مملكته في القدس، باعتبار أن سائر البلاد ممتلكات رومانية، ومن حق الإمبراطور إقطاع ما شاء منها لمن شاء من الناس.

لم يقتصر الأمر على إهداء جداراً لهيرودس، بل تعداه أن قام مارك أنطونيو بإهداء جزء من مملكة الأنباط إلى معشوقته كليوبترا التي كانت تحكم مصر كجزء من الإمبراطورية الرومانية . وحيث أن الأراضي النبطية كانت بعيدة عن متناول الملكة المصرية، فقد تنازلت بها إلى الأدومي هيرودس العدو اللدود للأنباط الذي اعتنق اليهودية. مما أغاظ الأنباط، على أن ما حدث كان إهانة لهم ولكبريائهم، فأعلنوا التحدي لكليوبترا التي قبلت التحدي والتقى الجيشان النبطي الأردني والمصري الروماني في معركة قرب السويس.اما هيرودس فقد رقص طربا ان مملكته الادومية عادت وان الفرصة قد حانت للانتقام من الانباط الذين طردوا اسرته من عرش ادوم الاردنية .

كانت المعركة برية بحرية معاً، وكانت حاسمة بل كانت مجازفة نبطية قد تودي بالملك الاردني النبطي والعرش والشعب والبلاد إلى العبودية للعدو اللدود هيرودس الأدومي، أو لكليوبترا المصرية الرومانية. ومع هذا عمل الأنباط على المبدأ العربي: المنيّة ولا الدنيّة، والموت بعزة خير من الحياة بذلة. كانت معركة اليانس ( من الياس ) ، وفي أرض بعيدة عن مملكة الأنباط، كانت في السويس في الأراضي المصرية.

تمكن الأنباط من إغراق سفن كليوبترا في عمق البحر، وشتّتوا جيشها وهزموها وانتصروا عليها في معركة نادرة ليس فيها مقوّمات النصر للأنباط سوى الإدارة والارادة ومبدأ : إما الموت أو الحياة. وكانت عوامل النصر مهيأة لكليوبترا وذلك لأن المعركة على أرضها وقرب عاصمتها، مع سهولة الإمدادات، وكثرة الجيش إلى درجة حسبت ان النصر حليفها، مما أدى إلى التخاذل وبالتالي الى الهزيمة، بينما وجد الأنباط أن وراءهم صحراء سيناء حيث المدن عطشاً وتعباً إن هربوا، وبالتالي كان الأفضل أن يموتوا في المواجهة، من أن يموتوا في الهزيمة والصحارى.

وبذلك انتصر الأنباط على الرومانيين. مما أثار أنطونيو وهو يرى هزيمة معشوقته بسبب قرار كان اتخذه بإقطاعها جزءاً من أراضي الأنباط. وراح أنطونيو يفتش في جعبته، فاستغل العداء التاريخي بين هيرودس الادومي (اليهودي حالياً) وبين الأنباط، وأوغر صدره أن هذه فرصته لاستعادة مجد أدوم التي احتلها الأنباط.

جرد هيرودس جيشاً عظيماً مدعوماً من الرومان ومن كليوبترا، حيث كان الأنباط قد أنهكتهم المعركة السابقة وإن كانوا قد احتفلوا احتفالات لا مثيل لها بمناسبة هذا النصر الذي تحقق على يد الملك مالك الذي حكم من 50 ـ 28 ق.م، واستطاع هيرودس اليهودي الادومي بجيشه المكون من أربعة جيوش. روماني ومصري ويهودي وأدومي (من أدوميا فلسطين)، أن يهزم الأنباط في المعركة الأولى مما جعله يركن إلى الراحة والتخاذل، بينما أعاد الأنباط ترتيب صفوفهم مرة اخرى وهجموا في قتال موت او حيلة , فانتصروا عليه في المعركة الثانية عام 32 ق.م وعاد إلى بلاده (القدس) حسيراً كسيراً، مخذولاً أمام سيدته كليوبترا، وسيده أنطونيو وقد ضاعت احلامه في استعادة ملك ابائه واجداده في ارض ادوم الاردنية , انه قد غير دينه من اجل ذلك ومع هذا لم يفلح ابدا .

صار الأنباط قوة يحسب لها حسابها. مما اضطر معه كل من القدس ومصر وروما أن يعيدوا حساباتهم، وأن يضعوا تدمير المملكة النبطية هدفاً مشتركا أعلى للتدمير، لأنها صارت تشكل قوة حقيقية وخطراً حقيقياً وليس مجرد خطر محتمل.

وجد هيرودس أن الهجوم على الأنباط في البتراء سيؤدي إلى تدمير قوته تماماً، مع سلامة القوة النبطية، لذلك اختار بعناية جيوشه الجرارة (مصرية رومانية ويهودية وادومية/ ادوميا فلسطين )، واختار مساره بعناية أيضاً، وحدّد المكان الذي يمكن له أن يقضي فيه على الأنباط. لقد اختار هيرودس مكان المعركة قرب ربة عمون تيمُّناً بانتصار داود وطالوت على الملك العموني العربي الاردني جالوت، ولأن المكان بعيد عن البتراء، مما يستدعي مسيراً طويلاً للجيش النبطي فلا يصل إلا مرهقا ويصبح بعيدا عن الامدادات ً، أما بالنسبة لهيرودس فإن المسافة بين القدس وعمان هي مسيرة يوم وليلة ويمكن لجيشه أن يرتاح طويلاً قبل أن يصل الجيش النبطي منهك القوى مرهقاً.

وبالإضافة إلى ذلك فإنه في حالة هزيمة جيش هيرودس فإنه يستطيع تجاوز نهر الأردن طالبا للسلامة , ضمن خطة موضوعة سلفاً، ثم يتعذر بعدها على الأنباط اجتياز النهر الطافح بالماء، فيشكل بذلك حماية لهم من بطش الأنباط، , كما أن هيرودس لم يكن يطمع بأكثر من تسجيل نصر على الأنباط كيفما كان، واحتلال جزء من أراضيهم في وسط وشمال الأردن، لأن هزيمته هذه المرة ستؤدي إلى خلعه عن عرش يهوذا، وبالتالي فإن المعركة القادمة كانت مصيرية، ومسألة موت أو حياة، أو هلاك أو نجاة.

وقعت المعركة بين هيرودس وجيشه الجرار وجيش الأنباط قرب عمان( ربة عمون ) والأغلب أنها كانت في سهول عمان الغربية، وكانت النتيجة مأساوية على الأنباط بهزيمتهم أمام هيرودس، مما اضطرهم أن يخرجوا من الجزء الشمالي من ممتلكات عمون التي سماها الرومان بيريا. وبالفعل سيطر هيرودس على الأراضي من نهر الزرقاء حتى مادبا وبقيت أم الرصاص وما جاور مادبا بأيدي الأنباط، دون أن يصر هيرودس على استغلال ما يكن تسميته باللغة العسكرية : استثمار الفوز واقتصر احتلاله لمادبا على السفوح الغربية لجبالها المطلّة على الغور والبحر الميت حيث سيطر على قلعة ماخيروس (مكاور) وأعاد ترميمها وبناءها.

سيطر الهدوء على شرق الأردن من عام 39 ق.م إلى سنة 4 ق.م (حيث مات هيرودس)، وذلك أن كلاً من هيرودس والأنباط قد عرف كل منهم قوة الآخر، وبالتالي صار هناك ما يمكن تسميته: تساوي القوة مع القوة المضادة، وبالتالي تحقيق توازن القوة. ولم يجرؤ أحدهم منهم على مهاجمة الآخر لمدة ثلث قرن تقريباً. مما أتاح الفرصة لسيادة الأمن والطمأنينة، وانتعاش الحياة والاقتصاد في سائر أرجاء الأردن، حيث مدن التحالف في الشمال، ويهوذا في الوسط والأنباط في الجنوب ( من جنوب مادبا الى جنوي العلا ) ، وكل من هذه الدول ينافس الآخر في تقديم الخير للشعب، لكي لا ينحاز للقوى الأخرى. أي صار الدلال تقدمه الدولة للشعب وليس العكس .

في عام 4 ق.م مات هيرودس الأدومي العربي الأردني دماً ونسباً، اليهودي عقيدة، وقد كانت حمامات زرقاء ماعين ضمن مملكته حيث زارها قبيل وفاته للاستشفاء بها من المرض العضال الذي استعصى عليه علاجه. وعند موته (4 ق.م) كانت شرق الأردن بأكملها تحت الهيمنة الرومانية، حيث قسّموها إلى ولايات، على مبدأ داريوس، ولكن بطريقة أخرى، كما نشروا فيها الحاميات العسكرية لتوكيد السيادة الرومانية على هذه البلاد.

قسّم الرومان الأردن إلى ثلاث ولايات هي:

1. مدن الديكابوليس وهي تحالف المدن العشرة الذي تحدثنا عنه أعلاه في شمال الاردن .

2. ولاية بيريا وهي منطقة الوسط الممتدة من نهر الزرقاء شمالاً إلى نهر الموجب جنوباً، باستثناء الأقسام الخاضعة للسيطرة النبطية.

3. مملكة الأنباط الممتدة من أرنون (الموجب) إلى مدائن صالح والعلا في الجنوب فضلاً عن البادية الأردنية شمالاً ووسطاً وجنوباً وجبل الدروز والقسم الشرقي من حوران .

ووافق الأنباط على أن يتحولوا إلى حكم ذاتي داخل جسم السيادة الرومانية . فقد اتقن الانباط لعبة التعامل مع المتغيرات الطبيعية والسياسة على حد سواء، وكان همهم البقاء والاستمرار والاستقرار والازدهار، وكانوا محسودين من سائر القوى المحيطة بهم. وصار لهم ثارات وكسر عظم مع هيرودس وكليوبترا وقادة الرومان وبالتالي عاشوا في جو من الكراهية المحيطة بهم من كل حدب وصوب. واستمرت هذه التقسيمات طيلة القرن الأول للميلاد.

بعد وفاة هيرودس الكبير تولى ابنه هيرودس الثاني العرش مكانه. ورغم أن الروايات تتحدث عن الأب وابنه كملكين لمملكة يهوذا، وأنهم على الدين اليهودي، إلا أن النادر من المصادر التي تحدثت عن الأصل الحقيقي لهيرودس الكبير على أنه أدومي عربي اردني ، وكان ملكاً لأدوميا (أي أدوم الجديدة) في جنوب فلسطين. وأنه صنيعة القائد الروماني مارك أنطونيو عشيق كليوبترا الذي وصل إلى فلسطين عام 42 ق.م قادماً من روما على رأس جيش لغزو البلاد.

تصرف هيرودس تجاه الأنباط والممالك الأردنية للثأر لنفسه أن الأردنيين وقفوا مع الأنباط ضد الأدوميين، ولأن مالك الثاني ملك الأنباط رفض لجوء هيرودس إلى البتراء , مما اضطره للنجاة بروحه هاربا إلى الإسكندرية ثم إلى روما حيث وافق مجلس الشيوخ على تعيين أول شخص غير يهودي على رأس المملكة اليهودية لقاء أن يمنع ثورتهم، وأن يبقيهم داخل القوقعة تحت حكم الرومان، وأن يتظاهر بأنه يهودي، وهو في حقيقته ليس كذلك.

وعندما جاء ولده هيرودس الثاني أراد الزواج من امرأة أخيه، وعاشرها بما يعارض شريعة اليهود، لأنه كان غير مؤمن بهذه الشريعة أصلاً. وإنما اعتناق صوري من أجل وضع تاج يهوذا على رأسه. ولكي يغطي باطنيته هذه احتل أجزاء من وسط الأردن على أنه يهودي، وهو في الحقيقة يريد تقليص المساحات التي كانت تسيطر عليها مملكة الأنباط، وبالتالي حرمانها من الموارد الاقتصادية والبشرية والمساحة الاستراتيجية اللازمة لهذه المملكة التي طردت الأدوميين من جنوب الأردن وجبال الشراة بما فيها مناطق البتراء.

عندما تمكن اليهود من القوة، ثاروا ضد هيرودس التتراكي (الابن) وأطلت الفتن والقلاقل برأسها مرة أخرى ضد الملك الأدومي المتظاهر باليهودية. وهنا فشلت خطة الرومان في تعيين الأسرة الأدومية ملوكاً على اليهود، واضطروا لإرسال قوات ضخمة لإخماد الثورة اليهودية وقمع الفتن ووقف الاضطرابات، وكانت هذه فرصة كبيرة للأنباط أن يعربوا عن حسن نواياهم تجاه روما، وتجاه أسرة هيرودس نفسه، لعلّه يعود إلى عروبته وتتحول المملكة اليهودية من عدو يقاتل الأنباط ويغري بهم الرومان إلى صديق هادئ يحب السلام على الأقل، إن لم يكن مؤازراً ومعززاً لهم لدى روما.

وصل الجيش النبطي إلى القدس، وانتهزها فرصة لردّ الكيل كيلين (الصاع صاعين) ضد هيرودس وشعبه، حيث عملوا نهباً وقتلاً وتدميراً وهم يحملون توجيهاً واضحاً من الملك الاردني النبطي الحارث الثاني (7 ق.م ـ 40 ب.م) في القيام بمهمتين : ظاهرية على أنهم جاءوا لمؤازرة الرومان وهيرودس العربي ضد اليهود، وحقيقية باطنية وهي تدمير قوة مملكة يهوذا ونهب مكتسباتها، لكي تصبح عاجزة عن الهجوم على الأنباط، ولو لفترة محدودة من الوقت على الأقل.

أدرك القائد الروماني جزءاً من الخطّة، ولم يقم بقتل الجنود والأنباط، وإنما أمر بتسريحهم فقط، متظاهراً أنه كان شاكراً لهم لما قاموا به من مؤازرة روما في إخضاع اليهود. أما هيرودس التتراكي الأدومي، فقد انطلت عليه الحيلة النبطية، وصار ممتناً لموقف الحارث الثاني، وأعيد إلى عرش يهوذا، ومدّ يد العون والمساعدة والمحبة إلى الملك النبطي، فكانت محصّلة هذا الغزل السياسي أن تزوج هيرودس (الابن) التتراكي من ابنة الملك الحارث الثاني النبطي. وقد بارك الرومان هذا الزواج لأنه يجعل من الجيش النبطي قوة تعزيز قريبة لهيرودس الأدومي إذا ثار ضده اليهود، وبالتالي يريح روما من تسيير حملة تحتاج إلى طويل وقت وإلى كثير مال على حساب الشعب الروماني .

قلنا أن هيرودس لم يكن مقتنعاً بالتوراة ولا بشريعة اليهود التي تحرِّم الزواج من زوجة الأخ. أو ممارسة علاقات غرامية معها ولكن ابنة الحارث طلبت الطلاق من هيرودس لأنها اكتشتفت مدى دناءة نفسه في ممارسة الغرام والحب مع أرملة أخيه، ففرت ابنة الحارث ومن معها من حرسها وخدمها تحت جنح الليل إلى قلعة ماخيروس (مكاور) ومن ثم إلى البتراء حيث أعلمت والدها وأسرتها الملكية بما فعل زوجها من خيانته لها , وممارسته الجنس المحرم مع ارملة اخيه التي كانت ايضا ادومية ولا تؤمن بشريعة اليهود وان تظاهرت باعتناقها .

اعتبر الملك الحارث الثاني أن ما فعله هيرودس الثاني إهانة للشرف العربي النبطي الاردني ، ودعمه في ذلك شعبه وأسرته الملكية وجيشه، حيث سارت حملة قادها الملك الحارث الثاني نفسه وهاجم هيرودس وبطش به، وشتّت جنوده، ثم قفل راجعاً معلناً طلاق ابنته من خائن عش الزوجية . هرب الملك هيرودس ( الابن الخائن ) من وجه الحارث الثاني، واستنجد بالإمبراطور الروماني طيبريوس الذي وقف مع هيرودس ووجدها فرصة للتحلل من السكوت على الأنباط عندما وقفوا معه ضد اليهود، فأمر الإمبراطور عامله على سوريا أن يسير إلى الحارث وينهي مملكة الأنباط لتجرؤ ملكهم على اهانة وهزيمة أحد عمال روما، وخدشه لهيبة الإمبراطورية والنيل منها. وبالتالي لا بد من أن يكون عبرة للآخرين، لكي لا تتكرر الحكاية.ولا شك ان الامبراطو الروماني كان يعرف ان هيرودس لايؤمن بدين اليهودية وهو ماكان يعزز مكانته عند الامبراطور بكل تاكيد .

تأهب القائد الروماني فيتيليوس Vetielios في سوريا للسير إلى بتراء وخلع الحارث الثاني عن العرش، واتباع الطريقة نفسها التي كان خلع بها ملك يهوذا الحقيقي عن عرشه , ونصب مكانه اليهودي المزيف الادومي هيرودس ( غير اليهودي ) ، حيث يبدو لي أن المخطط كان بتعيين ملك غير نبطي على الأنباط يكون تابعاً لروما. أما مبرر الإمبراطور في تسيير الحملة فكان سطحيّاً وغير مقنع، وهو أنه كان على الحارث الثاني أن يشكو المتجاوز وهو هيرودس التتراكي، أقول أن يشكوه للإمبراطور، لا أن يأخذ القانون بيده.

إلا أن حظ الحارث الثاني والأنباط كان ساطعاً هذه المرة حيث توفي الإمبراطور قبل تحرك الجيش من دمشق، مما عطّل الحملة، وأدى إلى انسحاب الجيش إلى أنطاكيا. وبذلك ارتاح الحارث الثاني من معركة مصيرية كانت قد تودي بعرشه ومملكته كليهما.

ومع هذا فقد هدأ الحارث الثاني، ورغب عن إثارة الرومان ثانية أو التحرش بهيرودس الذي بدوره وجدها فرصة للذهاب إلى قلعة ماخيروس (مكاور) ليمارس الحب مع معشوقته أرملة أخيه، ومعها ابنتها سالومي، وهناك طلبت منه سالومي وأمها أن يقتل النبي يحيى (يوحنا المعمدان) عليه الصلاة والسلام لأنه رفض الموافقة على زواج هيرودس من أرملة أخيه، لمنافاة ذلك لشريعة التوراة.

كان طلب الأرملة وابنتها سالومي قد وجد هوى في نفس هيرودس الذي تعرض لحملة كبيرة من النبي يحيى الذي بدوره أثار الناس ضد هذا الملك وطلب مقاطعة الملك والانشقاق عليه بسبب ممارسة الحب مع أرملة أخيه، ومخالفته لشريعة التوراة , الأمر الذي أثار هيرودس فأمر بسجن يحيا في قلعة مكاور. وعندما أقام الملك وليمة ضخمة حضرها رجال دولته ومعشوقته وابنتها وسكروا احتفاءً بعيد ميلاده قال لعشيقته أو لابنتها وقد أعجبه رقص الابنة ( ابنة اخيه ) اطلبي ما شئت: قالت: رأس يوحنا المعمدان. وبعد جدال وافق حيث كان يوحنا مسجوناً في سجن القلعة نفسها، فأمر به هيرودس وجيء برأسه عليه السلام وتم وضعه على المائدة ,وبذلك انتقمت الارملة من النتبي الذي لم يبارك عشقها المحرم وزاجها من هيرودس ( شقيق زوجها المتوفى )

لم تنفع سياسة الرومان في تعيين أسرة هيرودس العربي ملوكاً على اليهود الذين استمروا في الثورة وإثارة الفتن ضد السلطة الرومانية، وضد هيرودس الأدومي نفسه وضد اسرته . وبدأ اليهود نزاعهم مع الرومان، وكانت هذه فرصة لأبناء الأردن للانتقام والثأر من اليهود الموجودين على أراضيهم وأرض الرومان في آن واحد . انقض الأردنيون على يهود جدارا (أم قيس) وقتلوهم عن بكرة أبيهم. أما الأنباط فكانت هذه فرصة العمر لإرضاء روما والانتقام من مملكة يهوذا , إذ أرسلوا جيشاً إلى فلسطين لمؤازرة الرومان والقضاء على الفتنة اليهودية. وهرب عدد كبير من اليهود إلى قلعة مكاور لكن الرومان تبعوهم وأبادوهم عن بكرة أبيهم.

أدت سياسة الملوك الأنباط في استغلال كل الفرص لإرضاء روما إلى إطالة أمد هذه المملكة، وأسرتها المالكة، وصار وجودهم ضرورياً لروما، حيث أظهروا عدم عدائهم للرومان، بل إنهم غدو الساعد الأيمن لجيش الإمبراطور وشرقي المنطقة لقمع أي تمرد أو فتنة تحدث ضد الإمبراطورية الرومانية، واستمرت المملكة النبطية بذلك من 64 ق.م إلى عام 106 ب.م أي حوالي مائة وسبعين سنة قبل أن تسقط من مملكة مستقلة إلى مملكة للحكم الذاتي تحت السيادة الرومانية.

ويتحدث المؤرخون عن انتهاء مملكة بترا في عام 106 ب.م ولكن التفحُّص الدقيق للأحداث والتواريخ يجعلنا نؤكد أن الأنباط استمروا مملكة أو إمارة حتى نهاية القرن الرابع الميلادي أي عام 395 ب.م عندما قسّم الإمبراطور تيادوسياس الإمبراطورية الرومانية بين ولديه. عاصمة الأولى روما، وعاصمة الثانية القسطنطينية وكانت بلادنا الاردنية فيها املاك البتراء وعاصمتها ضمن الجزء الأخير.

ونجد التقسيمات الرومانية للأردن وأراضي الأنباط في سيناء وجنوب الأردن وباديته، وسواحل البحر الأحمر حتى الوجه وينبع كانت ضمن الولاية العربية وعاصمتها بترا. ومن خلال ذلك يتبيّن أن البتراء كانت لا زالت عامرة بالناس والتجارة والحضارة، ولا يكون ذلك إلا بوجود ملك نبطي تحت أمرة القائد الروماني للولاية. ليس هذا فحسب، بل إن اليونان والرومان قد غيّروا أسماء العرب الحكام والأمراء والأدباء والشعراء إلى أسماء يونانية ثم الى رومانية لصعوبة نطق الحرف العربي عليهم من جهة، ولأن العرب لم يكونوا أمة ذات سيادة وكيان مكتمل كما كان شأن اليونان والرومان . وقد توضح هذا الكيان بظهور الإسلام والدولة العربية الإسلامية كما سنرى فيما بعد إن شاء الله.

وإن الحفريات في البتراء وحوضها قد أسفرت عن آثار للحضارة الرومانية، وهذا يعني استمرار الشعب النبطي بملوكه وزعاماته، وإن الرومان اكتفوا بأمور السيادة والقيادة والهيمنة ونشر الحضارة واللغة بين السكان وجمع الأموال من الإنتاج والضرائب، ولم تعد تظهر الأسماء العربية، وإنما الرومانية، والتي قد تكون عربية أصلاً، كما راينا كيف أن أول إمبراطور روماني مسيحي كان عربياً من بصرى حوران.

خلدت الأراضي الأردنية للراحة، واكتفى ملوك الأنباط وشعبها بسلامتهم وحياتهم مقابل تجريدهم من سائر الصلاحيات , وبرزت ثقافة مزدوجة الرومانية وهي العليا الطاغية رسمياً، اما الهوية المحلية وهي النبطية العربية فكانت ادنى هيمنة من الرومانية , وكان لدى الأنباط ملوكاً وشعباً اصحاب قدرة على التكيف مع الظروف جميعها.

باندحار الملوك الأنباط من الصف الأول في المسؤولية إلى الصف الثاني أو الثالث، برز الخطر البدوي مرة أخرى ضد الرومان، وصار يهدد سلامة الممالك اللامعة المطمئنة من منطقة ينبع والوجه على البحر الأحمر جنوباً، ومروراً بجبال الشراة، وانتهاءً بضواحي دمشق شمالاً. وجاء الرد الروماني على ذلك على الشكل التالي:

1. دعم تحالف المدن العشرة لحماية إنجازاتهم وحضارتهم وثرواتهم.

2. أما القرى التي كانت خارج هذا التحالف وبعيدة عن متناول حماية الجيش الروماني، وقريبة من يد التخريب البدوي مثل درعا في حوران وقرية خو في وسط الأردن، وغيرها عشرات المدن على سيف البادية، فقد لجأت إلى حفر السراديب والمغائر تحت القرى القائمة، حتى إذا ما داهمهم الخطر البدوي او قوى الاحتلال لجأوا إلى هذه السراديب، ووجد البدو أنفسهم في قرية خاوية من الناس والطعام والمال، فيعودون القهقرى.

وقد يستمر اللجوء إلى هذه المدن تحت الأرضية أياماً طويلة وقد يتم في أوقات البرد الشديد أو الحر الشديد، وبمعنى آخر كانت هذه ملاذاً امنا لهم من الخطر الطبيعي والبشري كليهما على حدّ سواء.

3. كانت هذه القرى مضطرة أحياناً لدفع الأتاوة لشيوخ البدو لقاء أمرين هما : الأول عدم الاعتداء والهجوم من قبيلته، والثاني لقاء حمايتهم من أي هجوم آخر من أطراف بدوية أخرى. وهذا ما بقي مستمراً حتى مطلع القرن العشرين كما سبق وذكرنا.

4. الاعتماد على حماية الجيوش الرومانية التي كانت تتقدم ببطء وحذر باتجاه الجنوب والشرق. ولكنها وصلت أخيراً إلى العقبة وأقامت معسكراً وحامية هناك، مما أرعب قبائل البدو من الهجوم، لأنهم سيتعرضون حينها للتنكيل الروماني بكل تأكيد. وقد صارت ايلة / العقبة مركزاً للاستقرار، وبدأت تستعيد مجدها الذي كان زمن الأدوميين، واستمر زمن الأنباط، إلى أن صارت في حماية طابور روماني، فكانت مركزاً برياً بحرياً، ونقطة التقاء القوافل القادمة من الجنوب والشرق، وتتجه نحو مصر وفلسطين وشواطئ البحر المتوسط.

إذن قام تراجان الروماني بالإيعاز إلى واليه في سوريا لتدمير مملكة الأنباط، وذلك يعني القضاء على بنية الدولة والعرش , وقد غشيه عمى البصر والبصيرة عن الدور التاريخي والحضاري والسياسي الذي لعبته هذه المملكة على الساحتين المحلية والعامة مدة ستة قرون من 500 ق.م تقريباً.ومع هذا استمرت اربعة قرون بعد الميلاد , فتكون مملكة الانباط استمرت منذ صارت مملكة الى ان اختفت من الحكم الثاني حوالي الف سنة قبل وبعد الميلاد .


بعد ذلك قام الرومان بتقسيم البلاد / الاردن إلى ولايتين:

1. الولاية الأولى هي: ولاية بطرا العربية وعاصمتها بتراء Arabia Petra ، وهذا دليل على استمرار الأنباط والبتراء في الحياة والبقاء، ولكن ضمن أدوار ومهمات مختلفة عما كان عليه حالهم من قبل، إذ أن الترتيب الجديد وضعهم تحت حماية ووصاية وسيادة الرومان. وتتألف الولاية العربية من البتراء، وشبه جزيرة سيناء وخليج العقبة (إيلة) وساحل البحر الأحمر حتى الوجه(لوس كوم) وبصرى وحوران ومدائن صالح والعلا.وبذلك يكون الامبراطور كراكلا العربي الحوراني من رعايا باشان سابقا والانباط لاحقا ؟؟؟؟ .

2. الديكابوليس ـ تحالف المدن العشرة حيث صارت من ولاية سوريا .

كانت البتراء الاردنية عاصمة الولاية العربية، وقد سمحت روما لها بضرب نقود خاصة بها في عصر هدريان ومنقوشاً عليها اسم هدريان بطرا ( بترا ) متروبوليس، وهذا يدل على استمرار مملكة الأنباط تحت الوضع الجديد مع إخفاء أسماء الملوك ونشاطاتهم، ونشاطات وإنجازات الشعب وتحويلها إلى هيمنة الرومان وأيديهم.

تم نقل حاضرة هذه الولاية العربية فيما بعد، من البتراء إلى بصرى/ حوران التي كانت معسكراً للجيش الروماني الثالث. أما الجيش الرابع فقد عسكر في جنوب الاردن وكانت مهمته السيطرة على الأردن وذلك لمنع الأنباط من الثورة او اعادة بناء دولتهم ، ومنع البدو من الإغارة والتخريب، ولفرض السيادة الرومانية، وضمان جمع الضرائب والمنتوجات ونقلها إلى مقر الإمبراطورية أو إلى مقر الولاية الرئيسة في سوريا.

إن وجود الجيش الرابع في جنوب الأردن لدليل واضح على أن الأنباط لم يختفوا من الوجود والمعادلة أبداً، وإنهم كانوا تهديداً محتملاً في انلاع الثورة والفتن. وقد تم بناء ثكنتين لهذا الجيش : الأولى في اللجون وهو رأس وادي الموجب حيث يشكل الموضع حماية طبيعية للجيش بعيداً عن متناول الثوار في حالة حصول الثورة النبطية، وفي الوقت نفسه قدرته على التحرك، وسهولة التحرك لضرب الأنباط إذا ما ثاروا أو أشعلوا فتنة واضطرابات فضلاعما يتميز به المكان من توفر المياه الغزيرة , وكان احد منابع نهر الموجب ( عندما كان الموجب نهرا انذاك ) ..

واما المعسكر الآخر للجيش الرابع في الاردن فكان في أذرح ( شمال معان على مسافة بضعة كيلو مترات والى الشمال الشرقي من البتراء ) وهو جبهة متقدمة حيال البتراء، وفي مكان قريب، وبنفس الوقت حاجز يحول دون أي تحالف بدوي نبطي , وقوة تمنع البدو من ارجاء الاردن وجزيرة العرب من تجميع قواها للاغارة على تخوم الامبراطورية . هذا فضلاً عن الطابور الذي عسكر في العقبة ليكون حامية تراقب القراصنة في بحر القلزم ( البحر الاحمر ) واية تحركات وتحالفات بدوية بين بدو جنوب الاردن وجنوب فلسطين وشمال جزيرة العرب وساحل البحر البحر وشرق مصر ويلاد سيناء , ومنع اي احتلال لجزر تيران في خليج العقبة , لانها جزر ذات اهمية خاصة كما سنرى . وبذلك نجد ان الرومان قد عسكروا في سائر انحاء الاردن لاهميته وخطورته عليهم وغطوه بالحاميات .

وعلى أثر سقوط مملكة الأنباط تحت الاحتلال الروماني، ووجود ثكنات عسكرية أمر الإمبراطور هدريان ببناء طريق تربط بصرى شمالاً بالعقبة جنوباً، وكانت في حقيقتها عبارة عن تحديث للطريق القديم الذي كان يربط الممالك الأردنية من العقبة الى الهضبة ( الجولان وحوران ) والذي أقيم منذ حوالي 1000 سنة قبل الميلادي ونيف، ويمتد من بصرى التي كانت من أراضي مملكة باشان الاردنية إلى عمون إلى حشبون إلى مؤاب إلى أدوم إلى العقبة (إيلة).

وقد سمح هذا الطريق لسهولة التحرك الروماني في هذه البلاد، وأوضح الهيمنة الرومانية على البلاد، وعلى أنه لم تعد هناك ممالك ولن تسمح الدولة الجديدة بقيام ممالك جديدة، وأن الأمل الأردني الوحيد بقيام المملكة الاردنية النبطية قد تحطم على صخرة البتراء، وتحولت إلى مملكة أو إمارة ضعيفة تحت حكم القائد الروماني كما سبق وقلنا

لم تكن للرومان مصلحة في القضاء على الأنباط وملوكهم قضاءا نهائيا , وذلك لأسباب كثيرة:

1. أن الأنباط مملكة ذات جذور وحضارة قديمة، وهم أبناء المنطقة.

2. إن وجود الشعب النبطي وملوكه كان ضرورياً لغايات زيادة الإنتاج وجمعه، حيث كانوا شعباً زراعياً وتجاريا من الطراز الأول، وكان الرومان بحاجة إلى مزيد من الدخل لتقوية الدولة لتغطية نفقاتها واستمرار الطريق التجاري عبر اراضيها الجديدة التي هي في الحقيقة اراضي الممالك الاردنية وعلى راسها الانباط .

3. معرفة الأنباط الدقيقة في استغلال المياه واستنباطها فقد كانت تسميتهم اصلا بسبب مقدرتهم المتميزة على استنباط المياه فصار ذلك سام لهم , وهم المرسة المتفوقة الاولى عند العرب في استغلال واستنباط المياه ، وتوسيع الرقعة التجارية وجمع المياه في البرك أو السدود، وقد استفاد الرومان من تجربة الأنباط العظيمة هذه في بلاد سوريا وليبيا وشمال أفريقيا حيث تشابه ا لمناخ والبيئة، والحاجة كلها على حد سواء.

4. استخدام الفنيين والتجار ومهندسي المياه والطرق والبناء والفن لإثراء الحضارة الرومانية، ويمكننا القول أن هؤلاء الفنيين والمهندسين انتشروا في طول الإمبراطورية في داخل وخارج الاقطار العربية اتي احتلها الرومان , لأداء هذه المهمات، ولكن تحت أسماء رومانية لا صلة لها بالأسماء العربية.وكان لهؤلاء المهندسين النبطيين الاردنيين دورهم في بناء الحضارة الانسانية وبخاصة فيما يتعلق بهندسة المياه التي كان الانباط اكثر شعب في الدنيا يتقنها في العصور القديمة / زمن الانباط والرومان . وكل مانجده من بصمات رومانية في هندسة المياه والري بما فيها تدمر , انما كانت من منجزات المهندسين الانباط الاردنين العرب

5. كان هم الرومان هو إنهاء عنصر القوة والخطر والسيادة في الدولة النبطية وليس عنصر الإبداع والإنتاج، وهذا في رأينا ما كان والله أعلم.

أدت هذه الانتصارات والإجراءات الرومانية إلى انتشار الهدوء والسكينة في سائر أنحاء شرق الأردن، حيث لم تعد توجد مملكة تصبو للاستقلال او تستطيع الثورة , وإنما شعب فقط يتطلع للأمن والعيش والحياة والطمأنينة .

لقد تعب الأردنيون من أربعة أنواع من الصراعات وهي:

1. الصراع الداخلي بين الممالك الأردنية، وتبدل ولاءات الناس من دولة إلى أخر( داخل الوطن الاردني ) حيث كانوا يستمرون في قراهم ومدنهم عند احتلالهم من مملكة أردنية مجاورة، فيتحولوا من مواطنين لمملكة عمون مثلاً إلى مواطنين لمملكة مؤاب والعكس أيضاً ثم إلى مواطن في مملكة عمون ثم الأنباط وهكذا. فقد حلّ?Z الناس وذلك مللاً كبيراً. وسئموه، ويريدون الراحة والدعة.

2. الاحتلال الخارجي من دول الشرق والغرب وكان الناس مضطرون للدفاع عن أنفسهم تارة، وسوق أبنائهم أسرى إلى فارس أو بابل أو آشور تارة أخرى، أو قتلهم في ساح القتال، أو أخذهم للحرب في ساحات القتال الخارجية او الهروب الى بلدان مجاورة طلبا للامن والحماية ..

3. الصراع مع المملكة اليهودية في فلسطين , وهي التي كانت العنصر الرئيس في خلق القلاقل للممالك الأردنية وشعوبها، بين احتلال واندحار، وبين هجوم الاردنيين عليهم في القدس، وهجومهم بالمقابل على الأردن والاردنيين من جهة أخرى.

4. صراعهم مع بدو الصحراء الذين لم يتوانوا في أي وقت من الهجوم والنهب والسلب. وبالتالي كان الأردني يجد نفسه في موسم الحصاد أو موسم بيع المواشي وقد فقد كل ما لديه وجمعه او رباه وجناه طيلة عامه ذاك في لحظة واحدة من قبل المغيرين البدو الذين يبرزون من وسط الصحراء، ثم يعودون إليها, وهم يعرفون المواسم الني يجدون بها ضالتهم كم جهة , وقد يغيرون عندما يصيب القحط باديتهم . لقد كان الغزو البدوي نوعا من اعلدة توزيع الثروة تارة واغتراف الثروة برمتها تارة اخرى .

أمام هذا كله أثر الأردنيون الخلود إلى الراحة والهدوء وقد ملّوا الحروب والصراعات والغزوات وتحارب الجيوش الغريبة على ارضهم ، يحدوهم الأمل في عيش بعيد عن الخطر والصراعات بغض النظر عن نوع الدولة التي تحكمهم، فبرز مثل أردني قديم لا يزال قائماً: "من يتزوج أمي فهو عمي" وأيضاً: "الدول تأتي وتروح، أما نحن ففي أرضنا لا نغادرها"", وايضا الناس ناس والدولة دولة " كدليل انهم لايهتمون بنوع الدولة بمقدار اهتمامهم بالبقاء والحياة . ولم يعد يهمهم من يأتي ملكاً أو قائداً عليهم نبطيا كان أم رومانيا أم يونانيا , داخليا كان أم خارجيا ، وإنما المهم هو توفير الامن ولقمة العيش الآمنة، والحياة البعيدة عن القتل والتشريد والسبي.ولا ننسى ان احد معاني اسم الاردن هو : الامن والطمانينة

من هنا، صارت الجبهة الأردنية جبهة آمنة ودودة تجاه الرومان، الذين أعطوا عناية كبيرة لبلدنا ليكون قلعة لحماية جبهتهم الشرقية والجنوبية ضد فارس والبدو وجزيرة العرب , فعملوا على إعادة بناء المدن الاردنية السالفة ومنها مدن التحالف العشرة ، وازدهارها لأن ذلك سيأخذ الأردنيين بعيداً عن الثورة حرصاً على مكاسبهم.

وفي الوقت الذي نعمت فيه الأردن بالسلام والطمأنينة بدأت البراكين السياسية تنفجر في روما في الصراع على عرش الإمبراطور . وبعد أن استمر الصراع بين القادة الرومان ثلاثين عاماً للوصول إلى عرش الإمبراطورية استقر الحكم في يد الإمبراطور سبتموس سفيروس الذي عيّن إسكندر سفيروس عاملاً له على سوريا الذي دامت ولايته من 222 ـ 235م. استقرت خلالها أمور العرش الإمبراطوري ومناصب الولاية السورية , والتي كان الاردن جزءا منها .

برزت مخاطر جديدة ضد الرومان، وهي عودة الفرس إلى الظهور بعد أن كان آخر ظهور لهم عام 333 ق . م . عندما قام إسكندر المقدوني بغزو فارس والقضاء على دولتهم وعلى إمبراطورهم داريوس الكبير. ويبدو أن الفرس أرادوا الثأر من التيار الغربي ولكن من الرومان هذه المرة، لأن اليونان كانوا قد انكفأوا إلى بلادهم ولان الغرب بالنسبة لهم غرب والشرق شرق , وان العداوة بين الدول تقوم على الثارات وتضارب المصالح وتوسيع المجال الحيوي للدولة فيما يسمى المصلحة الاستراتيجية العليا لها . لقد كان الرومان يخشون من عودة الفرس , لذلك اعتنوا بالجبهة الاردنية يساعدهم في ذلك تفهم الاردنيين للامور , مما استفاد منه الاردنيون امنا واستقرتارا وازدهارا لبلدهم , وقيام حاميات رومانية لحماية الجبهة الاردنية من الخطر الفارسي والبدوي كما قلنا

قاد والي سوريا سفيروس المعركة ضد الفرس في عام 231م لم يحقق فيها أي تقدم سوى ما تم من إجراء معاهدة صلح بين الطرفين( الفارسي والرومي ) ووضع هدنة عدم اعتداء، لأن كل طرف وجد نفسه بحاجة لمزيد من القوات والاستعدادات قبل أن يغزو الطرف الآخر ويسحقه ويحتل اراضيه . وبمعنى آخر كانت معاهدة ما بين الضعفاء، أو بين أطراف التساوي في القوة او التساوي في الضعف .

قام الوالي سفيروس بنقل عاصمة الولاية العربية من بتراء في جنوب الاردن إلى بصرى حوران في شمال الاردن التي كانت مستعمرة رومانية، وقد تجاوب الإمبراطور مع هذا الإجراء ورفع بصرى إلى درجة متروبوليس. وبقيت الأردن آمنة، وبدأ الأنباط يعودون إلى ما كان عليهم حالهم في اول مراحلهم , من التحول , فيما بعد , إلى قبائل بدوية وملوكهم الى شيوخ لهذه القبائل كما كان حالهم قبل بناء البتراء . هذه القبائل النبطية صارت تحوم في نطاق أراضي مملكتهم والذين اشتملوا فيما بعد ذلك بقرون طويلة على ما سمي بالحويطات وبني عطية واللياثنة (بني ليث) سكان وادي موسى حالياً (القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين الميلاديين). صحيح ان كل عشيرة عند العرب تتضمن مجموعات لجات اليها طلبا للحماية او ضمن التحالف والموالاة , ولكن المبدا الاردني يقول :( من عاش مع القوم اربعين يوم صار منهم ) وايضا ( المربى غلب الاصل ) وبالتالي لايعني ان الحويطات او بني عطية جميعا من الانباط , وانما القبيلة بتركيبتها الاساس هي نبطية .

كان الوصول إلى عرش الإمبراطورية الرومانية قائم على القوة، ولا يصله إلا قائد من قادة الجيوش، له سجل حافل بالانتصارات والشجاعة والإخلاص للدولة والأمة، وقد انطبقت هذه المواصفات على عربي من عرب بصرى حيث اعتنقت هذه المدينة دين النصرانية، فكان أول إمبراطور روماني على دين النصرانية، ولا نعرف اسمه العربي لكن التاريخ دون اسمه الروماني وهو: ماركوس جولياس فيليبوس ( كراكولا ) الذي جلس على العرش الروماني لخمس سنوات إلى أن سقط قتيلاً عام 248م، وهو يقود جيشه لتأديب العصاة الرومان , لذلك لم يكن متفرغاً لإجراء أية تغييرات ضد الأنباط أبناء جلدته العربية. وهذا دليل على استمرار الأنباط وملوكهم ضمن مبدأ استمرار الحياة بدون الطموح لمراكز السيادة والقيادة ( حكم ذاتي )

بعد أن أنهى الفرس استعداداتهم للقتال، شنوا الحرب على الرومان الذين كانوا ( الرومان ) مشغولين في تأديب العصاة وقمع الثورات ضدهم في حوض نهر الدانوب وإسبانيا وشمال إيطاليا. ومع هذا وجد الإمبراطور فاليران Valerian أن يتجه إلى سوريا ليقود جيشه ضد الفرس، لأنه الخطر الأعلى والأولى ضد الرومان، ولكن سوء الطالع لازم فاليران في الحرب الطاحنة مع الفرس التي انتهت بأخذ الإمبراطور نفسه أسيراً ، ودخول الفرس إلى سوريا وتدمير أنطاكيا التي كانت الولاية الأهم في سوريا انذاك .

كان اندحار الرومان كارثة عظيمة، حيث توالت النكسات في أوروبا وسورياً معاً. وهنا برزت مشكلة جديدة لروما، وهي أن الملك أذينة العربي ملك تدمر في البادية السورية وجدها فرصة للانشقاق عن روما وإعلان استقلاله وانضمامه للفرس الذين احتقروه، ولم يقدّروا موقفه، مما أغضبه واضطره للثأر لكرامته، حيث أرسل إلى إمبراطور روما بأنه عاد ليكون ضمن رعاياه، وأنه يريد قتال الفرس.

جرد الملك أذينة العربي التدمري جيوشه العربية إلى الفرات حيث تصادم مع الفرس الذين كان يقودهم ملكهم سابور، وأبلى أذينة بلاءً حسناً وقهر الفرس، ومنعهم من التقدم في الديار السورية، مما جلب له رضا الإمبراطور الروماني فاليانوس Villainous الذي عيّنه قائداً عامّاً للجيوش الرومانية في الشرق، وخلع عليه لقب إمبراطور الشرق، إلا أن أذينة لقي حتفه غيلة عام 267م على يد ابن أخيه معن (معينوس) الذي تم القبض عليه وقطع رأسه، وتعيين زنوبيا امرأة أذينة ملكة على تدمر بدلاً من زوجها الذي مات غيلة كما قلنا .

وما أن جلست زنوبيا على عرش زوجها أذينة، حتى أخذتها نشوة التاج، ورأت أن تدمر بحدودها الحالية التي تشمل البادية السورية وسوريا ليست كافية للاسم الذي تحمله وهو: إمبراطورة الشرق، وأن مصر جزء من الشرق، وبالتالي فإن سوريا ومصر يجب أن تتحد تحت حكمها ليكون الاسم مطابقاً للواقع. ولكي لا تقتصر مهمة تدمر على التجارة والهيمنة على القوافل التجارية، وأنها يجب ألا تكون الشرطي الروماني الذي يؤدي ثلاث مهمات هي:

1. استيعاب البدو.

2. حفظ التجارة وطرقها والمواد التجارية.

3. الوقوف في وجه الفرس ومنعهم من التقدم إلى الغرب أو اجتياح سوريا أو الوصول إلى روما.

من هنا تطلعت زنوبيا إلى مصر وأرسلت جيشاً جراراً قوامه سيعين ألف رجل من جنود البادية الأشداء، وعلى رأسهم أحد ضباطها المخلصين زبداس (لا نعرف الاسم العربي له/ ربما زيد او زبيد ). وبالفعل نجح في الحملة باحتلال الإسكندرية التي كانت ثغر مصر على البحر المتوسط، ومنارة الحضارة فيها. كان ذلك في عام 267/268 واستمر الاحتلال لمدة ثلاث سنوات، عندما أوفد الإمبراطور الروماني أورليان قائده بروبس Brobios لاسترجاع الإسكندرية ومصر، بينما تحرك الإمبراطور على رأس جيش باتجاه تدمر لتأديب الملكة العربية زنوبيا والمملكة العربية التدمرية .

لم يدر في خلد الإمبراطورة العربية أن الإمبراطور الروماني سيفتح عليها جبهتين في آن واحد، الأولى في الإسكندرية، والثانية في قلب مملكتها في عاصمتها تدمر . وبالفعل نجحت خطة الإمبراطور واحتل تدمر، ووقعت الملكة زنوبيا في براثن المحتل الذي حملها أسيرة بالأغلال إلى روما، حيث عاشت معززة مكرمة كأسيرة، بعيدة عن قومها ومملكتها وديارها وعرشها. وأصبحت تدمر واحدة من المستعمرات الرومانية وألغيت الألقاب الإمبراطورية التي كانت لها. وصارت مثلها مثل أية مستعمرة من حيث التعامل والقانون. وسارت الدولة التدمرية على نفس النسق السابق، ولكنها فقدت استقلالها وسيادتها , وبذلك تجولت كالبتراء الى الحكم الذاتي المقيد . كلاهما ممالك عربية وكلاهما تحت الاحتلال الروماني .

لا بد هنا من الإشارة إلى نقطة هامة، وهي أن مصير التدمريين كان كمصير الأنباط. فكلاهما مملكة عربية، وعلى سيف البادية، وتتعامل بالتجارة والزراعة والرعاية. إلا أن طموح تدمر كان أسرع وأوسع من طموح ملوك الأنباط. وإذا كان المؤرخ الروماني قد ذكر نهاية زنوبيا التدمرية، إلا أنه التزم الصمت أمام مصير الملك دابل Dabel ملك الأنباط عند عام 106 وهو عام الاحتلال الروماني. ولو أنه تم قتل الملوك أو الأسرة المالكة النبطية , او انهم هربوا وتركوا شعبهم , لأشار إليها المؤرخ الروماني، أو لوجدنا ذلك في سجلات روما وآثارهم، ولكن الذي نجده هو الصمت المطبق حيال هذه المملكة الأردنية النبطية، ولم يترك لنا التاريخ الذي بين يدي والذاكرة (كوني مسجون وأكتب هذا الكتاب وأنا وراء القضبان محروم من الوصول إلى الكتب أو الشبكة العنكبوتية)، أقول لم يترك لنا ما بين يدي من التاريخ والذاكرة ما يبين مصير الملوك الأنباط ودولتهم وشعبهم , لكنني ارى انهم بقوا في البتراء وتحولوا كما قلت الى الحكم الذاتي الذي يجعل الملك تحت امرة القائد الروماني في البتراء.

من هنا فإن الإشارات القليلة تجعلني أدلي بدلولي حول هذا الموضوع، ذلك أن الرومان لم يكن همهم قتل ملوك الدول التي احتلوها، بل تحويل موالاتهم إليها، وقتل روح الاستقلال وزراعة وانماء روح الخضوع لهم، لأن سياستهم كانت تقوم على تغيير ما في أنفس الناس وعقولهم وسلوكهم، وليس تغييرهم هم. وهذا يتفق مع ما اتبعه الإسلام أن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا، وهو ما أخذت به السياسة البريطانية في القرون المعاصرة والحديثة، في الاعتماد على تغيير الولاء والموالاة عند الأسر الحاكمة، وليس تغييرهم، لأن الهدف هو القيام بأدوار ومهمات معينة، فإن قبلوا استمروا وإن رفضوا تم إجراء الانقلاب من الداخل والإتيان بمن يقبل باداء المهمات .

نحن نرى أن الأمر نفسه ينطبق على السياسة الرومانية، التي لم تغيِّر الملوك الأنباط منذ عام 64 ق.م إلى عام 106 ب.م، والذين لم يغيروا الأسرة الحاكمة في تدمر، بل واصلت المملكة التدمرية واسرتها الملكية عملها ومهماتها تحت إشراف القيادة الرومانية في المنطقة. بل أن التاريخ يشهد للرومان التسامح ولين الجانب في التعامل مع تدمر. وهم لم يلجأوا إلى ذلك إلا بعد أن نجح هذا الأسلوب مع الأنباط الذين كانوا أكثر ذكاءً ودهاءً ومرونة من التدمريين.

وبناء عليه، فإنني أرى ان مملكة الأنباط استمرت في عملها ومهماتها، واستمرار الأسرة المالكة على العرش، ولكنهم كانوا ضمن حكم ذاتي تحت القيادة الرومانية، وكان ذلك مهم للرومان حتى لا تثور القبائل التابعة للأنباط ضد روما، ولكي لا تشتعل الثورات والفتن ضدهم في هذه المملكة الواسعة،ولكي لاتنفتح الابواب لبدو الجزيرة ان يغيروا على الرومان يفتحوا عليهم جهنم الصحراء . ويبدو أن الملوك الأنباط بقبولهم الذكي للوضع الجديد قد أسكت الرعية وقبلت مثل ملوكها بالوضع الجديد.

1. إن الرومان عندما احتلوا البتراء عاصمة المملكة النبطية وجدوا مملكة تمتد من الوجه وينبع جنوباً وتشمل مدائن صالح والعلا، وساحل البحر الأحمر وخليج أيلة (العقبة) وتيماء ودومة الجندل ووادي السرحان والجوف شرقا , ثم غربا تشمل سيناء ، ووادي عربة , كما تشمل شرق الأردن حتى نهر اليرموك، والبادية الأردنية، وضواحي دمشق. أي أنها كانت الوريث الواقعي لممالك أدوم ومؤاب وعمون وباشان ومديان، وأنها كانت أول مملكة في تاريخ الأردن تهيمن على الأردن القديم من الوجه والعلا إلى نهر اليرموك وهضبة الجولان, اللهم باستثناء صور وعكا وجنوب لبنان .

لا يمكن للرومان أن يجازفوا بمعاداة هذه المجموعات السكانية في هذه الديار الواسعة. وفيهم نسبة عالية من البدو القادرين على إيجاد مشاكل كبيرة للإمبراطورية، واستدراجهم في حرب استنزاف طويلة سيكون الخاسر فيها الرومان بكل تاكيد . من هنا كان من الحكمة لدى المحتل أن يبقي العرش النبطي على ما هو عليه ليكون أداة بأيدي القادة الرومان لضبط شعب هذه المملكة، واستمرار الحياة والإنتاج الذي ينعكس إيجابياً على أمن الإمبراطورية ووارداتها المالية والإنتاجية . من هنا، فإننا نرى أن الأنباط استمروا شعباً وملوكاً ودولة، ولكنهم تحولوا إلى مؤسسة رومانية.

2. من خلال استعراض نظام القنوات واستغلال المياه في تدمر، نجد بما لا يقبل الشك أو الجدل أن المهندسين الأنباط قد انتقلوا إلى هناك سواء رغبة منهم, او عنوة عنهم , أو بإيعاز من الرومان، أو بإغراء من الملك التدمري. وعندما ذهبوا لم تكن الأجواء غريبة عليهم . فالجميع تحت علم وسيادة روما، والجميع يتحدثون اللغة العربية، والموقع الجديد يقبع على سيف الصحراء ويحتاج إلى نظام دقيق لتوفير المياه في هذه الأجواء القاحلة كما كان حال ابتراء والبادية الاردنية .

3. من خلال النمط التجاري الذي سلكته تدمر، نجد أنها استفادت من خبرة الأنباط في تحويل الزبائن والقوافل إليها، ومعرفة حاجة السوق، وإجراء الصفقات، وبالتالي كان الأنباط أساتذة التدمريين في هذا الأمر، وأعطوهم محصلة تجاربهم عبر ستة قرونونيف , لذلك ازدهرت تدمر بسرعة لأن مهندسي الماء، والتجار كانوا من الأنباط، وفي أعلى درجات الاحتراف كل بعمله ومهنته. وقد تعلم التدمريين ذلك بسرعة، وأخذوا نتائج التجارب الطويلة لأخوتهم الأنباط.

4. مما لا شك فيه أن العديد من السكان والقبائل التي كانت تحت التاج النبطي قد رحلت إلى تدمر وما حولها، لأن ذلك كان أمراً سهلاً، فهم بصفة عامة رعايا رومانيين انتقلوا من مكان إلى آخر، وهم بصفة خاصة عرب تحركوا من ديار عربية إلى ديار عربية تتكلم اللغة نفسها، وتسوس الأمور بنفس الأسلوب الذي كانت تسوسه البتراء. كما أن تدمر كانت ترحب بهؤلاء لأن زيادة السكان تعني زيادة القوة، وسهولة بناء الجيش، وتوفر الرجال للحرب أو للدفاع عن حياض العرش والدولة

5. وفي رأينا أن الأسرة الملكية النبطية لم تتلاشى إلا بعد أن توكد الرومان من ازدهار تدمر. أي بعد عام 243م، أي بعد أن تسلم السوري الحوراني عرش روما في ذلك العام. ولا شك أنه تعصّب لمنطقته على حساب منطقة الأنباط. وأنا أرى أن ملوك الأنباط انتهوا في هذه الفترة أي بعد قرن ونصف من سقوط البتراء وربما ازيد من ذلك لكنه بكل تاكيد لم يكن اقل من ذلك .

6. وأنني لعلى يقين أن الحفريات والدراسات المستقبلية في البتراء والأردن وسوريا لا بد وأن تتوصل إلى نتيجة قريبة مما توصّلنا إليه بفعل التحليل، وليس بفعل المعلومة المؤكدة.

وإذا قال أحد أنه لا دليل على ما أقول، فإن جوابي، وببساطة أنه لا يوجد دليل على إنهاء البتراء والأنباط وملوكهم , وانما فقط عن احتلال هدريان للعاصمة البتراء ، وليس لكل البلاد عام 106م, ثم نجد صمتا رسميا من قبل الرومان . ونحن نرى ان ملوك الأنباط لم يتركوا عاصمتهم، ولو هاجروا أو تحركوا إلى أماكن أخرى لظهر ذلك في المراجع بطريقة أو بأخرى, او لفعلوا مثلما فعل المديانيون والادوميون الذي غيروا مواقعهم واسماءهم حسب الاماكن الجديدة كما سبق وشرحنا . من هنا فاننا نرى ان الانباط بقوا في البتراء، وقبلوا بالشروط الرومانية كاملة وهي : الاستسلام والخضوع الكاملين مقابل الاستمرار على العرش وتطويع الشعب لخدمة روما وليس لخدمة الملك.

كان من مصلحة الرومان بقاء الملوك الانباط بالبتراء خشية تكرار مشهد المديانيين الذين اسسوا مملكة جديدة استمرت عدة قرون بعد رحيلهم من مدين القديمة . وكذلك الامر بالنسبة للادوميين الذين اسسوا مملكة جديدة اسمها ادوميا في فلسطين وصاروا مصدر ازعاج للرومان من خلال ملكهم هيرودس كما سبق واشرنا سابقا . ولو ان الملوك الانباط خرجوا من البتراء لاقاموا مملكة على اي جزء من مملكتهم السابقة في شمال البادية الاردنية او في مناطق العلا. لذا ارتأ الرومان بقاءهم في مملكتهم وعلى عرشهم ولكن بشروط مذلة ولم يطردوهم .

ان حضارة تدمر بنيت بايدب الانباط العرب الاردنيين بامتياز , وكذلك بناء السدود واقامة معصر الزيت والخمور وقنوات المياه وانظمة الري في سائر انحاء الاردن انما كان يايدي المهندسين والعمال المهرة الانباط . ليس هذا فحسب بل ان النظام المائي الذي اقيم في عهد الرومان في الصحراء الليبية والابوادي السورة وشمال افريقيا انما كان بايدي المهندسين والعمال المهرة الانباط الاردنيين وتحت اشرافهم . لذا فالرومان قضا على سيادة وسياسة المملكة الاردنية النبطية وليس على فعالياتها غير العسكرية والسياسية , وتركوا نظام الوراثة الملكية كما كان واخذوا العمال والمهندسين ليعمروا الامبراطورية الرومانية بل ان القناطر والجسور في روما قد بناها المهندسون الانباط الاردنيون كما سنرى .

ثم نعود إلى تدمر حيث اشتعلت فيها ثورة عام 273، قادها أحد أعوان زنوبيا، ولكن ردّ الفعل الروماني هذه المرة كان عنيفاً وصارخاً , إذ انقضّ عامل روما على سوريا، أقول انقضّ على تدمر وأخمد الثورة ودمّر المدينة، وحوّلها إلى أطلال، لا زالت كذلك إلى يومنا هذا، وقد كانت النتائج وردود الفعل العربية سلبية ضد الرومان سلبية، حيث أشعلوا ثورتهم ضد روما عام 290م مطالبين بانسحاب القوات الرومانية، والاستقلال عن روما، وهي المطالب التي اعتبرتها روما خطيرة جداً، إلى درجة أن الإمبراطور لم يقنع بإرسال جيش أو قائد، بل زحف هو بنفسه إلى سوريا على رأس جيش لقتال المتمردين العرب .

كان الإمبراطور ديوقليتيان (284-365) المذكور قد شعر بالخطر من هذه الثورة العربية التدميرة لأسباب واضحة:

1. أن التدمريين جميعاً ومن حولهم من العرب مخلصون لزنوبيا أو من ينوب مكانها على العرش، لأن أسرتها تشكل رمز وحدتهم واتحادهم وكيانهم العربي.

2. إن هذا الحادث يبيِّن أن ملوك الأنباط قد تلاشوا قبل ذلك بقليل, او انهم كانوا في اخر رمق من الضعف , مما يؤيد رأينا، وبالتالي نظر العرب إلى هذا المخطط الروماني أنه تصفية نهائية للهوية العربية فوق الأرض العربية، وفي داخل الممالك العربية وإن ما بدأ بالأنباط سينتهي بتدمر.

3. أن كثيراً من السكان كانوا من رعايا الأنباط وقد نعموا سابقاً ولاحقاً بالحياة ورغد العيش، وأن الاحتلال حرمهم من هذه الامتيازات ومن التجارة، ومن الاستفادة من القوافل التجارية التي منعها الرومان.

4. إن الإمبراطور خشي من تحالف عربي فارسي ضد روما، مما قد يؤدي إلى طرد الرومان من بلاد الشرق كاملة.

5. ظهور قوة البدو مرة أخرى، مما يهدد أمن المدن العشرة والوجود الروماني برمته , والخشية من تحالف بدوي تدمري نبطي تجمعهم الهوية العربية وتحرير بلدانهم من الاحتلال الروماني .

اذن كان الامر في غاية الاهمية والخطورة على وجود روما وسيطرتها على بلاد العرب . من هنا سار الإمبراطور ديوقليتيان، كما قلنا، على رأس جيشه، فدمر البدو وأخلدهم إلى السكينة، ثم تواجه مع الفرس الذين كانوا يستعدون للهجوم على سوريا وحال دون تقدمهم، حيث لم يكن لدى الفرس بعد قوة قادرة على دحر الرومان، وقد أدت هذه الحملة إلى استقرار الأمن في سوريا وشرق الأردن قرناً كاملاً قادماً.

عاد الإمبراطور المذكور وقسّم الولايات في سوريا، فأقرّ الولاية العربية ( الاردنية ) ومركزها البتراء، وذلك دليل استمرار هذه المدينة في الحياة والاستقرار. وقد شملت الولاية العربية أراضي جنوب الأردن حتى الوجه والعلا ومن خليج أيلة (العقبة) جنوباً حتى نهر الزرقاء شمالا . أما القسم الشمالي من شرق الأردن فقد صار ومن ضمنه مدن الديكابوليس، أقول صار جزءاً من الولاية العربية الشمالية اللبنانية السامية وعاصمتها بصرى في حوران. The Province of Arabia August Libanesus .

وبذلك بقيت الولاية العربية الجنوبية ضمن أراضي الأنباط، ولا نجد ذكراً للملوك، لكن ذلك إشارة ضمنية لوجود الشعب، ودليل على ما سبق وقلنا أن الملوك تحولوا إلى شيوخ للقبائل، وذلك استجابة لما تتطلبه الظروف الجديدة في صراع البقاء. وبعد موت ديوقليتيان بحوالي عشرين سنة (385م) تم تغيير تبعية مدن الديكابوليس من بصرى إلى ولاية الجليل وعاصمتها بيسان، بينما بقيت الولاية العربية الجنوبية (البتراء) على حالها, وكانت الجليل والاردن جزءا من الاردن انذاك .

كان لا مناص للرومان من التعامل مع شيوخ البدو بالمودة والمال، فدفعوا المال المنتظم كل عام لهؤلاء الشيوخ. وبالتالي صارت القبائل في شرق الأردن حتى وادي السرحان والجوف وتيماءودومة الجندل تتقاضى المال السنوي من روما، مقابل عدم الاعتداء على روما أو ممتلكاتها، فضلاً عن منعهم لأية موجات قد تأتي من جزيرة العرب بهدف، أقول بهدف الاعتداء على روما وممتلكاتها.

بقيت الأمور متتابعة حتى عام 395، عندما مات الإمبراطور تيودوسياس Theodosius الذي بدأ نمطاً جديداً من الوصول إلى عرش الإمبراطورية، ليكون مستقراً، وهو الوراثة لاول مرة في عهد الامبراطورية الرومانية , ذلك أن وراثة الحكم وإن كانت تحمل كثيراً من السلبيات، إلا أنها تؤدي عادة إلى الاستقرار السياسي في مواقع رأس السلطة أي مؤسسة العرش. وقد سلكت الكثير من الدول الأوروبية هذا الأسلوب فيما بعد، وجعلوا مؤسسته العرش لتكون رمزاً للتوازن والاستقرار، وبالتالي تملك ولا تحكم، بينما يكون الحكم الحقيقي بأيدي الشعب من خلال الانتخاب لرئيس الورزاء والنواب وحكام الولاياتوهو الامر السائد في اوروبا الى الان .

أما تقسيم الإمبراطورية الرومانية عام 395م فقد جعل روما عاصمة القسم الغربي، وصارت القسطنطينية عاصمة القسم الشرقي الذي سمي فيما بعد باسم بيزنطة وهو الاسم اليوناني القديم (بيزنطة) لمدينة القسطنطينية وكانت الولاية العربية والديكابوليس (الأردن) ضمن الإمبراطورية البيزنطية الشرقية ( القسطنطينية ) .

وبسقوط مملكة الأنباط، ومملكة تدمر وموت الإمبراطور عام 395، ادت هذه كلها إلى انفلات عقد الضبط البدوي في الاردن بخاصة وسوريا بعامة , فانفجرت الثورة من بدو مملكة البتراء عام 395 وهذا يدل على أن نهاية ملوك الأنباط كانت حول هذا التاريخ قبلا او بعدا وانهم في هذه الفترة ملوك بالاسم وشيوخ عربان في الحقيقة , وبالتالي تلاشت سيادة العائلة المالكة النبطية ودولتهم الذين كانوا يشكلون حاجزاً عازلاً بين البدو والرومان وتحولوا الى قبيلة متجولة او شبه متجولةليس الا . ومن الواضح أن ملوك الأنباط ( في الزمن الغابر ) كانوا يتعاملون مع هؤلاء البدو المتمردين على أنهم رعايا أنباط، لهم امتيازات وأعطيات، ويشاركون في تأجير جمالهم وخيولهم لنقل البضائع، ويعملون أدلاء للطرق، ولا شك أنهم كانوا يتقاضون حوافز ومكافئات من ملوك الأنباط لزرع عنصر التنافس الطيب في خدمة الدولة، بدلاً من قيادة الهجوم والتمرد للتدمير.

ثار قبائل الهون من أهالي الأراضي الجنوبية للأنباط، أقول ثاروا ضد السلطة الرومانية. وهذا يبرهن على رأينا من أن ملوك الأنباط تحولوا إلى شيوخ قبائل مثلما كان أمرهم قبل ألف سنة من هذا التاريخ أو نحوها، وأنهم بدأوا يعانون ليس من اضطهاد السلطة الرومانية فحسب، بل ومن إهمالهم فإذا بهم يحرضون القبائل الأخرى للقيام بالثورة، لعلّ بيزنطة المعتدية تثوب إلى رشدها، وتطالب بإعادتهم إلى العرش، ويعيدون بناء مملكتهم من جديد. إلا أن ذلك لم يزد على كونه أحلاماً وأوهاماً.

إذن قامت الثورة والاضطرابات من قبل عشائر الهون العربية النبطية في جنوب الولاية العربية الجنوبية (ولاية بترا). وقد عكرت هذه صفو الإمبراطورية الرومانية وتزامنت مع غياب دولتي الأنباط وتدمر العربيتين.

ليس هذا فحسب، بل إن دومة الجندل قد عادت إلى دورها كنقطة استقطاب لقبائل شرق وشمال جزيرة العرب، وقبائل الرافدين، قبل هجومهم على بلاد الأردن وسوريا. وكانت هذه خارجة عن سلطة الرومان، حيث ظهر شيخ قبيلة عربية وفد من الرافدين واسمه امرؤ القيس ـ وليس الشاعر المعروف وإنما اسم على اسم فقط ـ وقد ظهر في منتصف القرن الخامس أي بعد حوالي خمسين عاماً من وفاة الإمبراطور وتقسيم إمبراطوريته.

كان هذا الشيخ العربي متحالفاً مع الفرس، فهاجم ولاية بترا العربية وسيطر على الأرض والناس حتى وصل إلى شواطئ البحر الأحمر، ثم احتل جزيرة ثيران (الحديثة) التي كانت تحت سيطرة الرومان وفيها حامية رومانية ضعيفة. وكان يهدف في تحركاته هذه إلى السيطرة على الطرق التجارية المارة عبر الأراضي الأردنية من ساحل البحر الأحمر إلى تيماء والجوف ودومة الجندل ووادي السرحان.

شكل هذا الشيخ إمارة في البادية الأردنية وشمال جزيرة العرب، وخضعت له قبائل الأنباط والهون، حتى عام 473م أي لمدة ربع قرن تقريباً، وهنا تحوّل هذا الأعرابي من مقاتل إلى سياسي إذ أوقد أحد الأسقافة الأردنيين إلى قيصر بيزنطة، فحصل له من الإمبراطور على لقب فيلارك ووافق له على الاحتفاظ بثيران وجنوب الأردن والواحات الصحراوية في شنال جزيرة العرب .

وفي الحقيقة أن الإمبراطور أعطى من الأراضي والناس ما لم يكن تحت سلطانه الحقيقي أصلاً، ولكنه وجد في الشيخ امرؤ القيس مشروعاً يشكل حاجزاً بين الإمبراطورية الرومانية وهجمات قبائل العرب القادمة من الجزيرة أو بلاد الرافدين.

يبدو أن ما وافق عليه امرؤ القيس من استعداده لقهر البدو، لم يوافق عليه خليفته الذي تنازع مع الرومان، وصارت الأردن ساحة لمعارك طاحنة هي في حقيقتها بين قبائل الأنباط والهون وسائر القبائل البدوية الأخرى من جهة، والقوات الرومانية من جهة أخرى. وكانت النتيجة انسحاب العرب من تيران، واندحارهم إلى الصحراء في جنوب الاردن وشمال جزيرة العرب , طلباً للأمن والحماية، وفرضت روما سلطانها على الأردن برمته من العلا جنوباً حتى بيسان والجولان شمالاً، ومن نهر الأردن غرباً إلى تيماء والجوف شرقاً ووادي السرحان ,وهذه الاراضي وما حولها كانت الاردن والولاية العربية بالنسبة لهم .

كان لانتصار الرومان على القبائل الأردنية واتباع امرؤ القيس نتيجة لم تكن في حسبان الرومان، إذ تبيّن أن امرؤ القيس كان مدفوعا من الفرس، وقد ساء العجم ما حصل للعرب على أيدي الرومان، وشعروا أن الخطر الروماني يقرع أبوابهم، وأنه لم تعد توجد قوة بدوية تستطيع قهر الرومان أو هزيمتهم. وهنا ظهر الجيش الفارسي بعدته وعديده ، وقضِّه وقضيضه. لتمريغ أنف الجيش البيزنطي بالتراب.

كانت المعركة الفاصلة بين الفرس والروم عام 530م وهي معركة داراس، استطاع القائد الروماني بلساريو Balsario من ضرب الفرس ضربة شديدة، قصمت ظهورهم لفترة طويلة من الزمن. وبذلك استطاع الروم دحر الفرس عدة مرات، وفي كل مرة يغيب الفرس عن ساحة الصراع خمسين عاماً أو مائة عام. فلا هم قادرون على الاجتياز إلى سوريا ومصر والعراق مثلما فعلوا من قبل , ولا الرومان قادرون على التوغل في بلاد الرافدين وفارس مثلما فعل الإسكندر المقدوني.

عاد الرومان إلى سياستهم التي كانت قبل خمسمائة سنة وهي دعم مملكة عربية على الارض الاردنية تحديدا وليس على غيرها , لتكون الحاجز بينهم وبين البدو، ومن الواضح أنهم قرعوا سنّ الندم في القضاء على الأنباط والتدمريين. وهنا برز الغساسنة اليمنيون من أهل الأردن على الخارطة السياسية، حيث شكلوا إمارة مهمتها استيعاب القبائل الداخلية والوافدة والغازية والطارئة وأن تكون حاجزاً حامياً واقياً بين جسم الدولة البيزنطية والصحراء وجزيرة العرب وبلاد الرافدين .

كان الغساسنة أصلاً من أهل اليمن وغادروه على اثر خراب سدّ مأرب، واستقر بهم المطاف في الحجاز والشام، وصار غالبيتهم في شرق الأردن، حيث كانت أسرة عمرو بن ماء السماء ملكهم في اليمن قد استقرت في الأردن، وقد وجدت هذه الأسرة أن الظروف مواتية لاستعادة ملكهم الضائع في اليمن، في منازلهم الجديدة، فجمعوا القبائل وأعلنوا ولاءهم للدولة البيزنطية التي وجدتها فرصة عظيمة أن تجد قوة عربية في مواجهة العرب والفرس معاً على حد سواء , وان تكون على اخطر جبهة في الامبراطورية الرومانية وهي جبهة الاردن .

واستطاع الحارث بن أبي شمر الغسّاني أن يصبح ملكاً على سوريا تحت لواء بيزنطة وصارت الأردن والجوف وممتلكات الأنباط جزءاً من مملكته الغسّانيّة. وكان الغساسنة مخلصون حقاً للرومان فوجدوا الدعم والثقة من جانب بيزنطة واستمروا ملوكاً مدة قرن من الزمان تقريباً، وانتهوا بعد معركة اليرموك، عام 638، وبذلك لعب الرومان سياسة استخدام طرف آخر للحرب بالنيابة وأداء المهمات نيابة عن الدولة البيزنطية. وهو ما فعله الغساسنة بكل رحابة صدر.

برزت معضلة جديدة للإمبراطور جستنيان، ألا وهي الثورات والفتن ضد عرشه حيث تقدم الغوط نحو إيطاليا، والفندال نحو إسبانيا وأفريقيا. مما احتاج معه إلى إرسال الجيوش لمواجهة هذه الأخطار التي قد تمزق الإمبراطورية وبالمقابل بدأت القبائل البدوية تغزو الإمبراطورية من الشرق، فوجد الفرس الفرصة مواتية لإعلان عدائهم لبيزنطة التي زادت من دعم البدو بالمال ليكونوا سدّاً منيعاً أمام الفرس وحلفائهم من عرب العراق.

سحبت بيزنطة جنودها من الشرق للدفاع عن الإمبراطورية في الغرب، وهنا سنحت الفرصة للبدو أن تغير على قبائل العرب في العراق مما أعطى الفرس مبرراً لملاحقة هذه القبائل باعتبارها ارتكبت جريمة مهاجمة حلفاء فارس من العرب، والادعاء أن ذلك لم يتم من البدو إلا بدعم وإغراء من الرومان. فأغار الفرس على سوريا ونهبوا أنطاكيا، وتصدى لهم الجيش الروماني بقيادة بلساريوس الذي خاض خمس سنوات من الحرب مع الفرس انتهت مرة أخرى يعقد صلح بين الفريقين المتحاربين.

ومما زاد الطين بلّة أن الطاعون تفشّى في الشرق عام 542م، مما زاد في إطالة أمد الحرب. وقد أباد الطاعون خلقاً كثيراً، أضعاف ما أبادته المعارك الطاحنة، حتى أنه كان يموت أحياناً في اليوم الواحد في القسطنطينية عشرة آلاف شخص واستمر هذا الوباء ثلاثة أشهر، وبقي يظهر على فترات متقطعة لمدة نصف قرن.

كان حصد الطاعون لرعايا بيزنطة قد حال دون تجنيد الاعداد الكافية لحسم المعركة مع الفرس، فضلاً عن انشغال القسم الأكبر من الجيش الروماني في القتال على الجبهات الغربية (الأوروبية) كما ذكرنا أعلاه. ومع هذا آلت المعارك إلى انتصار جستنيان على الغوط والفندال، وتمددت الإمبراطورية، رغم ضعفها، في أرووبا وشمال أفريقيا وإيطاليا وإسبانيا. وقد رافق هذه الحروب كثرة بذخ الإمبراطور جستنيان على الملذات، فتبددت موازنة الدولة، فما أن مات جستنيان حتى ترك الإمبراطورية في حالة وهن وضعف، بل أضعف مما كانت عليه عندما تسلم الحكم، رغم اتساع ممتلكاتها وكثرةوتعدد وارداتها , كما قلنا.

تعاقب على عرش الإمبراطورية عدد من الأباطرة الضعاف، واستغل الفرس هذا الوضع، وراحوا يغيرون باستمرار على الولايات الشرقية، حتى تسلّم العرش الإمبراطور هرقل فيما بين 610م ـ 641م. وأوقف الفرس عند حدهم. كان هرقل شجاع حكيما محنكا , لكنه ورث تركة صعبة مهلهلة ضعيفة، تنتابها الثورات والفتن في الداخل، وتتعرض لهجمات الفرس من الخارج فضلاً عن ضعف الميزانية التي سخّرها للمجهود الحربي ، مما أهمل أعطيات القبائل العربية الاردنية التي كانت حاجزاً منيعاً أمام قبائل جزيرة العرب وبلاد الرافدين.

في مطلع ولايته، جابه هرقل زحفاً فارسياً في 613م إلى الغرب واستولى الفرس على سوريا والاردن ثم على فلسطين واحتلوا القدس، وذبحوا 90.000 مسيحياً فيها. ودبّ الرعب في قلوب سكان الأردن وفلسطين ومصر، فاحتل الفرس مصر عام 617 ثم بدأوا يتأهبون للزحف على القسطنطينية.

كان وضع هرقل حرجاً بالفعل، حيث صارت بلاد الشام ومصر برمتها تحت السيطرة الفارسية، وصارت عاصمة ملكة مهددة بالمصير نفسه، وهنا رأى أن مجابهة العدو مباشرة في بلاد بيزنطة سيكون كارثياً، لذا استدرج الفرس نحو آسيا الصغرى، بينما توجه بجيشه إلى قلب فارس لقطع خطوط إمدادات الجيش الفارسي واحتلال بلادهم والقضاء عليهم . وبالفعل تقدم هرقل عام 622م في آسيا الصغرى، وقطع خطوط مواصلات الجيش الفارسي وقاعدته في وادي الرافدين.

نجحت خطة هرقل ومجازفته نجاحاً كبيراً، وهو يتقدم نحو الشرق، وهنا وجد الفرس أنه لا مناص من العودة للدفاع عن بلادهم وعاصمتهم، فكانت الواقعة الحاسمة بين الفريقين في نينوى عام 627م، أدت إلى عقد صلع بين الطرفين، استرجع الفرس بموجبه جميع البلاد التي فقدوها، وأطلقوا سراح أسرى الرومان، وأعادوا الغنائم التي نهبوها من القدس. وبذلك تحقق نصر بيزنطي على الفرس. ووجد هرقل أن الفرصة مهيأة له ليلتقط أنفاسه ويخلد إلى الراحة ويهنأ بعرش الإمبراطورية إلا أن ذلك لم يتم أبداً، ذلك أنه شهد بأم عينيه تمزيق إمبراطوريته على أيدي المسلمين الذين دخلوا إليه من خلال الأردن وأهل الأردن والقبائل الاردنية التي اهملها .

كان تخوف الرومان دائماً أن تفرز لهم جزيرة العرب من يمزق ملكهم، ويطردهم من بلاد العرب وهي سوريا وفلسطين والأردن, وكان العالمين بالتوراة والانجيل بنصوصها الاصلية يعرفون انه حان وقت ظهور النبي العربي الامي , ولنا في قصة الراهب بحيرا مع رسول الله صلى اللهعليه وسلم عبرة ومثلا . كان هرقل دائم الخوف من النبوءات التي تتحدث عن تمزيق ملكه على ايدي هؤلاء العرب . من هنا لجأ الرومان إلى إيجاد إمارات عربية كانت منطقة عازلة بينهم وبين الجزيرة، قوامها (أي الإمارات) قبائل عربية نزحت من الجزيرة، حيث تعاقبت هذه التحالفات والإمارات من التنوخيين ثم الضجاعمة، وكلاهما من قضاعة ثم ظهر الغساسنة الذين طالت إمارتهم حتى دخلت التاريخ كملكة عربية سورية شملت الأردن ودمشق وما بينهما وبواديهما .

إن الغساسنة ليست القبيلة الأولى التي تنزح من اليمن إلى الأردن وبلاد الشام، بل هي واحدة من الموجات المتتابعة عبر التاريخ. فاليمن بالنسبة للعرب هي أم العرب، وهي المستودع الذي زوّد بقية أجزاء الجزيرة والهلال الخصيب وشمال افريقيا والقرن الافريقي بالقبائل النازحة من هناك لأسباب كثيرة أهمها موجات الجفاف، وخراب سدّ مأرب لأكثر من مرة عبر التاريخ، آخره كان الذي لفظ الغساسنة إلى حيث استقر الأوائل من أبناء اليمن في شمال جزيرة العرب . اي الى الاردن .

نقول ليس الغساسنة هم أول من هاجر أو آخر من هاجر، بل أن المؤمنين من قوم هود عليه الصلاة والسلام استقروا في مدائن صالح في شمال جزيرة العرب، وظهر منهم سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام، وأمن منهم قوم نزحوا مرة أخرى إلى جنوب الأردن وشماله وإلى بلاد الشام، ومنهم الثموديين في بلاد الحرة شمال الأردن، والذين كان لهم الخط العربي الثمودي الذي تم العثور عليه محفوراً في الصفاة في منطقة البادية الشمالية الأردنية ومن احفادهم عشائر أهل الجبل الذين يعيشون في تلك الديار وفي جنوب سوريا الحالية.

ومن الثموديين أيضاً: القيداريون الذين سيطروا على تيماء ودومة الجندل ووادي السرحان، ومنهم جذام قوم سيدنا شعيب وهم أهل مدين وأهل الأيكة، وكلاهما مذكور في القرآن مرة زمن سيدنا شعيب النبي العربي (خطيب الأنبياء)، ومرة زمن حفيده الكاهن شعيب الثاني جيثرو Jethro الذي عمل عنده النبي موسى عليه السلام عندما توجه تلقاء مدين هارباً من بطش فرعون وقومه بعد قتله للقبطي من قوم فرعون كما ذكر القرآن قصته بالتفصيل .

ولا زال أحفاد جذام في الأردن وهم: بنو صخر، وعباد، والحمايدة، وبني عقبة (العمرو) والعجارمة والعتوم وبني ياسين ( وشيوخهم الشريدة وجزء من عشائر معان ومنهم عشيرة قباعة احفاد ابي فروة الجذامي رضي الله عنه .. والقائمة تطول ) وعشائر أخرى بأسماء أخرى. بل إن الحروب القبلية في القرن السادس عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر كانت صراعاً بين اليمنية من جهة , والقيسية من جهة اخرى استمرارا لهذا الصراع الذي بدا زمن مروان بن الحكم الاموي . اما اليمنية فقد تعاقب على زعامتهم في العصور الاسلامية منذ بداية العصر الايوبي وما قبله كل من : نافع العجرمي، ثم الأمير المهداوي من بطن طريف من جذام , ثم بنو صخر الذين تزعموا حلف اليمنية منذ نهاية القرن السابع عشر الميلادي . اما حلف القيسية ( البلقاوية ) فقد الت الزعامة والقيادة فيهم إلى العدوان كما سنرى فيما وكما فصّلنا في الجزء الخاص: بالتاريخ السياسي للعشائر الأردنية، أما القيسية فهم عشائر الحجاز من غير الأصل اليمني ومن لف لفهم من الحلفاء والاتباع .وهناك نسبة عالية منهم من اصل يمني ولكنهم انضموا الى حلف القيسية بزعامة العدوان كما سياتي فيما بعد ان شاء الله .لان العنوان في التحالفات العشائرية لاينطبق دائما على التفاصيل , فقد يلتحق اليمني بالقيسي والقيسي باليمني وهكذا لانه جزء من صراع البقاء والبحث عن الحياة . وهذا ماتحدثنا عنه مكفصلا في كتابنا بالانجليزية وما سنتطرق اليه فيما بعد في سياق الكتاب الذي بين ايدينا ان شاء الله .

كانت قضاعة ومنها بلي وبني عاملة، وقبلهم جذام، وبنو سليح، والضجاعمة وتنوخ، كلهم قبائل يمنية عاشت في الأردن منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، قد سبقت الغساسنة، فجاء الغساسنة إلى جوٍّ يمني وسط ترحيب أقاربهم اليمنيين من العشائر المذكورة أعلاه، والتي (هذه القبائل) بقيت على صلة باليمن من خلال التجارة معها ، والعمل مع القوافل التجارية وحراستها وتأجير الجمال والخيول لها. وبالتالي فإن الصلات بين اليمن الأم، وقبائلها في الأردن لم تنقطع عبر التاريخ، بل إن هذه التجارة وجدت البيئة المناسبة لدى القبائل اليمنية في الأردن وسوريا، مما ساعد على ازدهار الطرفين اليمني والأردني.ولم تكن الدول المتعاقبة تحول بين تواصل العشائر , بل كانت تشجعها لانه تحتاج الى هذا الوئام لاحلال الامن وازدهار التجارة .

ولكن الغساسنة تفوقوا على أخوتهم القبائل اليمنية السابقة أنهم جاءوا ومعهم ملكهم عمرو بن ماء السماء الملقب بميزيقياء، فكانوا معتادون على الخضوع للملك والأسرة المالكة، لذا فإنهم ما إن استقروا ودرسوا الأوضاع، حتى اتصلوا مع الرومان وأزاحوا الضجاعمة/ قضاعة من أمامهم وتبوأوا الملك في شرق الأردن وجنوب سوريا حتى دمشق التي صارت عاصمة لهم في فترة متأخرة، وصار لهم عامل على البلقاء من أرض الأردن، وهو أبوفروة الجذامي (من جذام) الذي أسلم ولقي حتفه صلباً من قبل الروم على حياة عفرا إلى الشمال من الطفيلة.لم يستطع الغساسنةاهما جذام لانها كانت القبيلة الاقوى والاوسع انتشارا في الاردن انذاك فاعطاهم الغساسنة امارة البلقاء الممتدة من جنوب العلا الى جبل الشيخ وتشمل البادية والجبل والغور وايلة ( العقبة ) .

وبذلك نجد أن الرومان تعاملوا مع خمس ممالك عربية: وهي: الأنباط , وتدمر، والتنوخيون، والضجاعمة، ثم الغساسنة وهم خاتمة المطاف الذين شكلوا مملكة حقيقية لها حضارتها وبلاطها ورعاياها , وزادت من مجاملتها وانسجامهما مع الرومان ان دانت بدين الدولة وهو النصرانية الذي كان الدين الرسمي وإن لم يكن سائداً بششل كامل بين أفراد الشعب الاردني , أو لنقل أن الناس كانوا يعيشون كما يريدون، وكانت النصرانية الرسمية هي السائدة، إرضاءً لبيزنطة، مما أوجد انسجاماً بين أهل البلاد والغساسنة من جهة، والإمبراطورية في بيزنطة من جهة اخرى بسبب الدين والسياسة واداء المهمات ودهاء الغساسنة وذكائهم في التعامل مع المستجدات والقوى العشائرية والرومانية .

لقد سبق وتحدثنا عن ملوك الغساسنة، مع الوقت التقريبي لهم، ولا داعي للتكرار ثانية، وسبق أن قلنا أن الغساسنة والمناذرة، وكلاهما يمنيون كانوا يتقاتلون بالنيابة عن قتال بيزنطة وفارس. وقد حلّت الويلات بالغساسنة من جراء حروبهم مع المناذرة، فثاروا ضد بيزنطة رافضين القتال في عهد الإمبراطور فالينوس الذي حكم فيما بين 364 ـ 378م. ومع هذا وجدوا أنفسهم في حرب إلزامية مع المناذرة بسبب ثارات كسر العظم بينهما وقام الملك الغساني الحارث بين جبلة عام 529 بدحر المنذر ملك اللخميين في الحيرة، وتم ترفيع الحارث إلى رتبة فيلارك مكافأةً له على ذلك، ولمعاضدته الرومان أبناء دينه ضد اليهود السامريين الذين أشعلوا الثورة ضد الرومان في فلسطين.

استطاع الحارث بن جبلة أن يوحد سكان الأردن وجنوب سوريا تحت إمرته عام 530/531 وبذلك تنفست الإمبراطورية البيزنطية الصعداء أن قام حاجز عربي رسمي في الارض الاردنية , بينهم وبين البدو مما ساهم في صدّ هجمات الفرس والبدو في آن واحد. ولم يتوقف الأمر عند هذا، بل أراد الحارث أن يوطّد ملكه الحقيقي للعرب، فأرسل جيشاً مع القائد الروماني لتأديب الفرس في بلاد الرافدين حيث انتصر الجيش الرومي والغساني، واستعادت بيزنطة هيبتها أمام فارس ومن لحق بها من القبائل، كما زادت من هيبة الملك الحارث والغساسنة، وشعروا أنهم استعادوا ملك الآباء والأجداد الذي ضاع منهم في اليمن. وإذا كان ملكهم قد تهدّم هناك بانهيار السدّ، فإنه قد عاد إليهم ببنائهم سدّاً من القبائل والمقاتلين لحماية بيزنطة. لقد لعب الغساسنة بذكاء كبير ونجحوا في ذلك أيما نجاح، وذاع صيتهم عند العرب إلى الآن.

ولكن هذا الانتصار الغساني لم يتجذر، حيث أن القائد الروماني بليساريوس الذي انتصر على الفرس أُرسل لقتال البرابرة في الغرب، فاغتنم المنذر ملك المناذرة الفرصة لأخذ الثأر لنفسه ولأسياده في فارس، فاجتاح سوريا حتى وصل أسوار أنطاكيا، وأخذ أحد أبناء الحارث أسيراً وقدمه قربانا للعزى.

وهنا نجد أن المناذرة بقوْا على عبادتهم للأصنام، حيث كان الفرس صابئة يعبدون النار، أما الغساسنة فقد تنصروا وصاروا على دين الدولة وهي بيزنطة ونجد أيضاً مدى الوحشية التي وصل إليها الطرفان في التعامل مع بعضهم بعض وكلاهما عربي يمني، ولكن وللأسف الشديد كان همهم إشباع رغبة الثأر من جهة، وإرضاء الأسياد في المدائن (فارس) وبيزنطة (الروم)، من جهة أخرى. ولكن الحارث لم يترك هذه المأساة تمر بدون حساب، حيث جهّز نفسه وانقضّ على اللخميين / المناذرة بعد عشر سنوات، أي عام 554م في معركة سميت يوم حليمة فقتل ( بضم القاف ) الملك اللخمي المنذر وتشتت جموع المناذرة.

ويوم حليمة يوم مشهور عند العرب وله قصة في هذه المعركة الفاصلة بين الغساسنة والمناذرة , حيث يقولون في أمثالهم: "ما يوم حليمة بِسِرٍّ"( اي ان يوم حليمة ليس سرا ) ويضربونه للأمر الذي لا يحتاج إلى دليل. وأما حليمة فهي اميرة غسانية وهي شقيقة الأمير الغساني القتيل وابنة الملك الحارث الغسّ?Zاني. وفي يوم المعركة لجأ الحارث إلى الحيلة إذ أرسل مائة من خيرة رجاله إلى الملك المنذر بحجّة أنهم جاءوا لمفاوضته ووقف القتال وعقد الصلح. وانطلت الحيلة على الملك المنذر، فدخل رجال الحارث وقتلوا المنذر وحرسه وشتّتوا جيشه الذي لجأ إلى الفرار. وكانت حليمة تمطر رجال أبيها بالزغاريد والتشجيع وترش عليهم الطيب وبذلك نسب العرب ذلك اليوم اليها ( يوم حليمة ) .

يعتبر الحارث بن جفنة الذي حكم ما بين 529 ـ 569م. من أفضل ملوك الغساسنة وأقواهم، وأطولهم مدة حكم حيث حكم أربعين سنة، واستقطب الشعراء والأدباء وبنى القسطل والزرقاء وقواعد قصر المشتى الذي بناه الفرس فيما بعد عندما اجتاحوا الأردن، كما بنى أذرح والجرباء على أنقاض القرى النبطية في هذه الأماكن وأعاد بناء معان ووسّعها في المنطقة التي تعرف الآن بالحمّام وسميت كذلك نسبة إلى نبع ماء بجوارها، اسمه الحمام وقد كان النابغة الذبياني أحد شعراء البلاط الغسّاني الذي مدحهم في قصائد كثيرة ومنها هذا البيت:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهيّن فلول من قراع الكتائب

وقوله:

متِّع فؤادك ما استطعت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأوّل منزل
لله درُّ عصابة نادمتُهم يوماً بجلّت في الزمان الأول

وبعد وفاة الحارث، وقعت معركة ثأر أخرى عام 572م أي بعد ثمانية عشر عاماً، حيث حاول الملك اللخمي قابوس بن هند أخذ الثأر من الغساسنة إلا أن المنذر بن الحارث الغساني ألحق بقابوس شرّ هزيمة في يوم معركة سميت يوم ذات الخيار/ أو يوم عين أباغ وكلاهما اسم لنبع ماء جرت المعركة بجواره.

طلب الملك الغساني من الإمبراطور البيزنطي الجديد مزيداً من المال لمكافأة القبائل الأردنية التي وقفت معه في حربه ضد المناذرة والثأر لأخيه مرة أخرى إلا أن الإمبراطور الجديد (جستين الثاني) رفض تزويد الحارث بالمال، وأعلن صراحة في تصرف لا ينم عن حكمة ولا تدبير أنه لا يثق بحلفائه العرب، وزاد على ذلك أن حاول اغتيال الملك الغساني نفسه ، ولكن الفشل كان نصيب المؤامرة، فثار الغساسنة من جنوب الأردن حتى دمشق ضد هذه الإهانة , وبمعنى آخر ثارت معهم القبائل الأردنية الأخرى وانشقوا عن الإمبراطورية التي أعلنت عدم اعترافها بالملوك الغساسنة المنشقين , وعدم اعتراف هؤلاء ببيزنطة وصار الوضع حرجاً، مما احتاج معه الملك الغساني ان اوى الى الأردن طلبا للحماية بين القبلئل اليمنية ضد بيزنطو وجيشها .

هذا الذي حدث أثلج صدور الفرس الذين أغاروا على الإمبراطورية البيزنطية، وكان ذلك حسن طالع للغساسنة وأهل الأردن حيث عاد الإمبراطور الروماني صاغرا يطرق ابوباهم ويلثم اعتايهم وهو يخطب ودهم مرة أخرى , حتى إذا ما جاءت سنة 578م تبوأ عرش بيزنطة إمبراطور جديد، فأعاد العلاقات الودية مع الغساسنة وتوج المنذر ملكاً على العرب. بل إن الإمبراطور كان عاجزاً عن شن حرب ضد الغساسنة وأهل الأردن الذين تنفسوا الصعداء ووجدوا في الأسرة المالكة الغسانية (أبناء جفنة) مشروعاً وطنياً وقومياً قادراً على قول كلمة لا للبيزنطيين.فالتفوا حول اللاسرة المالكة الغسانية .

قام المنذر الغساني بالهجوم على المناذرة في الحيرة، لكنه رفض أمر بيزنطة بمواصلة هجومه على الفرس، مما أوجد الشكوك البيزنطية بوجود اتفاق سري بين ملك الغساسنة والإمبراطور الفارسي فلجأت بيزنطة إلى الحيلة حيث دعت الملك المنذر لحضور حفل افتتاح كنيسة الحواريين، فما أن وصل حتى قبض عليه رجال الإمبراطور وأودعوه السجن، وأوقفت بيزنطة الإعانات المالية عن الاردنيين من : الغساسنة وقبائل البدو وبقية السكان الاردنيين . وقد أدى هذا إلى تفرق القبائل العربية وقامت كل منها بانتخاب رئيس لها, فصار حالهم كحال الانباط الملوك شيوخ عشائر والشعب فرق متناثرة .

كانت هذه الإرهاصات البيزنطية قد أثارت ثلاثة أطراف: الغساسنة في الأردن وسوريا، والقبائل الأردنية، وقبائل البدو وصاروا جميعاً رغم شتاتهم متفقون على هلاك بيزنطة أو جلبها إلى بيت الطاعة ودفع مستحقاتهم المالية التي انقطعت منذ سنوات طويلة.

بعد خمسين عاماً (629م) اضطر هرقل إلى إعادة التئام المملكة الغسانية لأنها تحقق أهدافه في وحدة القبائل وحماية جبهته الجنوبية وهي الأردن، وتحميه من قبائل الصحراء والرافدين ، وتعينه في حربه ضد الفرس. ونصّب جبلّة بن الأيهم ملكاً على المملكة الاردنية الغسانية التي كانت تشمل اجزاءا واسعة من الشام ، وجعل مركزه في بصرى وليس في دمشق وطلب إليه أن يعيد النظام والالتئام إلى البلاد، وأن يعيد القبائل إلى الهدوء، وأن يعزز جبهة الأردن لأنها مفتاح جزيرة العرب والشام على حد سواء ، وصارت الجوف ( وتشمل وادي السرحان ودومة الجندل ) جزءاً من هذه الإمارة الاردنية الغسانية ، وأرسل جبلة عاملاً عليها من عنده تابعاله ومرتبطا به .

وبذلك نرى أن السياسة البيزنطية حيال الأردن بعد سقوط البتراء وتدمر، صارت متأرجحة، مزاجية، غير ثابتة , واحيانا عبثية , مما أثار قبائل البدو وشجع الفرس على الهجوم عليهم، وتم تتويج رفض سياستهم، هذه بثورة حلفائهم وأتباعهم الغساسنة، وثبت للبيزنطيين أن سياسة الغدر والخيانة والإهمال لأهل الأردن قد ساهمت في الإطاحة بالرومان انفسهم في نهاية المطاف , وثبت ان مفتاح النصر والهزيمة موجود بالاردن على غيرها من سائر الاقطار الاخرى المجاورة .

استطاع الأردنيون، التعامل مع المتغيرات والمستجدات منذ نشأت الممالك في بلادهم، واجتياح الجيوش لديارهم واحتلالها، فوجدوا أن عنصر البقاء يقتضي التكيف مع الواقع، لذلك صارت هذه جزء من ثقافة الشعب الأردني عبر التاريخ. بحيث صار غير معنيٍّ بما يجري على كراسي الحكم منذ قيام أدوم وما قبلها وما بعدها لأن هذه الكراسي تأتي وتذهب، وإنما صار معنيّاً بالبقاء والاستمرار فيما يخصه هو , بغض النظر عما يراه على السطح ,. لان الكراسي تخص غيره ( ومن ياخذ امي فهو عمي ) كما سبق واشرنا .

لذلك برزت في ثقافة الأردنيين عبر التاريخ عدة نقاط هامة هي:

1. تغيير الأسماء الفردية، حيث أن الشخص إذا ما شعر بالخطر في مكان وذهب إلى آخر بحثاً عن الأمن والطمأنينة غيّر اسمه لأنه يرى في تغيير الاسم طمسا للجريمة المطلوب لها بالثأر منه. ولم يقتصر هذا على الأفراد، بل وجدنا أن ملوك الأنباط والعمونيين والمؤابيين والأدوميين قد غيروا أسماءهم في الفترتين اليونانية والرومانية إرضاء للمحتلين، لأن في ذلك عناصر الاستمرار والبقاء للملوك وشعبهم.

2. تغير الهوية السياسية والمحلية. فقد كان سكان القرى والمدن الأردنية يصبحون من رعايا عمون، ويمسون من رعايا مؤاب، أو العكس، ويمسون من رعايا الأنباط، ويصبحون والأنباط من رعايا الرومان، وتغيب عليهم الشمس نصارى، وتطلع شمس اليوم التالي وهم يصلون الفجر وقد آمنوا بالله. وهذه صفة لم أجد مثيلاً لها في شعوب البلدان الأخرى، ذلك أن مساحة الأردن الضيقة وانفتاحه على جميع الاحتمالات والتغييرات جعل الأساس لدى أهله هو البقاء والصراع من أجل البقاء واكرر القول : الصراع من اجل البقاء .

3. يتعاملون مع التغيير بالحسنى واللطف والطاعة، ويكرهون المواجهة مع الغرباء المحتلين لبلادهم، لكثرة نوافذ موجات الاحتلال، وبالتالي فإنهم إذا كانوا يقاومون في كل مرة . فإن ذلك سيؤدي إلى إبادتهم لذلك يلجأون إلى الحيلة وهي: الترحيب لغايات الاحتواء، ثم الاستفادة من هذا القادم بانتظار قوة أخرى تخلصهم منه، وذلك ما حدث أن اليونان طردوا الفرس، والرومان طردوا اليونان، والمسلمون طردوا الرومان.ولكن الاردن والاردنيون بقا على اراضيهم جيلا بعد جيل الى الان وغد والى ماشاء الله ان شاء الله .

4. انحيازهم للقوة، فهم شعب اعتاد على مدى التاريخ ألا يدخل في صراع الدول على أرضه، وينتظر من سيكون القوي فينحاز إليه وتصبح له عند المنتصر أهمية وهذا حدث في تصرفه مع جميع القوى المحتلة القادمة والمغادرة.لذلك يقول المثل الاردني ( عند مصاكل الدول خبي راسك / مصاكل معناها الصراع العنيف بين طرفين متقاتلين قويين ) , وايضا : ( اللي ياخذ امي هو عمي ) , وايضا : ( بطيخ يكسر بعضه ) . وايضا : ( اضرب العرص بالعرص مايظل ضدك ولا عرص ) . فهذه الامثال تبين ثقافتهم بعدم اقحام انفسهم في صراع القوى الخارجية حتى ولو كان هذا الصراع على الارض الاردنية .

5. الشعب الأردني لا يركب رأسه. ومن الذين ركبوا رؤوسهم: قوم صالح (الثموديون)، وقوم لوط، وأهل مدين، واصحاب الأيكة، فكانت نهايتهم كما أخبرنا بها القرآن الكريم، وهي الإبادة للكافرين والنجاة للمؤمنين، وقد أوجدت هذه الكوارث والعقاب الإلهي مفهوماً ثقافياً عند الأردنيين أنهم لا يركبون رؤوسهم، لا مع السماء ولا مع أهل الأرض، لذلك نجد في أمثالهم:

§ "لا تركب رأسك" Dont be stubborn .

§ "لا تخلّي حالك رأس لأن في الرأس أشد الأوجاع" Dont feel as head, since all pains eventually come to head .

§ وقولهم "خلي لك بالقوم صاحب" Once you have enemies make your best to have friends among them .

§ وقولهم "لا تعاند من إذا قال فعل" Dont defy whom he can does what he says .

6. استطاع الأردنيون وضع استراتيجية البقاء وتكتيك التعامل، لذلك كان العدو أو المحتل أو الحاكم يحسب أنهم معه، لأن الابتسامة والتصفيق تخدع كل حاكم عبر التاريخ، وهم يضمرون شيئاً آخر. ولكنهم إذا ثاروا قاموا جميعاً، من أجل التغيير الشامل الكامل. وبالتالي فهم لا يؤمنون بالإصلاح الجزئي، وإنما بالتغيير الكلي، دون أن يدمِّروا منجزات الفائدة من السابقين.

أمام هذا كله , كان المحتلون يتعاملون مع شعب، يتحدث العربية والآرامية، ثم العربية واليونانية، ثم العربية والرومانية، ثم العربية العربية. وكانوا يعبدون الأصنام، حتى إذا ما خضعوا للاحتلال أضافوا آلهة المحتل إلى معبوداتهم المحلية فيعبدون اصنامهم واصنام القوة المهيمنة كما راينا سابقا . فترضى القوة المهيمنة من سلوكهم الظاهري هذا ، ويمارس الأردنيون حياتهم وراء الكواليس كما يحلو لهم في ممارستها وهم يعبدون الهتهم الخاصة بهم

من هنا برز في الأردن دوماً خطان متوازيان: خط التعامل مع الدول المتعاقبة ( الدولة دولة ) وخط تعامل الشعب مع بعضه بعضاً ( والناس ناس ) والذي يسمى العادات والتقاليد، وأوجدوا لأنفسهم قوانين اجتماعية ساهمت في بقائهم رغم تغيُّر الدول والحكام عليهم عبر القرون. ولا زالت هذه الميزة موجودة إلى الآن، إذ أن العادات والتقاليد لا زالت سائدة مأخوذ بها رغم وجود قوانين الدولة والقوانين الدولية ايضا , ورغم وجود القوة القانونية والمسلحة للدولة الا انها تقف عاجزة امام العادات في نهاية المطاف .

من هنا نجد أن المجتمع الأردني التاريخي مجتمع قوي، يأخذ ببطء ما يرد إليه من الخارج، ثم يعيد صياغته عبر وقت طويل ويجعله أردنياً. فتطوّرت لديهم قوانين اجتماعية مثل العطوة والجلوة والصلح , التي لا توجد عند العشائر العربية الأخرى في شمال أفريقيا وجزيرة العرب بهذه الكيفية , وإن كانت لا زالت سائدة في اليمن، دون أن نغفل الأصل اليمني القديم جدا لغالبية الشعب الأردني.

أمام هذه القدرة على التكيف مع المستجدات والمتغيرات وجد المحتلون جميعاً أن التعامل مع هذا الشعب أمر سهل ومريح، على عكس ما كان عليه اليهود في فلسطين والسوريون واللبنانيون وبلاد الرافدين ومصر. حيث كانت الشعوب تثور دائماً لغايات التغيير والوصول إلى الحكم، إلا أننا في الأردن نجد أن الثورات كان يقوم بها الملوك والأمراء والقادة للممالك الأردنية لغايات تخصهم ونجد الشعب يقف إلى جانب هؤلاء، حتى إذا ما أصابهم الخذلان او تغير الحكام , تعامل الاردنيون مع المستجدات والحكام الجدد .

وقد رأى الأردنيون عبر التاريخ أن من الغباء ركوب الرأس والتحدي للمحتل وهو في سورة الغضب ولحظة النصر، وعندما رفض الأدوميون والأنباط الاحتلال كان مصير عشرات الآلاف منهم الموت بإلقائهم من على سطوح الجبال الشاهقة في سلع (الأدومية) وبتراء (النبطية).

وفي رأينا أن بلداً صغيراً كالأردن، وشعباً قليلاً كهذا الشعب، لا يستطيع البقاء والاستمرار والاستقرار والحياة إلا بالتعامل مع المستجدات والمتغيرات وبالطريقة التي اعتادوا التعامل معها عبر التاريخ. فنحن نرى ما حلّ باليهود لعنادهم وثوراتهم، وهذا أعطى الأردنيين درساً ألا يكونوا مثلهم. ونرى أن مجرد غضب آشور وبابل على ملوك الأردن قد أدى إلى سوق عشرات الآلاف من شباب الاردن إلى السبي مع اليهود، ونرى أن صراعهم مع ممالك اليهود أفقدهم ملايين الأنفس منذ دخول بني إسرائيل عبر مملكة حشبون إلى أن آل عرش مملكة يهوذا إلى أردني أدومي غيّ?Zر اسمه ودينه وسمي هيرودس الذي أراد الثأر من الأردنيين لعدم وقوفهم معه ضد الأنباط. كما سبق وشرحنا ضمن السياق السابق.

من هنا فنحن نتعامل مع شعب رغم بساطته إلا أن لديه عناصر البقاء بالفطرة، وهو من أشد الشعوب قدرة على الاستمرار والتكيف مع الحياة والمستجدات والبقاء , واذا كان البعض يرى ان في هذه الصفات مايعيب , فنحن نرى انها وسيلة الصراع من اجل البقاء في مجتمعات الحياة فيها للقوي .

الأردن وطرق التجارة في العصور القديمة

إن نظرة أولية إلى خارطة العالم، نجد أن البقعة الجغرافية التي تمتد عليها الأراضي الأردنية، في غاية الأهمية والاستراتيجية، وكما سبق وقلنا فهي بوابة جزيرة العرب من الشمال، وبوابة الهلال الخصيب من الجنوب والغرب، وهي الرئة الثانية لفلسطين ( ومن خلالها ترتبط بالبحر الابيض المتوسط واوروبا ) , وترتبط بأفريقيا ومصر عبر البحر الأحمر وسيناء، وبآسيا الصغرى عبر سوريا وباليمن عبر ساحل الأحمر وجبال الحجاز، وطريق البادية المحاذية إلى الشرق من سلسلة جبال الحجاز.

وإذا قرأنا التاريخ، وجدنا أن أي احتلال شرقيّاٍ كان أم غربيّاٍ ويهمل الأردن، فإنه لا يفلح في السيطرة على أرض كنعان (فلسطين) وسوريا ولا حتى على شمال جزيرة العرب. ونجد أيضاً أنها صارت موئل الأقوام التي أصيبت بالعقاب الإلهي من عاد وثمود، ومحطة أولى للمد الإسلامي من الجزيرة إلى سائر بلاد الشمال والغرب.

لقد استغل الأقدمون موقع الأردن أفضل استغلال لغايات الأمن والحماية , حيث لجأ اليها الأدوميون والأنباط، ومن قبلهم الباشانيون والعمونيون والمؤابيون ومن قبلهم الحوريون والميديانيون . وفعلت قبائل متتالية قادمة من اليمن الشيء نفسه في الاستقرار في الأردن. وبذلك كانت هذه الرقعة الجغرافية موجودة على الخارطة التجارية والبشرية والتاريخية والعسكرية والدينية ( ارض الحشد والرباط == الذي باركنا حوله ) ، بغض النظر عن التسميات التي تعاقبت عليها، وصارت همزة الوصل بين الجنوب والشمال، والشرق والغرب، والبحر والبر، والغزاة والمتمردين والخاضعين. وبمعنى آخر صارت الأردن موئل المتناقضات ليس فقط في طبيعتها من غور تحت مستوى سطح البحر الى جبال شاهقة مثل رم وشيحان ومنيف . بل ومن كفر وإيمان، إلى أنبياء ومؤمنين الى رافضين للنبوة، ومن لوز في غاية المرارة، الىآخر في غاية الحلاوة، إلى حنظل مر، وبطيخ هضيم للأكلين، إلى سدر وتمر. ومن ماء عذب فرات الى اكثر المياه مرورة وملوحة في البحر الميت حيث اخفض نقطة على وجه الارض , وهكذا فالقائمة تطول .

كانت الأردن بلاد خصبة كثيرة الأمطار وفيرة الإنتاج والثمار تعج بالسكان والغابات، وقطعان الماشية، وكانت هذه قد تتعرض للغزو الخارجي فيفقد الناس ثرواتهم خلال معركة أو معارك، وقد يزيدونها نتيجة نصر أو انتصارات.( انظر التفاصيل في كتابنا / الاردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين من 1500 ق. م الى 1881 م ) / منشورات الدار الاهلية / عمان / شارع الشلط .

كان مبدأ التبادل التجاري معروف لدى الأمم منذ أعماق التاريخ، وهو في أساسه قائم على أمرين الحاجة إلى الشيء. والاكتفاء من الشيء، والعرض والطلب، والبائع والمشتري، فما أن يزيد الإنتاج لدى مجموعة أو شعب (أ) حتى يبحث عن مجموعة أو شعب آخر (ب) يحتاج إلى فائض المجموعة (أ)، مقابل أن تعطي المجموعة (ب) ما يفيض لديها من إنتاج تحتاجه المجموعة (أ).

انطبق هذا على الشعوب والدول، وكانت التجارة تقوم على البضائع الأساس والضرورية، ثم تطورت إلى الكمالية. وكان الغرب / اوروبا بحاجة الى التوابل والعطور والبخور والفواكه المجففة واللؤلؤ والسمك النادر المجفف (من خليج عمان مثلاً)، وريش الطيور، والأدوية الطبيعية النباتية والحيوانية. وبمعنى آخر بضائع خفيفة الوزن غالية الثمن، قوية التأثير، صعبة التوفير. وكانت هذه تتوفر في جنوب شرق آسيا والهند، حيث يحملونها إلى ميناء عدن اليمني، ومن هناك يحملها اليمنيون بحراً أو براً إلى بحر القلزم (أيلة)، أو إلى مراكز تجارية في الأراضي الأردنية، ومنها إلى سوريا وفلسطين ومصر وأوروبا.

من هنا صار الأردن ممرّاً هاماً لطرق التجارة، واستطاع التجار بمساعدة الأهلين من تحديد طرق يسلكونها، ومحطات يرتاحون فيها في واحات يتوفر فيها ثلاثة عناصر. الأمن والغذاء والماء، وازدهرت هذه المحطات، ورأت القبائل التي تعبرها الطرق أن مرور القوافل عبر ديارها يجلب لها من المال والربح والدخل الدائم ما يعينها أكثر مما يتحقق لها من الغزو والنهب وقطع مصدر الرزق هذا. كما أن التجارة ساعدت القبائل على بيع منتوجاتهم من الجلود، واللبن الجاف، والكما Kama وهو نبات صحراوي يظهر في وقت معين من السنة، ويمكن تجفيفه واستخدامه في أي وقت من السنة، كما كانوا يبيعون السمن والزبدة واللحم المقدد (الجاف) أيضاً، والوبر والصوف والشعر والقرون.

وبذلك لم تقتصر الأردن على كونها ممرّا للأقوام الغازية والمهاجرة، والجيوش المحتلة أو العابرة إلى بلدان أخرى، بل إن أهلها استغلوا قيام دولة في مصر، ودول أخرى في بابل وآشور وسوريا واليونان والرومان واليمن وفتحوا بلادهم للتجارة، أو كان لا خيار لهم في ذلك أصلاً الا التجارة واللطف مع جميع الفئات المتناحرة المتنافرة . وقد قام الفراعنة الأوائل بإدراك أهمية التجارة الداخلية، ونظموا طريقاً للقوافل بين مصر وأدوم، ومؤاب ومدين، وسائر ممالك الأردن، يبيعون إنتاجهم ويستبدلونه بالإنتاج الأردني الذي كانت تحتاجه مصر، ومن أهمه: الزفت والقار ( القطران ) والملح من البحر الميت , والملح ايضا من القريات والأزرق، والطيب والزعفران والأعشاب الطبية التي استخدمت والغار بالتحنيط فيما بعد عند المصريين , والمسك لكثرة الغزلان في الأردن في الأيام السالفة، ودهن النسر وهو طب موصوف منذ أقدم العصور لتوفر هذا الطائر في الأردن في أوقات معينة من السنة، وجلد الغزال للكتابة إلى جانب ورق البردي المصري بل منافسا للبردي .

وقد قامت دول تجارية في الأردن، وكان أهمها الأنباط، ففي الوقت الذي استقر فيه الفينيقيون على الساحل اللبناني وصاروا شعبا بحريا وامتدوا إلى شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، مدد الأنباط مملكتهم حول الطرق التجارية البرية التي اتخذوها، فسيطروا على البادية الأردنية حيث الطريق من الجنوب إلى دمشق وأنطاكية، وعلى طريق ساحل البحر الأحمر فسيطروا عليه حتى الوجه , وعلى الطريق إلى مصر وفلسطين فاحتلوا سيناء وجنوب فلسطين، والطريق من الهلال الخصيب فاحتلوا الجوف ودومة الجندل وتيماء ووادي السرحان وواحة الأزرق، والطريق من الحجاز فامتدوا إلى جنوب مدائن صالح وجنوب العلا.فاكتملت حلقة الطرق التجارية البرية النبطية الاردنية والبحرية الفنيقية اللبنانية .

وبذلك كان الأنباط الوريث الجغرافي والسياسي لممالك مديان في الجنوب، وأدوم ومؤاب وجزء من عمون وجزء من باشان، وبذلك اتصل الأنباط بالأمم العظيمة في بلاد الرافدين وفارس شرقاً، واليونان والرومان غرباً، والمصريين والفنيقيين غرباً.

ورغم أن الأنباط قد خصصوا مجموعات للقرصنة البحرية في البحر الأحمر استمرار لما كان يقوم به الادوميون من قبل , إلا أنهم ركبوا البرية والقفار وأعرضوا عن ركوب البحار، وذلك للأسباب التالية:

1. أن النقل البحري لا يكون على مدار السنة لأنه يعتمد على حركة الريح التي لا تتوفر في كل وقت. أما النقل البري فهو يعتمد على توفر البضاعة والواسطة والأمن، وبالتالي يسيرون ليلاً أو نهاراً، وفي كل وقت من السنة دونما صعوبة . إذن كانت الطرق البرية تدرّ عليهم ربحاً أكثر، وتضع بين أيديهم فرصة التحكم بكميات البضاعة وأوقاتها ونوعها.اما البحر فكانت الحركة فيه مرتبطة بحركة الريح , وبالتالي لايجنون منه ثروة كما حالهم من التجارة البرية التي كانت اكثر سرعة واسهل حركة .

2. أن الأنباط شعب بدوي وهو ابن البادية والصحراء، ولم يدرس الملاحة، رغم أن الأدوميين كانوا أصحاب بر وبحر ولهم أسطول كان يجوب خليج أيلة (العقبة) لغايات القرصنة والتجارة والقتال. إلا أن الأنباط اقتصروا في عملهم البحري على ترويع السفن لأنها تنافسهم، واتخذوا من القرصنة وسيلة لنهب الحمولات، ومنع مزيد من السفن أن تصل. ومع هذا لم يتمكنوا من قطع الطريق البحري تماماً، كما سنرى، لأنه تأسس منذ قديم الزمان، واعتاد عليه التجار.

3. أن التجارة البرية كانت تعطي فرص عمل كبيرة للسكان وللإبل والخيل والبغال لحمل البضائع، وبالتالي كان يتعذر أن تجد نبطيّاً عاطلاً عن العمل، بل إن الملوك كانوا يدفعون حوافز لمن يزيد ثروته، ويعاقبون بالتعزير كل من تنقص ثروته. لقد كانت التجارة وجمع المال، وما يقود إليهما، وسيلة الأنباط في العيش والبقاء، كما أنهم كانوا يتوددون للدول من حولهم، ويحتوون القبائل في مملكتهم لكي تبقى أمورهم مستقرة ومستمرة.

في زمن الفراعنة كانت مصر تستورد عبر الأردن: البهارات والبلح التي كانت تأتي من اليمن عبر البحر والبحر (قبل قيام الأنباط)، حيث كانت البضائع الهندية تنقل بحراً إلى ميناء عدن Aden (يودامون)، ومنها تُحْملُ برّاً مارّة بتيماء ومدائن صالح، وآلت فيما بعد كلها للأنباط حيث لا زالت الآثار النبطية ظاهرة للعيان حتى الآن في هذه المناطق .

وتوجد خرائب كثيرة في مناطق حسما ورم، في الجانب السعودي الحديث , حيث توجد رؤوس نبطية في مغائر شعيب التي تبعد حوالي عشرين كيلو متراً إلى الجنوب من العقبة، وهي شبيهة للرؤوس النبطية في البتراء، وهناك نقوش نبطية في موقع يبعد حوالي سبعين كيلو متراً إلى الجنوب من تبوك، وهذا ما ذكره موزل في رحلاته شمال الحجاز Musil, Northern Hejaz, 1926 .

كان بين مدائن صالح والبتراء طريقان: الأولى تمر عبر تبوك، وجبال حسما ورم حيث لا زالت النقوش والرسومات على الصخور في مواقع استراحة القوافل شاهدة على هذه الطريق، وعلى ما كان يفكر به التجار أثناء استراحتهم. وإن ذلك يدل أيضاً أنه كانوا يستريحون نهاراً، لأنه تتعذر الكتابة والنقوش ليلاً في هذه المواقع، كما أن السير ليلاً في جنوب الأردن ومحاذاة البحر الميت والبحر الأحمر، كانت عادة دارجة لتجنب حرارة الهاجرة، والتنعم بنسيم الليل الساجي وحداء التجار .

وأما الطريق الأخرى فكانت برية محاذية لساحل البحر الأحمر، لأنه كان يمتد من عدن إلى أيلة والعقبة، وبالتالي لا خوف من ضياع القوافل لأن السير على الشاطئ سيؤدي في النهاية إلى أيلة، كما تقوم قرى ومدن في محطات مختلفة على الساحل مثل جدة، وينبع والوجه والدرة، وما إلى ذلك.

كانت الطريق من أيلة تتشعب إلى أربع شعب، واحدة إلى سيناء ثم إلى مصر، وثانية عبر وادي عربة والسواحل الغربي للبحر الميت إلى القدس، وثالثة إلى وادي اليتم Yutm فالقويرة ثم إلى البتراء عبر الحميمة حيث ترتبط بالطريق القادمة عبر رم وحسمى، وأخرى من أيلة إلى غرندل ووادي عربة (وليس غرندل الطفيلة) ثم إلى فينان ثم إلى الشوبك وعوداً إلى البتراء.

كانت هذه الطرق تتعطل أحياناً، وترد البضاعة برمتها إلى البتراء، ومن هناك يعاد تصديرها إلى غزة، وإلى موانئ البحر المتوسط، . لذلك نجد الأنباط احتلوا جنوب فلسطين واحتلوا غزة ( كما فعل الادوميون من قبل ) لحماية هذه الطريق وموارد التجارة. وهناك طريق عبر الشوبك ثم إلى وادي فينان في وادي عربة بجانب ضانا الحديثة , فخربة النحاس فأيلة فسيناء ثم إلى مصر. وتوجد آثار نبطية في هذه المواقع جميعاً وهناك طريق آخر تغطي منطقة مؤاب والكرك تنزل إلى غور المزرعة فمنطقة اللسان ثم إلى القدس، وأحياناً عبر غور الصافي ثم إلى بئر السبع والخليل.

وكانت هناك طريق ما بين البتراء وتدمر، وقد صارت هذه معبدة، إذ تعبر معان والجفر والباير والأزرق، إلى قصر برقع في البادية الشمالية (شمال الرويشد). وهناك طريق من بلاد الرافدين إلى وادي السرحان فالجوف فالأزرق فشمال الأردن ووسطه وجنوبه. وقد سلكها قمبيز من فارس إلى غزة، وكانت معبدة، وهناك فرع من الجوف يذهب إلى تدمر.

وبذلك نرى أن الأردن كانت تتمتع بشبكة طرق منذ أقدم الأزمنة قبل الميلاد والرومان بمئات السنين ، وتم تعبيدها زمن الممالك الأردنية المتعاقبة ومنها مملكة الأنباط. كما لا بد من التحدث عن الطرق التي تحدث عنها العهد القديم زمن عبور بني إسرائيل إلى أرض كنعان، حيث كانت طريق الجبل التي اعاد تراجان تعبيدها فيما بعد ( ونسبت اليه وهي قبه باكثر من الف سنة ) ، والطريق السلطاني والتي اتخذت المسار ما بين الجبال والبادية وهي تسمى في عصرنا الحديث الطريق الصحراوي، والطريق الصحراوي القديم في أعماق البادية الأردنية، حيث شرحنا ذلك مفصلاً في الجزء الأول من كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين (2007)/ المشار اليه اعلاه .

وبالإضافة إلى هذه الطرق التي تربط المنطقة الأردنية بما يجاورها من الأقطار والدول والبلدان، كانت هناك طرق فرعية تربط بين الأجزاء المحلية من البلاد. وقد تم تعيين هذه الطرق عبر مراحل التاريخ بالحجارة الكبيرة المسطحة المرصوصة بعضها إلى بعض وكانت محددة من الجوانب بحجارة ضخمة، فضلاً عن وجود أعمدة المسافات (الصوّى وهو لفظ للمفرد والجمع ).

لم ترقى أية مملكة أردنية قديمة إلى أعلى استغلال للتجارة والطرق مثلما وصلت إليه المملكة الأردنية النبطية. وأن كثرة الطرق البرية يدل على أن التجارة كانت بمنأى عن النقل البحري زمن الأنباط للأسباب التي ذكرناها. حتى إذا ما حلّ عام 45م استطاع هبالوس Heblois الاردني النبطي ( يحمل اسما يونانيا ) اكتشاف سرّ الرياح في تسيير السفن، وصارت الملاحة البحرية من خطيرة وبطيئة إلى سريعة وميسورة، ولكنها كما قلنا سابقاً لا تستطيع السفن السير فيها إلا في مواسم معينة ذهاباً وإياباً اعتماداً على مسير الرياح، لأنها سفن شراعية في حينه.

كان هناك ميناءان هامان هما: عدن في جنوب جزيرة العرب، والوجه على ساحل البحر الأحمر التي كانت من ضمن مملكة مديان الاردنية , ثم صارت من اراضي مملكة الأنباط. كما كانت البضاعة ترد من الهند إلى الخليج العربي (الفارسي آنذاك) وتفرغ حمولتها في موانئ شط العرب، ومن هناك تحملها القوافل البرية إلى الجوف فالأزرق ثم إلى بتراء وفيما بعد إلى تدمر. وهنا لا بد من القول أنه كانت هناك طريق معبد تربط وادي السرحان والجوف والأزرق، حيث يوجد خزان أثري للمياه فيما بين العمري وكاف Kaf يدل على أنه بنى لتزويد القوافل والمسافرين بالمياه في هذه الصحراء.

لقد أدى جشع الأنباط، وحبهم للمال، وسيطرتهم على التجارة وطرقها إلى أن بحث الرومان عن بديل ينقل إليهم بضائع الشرق (الهندية)، حيث قام الإمبراطور أغسطوس الأول بوضع 25% من قيمة البضائع رسوماً على التجارة التي تأتي عبر الأنباط والبتراء: وكانت هذه الرسوم تدفع للرومان في ميناء الوجه ( حدود الانباط الجنوبية ) ، وفي ميناء غزة ( حدود الانباط الغربية ) , وبذلك كانت الحمولة تدفع رسمين الأول في الوجه ( الدخول ) والثاني في غزة ( الخروج ) .

كان أغسطوس ينوي تحويل التجارة من الأيدي والقوافل النبطية إلى الأيادي المصرية، وصارت البضاعة غالية، وأصابها الكساد، مما أثر تأثيراً خطيراً على وضع البتراء وشعبها وملوكها. ووجد التجار المصريون بديلاً يحمل البضاعة عبر السفن وتحريكها حسبما هي حركة الرياح التي اكتشفها هبالوس النبطي الاردني ، بينما تحولت التجارة البرية إلى تدمر، فصارت البتراء كسمكة تبخرت عنها المياه وهي في مكانها، ولكن البتراء انتعشت ثانية بعد تدمير تدمر عام 273م كما سبق وقلنا.

وبعد عام 106 عندما سقطت مملكة الأنباط وصارت حكماً ذاتياً داخل جسم الإمبراطورية الرومانية، ثم أعادت فتح وتعبيد طريق العقبة بصرى، لحمل البضائع من ميناء أيلة إلى الميناء البري في حوران وهو بصرى التي تحولت إلى منطقة تجارية لهذه الغاية. ومع هذا تحولت المملكة الاردنية النبطية إلى تسمية جديدة وهي الولاية العربية، وصار الوالي رومانيا، والملك النبطي موظفاً تابعا له ، وقد شرحنا ذلك سابقاً، ولا داعي للتكرار. ومن بصرى كانت تنطلق طريق إلى شمال الأردن مارّة بدرعا، وبيت رأس، وأم قيس إلى طبريا، وطريق أخرى تتجه إلى المفرق في شمال الأردن ومنها إلى خربة خو بجوار الزرقاء ثم إلى عمان ثم إلى القدس.

وكان هناك طريق آخر يربط ربة مؤاب (شمال الكرك) بالكرك ثم بالشوبك (نجل) ثم إلى البتراء، ثم إلى الحميمة ثم إلى العقبة ثم إلى سيناء ثم إلى رفح. وقد عبّ?Zد الأنباط طريقاً برياً محاذياً للبحر الأحمر، إلا أن الرومان أهملوه.

وبذلك نجد أن الأردن كانت مغطاة بشبكة كبيرة ومتقاطعة من الطرق، وهذا دليل على الازدهار التجاري والاقتصادي وقوة الحركة فضلا عن الحجم الهائل للقوافل التجارية التي كانت تجوب البلدان شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، مما ساهم في ازدهار البتراء، وتوسيع مملكة الأنباط كما سبق وذكرنا.ويدل ايضا على مدى النعيم الذي كانت عليه البلاد .

وينسب الغربيون فتح وتعبيد هذه الطريق للرومان منذ عهد تراجان 106م إلى عهد هدريان الذي زار المنطقة الأردنية والبتراء عام 129 وواصل رحلته إلى مصر. والحقيقة التي نراها غير هذه إذ أن مدة حكم الرومان للأردن لم يستمر لأكثر من خمسمائة سنة ونيف، بينما قامت الممالك الأردنية عبر أكثر من ألفي عام قبل الرومان، وبنوا المدن والقلاع، وكانت غزيرة الأمطار كثيرة الإنتاج والثمار طويلة الاستقرار ايضا ، مما تطلب معه إلى مدّ الطرق بين الممالك والتي سميت الطريق السلطاني في منطقة التقاء جبال مؤاب والشراة من الغرب بالبادية التي تمتد الى الشرق من هذه السلسة .كما كان يوجد ايضا الطريق الصحراوي الذي يسير في أعماق البادية شرقاً. وقد أشار العهد القديم إلى هذه الطرق أنها كانت موجودة عام 1330 ق.م وكانت مكتملة، وذلك يعني أنها أخذت مئات السنين قبل اكتمالها، وقد شرحنا ذلك في كتابنا، الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين (2007).

في رأينا من خلال نصوص التوراة والوقائع أن ما قام به الرومان هو تعبيد بعض الأجزاء المعطوبة من الطريق،او اعادة انشائها , وأنهم ساروا على الطريق القديمة التي كانت تربط الممالك من بصرى إلى أرابيلا (إربد) إلى جرش إلى عمان إلى مادبا إلى وادي الموجب إلى ربة مؤاب (الربة) إلى الكرك ( قير حارسة / كير حارسة ) إلى مؤتة إلى وادي الحسا إلى الطفيلة إلى الشوبك إلى وادي موسى والبتراء (فرع غربي) وإلى النقب فالحميمة وأيلة/ العقبة. وكان هذا الطريق حيوياً زمن الممالك الأردنية القديمة في تنقل الرعايا والجيوش والإنتاج والتجارة والمواصلات العادية وحمل الإنتاج الزراعي، وكانت الممالك قد أخذت طريقة استخدام العربات التي تجرها الثيران والخيول والبغال من الهكسوس الذين مروا بالممالك الأردنية في طريقهم الى مصر الذين ( الهكسوس ) كانوا على علاقة تجارية وطيدة مع الممالك الاردنية , وهذه العربات تحتاج إلى طريق ممهّد.

إن فتح الطريق من جديد يحتاج إلى وقت أطول بكثير مما أحتاجه تراجان لأن الطرق وعرة، وتحتاج لمسح الأرض وتحديد المسار، مما يتطلب سنوات أضعاف أضعاف ما أنجزته الإمبراطورية الامبراطورية او مامكثته الامبراطورية الرومانية في احتلال الاردن , ولكن الحقيقة أنه أعاد استخدام الطريق وترميم المعطوب منها، وهذا يتفق مع الإمكانات آنذاك ومع الزمن القصير الذي قضته الدولة في إشادة هذا الطريق , او اعادة تاهيلها , ولكن التاريخ لمن يكتبه .

كانت صيانة هذه الطريق مهمة للرومان لأنها تسمح لقواتها أن تسلك الطريق الجبلي بعيداً عن البادية وتحركات القبائل، وبالتالي كانت:

1. الطريق المذكورة عنصراً هاماً في السيطرة على الأردن والشعب وصيانة الدولة من التعدي البدوي.

2. وقد عززت الإمبراطورية هذا بسياسة دفع الأتاوة الى هذه القبائل بشكل منتظم حتى إذا ما انقطعت ثار البدو وخرّبوا ودمّروا.

3. كما أرسلت الجيشين الثالث ومركزه بصرى/ حوران، والرابع ومركزه اللجون وأذرح والجرباء وايلة جنوب الاردن

4. تشكيل قوات بادية وحرس حدود من القبائل يستخدمون الإبل في حراسة الصحراء، وقوة أخرى / هي قوة الفرسان او الدرك التي تعتمد الخيول لمؤازرة القوات الرومانية ضد أية اعتداءات من البدو أنفسهم، أو ثورة من الأردنيين ضد الرومان.

هذه القبائل البدوية الاردنية ( انذاك ) خضعت لابتزاز روماني بالقوة, حيث كانت تجبر على القيام بمهمات حراسة الرومان وحمايتهم ضد أبناء وطنهم وجلدتهم لقاء عدم الاعتداء على اهليهم واعراضهم من قبل الرومان , ولقاء المال الذي يتقاضونه بانتظام، حتى إذا ما جفّ ضرع الدولة هاجموها ونهبوها ان استطاعوا . وقد استفاد الرومان من براعة الأردنيين في الفروسية لصالح الرومان فاستخدموا سلاح الهجانة والفرسان الاردني زمن الرومان ضد الأردنيين المتمردين وضد القبائل الوافدة من الجزيرة / اي لحماية مصالح الامبراطورية الرومانية . فما كان من الرومان إلا أن قاموا بإرسال هؤلاء البدو الاردنيين إلى شتى أصقاع الأرض داخل الإمبراطورية لقتال المتمردين والثوار من العرب والأوروبيين والفرس والترك على حدّ سواء.وقد تكرر هذا على يد الانتداب البريطاني باستخدام الجنود الاردنيين للقتال على الجبهة العراقية والليبية في اربعينات القرن العشرين . كما فعل الاتراك بارسال ابناء العشائر الاردنية للقتا في القرم والحرب مع الروس في القرن التاسع عشر .الصورة تتكرر بوضوح , والتاريخ يعيد نفسه , فسبحان الله رب العالمين . والمهم عند الاردنيين هو صراعهم من اجل البقاء .

وبذلك أقلعت القبائل الأردنية عن الغزو والسلب والنهب واستتب الأمن، وقد تنبه المماليك والأتراك فيما بعد لاستخدام القبائل لأداء هذه المهمات في حراسة قوافل الحجاج، حتى إذا ما رفض أمير الحاج دفع المال المتفق عليه إليهم هاجموا الحجاج ونهبوهم وقتلوهم. وهناك من الأخبار والأحداث ما يقود إلى الحزن والأسى . إنه المال هو الذي يتوسط بين الدولة وهذه القبائل عبر التاريخ، حتى إذا ما اختفى المال ظهرت السيوف تقتل والأيادي تنهب وتسلب.

صحيح أن التصحّر قد غشي الأردن، وتحولت مناطق البادية الخضراء إلى أرض غبراء، ولكن الخرائب القديمة المزروعة فوق غالبية التلال وسفوح الجبال تدل على ان الأردن كانت من حيث الخصب غير الأردن التي نعيشها الآن. وقد بنى الإمبراطور العربي كراكولا معسكر الدعجانية إلى الشمال الغربي من عنيزة باتجاه الشوبك، وبنى قلعة الحلابات، كما أعاد الرومان بناء حصن "البشائر" النبطي وذلك ليكون معززاً للتعويض عن هجران معسكر اللجون . وبنوا حصناً في قعر وادي الموجب، حيث كان يستقي بقنوات تأتيه من ماء اللجون. كما أن الحصن الذي على الضفة الجنوبية لوادي الموجب كان قلعة قائمة زمن المؤابيين والأنباط من بعدهم. كما تم بناء القسطل بين عامي 400 ـ 500م، بناها الملك الغساني الحارث بن جفنة (جبلة)، وكانت زيزياء مدينة كبيرة وواسعة ولكنها كانت تخلو من القلاع . وقد أنشأ المؤابيون فيها بركة ماء، رممها الأنباط ووسعوها ثم استخدمها الرومان وبقيت إلى يومنا هذا تتجمع فيها المياه، فإذا ما امتلأت بقيت المياه فيها إلى العام القابل، وكانت مورداً للناس والمواشي والجيوش والوحوش .

قام إبراهيم باشا المصري عام 1834بعمل وحشي متخلف وذلك بهدم أبنية زيزياء، وحرم البلاد من إرث تاريخي عظيم وكانت توجد في خان الزبيب وأم الرصاص قلاع بنيت زمن الغساسنة، وكانت محطات للقوافل التجارية والعسكرية. أما ربة عمون (عمان) فقد اهتم بها الرومان أيما اهتمام وذلك لاستخدامها في حماية الجبهة الرومانية، والقوافل التجارية وتحركات الجيوش والمسافرين، أما على حدود البادية الشرقية فهناك قصر البرقع وقلعة الأزرق التي كانت موجودة في حوالي عام 300م، وكانت واحة الأزرق محطة هامة لتزويد القوافل بالماء والملح والانتاج النباتي والميرة ( الطعام ) والكلاء .

أما الحدود الأردنية فكانت تتسع وتتقلص حسب قوة الدولة في هذه البلاد، إذ تمددت في فترات طويلة (زمن الأنباط لتشمل خيبر والعلا ومدائن صالح وحائل وتيماء والجوف) كما أن الغساسنة قد مدّوا إمارتهم إلى هذه المواقع المطابقة للحدود النبطية مع الحجاز وشملت الوجه على ساحل البحر الأحمر. وبذلك نجد أن ما يقوله أبناء العشائر أنهم كانوا في العلا أمر لا يخلو من الصحة "ذلك أن العلا كانت أرضاً أردنية عبر قرون طويلة وكانت واحة تلجأ إليها القبائل إذا ما شعرت في خطر اجتاح الأردن، حتى إذا ما زال الخطر عادت هذه القبائل معلنة أنها جاءت من العلا، وأنها مدوّنة في العلا والتي كانت مركزاً متحضراً ومستقراً فيه الأسواق والمياه والبساتين والينابيع ويرده البدو دون الإساءة إليه، لأنه منطقة تخدم الجمع ولا يسمح لأحد أن يعتدي عليها أو على أحد فيها.فالقانون البدوي يمنع الخلافات والقتال على المياه العامة , لان حق الحياة مكفول للجميع , وان الماء هو اساس الحياة .

ساهم المهندس الأردني النبطي والعربي زمن الرومان في البناء المعماري الروماني، حيث أن تراجان أخد العديد من المهندسين الانباط الأردنيين، وبعد أن أنهوا ترميم طريق تراجان المذكورة، أقول أخذهم إلى بلاده للمساهمة للبناء في روما ، وكان المهندس الذي بنى الجسر الهائل على نهر الدانوب وخطط ميدان تراجان Fordma فوردما مع هياكلها وأعمدتها ومكتبتها أقول أن المهندس الذي صمم هذه المواقع الخالدة في روما هو مهندس عربي سوري من دمشق واسمه الروماني أبولو دوراس Apollodorus . وبذلك تحوّل نمط البناء في الأردن والعديد من الأماكن في الإمبراطورية، من روماني بحت إلى شرقي بحت، وهذا ما نشاهده واضحاً في قلعة أذرح التي بنيت حوالي عام 106م. وقلعة القسطل التي لا نرى فيها أو في هندستها أو شكلها أي عنصر روماني أبداً.

تتميز روما أنها اعتبرت جميع أبناء الإمبراطورية رعاياها، لهم حقوق متساوية، وأن الوصول إلى العرش لم يكن وراثياً إلا في حالات نادرة لا يقاس عليها , حتى مرحلة متاخرة كما قلنا سابقا , وأنهم أتقنوا التعامل مع الأردن أرضاً وشعباً ومواصلات، واعتبروا أنفسهم الوريث الشرعي لمملكة الأنباط ـ وأنهم أمهر من استغل مهارات الأردنيين في الحراسة والفروسية والتجارة، وأن أساس التفاهم هو دفع الخاوة لهذه القبائل ـ أي أتاوة - لكنهم حصلوا على نتائج أكثر أهمية وأعلى شأناً مما دفعوه للقبائل.

كما أتقنوا استغلال وجود المدن العشرة "الديكابوليس" في الأردن، وساهمت هذه في دعم السلطة المركزية في بيزنطة وقبلها في روما. واستغل الرومان كل مهارة وقدرة عند شعوب الإمبراطورية لبناء روما وتجميلها، كما قاموا ببناء مدن متشابهة في بلادنا ـ مثل أم قيس وجرش وعمان، حيث المسارح والشوارع والأعمدة والقنوات المائية التي تحمل في ثناياها بصمات نبطيةهندسها وخططها واشرف على اقامتها مهندسون اردنيون انباط ( بما فيه مسارح ومدرجات جرش وعمان )

ولا شك أن الأمر يحتاج إلى رسم خرائط للطرق التجارية والقلاع، والحدود التي وصلها الأنباط. ووكدها الرومان لأن في ذلك خدمة لهم ولمصالحهم. ولا شك أن التصحر قد جفف ينابيع المياه السطحية، وغارت المياه الجوفية، مما أثّر على الغطاء النباتي للبلاد من غابات ومنتجات ومزروعات، حيث تقلصت المساحات المزروعة وتدنى مستوى نزول المطر، وهاجر الناس إلى حيث يجدون الحياة خارج البلاد وبخاصة نحو سوريا وفلسطين ومصر والعراق، حيث توجد قبائل كثيرة هناك ذات أصول أردنية، أو هي اذرعة لامتداداتها وجذورها في العمق الأردني.

أما الديانات التي اعتنقها الأردنيون قبل الإسلام. والأصنام التي عبدوها فهي متعددة بلا شك حيث كان الصنم أو الإله المعبود يشكل رمزاً لوحدة المملكة أو القبيلة قبل أن يكون معبوداً، ويعتبر معبّراً حقيقياً عن إرادتهم، ورمزاً لكبريائهم. وأن عبادة الأصنام بالأردن كانت معروفة منذ القدم بل إن الأصنام في مكة ذات أصل أردني عندما جاء عمرو بن لحي زعيم قريش إلى الحمامات المعدنية بالأردن (في عفرا/ الطفيلة، أو ماعين/ مادبا) فوجد أهلها يعبدون الأصنام وقالوا: ( أنهم يتقربون بها إلى الله زلفى، وأنهم يستنصرونها فتنصرهم، ويستمطرونها فتمطرهم ) فأخذها هناك وألزم الناس على عبادتها، ووضعها إلى جانب الكعبة المشرفة ثم شاعت عبادة الاصنام في مكة المكرمة وفي جزيرة العرب .

عندما كانت روما على الوثنية أثرت في الشعب الأردني، وعندما قامت المسيحية تأثر الرومان بدين الشرق في حينه، وصارت الدولة رسميا : نصرانية حيث اصبحت الدين الرسمي للدولة في حينه. وقد كان في شرق الأردن قبل النصرانية دينان: الوثنية واليهودية، أما اليهودية فكان أتباعها أقلاّء لأنها ارتبطت بمملكة يهوذا التي كانت دائمة الاعتداء على الممالك الأردنية ولا تتوانى عن إيذائها كما أن هيرودس الأدومي الذي طرده الأنباط من الأردن قد تخلّى عن دين الوثنية واعتنق اليهودية ليكون ملكاً على يهوذا، وكان له قلعة ماخيروس (مكاور) في شرق الأردن، رغم أن تدينه في اليهودية كان سطحياً كما سبق وقلنا.

أم الدين الآخر فكان الوثنية، سواء عبادة الآلهة التي جاء بها اليونان ومن ثم جاء بها الرومان، أو عبادة الآلهة المحلية، حيث كان لكل مملكة أردنية معبودها الخاص بها: تايكي في عمون للخصب، وكموش في مؤاب للحرب، ودوشرا / ذو الشرى لدى الأنباط . هذا فضلاً عن الآلهة عشتروت التي كانت سائدة لدى الشعوب العربية، وغير العربية من الشعوب السامية. كما كان لكل مدينة من مدن اتحاد الديكابوليس إلهاً خاصّاً ومحدوداً لا يعبده أهل المدينة الأخرى. مثل: الإله بلاسمار إله بلا وجدارا، واما بيت راس فكان الإله الذي تعبده يسمى زوس وعشتروت، وهراقليس، أما اله جرش فكان ارتيميس، وإله فيلادلفيا هو بلاس وهراقليس .

وفي جنوب الأردن وباديته ظهرت عدة آلهة، تبدو أنها يونانية انتشرت زمن الأنباط، فضلاً عن الآلهة النبطية "دو شرى"، وعشتاروت، وهذه الآلهة هي: بعل سمين، دو زاره، أثي Athi ، أموس Amos ، اللات ، Allat تيندراتيس. ومن الواضح أن بعض الكلمات عربية واضحة في أسماء هذه الآلهة، كدليل نبطيتها مثل: بعل سمين، حيث أن كلمة بعل معناها إله أو ربّ، وكذلك اسم الدو زاره، فربما يكون العُزّى الإله العربي المشهور المختص بمنطقة زارة قرب البحر الميت, وأما أثي فيبدو أنه غير عربي، وأما الإله أموس فهو عربي واضح، وكذلك اللات وهو الإله المشهور لدى العرب ولدى أهل مكة قبل الإسلام، وأما فقرة فهي كلمة عربية، وأما تيندراتيس فأظنه يوناني أو لا تيني، وربما يعني إله الرعد.

من هنا نلاحظ ثلاثة أمور في تعدد الآلهة عند الأنباط:

1. أن لكل قبيلة صنما الخاص بها الذي تعبده، ويوحدها ضمن جسم الدولة العام. وهذا أمر كان سائداً لدى قبائل العرب، حيث كان اللات والعزى ، ومنات الالهة للجميع، وكان لكل قبيلة إله يوحّدها بعضها مع بعض، ولا بد من القول هنا، كما ذكرت سابقاً أن عبادة الأصنام لم تكن لغايات العبادة وحدها، بل كان لها وظائف أخرى من أهمها أن صنم القبيلة رمز لها ويوحّدها تحت راية الشيخ أو الزعيم، لتكون في مواجهة القبائل الأخرى موحدة اجتماعياً وروحيّاً، وعقيدياً، غير تابعة لأحد من هذه القبائل. لذا فقد كان للصنم وظيفة اجتماعية وسياسية فضلاً عن الدينية. وكان للأنباط إله رسمي للدولة هو دوشرا.

2. النقطة الثانية أن لكل ظاهرة إله، ففي عمون كانت تايكي آلهة الخصب، وفي الأنباط كان للرعد إله وللمطر إله وللربيع إله وللريح إله وللشمس إله وللقمر إله وهكذا.

من هنا كانت فكرة تعدد الآلهة مبنية على فكرة تعدد المظاهر في الطبيعة والحياة، حيث لم يتصوّروا إلهاً قادراً على التصرف بالكون كله وبالمظاهر كلها في آن واحد. ومثل هذا المبدأ كان موجوداً لدى الأمم الغابرة كلها ممن لم يؤمن بالانبياء , ولذلك جاء الانبياء للدعوة الى عبادة رب واحد لاشريك له , وكلهم بشروا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على انه خاتم الانبياء والمرسلين وخير خلق الله اجمعين .

3. أن أي شعب في زمن الوثنية والجاهلية لم يستطع العيش بدون الركون إلى قوى خفية وهو الإله أو الرب، لذلك ابتدعوا الأصنام، وظهر الكهنة، واختلقوا طقوساً للعبادة والدعاء وطلب الحاجات. حتى إذا ما ظهر الإسلام أنهى هذه السفاهات جميعها.

انتشرت المسيحية في الأردن، حيث يعتقد ( بضم الياء ) أن سيدنا المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ولد في المغطس / الخرار في شرق الاردن في الغور الى الجنوب من الشونةالجنوبية , فضلا عن انه عليه الصلاة والسلام قضى ردحا من عمره في غور الأردن، وفي جدارا (أم قيس) وأنه نشر جزءا من رسالته في شرق الأردن، حيث تم بناء كنائس عديدة في بلادنا ووجد كل دعم ومحبة من اهل الاردن , إلا أن الإمبراطور ديوقليتيان قام باضطهاد النصارى منذ عام 303، وهدم الكنائس والبيع، وجاءت هذه الاضطهادات بعد انتشار المسيحية رسمياً في الأردن قبل ذلك بنصف قرن ونيف، أي عام 243م زمن الإمبراطور فيليب.

ظهرت في الأردن عدة كنائس هامة في حبراص وعجلون وأم الرصاص (ميفعة) التي كانت مركز الراهب بحيرى الذي التقى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان الرسول طفلاً مع عمه في قافلة تجارية إلى الشام. كما كان هناك مطران للبتراء وكرسي أسقفي في بصرى (حوران) وبيسان، وقد صارت القدس مركزاً للبطريركية عام 534 زمن الإمبراطور جندستيان. ومن الملحوظ العثور على صومعة في منطقة الطبيق، مما يدل على وجود السكان في هذه المناطق في تلك المراحل ، ووصول النصرانية إليها، وانتشارها بشكل واسع بين الأردنيين.

لا بد من الإشارة هنا، إلى سبب انتشار النصرانية بسرعية عند الأردنيين:

1. أن اليهود كانوا أعداء المسيح، وكانوا أعداء الأردنيين، وبالتالي فإن عدوّ عدوّي صديقي، وقد نظر الناس في حينه إلى المسيح أنه مخلص لهم من كيد اليهود ومكرهم، وبالتالي لم يتوانوا باعتناق الدين الجديد الذي كان قائماً على التوحيد ( قبل فلسفة التثليث ) .

2. أن الاردنييين اعتادوا عبر تاريخهم أن إنكار الدين السماوي يعني غضب الله، كما حصل لقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب في مدين والأيكة، وبالتالي كانوا يتوددون إلى الخالق سبحانه من خلال الإيمان بدينه التوحيدي السماوي الجديد وهو النصرانية.

3. أن النصرانية صارت الدين الرسمي للإمبراطورية، وانتقلت تلقائياً لتكون الدين الرسمي للمملكة الاردنية الغسانية، وصار الناس على دين ملوكها.

4. أن اعتناق الدين السماوي يعطي الطمأنينة للمؤمن به، وبالتالي فإنه يوحد الناس، فيتخلصون من الآلهة الصغيرة والمتعددة لعبادة اله واحد .وبذلك صار الدين الجديد وه النصرانية وسلة هامة في توحيد الالهة وتوحيد الشعب الاردني وتوحيد المملكة الاردنية الغسانية ارضا وشعبا ودينا وهوية

5. مع هذا فأن البدو الاردنيين الذين كانوا خارج سيطرة الغساسنة الفعلية ظلوا يعبدون الأصنام، كما كان الحال في الجوف حين جاء الإسلام وكان أهلها لازالوا يعبدون الأصنام، ولم يكونوا نصارى. وكان أهل دومة الجندل يقدمون أضحية لالهتهم الوثنية كل عام قوامها ولدا ذكرا . وهذا دليل على أنها كانت بعيدة عن النفوذ الروماني، ذلك أن الرومان لم يكونوا يتهاونون في تقديم القرابين البشرية بموجب دين وثني وهم على دين النصرانية التوحيدي.

6. إن المتفحص للخرائب بالأردن يجدها كثيفة في الشمال مقارنة لما هي عليه بالجنوب، وذلك لأن التصحّر زحف إلى الجنوب قبل الشمال. كما أن الاستقرار والتقدم في الشمال كان دائماً سابقاً على ما كان عليه الحال في الجنوب، هذا إذا ما تغاضينا عن فترات تتناقض مع هذا الحال.

إن المتفحص لمناطق الجنوب من العقبة حتى وادي الموجب ليرى آثار الكروم واضحة، وكأنها جفت توّاً، مما يدل على مستوى زراعي رفيع، وتوسيع للرقعة الزراعية، بحيث لم يترك الأقدمون بقعة إلا وعمّروها. وهذا يدل على أنه في مرحلة من المراحل تم توزيع المساحات الزراعية على الأفراد، بعد أخذها من أيدي الإقطاعيين والملاّكين الكبار.

لجأ الرومان إلى هذا التوزيع، لأن همهم تركّز على إعمار الأرض وأخذ الإنتاج، واستقرار الناس، وسحب نقاط الصراع ونزع فتيل الثورات التي قد تنشب بين الإقطاعيين ومزارعيهم، وتنعكس بالتالي على الدولة. ومع هذا فإن كثرة الضرائب التي كان الرومان يجمعونها من الأردنيين تشبه في أمرها ما كان عليه الحال في نهاية العهد العثماني عندما كان هم الدولة جمع المال وهم الشعب إرضاء الدولة على حساب كل شيء فكانت الثورة متثلة اولا في اسلام ابي فروة الجذامي ثم انفرط عقد المسبحة الروماني في بلاد الشدة والغلبة والامن والطمانينة وهي معاني الاردن في لغة العرب .

البرزخ السياسي Isthmus political Confused Political Stage/

قد يكون العنوان غريباً أو نشازاً، لكن المقصود به هو إلقاء الضوء على المرحلة الانتقالية في أواخر العهد الروماني وأوائل العهد الإسلامي حتى معركة اليرموك الفاصلة بين المسلمين والروم عام 639م. لقد كانت هذه الفترة نهاية لاحتلالات واختلالات متعاقبة منذ زمن الفرس وآشور وبابل والفرس واليونان والرومان، حيث مرت الأردن وأهلها بين معاناة وقتال وتشريد، وفترات استقرار وازدهار، واختلاف في الدول والأنظمة الحاكمة، عبر خمسة عشر قرناً ونيف، تمكن خلالها الأردنيون من تعلُّم شيء واحد ليس موجودا عند الشعوب الأخرى، ألا وهو التعامل الودي والحذر مع كل قوة غريبة غازية ، والسماح له بأخذ خيرات البلاد إلى آشور وبابل وأثينا وروما، بينما لا يكسب الأردنيون من هذه إلا أذن الجمل، ومع هذا كانوا يرون أن ذلك أمر طيب.

اعتاد الأردنيون عبر القرون أن يقرنوا التفاؤل بالوجه المتجهم الذي يسميه البعض الوج العبوس بسبب تعرضهم لكل اصناف الاذى عبر التاريخ , حتى ان البعض يرى اننا من اكثر الشعوب المتجهمة على الارض . ويقبلون بالشيء إذا لم يتجاوز الحد الأدنى من لقمة العيش، وهم يتطلعون لأية قوة أخرى يساندونها ضد القوى الرازخة على صدورهم، وصار المثل الأردني التاريخي: ( خبي راسك عند مصاكل الدول ) "أي تنحى جانباً ولا تشارك بالصراع عندما يكون بين دول هدفها احتلال الأردن والسيطرة على أهله"، Hide your head, when different invaders have struggle on Jordan (and dont join any of them). ، هذا فضلاً عن الأمثال التي سبق وذكرتها في الفصل السابق.

في بداية القرن السابع الميلادي أي بعد عام 600م، كانت الإمبراطورية البيزنطية متعثرة لعدة أسباب هي:

1. الاضطراب المالي بسبب البذخ الذي كان يمارسه القصر الإمبراطوري مما حرم الجيش والناس من الموارد، والموظفين من الرواتب.

2. الاضطراب السياسي، حيث قامت الفتن والقلاقل والثورات في أوروبا ضد الإمبراطور، وبخاصة في شمال إيطاليا، وفي إسبانيا. فضلاً عن بروز قوة الفرس التي اجتاحت سوريا ومصر وهي من الممتلكات البيزنطية.

3. اضطهاد اليهود في القدس وفي كل الأماكن مما جعلهم يبحثون عن منقذ لهم، ودعاهم إلى إعلان دعمهم للمسلمين ( وقت الفتوحات الاسلامية فيما بعد ) وقيامهم بإخبار المسلمين على عورات الروم.

4. عدم دفع رواتب للقبائل الأردنية التي اعتادت اخذ الاتاوة والاعطيات سنوياً مع رواتب الجند، مما حدا بهذه القبائل أن يبحثوا عن مصدرٍ مالي آخر للعيش والبقاء ، وأن ينتقموا من الدولة الرومانية.

5. ادت سنة الوراثة على العرش الى وجود الأباطرة الضعفاء بحكم الوراثة وليس بحكم الكفاءة , على عرش إمبراطورية واسعة الأرجاء وكانت تشكل القوة الأولى في العالم آنذاك، تليها قوة الفرس.

6. التباين الديني والعرقي واللغوي والقومي بين رعايا الدولة.

7. الخلاف الديني بين الطوائف المسيحية، حيث انقسموا إلى جهة تؤمن بالطبيعة البشرية للمسيح عليه السلام وترى أنه رسول مخلوق وان الله سبحانه وتعالى هو خالقه، وهؤلاء تحولوا إلى الإسلام في غالبيتهم عندما وصلت طلائع الفتح الإسلامي والدعوة الاسلامية , وفئة ترى أنه بصفتين بشرية وإلهية وبالتالي تعتمد التثليث: الأب والابن والروح القدس، وفئات أخرى لا تحضرني الآن في الذاكرة ( وانا في السجن محروم من المراجع ) . وكان أهم طائفتين متنازعتين هم: اليعقوبية والنسطورية.

لقد انقسم الناس إلى فئات بحسب ما أسفر عنه مؤتمر الكرادلة في روما والذي أبقى الخلاف بين الطوائف، فتعددت وبقيت تتوالد عنها طوائف جديدة باستمرار إلى يومنا هذا. وبذلك كان الناس انذاك في حيرة من أمر العقيدة، والاختلاف بين العرب النصارى الذين اعتبروا أنفسهم الحاضن الأساس لسيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام ولدينه التوحيدي من جهة، وبين اليونان والرومان الذين أرادوا أن تكون الديانة المسيحية تخصهم ويجب أن يعاد إنتاجها لتخرج من أرحامهم هم، وليس من أرحام العرب ، أو الأردنيين باعتبارنا أقرب الناس إلى سيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام.

من هنا بدأ اضطهاد النصراني للنصراني لاختلاف العقيدة، ووجد الأردنيون أنفسهم يدفعون ثمن حرب بين الطوائف النصرانية المتناحرة المتنافرة في العقيدة او المذهب ( سمها ماشئت ) لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وكان من أهم الكهنة الغساسنة الأردنيين في حينه: الراهب بحيرى الغساني الذي كان في صومعة ميفعة (أم الرصاص) وصاحب القصّة المشهورة مع رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو في تجارته مع عمه أبي طالب إلى الشام. ومنهم العربي الغساني الأردني حنا بن رؤبة حاكم ومطران العقبة الذي ذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وكتب معه عهداً . وأيضاً صفرونيوس بطريرك القدس وهو غساني عربي من الأردن، وسلّم مفاتيح القيامة والقدس لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ,تنفيذا لما كان موجودا عنده في الكتب القديمة , وحصل من أمير المؤمنين على العهدة العمرية المشهورة.

ومن خلال استعراض الأحداث اللاحقة في فترة البرزخ ـ أي نهاية الرومان وبداية الإسلام ـ نجد أن الأردنيين النصارى قد مالوا بشكل واضح نحو أبناء جلدتهم العرب المسلمين على حساب أبناء دينهم الرومان الذين لا علاقة لهم بهم أصلاً من حيث العرق والثقافة والكيان .

وبذلك برزت في فترة البرزخ المشاعر القومية العربية والوطنية الأردنية فضلاً عن الميل إلى التوحيد الذي نادى به المسيح وحوّره الرومان، وجاء به الإسلام بما يتفق مع نظرة أهل الأردن وطبيعتهم.

لم يكن موقف الحكام الغساسنة السلبي من الإسلام لأسباب دينية، وإنما بسبب التشبث بالسلطة، حيث أن الصحابي الجليل الشهيد عمير الأزدي قد لقي حتفه على يد ابن عمه الغساني الأزدي الذي كان أميراً للمنطقة في الطفيلة حيث لا زال قبر الشهيد عمير هناك شاهدا عللى قصته هذه .

لقد شرحت مطولاً أوضاع العشائر في هذه الفترة في كتابي التاريخ السياسي للعشائر الأردنية باللغة الانجليزية حيث استطعت الكتابة بحرية اكثر ممااكتبه بالعربية ( للاسف الشديد ) ، وهو جزء من هذه السلسلة، ولا أرى حاجة للتكرار. لكن الذي لا بد من قوله أن الصراع بدأ يظهر بشكل عنيف: بين الفرس والروم حيث دوّن القرآن الكريم ذلك في سورة الروم إذ قال سبحانه : ( الم (1) غُلِبتِ الرُّومُ (2) فِي أدْنى الْأرْضِ وهُمْ مِنْ بعْدِ غلبِهِمْ سيغْلِبُون (3) فِي بِضْعِ سِنِين لِلّهِ الْأمْرُ مِنْ قبْلُ ومِنْ بعْدُ ويوْمئِذٍ يفْرحُ الْمُؤْمِنُون(4) بِنصْرِ اللّهِ ينْصُرُ منْ يشاءُ هُو الْعزِيزُ الرّحِيمُ (5) [الروم:1-5] .

بل إن الصراع تأجج بين هاتين القوتين الأعظم ( في حينه ) , وكل غلب مرة وهًزم مرة , وكل منهما سجل هدفاً في مرمى الطرف الاخر , وزاد الشرخ بينهما فوق ماكان عليه امرهم من العداء والثارات مما حال دون التئامهم ضد القوة الجديدة ـ وهي قوة الإسلام.

بدأت حسابات القبائل الأردنيةتسير في طريقها الصحيح , واحتاج الامر لواحد من امراء القوم في مركز السلطة ان يعلن تمرده على الدين االسابق وعلى الدولة الغازية ويدين بالدين الجديد الذي بشر به المسيح عليه السلام , كان اول من اخذ اعتلى راية المجد والخلود هو أبو فروة بن نافرة الجذامي رضي الله عنه ، زعيم جذام الأردنية، وأمير البلقاء للغساسنة وبالتالي احد عمال الروم . كان اسلامه رسالة الى الجميع من مسلمين ونصارى وروم : انه تحرر من عبودية الشرك الى عبوديته لله سبحانه . وانه يريد التحرر من العبودية الوطنية للرومان الى التحرر والتحرير للوطن من الاحتلال الروماني . تحرر من الشرك والاحتلال معا , وعودة الى العقيدة الصحيحة وهي عقيدة التوحيد الذي كان جاء به المسيح وسائر الانبياء من قبل , والى وطن محرر من قوى الاستعمار والاحتلال . لكنه فقد حياته صلباً على حمامات عفرا إلى الشمال من الطفيلة ثمنا لايمانه بالعقيدة والتحرير . وقد أدى هذا إلى تأجيج الصراع الاردني القبلي الداخلي ضد الرومان، إذ أن العشائر لم تعد تتسلم المال السنوي الذي اعتادته منذ مئات السنين منذ زمن الاباء والاجداد الموغلة بالقدم في ايام اليونان وعبر ايام الرومان ، ولم تكن هذه العشائر تطيق العنف الرومي في التجريم والعقوبة، فضلاً عن أنهم رأوا في الرومان قوة غريبة ومحتلة، يتوجب تحرير الأردن منها .

واذا كان الشيء بالشيء يذكر فان اعقاب وذرية ابي فروة الجذامي رضي الله عنه امير البلقاء لازالوا في الاردن عبر هذه السنين الطويلة واسمهم عشيرة قباعة وهم عشيرة كريمة عريقة من عشائر معان الابية بوابة الاردن على الدوام . وقد اشار الرحالة الاجانب في العصر العثماني الى شيخ هذه العشيرة وذلك ماسنشير اليه في ذلك العهد ان شاء الله .

كانت الغزوات التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جنوب الأردن هامة للغاية , لأنها نبّهت القبائل الأردنية إلى البديل الافضل والاقرب عن الاحتلال الروماني،وعقيدة التثليث , وأن القوة الاسلامية الجديدة موحّدة، وعربية، وأبناء عمومة، وتطلب من الرجال أن يسيروا في الجهاد وأن يكون لهم سهم م نصيب ونسبة عالية لهم مما يكسبوه في حروبهم، بدل الامتهان والذلة للصدقة الرومانية عليهم. هذا فضلا لما في الإسلام من عزة لهم وكرامة.

بدأت الموالاة تتغير من الخضوع للروم إلى التمرّد عليهم ومن الانضواء تحت لوائهم الى الانضواء تحت راية العروبة إلى إعلان الإسلام , إلى دعم المسلمين , إلى المشاركة في الجهاد , إلى أخذ ما يكسبه الفارس حلالاً زلالاً له وليس لغيره , ثم الى المشاركة في الفتوحات والجهاد في سوريا ومصر وشمال افريقيا والاندلس ومن قبل في فتح مكة المكرمة .

صارت الدعوة الإسلامية حديث أهل الأردن، بشكل دائم وقوي، وأحبّ الناس سمو العقيدة ونقاءها ورقي التعامل والاحترام الذي يجدونه من المسلمين , ووجدوا في أبناء جلدتهم من المسلمين ما يريدون من عدالة وكرامة وتحرير للأرض والعقيدة والإنسان واخذ المال من الغزوات حيث لكل محارب نصيب مما يكسبه كما قلنا , وفوق هذا وذاك وقفوا في كثير من الأوقات وقفة المتفرج ليروا من سينتصر؟ وماذا سيحدث؟ وأين ستنتهي الأمور؟ وكانت كفة المسلمين راجحة في الفكر والتجانس بين عناصر الأمة والهدف والوسيلة، وحسن الأخلاق، والحفاظ على كرامات الناس.وفوق هذا تدعو لتحرير البلاد من الاحتلال الروماني الذي استمر اكثر من خمسة قرون .

كانت المياه تسير من تحت أقدام الإمبراطورية البيزنطية، وكان بنيانها قائم على أساس من الملح، وقد حوّل الإسلام قناة الماء صوب هذا الملح. وكان الناس يتحدثون في جزيرة العرب وبلاد الشام أن هذا هو موعد ظهور النبي العربي المنتظر. وهذا يعني أن الناس بدأت تشعر بحلول مرحلة جديدة، ودولة جديدة ودين جديد وهوية جديدة، وثقافة جديدة وعقيدة جديدة ولكنها توحيدية , وعربية أصيلة يقودها رسول الله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام , وبهذا فإن المرحلة القادمة بالنسبة لهم هي مرحلة التحرير من الاستعمار الروماني، والتخلص من الديانات الوثنية، واعتناق دين التوحيد كما نزل على سائر الأنبياء الكرام وآخرهم عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام .

كان هناك فوضى disarray دينية، وكما يقول المثل الاردني ( كل واحد براسه ويعرف خلاصه ) إلى درجة أن يوحنا بن رؤبة لم يمتثل لأوامر المطران الأعلى في القدس، أو لعلّه امتثل، فتحرك من العقبة لملاقاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في تبوك، وقدم اليه الهدايا، ورحّب به الرسول عليه السلام وعقد معه هدنة يدفع أهل العقبة (أيلة) بموجبها مبلغاً محدداً من المال سنوياً الى المسلمين . وهذا برهان واضح على أن الأجواء كانت: طع?Zة وقايمة disarray أو فلّة حكم ,;g , وكل واحد يبحث عن السلامة لنفسه absence of the administration and control .

أما الهلهلة السياسية political loose فإنها كانت ضاربة أطنابها، حيث أن أبا فروة الجذامي أعلن إسلامه، وأرسل هدايا للرسول صلى الله عليه وسلم أثناء أن كان عليه السلام في تبوك أيضاً. ولكن أوامر صلبه وقتله جاء من الرومان (السلطات العليا). ولم يأتِ من الغساسنة التابعين للرومان. أما قتل الصحابي الجليل عمير الأزدي فجاء بأمر من عامل الغساسنة الأزدي الذي كان في القرية التي صارت خرابا ولا زالت أطلالها ماثلة على رأس تلة صخرية إلى الغرب من الطريق ما بين الطفيلة/ العين البيضاء ـ وبصيرا الى الان ، وحيث أقيم مسجد صغير على ضريح الصحابي المذكور، وقد صليت فيه عدة مرات عام 1972/ 1973 عندما كنت قائداً لمقاطعة شرطة الطفيلة في حينه.


كان المسؤولون التابعون للادارة البيزنطية على التخوم الأردنية، قريبون من أبواب جزيرة العرب حيث ظهرت الرسالة الإسلامية، وبعيدون عن بيزنطة حيث الدولة الرومانية، وقد وجدوا أنفسهم على اعتاب تلاشي دولتهم سياسيا وزمنيا وروحيا , وان الصبح بدأ يتنفس ببزوغ فجر ونور دولة عربية مسلمة جديدة، وكان الرهبان مثل يوحنا بن رؤية (أيلة) وبحيرا (ميفعة/ أم الرصاص) وصفرونيوس (مطران القدس) وغيرهم يعرفون من خلال قراءتهم للنصوص القديمة للتوراة والإنجيل أن هذا هو وقت ظهور نبي عربي في أرض الحجاز واسمه أحمد ومحمد، وكذلك كان. وبالتالي فإن مجرد ظهوره عليه الصلاة والسلام، لم يكن ذلك غريباً على الناس، ولا على الرهبان، وإنما صارت الأمور بين من أخذته العزة بالإثم وبقي على دينه السابق، ومنهم من تقيد بما أمرت به التوراة والإنجيل والمسيح بوجوب اتباع النبي العربي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في الكتب المقدسة.

كان الناس في وضع لا يُحسدون عليه فالقوة السابقة ( الرومانية ) بدأت تتداعى، والقوة الجديدة (الإسلام) بدات تنتشر وتضرب اطنابها وجذورها ، وبمعنى آخر كانت القوة الإسلامية تحمل في طياتها عناصر القوة والبقاء مقابل عناصر الضعف والفناء التي تحملها الدولة الرومانية. وحيث أن النفس البشرية مجبولة بالميل إلى القوي، وإلى المصالح أو العقيدة او كليهما ، فقد بدأ التصدع الداخلي والخارجي في بيزنطة مما زاد الناس نفورا، وهو انقسام في إدارة الدولة، وفقر في الموارد. وتناحر في الفرق الدينية لدرجة أن اتباع هذه الفرقة الدينية / الطائفة صاروا يخشون على أنفسهم من اتباع الفرقة / الطائفة الأخرىويامنون للمسلمين اكثر مما يامنون من بعضهم بعضا . وبذلك ساد الجور، والحيرة، والظلم، والحاجة. وهذه أمور عالجها الإسلام بحكمة بالغة حيث دعا إلى الحرية والوضوح والعدل وسدّ الحاجة، وتكافؤ الفرص , وإلى هوية عربية كريمة، وتحرير للإنسان من العبودية والكفر، وتحرير للأوطان العربية من الاستعمار والاحتلال الغربي.وفوق هذا اعلن انه لااكراه في الدين ( لااكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )

وبذلك بدأت حياة البرزخ السياسي والديني تتضح معالمها أكثر وأكثر مع تعاقب الأيام، وصار أهل الأردن من النصارى وعبدة الأوثان ميالون للدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية على حساب ميلهم نحو بيزنطة.

لم يكن أهل الأردن غرباء على أهل الحجاز , حيث كان تجار الحجاز يعرفون زعامات القبائل، ويستعينون بهم في حمل البضائع، واستئجار الجمال والبغال والخيول والادلاء والحماية , فضلا عما صار بينهم من المصاهرة . وكان الأمويون أكثر عائلة قرشية حجازية ذات علاقة حميمة مع العشائر الأردنية، مما انعكس في نهاية المطاف إلى وقوف أهل الأردن إلى جانب الأمويين في صراعهم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ,والتحكيم بين على ومعاوية رضي الله عنهما , وحروب مروان بن الحكم مع القيسية، وحروب عبد الملك بن مروان مع الزبيرية في الحجاز والعراق، حيث وقفت العشائر الأردنية مع الأمويين بقوة واخلاص ضد جميع من وقف في خندق المعاداة للامويين بما فيهم علي بن ابي طالب وعبدالله بن الزبير . وتزوج معاوية بن أبي سفيان ميسون بنت حسان بن بجدل الكلبي من بني كلب الأردن / عامل الادن لمعاوية ، وكانت من اهالي واحة الأزرق بالبادية الاردنية . وولدت له يزيد ولي عهده، وثاني خليفة أموي.

كانت البلقاء مشهورة في هذه الفترة ـ فترة البرزخ ـ وما قبلها وبعدها، أقول مشهورة بزيتها وسمنها ولبنها الجاف ( الجميد / الاقط ) ، وعسلها وحبوبها المختلفة, وخرافها , وفواكهها الجافة والزعتر البري والاعشاب الطبية ومسك الغزال والملح من البحرالميت , وكانت كلمة البلقاء تعني الأرض من مدائن صالح والعلا والوجه وينبع وتبوك ودومة الجندل وتيماء ووادي السرحان وواحة الازرق والجوف إلى الجولان وجبل الشيخ وتشمل حوران . ومع هذا كان بدو دومة الجندل الاردنيين ينغصون حياة هذه القوافل وينهبونها أحياناً، مما حدا بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يسير( بتشديد الياء الثانية ) إلى دومة الجندل والجوف معا حملة تاديب حققت اهدافها وادت الى اعتناقهم للاسلام ، فتحولت هذه القبائل الاردنية هناك من عنصر قلاقل ونهب إلى عنصر مناصرة للرسول صلى الله عليه وسلم , حيث فضلوا السمع له والطاعة والايمان به عليه السلام ، من أن تتقدم إليهم قوات رومانية وتدمّر بلداتهم، وتنهب مقدّراتهم، وتقتل رجالهم وعيالهم وتسبي نساءهم.اختاروا امن الاسلام على ارهاب الرومان . واختاروا ابناء جلدتهم على العلوج , ولغتهم على الرطانة .

أما أهل الجوف أنفسهم فكان عاملهم يتبع الغساسنة في الأردن ايضا , وكان اسمه أكيدر بن عبد الملك الكندي من بني كندة التي كانت تمتد في الاردن وشمال جزيرة العرب ونجد . وقد ولّى هذا الرجل وقومه هاربين لواذا امام قوات المسلمين ، وتركوا بيوتهم ومتاعهم ثم عادوا عليها عندما انسحب الرسول صلى الله عليه وسلم , وقوته التي كان قوامها ألف رجل. وبذلك شعر عامل الجوف أن هناك قوة جديدة أكبر وأقوى من البدو، وقادرة على تقليم أظافر الدولة البيزنطية،وضبط البدو وتحقيق الاستقرار .

ثم حدثت حملة أخرى على الجوف أدت إلى دخول عدد من بني كلب الاردنية التي كانت في مناطق الجوف وواحة الازرق في الإسلام، ودفع الجزية من بقي منهم على نصرانيته. وبذلك تغيّرت موازين القوى، وصار دفع الجزية مرتبط بعدم اعتناق الإسلام،وصار الجهاد مرتبطا باعتناقه , وصارت بيزنطة عاجزة عن توفير الحماية للمقاطعات البعيدة مثل الجوف ودومة الجندل وتيماء، وجنوب الأردن، وشعر الناس أن شمس بيزنطة بدأت تجنح للمغيب الى غير رجعة , وأن شمس الدولة العربية الإسلامية بدأت تسطع بقوة واضحة ربما الى زمن قادم طويل .

كانت عشائر الأردن في هذه الفترة كثيرة العدد والعدة، واسعة الانتشار، تتجول بدون قيود أو حدود، من العلا جنوباً إلى الجولان شمالاً، ولكن تركيزهم الأساس كان في جنوب الأردن أكثر من أي جزء آخر، حيث كان هذا الجزء غزير الماء، وفير الغذاء، أمن بسب بعده عن سطوة الدولة المركزية في بيزنطة، كما أن ارتباطهم بحزيرة العرب كان ضمن روابط الدم والتاريخ والتمازج والتزاوج والحركة والتجارة , فضلا عن امتداد العشائر بعضها الى بعض بصورة أو بأخرى. وكان من أقوى وأشهر قبائل الأردن آنذاك، جذام، وقضاعة، وبهراء، ولخم، وبني عاملة، وبني سليح، والغساسنة، وبلي، وبني كلب، وكندة والبلقاوية،والغساسنة ولخم والازد ( ومنهم الغساسنة ) وبلقين ( عشائر البلقاء فينا بعد ) وغيرهم كثير، وكانوا في تجانس عظيم، حيث لم يكن بينهم عداوات ولا تناحر أو تنافر أو غزوات الا ماهو ضمن الحد المقبول , ذلك أن سلطة الغساسنة كانت عامل توحيد بينهم، كما أنهم كانوا في مواجهة بيزنطة، وأن أي طرف منهم ينفرد بدون دعم البقية يذهب ضحية الظلم البيزنطي , ذلك ان الذئب لياكل من الغنم القاصية .

أدى قتل رسول رسول الله الحارث بن عمير الأزدي (كما سبق وقلنا) من قبل الأمير الغساني لتلك القرية التي آلت إلى أطلال وركام وحطام إلى غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فجرّد جيشاً سمي جيش العسرة بسبب انعدام الإمكانات المادية من الماء والغذاء والسلاح. وبسبب شدة الحر، وتحرّك عليه السلام إلى تبوك، وذلك ليقتصّ من القتلة، ويختبر قوة الغساسنة والبيزنطيين، وليعرف مدى تماسك العشائر الاردنية مع السلطة الغسانية والرومانية، ولكي يزرع الرعب في قلوب هؤلاء الكفار. "نصرت بالرعب"، ولكي يعرف الناس أن هناك نبي بشّرت به الكتب السماوية السابقة، وأنه قادر على الهجوم وتحقيق النصر. وبذلك دخلت الدولة الإسلامية في المعادلة العامة على حساب انحسار هيبة الدولة البيزنطية. ان الدنيا تداول ودول ( وتلك الايام نداولها بين الناس ) .

كانت نتيجة غزوة تبوك موفقة، تحدثنا عنها في هذا السياق، وتحدثنا عنها بالتفصيل في كتابنا: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية باللغة الانجليزية , ولا داعي للتكرار والإعادة هنا.

لم يتوقف التحرك الإسلامي عند غزوة تبوك ودومة الجندل والجوف بل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل جيشاً وعلى رأسه زيد بن حارثة الكلبي الاردني من مناطق حسمى اصلا , وسيدنا جعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن ابي رواحة رضي الله عنهم جميعا وكانت معركة مؤتة، حيث تحدثنا عن هذه بالتفاصيل في كتابنا: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية ايضا ، ولا داعي للتكرار.

صارت الدعوة الإسلامية قوية وواضحة، وانتشر ذكرها عند سائر قبائل العرب ومنها العشائر الأردنية، وأحسّ الإمبراطور البيزنطي هرقل بخطر الإسلام، بعد أن رفض اعتناق الدين الجديد ، حيث ارسل اليه رسول الله الصحابي الجليل دحية الكلبي الاردني رسولا يدعوه الى الاسلام ولكن هرقل رفض دعوة الرسول بناءا على نصيحة من بطارقته . وصار الأمر بالنسبة لهرقل ولعرشه مسألة وجود،او عدم وجود , يكون أو لا يكون، فجهّز جيشاً واسعاً وكبيراً، ووجد أن سقوط الجبهة الأردنية بايدي المسلمين ، سيعني رحيله الكامل من سوريا وديارها. وقد لقي جيشه الهزيمة في مؤتة ثم في طبقة فحل، وقبلها في معركة غرندل قرب بصيرا، وفي وادي عربة، ثم في اليرموك. وحينها وقف هرقل ينظر بحسرة وحزن إلى سوريا قائلاً:
( "سلام عليك يا سوريا، سلام لا لقاء بعده)

وبالفعل غادر ولم يعد، وتوطدت أركان الإسلام في الديار العربية وبقيت إلى الآن، وإلى أن يشاء الله سبحانه، وقد استعاد الإسلام على عروبة سوريا ومصر وبلاد الرافدين، وحافظ عليها , بعد عشرات القرون من الاحتلال الأجنبي لهذه الديار العربية.

وعند ظهور الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , بقي الأردنيون المسلمون على الإسلام جميعاً، لم يرتد منهم إلا أكيدر بن عبد الملك عامل دومة الجندل، ولا شك أنه كشخص كان يطمح أن يبقى في موقعه كعامل للمنطقة او ان يستقل بها ملكا عليها وما حولها , لذا كان مستعداً لتغيير دينه بما حسب أنه سيخدمه؛ وهذا ديدن الكثير من الناس الذين لا هم لهم إلا الحياة الدنيا وزينتها.

لا بد من ذكر موضوع هام هنا، وهو أن انقطاع الدولة البيزنطية عن دفع أعطيات البدو الاردنيين السنوية، قد ألّب زعماء القبائل الاردنية ضد الدولة، وأصبحوا عوناً للمسلمين، كما أن اليهود كانوا عونا للمسلمين انتقاماً لأنفسهم لما لاقوه من الظلم والتعسف البيزنطي ضدهم، ولمعرفتهم في كتبهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدين الإسلامي سينصفونهم لأن الظلم محرم في دين الإسلام.

سارت الجيوش الإسلامية/ جيوش الفتح زمن أبي بكر، فمرّت بثكنات ومعسكرات الجيش البيزنطي التي أصبحت خاوية على عروشها، حيث مروا باللجون/ مركز الجيش الثالث، وقبلها بأذرح والجرباء وأيلة، وعندما وجدوا رحيل الجيش الروماني من هذه المواضع أيقنوا أن رياح النصر قد هبّت معهم مبكّراً، ومع هذا كانت مهمتهم صعبة فهم دولة فتية نشأت حديثاً يحاربون دولة متجذرة قبل مئات السنين في هذه الأرض وفي أوروبا، وبالتالي فإن الأمر لم يكن يسيراً.

وهكذا تغلبت عناصر البقاء الإسلامية، على عناصر الفناء البيزنطية، وتحقق قول الله سبحانه: ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) وكما أن القبر هو فترة البرزخ إذا ما انتهت هذه الفترة / اي البرزخ , صار البعث والحساب، فإما الى الجنة أو الى النار، كذلك البرزخ السياسي الذي عاشه الأردنيون قاد بعضهم إلى الإسلام ونوره، والمسير للجهاد في سبيل الله شمالاً وغرباً، ومنهم من حقق عليهم إبليس ظنّه ولم يكرمهم الله سبحانه بنور الإسلام، ضمن المبدأ الإسلامي وهو حرية الدين والعبادة، ( لااكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) اذ ان الاسلام لايجبر احدا على اعتناقه ( لكم دينكم ولي ديني ) .

وانحسرت بيزنطة إلى وكرها في القسطنطينية التي تم فتحها فيما بعد زمن السلطان العثماني محمد الفاتح، ثم انكفأت إلى أوروبا، وبذلك تحولت حياة البرزخ لدى الأردنيين إلى وضوح لا لبس فيه : فالإيمان واضح، والكفر واضح، والظلام واضح، والنور واضح، وللإنسان أن يختار ما يهديه الله إليه.

وصارت الأردن بلداً إسلامياً عربيّاً صافياً والحمد لله، واستطاعت العشائر أن تتكيف مع الأوضاع الجديدة ضمن فلسفتهم في الصراع من أجل البقاء؟ وإنهم بدون التكيف لا يستطيعون البقاء والحياة. وهذا يوضح صفة هامة من صفات الشعب الأردني، وهو قدرته على التكيف مع المستجدات والمتغيرات بما يبقى موجوداً ومستمراً، وصار اسم الأردن تحت عنوان جديد مناسب للمرحلة القتالية والجهادية الجديدة وهو : جند الأردن، وانتهت إمارة الغساسنةاذ صارت اثرا بعد عين , وزالت دولة بيزنطة، وجاءت دولة إسلامية مركزها المدينة المنورة. بدلاً من القسطنطينية، وصار الأردني يتعامل مع عربي مسلم مثله، بعد أن كان يتعامل مع رومي يسمى: العلج، والجمع علوج، وتعاقبت القرون والدول، وهذا شأن الحياة إلى يوم القيامة.

خرج الناس من البرزخ السياسي إلى ضوء الشمس وانجلاء السماء، وصارت الأردن ضمن جسم الدولة العربية الإسلامية الجديدة والتأمت العشائر ببعضها ، ولعبت الاردن واهلها دوراً هاماً وخطيراً في تاريخ الإسلام والمسلمين، ثم طوته غياهب النسيان زمن العباسيين بسبب خشيتهم من أن تظهر دعوة سياسية تنهي دولتهم، مثلما ظهرت دعوتهم في الحميمة واقتلعت الدولة الأموية في بلاد الشرق إلى غير رجعة.وانتقاما وثارا من الاردنيين لموقفهم مع الامويين من قبل ضد علي وضد زعيم الدعوة العباسية , فانتقموا من الاردن وحولوها الى مجرد بادية وصحراء وارض جرداء الى حين من الزمن . ولا زلنا نعاني من الحقد العباسي والعقوق العباسي كما سياتي فيما بعد ان شاء الله .


حسام العامري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 14-02-2013, 01:31 AM   رقم المشاركة :[7]
معلومات العضو
مشرف مجلس قبيلة بني عقبة و واصل
 
الصورة الرمزية محمد الواصلي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
توقيع : محمد الواصلي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

أعاذل أن الجود ليس بمهلكي

ولا مخلد النفس الشحيحة لومها
محمد الواصلي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تحفة السلطان في النسب والنسب القاسمي : السيد حسين الحسينى الزرباطى. (1) ابن الوجيه مكتبة الانساب و تراجم النسابين 17 14-03-2014 11:44 PM
الدولة العباسية ,,, اسلام الغربى مجلس الاشراف العباسيين 19 09-12-2013 04:37 PM
دوحة السلطان في النسب ابن الوجيه مكتبة الانساب و تراجم النسابين 5 29-11-2012 02:44 PM
روابط لما يقارب (500) كتاب عربي الشافعي مكتبة الانساب و تراجم النسابين 4 09-03-2011 04:24 AM
عمدة الطالب في أنساب آل أبى طالب مجاهد الخفاجى مجلس السادة الاشراف 16 21-01-2011 02:32 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: دليل العرب الشامل :: سودانيز اون لاين :: :: youtube ::


الساعة الآن 05:10 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه