:: (نزوح بعض القبائل العربية إلى شمال النيجر) (آخر رد :محمد الشهري)       :: هل يوجد كتب او وثائق (آخر رد :محمد الشهري)       :: حقائق غايبه ... و ... سهام صائبه . (آخر رد :محمد الشهري)       :: وجهة نظري في قضية المفاضلة بين عثمان و علي (آخر رد :محمد الشهري)       :: نسب عائلة ال طواقي الشريف (آخر رد :عادل أبو النصر)       :: ارجو افادتي عن عائلة الدليمي الكريمة (آخر رد :كويتي نجدي)       :: نسب ال شومان وابو قورة الحسيني (آخر رد :ابن شبه الجزيرة)       :: أبحث عن نسب قبيلة لخنيشات (آخر رد :المختار لخنيشي)       :: أروع المشجرات والمخطوطات من مركز الشريف الجوعاني (آخر رد :اسماعيل جلال)       :: الموضوع : هو السؤال عن نسب قبيلة لخنيشات (آخر رد :المختار لخنيشي)      

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات:13] ..................... ابحث عن اصل عائلتك في مجلس البحث عن الاصول و انساب العوائل و القبائل......................سجل نسب عائلتك في جمهرة انساب العرب الحديثة ( بنك الانساب ) .....................تمتع بالمجالس الاسلامية و التاريخية بالموقع
التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
(نزوح بعض القبائل العربية إلى شمال النيجر)
بقلم : المختار لخنيشي
الأطروحات و المشاركات تعبر عن رأي كاتبيها و لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة " النسابون العرب "


العودة   ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. > مجالس انساب الاقاليم > مجلس قبائل الاردن


إضافة رد
قديم 06-02-2013, 01:28 PM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس قبائل بلاد الشام و فلسطين
 
الصورة الرمزية الجنتل الرياشي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

معدل تقييم المستوى: 40
الجنتل الرياشي is on a distinguished road
افتراضي

الاخ العزيز حسام العامري

جهود مشكورة وطيبة ومباركه لنقل كتاب الكاتب الاردني الدكتور احمد عويدي العبادي .

ننتظر كل جديد منك .

توقيع : الجنتل الرياشي
الجنتل الرياشي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-02-2013, 10:35 PM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
باحث في الانساب
 
الصورة الرمزية حسام العامري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

معدل تقييم المستوى: 11
حسام العامري is on a distinguished road
افتراضي


تحية لك أخي الجنتل الرياشي

شكرا على تشجيعك لي وعلى كلماتك الجميلة

أسعدني مرورك العطر

دمت بود

تقبل أرق تحياتي

حسام العامري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 13-02-2013, 11:29 PM   رقم المشاركة :[6]
معلومات العضو
باحث في الانساب
 
الصورة الرمزية حسام العامري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

معدل تقييم المستوى: 11
حسام العامري is on a distinguished road
افتراضي الحلقة الرابعة من كتاب تاريخ الأردن وعشائره للدكتور: أحمد عويدي العبادي


الحلقة الرابعة
من كتاب تاريخ الأردن وعشائره
للدكتور: أحمد عويدي العبادي


الباب الرابع:
رياح السموم الغربية
(اليونان والرومان من 331ق.م-638م)


اليونان 331ق.م -106م:

كان صراع البقاء بين الدول في العهد القديم ينتهي بانتصار الأقوى سلاحاً أو الأقوى خدعة او الاقل خيانة , لأن الحرب خدعة، ولأن قوة السلاح والعضلات والجيش والحيلة والعنف والبطش كانت هي السائدة في الوصول إلى النصر والاحتلال وسدّة الحكم وضبط الشعب والبلاد في الداخل من الخارج واحتلال الشعوب والبلدان الاخرى ونهب مقدراتها وفرض قانون القوة الذي ليس له حدود ولا ضوابط ولا هيئة امم ولا هيئة لمم .

لم تكن الدول القديمة قائمة في العصور الجاهلية والوثنية الاولى على الفكر وان قامت على الفكرة,فكرة القائد العسكري او الاسرة او المجموعة او العصابة او الطغمة Junta ولم تكن قائمة على الدين الشامل وان قامت احيانا على التدين ومزازلة عبادة اله معين من الالهة المتعددة في المحيط . كانت الدول تقوم على موال في راس الحاكم ومن حوله طمعا في حب السيطرة وحب الدنيا والاستئثار بالسلطة ومايتبعها من المال والجواري ورؤية الناي عبيد بين يدي هذا الحاكم او ذاك , ونهب مقدرات الشعوب الأخرى، والهوس في بهرجة السلطة والتاج وعروش الأباطرة والملوك دونما رادع ديني او اخلاقي او انساني , بل ان بعض الملوك كانوا يعتبرون انفسهم الهة يعبدون وتجب عبادتهم , وهذا ماخبرنا به القران الكريم عن النمرود وفرعون . والذين وان ماتوا بقيت منهم نسخ تتكرر على مدى التاريخ البشري .

كانت القوة الأولى التي غزت الأردن هي الموجات العربية التي جاءت من جزيرة العرب وأكنافها مثل بلاد ما بين الرافدين، واستقرت وشكلت الممالك التي كانت وستبقى إلى هذه الفترة مدار حديثنا عن الأردن، ثم جاءت موجة الآشوريين ثم البابليين ثم الفرس، بحيث استمرت هذه الموجات المتتالية العراقية والفارسية من عام 800 ق.م ـ 331 ق.م أي حوالي خمسة قرون. ثم جاء اليونان واستمر احتلالهم حوالي خمسة قرون، ومن ثم الامبراطورية الرومانية التي استمرت مثلها ( 5 قرون ) ثم الراشدية والأموية والعباسية واستمرت حوالي خمسة قرون. ثم جاءت أمم أخرى كما سنرى في ثنايا هذا الكتاب إن شاء الله.

ومن خلال ما ذكرنا وما سنذكر نستطيع القول أن جميع الحضارات الآشورية والبابلية والفارسية واليونانية والرومانية ثم الأموية والعباسية تجد لها بصمات في بلادنا التي كانت ممرّاً ومستقرّاً لهذه الحضارات او ضمن مجالها الحيوي وساحة من ساحات وغاها في الصراع من اجل البقاء .

في حوالي عام 500 ق.م سمح الفرس الذين كانوا يحتلون بلاد الرافدين العربية , لبعض اليهود المأسورين في فارس وبلاد ما بين النهرين بالعودة إلى القدس وفلسطين أي بعد حوالي قرنين من الغربة والاغتراب والسبي الذي اوقعه نبوخذ نصر الملك العربي ا. لذلك عندما غابت الدولة الفارسية كانت مملكة يهوذا قائمة في فلسطين مثلما كان الحال في استمرار قيام الممالك الأردنية في شرق الأردن. لقد بدأ نفوذ فارس يتقلص في ممالك الجبهة الغربية ( الاردن وسوريا وفلسطين ) لبعد المكان عن العاصمة ولاختلاف الثقافة والعرق بين فارسي وعربي، وتباين في الأهداف، حيث جنحت هذه الممالك العربية والعبرية نحو الاستقلال , وجنحت فارس إلى استعمار هذه البلدان ونهب خيراتها وانعدام رسالتها للاستمرارا والاستقرار والاندماج مع القوميات الاخرى .

بدأت دولة اليونان تظهر بظهور شاب فارس طموح مطاع في بلاده وجيشه وهو الإسكندر من بلدة مكدونيا اليونانية. حيث وجد ان التوسع إلى الغرب أمر صعب بسبب قسوة المناخ وصمود جبال الألب وقلة الفائدة مقارنة بتلك التي يمكنه ان يجنيها من التوجه الى الشرق ، فوجد أن الأيسر عليه والاجدى له أن يتجه نحو الشرق، وأن يشرع في بناء إمبراطورية يونانية ماوراء البحر المتوسط، ورغم أن هذه كانت مجازفة واضحة، إلا أنه لم يجد قوة تقف أمامه، بسبب تعدد الممالك وتناحرها من جهة، وضعف الدولة الفارسية من جهة أخرى التي انهكت الشعوب العربية في الاردن وسوريا وفلسطيسن وبلاد الرافدين ، ولاعتماده عنصري المفاجأة والدعاية المسبقة طوراً آخر , ولانه جاء في وقت كان العرب اعلاه يتطلعون للتخلص من الاستعمار الفارسي ومستعدون لمساندة اية قوة جديدة تحقق لهم هذا الهدف الوطني والقومي , وتنتقم من الفرس شر انتقام ..

وجد الإسكندر المقدوني أن يتجنب نقاط الضعف والانحلال لكل من آشور وبابل وفارس, في تعامله مع ممالك الشرق في بلاد سوريا الكبرى وفارس والهند والسند . لقد كان الفرس يهتمون بالقوة والولاء الظاهري والجباية ويسلكون القمع وبناء الحقد الدفين لدى الشعوب المقهورة . أما الإسكندر فقد أضاف ثلاثة عناصر هامة في حروبه أو فتوحاته كما يحلو للبعض تسميتها، وهي : نشر الحضارة اليونانية ونشر اللغة اليونانية ونشر الثقافة اليونانية، لأن هذه العناصر تجذب الشعوب وتجعلها عناصر بناء للدولة وليس معاول هدم لها , متظاهرا باخفاء السيف الذي كان وسيلة النفور من الفرس

كانت الحضارة اليونانية تشتمل على أنماط البناء والنحت والموسيقى والفلسفة والشعر والأدب والمسرح , وهذه بدورها امور تساهم في تهذيب الشعوب، بل وتساهم في توحيدها ايضا. فقد كانت ممالك الجبهة الغربية ( اي سوريا الكبرى ) زمن الدولة المحتلة السابقة ( الفارسية ) متباينة في الثقافة والحضارة واللغة والسلوك والتعامل والحقد العجيب على العنصر العربي , ولم تفرض آشور أو بابل أو فارس أو أي منهم ذلك على السكان لانشغالهم بجميع الضرائب والأتاوات . أما اليونانيون فقد وضعوا قاسماً مشتركاً عاماً بين هذه الشعوب يتحدثون لغتين المحلية للدولة أو المملكة، والرسمية وهي اليونانية، وكذلك يمارس ثقافته وحضارته المحلية، لكنه عند التعامل العام والرسمي ومع الممالك الأخرى يتحدث اليونانية ويتعامل في بلده بلغتهالمحلية , .وبذلك صار لهذه الدويلات وجهان ولغتان وهويتان وثقافتان معترف بهما من قبل الدولة اليونانية , الاولى تحافظ على كيانها الصغير والثانية تحميها ضمن الكيان الكبير الواسع في اطار الدولة , وبذلك حفظ اليونان والعربان كل توازنه في صضيغة تفاهم من اجل البقاء وصراع البيقاء وكل مستفيد من هذا الوضع , ويحافظ عليه .

من هنا صارت اللغة اليونانية بالاضافة الى الارامية العربية والعربية المحلية للمالك هي لغة علية القوم والتجار ورجال الثقافة في جميع بلاد سوريا والأردن وفلسطين ومصر والعراق وفارس بعد الاحتلال , وصارت اليونانية لغة التفاهم المشتركة بينهم جميعاً، مما وحّد أصحاب القرار في هذه الأقطار، وصار من السهولة اجتذابهم إلى عاصمة موحدة ودولة موحدة. وانتشرت الأسماء اليونانية على الأماكن ـ مثلاً أصبحت عمان/ ربة عمون سابقا , تدعى فيلادلفيا، وجراشا - جرش، تدعى أنطاكية. كما أطلقوا الأسماء اليونانية على البارزين من العرب، حيث سمي الملك النبطي مالك الثاني باسم مالكوس، وهكذا دواليك، وصارت أسماء الشعراء البارزين في الأردن أسماء يونانية، وصارت أم قيس تسمى جدارا.وصار شعراؤهاالاردنيون يحملون اسماء يونانية ويقولون الشعر باليونانية , ولم يصل الينا شعرهم بالارامية ( العربية العامة انذاك ) او بالعربية المحلية / حسب اللهجات العربية المتعددة انذاك .

تجنب اليونان نقاط الضعف التي كانت متعلقة بمعسكرات الجيش عند قوى الاحتلال السابقة, فقد كانت الحاميات السابقة ترابط في العواصم والمدن والبلدات الاردنية والسورية والفلسطينية , أو قرباً منها ثم تنسحب بعد أداء مهماتها. إلا أن اليونان سلكوا سبيلاً آخر، وهو إقامة مدن يونانية ثابتة ومستقرة وذات سيادة محدودة كما هي السيادة المحدودة للمالك الاردنية , فصارت بمثابة مايمكن اعتباره ممالك يونانية او امارات يونانية مقابل مملك اردنية او امارات اردنية , دون ان ياغوا اللمالك الاردنية التي تحولت الى حكم ذاتي خاضع اما للمدينة الجديدة او للولاية او ادولة . وفي كل الاحوال ادى الفهم المشترك الى ايجاد صيغة من التفاهم والتعاون في هذا الاطار نافع للاردنيين واليونانيين .

اذن شكلت اليونان شكلت إمارات أو ممالك صغيرة شبه مستقلة على الاراضي الاردنية , وسميت تحالف المدن العشرة، كل منها لديه إدارة مركزية، يرتبط بالمدن الأخرى بروابط الدفاع والثقافة واللغة والمصالح التجارية والمشاريع المشتركة ، ولها قوانينها الخاصة بها التي تضمن لها البقاء والاستمرار والاستقرار والازدهار وقد سميت هذه المدن، أو هذا الأسلوب العسكري السياسي الثقافي الاقتصادي الامني الجديد باسم تحالف المدن العشرة/ او الديكابوليس، وقد استمرت هذه المدن وهذا النظام حتى جاء الإسلام بعد ألف سنة تقريباً، إذ ازدهرت وازدادت وتعددت هذه المدن في زمن الرومان بعد خمسة قرون وتمددت على ارض الاردن حتى صارت العقبة جزءا من هذه المدن او هذا التحالف .

تحالف المدن هذا كان اتحادا لامركزيا , اشبه مايكون بالاتحاد الكنفدرالي كما قلنا. فكان يتألف من بيسان (سايثو بوليس)، وخربة فحل (إبلاّ)، وجرش (جراسا)، وأم قيس (جدارا )، وفيق Faiq ، وهي قرية بسورية (هبوس)، وايدون (شمال الأردن ديون زمن اليونان)، وتل شهاب (رفانا) وقنوات (في جبل الدروز ـ وهي كناثا)، وعمان (فيلادلفيا/ ربة عمون)، وبيت راس , ودرعا (ادرعي) وبصرى (بصرى اسكي شام).

يرى بعض الكتاب أنه يتعذر معرفة بدء تشكيل هذا التحالف، ولكننا نرى أنه في أساسه يوناني عمل بانتظام وأدى ادوارا ومهمات هامة، بحيث بات ضرورياً لاستمرر حياة الاحتلال الغربي للاردن , بحيث لم يستطع الرومان إلغاءه، بل قوي وزاد زمن الرومان ليشمل مدناً أردنية آخرها ومنها : العقبة على رأس بحر القلزم (البحر الأحمر). وكان لهذه المدن نفوذ على ما جاورها من القرى والمدن والأراضي والسكان، وكانت كل مدينة لديها شبه اكتفاء ذاتي ـ وتتبادل مع المدن الأخرى ما ينقصها من حاجات لتصدير إليها ما يزيد عندها من هذه الحاجات واستيراد منها والم يتوفر لديها .

ونرىايضا ان اليونان طوروا هذا النظام من نظام الممالك الاردنية , فبدل اعتماد الممالك ولكل منها عاصمة , نظما المدن على انها ممالك وامارات صغيرة تحكم نفسها وتدافع عن ذاتها . وبذلك فان نسخة المدن العشرة هي نسخة مطورة عن عواصم الممالك الاردنية التي سبقت بوجودها وجود اليونان

النقطة الأخرى وهي أن سكان وحاميات هذه المدن ( الديكابوليس ) دفعوا الخاوة للبدو الاردنيين , وكانت المدن ايضا سوقا لمنتجات البدو من اللحوم والمواشي والجلود والالبان السائلة واليابسة ( اتلجميد او الاقط ) والملح الذي كان يتم جلبه من الازرق والقريات وكانت كلها اراضي اردنية انذاك .، ولم يأخذوا بل عجزوا من يستطيعوا اخذ شيء من البدو من المال او الضرائب او الخاوة وانما كان هم المدن طلب السلامة من هجمات عرباننا البدو . ، فقد ظهر لنا بالوقائع أن البدو كانوا دائماً من الأسباب الرئيسة في استنزاف آشور وبابل وفارس( وبالتالي سبب رئيس فس القضاء عليها ) بسبب استمرار الحملات عليهم ( على العشائر الاردنية ) ومطالبتهم بدفع الأتاوة , ومصادرة اموالهم ومواشيهم واحيانا رجالهم وابناءهم كما حصل مع ممالك الجنوب .

وعندما كانت هذه الدول ترد بالقوة والقمع والملاحقة ضد عرباننا كان رد فعل البدو الاردنيين هو : القيام بالغزو والاغارات وحرب الاستنزاف على المدن والقرى المحتلة ويخربونها ليجمعوا ما يقوتهم وما يدفعونه للدولة المحتلة اذا تمكنت منهم ذات مرة .وكان بدو الاردن ( اقصد العشائر الاردنية اينما ورد بدو الاردن لانهم كانوا في غالبهم من البدو ) ينظرون لجميع القوى الغازية ان عليها الرحيل عن بلادنا عاجلا ام اجلا , وعليها ان تعيد شيئا مما نهبته من مقدرات الاردن واذا قصرت هذه الدول اغار العشائر ونهبوا , ويعتبرون عملهم هذا انه عمل وطني لانه ضد الاجنبي وصارت هذه ثقافة متجذرة لدى الاردنيين عبر التاريخ وهي : ان ماعلى الاردن يجب ان يبقى لاهل الاردن اليوم او غدا او بعد حين . هذه ثقافة عمرها الاف السنين ولا تذهب بدعاية او مقال او ردح اوشتائم , هذه ثقافة تشكلت عبر معاناة الاردنيين وصراعهم من اجل البقاء . فقد رحلت كل الامم وبقي ماعلى الاردن للاردنيين ومن لايعرف ذلك فعليه ان يقرا التاريخ جيدا وان يعرف الاردنيين جيدا . واما مايقال عنه انه نهب وسلب فقد كانوا يرون انه استعادة حقوق وليس نهب لحقوق الاخرين .

. إلا أن اليونان استفادوا من اخطاء من سبقهم وتجنبوها بذكاء ودهاء , ووجدوا ان البدو الاردنيين هم اساس الاستمرار والاستقرار او الخراب والدمار في هذه الديار . من هنا عكس اليونان الاية في التعامل مع الاردنيين بشكل عام والبدو منهم بشكل خاص . إذ أنهم خصصوا قسطاً من فائض إنتاج المدن العشرة لدفعه للبدو المجاورين على شكل مساعدة ( هي في الحقيقة خاوة ) او تبادل البضائع ، فصارت المرة الأولى في تاريخ الأردن التي صارت الدولة تدفع للبدو أتاوة بدل ترك الامور للغارات والنهب , وصارت هذه سنة سياسية دائمة واستمرت زمن الرومان والأمويين، والايوبيين والمماليك والعثمانيين والانتداب البريطاني . واما الدولة التي لم تدفع لهم هذه الصرر (مفردها صرة) فلم تستطع الاستقرار والاستمرار فوق الأرض الأردنية، حتى جاءت الحرب العالمية الأولى فسلك الإنجليز وأتباعهم السياسة نفسها.

وبهذه السياسة اليونانية الحكيمة، استقرت أمور اليونانيين في الأردن خمسة قرون دون أن يخلو الأمر من هجوم هذه القبائل بين حين وآخر، حتى إذا ما حصلوا على ما يريدون هدأت أحوالهم وتحولوا إلى أصدقاء. بل إن هؤلاء البدو في زمن الرومان شكلوا إمارات وممالك حماية للدولة الرومانية زمن الضجاعمة ومن بعدهم : الغساسنة.

إذن جاء اليونانيون بأسلوب جديد، جذب الناس، واستقرت بهم الأمور، وصار الصراع بين أجنحة الإمبراطورية اليونانية وقادتها، وليس بينها وبين الشعوب المحكومة. ولم يجدوا أمامهم في سوريا والأردن قوة يحسب لها حسابها إلا الأنباط الذين تراوحت علاقاتهم باليونانيين بين الحرب والسلم، والصداقة والعداوة وصراع المصالح التجارية والعسكرية والوطنية والقومية , وتعاملوا معاً مثل لعبة القط والفأر. وقد انتشرت الفلسفة اليونانية واشتهر فلاسفتهم وأطباؤهم وعلماؤهم، وتمت ترجمة كتبهم وآرائهم في زمن المأمون/ العصر العباسي، واستفاد العرب منهم أيّما فائدة.

لابد من القول الى ان الاردنيين زمن الرومان كانوا يتالفون من عدة طبقات : الاولى وهي التي اندمجت بالثقافة اليونانية واتقنت لغة اليونان وتقمصت حضارتهم والسوبهم في الحياة ومنهم الشعراء والقادة وكبار التجار . واما الطبقة الثانية فهي طبقة التجار الذين كانوا يتكلمون اللغات الثلاثة وهي العربية الارامية والعربية المحلية واليونانية وكانوةا مقبولين من جميع اطراف النزاع والصداقة لانهم عصب الحياة , واما الططبقة الثالثة فكانت طبقة الزراع والرعاه وهذؤء همهم الانتالج والاستفادة من ذلك لذا كانوا يحتمون بالمدن العشرة من هجمات اخوتهم البدو من جهة ويحتمون بالبدو اذا جارت عليهم المدن بالضرائب ويدلون البدو على مواطن الدخول والخروج والمخازن . واما الطبقة الرابعة فكانت طبقة البدو المتنقلين الذين كانوا نقطة التوازن والسيف المصلت الذي يحر الاردن في النهايةو من الغزاة ويحمي الفلاحين تارة وينهبونهم تارة اخرى

من هنا ظهر اصطلاح الخوة البدوي الاردني , منذ العصر اليوناني وهو ان كل قبيلة بدوية كانت تتخاوى مع قرية او عشيرة فلاحين ( يصبحوا اخوة ) مقابل تبادل الانتاج ومقابل حماية كل طرف للطرف الاخر ومقابل ( يعشي ويمشي - اي اذا راد الاخو / الاخ ان يغزي طرفا اخر يقوم اخوه المستقر بتقديم العشاء له ويدله على الاماكن التي فيها الاشياء التي تستحق النهب او السطو ) . وبقي هذا المبدا الى عام 1925 في الاردن وانقطع بانقطاع الغزو . وان كبار السن يعرفونه جيدا واشرت اليه في بعض مسلسلاتي البدوية التي سياتي تنفيذها لاحقا ان شاء الله . فهذه عادة اسسها الاردنيون ضمن صراعهم من اجل البقاء منذ 2500 سنة وما حولها . واما الخاوة فهي التي تؤخذ عنوة بعكس الخوة التي هي تبادل منافع بالرضى ولا يكون ذلك من طرف واحد بل ان الطرفين يقدمون لبعضهم هذه الحاجات . ومع تعدد الطبقات بالاردن الا انها كانت في النهاية تعمل من اجل البقاء .

من الواضح إذن أن اليونان سلكوا طريقاً مغايراً لدول الشرق ( الفرس والعرب العراقيين ) ، فصار الميل العربي نحو الغرب مريحاً لهم، لأنه أقل عنفاً وتكلفة، وتوطدت أركان الدولة اليونانية , بحيث تستطيع حمايتهم من أية قوة غازية تأتي من الشرق. وهكذا كان تداول للأيام بين الناس، بين الشرق والغرب، بين م?Zطْلِع?Z الشمس ومغربها. كما أن قوى الجبهة الغربية لم تتوحد ولم يظهر قائد قوي يوحدها في دولة واحدة ضد اليونان , لتكون قوة منافسة للشرق والغرب معاً، وإنما بقيت اوروبا ممالك مبعثرة، متناحرة متنافرة، حيث قطف اليونان ثمار هذه الأمور كلها لمصلحتهم، وأيضاً لا بد من القول إنه كان لمصلحة شعوب هذه الممالك العربية التي نحن بصدد الحديث عنها .

ثم نعود إلى سرد الأحداث زمن اليونانيين، حيث ظهر ( كما قلنا ) فجأة عام 331 ق.م قائد شاب من بلدة مكدونيا، اسمه الإسكندر المقدوني، واعتمد سرعة الفتح، والحرب الخاطفة، بحيث لم يشهد التاريخ مثيلاً لسرعة فتوحاته ونجاحها. وعندما حط رحاله في بلاد الشرق/ الجبهة الغربية كان أول نجاح له أنه تغلب على الإمبراطور الفارسي داريوس في سوريا عام 331ق . م . فهزمه وهزم جيشه الفارسي شرّ هزيمة فتحت أمامه مجال طرد الفرس من الاردن وسوريا وفلسطين، واكتساحها جميعا ، إلى أن توقف (الإسكندر) على أبواب غزة التي قاومته حاميتها بشراسة, وطويلاً من الوقت. فقد كانت غزة من ممتلكات الأنباط، الاردنيين , حيث كان فيها حامية عسكرية نبطية، ولكن الإسكندر استطاع السيطرة عليها عام 332 ق.م.بعد طول عناء .

اما هزيمة داريوس الفارسي في سوريا أمام الإسكندر المقدوني فقد وضعت الرعب في قلبه وقلوب جيشه وشعبه، وأعطت فرصة لشعوب بلاد ما بين الرافدين العرب ان يتخلصوا من الاحتلال الفارسي. ووجد داريوس أن الأفضل له أن ينكفئ إلى قلب الإمبراطورية الفارسية , وأن يستدرج الإسكندر إلى هناك ليقضي عليه , ثم يلاحق فلوله ويستعيد ممالك الجبهة الغربية كلها ( سوريا الكبرى ) وينتقم من كل من ساعد اليونانيين وعلى راسهم الاردنيين والسوريين والفلسطينيين . ولكن الرياح لا تجري دائماً بما تشتهي السفن. فقد سار الإسكندر واكتسح بلاد الرافدين ثم دخل إلى إمبراطورية فارس وهو مزهوّ بالنصر، فالتقي بالجيوش الفارسية بقيادة داريوس في سهل اربالا في قلب إيران نفسها , والتقى الجيشان جيش مهزوم بذاته ويحارب على ارضه وهو جيش داريوس , واخر مزهو منتصر بذاته وهو جيش الاسكندر . كان داريوس يعتقد ان خوض المعركة على ارض فارس ستمكنه من عنق وتاج الاسكندر , وربما راح يتخيل الاسكندر اسيرا بين يديه مكبلا بالاغلال , ولكن حسابات داريوس كانت وهما من الخيال , لا بل كانت خاطئة بككل المقاييس فالنهزم بذاته لاتنصره ارض ولا سلاحوالنتصر بذاته لاتهزمه ارض ولا سلاح . وبدلا من ان يصرخ داريوس بالنصر , انهزم وجيشه شرّ هزيمة منكرة في بلاده، مما فتح الطريق أمام الإسكندر لافتتاح بقية بلاد الرافدين وبالتحديد بابل، والعودة اليها من الشرق الى الغرب بعكس ماكان الجميع يتوقع . وبالتالي تمكن من الهيمنة على سائر ممتلكات الإمبراطورية الفارسية الداخلية. وتحقق له ذلك بسرعة مذهلة.

استمر الإسكندر في مسيره نحو الشرق واكتسح الهند حتى وصل إلى شواطئ الهندوس بعد أن تحقق له النصر تلو النصر، وبذلك صارت سوريا وفلسطين والأردن وما يسمى العراق الآن وإيران الآن والهند وباكستان ضمن إمبراطورية هذا الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره بسنتين بعد بل ولم يتزوج بعد ايضا لانه تزوج الفضية العسكرية وليسالنساء والجواري . واعتمد تقسيم كل بلد إلى ممالك عليها ملوك يتساوون في الصلاحية وبهرجة السلطان مما استحال معه توحيدهم فيما بعد واستمرت ممالكهم مجزأة لخمسة قرون لاحقة.وكانت هذه خطة الفيلسوف اليوناني ارسطو وهو استاذ الاسكندر والاب الروحي لانتصاراته, حتى قيل فيما بعد ان الاسكندر كان يحكم الهند والسند وفارس وهو في قبره لمدة خمسمائة عام بعد مماته لتطبيقه خطة ارسطوطاليس القائم على من نظام التفرقة بين الملوك والمساواة بينهم في الامتيازات والبهرجة , بحيث لايخضع اي منهم للاخر حفظا على مكاسبه .

كان سوء طالع بلاد سوريا والأردن وفلسطين والعراق وفارس والهند قد تحول إلى حسن طائع للإسكندر المقدوني، مما ملأ رأسه بالآمال العريضة، بحيث رأى أن يسيطر على عالم الشرق كله ، ووجد أن يعود من الهند إلى جزيرة العرب. لأنها مصدر الإزعاج القائم والمحتمل. فهي التي كانت عبر القرون والدول السابقة تفتح بالموجات الشجاعة وربما المتوحشة من الصحراء إلى بلاد الخضراء (الأردن وسوريا وفلسطين ومصر).وهي مصدر الخطر الدائم الداهم .

من هنا فإن الإسكندر المقدوني رأى أن يقضي على بيت الديابير العربي أو خلية النحل في جزيرة العرب قبل أن تفرز خلايا أخرى تؤدي إلى سقوط إمبراطوريته كما سقطت آشور وبابل وفارس، وكما تغيّرت الأسر الحاكمة في مصر بسبب ضربات البدو القادمين من جزيرة العرب أو من الأردن أو عبر الأردن واقامتهم لممالكهم في مصر فيما سمي الاسر ( مفردها اسرة ) . وكان العرب أيضاً ينظرون إلى مكة والكعبة أنها مركزهم الروحي رغم أنهم كانوا يعبدون الأصنام بحجة أو باعتقادهم أن الاصنام كانت تقربهم من الله زلفى.

كان الاسكندر يريد دخول جزيرة العرب عبر النقاط الساخنة والواحات الخصبة والطريق التجاري الحربي المعروف للعرب منذ اقدم العصور وهي : وادي السرحان ودومة الجندل وتيماء ثم إلى العلا، ثم إلى خيبر ثم إلى يثرب (المدينة المنورة فيما بعد)، ثم إلى بكّة (أي مكة المكرمة) وقد سمع أيضاً بعظمة بلاد اليمن وخيراتها، ولا شك أن الأطاييب والبضاعة الثمينة القادمة من اليمن كانت تصل إلى اليونان والى بلاط الاسكندر وبلاط ابيه قبل ان يتحرك نحوالشرق ويحقق ماتوصل اليه , مما اثار لعابه ان يجمع المجد من اطرافه/ اي السياسية والحكمة والقوة العسكرية والاقتصادية والبشرية . لذا فإن السيطرة على اليمن وجزيرة العرب والهند، يعني أنه سيطر على مواد التجارة القديمة، وطرقها، وبالتالي سيستخدمها ضمن سلاحه الاقتصادي ضد أية دولة أوروبية او اية دولة تحت سلطانه .

وبذلك سيطر الاسكندر على حوران المشهورة بأفضل قمح على وجه الأرض منذ القديم، وعلى مصادر مواد التجارة، وعلى خامات الذهب والحديد في كل من مصر، وبلاد الرافدين والهند. ولا شك أنه كان يحلم بهذه الإمبراطورية التي تضم هذه القوميات والأعراق واللغات والأديان والاقطار ، ولا يوحدها إلا اللغة اليونانية والآلهة اليونانية التي انتشرت حيث انتشر جيشهم.

وكما يقول المتنبي فيما ينطبق على حالة الإسكندر:

وإذا كات النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام

لا يمكن معرفة نتيجة ما كانت ستكون عليه نتيجة غزو الإسكندر لجزيرة العرب. ولكنه لو فعلها لوجد الهلاك بسبب الصحاري الواسعة، وقدرة القبائل على الاختفاء في مجاهل الصحراء وجبال الحجاز، واليمن، ثم الانقضاض فجأة على القوات اليونانية والقضاء عليها. وفي رأينا، لو أن الإسكندر فعلها لكانت الإبادة هي مصير جيشه وقادته وانهارت امبراطوريته التي كانت طور النشكيل . ولكن الله سبحانه اختار الأفضل للعرب وجزيرتهم، وللأماكن المقدسة أيضاً، فمات الإسكندر وعمره ثلاث وثلاثون سنة بعد أن حكم ثلاث عشرة سنة.

لم يكن للإسكندر ولي عهد، لأنه تأخر في زواجه، كما أن زوجه لم تنجب له ولداً إلا بعد وفاته، إذ غاب عن الدنيا وابنه جنيناً في بطن أمه. وبموته تحولت الإمبراطورية الواسعة الأرجاء إلى فريسة لقواده. وحاول أكبر وأهم قادته أنتغونس Antoghonis أن يخلف الإسكندر، إلا أن طلبه للعرش قد أثار حفيظة بقية القادة العسكريين من حوله، فأسرعوا إلى اغتياله بعد وفاة سيده الاسكندر بمدة وجيزة.

وبهذا الموت، وما تلاه من الاغتيال، انقسمت الإمبراطورية إلى ثلاثة أقسام:

1. الجزء الأوروبي وقد تولاه أنتغونس حفيد انتغونس القتيل المذكور.

2. بلاد فارس والرافدين وسوريا حتى شمال دمشق، فقد تولاها القائد سلوقس Saloqois .

3. الجزء الجنوبي من سوريا والأردن، وفلسطين ومصر فقد صارت تحت قيادة بطليموس.

ووقع الصراع العنيف بين هؤلاء القادة، كل يحاول أن يحتل ممتلكات الآخر ليكون الخلف الشرعي أو القوي للإسكندر المقدوني وكان أشد حلقات الصراع تلك التي كانت بين البطالسة أتباع بطليموس ومركزهم مصر من جهة، والسلوقيين (أتباع سلوقس) ومركزهم الشمال ( وسط الشام وشماله وفارس والرافدين ) من جهة اخرى .

أما وأن ما يهمنا من الأمر هو الأردن وتاريخه وموقعه في هذا النزاع، فإنها كانت ضمن ممالك البطالسة المصريين وقد تم العثور على خزينة بطليموس في عراق الأمير أثناء توسيع الطريق الرئيس العام عند الطور وذلك عام 1993 ، وكانت من البرونز والفضة، وبكميات كبيرة، استفاد منها السكان المحليون في حينه.

في هذا الزمن نشأت مدينة ديون ـ أيدون الحالية ـ وتم إعادة إعمار مدينة طبقة فحل، وسموها: يلاّ التي سماها أحد قادة الإسكندر نسبة إلى المدينة التي وُلد فيها الإسكندر في مقدونيا.

ورغم تغير القيادة، وانقسام ممتلكات الدولة، إلا أن السلوقيين سلكوا منهج الإسكندر في إقامة المدن اليونانية في البلاد الجديدة، وإسكان اليونانيين فيها، وقد أعادوا بناء جرش التي كانت مدينة تعود للعصور السالفة من قبل. ولكنهم أسموها أنطاكيا. وقد أدى تغيير الاسم إلى خلق الوهم لدى بعض المؤرخين في أن أحد قادة الإسكندر أنشأ جرش، ولكن الحقيقة ليست كذلك. إذ أن جرش كانت مدينة من المدن الأردنية القديمة بسبب وجود مجموعات مستقرة وخصوبة التربة وطيب المناخ وعذوبة المياه وتوفرها على مدار السنة والأعوام إلى الآن (2008).

بقيت مملكة الأنباط بعيدة عن الأذى والاحتلال والقهر اليوناني رغم أن ممالك عمون ومؤاب قد خضعت لبطليموس قائد مصر وتحولت الى حكم ذاتي . وحيث أن مصر كانت بعيدة عن البتراء، والطريق صعبة فقد سبق القائد اليوناني السلوقي على سوريا إلى التحرك إلى البتراء لإنهاء هذه الدولة وضمها، وضم ممالك الأردن قاطبة الى الإدارة اليونانية في سوريا، بدلاً من تبعيتها إلى مصر، وسكت بطليموس عن تحركات الجيش السلوقي السوري.

ففي حوالي عام 311 ق.م سيّر أنتغونس Antighonios ملك سوريا جيشاً قوامه أربعة ألاف جندي مشاة نحو البتراء العربية الأردنية يرافقهم ستمائة من الفرسان لإخضاع المملكة الاردنية النبطية وضمها إلى سوريا بدل استمرار استقلالها أو احتمال ضمها إلى البطالسة المصريين ، وبالفعل وصل أنتغونس وجيشه إلى البتراء بينما كان رجالها في احتفال خارج المدينة الصخرية الوردية , حيث قتل وسلب ونهب وانسحب، مطمئناً أن البتراء بدون رجال ولا جيش، وأنهم قوم لا يعرفون الحرب أبداً، وإنما يعرفون المال والتجارة وليس غير ذلك أبداً.وارتاحت باله ووجد انهم سيكون المالك للمملكة الاردنية النبطية بدلا من بطالمة مصر .

وبناء عليه نام القائد اليوناني قرير العين وربما استسلم للهواجس في غزو مصر من الاردن , ونام جيشه المنتصر وقد حازوا من الغنائم ما ملأ أيديهم وأحمالهم. ولكنهم كانوا يجهلون حقيقة تاريخية مهمة وهي المبدا الاردني الذي يقول : ضبع الرجال اللي ينام وهو محيوف ويشبع وهو مضيوف . ونسي ان من يتعدى على الاردن واهله عليه ان يطلق النوم طلاقا بائنا يالثلاثة لارجعة فيه . وعلى اية حال كانت المفاجأة والقائد وجيشه في هجعة الليل الساجي , عندما عاد الرجال الانباط الى مدينتهم البتراء ووجدوا الكارثة حلّت بالرجال والنساء والأطفال، فتعقبوا الجيش اليوناني حيث خيم في سبات عميق ، وإذا به نائم يعيش أحلام النصر فأعمل الأنباط بالجيش قتلاً وأبادوهم عن بكرة أبيهم , واستعادوا المنهوبات والقوا بجثثهم الى الطير والوحش وهي اتلعادة القديمة التي بقيت سائدة عند العرب وفي زمن الغزوات البدوية . ولم ينجُ من جيش انتغونس إلا خمسون جندياً، هربوا إلى ملكهم في دمشق ليخبروه بما حدث بالتفاصيل الدايمة . فما كان من الملك أنتغونس إلا أن لجأ إلى الملاطفة ريثما يجهّز جيشاً أكثر عدداً وأقوى عدّة، فأرسل كتاب تطمين ولطف للأنباط الذين لم ينخدعوا بالأمر، وأيقنوا أن هذا الملك سيهاجمهم بأسلوب آخر وقد استعدوا لذلك أفضل استعداد متوفر لديهم في حينه.

وبالفعل حدث ما كان يتوجس الأنباط منه خيفة، حيث أرس أنتغونس جيشاً من ثمانية آلاف مقاتل نصفها مشاة والنصف الآخر من الفرسان، يريد القضاء على الأنباط ووملكتهم الاردنية واحتلال عاصمتهم البتراء . وانسحب الأنباط من البتراء، حيث لم يبقى أحد منهم في المدينة سوى العجزة والشيوخ والأرامل والأطفال الذين قدموا الأموال للجيش اليوناني السوري فعاد أدراجه من حيث أتى إلى دمشق حيث لم يجد رجالا يحاربهم . وبذلك نجد أن الأنباط كانوا يتخذون من صخرية المدينة معقلاً ناجحاً في الدفاع أنفسهم، وذلك لحصانتها الطبيعية.

من جهة أخرى استمرت حركة الأعمار اليونانية في الأردن، ببناء المدن على أنقاض المدن الاردنية القديمة، وتم اختيار التلال الصخرية لإنشاء المدن الجديدة عليها، لتبقى الأرض الزراعية مصدراً للإنتاج، وفي منأى عن التدمير، وازدهرت عمان، وسميت فيلادلفيا.

ومع انتشار العمران والمدن والتوطين اليوناني في المدن المتحالفة، انتشرت اللغة اليونانية المكتوبة ايضا ، مما اضطر المغلوب أن يقلِّد الغالب، وأن يتعلموا اللغة الجديدة التي صارت إلى جانب اللغة الآرامية المكتوبة لأهالي سوريا والأردن وفلسطين، فضلاً عن اللغات المحلية لكل مملكة وكل هذه اللهجات المحلية كانت في اطار اللغة العربية ، كما تنبه اليونان إلى القضية الروحية، ونشروا عبادة آلهتهم لتكون تعزيزاً للآلهة المحلية،وتعزيزا لوحدة الشعوب تحت راية الثقافة اليونانية , وصار الناس يعبدون الآلهة اليونانية لأنها آلهة الدولة العالبة، بالإضافة إلى آلهتهم المحلية. ولم يكن لدى اليونان حرج من استخدام اللغات الآرامية والمحلية، والأديان السابقة، طالما أن لغتهم وآلهتهم قد صارت فوق سائر اللغات والأديان وطالما انه لاتوجد توجهات لمقاومتهم او التخلص منهم .

وجد اليونان في مملكة الأنباط خطراً واضحاً بسبب قدرة الانباط التجارية والإنتاجية للزراعة والرعاية، وبسبب موقعهم المحصّن، ولأنهم المشروع العربي القومي الوطني في المنطقة الذي يمكن أن يجمع الجبهة الغربية لتكون في مواجهة الرياح الغربية. وكان لا بد من عمل عدة أمور لتحجيم هذه المملكة الاردنية النبطية الفتية القوية , ولمنع قيام المملكة الاردنية الكبرى امام الدولة اليونانية الكبرى .

1. قام اليونان بدعم العمونيين لشن هجمات على الأنباط إلى الجنوب من وادي الموجب، وتوسعت عمون ربما إلى ربة مؤاب ( الربة الحالية الى الجنوب من جبل شيحان بمحافظة الكرك الحالية ) ، وبذلك حرمت الأنباط من سهول شيحان الخصبة الرطبة (آنذاك) ومنتجاتها التي تاتي بعد سهول حوران في الاهمية , وحرمتها ايضا من مقدرات نهر الموجب وحوضه ( كان نهرا انذاك ) . وصارت عمون شوكة في خاصرة الأنباط، رغم انهما كلاهما عرب واردنيون وأبناء جلدة واحدة. ولكن الأمور كانت تعتمد المصالح بالدرجة الأولى , ولان العمونيين ساروا في ركاب اليونان طمعا في الحفاظ على مملكتهم وانفسهم واعتمادا على دعم الدولة اليونانية لهم .

2. تسيير الحملات العسكرية اليونانية التي كانت تتراوح بين الفلاح Victory ( النصر ) تارة والفشل والهزيمة تارة أخرى، كما سبق وذكرنا حول حملة أنتغونس Antighonios التي تعاقب النصر فيها والهزيمة في ليلة واحدة .

استغل ملك مصر وهو بطليموس الثاني هذا الصراع الأردني/ الأردني , أي العموني / النبطي وهو يتطلع لضم الجبهة الأردنية إلى مصر، فضلاً عن مخططه للاستيلاء على طرق التجارة التي تمر برمتهاا عبر الاراضي الاردنية الواسعة في ذلك الزمن ( من تيماء والجوف ودومة الجندل ووادي السرحان الى البتراء وعمون وايلة -- وغزة ورفح التي كانت اردينة نبطية ) وحرمان تحالف المدن اليونانية بالاردن من مصدر اقتصادي هام وهو التجارة ، والسعي لذبول هذه المدن، وبالتالي تلاشيها وانهيار الجبهة الأردنية العسكرية (تحالف المدن) التي أشادها اليونان، لتسهل السيطرة عليها.فاذا ما انهارت تكون الدولة السلوقية ( في سوريا ) قد حرمت ( بضم الميم ) من جبهة هامة وموارد عسكرية واقتصادية هامة .

فعندما ارتقى بطليموس الثاني عرش مصر عام 286 ق.م. ابتدأ عصره بالحروب والفتوحات، ورأى أن يهاجم عمون الاردنية قبل أن تلتقط أنفاسها , او تلملم جراحها , لأنها الجبهة التي تحمي تحالف المدن الاردنية اليونانية العشرة ، حيث كانت فيلادلفيا ـ ربة عمون هي عاصمتها جميعا , وقد بدأت تزدهر بالبناء والحضارة واستقطاب السكان من بدو ويونان وهي قائمة على نهر ماء قوي، وفي مكان محصن، وتحيط بها سهول زراعية هائلة وخصبة من جميع الجهات ,وقريبة من نهر الزرقاء .

سلك بطليموس اسلوب الخديعة وتجاوز القلاع لكي يظنّ الأنباط، انه لن يهاجمهم حتى لايتحالفون مع العمونيين وحتى لاينهمون عداواتهم ضد بعضهم بعضا . من هنا بدأ هجومه عل العمونيين اعداء الانباط في تلك المرحلة مما اثلج صدور الانباط انه ادى المهمة نيابة عنهم فوقفوا موقف المتفرج المتشفي وهم يرون بطليموس المصري يكتسح مملكة عمون، فانسحب السلوقيون السوريون منها وابتسم الانباط لهذا النصر .

ما إن حقق بطليموس الثاني أهدافه، وقلّم أظافر عمون بضرب قوتها، وأظافر اليونانيين السلوقيين باكتساح البلاد وما فيها من تحالف المدن، حتى انفرد للمملكة الاردنية النبطية التي صار حالها يقول: لقد أُكِلْتُ يوم أُكل الثور الأبيض. فسيّر عام 280 ق.م جيشاً للاستيلاء على محطات الطريق التجاري الذي يستخدمه الأنباط ويسيطرون عليه. ولم يبدأ بالطرف الغربي منه، بل توغل في البادية والصحراء الشرقية ، واكتسح تيماء والعلا ومدائن صالح التي كانت جزءاً من ممتلكات الأنباط الأردنيين. وبذلك استولى على طريق البهارات القادمة من الجنوب، وصار لدولته مصدر دخل يفوق أية أتاوة يمكن أن تدفعها أية مملكة أخرى في الديار الأردنية.وصارت خسارة الانباط اضعاف اضعاف اية خسارة يمكن ان تتاتى لهم من دعمهم لابناء عمهم العمونيين , ولكن سبق السيف العذل .

كان لهذه الضربة اليونانية المصرية الموجهة الى شريان الحياة النبطي أثرا قاتلا على الأنباط الذين فقدوا المورد الرئيس في تغذية مواردهم وهو الخط التجاري، وصار همهم ( الانباط ) الآن هو الحفاظ على البتراء العاصمة والحيلولة دون سقوطها في أيدي قوات بطليموس الثاني اليونان المصري التي كانت تتقدم إليهم من محور الجبهة الشرقية بعد اكتساح المواقع المذكورة أعلاه. ورغم انحطاط معنويات الأنباط وقتلهم اقتصادياً بهذه الحملات البطليموسية المصرية . إلا أنهم صاروا أمام مبدأ: نكون أو لا نكون وعضوا على مصيرهم بالنواجذ , وقرعوا سن الندم ان تخلواعن مملكة عمون لسنابك خيل بطليموس لتاتي حوافها وتدوسهم , وهذا شان كل من يتخاذل عن مساندة ابن وطنه وقت المحن . واستنفروا صغيراً وكبيراً، ملكاً ورعية للدفاع عن عاصمة بلادهم وبالفعل ابتسم لهم الحظ وقد تقدمهم الملك نغسه مقدما روحه للدفاع عن شعبه وملكته وعاصمة ملكه , واستطاعوا صد بطليموس، وبذلك سجّلوا انتصارا على قوة تفوقهم عددا وعدة ً، رغم أنهم لم يتواجهوا في معركة أرضية.

صار الأنباط يفتخرون بنصريهم : النصر الاول على جيش أنتغونس السلوقي اليوناني القادم من سوريا عام 311 ق.م، والثاني انتصارهم الأخير على بطليموس الثاني عام 286 ق . م أي بعد ربع قرن من الانتصار الأول. مما حوّل الأنباط إلى كابوس حقيقي ليس للمصريين فحسب، وإنما للعمونيين والسلوقيين أيضاً, اي كابوس لاطراف العداوة الذين لايتفقون الا على محاربة الانباط والقضاء على مملكتهم .

الاردن النبطية منطقة محايدة

كانت سياسة ملوك الأنباط حكيمة، ووجدوا أن ليس من مصلحتهم معاداة العدوين اللدودين لبعضهما البطالسة والسلوقيين, مما قد يوحدهما ضد الانباط الذين وجدوا ضرورة استغلال هذه العداوة بين حكام مصر وحكام سوريا واذكاء مزيد من نار الفتنة بينمها , والاستفادة منها بأقصى ما يمكن أن تكون الاستفادة. وبالفعل نجحت هذه السياسة النبطية وصار الأنباط يلعبون على الطرفين وتحوّلوا إلى منطقة محايدة أو مملكة اردنية محايدة مستعدة لخدمة الطرفين اقتصادياً من خلال التجارة والإنتاج، وأيضاً عدم السماح بأية نشاطات على أراضيها تكون معادية للمصريين أو السوريين، وعدم شنّ هجمات نبطية على أيٍّ من ممتلكات الدولتين. ورضي البطالمة والسلوقيون بهذا الحل. وسمح الأنباط للثقافة واللغة اليونانية بالدخول إلى بلادهم، مثلما سمح اليونان المصريون والسوريون بدخول التجارة والإنتاج النبطي إلى بلدانهم .وبذلك تحقق مبدا تبادل المصالح بدل تبادل المعارك .

كانت هذه السياسة الملكية الاردنية النبطية ناجحة، وانتعشت البتراء ومملكتها مرة أخرى واسترجعوا مكانتهم الاقتصادية، ووسّعوا نفوذهم بصمت وهدوء، وبدون إثارة العملاقين من حولهما. وامتدوا إلى بصرى والجولان شمالاً. وإلى جنوب فلسطين غربا ، تحت غطاء التجارة وبدون قوات عسكرية قد تغير موقف السوريين أو المصريين تجاهم من مودة الى عداوة , وبخاصة انهما رايا أن تمدد الأنباط يخدم كليهما لأنه ليس تمدّداً لأحد من الدولتين ولا ضد اي من الدولتين ، وأن دولة الانباط يمكن سحقها في أي وقت،لانها ليست دولة عسكرية بل اقتصادية فقط , وأنها مهما توسعت فهي ضيقة مقارنة مع ماهي عليه سوريا ومصر من السعة وقوة الدولة والموارد ، ومهما ازدهرت فهي أقل مواردا مما في الدولتين الشمالية والجنوبية ـ أي السورية والمصرية . ومهما كانت دولة الانباط الاردنية قوية، فليس لديها قوات عسكرية تستطيع مواجهة أي من الجيشين السوري والمصري. لذا كان الرضا البطلمي Batliomios والسلوقي حاصلاً على هذا التوسع في الأرض والبناء والتجارة وكل يعتبر الأنباط حليفه. بل إن المملكة الاردنية النبطية تحولت إلى نقطة تداخل الدائرتين الشمالية والجنوبية، ومحسوبة على كل منهما وليست ضد اي منهما .

هدأت الأمور إذن بعد عام 280 ق . م . على أن شرق الأردن من اليرموك حتى العقبة صار تابعاً لدولة البطالمة المصرية إلا أن هذا الأمر لم يدم لأكثر من اثنين وستين عاماً، حيث سار انتيوخس Antiokhios الثالث على رأس حملة عسكرية لاستعادة الأراضي الأردنية إلى هيمنة السلوقيين السوريين ، وطرد البطالمة المصريين من البلاد . واستطاع انتيوخس هذا أن يكتسح شمال الأردن فعلا , حيث سيطر تحديداً على جدارا (أم قيس) Gadara واستعاد إبلا Ibla (أي طبقة فحل) ولكنه فشل في استعادة فيلادلفيا ( عمان ) نظرا لما كانت عليه من التحصين. فلجأ إلى قطع المياه عنها، مما أدى إلى استسلامها بفضل مساعدة الأنباط للقوات السورية وانضمامهم إلى انتيوخس، إلا أن بطليموس شنّ حملة عسكرية عنيفة وواسعة وقوية في العام التالي أي 217 ق.م واستعاد فيلادلفيا وشمال الأردن، وبقيت البلاد في قبضته حتى عام 202 ق.م ( اي مدة خمسة عشر عاما ) حيث غزاها انتيوخس الثالث واحتلها لمدة سنة واحدة فقط.

إزاء هذا التداول في الاحتلال والتحرير، والقتال، والتدمير والتعمير او محاولة التعمير , كان لا بد من الوصول إلى حل بين الملكين المصري والسوري، حيث انعقد الصلح بينهما عام 197 ق.م احتفظ انتيوخس بموجبه بسوريا وفلسطين، واحتفظ بطليموس بمصر، وصارت الأردن منطقة محايدة Buffer Zone / Neutralized Zone واقتصر التدخل بالاردن على الأمور التجارية والزراعية والثقافية , كما أنه لم تكن توجد ممالك اردنية قوية يمكن أن تشكل خطراً في حينه على الدولتين. وقد كانت هذه سياسة حكيمة من الملكين في جعل الأردن منطقة ملاذ أمن للطرفين مع تحريم أية تحركات عسكرية لأي طرف في هذه البلاد، وترك الحرية لأهلها من الحضر والبدو أن يعيشوا بحرية مع استمرار دفع السلوقيين السوريين للأتاوة للبدو لحماية مصالحهم في مدن التحالف العشرة.وبذلك خرج الاردنيون عامة والانباط خاصة بنتائج مبهرة وممتازة من هذا الاتفاق بين الاطراف المختلفة وعادت الالفة بين عمون والانباط , وصارت العلاقة مع البدو هادئة وودودة .

أدى الاتفاق بانتزاع بؤرة الصراع من الأردن إلى أن أصبحت ملاذاً آمناً كما قلنا، وأن الصراع على الارض الاردنية تحول إلى صراع سياسي اردني داخلي وليس إلى عسكري مسلح. حيث حدث خلاف بين أمراء المملكة العمونية، فلجأ أحد هؤلاء الأمراء وهو هيركاتوس ( عربي عموني باسم يوناني كما سبق وشرحنا) إلى عراق الأمير غربي ربة عمون بحوالي ثلاثين كيلو مترا ، وأنشأ إمارة صغيرة كان مقرها المغائر في طور العراق المذكور ، ثم بنى مدينة حولها لاتزال اساستها قائمة الى الان , ثم أنشأ قصراً فريداً من نوعه في العالم، حيث تتألف جدرانه من حجارة يصل حجم بعضها إلى ثمانية أمتار × أربعة أمتار للحجر الواحد. تم اقتطاعها من الجانب الغربي لموقع القصر في سفح الجبل المشرف على المنطقة والمسمى إلى الآن منطقة الهدم او المقطع , وذلك أن استخراج الحجارة منها قد أزالت الطبقة الصخرية العليا مما عرّض التربة الحورية للانهيار والانزلاق الذي يسميه السكان المحليون: الهدم، أي أنها مهدومة وصارت في وضع مغاير لما كانت عليه أصلاً في طبيعتها.واما القطع فلانه تم قطع الحجارة من ذلك المكان .

يقول العديد من الكتاب أن هيركاتوس أمير يهودي معتمدين بذلك على إسرائيليات تنسب كل مجد وعبقرية لهم، ضمن مخطط للادعاء بأن هذه الأراضي إسرائيلية أو يهودية. ولم تعثر الحفريات إلى الآن على أية عملة أو نقود إسرائيلية في منطقة عراق الامير وما حولها ، وإنما على أموال زمن عهد بطليموس كما سبق وقلنا. فضلاً عن العثور على ذهب روماني يعود للعصر الروماني الذي جاء فيما بعد

لقد سبق وقلنا أن أمراء الأردن وملوكها صاروا يتخذون اسمين في العصر اليوناني وذلك كجزء منصراع البقاء واستمرار الحياة بتطبيق قانون الدولة الغازية وهي اليونان لموادعتها , وتطبيق قانونهم الخاص بهم داخل المملكة الصغيرة , فصار للملوك والكبقة المتقدمة بخاصة اسمان هما : الاسم العربي، والاسم اليوناني، مثل: ملكانوس عن الملك النبطي مالك الثاني. ومعروف أن إضافة الواو والسين إلى الكلمة موجود في اللغة اليونانية. لذا فإن اسم هيركاتوس هو اسم يوناني. وأما الاسم العربي العموني فلا نعرفه، لأنه استخدم الاسم الرسمي الشائع آنذاك. وقد ذكر بعض الكتاب أن هيركاتوس كان أميراً يهودياً من مملكة يهوذا في فلسطين وأنه ذهب إلى مصر، وأنه اختلف مع أهله فهاجر إلى الأردن. وهي رواية نرى أنها غير صحيحة، لأنه لا يوجد ما يثبتها. كما أن رأينا لا يوجد ما يدحضه، حتى ولو كان (أي رأينا) بدون دليل سوى التحليل والدقة في التقصي . ومثلما يطلبون الدليل منا، نطلب منهم دليلاً مستقلاً غير مأخوذ من المصادر الإسرائيلية.

ونحن قد رأينا أن فلسطين (بمن فيها مملكة يهوذا) كانت تحت سيطرة السلوقيين السوريين، وأن ذهاب هيركاتوس من فلسطين إلى مصر سيعني أنه غيّر ولاءه من السلاجقة الى البطالمة , مما يستوجب قتله ، وبالتالي فإنه لن يجازف بذلك، كما كنا رأينا أن الأردن صارت منطقة محايدة، ولن يسمح السوريون بتأسيس إمارة ولاء أميرها للبطالمة المصريين مما قد يشكل حامية عسكرية تهدد مملكة عمون ذات التحالف مع الطرفين. كما أن المعاهدة لم تسمح بتأليف إمارات تابعة لأي من الطرفين في الأراضي الأردنية.فلو كان يهوديا لكان ذلك اختراق للمعاهدة ولاستوجب الهجوم السلوقي السوري بكل تاكيد ولاشتعلت حرب بين المملكتين وراحت عمون فرق عملة بين القوتين الاعظم انذاك .

ونحن نرى أن هيركاتوس هو أمير عموني انشق عن أسرته وأقطع له البلاط الملكي العموني منطقة عراق الأمير للعيش هناك، حيث لا توجد مساحة ولا مكانات ولا سكان يمكن أن يشكلوا خطراً على العرش العموني. كما أن الملك لم يطلب من سوريا أو مصر قمع هذا الأمير. ولو كان متمرّداً على ملك يهوذا لأوغروا عليه صدر البطالمة والسلوقيين وحالوا دون تأسيس هذه الإمارة الصغيرة.

نحن نرى أن هذه التي في عراق الامير لم تكن إمارة ولا دولة ولا انفصالية عن مملكة عمون ، وإنما مزرعة لهذا الأمير العومني بدعم من الملك العموني تفسه ، حيث أن الموقع ساقط استراتيجياً، بسبب سهولة محاصرته ومنع الإمدادات عنه ، حيث أن الموقع في حضن الجبل من الجهات الغربية والشمالية والجنوبية، أما من الشرق فيحده سيل عراق الامير الذي يتخذ من الوادي الحاد الجوانب مسيلاً له. كما أن الآثار منتشرة على مدى عدة كيلو مترات مربعة في المكان مما يدل على أنه وفي أحسن حال أن هيركاتوس العموني كان أميراً أو حاكماً لمنطقة عراق الأمير، وأنه كان تابعاً للملك العموني.

لقد كان الحقد اليوناني والعموني على اليهود يمنعان من إقامة إمارة أو دولة يهودية في مملكة عمون العدو اللدود لمملكة يهوذا. وبالفعل ما إن تسلّم انتيوخس الرابع السلوقي السوري سدّة الحكم، حتى أعلن كرهه لليهود واضطهاده لهم. فحرمهم من الختان، ومن أداء شعائرهم الدينية وأحرق كتبهم الدينية، وأبطل شعائرهم، وأرغمهم على انتهاك حرمة يوم السبت المقدس لديهم، وأجبرهم على أكل لحم الخنزير المحرم أكله في شريعتهم .

لم تكن مملكة اليهود في القدس حرة في التصرف كما قد يتصور البعض , حيث كان عرشها صوريا وكانت كما هو شان الممالك الاردنية تتمتع بقدر متدني من الحكم الذاتي , وخاضعة للمندوب السامي اليوناني السوري حيث كان أبولينياس حاكماً للقدس فوق الملك اليهودي، ولا يمكن له أن يسمح لهيركاتوس لو كان يهودياً من القدس ( كما تقول الروايات ) أن يذهب وأخاه إلى الإسكندرية، وأن يتناول مادبة العشاء على مائدة الملك المصر العدواللدود للملك السوري , وأن يأخذ الأموال يدون علم الحاكم اليوناني الأعلى ( المندوب السامي اليوناني ) في قلسطين . وبذلك نرى أن هيركاتوس ليس من مملكة اليهود تحت أي ظرف من الظروف , وليس يهوديا بل عربيا عمونيا اردنيا يحمل الاسم اليوناني وهو ماكان سائدا في تلك الحقية . اننا نؤكد هنا ان هيركانوس كان اميرا مهما في مملكة عمون الاردنية العربية ومن الاسرة الحاكمة ، وأمر الملك بإقطاعه هذه المنطقة لحلّ إشكال كبير لديه في مؤسسته العرش بين الأمراء , بدون قتال بينهم .ويبدو انه نافس الملك على العرش او طالب بولاية العهد ثم توصل الطرفان الى حل يسمح له بتملك اقطاعية على نهر جاري / نهر عراق الامير , وتربة خصبة ومنظقة حصينة على الاعدعء لكنها ليست حصينة او عصية على مملكة عمون .

ورغم أن الحاكم السوري للقدس المندوب السامي اليوناني أبولينياس كان منفذاً أميناً لسياسة سيّده انتيوخس، فإنه كان على حذر وخشية من ثورة اليهود، كما هي عادتهم ( اليهود ) في الثورات ضد السلطات المحتلة المتعاقبة . وبالفعل وقع المحذور حيث اعلن اليهود ثورتهم ضد اليونانيين , والتي قادها ملكهم اليهودي حيث قتل عمال الملك السلوقي السوري اليوناني واعتصم الملك الثائر وأولاده في الجبل , وعندما لقي حتفه خلفه ولده يهوذا الذي كان المخلص الحقيقي لشعبه من الاضطهاد اليوناني , والمتفهم لسياسة والده في هذا الاطار , حيث تمكن بقوة قليلة أن يقهر الجيوش اليونانية التي أُرسلت لمطاردته. حتى إذا ما حلّ عام 167 ق.م اندحر أبولينياس/ اليوناني السوري , ولقي حتفه عام 166 ق.م، فتقدم جيش يوناني آخر لإنقاذ الموقف لكنه تجرّع الهزيمة ايضا على يد جيش يهوذا ايضا كسلفه ابولينياس .

أرسل أنتيوخس جيشاً ثالثا عام 165 ق.م قوامه أربعون ألفاً من المشاة وسبعة آلاف فارس، وحملات أخرى، باءت كلها بالفشل، والت النتائج بالنصر ليهوذا، وبذلك خلّص القدس من الوجود اليوناني، ولكن إلى حين. ومن حسن طالع يهوذا أن عدوّه المتربّص به أنتيوخس قد مات عام 164 قهراً وربما انتحارا , لما لحقه من هزائم على يد قوة يهودية أقل منه عدداً وعدة، مما كشف جبهته الجنوبية للبطالمة في مصر، وصار عرشه السوري مهزوزا مهدداً في عقر داره دمشق ، وقد يتحول من ملك على العرش إلى أسير في الأغلال وراء القضبان في أية لحظة . حقاً لقد كانت مأساة بالنسبة له، وكانت الهزائم المتلاحقة ضده قد أقنعته أنه انتهى كملك، وقد تقوم ضده ثورة داخلية في أية لحظة، وهذا بحد ذاته أفضى به إلى الموت قهراً او انتحارا او تصفية على ايدي قادته الذين راوا فيه وجه شؤم على البلاد والجيش والدولة وهيبتها ومكانتها . لقد كان سوء الطالع قد افضى به الى ماهو خارج معادلات القوة . فالحظ احيانا اهم من القوة بكثير , وهذا ماكان من امر انتيوخس . لقد مات ( او انتحر او قتل ) قهرا لانه شعر بالاهانة والذلة وكان حظه عاثرا بينما ابتسم الحظ ليهوذا الذي وجد نفسه رمزا قوميا لليهود ومخلصا لهم من دولة السلوقيين . .

مملكة يهوذا وصراعها مع الاردنيين

وبموت الملك السلوقي انتيوخس عام 164 ق.م كما قلنا، خلا الجو في ليهوذا في فلسطين , حيث امتدت طموحاته إلى ماوراء نهر اردن محاولا نامين جبهته الشرقية بالامن والموارد والتجارة , فتطلع الى مملكة الأنباط في جنوب الأردن، فسيّر حملة إلى اراضيها الممتدة في جنوب فلسطين وجنوب الأردن حيث يهيمن الأنباط , وصادف قوة عربية نبطية في وادي عربة وهزمها فتفرقت فى القفار والاوعار . وبناءا عليه صارت الطريق مفتوحة امامه إلى بقية بلاد شرق الأردن، وكان الموقع الأهم بالنسبة له، هو مملكة عمون باعتبارها قبالة القدس حيث عاصمته , ولانها تقع على موقع استراتيجي وهي مصدر انتاج الحبوب بانواعها والعسل والزعتر والمواشي ومنتجات الالبان وهي المنتجات التي بقيت منطفة البلقاء مشهورة بها منذ اقدم العصور الى اواخر العصر العباسي . وبالفعل استطاع يهوذا أن يدمّر الفيلق الاردني العموني في معركة أم جوزة (جازر) إلى الشمال الشرقي من السلط. وهنا نتوقف لحظة لنجد أن ملك عمون آنذاك أو قائد جيشها يسمى ثيوسيوس Thiosois وهو عربي عموني واسمه يوناني، وهذا يعيدنا إلى اسم هيركاتوس العربي العموني الذي حمل اسماً يونانياً كما سبق وذكرنا

في أعقاب معركة أم جوزة ( جازر ) ، حدث ما لم يكن في حسبان يهوذا، إذ ثار ضده سكان جلعاد العمونيون الاردنيون العرب في تحرك عام في صراعهم من اجل البقاء ، وشنوا حربا ومقاومة شعبية ضده وضد جيشه ،ولم يكن من بينهم من قبل على نفسه العمالة له ولليهود بل تحولوا جميعا الى جيش وطني مقاوم مقاتل ذكورهم واناثهم وكبيرهم وصغيرهم , لان اية هيمنة ليهوذا ستعني ابادتهم وقتل اطفالهم وسبي نسائهم وهو ماكان يمارسه اليهود ضد الاخرين دائما . الأمر الذي أعاد للملك العموني أنفاسه، فأعاد تنظيم قواته مرة أخرى . وعندما التقت الارادة وتحول الجميع الى همة رجل واحد قيض الله لهم النصر , واستطاع الملك العموني الاردني وشعبه يهزموا يهوذا وجيشه الذي كان يعتبر نفسه انه لايقهر . وفي الوقت الذي ايقن الملك العموني الاردني أنه قد حقق ما كان يصبو إليه وتنفس الصعداء أن يهوذا لن تقوم لها قائمة على المدى المنظور.راح يهوذا يخطط بطريقة مختلفة لاستيعاب الهزيمة تحويلها الى نصر له .

اعتمد يهوذا عنصر المفاجأة وسرعة الحركة، حيث عاد من فلسطين على راس ثمانية آلاف مقاتل، فمرّ بجلعاد وأخضعها وانتقم منها , حيث وجدها خالية من الجيش العموني واخذها على حين غرة من اهلها , الذين لم يتوصروا ان يهوذا سيعود بهذه الرسعة . فقل يهوذا بعد ذلك راجعا إلى بصرى حوران مزهوا بالنصر على شعب اعزل , حيث افتتحها ثم إلى الحرّة شمال الأردن حيث كان الملك العموني معسكراً يبحث عن الصيد والمتعة ( وشعبه في جلعاد قد اصابهم مااصابهم ) بعد ان اعتقد ان يهوذا قد ولى فرارا الى غير رجعة , ولم يكن ملك عمون يتوقع ملاحقة يهوذا له في اعماق البرية تلك وهنا هرب العموني وجيشه وبدلا من اصطيادهم للغزلان والحباري صاروا هم مادة الصيد لجيش يهوذا , وتفرقوا في البلاد امام الهجوم اليهودي المباغت ، ولحقهم يهوذا وجيشه وفتك بملك عمون المذكور وجيشه . عاد يهوذا منتصراً عن طريق وادي نهر اليرموك. ومع هذا لم يثبت في الأماكن التي اكتسحها، وانما كانت حركته عبارة عن اجتياح عسكري مؤقت، لتأديب العمونيين وتدمير قوتهم وفرض هيبة المملكة اليهودية علىبلاد شرق الاردن , ليس إلا.

وقد أدت هذه الحملة اليهودية وتصرفات يهوذا إلى إثارة ملك سلوقيا في سوريا الذي أرسل جيشاً وحركه نحو القدس قوامه مائة ألف من المشاة وعشرين ألفاً من الفرسان. ووصل الجيش إلى القدس وحاصرها، وصارت مملكة يهوذا في وضع حرج، حتى إذا ماكادت تنهار او تستسلم ، وتلقى الإبادة بالسيف، وصل خبر إلى القائد اليوناني مفاده أن الاضطرابات في سوريا قد اشتعلت، وخصوصاً في أنطاكيا. مما اضطر معه أن يقوم القائد اليوناني بعقد الصلح مع الملك يهوذا، وأن يعود الى وطنه , ليرسل جيشاً آخر في عام 161 ق.م، ولكنه لم يذهب لفلسطين وإنما إلى شرق الأردن حيث قام بذبح عدد كبير جداً من اليهود الذين كانوا التجأوا من بصرى والقدس إلى إبيلا في مشارف الغور الشمالي وهي طبقة فحل Abella .

لم يكن يهوذا بالمستوى الذي يحشد جيشاً لمجابهة الجيش السوري السلوقي، ومع هذا قرر الهجوم على المحتلين مهما كانت النتيجة. وبالفعل كان عمله هذا انتحاراً سياسياً وعسكرياً أدى إلى هلاكه، مما أدى إلى سيادة الأمن والسلام على شرق الأردن حتى عام 103 ق.م، حيث عاد إلى الواجهة والساحة الصراع القديم بين مملكة يهوذا والممالك الأردنية.

خلف إسكندر جانوس والده يهوذا على عرش مملكة يهوذا بالقدس , فكانت فاتحة أعمال جانوس الهجوم على مدينة جدارا (أم قيس) الاردنية , وحاصرها عشرة أشهر ثم دخلها وهدمها، ثم سار إلى بلدة أماثيوس Amathios البلدة المنيعة في شمال غور الأردن، حيث تغلب عليها ودخلها، واشتبك في معركة مع جيش موحد من الجلعاديين العمونيين والمؤابيين، وانتصر عليهم، ومع هذا كانت قواه خائرة جداً، فالتقى مع قبيلة بدوية وهم العبابيد،ولم ياخذهم بعين الاعتبار , الا ان ظهورهم المفاجيء من بين الغابات انذاك ,وانقضاضهم على جيشه المنهك , جعل المعركة مصيرية حقا وحامية الوطيس , بل معركة وجود او عدم وجود لكليهما . ولم ينفع الاسكندر اليهودي تقليله من شان قبيلة العبابيد البدوية هذه , مما كان له اكبر الأثر على الملك اليهودي وجيشه , واستطاع شيخ البدو العبابيد من النصر على الملك الإسكندر بن يهوذا في مكان يدعى هيرموكس وهو موقع معركة اليرموك الذي انتصر فيها العرب المسلمون على الروم بعد سبعمائة سنة ونيف . انه موقع ينتصر فيه العرب على اعدائهم من غير العرب ففي المعركة الأولى عام 103 ق.م انتصر شيخ البدو العبابيد على اليهود الذين كانوا في قمة غرورهم بعد انتصارهم على الجلعاديين العمونيين والباشانيين والمؤابيين، وبعد أن صار إسكندر مصدر رعب للاردنيين جميعا في هذه الديار من اقصلا شمالها الى اقصى جنوبها , وبعد ان صار يتبجح انه صاحب الجيش الذي لايقهر وهي الاكذوبة التي بقي الاسرائيليون يرددونها الى يومنا هذا . إلا أن قانون الأردن قائم دائماً على مبدأ: الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة من غير اهله ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين ) .

وفي راينا ان الامر في هذا النصر كان لجذام والتي كانت عباد ولا زالت جزءا منها . كانت قبيلة جذام الاردنية العربية تمتد انذاك في الاردن من العلا الى هضبة الجولان , وقد تعاقب على زعامتها كثير من بطونها كما سنرى في معرض الحديث عن العشائر . ويبدو لي ان زعامتهم كانت في العبابيد في تلك الحقبة من التاريخ , وكانت الممالك الاردنية تحوي مواطنين جذاميين في سائر ربوع الوطن , حيث قام الملك اليهودي اسكندر بقتل العديد منهم مما جعل القبيلة برمتها تتجمع وتلحق بالجيش اليهودي الى الشمال وان تنتظر الى اللحظات التي امتزج فيها غرور النصر مع الارهاق بعد المعارك الطاحنة مقرونة بانشغال اليهود في نهب الغنائم وتوزيعها . يبدو ان انقضاض العبابيد الجذاميين على الجيش اليهودي الذي لايقهر كان في مثل هذه المعطيات . وعندما عجزت جيوش الممالك من الفتك بالملك اليهودي , تبدلت المعادلات والحسابات الجديدة بانقضاض العبابيد وجذام على القوات اليهودية المنتصرة .والحقت بالاسكندر بن يهوذا شر الهزيمة .

ومع هذا أعاد الاسكندر ترتيب قواته، وجنّد أعداداً جديدة. وخاض حرباً مع الأردنيين، استمرت من 84 ق.م ـ إلى عام 81 ق.م حيث استولى على أيدون وما حولها، وجراسا (جرش)، حتى إذا ما مات عام 78 ق.م كانت جلعاد (من نهر اليرموك إلى وادي شعيب، وعمون ومؤاب كلها تحت سيطرته) وأعاد بناء قلعة ماخيروس (مكاور) بجوار مادبا لتكون مخفراً متقدماً يحول دون غزو الأنباط على الديار التي افتتحها.

لا بد من أسباب كانت كامنة وراء تطلعات إسكندر بن يهوذا في السيطرة على الأردن منها:

1. زوال قوة التأثير المصري والسوري في الأحداث الأردنية، وتركوا الممالك الأردنية إلى قدرها، ولأي قائد قد يجتاحها او قد يظهر منها .

2. وكذلك كان أن المملكة اليهودية في القدس لا يهدأ لها بال إلا بتأمين جبهة الأردن.

3. وكذلك كان الثأر من العمونيين الذين لم يتوانوا في قتل اليهود من قبل.

4. إن النصر الذي حققته القبيلة البدوية / جذام / عباد ضد اليهود في ارض هيرموكس / اليرموك الحالية صار عقدة لدى اليهود ووجدوا ألا مفرّ من الثأر.

5. وكذلك كان أن الإسكندر بن يهوذا وجد ضعفاً في الممالك الأردنية، وقوة لديه.

6. انتشار القلاقل والفتن في سوريا وضعف الملك السلوقي في دمشق.

7. طمع بطليموس المصري في ضم الأردن إلى مملكته متجاوزاً بذلك اتفاق عام 197 ق.م.


الانباط مشروع وطني اردني سياسي

أمام ذلك صار أبناء شرق الأردن ينظرون إلى الأنباط أنهم المشروع الوطني الأفضل والأمثل الذي سيشكل لهم حماية من بطش المملكة اليهودية وغيرها . لذلك كان من السهل على الأنباط أن يتمددوا في الأردن حيث وجدوا ترحيباً شعبياً ورسمياً وافضلية على اليهود. وهنا برزت أسماء الملوك الأنباط، وصاروا معروفين جيداً لدى شعوب الممالك الأردنية من اليرموك إلى العلاء. وقد برز من الملوك بعد هذا التاريخ التالية أسماؤهم:

1. الحارث (واسمه اليوناني فيلهلن) (95 ـ 50 ق.م).

2. مالك (واسمه اليوناني مالكوم) (50 ـ 28 ق.م).

3. عبادة (28 ـ 7 ق.م).

4. الحارث الثاني (واسمه اليوناني فلوديموس) (7 ق.م ـ 40 ب.م) وهو الذي تزوجت ابنته من هيرودس أنتيباس وخانها وخلعته .( وهيرودس اصلا ادومي عربي اردني اعتنق اليهودية كما قلنا سابقا )

5. مالك (40 ـ 75 ب.م).

6. وايل (75 ـ 106 ب.م).

أما من حيث تمتعهم ومملكتهم بالاستقلال والتبعية، فقد لعب هؤلاء الملوك دوراً هاماً في بناء مملكتهم، واستطاعوا حفظ توازنهم في علاقاتهم مع المصريين والسوريين، حيث استغلوا الصراع بين الطرفين أفضل استغلال كما اشرنا اعلاه .

ولكن قدوم القائد الروماني بومبي عام 64 ق.م قد قلب المعادلات راسا على عقب , فبعد قرون من الفهم والتفاهم النبطي مع اليونان، جاءت دولة أخرى تحلّ محلّ اليونانيين، وهي دولة روما، ذات الثقافة والديانة واللغة والأهداف والوسائل المختلفة في التعامل مع الشعوب. كان الحكم لدى اليونان وراثي كما رأينا في اسرة الرجل الواحد الاب الى الابن الى الحفيد وكان في خط الذكور وليس في الاناث او خط الاناث ، حيث أن أبناء واحفاد أنتخيوس قد واصلوا الجلوس على عرش سوريا، وكذلك شان أبناء بطليموس واحفاده في التعاقب على عرش مصر. حيث كان النظام مؤسسياً قائماً على السياسة ومؤسسة العرش الوراثية في الدولة.

أما لدى الرومان فالأمر مختلف تماماً، حيث أن المجال مفتوح لأي قائد عسكري شجاع يؤيده الجيش أو مجلس الشيوخ أن يصير إمبراطورياً سواء أكان عربياً أم رومانياً أو مهما كان أصله. وأن الإمبراطور العربي الحوراني الذي كان احد رعايا مملكة باشان الاردنية وهو : كراكلا أكبر مثال على ذلك كما سنرى عند الحديث عن الرومان . ورغم الاحتلال العسكري الروماني للأردن إلا أن الثقافة اليونانية ونظام المدن العشرة بقي قائماً، لأنه كان يؤدي مهمات هائلة في رفد موارد الدولة، وحماية أمنها والتعامل مع بدو الصحراء الذين كانت هذه المدن خطاً متقدماً لحماية الإمبراطورية غرباً من الموجات الشرقية البدوية وغيرها.

أقول تقدم يومبي عام 64 ق.م على رأس الجيش الروماني باتجاه سوريا، ولكن الهيمنة الحقيقية للرومان على الأنباط لم تكتمل الا عام 106م زمن الإمبراطور هدريان: ولم يكن هذا التقدم الروماني سريعاً بل بطيئاً استمر من عام 64 ق.م إلى 106م أي حوالي مائة وسبعين عاماً، بقيت مملكة الأنباط الأردنية العربية خلالها مزدهرة، وتتعامل مع القوى السياسية بذكاء وبراعة.

لقد كان الصراع بين البطالمة المصريين، والسلوقيين السوريين، إلا أن الرومان بدأوا بالدخول إلى سوريا سعياً للسيطرة على سهول حوران التي صارت مخزن روما للحبوب، والتي إكراماً لأهميتها وخطورتها صار منها الإمبراطور كراكلا (لا أعرف اسمه العربي)، حيث أن ذلك ساعد في سهولة السيطرة على سوريا والأردن وفلسطين باعتبار أن الإمبراطور من هذه الديار، وبالتالي كانت العواطف القومية العربية مهمة في قبول الرومان كقوى بديلة عن اليونان . ومع هذا بقيت الثقافة اليونانية قائمة في المنطقة على مدى خمسة قرون , حتى انحسرت الدولة الرومانية على أيدي القوات الإسلامية زمن سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

إلا أن عامل الهدم والتخريب في الأردن في هذه الفترة الانتقالية كان على أيدي اليهود الذين عملوا تدميراً وهدماً لأية مدينة أردنية تقع تحت قبضتهم، بما فيها المدن العشرة، وصار اليهود ينهبون الأردن بحجة الحفاظ على حدودهم الشرقية، وبحجة تحقيق الأمن لرعاياهم، وهي العقيدة الأمنية ذاتها التي تنادي بها إسرائيل في العصر الحديث.

ولم يقتصر النهب والسلب على اليهود، بل إن بدو الصحراء تقدموا من هذه المراكز العمرانية والحقول والزراعة وصاروا ينهبون ويسلبون في غياب الأعطيات السنوية لهم. وفي خضم هذه الفوضى على أيدي البدو من الشرق، واليهود من الغرب تلاشت الممالك الاردنية الهرمة العجوز بعد أكثر من ألف سنة من البقاء والاستمرار، مثل مملكة عمون، ومملكة مؤاب، حيث أصبحت عمون جزءاً من تحالف المدن العشرة، وصارت مؤاب جزءاً من المملكة النبطية.

وبمعنى آخر، فإن هذه الفوضى التي كانت رياح الشؤم على عمون ومؤاب، كانت بالمقابل رياح السّعد على الأنباط الذين كانوا المستفيد الوحيد من هذه الفوضى، وتداعت إلى مملكتهم العشائر التي كانت ضمن اهالي عمون ومؤاب بعد أن شعروا ( العشائر ) بخطر فقدان الأمن من الشرق والغرب على حدٍّ سواء , وراحوا يبحثون عنه في كنف العرش النبطي وصاروا انباطا . وعندما وصل بومبي الروماني عام 64 ق.م إلى سوريا، كانت هيمنة الأنباط قد امتدت على شرق الأردن وسيطرت على دمشق وباديتها ، وتجاوزت المملكة اليونانية السلوقية السورية التي كانت عجوزا هرمة بلغت سن الياس المطلق من ارذل العمر . وبمعنى آخر فإن وجود الأنباط قد أزال سلفاً من وجه يومبي القائد الروماني كلاً من مملكتي مؤاب وعمون، كما مملكة السلوقيين في دمشق.

سيطر الأنباط على بادية شرق الأردن وبنوا مدينة أم الجمال، وصارت الحرة في البادية الشمالية، وجبل الدروز وبصرى وحوران ضمن ممتلكاتهم، بل إن الأنباط وجدوها فرصة قبل قدوم بومبي للتحالف مع الفرس لضرب المملكة اليهودية الهزيلة في القدس التي كان يجلس على عرشها عدوهم اللدود الإسكندر جانوس بن يهوذا السالف الذكر . وبالفعل تحرك الجيش النبطي إلى القدس وحاصر الإسكندر، إلا أنه رفع الحصار بوساطة وتدخل من بومبي الروماني، فانسحب الملك النبطي الحارث الثاني إلى مغادرة القدس وعاد إلى بلاده في البتراء.

لقد كان الصراع آنذاك صراع القوة والوحشية في آن واحد، فلم تكن هذه الشعوب تدين بدين سماوي، بل بأديان وثنيّة صنعها كهنة كل شعب وجعلوا منها وهما إلهيّا ليس له أساس مادي أصلاً، وملموس سوى نقش على حجر اسمه الصنم ويقولون وهماً انه إله.

كان الأنباط شعب تجاري زراعي رعوي من الطراز الأول، وكان اليونانيون شعب صاحب حضارة وثقافة، وقد استفادت الأردن من فترات الأمن والحيادية التي كان للأنباط دور هام في تحقيقها والتوصل إلى هذه النتيجة.

تلاشت ممالك أدوم ثم مؤاب على أيدي الأنباط بصفة رئيسة أما عمون فقد كانت القصلة التي قضمت ظهرها هي تقدم يومبي نحو دمشق ثم نحو الأردن وفلسطين.

وبالفعل حدث الفراغ السياسي والعسكري في الأردن وفلسطين معاً، وبرزت دولة الأنباط في شرق الأردن، ورحلت دولة أدوم إلى غرب الأردن وإلى جنوب فلسطين، وأعادوا تسمية أنفسهم، باسم: أدوميا Adomia ، لأن المكان والزمان قد تغيّر، ولأن نسبة كبيرة من سكان مملكة ادوم بقيت في مواضعها وانضوت تحت لواء الأنباط، وأن العديد من السكان في جنوب فلسطين من غير الأدوميين قد صاروا من رعاياهم في مملكتهم الجديدة / ادوميا . ورغم أن الأدوميين الأردنيين كانوا في صراع مع اليهود تارة وتحالف تارة أخرى، إلا أنهم بدّلوا سياستهم في منازلهم الجديدة، وتحالفوا مع الرومان وليس مع اليونان، كما سنرى بعد قليل، وغيّروا الموالاة والتحالف لأن ذلك أدى إلى مزيد من المكاسب، وغيّروا أسماؤهم العربية إلى اليونانية والرومانية، فصار هيرودس العربي الأدومي الأردني ملكاً على اليهود في القدس بتنصيب من روما. كما سنرى إن شاء الله في الصفحات القادمة.وهو الذي امر بذبح سيدنا يحي عليه الصلاة والسلام من اجل عيون عشيقته والراقصة ابنتها كما سياتي ان شاء الله تعالى .

إذن صارت في الأردن وفلسطين ثلاث قوى في نهاية العصر اليوناني ( قبيل مولد السيد المسيح عليه الصلاة والسلام ) ، الأنباط : وديارهم من خليج العقبة إلى دمشق . وأدوميا : وديارهم في جنوب فلسطين . ويهوذا : وديارهم في القدس التي لم تتوانى عن الأخذ بثأرها من مملكتي مؤاب وعمون، وساهمت في تلاشيهما، وأخذت أراضي الغور والواجهة الغربية من مرتفعات الأردن الشرقية، بينما بقيت الأراضي الأخرى تحت سيطرة الأنباط. الذين أيضاً مارسوا: لعبة القط والفأر مع أدوميا الجديدة عدوتهم اللدودة قبل عدة قرون.

ضعفت الدولة اليونانية في مركزها باليونان، ومعها ضعفت سائر الإدارات التابعة لها في الأقطار الخارجية، وحيث أن الشعوب بطبعها تتربص الدوائر بالمحتلين، فقد عادت الممالك الاردنية والسورية والعبرية إلى صحوتها مرة أخرى وصار فراغ عام اذ لاتوجد قوة محلية في الاردن وسوريا قادرة على توحيد هذ الممالك والشعوب . ، كان لا بد من مليء هذا الفراغ بقوة جديدة وهي القوة الرومانية.

روما 64 ق.م ـ 638م:

يقول الله سبحانه وتعالى: ( وتلك الايام نداولها بين الناس ) ويقول الشاعر العربي:

لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتها دول من سرّه زمن ساءته أزمان

وكذلك الأيام دول وتداول، والقوى السياسية والعسكرية تتصارع فيها عناصر البقاء والفناء معاً. فإن تغلبت إحداهما على الأخرى صارت تلك صفة الدولة بقاءً أو فناءً، وإن للدول أعمار كما للإنسان، وإن عمر الدولة مرتبط عادة بقوة عاصمتها، التي تعتبر القلب النابض، فإن توقف أو ضعف ساد الوهن على سائر أنحاء الجسم.

استطاع اليونان أن يحلّوا مكان دولة الفرس التي كانت ناجحة في الإدارة، فاشلة فيما سواها , وكانت في طريقها لفرض الثقافة الفارسية على العرب الا ان القدر انتزع منها سيطرتها على بلادنا , والت الامور الى قوة اخرى وهي اليونان كما قلنا . استطاع اليونان أن ينقلوا مع السيف والجندي والحصان، سلاحاً آخر وهو اللغة والثقافة والحضارة والفلسفة والمسارح والمستوطنين اليونان في الديار السورية والأردنية، ليكونوا مخافر متقدمة عسكرياً، ورسل حضارة للشعوب المغلوبة. وسنّ اليونان أوّل طريقة للخلاص من موجات وهجمات البدو، وهو دفع الأتاوة لهم بدل أخذها منهم، فالبدوي بطبعه يحب الكسب من الآخرين، لأنه عاش في بيئة صعبة، ولا يتوانى عن استغلال كل إمكانات متوفرة فيها من أجل عيشه وبقائه , انه صراع البقاء مع الحياة ومع الطبيعة ومع اخيه الانسان .

تقع اليونان إلى الشرق من إيطاليا، ويفصل بينهما بحر الأدرياتيك المتصل بالبحر الرومي (الأبيض المتوسط)، ومساحتها لا تزيد عن نصف مساحة إيطاليا. وقد ظهر فيها فلاسفة لا زالوا معروفين لجميع شعوب الأرض وهم سقراط، وأرسطو (أستاذ ومستشار الإسكندر المقدوني) وأفلاطون (صاحب كتاب الجمهورية الفاضلة) وديوجين وغيرهم كثير.

كان فكر هؤلاء قد اضاء شموس المعرفة في بلاد اليونان، فبُنيت الحضارة اليونانية على أساس هذه الفلسفة، وصار هؤلاء الأعلام ثروة لليونان تفوق قدرة الجيوش، والمعادن الطبيعية والشعب نفسه، ومن خلال فلسفتهم تأسست دولة تقوم على الحكمة والثقافة وتثقيف الشعوب، لذلك جاءوا إلى بلادنا وهم أصحاب رسالة وفلسفة واهداف واضحة فضلا عن اهدافهم العسكرية والاستعمارية ايضا .

لا يمكن إغماض العينين عن التأثير اليوناني على إيطاليا المجاورة، وبالتالي إيجاد روح التنافس والتباغض بينهما في ان واحد , فقامت روما وكانت البلاد تسمى باسمها يسنّ القوانين والتشريعات لعلّها تنافس أثينا فيما صدر فيها من فلسفة وثقافة وحكمة . كانت سلطة القانون مهمة، وكانت ممارسة الديمقراطية بانتخاب مجلس للشيوخ لا يُسمح بتجاوزها في تعيينات الأباطرة وكبار رجال الدولة، وصياغة وإصدار القوانين إلا بعد الرجوع إلى مجلس الشيوخ هذا.كانت روما بلدا ديموقراطيا من طراز رفيع ولكن مع شعبها في ايطاليا بالدرجة الاولى ثم في بقية الامبراطورية .

من هنا استطاعت روما أن تعوِّض نقصها الثقافي عند اليونان، بأن تفوقت عليها بالديمقراطية والقوانين وبناء جيش قوي يعمل حسبما تنص قوانين روما الصادرة عن مجلس الشيوخ الذي كان الحاكم الحقيقي للبلاد، وحاكم الإمبراطورية فيما بعد. وبذلك نخلص إلى أن روما قدّمت فكراً للعالم قوامه الديمقراطية والقانون، كما قدّمت أثينا الحكمة والثقافة والحضارة.

لقد استفادت روما دروساً من دول الشرق التي حكمت بلادنا قبلها ، واستفادت من اليونانيين وتجاربهم. لذا كانت سياسة الرومان قائمة على تقوية جميع عناصر الاستقرار والازدهار. وفي الوقت نفسه البطش بأية دولة قد تشكل عدواً حقيقيًاً أو محتملاً لها. فقامت على تقوية ودعم تحالف المدن العشرة، وعلى دعم زراعة القمح في حوران، وعلى دعم إقامة وبناء المدن والمسارح، وليس الاقتصار على تقديم المسرحيات، وبناء المدرّجات وليس الجلوس في العراء، وعلى بناء معسكرات وحاميات في البلاد الجديدة فضلاً عن مدن التحالف وانتظار المدد من روما.

اعتمد الرومان في الادارة ما فعله الفرس في تقسيم البلاد إلى ولايات كما سنرى ـ إن شاء الله ـ ولكن بالطريقة التي تخدمهم ـ وان تكون ولايات عسكرية , ودعموا عناصر الثقافة اليونانية واستبدلوها إلى الرومانية تدريجياً ودفعوا مبالغ طائلة للبدو، وأضافوا عنصراً جديداً وهاماً في سيطرتهم على البلاد وهو إقامة الإمارات العربية التي تحتوي البدو والهجرات القادمة من جزيرة العرب ، ودعموا هذه الإمارات أو الممالك. وزادوا أن اعتنقوا المسيحية وجعلوها الرابط العام بين كافة الأعراق والشعوب واللغات في داخل الامبراطورية الرومانية ، وذلك لتقوية الدولة وديمومتها.

وبالفعل كانت النتيجة مذهلة إذ استمرت دولتهم سبعة قرون ونيف ولولا حروبهم مع مملكة الفرس , مما أدى إل استنزاف موارد الدولة وإنهاك الجيوش، وظهور قوة الإسلام بعقيدة جديدة وحدت العرب، لاستمر الرومان قروناً أخرى طويلة ولاستطاعوا احتلال بلاد فارس حتى الهند، ولكانت دولتهم أعظم وأوسع دولة في العالم في حينه واكبر واوسع واقوى من دولة الاسكندر المقدوني .

قبل أن يتوجه الرومان إلى الشرق رتّبوا البيت الأوروبي، فسيطروا على أوروبا وبريطانيا، وصارت لديهم دولة قوية وهائلة ابتلعت اليونان بسهولة ويسر، ثم تحركوا نحو الشرق إلى بلادنا حيث كانت الفوضى ضاربة أطنابها في سوريا وفلسطين، وكانت الأحوال شبه مستقرة في شرق الأردن آنذاك. ووجدت روما أن لا مناص من فرض القانون والنظام في بلادنا، كي لا يعود الفرس او عرب العراق ( الاشوريون والبابليون والكلدانيون ) ثانية إليها، وتصبح مصدر إزعاج لهم، قد يهددهم في عقر دارهم روما.

أوكلت روما مهمة احتلال الشرق إلى الى القائد بومبي Bombay حوالي سنة 64 ق.م حيث اكتسح سوريا وشرق الأردن، وبدلاً من أن يعمل بالتدمير والتخريب، أمر بإعادة وزيادة بناء المدن العشرة، والمدن الأخرى في الأردن، وشجّع سيادة القانون والأمن والنظام لأنه بدون هذه تستحيل عملية البناء والازدهار والاقتصاد.فهم قادمون للاستقرار لقرون طويلة وليس الى حين من الزمن .

كان اليهود قد خرّبوا الكثير من المدن الأردنية بعامة، ومدن التحالف بخاصة، وذلك في فترة فراغ السلطة الذي أشرنا إليه أعلاه بعد تداعي سلطة اليونان وظهور الرومان في البلاد . بل إن بومبي عزز أسس الحلف التجاري بين هذه المدن، وصار القانون هو صاحب السيادة في هذه العلاقات , باعتبار روما دولة قانون ومؤسسات مثلما كانت اليونان دولة ثقافة وحضارة وحكمة .

وكان على هذه المدن أن تدفع الضرائب لخزائن الإمبراطورية الرومانية ، وتدفع الأتاوات للقبائل البدوية الاردنية لضمان عدم لجوئهم إلى القوة والغارات والنهب والسلب وحرب الاستنزاف . وقد بقيت هذه العادة سائدة حتى بداية القرن العشرين ـ أي بعد أن تأسست إدارة بالأردن. وكان هؤلاء البدو منذ زمن اليونان والرومان أي منذ ما يزيد على ثلاثة وثلاثين قرناً يأخذون الأتاوة من هذه المدن العشرة ثم من الفرس فيما بعد، ويحصلون منها على حاجاتهم الأساس من الحبوب المختلفة. مقابل عدم تدميرهم لهذه المزروعات والمنتجات، لأنه كان لهم نصيب منها.

وقد تطوّر مفهوم الأتاوة المدفوع لبدو الاردن في عصور الصليبيين والمماليك والأتراك، وصار يسمى الخاوة، وهو تحريف واضح أو لفظ مطابق لكلمة الأتاوة، يدفعها الضعيف للقوي، وهي ضريبة إجبارية قد تكون محدودة، وقد تكون بلا حدود أيضاً. كما سماها الاتراك الصرة لانها كانت تعطى للشيوخ في اكياس من قماش مغلقة ( مصرورة ) . وأن القارئ لكتب الرحالة الذين حضروا إلى بلادنا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ليجد مأساة الفلاح الأردني، وهجر القرى، وانهيار الإنتاج، وحرمان الأردن من سكانه بهجرتهم إلى فلسطين أو مصر أو الشام أو البداوة بحثاً عن الأمن والأمان أولاً ثم عن لقمة العيش ثانياً.

وجد الرومان أن سياسة دفع الخاوة أو الأتاوة السنوية لهؤلاء البدو الأردنيين أمر ضروري , ويوفر عليهم أضعاف ما يمكنهم خسرانه من المنجزات والقدرات والثروات لو أنهم لم يدفعوا شيئاً لهؤلاء . وكان يتم الدفع مع ضابط صرف رواتب الجند , ولكن في كل عام مرة، وكانت مراكز الدفع في معسكرات الجيش الروماني. في اللجون وأذرح، والقسطل، لأن جلب شيوخ البدو إليها يجعلهم يشاهدون بأم أعينهم قوة الدولة من خلال رؤية الجنود والمعسكرات ، ولكي لا يحدث اعتداء على الخزينة المتنقلة (ضابط الصرف) من هؤلاء البدو، وكانوا سيفعلون ذلك لو اختلوا به خارج المعسكرات.

وفي قراءة بسيطة في قائمة المدن العشرة التي زادت على هذا الرقم أصلاً نجدها تمتد من بيسان إلى العقبة، وتشمل دمشق وعمان، وأن أكثرها كان في الأردن تحديداً لأن الرومان وكذلك اليونان أدركوا أن وجود الأردن في قبضتهم يعني حماية الجبهة الشرقية للامبراطورية برمتها . فالاردن بوابة جزيرة العرب وبلاد الرافدين، حيث تخشى الدول الغربية من ظهور قوى عسكرية أو موجات بشرية من هذين المكانين أصلاً (الجزيرة والرافدين).

كانت حملة بومبي الروحاني عام 64 ق.م على الاردن وسوريا , تهدف إلى عدة أمور:

1. كانت استطلاعية لمعرفة الأوضاع الداخلية كما هي على أرض الواقع في سوريا والأردن وفلسطين، لنفل المعلومة الصحيحة المؤدية إلى اتخاذ القرار الصحيح. وكان يحمل من الصلاحيات ما جعله يأمر ببقاء مدن التحالف وتقويتها وتعزيزها على حالها , فبقيت على ما كانت عليه في زمن اليونانيين.

2. كانت حملة لاستعراض القوة، وتمهيدية للناس أن الرومان قد حلّوا مكان اليونان، وأن الاحتلال الروماني قادم , وبالتالي لا بد من تهيئة السكان للأمر الواقع والرضوخ له , وان كان من جهة اخرى ينطوي على مجازفة في ان الناس قد يجتمعوا ويقاوموا المحتل الجديد، وقد يفعلوا العكس أي أن يرحبوا بهم للتخلص من الفوضى وهجوم القبائل البدوية، والفراغ الأمني والسياسي والعسكري، ويبدو أن الخيار الأخير كان السائد الأغلب لدى أهل الأردن على الأقل وبخاصة المستقرين والمزارعين .

3. كانت حملة هامة لمعرفة ردود فعل بلاد فارس والرافدين، وفيما إذا كانت هناك قوى قد تظهر، ليتم التعامل معها على أساس صحيح ودراسة صحيحة ومسبقة , ولكن ماحدث ان ردود الفعل هذه كانت معدومة، ولم توجد دولة قادرة على المنافسة للقوة الرومانية الجديدة .

4. كانت أيضاً لمعرفة ردود فعل بدو الأردن بما فيهم قبائل وادي السرحان والجوف ودومة الجندل والعلا ومدائن صالح وتيماء الذين لم يحرّكوا ساكناً، لأن الرومان لم يتحدثوا عن أي هدف يقتضي مهاجمة هؤلاء البدو او ملاحقتهم او منعهم من دخول بقية البلاد الاردنية او التحرك باتجاه مناجع الماء والكلاء في جبال الاردن وسهوله واغواره , كما لم يعلن الرومان نيتهم عن أخذ الضرائب من هؤلاء البدو وأن حدث ذلك (الجباية) في وقت متأخر ـ بعد الميلاد, كما لم يكن بمقدور الرومان الدخول في اعماق البادية والصحراء , وبلتالي لم يحرك البدو ساكنا ولعلهم توقعوا ان يجدون في المحتل الجديد مزيدا من الاوال اليت يمكن السطو عليها وهنبها , في ضوء جهل هؤلاء الرومان باساليب البدو فيالدفاع والهجوم والكر والفر والتخفي والتنكر ومباغتة الاهداف .

5. لمعرفة وضع مملكة يهوذا التي بقيت على مدى أكثر من ألف سنة خلت مصدر قلق للدول المتعاقبة وسبباً رئيساً من أسباب سقوط هذه الدول. وقد وجد بومبي ـ كما يبدو لنا ـ أن السبب هو وجود ملك لليهود منهم، وأنه يسير برأيهم، ويطيعون رأيه، وأنهم يريدون الثأر من ممالك وشعوب (أو شعب) شرق الأردن، حيث الصراع الطويل بين الشعبين اليهودي والأردني بدأ منذ زمن الخروج 1330 ق.م إلى الآن 64 ق.م، أي منذ ثلاثة عشر قرناً تقريباً.

وبناءً عليه , قدم بومبي تقريره إلى مجلس الشيوخ الذي اتخذ قراراً بتكليف الجيش بأمور هامة:

1. أن يعالج أمر مملكة اليهود لضمان موالاتها للرومان أو ضعفها على الأقل بحيث لاتقددر على الهجوم اوالاستمرار في انها مصدر ازعاج عام في المنطقة .

2. أن يحتل الأردن ليوقف الصراع الاردني الاسرائيلي الذي استمر ثلاثة عشر قرنا ويحول دون التفرغ للبناء وتحقيق الامن من قبل الاردنيين واليهود الذين لن يجرءوا على مهاجمة الاردن اذا صارت ولاية رومانية , وبخاصة انها جبهة هامة لتحول دون تقدم البدو باتجاه المناطق الخضراء لغايات النهب والهجوم وزعزعة الامن والحيلولة دون الاشادة والبناء .

3. أن يعالج الوضع مع الأنباط وأن يتحول الجيش دون تمددهم أو تشكيل قوة هامة في بلاد سوريا والأردن وفلسطين , فالانباط هم المشروع العربي في المنطقة وهم مملكة تستقطب الاردنيين من رعايا الممالك الاخرى التي هرمت او تلاشت , وبالتالي فن ظهور ملك يوحد هذا الشعب ويوحد الاردن سيكون عونا لفارس على الروم وعونا للعرب وجزيرتهم على الامبراطورية الرومانية .

4. أن تستمر سياسة تحالف المدن./ الديكابوليس لانها تؤدي خدمات ومهمات وادوار تعود عليها الناس عبر خمسة قرون , كما ان البديل يحتاج الى بنية تحتية وهوغير مضمون النتائج اصلا .

5. أن تصبح البلاد المحتلة ولاية رومانية بحتة تتبع روما فتزيدها قوة

6. أن يتم استيراد قمح حوران إلى إيطاليا، واعتبارها جزءاً من روما، وسلة غذائها، هذا ما نستشفّه من الأحداث التاريخية.

وبناءا على هذا التقرير الذي قدمه بومبي الى مجلس السيوخ الروماني , تحركت حملة عسكرية رومانية أخرى يقودها مارك أنطونيو وذلك عام 40 ق.م أي بعد ربع قرن من الحملة الأولى. وقام بتعيين هيرودس العربي الأدومي الاردني ملك أدوميا (الجديدة ـ المشار إليها أعلاه) ملكاً على يهوذا، وبالتالي ملكاً على اليهود رغم أنه غير يهودي لكنه تظاهر باعتناق اليهودية , وبمعنى آخر كان مارك انطونيو صورة أخرى للمندوب السامي الفارسي الذين عينهم داريوس على مملكة اليهود والممالك الأردنية.

اغتنم هيرودوس الادومي الاردني وجوده ملكاً على اليهود والأدوميين الموجودين في جنوب ماسمي بفلسطين لاحقا , وكان أول ما تطلّع إليه هو الثأر من الأنباط العرب الأردنيين الذين طردوا اسرته الأدومية الملكية من جنوب الأردن، واحتلوا أراضيهم، وأجبروهم على النزوح إلى فلسطين ومعهم قسط كبير من رعيتهم الأدومية (ادوميا ) . كما أن اليهود وجدوا في مخططات ملكهم العربي الأدومي الجديد ما يشفي صدورهم بالهجوم على الأراضي الأردنية رغم وجود الاحتلال الروماني .

نجح هيرودس الأدومي العربي الاردني (ملك اليهود الجديد ) في طرد الأنباط من الجزء الشمالي من الأردن ( من شمال نهر الزرقاء ) ، وصار يتصرف كيهودي متطرف ضد الاردنيين وذلك لكي يرضي رعيته اليهودية من جهة، ولكي يضمن وراثة العرش في أولاده على قوم ليس منهم دينا ولا عرقا ولا دما من جهة اخرى . وقد كان لتعيينه ملكاً في القدس أثراً كبيراً في تسهيل عملية الاحتلال الروماني لسوريا والأردن وفلسطين، وفيما بعد للقضاء على مملكة الأنباط. بل إن هيرودوس وعدد من الأدوميين في جنوب فلسطين قد اعتنقوا اليهودية، وصاروا يتصرفون كيهود. وصار كهنة الأوثان السابقين، كهنة في الدين الجديد، لأن الناس على دين ملوكهم .

صار ترتيب تحالف المدن / الديكابولوس , زمن الرومان يسير على النحو التالي:

1. تشكيل مجلس إدارة لكل مدينة، وله صلاحية إصدار النقد .

2. على كل مدينة أن تؤازر المدينة الأخرى في مواضيع الدفاع والتجارة.

3. أن تقبل كل مدينة بمراقبة الحاكم الروماني لسوريا في إدارة شؤونها السياسية والقضائية.

4. أن تدفع الضرائب لخزينة الإمبراطورية الرومانية .

5. أن تقدم عناصر من سكانها للقيام بالخدمة العسكرية عند الحاجة.

6. أن تضع هذه المدن صور القيصر على عملتها النقدية الصادرة عنها.

7. أن تضرب مملكة الأنباط عملتها الخاصة بها وعليها صورة الملك الحارث يقود جملاً ويقدّم غصناً من الزيتون إلى الرومان كرمز على خضوعه للرومان .

وعندما غادر بومبي بلاد الشرق عام 62 ق.م أي بعد عامين من العمل والمعارك والإدارة كانت سوريا وشمال الأردن، يسودها الأمن والسلام , ولكن الفوضى عادت عام 50 ق.م، مما أدى إلى زعزعة الكيان الروماني من أساسه، وذلك بعد اندحار القائد الروماني كراسوس Karasos على أيدي البارتنيين عام 53 ق.م.

ونعود للقول أنه في عام 42 ق.م وصل القائد الروماني مارك أنطونيو على رأس حملة جردها من روما للقضاء على مملكة اليهود وملكهم هيرودس ( المذكور اعلاه ) الذي بدوره ولى هاربا بروحه والتجأ الى عدوه اللدود الملك الاردني : مالك - ملك الأنباط الذي وجدها فرصة في هزيمة خصمه السابق وابتعاده عن عرش مملكة القدس . ولكن مالك لم يقتله لان القيم العربية الاردنية لاتسمح بقتل المستجير حتى ولو كان عدوا . وانما اكتفى ان رفض إجارته من قائد الحملة الرومانية , فهرب هيرودوس إلى روما يحمل سلاحاً هاماً وهو مساندته لروما ومناصرته وخضوعه التام لها وهو ماتاقت اليه طويلا , واخذت ماتريد دونما عناء . وبالفعل غادر من البتراء إلى الإسكندرية ثم بحراً إلى روما، حامداً لآلهته أن مالك لم يقتله، وإنما اكتفى برفض حمايته وإيوائه.

في روما وجد هيرودس استقبالاً حافلاً، وقد وجد دعماً من مارك أنطونيو ( Antony ) حيث قدمه إلى مجلس الشيوخ على أنه الصديق الحميم والخادم الأمين لروما . وفي أجواء مشحونة بالعواطف هناك قرر مجلس الشيوخ إسناد عرش مملكة يهوذا بالقدس إلى هيرودس الأدومي العربي، مما فتح الطريق أمام الإمبراطور الروماني أغسطس أن يضيف جدارا Gadara في شمال الأردن إلى مملكته في القدس، باعتبار أن سائر البلاد ممتلكات رومانية، ومن حق الإمبراطور إقطاع ما شاء منها لمن شاء من الناس.

لم يقتصر الأمر على إهداء جداراً لهيرودس، بل تعداه أن قام مارك أنطونيو بإهداء جزء من مملكة الأنباط إلى معشوقته كليوبترا التي كانت تحكم مصر كجزء من الإمبراطورية الرومانية . وحيث أن الأراضي النبطية كانت بعيدة عن متناول الملكة المصرية، فقد تنازلت بها إلى الأدومي هيرودس العدو اللدود للأنباط الذي اعتنق اليهودية. مما أغاظ الأنباط، على أن ما حدث كان إهانة لهم ولكبريائهم، فأعلنوا التحدي لكليوبترا التي قبلت التحدي والتقى الجيشان النبطي الأردني والمصري الروماني في معركة قرب السويس.اما هيرودس فقد رقص طربا ان مملكته الادومية عادت وان الفرصة قد حانت للانتقام من الانباط الذين طردوا اسرته من عرش ادوم الاردنية .

كانت المعركة برية بحرية معاً، وكانت حاسمة بل كانت مجازفة نبطية قد تودي بالملك الاردني النبطي والعرش والشعب والبلاد إلى العبودية للعدو اللدود هيرودس الأدومي، أو لكليوبترا المصرية الرومانية. ومع هذا عمل الأنباط على المبدأ العربي: المنيّة ولا الدنيّة، والموت بعزة خير من الحياة بذلة. كانت معركة اليانس ( من الياس ) ، وفي أرض بعيدة عن مملكة الأنباط، كانت في السويس في الأراضي المصرية.

تمكن الأنباط من إغراق سفن كليوبترا في عمق البحر، وشتّتوا جيشها وهزموها وانتصروا عليها في معركة نادرة ليس فيها مقوّمات النصر للأنباط سوى الإدارة والارادة ومبدأ : إما الموت أو الحياة. وكانت عوامل النصر مهيأة لكليوبترا وذلك لأن المعركة على أرضها وقرب عاصمتها، مع سهولة الإمدادات، وكثرة الجيش إلى درجة حسبت ان النصر حليفها، مما أدى إلى التخاذل وبالتالي الى الهزيمة، بينما وجد الأنباط أن وراءهم صحراء سيناء حيث المدن عطشاً وتعباً إن هربوا، وبالتالي كان الأفضل أن يموتوا في المواجهة، من أن يموتوا في الهزيمة والصحارى.

وبذلك انتصر الأنباط على الرومانيين. مما أثار أنطونيو وهو يرى هزيمة معشوقته بسبب قرار كان اتخذه بإقطاعها جزءاً من أراضي الأنباط. وراح أنطونيو يفتش في جعبته، فاستغل العداء التاريخي بين هيرودس الادومي (اليهودي حالياً) وبين الأنباط، وأوغر صدره أن هذه فرصته لاستعادة مجد أدوم التي احتلها الأنباط.

جرد هيرودس جيشاً عظيماً مدعوماً من الرومان ومن كليوبترا، حيث كان الأنباط قد أنهكتهم المعركة السابقة وإن كانوا قد احتفلوا احتفالات لا مثيل لها بمناسبة هذا النصر الذي تحقق على يد الملك مالك الذي حكم من 50 ـ 28 ق.م، واستطاع هيرودس اليهودي الادومي بجيشه المكون من أربعة جيوش. روماني ومصري ويهودي وأدومي (من أدوميا فلسطين)، أن يهزم الأنباط في المعركة الأولى مما جعله يركن إلى الراحة والتخاذل، بينما أعاد الأنباط ترتيب صفوفهم مرة اخرى وهجموا في قتال موت او حيلة , فانتصروا عليه في المعركة الثانية عام 32 ق.م وعاد إلى بلاده (القدس) حسيراً كسيراً، مخذولاً أمام سيدته كليوبترا، وسيده أنطونيو وقد ضاعت احلامه في استعادة ملك ابائه واجداده في ارض ادوم الاردنية , انه قد غير دينه من اجل ذلك ومع هذا لم يفلح ابدا .

صار الأنباط قوة يحسب لها حسابها. مما اضطر معه كل من القدس ومصر وروما أن يعيدوا حساباتهم، وأن يضعوا تدمير المملكة النبطية هدفاً مشتركا أعلى للتدمير، لأنها صارت تشكل قوة حقيقية وخطراً حقيقياً وليس مجرد خطر محتمل.

وجد هيرودس أن الهجوم على الأنباط في البتراء سيؤدي إلى تدمير قوته تماماً، مع سلامة القوة النبطية، لذلك اختار بعناية جيوشه الجرارة (مصرية رومانية ويهودية وادومية/ ادوميا فلسطين )، واختار مساره بعناية أيضاً، وحدّد المكان الذي يمكن له أن يقضي فيه على الأنباط. لقد اختار هيرودس مكان المعركة قرب ربة عمون تيمُّناً بانتصار داود وطالوت على الملك العموني العربي الاردني جالوت، ولأن المكان بعيد عن البتراء، مما يستدعي مسيراً طويلاً للجيش النبطي فلا يصل إلا مرهقا ويصبح بعيدا عن الامدادات ً، أما بالنسبة لهيرودس فإن المسافة بين القدس وعمان هي مسيرة يوم وليلة ويمكن لجيشه أن يرتاح طويلاً قبل أن يصل الجيش النبطي منهك القوى مرهقاً.

وبالإضافة إلى ذلك فإنه في حالة هزيمة جيش هيرودس فإنه يستطيع تجاوز نهر الأردن طالبا للسلامة , ضمن خطة موضوعة سلفاً، ثم يتعذر بعدها على الأنباط اجتياز النهر الطافح بالماء، فيشكل بذلك حماية لهم من بطش الأنباط، , كما أن هيرودس لم يكن يطمع بأكثر من تسجيل نصر على الأنباط كيفما كان، واحتلال جزء من أراضيهم في وسط وشمال الأردن، لأن هزيمته هذه المرة ستؤدي إلى خلعه عن عرش يهوذا، وبالتالي فإن المعركة القادمة كانت مصيرية، ومسألة موت أو حياة، أو هلاك أو نجاة.

وقعت المعركة بين هيرودس وجيشه الجرار وجيش الأنباط قرب عمان( ربة عمون ) والأغلب أنها كانت في سهول عمان الغربية، وكانت النتيجة مأساوية على الأنباط بهزيمتهم أمام هيرودس، مما اضطرهم أن يخرجوا من الجزء الشمالي من ممتلكات عمون التي سماها الرومان بيريا. وبالفعل سيطر هيرودس على الأراضي من نهر الزرقاء حتى مادبا وبقيت أم الرصاص وما جاور مادبا بأيدي الأنباط، دون أن يصر هيرودس على استغلال ما يكن تسميته باللغة العسكرية : استثمار الفوز واقتصر احتلاله لمادبا على السفوح الغربية لجبالها المطلّة على الغور والبحر الميت حيث سيطر على قلعة ماخيروس (مكاور) وأعاد ترميمها وبناءها.

سيطر الهدوء على شرق الأردن من عام 39 ق.م إلى سنة 4 ق.م (حيث مات هيرودس)، وذلك أن كلاً من هيرودس والأنباط قد عرف كل منهم قوة الآخر، وبالتالي صار هناك ما يمكن تسميته: تساوي القوة مع القوة المضادة، وبالتالي تحقيق توازن القوة. ولم يجرؤ أحدهم منهم على مهاجمة الآخر لمدة ثلث قرن تقريباً. مما أتاح الفرصة لسيادة الأمن والطمأنينة، وانتعاش الحياة والاقتصاد في سائر أرجاء الأردن، حيث مدن التحالف في الشمال، ويهوذا في الوسط والأنباط في الجنوب ( من جنوب مادبا الى جنوي العلا ) ، وكل من هذه الدول ينافس الآخر في تقديم الخير للشعب، لكي لا ينحاز للقوى الأخرى. أي صار الدلال تقدمه الدولة للشعب وليس العكس .

في عام 4 ق.م مات هيرودس الأدومي العربي الأردني دماً ونسباً، اليهودي عقيدة، وقد كانت حمامات زرقاء ماعين ضمن مملكته حيث زارها قبيل وفاته للاستشفاء بها من المرض العضال الذي استعصى عليه علاجه. وعند موته (4 ق.م) كانت شرق الأردن بأكملها تحت الهيمنة الرومانية، حيث قسّموها إلى ولايات، على مبدأ داريوس، ولكن بطريقة أخرى، كما نشروا فيها الحاميات العسكرية لتوكيد السيادة الرومانية على هذه البلاد.

قسّم الرومان الأردن إلى ثلاث ولايات هي:

1. مدن الديكابوليس وهي تحالف المدن العشرة الذي تحدثنا عنه أعلاه في شمال الاردن .

2. ولاية بيريا وهي منطقة الوسط الممتدة من نهر الزرقاء شمالاً إلى نهر الموجب جنوباً، باستثناء الأقسام الخاضعة للسيطرة النبطية.

3. مملكة الأنباط الممتدة من أرنون (الموجب) إلى مدائن صالح والعلا في الجنوب فضلاً عن البادية الأردنية شمالاً ووسطاً وجنوباً وجبل الدروز والقسم الشرقي من حوران .

ووافق الأنباط على أن يتحولوا إلى حكم ذاتي داخل جسم السيادة الرومانية . فقد اتقن الانباط لعبة التعامل مع المتغيرات الطبيعية والسياسة على حد سواء، وكان همهم البقاء والاستمرار والاستقرار والازدهار، وكانوا محسودين من سائر القوى المحيطة بهم. وصار لهم ثارات وكسر عظم مع هيرودس وكليوبترا وقادة الرومان وبالتالي عاشوا في جو من الكراهية المحيطة بهم من كل حدب وصوب. واستمرت هذه التقسيمات طيلة القرن الأول للميلاد.

بعد وفاة هيرودس الكبير تولى ابنه هيرودس الثاني العرش مكانه. ورغم أن الروايات تتحدث عن الأب وابنه كملكين لمملكة يهوذا، وأنهم على الدين اليهودي، إلا أن النادر من المصادر التي تحدثت عن الأصل الحقيقي لهيرودس الكبير على أنه أدومي عربي اردني ، وكان ملكاً لأدوميا (أي أدوم الجديدة) في جنوب فلسطين. وأنه صنيعة القائد الروماني مارك أنطونيو عشيق كليوبترا الذي وصل إلى فلسطين عام 42 ق.م قادماً من روما على رأس جيش لغزو البلاد.

تصرف هيرودس تجاه الأنباط والممالك الأردنية للثأر لنفسه أن الأردنيين وقفوا مع الأنباط ضد الأدوميين، ولأن مالك الثاني ملك الأنباط رفض لجوء هيرودس إلى البتراء , مما اضطره للنجاة بروحه هاربا إلى الإسكندرية ثم إلى روما حيث وافق مجلس الشيوخ على تعيين أول شخص غير يهودي على رأس المملكة اليهودية لقاء أن يمنع ثورتهم، وأن يبقيهم داخل القوقعة تحت حكم الرومان، وأن يتظاهر بأنه يهودي، وهو في حقيقته ليس كذلك.

وعندما جاء ولده هيرودس الثاني أراد الزواج من امرأة أخيه، وعاشرها بما يعارض شريعة اليهود، لأنه كان غير مؤمن بهذه الشريعة أصلاً. وإنما اعتناق صوري من أجل وضع تاج يهوذا على رأسه. ولكي يغطي باطنيته هذه احتل أجزاء من وسط الأردن على أنه يهودي، وهو في الحقيقة يريد تقليص المساحات التي كانت تسيطر عليها مملكة الأنباط، وبالتالي حرمانها من الموارد الاقتصادية والبشرية والمساحة الاستراتيجية اللازمة لهذه المملكة التي طردت الأدوميين من جنوب الأردن وجبال الشراة بما فيها مناطق البتراء.

عندما تمكن اليهود من القوة، ثاروا ضد هيرودس التتراكي (الابن) وأطلت الفتن والقلاقل برأسها مرة أخرى ضد الملك الأدومي المتظاهر باليهودية. وهنا فشلت خطة الرومان في تعيين الأسرة الأدومية ملوكاً على اليهود، واضطروا لإرسال قوات ضخمة لإخماد الثورة اليهودية وقمع الفتن ووقف الاضطرابات، وكانت هذه فرصة كبيرة للأنباط أن يعربوا عن حسن نواياهم تجاه روما، وتجاه أسرة هيرودس نفسه، لعلّه يعود إلى عروبته وتتحول المملكة اليهودية من عدو يقاتل الأنباط ويغري بهم الرومان إلى صديق هادئ يحب السلام على الأقل، إن لم يكن مؤازراً ومعززاً لهم لدى روما.

وصل الجيش النبطي إلى القدس، وانتهزها فرصة لردّ الكيل كيلين (الصاع صاعين) ضد هيرودس وشعبه، حيث عملوا نهباً وقتلاً وتدميراً وهم يحملون توجيهاً واضحاً من الملك الاردني النبطي الحارث الثاني (7 ق.م ـ 40 ب.م) في القيام بمهمتين : ظاهرية على أنهم جاءوا لمؤازرة الرومان وهيرودس العربي ضد اليهود، وحقيقية باطنية وهي تدمير قوة مملكة يهوذا ونهب مكتسباتها، لكي تصبح عاجزة عن الهجوم على الأنباط، ولو لفترة محدودة من الوقت على الأقل.

أدرك القائد الروماني جزءاً من الخطّة، ولم يقم بقتل الجنود والأنباط، وإنما أمر بتسريحهم فقط، متظاهراً أنه كان شاكراً لهم لما قاموا به من مؤازرة روما في إخضاع اليهود. أما هيرودس التتراكي الأدومي، فقد انطلت عليه الحيلة النبطية، وصار ممتناً لموقف الحارث الثاني، وأعيد إلى عرش يهوذا، ومدّ يد العون والمساعدة والمحبة إلى الملك النبطي، فكانت محصّلة هذا الغزل السياسي أن تزوج هيرودس (الابن) التتراكي من ابنة الملك الحارث الثاني النبطي. وقد بارك الرومان هذا الزواج لأنه يجعل من الجيش النبطي قوة تعزيز قريبة لهيرودس الأدومي إذا ثار ضده اليهود، وبالتالي يريح روما من تسيير حملة تحتاج إلى طويل وقت وإلى كثير مال على حساب الشعب الروماني .

قلنا أن هيرودس لم يكن مقتنعاً بالتوراة ولا بشريعة اليهود التي تحرِّم الزواج من زوجة الأخ. أو ممارسة علاقات غرامية معها ولكن ابنة الحارث طلبت الطلاق من هيرودس لأنها اكتشتفت مدى دناءة نفسه في ممارسة الغرام والحب مع أرملة أخيه، ففرت ابنة الحارث ومن معها من حرسها وخدمها تحت جنح الليل إلى قلعة ماخيروس (مكاور) ومن ثم إلى البتراء حيث أعلمت والدها وأسرتها الملكية بما فعل زوجها من خيانته لها , وممارسته الجنس المحرم مع ارملة اخيه التي كانت ايضا ادومية ولا تؤمن بشريعة اليهود وان تظاهرت باعتناقها .

اعتبر الملك الحارث الثاني أن ما فعله هيرودس الثاني إهانة للشرف العربي النبطي الاردني ، ودعمه في ذلك شعبه وأسرته الملكية وجيشه، حيث سارت حملة قادها الملك الحارث الثاني نفسه وهاجم هيرودس وبطش به، وشتّت جنوده، ثم قفل راجعاً معلناً طلاق ابنته من خائن عش الزوجية . هرب الملك هيرودس ( الابن الخائن ) من وجه الحارث الثاني، واستنجد بالإمبراطور الروماني طيبريوس الذي وقف مع هيرودس ووجدها فرصة للتحلل من السكوت على الأنباط عندما وقفوا معه ضد اليهود، فأمر الإمبراطور عامله على سوريا أن يسير إلى الحارث وينهي مملكة الأنباط لتجرؤ ملكهم على اهانة وهزيمة أحد عمال روما، وخدشه لهيبة الإمبراطورية والنيل منها. وبالتالي لا بد من أن يكون عبرة للآخرين، لكي لا تتكرر الحكاية.ولا شك ان الامبراطو الروماني كان يعرف ان هيرودس لايؤمن بدين اليهودية وهو ماكان يعزز مكانته عند الامبراطور بكل تاكيد .

تأهب القائد الروماني فيتيليوس Vetielios في سوريا للسير إلى بتراء وخلع الحارث الثاني عن العرش، واتباع الطريقة نفسها التي كان خلع بها ملك يهوذا الحقيقي عن عرشه , ونصب مكانه اليهودي المزيف الادومي هيرودس ( غير اليهودي ) ، حيث يبدو لي أن المخطط كان بتعيين ملك غير نبطي على الأنباط يكون تابعاً لروما. أما مبرر الإمبراطور في تسيير الحملة فكان سطحيّاً وغير مقنع، وهو أنه كان على الحارث الثاني أن يشكو المتجاوز وهو هيرودس التتراكي، أقول أن يشكوه للإمبراطور، لا أن يأخذ القانون بيده.

إلا أن حظ الحارث الثاني والأنباط كان ساطعاً هذه المرة حيث توفي الإمبراطور قبل تحرك الجيش من دمشق، مما عطّل الحملة، وأدى إلى انسحاب الجيش إلى أنطاكيا. وبذلك ارتاح الحارث الثاني من معركة مصيرية كانت قد تودي بعرشه ومملكته كليهما.

ومع هذا فقد هدأ الحارث الثاني، ورغب عن إثارة الرومان ثانية أو التحرش بهيرودس الذي بدوره وجدها فرصة للذهاب إلى قلعة ماخيروس (مكاور) ليمارس الحب مع معشوقته أرملة أخيه، ومعها ابنتها سالومي، وهناك طلبت منه سالومي وأمها أن يقتل النبي يحيى (يوحنا المعمدان) عليه الصلاة والسلام لأنه رفض الموافقة على زواج هيرودس من أرملة أخيه، لمنافاة ذلك لشريعة التوراة.

كان طلب الأرملة وابنتها سالومي قد وجد هوى في نفس هيرودس الذي تعرض لحملة كبيرة من النبي يحيى الذي بدوره أثار الناس ضد هذا الملك وطلب مقاطعة الملك والانشقاق عليه بسبب ممارسة الحب مع أرملة أخيه، ومخالفته لشريعة التوراة , الأمر الذي أثار هيرودس فأمر بسجن يحيا في قلعة مكاور. وعندما أقام الملك وليمة ضخمة حضرها رجال دولته ومعشوقته وابنتها وسكروا احتفاءً بعيد ميلاده قال لعشيقته أو لابنتها وقد أعجبه رقص الابنة ( ابنة اخيه ) اطلبي ما شئت: قالت: رأس يوحنا المعمدان. وبعد جدال وافق حيث كان يوحنا مسجوناً في سجن القلعة نفسها، فأمر به هيرودس وجيء برأسه عليه السلام وتم وضعه على المائدة ,وبذلك انتقمت الارملة من النتبي الذي لم يبارك عشقها المحرم وزاجها من هيرودس ( شقيق زوجها المتوفى )

لم تنفع سياسة الرومان في تعيين أسرة هيرودس العربي ملوكاً على اليهود الذين استمروا في الثورة وإثارة الفتن ضد السلطة الرومانية، وضد هيرودس الأدومي نفسه وضد اسرته . وبدأ اليهود نزاعهم مع الرومان، وكانت هذه فرصة لأبناء الأردن للانتقام والثأر من اليهود الموجودين على أراضيهم وأرض الرومان في آن واحد . انقض الأردنيون على يهود جدارا (أم قيس) وقتلوهم عن بكرة أبيهم. أما الأنباط فكانت هذه فرصة العمر لإرضاء روما والانتقام من مملكة يهوذا , إذ أرسلوا جيشاً إلى فلسطين لمؤازرة الرومان والقضاء على الفتنة اليهودية. وهرب عدد كبير من اليهود إلى قلعة مكاور لكن الرومان تبعوهم وأبادوهم عن بكرة أبيهم.

أدت سياسة الملوك الأنباط في استغلال كل الفرص لإرضاء روما إلى إطالة أمد هذه المملكة، وأسرتها المالكة، وصار وجودهم ضرورياً لروما، حيث أظهروا عدم عدائهم للرومان، بل إنهم غدو الساعد الأيمن لجيش الإمبراطور وشرقي المنطقة لقمع أي تمرد أو فتنة تحدث ضد الإمبراطورية الرومانية، واستمرت المملكة النبطية بذلك من 64 ق.م إلى عام 106 ب.م أي حوالي مائة وسبعين سنة قبل أن تسقط من مملكة مستقلة إلى مملكة للحكم الذاتي تحت السيادة الرومانية.

ويتحدث المؤرخون عن انتهاء مملكة بترا في عام 106 ب.م ولكن التفحُّص الدقيق للأحداث والتواريخ يجعلنا نؤكد أن الأنباط استمروا مملكة أو إمارة حتى نهاية القرن الرابع الميلادي أي عام 395 ب.م عندما قسّم الإمبراطور تيادوسياس الإمبراطورية الرومانية بين ولديه. عاصمة الأولى روما، وعاصمة الثانية القسطنطينية وكانت بلادنا الاردنية فيها املاك البتراء وعاصمتها ضمن الجزء الأخير.

ونجد التقسيمات الرومانية للأردن وأراضي الأنباط في سيناء وجنوب الأردن وباديته، وسواحل البحر الأحمر حتى الوجه وينبع كانت ضمن الولاية العربية وعاصمتها بترا. ومن خلال ذلك يتبيّن أن البتراء كانت لا زالت عامرة بالناس والتجارة والحضارة، ولا يكون ذلك إلا بوجود ملك نبطي تحت أمرة القائد الروماني للولاية. ليس هذا فحسب، بل إن اليونان والرومان قد غيّروا أسماء العرب الحكام والأمراء والأدباء والشعراء إلى أسماء يونانية ثم الى رومانية لصعوبة نطق الحرف العربي عليهم من جهة، ولأن العرب لم يكونوا أمة ذات سيادة وكيان مكتمل كما كان شأن اليونان والرومان . وقد توضح هذا الكيان بظهور الإسلام والدولة العربية الإسلامية كما سنرى فيما بعد إن شاء الله.

وإن الحفريات في البتراء وحوضها قد أسفرت عن آثار للحضارة الرومانية، وهذا يعني استمرار الشعب النبطي بملوكه وزعاماته، وإن الرومان اكتفوا بأمور السيادة والقيادة والهيمنة ونشر الحضارة واللغة بين السكان وجمع الأموال من الإنتاج والضرائب، ولم تعد تظهر الأسماء العربية، وإنما الرومانية، والتي قد تكون عربية أصلاً، كما راينا كيف أن أول إمبراطور روماني مسيحي كان عربياً من بصرى حوران.

خلدت الأراضي الأردنية للراحة، واكتفى ملوك الأنباط وشعبها بسلامتهم وحياتهم مقابل تجريدهم من سائر الصلاحيات , وبرزت ثقافة مزدوجة الرومانية وهي العليا الطاغية رسمياً، اما الهوية المحلية وهي النبطية العربية فكانت ادنى هيمنة من الرومانية , وكان لدى الأنباط ملوكاً وشعباً اصحاب قدرة على التكيف مع الظروف جميعها.

باندحار الملوك الأنباط من الصف الأول في المسؤولية إلى الصف الثاني أو الثالث، برز الخطر البدوي مرة أخرى ضد الرومان، وصار يهدد سلامة الممالك اللامعة المطمئنة من منطقة ينبع والوجه على البحر الأحمر جنوباً، ومروراً بجبال الشراة، وانتهاءً بضواحي دمشق شمالاً. وجاء الرد الروماني على ذلك على الشكل التالي:

1. دعم تحالف المدن العشرة لحماية إنجازاتهم وحضارتهم وثرواتهم.

2. أما القرى التي كانت خارج هذا التحالف وبعيدة عن متناول حماية الجيش الروماني، وقريبة من يد التخريب البدوي مثل درعا في حوران وقرية خو في وسط الأردن، وغيرها عشرات المدن على سيف البادية، فقد لجأت إلى حفر السراديب والمغائر تحت القرى القائمة، حتى إذا ما داهمهم الخطر البدوي او قوى الاحتلال لجأوا إلى هذه السراديب، ووجد البدو أنفسهم في قرية خاوية من الناس والطعام والمال، فيعودون القهقرى.

وقد يستمر اللجوء إلى هذه المدن تحت الأرضية أياماً طويلة وقد يتم في أوقات البرد الشديد أو الحر الشديد، وبمعنى آخر كانت هذه ملاذاً امنا لهم من الخطر الطبيعي والبشري كليهما على حدّ سواء.

3. كانت هذه القرى مضطرة أحياناً لدفع الأتاوة لشيوخ البدو لقاء أمرين هما : الأول عدم الاعتداء والهجوم من قبيلته، والثاني لقاء حمايتهم من أي هجوم آخر من أطراف بدوية أخرى. وهذا ما بقي مستمراً حتى مطلع القرن العشرين كما سبق وذكرنا.

4. الاعتماد على حماية الجيوش الرومانية التي كانت تتقدم ببطء وحذر باتجاه الجنوب والشرق. ولكنها وصلت أخيراً إلى العقبة وأقامت معسكراً وحامية هناك، مما أرعب قبائل البدو من الهجوم، لأنهم سيتعرضون حينها للتنكيل الروماني بكل تأكيد. وقد صارت ايلة / العقبة مركزاً للاستقرار، وبدأت تستعيد مجدها الذي كان زمن الأدوميين، واستمر زمن الأنباط، إلى أن صارت في حماية طابور روماني، فكانت مركزاً برياً بحرياً، ونقطة التقاء القوافل القادمة من الجنوب والشرق، وتتجه نحو مصر وفلسطين وشواطئ البحر المتوسط.

إذن قام تراجان الروماني بالإيعاز إلى واليه في سوريا لتدمير مملكة الأنباط، وذلك يعني القضاء على بنية الدولة والعرش , وقد غشيه عمى البصر والبصيرة عن الدور التاريخي والحضاري والسياسي الذي لعبته هذه المملكة على الساحتين المحلية والعامة مدة ستة قرون من 500 ق.م تقريباً.ومع هذا استمرت اربعة قرون بعد الميلاد , فتكون مملكة الانباط استمرت منذ صارت مملكة الى ان اختفت من الحكم الثاني حوالي الف سنة قبل وبعد الميلاد .


بعد ذلك قام الرومان بتقسيم البلاد / الاردن إلى ولايتين:

1. الولاية الأولى هي: ولاية بطرا العربية وعاصمتها بتراء Arabia Petra ، وهذا دليل على استمرار الأنباط والبتراء في الحياة والبقاء، ولكن ضمن أدوار ومهمات مختلفة عما كان عليه حالهم من قبل، إذ أن الترتيب الجديد وضعهم تحت حماية ووصاية وسيادة الرومان. وتتألف الولاية العربية من البتراء، وشبه جزيرة سيناء وخليج العقبة (إيلة) وساحل البحر الأحمر حتى الوجه(لوس كوم) وبصرى وحوران ومدائن صالح والعلا.وبذلك يكون الامبراطور كراكلا العربي الحوراني من رعايا باشان سابقا والانباط لاحقا ؟؟؟؟ .

2. الديكابوليس ـ تحالف المدن العشرة حيث صارت من ولاية سوريا .

كانت البتراء الاردنية عاصمة الولاية العربية، وقد سمحت روما لها بضرب نقود خاصة بها في عصر هدريان ومنقوشاً عليها اسم هدريان بطرا ( بترا ) متروبوليس، وهذا يدل على استمرار مملكة الأنباط تحت الوضع الجديد مع إخفاء أسماء الملوك ونشاطاتهم، ونشاطات وإنجازات الشعب وتحويلها إلى هيمنة الرومان وأيديهم.

تم نقل حاضرة هذه الولاية العربية فيما بعد، من البتراء إلى بصرى/ حوران التي كانت معسكراً للجيش الروماني الثالث. أما الجيش الرابع فقد عسكر في جنوب الاردن وكانت مهمته السيطرة على الأردن وذلك لمنع الأنباط من الثورة او اعادة بناء دولتهم ، ومنع البدو من الإغارة والتخريب، ولفرض السيادة الرومانية، وضمان جمع الضرائب والمنتوجات ونقلها إلى مقر الإمبراطورية أو إلى مقر الولاية الرئيسة في سوريا.

إن وجود الجيش الرابع في جنوب الأردن لدليل واضح على أن الأنباط لم يختفوا من الوجود والمعادلة أبداً، وإنهم كانوا تهديداً محتملاً في انلاع الثورة والفتن. وقد تم بناء ثكنتين لهذا الجيش : الأولى في اللجون وهو رأس وادي الموجب حيث يشكل الموضع حماية طبيعية للجيش بعيداً عن متناول الثوار في حالة حصول الثورة النبطية، وفي الوقت نفسه قدرته على التحرك، وسهولة التحرك لضرب الأنباط إذا ما ثاروا أو أشعلوا فتنة واضطرابات فضلاعما يتميز به المكان من توفر المياه الغزيرة , وكان احد منابع نهر الموجب ( عندما كان الموجب نهرا انذاك ) ..

واما المعسكر الآخر للجيش الرابع في الاردن فكان في أذرح ( شمال معان على مسافة بضعة كيلو مترات والى الشمال الشرقي من البتراء ) وهو جبهة متقدمة حيال البتراء، وفي مكان قريب، وبنفس الوقت حاجز يحول دون أي تحالف بدوي نبطي , وقوة تمنع البدو من ارجاء الاردن وجزيرة العرب من تجميع قواها للاغارة على تخوم الامبراطورية . هذا فضلاً عن الطابور الذي عسكر في العقبة ليكون حامية تراقب القراصنة في بحر القلزم ( البحر الاحمر ) واية تحركات وتحالفات بدوية بين بدو جنوب الاردن وجنوب فلسطين وشمال جزيرة العرب وساحل البحر البحر وشرق مصر ويلاد سيناء , ومنع اي احتلال لجزر تيران في خليج العقبة , لانها جزر ذات اهمية خاصة كما سنرى . وبذلك نجد ان الرومان قد عسكروا في سائر انحاء الاردن لاهميته وخطورته عليهم وغطوه بالحاميات .

وعلى أثر سقوط مملكة الأنباط تحت الاحتلال الروماني، ووجود ثكنات عسكرية أمر الإمبراطور هدريان ببناء طريق تربط بصرى شمالاً بالعقبة جنوباً، وكانت في حقيقتها عبارة عن تحديث للطريق القديم الذي كان يربط الممالك الأردنية من العقبة الى الهضبة ( الجولان وحوران ) والذي أقيم منذ حوالي 1000 سنة قبل الميلادي ونيف، ويمتد من بصرى التي كانت من أراضي مملكة باشان الاردنية إلى عمون إلى حشبون إلى مؤاب إلى أدوم إلى العقبة (إيلة).

وقد سمح هذا الطريق لسهولة التحرك الروماني في هذه البلاد، وأوضح الهيمنة الرومانية على البلاد، وعلى أنه لم تعد هناك ممالك ولن تسمح الدولة الجديدة بقيام ممالك جديدة، وأن الأمل الأردني الوحيد بقيام المملكة الاردنية النبطية قد تحطم على صخرة البتراء، وتحولت إلى مملكة أو إمارة ضعيفة تحت حكم القائد الروماني كما سبق وقلنا

لم تكن للرومان مصلحة في القضاء على الأنباط وملوكهم قضاءا نهائيا , وذلك لأسباب كثيرة:

1. أن الأنباط مملكة ذات جذور وحضارة قديمة، وهم أبناء المنطقة.

2. إن وجود الشعب النبطي وملوكه كان ضرورياً لغايات زيادة الإنتاج وجمعه، حيث كانوا شعباً زراعياً وتجاريا من الطراز الأول، وكان الرومان بحاجة إلى مزيد من الدخل لتقوية الدولة لتغطية نفقاتها واستمرار الطريق التجاري عبر اراضيها الجديدة التي هي في الحقيقة اراضي الممالك الاردنية وعلى راسها الانباط .

3. معرفة الأنباط الدقيقة في استغلال المياه واستنباطها فقد كانت تسميتهم اصلا بسبب مقدرتهم المتميزة على استنباط المياه فصار ذلك سام لهم , وهم المرسة المتفوقة الاولى عند العرب في استغلال واستنباط المياه ، وتوسيع الرقعة التجارية وجمع المياه في البرك أو السدود، وقد استفاد الرومان من تجربة الأنباط العظيمة هذه في بلاد سوريا وليبيا وشمال أفريقيا حيث تشابه ا لمناخ والبيئة، والحاجة كلها على حد سواء.

4. استخدام الفنيين والتجار ومهندسي المياه والطرق والبناء والفن لإثراء الحضارة الرومانية، ويمكننا القول أن هؤلاء الفنيين والمهندسين انتشروا في طول الإمبراطورية في داخل وخارج الاقطار العربية اتي احتلها الرومان , لأداء هذه المهمات، ولكن تحت أسماء رومانية لا صلة لها بالأسماء العربية.وكان لهؤلاء المهندسين النبطيين الاردنيين دورهم في بناء الحضارة الانسانية وبخاصة فيما يتعلق بهندسة المياه التي كان الانباط اكثر شعب في الدنيا يتقنها في العصور القديمة / زمن الانباط والرومان . وكل مانجده من بصمات رومانية في هندسة المياه والري بما فيها تدمر , انما كانت من منجزات المهندسين الانباط الاردنين العرب

5. كان هم الرومان هو إنهاء عنصر القوة والخطر والسيادة في الدولة النبطية وليس عنصر الإبداع والإنتاج، وهذا في رأينا ما كان والله أعلم.

أدت هذه الانتصارات والإجراءات الرومانية إلى انتشار الهدوء والسكينة في سائر أنحاء شرق الأردن، حيث لم تعد توجد مملكة تصبو للاستقلال او تستطيع الثورة , وإنما شعب فقط يتطلع للأمن والعيش والحياة والطمأنينة .

لقد تعب الأردنيون من أربعة أنواع من الصراعات وهي:

1. الصراع الداخلي بين الممالك الأردنية، وتبدل ولاءات الناس من دولة إلى أخر( داخل الوطن الاردني ) حيث كانوا يستمرون في قراهم ومدنهم عند احتلالهم من مملكة أردنية مجاورة، فيتحولوا من مواطنين لمملكة عمون مثلاً إلى مواطنين لمملكة مؤاب والعكس أيضاً ثم إلى مواطن في مملكة عمون ثم الأنباط وهكذا. فقد حلّ?Z الناس وذلك مللاً كبيراً. وسئموه، ويريدون الراحة والدعة.

2. الاحتلال الخارجي من دول الشرق والغرب وكان الناس مضطرون للدفاع عن أنفسهم تارة، وسوق أبنائهم أسرى إلى فارس أو بابل أو آشور تارة أخرى، أو قتلهم في ساح القتال، أو أخذهم للحرب في ساحات القتال الخارجية او الهروب الى بلدان مجاورة طلبا للامن والحماية ..

3. الصراع مع المملكة اليهودية في فلسطين , وهي التي كانت العنصر الرئيس في خلق القلاقل للممالك الأردنية وشعوبها، بين احتلال واندحار، وبين هجوم الاردنيين عليهم في القدس، وهجومهم بالمقابل على الأردن والاردنيين من جهة أخرى.

4. صراعهم مع بدو الصحراء الذين لم يتوانوا في أي وقت من الهجوم والنهب والسلب. وبالتالي كان الأردني يجد نفسه في موسم الحصاد أو موسم بيع المواشي وقد فقد كل ما لديه وجمعه او رباه وجناه طيلة عامه ذاك في لحظة واحدة من قبل المغيرين البدو الذين يبرزون من وسط الصحراء، ثم يعودون إليها, وهم يعرفون المواسم الني يجدون بها ضالتهم كم جهة , وقد يغيرون عندما يصيب القحط باديتهم . لقد كان الغزو البدوي نوعا من اعلدة توزيع الثروة تارة واغتراف الثروة برمتها تارة اخرى .

أمام هذا كله أثر الأردنيون الخلود إلى الراحة والهدوء وقد ملّوا الحروب والصراعات والغزوات وتحارب الجيوش الغريبة على ارضهم ، يحدوهم الأمل في عيش بعيد عن الخطر والصراعات بغض النظر عن نوع الدولة التي تحكمهم، فبرز مثل أردني قديم لا يزال قائماً: "من يتزوج أمي فهو عمي" وأيضاً: "الدول تأتي وتروح، أما نحن ففي أرضنا لا نغادرها"", وايضا الناس ناس والدولة دولة " كدليل انهم لايهتمون بنوع الدولة بمقدار اهتمامهم بالبقاء والحياة . ولم يعد يهمهم من يأتي ملكاً أو قائداً عليهم نبطيا كان أم رومانيا أم يونانيا , داخليا كان أم خارجيا ، وإنما المهم هو توفير الامن ولقمة العيش الآمنة، والحياة البعيدة عن القتل والتشريد والسبي.ولا ننسى ان احد معاني اسم الاردن هو : الامن والطمانينة

من هنا، صارت الجبهة الأردنية جبهة آمنة ودودة تجاه الرومان، الذين أعطوا عناية كبيرة لبلدنا ليكون قلعة لحماية جبهتهم الشرقية والجنوبية ضد فارس والبدو وجزيرة العرب , فعملوا على إعادة بناء المدن الاردنية السالفة ومنها مدن التحالف العشرة ، وازدهارها لأن ذلك سيأخذ الأردنيين بعيداً عن الثورة حرصاً على مكاسبهم.

وفي الوقت الذي نعمت فيه الأردن بالسلام والطمأنينة بدأت البراكين السياسية تنفجر في روما في الصراع على عرش الإمبراطور . وبعد أن استمر الصراع بين القادة الرومان ثلاثين عاماً للوصول إلى عرش الإمبراطورية استقر الحكم في يد الإمبراطور سبتموس سفيروس الذي عيّن إسكندر سفيروس عاملاً له على سوريا الذي دامت ولايته من 222 ـ 235م. استقرت خلالها أمور العرش الإمبراطوري ومناصب الولاية السورية , والتي كان الاردن جزءا منها .

برزت مخاطر جديدة ضد الرومان، وهي عودة الفرس إلى الظهور بعد أن كان آخر ظهور لهم عام 333 ق . م . عندما قام إسكندر المقدوني بغزو فارس والقضاء على دولتهم وعلى إمبراطورهم داريوس الكبير. ويبدو أن الفرس أرادوا الثأر من التيار الغربي ولكن من الرومان هذه المرة، لأن اليونان كانوا قد انكفأوا إلى بلادهم ولان الغرب بالنسبة لهم غرب والشرق شرق , وان العداوة بين الدول تقوم على الثارات وتضارب المصالح وتوسيع المجال الحيوي للدولة فيما يسمى المصلحة الاستراتيجية العليا لها . لقد كان الرومان يخشون من عودة الفرس , لذلك اعتنوا بالجبهة الاردنية يساعدهم في ذلك تفهم الاردنيين للامور , مما استفاد منه الاردنيون امنا واستقرتارا وازدهارا لبلدهم , وقيام حاميات رومانية لحماية الجبهة الاردنية من الخطر الفارسي والبدوي كما قلنا

قاد والي سوريا سفيروس المعركة ضد الفرس في عام 231م لم يحقق فيها أي تقدم سوى ما تم من إجراء معاهدة صلح بين الطرفين( الفارسي والرومي ) ووضع هدنة عدم اعتداء، لأن كل طرف وجد نفسه بحاجة لمزيد من القوات والاستعدادات قبل أن يغزو الطرف الآخر ويسحقه ويحتل اراضيه . وبمعنى آخر كانت معاهدة ما بين الضعفاء، أو بين أطراف التساوي في القوة او التساوي في الضعف .

قام الوالي سفيروس بنقل عاصمة الولاية العربية من بتراء في جنوب الاردن إلى بصرى حوران في شمال الاردن التي كانت مستعمرة رومانية، وقد تجاوب الإمبراطور مع هذا الإجراء ورفع بصرى إلى درجة متروبوليس. وبقيت الأردن آمنة، وبدأ الأنباط يعودون إلى ما كان عليهم حالهم في اول مراحلهم , من التحول , فيما بعد , إلى قبائل بدوية وملوكهم الى شيوخ لهذه القبائل كما كان حالهم قبل بناء البتراء . هذه القبائل النبطية صارت تحوم في نطاق أراضي مملكتهم والذين اشتملوا فيما بعد ذلك بقرون طويلة على ما سمي بالحويطات وبني عطية واللياثنة (بني ليث) سكان وادي موسى حالياً (القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين الميلاديين). صحيح ان كل عشيرة عند العرب تتضمن مجموعات لجات اليها طلبا للحماية او ضمن التحالف والموالاة , ولكن المبدا الاردني يقول :( من عاش مع القوم اربعين يوم صار منهم ) وايضا ( المربى غلب الاصل ) وبالتالي لايعني ان الحويطات او بني عطية جميعا من الانباط , وانما القبيلة بتركيبتها الاساس هي نبطية .

كان الوصول إلى عرش الإمبراطورية الرومانية قائم على القوة، ولا يصله إلا قائد من قادة الجيوش، له سجل حافل بالانتصارات والشجاعة والإخلاص للدولة والأمة، وقد انطبقت هذه المواصفات على عربي من عرب بصرى حيث اعتنقت هذه المدينة دين النصرانية، فكان أول إمبراطور روماني على دين النصرانية، ولا نعرف اسمه العربي لكن التاريخ دون اسمه الروماني وهو: ماركوس جولياس فيليبوس ( كراكولا ) الذي جلس على العرش الروماني لخمس سنوات إلى أن سقط قتيلاً عام 248م، وهو يقود جيشه لتأديب العصاة الرومان , لذلك لم يكن متفرغاً لإجراء أية تغييرات ضد الأنباط أبناء جلدته العربية. وهذا دليل على استمرار الأنباط وملوكهم ضمن مبدأ استمرار الحياة بدون الطموح لمراكز السيادة والقيادة ( حكم ذاتي )

بعد أن أنهى الفرس استعداداتهم للقتال، شنوا الحرب على الرومان الذين كانوا ( الرومان ) مشغولين في تأديب العصاة وقمع الثورات ضدهم في حوض نهر الدانوب وإسبانيا وشمال إيطاليا. ومع هذا وجد الإمبراطور فاليران Valerian أن يتجه إلى سوريا ليقود جيشه ضد الفرس، لأنه الخطر الأعلى والأولى ضد الرومان، ولكن سوء الطالع لازم فاليران في الحرب الطاحنة مع الفرس التي انتهت بأخذ الإمبراطور نفسه أسيراً ، ودخول الفرس إلى سوريا وتدمير أنطاكيا التي كانت الولاية الأهم في سوريا انذاك .

كان اندحار الرومان كارثة عظيمة، حيث توالت النكسات في أوروبا وسورياً معاً. وهنا برزت مشكلة جديدة لروما، وهي أن الملك أذينة العربي ملك تدمر في البادية السورية وجدها فرصة للانشقاق عن روما وإعلان استقلاله وانضمامه للفرس الذين احتقروه، ولم يقدّروا موقفه، مما أغضبه واضطره للثأر لكرامته، حيث أرسل إلى إمبراطور روما بأنه عاد ليكون ضمن رعاياه، وأنه يريد قتال الفرس.

جرد الملك أذينة العربي التدمري جيوشه العربية إلى الفرات حيث تصادم مع الفرس الذين كان يقودهم ملكهم سابور، وأبلى أذينة بلاءً حسناً وقهر الفرس، ومنعهم من التقدم في الديار السورية، مما جلب له رضا الإمبراطور الروماني فاليانوس Villainous الذي عيّنه قائداً عامّاً للجيوش الرومانية في الشرق، وخلع عليه لقب إمبراطور الشرق، إلا أن أذينة لقي حتفه غيلة عام 267م على يد ابن أخيه معن (معينوس) الذي تم القبض عليه وقطع رأسه، وتعيين زنوبيا امرأة أذينة ملكة على تدمر بدلاً من زوجها الذي مات غيلة كما قلنا .

وما أن جلست زنوبيا على عرش زوجها أذينة، حتى أخذتها نشوة التاج، ورأت أن تدمر بحدودها الحالية التي تشمل البادية السورية وسوريا ليست كافية للاسم الذي تحمله وهو: إمبراطورة الشرق، وأن مصر جزء من الشرق، وبالتالي فإن سوريا ومصر يجب أن تتحد تحت حكمها ليكون الاسم مطابقاً للواقع. ولكي لا تقتصر مهمة تدمر على التجارة والهيمنة على القوافل التجارية، وأنها يجب ألا تكون الشرطي الروماني الذي يؤدي ثلاث مهمات هي:

1. استيعاب البدو.

2. حفظ التجارة وطرقها والمواد التجارية.

3. الوقوف في وجه الفرس ومنعهم من التقدم إلى الغرب أو اجتياح سوريا أو الوصول إلى روما.

من هنا تطلعت زنوبيا إلى مصر وأرسلت جيشاً جراراً قوامه سيعين ألف رجل من جنود البادية الأشداء، وعلى رأسهم أحد ضباطها المخلصين زبداس (لا نعرف الاسم العربي له/ ربما زيد او زبيد ). وبالفعل نجح في الحملة باحتلال الإسكندرية التي كانت ثغر مصر على البحر المتوسط، ومنارة الحضارة فيها. كان ذلك في عام 267/268 واستمر الاحتلال لمدة ثلاث سنوات، عندما أوفد الإمبراطور الروماني أورليان قائده بروبس Brobios لاسترجاع الإسكندرية ومصر، بينما تحرك الإمبراطور على رأس جيش باتجاه تدمر لتأديب الملكة العربية زنوبيا والمملكة العربية التدمرية .

لم يدر في خلد الإمبراطورة العربية أن الإمبراطور الروماني سيفتح عليها جبهتين في آن واحد، الأولى في الإسكندرية، والثانية في قلب مملكتها في عاصمتها تدمر . وبالفعل نجحت خطة الإمبراطور واحتل تدمر، ووقعت الملكة زنوبيا في براثن المحتل الذي حملها أسيرة بالأغلال إلى روما، حيث عاشت معززة مكرمة كأسيرة، بعيدة عن قومها ومملكتها وديارها وعرشها. وأصبحت تدمر واحدة من المستعمرات الرومانية وألغيت الألقاب الإمبراطورية التي كانت لها. وصارت مثلها مثل أية مستعمرة من حيث التعامل والقانون. وسارت الدولة التدمرية على نفس النسق السابق، ولكنها فقدت استقلالها وسيادتها , وبذلك تجولت كالبتراء الى الحكم الذاتي المقيد . كلاهما ممالك عربية وكلاهما تحت الاحتلال الروماني .

لا بد هنا من الإشارة إلى نقطة هامة، وهي أن مصير التدمريين كان كمصير الأنباط. فكلاهما مملكة عربية، وعلى سيف البادية، وتتعامل بالتجارة والزراعة والرعاية. إلا أن طموح تدمر كان أسرع وأوسع من طموح ملوك الأنباط. وإذا كان المؤرخ الروماني قد ذكر نهاية زنوبيا التدمرية، إلا أنه التزم الصمت أمام مصير الملك دابل Dabel ملك الأنباط عند عام 106 وهو عام الاحتلال الروماني. ولو أنه تم قتل الملوك أو الأسرة المالكة النبطية , او انهم هربوا وتركوا شعبهم , لأشار إليها المؤرخ الروماني، أو لوجدنا ذلك في سجلات روما وآثارهم، ولكن الذي نجده هو الصمت المطبق حيال هذه المملكة الأردنية النبطية، ولم يترك لنا التاريخ الذي بين يدي والذاكرة (كوني مسجون وأكتب هذا الكتاب وأنا وراء القضبان محروم من الوصول إلى الكتب أو الشبكة العنكبوتية)، أقول لم يترك لنا ما بين يدي من التاريخ والذاكرة ما يبين مصير الملوك الأنباط ودولتهم وشعبهم , لكنني ارى انهم بقوا في البتراء وتحولوا كما قلت الى الحكم الذاتي الذي يجعل الملك تحت امرة القائد الروماني في البتراء.

من هنا فإن الإشارات القليلة تجعلني أدلي بدلولي حول هذا الموضوع، ذلك أن الرومان لم يكن همهم قتل ملوك الدول التي احتلوها، بل تحويل موالاتهم إليها، وقتل روح الاستقلال وزراعة وانماء روح الخضوع لهم، لأن سياستهم كانت تقوم على تغيير ما في أنفس الناس وعقولهم وسلوكهم، وليس تغييرهم هم. وهذا يتفق مع ما اتبعه الإسلام أن خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا، وهو ما أخذت به السياسة البريطانية في القرون المعاصرة والحديثة، في الاعتماد على تغيير الولاء والموالاة عند الأسر الحاكمة، وليس تغييرهم، لأن الهدف هو القيام بأدوار ومهمات معينة، فإن قبلوا استمروا وإن رفضوا تم إجراء الانقلاب من الداخل والإتيان بمن يقبل باداء المهمات .

نحن نرى أن الأمر نفسه ينطبق على السياسة الرومانية، التي لم تغيِّر الملوك الأنباط منذ عام 64 ق.م إلى عام 106 ب.م، والذين لم يغيروا الأسرة الحاكمة في تدمر، بل واصلت المملكة التدمرية واسرتها الملكية عملها ومهماتها تحت إشراف القيادة الرومانية في المنطقة. بل أن التاريخ يشهد للرومان التسامح ولين الجانب في التعامل مع تدمر. وهم لم يلجأوا إلى ذلك إلا بعد أن نجح هذا الأسلوب مع الأنباط الذين كانوا أكثر ذكاءً ودهاءً ومرونة من التدمريين.

وبناء عليه، فإنني أرى ان مملكة الأنباط استمرت في عملها ومهماتها، واستمرار الأسرة المالكة على العرش، ولكنهم كانوا ضمن حكم ذاتي تحت القيادة الرومانية، وكان ذلك مهم للرومان حتى لا تثور القبائل التابعة للأنباط ضد روما، ولكي لا تشتعل الثورات والفتن ضدهم في هذه المملكة الواسعة،ولكي لاتنفتح الابواب لبدو الجزيرة ان يغيروا على الرومان يفتحوا عليهم جهنم الصحراء . ويبدو أن الملوك الأنباط بقبولهم الذكي للوضع الجديد قد أسكت الرعية وقبلت مثل ملوكها بالوضع الجديد.

1. إن الرومان عندما احتلوا البتراء عاصمة المملكة النبطية وجدوا مملكة تمتد من الوجه وينبع جنوباً وتشمل مدائن صالح والعلا، وساحل البحر الأحمر وخليج أيلة (العقبة) وتيماء ودومة الجندل ووادي السرحان والجوف شرقا , ثم غربا تشمل سيناء ، ووادي عربة , كما تشمل شرق الأردن حتى نهر اليرموك، والبادية الأردنية، وضواحي دمشق. أي أنها كانت الوريث الواقعي لممالك أدوم ومؤاب وعمون وباشان ومديان، وأنها كانت أول مملكة في تاريخ الأردن تهيمن على الأردن القديم من الوجه والعلا إلى نهر اليرموك وهضبة الجولان, اللهم باستثناء صور وعكا وجنوب لبنان .

لا يمكن للرومان أن يجازفوا بمعاداة هذه المجموعات السكانية في هذه الديار الواسعة. وفيهم نسبة عالية من البدو القادرين على إيجاد مشاكل كبيرة للإمبراطورية، واستدراجهم في حرب استنزاف طويلة سيكون الخاسر فيها الرومان بكل تاكيد . من هنا كان من الحكمة لدى المحتل أن يبقي العرش النبطي على ما هو عليه ليكون أداة بأيدي القادة الرومان لضبط شعب هذه المملكة، واستمرار الحياة والإنتاج الذي ينعكس إيجابياً على أمن الإمبراطورية ووارداتها المالية والإنتاجية . من هنا، فإننا نرى أن الأنباط استمروا شعباً وملوكاً ودولة، ولكنهم تحولوا إلى مؤسسة رومانية.

2. من خلال استعراض نظام القنوات واستغلال المياه في تدمر، نجد بما لا يقبل الشك أو الجدل أن المهندسين الأنباط قد انتقلوا إلى هناك سواء رغبة منهم, او عنوة عنهم , أو بإيعاز من الرومان، أو بإغراء من الملك التدمري. وعندما ذهبوا لم تكن الأجواء غريبة عليهم . فالجميع تحت علم وسيادة روما، والجميع يتحدثون اللغة العربية، والموقع الجديد يقبع على سيف الصحراء ويحتاج إلى نظام دقيق لتوفير المياه في هذه الأجواء القاحلة كما كان حال ابتراء والبادية الاردنية .

3. من خلال النمط التجاري الذي سلكته تدمر، نجد أنها استفادت من خبرة الأنباط في تحويل الزبائن والقوافل إليها، ومعرفة حاجة السوق، وإجراء الصفقات، وبالتالي كان الأنباط أساتذة التدمريين في هذا الأمر، وأعطوهم محصلة تجاربهم عبر ستة قرونونيف , لذلك ازدهرت تدمر بسرعة لأن مهندسي الماء، والتجار كانوا من الأنباط، وفي أعلى درجات الاحتراف كل بعمله ومهنته. وقد تعلم التدمريين ذلك بسرعة، وأخذوا نتائج التجارب الطويلة لأخوتهم الأنباط.

4. مما لا شك فيه أن العديد من السكان والقبائل التي كانت تحت التاج النبطي قد رحلت إلى تدمر وما حولها، لأن ذلك كان أمراً سهلاً، فهم بصفة عامة رعايا رومانيين انتقلوا من مكان إلى آخر، وهم بصفة خاصة عرب تحركوا من ديار عربية إلى ديار عربية تتكلم اللغة نفسها، وتسوس الأمور بنفس الأسلوب الذي كانت تسوسه البتراء. كما أن تدمر كانت ترحب بهؤلاء لأن زيادة السكان تعني زيادة القوة، وسهولة بناء الجيش، وتوفر الرجال للحرب أو للدفاع عن حياض العرش والدولة

5. وفي رأينا أن الأسرة الملكية النبطية لم تتلاشى إلا بعد أن توكد الرومان من ازدهار تدمر. أي بعد عام 243م، أي بعد أن تسلم السوري الحوراني عرش روما في ذلك العام. ولا شك أنه تعصّب لمنطقته على حساب منطقة الأنباط. وأنا أرى أن ملوك الأنباط انتهوا في هذه الفترة أي بعد قرن ونصف من سقوط البتراء وربما ازيد من ذلك لكنه بكل تاكيد لم يكن اقل من ذلك .

6. وأنني لعلى يقين أن الحفريات والدراسات المستقبلية في البتراء والأردن وسوريا لا بد وأن تتوصل إلى نتيجة قريبة مما توصّلنا إليه بفعل التحليل، وليس بفعل المعلومة المؤكدة.

وإذا قال أحد أنه لا دليل على ما أقول، فإن جوابي، وببساطة أنه لا يوجد دليل على إنهاء البتراء والأنباط وملوكهم , وانما فقط عن احتلال هدريان للعاصمة البتراء ، وليس لكل البلاد عام 106م, ثم نجد صمتا رسميا من قبل الرومان . ونحن نرى ان ملوك الأنباط لم يتركوا عاصمتهم، ولو هاجروا أو تحركوا إلى أماكن أخرى لظهر ذلك في المراجع بطريقة أو بأخرى, او لفعلوا مثلما فعل المديانيون والادوميون الذي غيروا مواقعهم واسماءهم حسب الاماكن الجديدة كما سبق وشرحنا . من هنا فاننا نرى ان الانباط بقوا في البتراء، وقبلوا بالشروط الرومانية كاملة وهي : الاستسلام والخضوع الكاملين مقابل الاستمرار على العرش وتطويع الشعب لخدمة روما وليس لخدمة الملك.

كان من مصلحة الرومان بقاء الملوك الانباط بالبتراء خشية تكرار مشهد المديانيين الذين اسسوا مملكة جديدة استمرت عدة قرون بعد رحيلهم من مدين القديمة . وكذلك الامر بالنسبة للادوميين الذين اسسوا مملكة جديدة اسمها ادوميا في فلسطين وصاروا مصدر ازعاج للرومان من خلال ملكهم هيرودس كما سبق واشرنا سابقا . ولو ان الملوك الانباط خرجوا من البتراء لاقاموا مملكة على اي جزء من مملكتهم السابقة في شمال البادية الاردنية او في مناطق العلا. لذا ارتأ الرومان بقاءهم في مملكتهم وعلى عرشهم ولكن بشروط مذلة ولم يطردوهم .

ان حضارة تدمر بنيت بايدب الانباط العرب الاردنيين بامتياز , وكذلك بناء السدود واقامة معصر الزيت والخمور وقنوات المياه وانظمة الري في سائر انحاء الاردن انما كان يايدي المهندسين والعمال المهرة الانباط . ليس هذا فحسب بل ان النظام المائي الذي اقيم في عهد الرومان في الصحراء الليبية والابوادي السورة وشمال افريقيا انما كان بايدي المهندسين والعمال المهرة الانباط الاردنيين وتحت اشرافهم . لذا فالرومان قضا على سيادة وسياسة المملكة الاردنية النبطية وليس على فعالياتها غير العسكرية والسياسية , وتركوا نظام الوراثة الملكية كما كان واخذوا العمال والمهندسين ليعمروا الامبراطورية الرومانية بل ان القناطر والجسور في روما قد بناها المهندسون الانباط الاردنيون كما سنرى .

ثم نعود إلى تدمر حيث اشتعلت فيها ثورة عام 273، قادها أحد أعوان زنوبيا، ولكن ردّ الفعل الروماني هذه المرة كان عنيفاً وصارخاً , إذ انقضّ عامل روما على سوريا، أقول انقضّ على تدمر وأخمد الثورة ودمّر المدينة، وحوّلها إلى أطلال، لا زالت كذلك إلى يومنا هذا، وقد كانت النتائج وردود الفعل العربية سلبية ضد الرومان سلبية، حيث أشعلوا ثورتهم ضد روما عام 290م مطالبين بانسحاب القوات الرومانية، والاستقلال عن روما، وهي المطالب التي اعتبرتها روما خطيرة جداً، إلى درجة أن الإمبراطور لم يقنع بإرسال جيش أو قائد، بل زحف هو بنفسه إلى سوريا على رأس جيش لقتال المتمردين العرب .

كان الإمبراطور ديوقليتيان (284-365) المذكور قد شعر بالخطر من هذه الثورة العربية التدميرة لأسباب واضحة:

1. أن التدمريين جميعاً ومن حولهم من العرب مخلصون لزنوبيا أو من ينوب مكانها على العرش، لأن أسرتها تشكل رمز وحدتهم واتحادهم وكيانهم العربي.

2. إن هذا الحادث يبيِّن أن ملوك الأنباط قد تلاشوا قبل ذلك بقليل, او انهم كانوا في اخر رمق من الضعف , مما يؤيد رأينا، وبالتالي نظر العرب إلى هذا المخطط الروماني أنه تصفية نهائية للهوية العربية فوق الأرض العربية، وفي داخل الممالك العربية وإن ما بدأ بالأنباط سينتهي بتدمر.

3. أن كثيراً من السكان كانوا من رعايا الأنباط وقد نعموا سابقاً ولاحقاً بالحياة ورغد العيش، وأن الاحتلال حرمهم من هذه الامتيازات ومن التجارة، ومن الاستفادة من القوافل التجارية التي منعها الرومان.

4. إن الإمبراطور خشي من تحالف عربي فارسي ضد روما، مما قد يؤدي إلى طرد الرومان من بلاد الشرق كاملة.

5. ظهور قوة البدو مرة أخرى، مما يهدد أمن المدن العشرة والوجود الروماني برمته , والخشية من تحالف بدوي تدمري نبطي تجمعهم الهوية العربية وتحرير بلدانهم من الاحتلال الروماني .

اذن كان الامر في غاية الاهمية والخطورة على وجود روما وسيطرتها على بلاد العرب . من هنا سار الإمبراطور ديوقليتيان، كما قلنا، على رأس جيشه، فدمر البدو وأخلدهم إلى السكينة، ثم تواجه مع الفرس الذين كانوا يستعدون للهجوم على سوريا وحال دون تقدمهم، حيث لم يكن لدى الفرس بعد قوة قادرة على دحر الرومان، وقد أدت هذه الحملة إلى استقرار الأمن في سوريا وشرق الأردن قرناً كاملاً قادماً.

عاد الإمبراطور المذكور وقسّم الولايات في سوريا، فأقرّ الولاية العربية ( الاردنية ) ومركزها البتراء، وذلك دليل استمرار هذه المدينة في الحياة والاستقرار. وقد شملت الولاية العربية أراضي جنوب الأردن حتى الوجه والعلا ومن خليج أيلة (العقبة) جنوباً حتى نهر الزرقاء شمالا . أما القسم الشمالي من شرق الأردن فقد صار ومن ضمنه مدن الديكابوليس، أقول صار جزءاً من الولاية العربية الشمالية اللبنانية السامية وعاصمتها بصرى في حوران. The Province of Arabia August Libanesus .

وبذلك بقيت الولاية العربية الجنوبية ضمن أراضي الأنباط، ولا نجد ذكراً للملوك، لكن ذلك إشارة ضمنية لوجود الشعب، ودليل على ما سبق وقلنا أن الملوك تحولوا إلى شيوخ للقبائل، وذلك استجابة لما تتطلبه الظروف الجديدة في صراع البقاء. وبعد موت ديوقليتيان بحوالي عشرين سنة (385م) تم تغيير تبعية مدن الديكابوليس من بصرى إلى ولاية الجليل وعاصمتها بيسان، بينما بقيت الولاية العربية الجنوبية (البتراء) على حالها, وكانت الجليل والاردن جزءا من الاردن انذاك .

كان لا مناص للرومان من التعامل مع شيوخ البدو بالمودة والمال، فدفعوا المال المنتظم كل عام لهؤلاء الشيوخ. وبالتالي صارت القبائل في شرق الأردن حتى وادي السرحان والجوف وتيماءودومة الجندل تتقاضى المال السنوي من روما، مقابل عدم الاعتداء على روما أو ممتلكاتها، فضلاً عن منعهم لأية موجات قد تأتي من جزيرة العرب بهدف، أقول بهدف الاعتداء على روما وممتلكاتها.

بقيت الأمور متتابعة حتى عام 395، عندما مات الإمبراطور تيودوسياس Theodosius الذي بدأ نمطاً جديداً من الوصول إلى عرش الإمبراطورية، ليكون مستقراً، وهو الوراثة لاول مرة في عهد الامبراطورية الرومانية , ذلك أن وراثة الحكم وإن كانت تحمل كثيراً من السلبيات، إلا أنها تؤدي عادة إلى الاستقرار السياسي في مواقع رأس السلطة أي مؤسسة العرش. وقد سلكت الكثير من الدول الأوروبية هذا الأسلوب فيما بعد، وجعلوا مؤسسته العرش لتكون رمزاً للتوازن والاستقرار، وبالتالي تملك ولا تحكم، بينما يكون الحكم الحقيقي بأيدي الشعب من خلال الانتخاب لرئيس الورزاء والنواب وحكام الولاياتوهو الامر السائد في اوروبا الى الان .

أما تقسيم الإمبراطورية الرومانية عام 395م فقد جعل روما عاصمة القسم الغربي، وصارت القسطنطينية عاصمة القسم الشرقي الذي سمي فيما بعد باسم بيزنطة وهو الاسم اليوناني القديم (بيزنطة) لمدينة القسطنطينية وكانت الولاية العربية والديكابوليس (الأردن) ضمن الإمبراطورية البيزنطية الشرقية ( القسطنطينية ) .

وبسقوط مملكة الأنباط، ومملكة تدمر وموت الإمبراطور عام 395، ادت هذه كلها إلى انفلات عقد الضبط البدوي في الاردن بخاصة وسوريا بعامة , فانفجرت الثورة من بدو مملكة البتراء عام 395 وهذا يدل على أن نهاية ملوك الأنباط كانت حول هذا التاريخ قبلا او بعدا وانهم في هذه الفترة ملوك بالاسم وشيوخ عربان في الحقيقة , وبالتالي تلاشت سيادة العائلة المالكة النبطية ودولتهم الذين كانوا يشكلون حاجزاً عازلاً بين البدو والرومان وتحولوا الى قبيلة متجولة او شبه متجولةليس الا . ومن الواضح أن ملوك الأنباط ( في الزمن الغابر ) كانوا يتعاملون مع هؤلاء البدو المتمردين على أنهم رعايا أنباط، لهم امتيازات وأعطيات، ويشاركون في تأجير جمالهم وخيولهم لنقل البضائع، ويعملون أدلاء للطرق، ولا شك أنهم كانوا يتقاضون حوافز ومكافئات من ملوك الأنباط لزرع عنصر التنافس الطيب في خدمة الدولة، بدلاً من قيادة الهجوم والتمرد للتدمير.

ثار قبائل الهون من أهالي الأراضي الجنوبية للأنباط، أقول ثاروا ضد السلطة الرومانية. وهذا يبرهن على رأينا من أن ملوك الأنباط تحولوا إلى شيوخ قبائل مثلما كان أمرهم قبل ألف سنة من هذا التاريخ أو نحوها، وأنهم بدأوا يعانون ليس من اضطهاد السلطة الرومانية فحسب، بل ومن إهمالهم فإذا بهم يحرضون القبائل الأخرى للقيام بالثورة، لعلّ بيزنطة المعتدية تثوب إلى رشدها، وتطالب بإعادتهم إلى العرش، ويعيدون بناء مملكتهم من جديد. إلا أن ذلك لم يزد على كونه أحلاماً وأوهاماً.

إذن قامت الثورة والاضطرابات من قبل عشائر الهون العربية النبطية في جنوب الولاية العربية الجنوبية (ولاية بترا). وقد عكرت هذه صفو الإمبراطورية الرومانية وتزامنت مع غياب دولتي الأنباط وتدمر العربيتين.

ليس هذا فحسب، بل إن دومة الجندل قد عادت إلى دورها كنقطة استقطاب لقبائل شرق وشمال جزيرة العرب، وقبائل الرافدين، قبل هجومهم على بلاد الأردن وسوريا. وكانت هذه خارجة عن سلطة الرومان، حيث ظهر شيخ قبيلة عربية وفد من الرافدين واسمه امرؤ القيس ـ وليس الشاعر المعروف وإنما اسم على اسم فقط ـ وقد ظهر في منتصف القرن الخامس أي بعد حوالي خمسين عاماً من وفاة الإمبراطور وتقسيم إمبراطوريته.

كان هذا الشيخ العربي متحالفاً مع الفرس، فهاجم ولاية بترا العربية وسيطر على الأرض والناس حتى وصل إلى شواطئ البحر الأحمر، ثم احتل جزيرة ثيران (الحديثة) التي كانت تحت سيطرة الرومان وفيها حامية رومانية ضعيفة. وكان يهدف في تحركاته هذه إلى السيطرة على الطرق التجارية المارة عبر الأراضي الأردنية من ساحل البحر الأحمر إلى تيماء والجوف ودومة الجندل ووادي السرحان.

شكل هذا الشيخ إمارة في البادية الأردنية وشمال جزيرة العرب، وخضعت له قبائل الأنباط والهون، حتى عام 473م أي لمدة ربع قرن تقريباً، وهنا تحوّل هذا الأعرابي من مقاتل إلى سياسي إذ أوقد أحد الأسقافة الأردنيين إلى قيصر بيزنطة، فحصل له من الإمبراطور على لقب فيلارك ووافق له على الاحتفاظ بثيران وجنوب الأردن والواحات الصحراوية في شنال جزيرة العرب .

وفي الحقيقة أن الإمبراطور أعطى من الأراضي والناس ما لم يكن تحت سلطانه الحقيقي أصلاً، ولكنه وجد في الشيخ امرؤ القيس مشروعاً يشكل حاجزاً بين الإمبراطورية الرومانية وهجمات قبائل العرب القادمة من الجزيرة أو بلاد الرافدين.

يبدو أن ما وافق عليه امرؤ القيس من استعداده لقهر البدو، لم يوافق عليه خليفته الذي تنازع مع الرومان، وصارت الأردن ساحة لمعارك طاحنة هي في حقيقتها بين قبائل الأنباط والهون وسائر القبائل البدوية الأخرى من جهة، والقوات الرومانية من جهة أخرى. وكانت النتيجة انسحاب العرب من تيران، واندحارهم إلى الصحراء في جنوب الاردن وشمال جزيرة العرب , طلباً للأمن والحماية، وفرضت روما سلطانها على الأردن برمته من العلا جنوباً حتى بيسان والجولان شمالاً، ومن نهر الأردن غرباً إلى تيماء والجوف شرقاً ووادي السرحان ,وهذه الاراضي وما حولها كانت الاردن والولاية العربية بالنسبة لهم .

كان لانتصار الرومان على القبائل الأردنية واتباع امرؤ القيس نتيجة لم تكن في حسبان الرومان، إذ تبيّن أن امرؤ القيس كان مدفوعا من الفرس، وقد ساء العجم ما حصل للعرب على أيدي الرومان، وشعروا أن الخطر الروماني يقرع أبوابهم، وأنه لم تعد توجد قوة بدوية تستطيع قهر الرومان أو هزيمتهم. وهنا ظهر الجيش الفارسي بعدته وعديده ، وقضِّه وقضيضه. لتمريغ أنف الجيش البيزنطي بالتراب.

كانت المعركة الفاصلة بين الفرس والروم عام 530م وهي معركة داراس، استطاع القائد الروماني بلساريو Balsario من ضرب الفرس ضربة شديدة، قصمت ظهورهم لفترة طويلة من الزمن. وبذلك استطاع الروم دحر الفرس عدة مرات، وفي كل مرة يغيب الفرس عن ساحة الصراع خمسين عاماً أو مائة عام. فلا هم قادرون على الاجتياز إلى سوريا ومصر والعراق مثلما فعلوا من قبل , ولا الرومان قادرون على التوغل في بلاد الرافدين وفارس مثلما فعل الإسكندر المقدوني.

عاد الرومان إلى سياستهم التي كانت قبل خمسمائة سنة وهي دعم مملكة عربية على الارض الاردنية تحديدا وليس على غيرها , لتكون الحاجز بينهم وبين البدو، ومن الواضح أنهم قرعوا سنّ الندم في القضاء على الأنباط والتدمريين. وهنا برز الغساسنة اليمنيون من أهل الأردن على الخارطة السياسية، حيث شكلوا إمارة مهمتها استيعاب القبائل الداخلية والوافدة والغازية والطارئة وأن تكون حاجزاً حامياً واقياً بين جسم الدولة البيزنطية والصحراء وجزيرة العرب وبلاد الرافدين .

كان الغساسنة أصلاً من أهل اليمن وغادروه على اثر خراب سدّ مأرب، واستقر بهم المطاف في الحجاز والشام، وصار غالبيتهم في شرق الأردن، حيث كانت أسرة عمرو بن ماء السماء ملكهم في اليمن قد استقرت في الأردن، وقد وجدت هذه الأسرة أن الظروف مواتية لاستعادة ملكهم الضائع في اليمن، في منازلهم الجديدة، فجمعوا القبائل وأعلنوا ولاءهم للدولة البيزنطية التي وجدتها فرصة عظيمة أن تجد قوة عربية في مواجهة العرب والفرس معاً على حد سواء , وان تكون على اخطر جبهة في الامبراطورية الرومانية وهي جبهة الاردن .

واستطاع الحارث بن أبي شمر الغسّاني أن يصبح ملكاً على سوريا تحت لواء بيزنطة وصارت الأردن والجوف وممتلكات الأنباط جزءاً من مملكته الغسّانيّة. وكان الغساسنة مخلصون حقاً للرومان فوجدوا الدعم والثقة من جانب بيزنطة واستمروا ملوكاً مدة قرن من الزمان تقريباً، وانتهوا بعد معركة اليرموك، عام 638، وبذلك لعب الرومان سياسة استخدام طرف آخر للحرب بالنيابة وأداء المهمات نيابة عن الدولة البيزنطية. وهو ما فعله الغساسنة بكل رحابة صدر.

برزت معضلة جديدة للإمبراطور جستنيان، ألا وهي الثورات والفتن ضد عرشه حيث تقدم الغوط نحو إيطاليا، والفندال نحو إسبانيا وأفريقيا. مما احتاج معه إلى إرسال الجيوش لمواجهة هذه الأخطار التي قد تمزق الإمبراطورية وبالمقابل بدأت القبائل البدوية تغزو الإمبراطورية من الشرق، فوجد الفرس الفرصة مواتية لإعلان عدائهم لبيزنطة التي زادت من دعم البدو بالمال ليكونوا سدّاً منيعاً أمام الفرس وحلفائهم من عرب العراق.

سحبت بيزنطة جنودها من الشرق للدفاع عن الإمبراطورية في الغرب، وهنا سنحت الفرصة للبدو أن تغير على قبائل العرب في العراق مما أعطى الفرس مبرراً لملاحقة هذه القبائل باعتبارها ارتكبت جريمة مهاجمة حلفاء فارس من العرب، والادعاء أن ذلك لم يتم من البدو إلا بدعم وإغراء من الرومان. فأغار الفرس على سوريا ونهبوا أنطاكيا، وتصدى لهم الجيش الروماني بقيادة بلساريوس الذي خاض خمس سنوات من الحرب مع الفرس انتهت مرة أخرى يعقد صلح بين الفريقين المتحاربين.

ومما زاد الطين بلّة أن الطاعون تفشّى في الشرق عام 542م، مما زاد في إطالة أمد الحرب. وقد أباد الطاعون خلقاً كثيراً، أضعاف ما أبادته المعارك الطاحنة، حتى أنه كان يموت أحياناً في اليوم الواحد في القسطنطينية عشرة آلاف شخص واستمر هذا الوباء ثلاثة أشهر، وبقي يظهر على فترات متقطعة لمدة نصف قرن.

كان حصد الطاعون لرعايا بيزنطة قد حال دون تجنيد الاعداد الكافية لحسم المعركة مع الفرس، فضلاً عن انشغال القسم الأكبر من الجيش الروماني في القتال على الجبهات الغربية (الأوروبية) كما ذكرنا أعلاه. ومع هذا آلت المعارك إلى انتصار جستنيان على الغوط والفندال، وتمددت الإمبراطورية، رغم ضعفها، في أرووبا وشمال أفريقيا وإيطاليا وإسبانيا. وقد رافق هذه الحروب كثرة بذخ الإمبراطور جستنيان على الملذات، فتبددت موازنة الدولة، فما أن مات جستنيان حتى ترك الإمبراطورية في حالة وهن وضعف، بل أضعف مما كانت عليه عندما تسلم الحكم، رغم اتساع ممتلكاتها وكثرةوتعدد وارداتها , كما قلنا.

تعاقب على عرش الإمبراطورية عدد من الأباطرة الضعاف، واستغل الفرس هذا الوضع، وراحوا يغيرون باستمرار على الولايات الشرقية، حتى تسلّم العرش الإمبراطور هرقل فيما بين 610م ـ 641م. وأوقف الفرس عند حدهم. كان هرقل شجاع حكيما محنكا , لكنه ورث تركة صعبة مهلهلة ضعيفة، تنتابها الثورات والفتن في الداخل، وتتعرض لهجمات الفرس من الخارج فضلاً عن ضعف الميزانية التي سخّرها للمجهود الحربي ، مما أهمل أعطيات القبائل العربية الاردنية التي كانت حاجزاً منيعاً أمام قبائل جزيرة العرب وبلاد الرافدين.

في مطلع ولايته، جابه هرقل زحفاً فارسياً في 613م إلى الغرب واستولى الفرس على سوريا والاردن ثم على فلسطين واحتلوا القدس، وذبحوا 90.000 مسيحياً فيها. ودبّ الرعب في قلوب سكان الأردن وفلسطين ومصر، فاحتل الفرس مصر عام 617 ثم بدأوا يتأهبون للزحف على القسطنطينية.

كان وضع هرقل حرجاً بالفعل، حيث صارت بلاد الشام ومصر برمتها تحت السيطرة الفارسية، وصارت عاصمة ملكة مهددة بالمصير نفسه، وهنا رأى أن مجابهة العدو مباشرة في بلاد بيزنطة سيكون كارثياً، لذا استدرج الفرس نحو آسيا الصغرى، بينما توجه بجيشه إلى قلب فارس لقطع خطوط إمدادات الجيش الفارسي واحتلال بلادهم والقضاء عليهم . وبالفعل تقدم هرقل عام 622م في آسيا الصغرى، وقطع خطوط مواصلات الجيش الفارسي وقاعدته في وادي الرافدين.

نجحت خطة هرقل ومجازفته نجاحاً كبيراً، وهو يتقدم نحو الشرق، وهنا وجد الفرس أنه لا مناص من العودة للدفاع عن بلادهم وعاصمتهم، فكانت الواقعة الحاسمة بين الفريقين في نينوى عام 627م، أدت إلى عقد صلع بين الطرفين، استرجع الفرس بموجبه جميع البلاد التي فقدوها، وأطلقوا سراح أسرى الرومان، وأعادوا الغنائم التي نهبوها من القدس. وبذلك تحقق نصر بيزنطي على الفرس. ووجد هرقل أن الفرصة مهيأة له ليلتقط أنفاسه ويخلد إلى الراحة ويهنأ بعرش الإمبراطورية إلا أن ذلك لم يتم أبداً، ذلك أنه شهد بأم عينيه تمزيق إمبراطوريته على أيدي المسلمين الذين دخلوا إليه من خلال الأردن وأهل الأردن والقبائل الاردنية التي اهملها .

كان تخوف الرومان دائماً أن تفرز لهم جزيرة العرب من يمزق ملكهم، ويطردهم من بلاد العرب وهي سوريا وفلسطين والأردن, وكان العالمين بالتوراة والانجيل بنصوصها الاصلية يعرفون انه حان وقت ظهور النبي العربي الامي , ولنا في قصة الراهب بحيرا مع رسول الله صلى اللهعليه وسلم عبرة ومثلا . كان هرقل دائم الخوف من النبوءات التي تتحدث عن تمزيق ملكه على ايدي هؤلاء العرب . من هنا لجأ الرومان إلى إيجاد إمارات عربية كانت منطقة عازلة بينهم وبين الجزيرة، قوامها (أي الإمارات) قبائل عربية نزحت من الجزيرة، حيث تعاقبت هذه التحالفات والإمارات من التنوخيين ثم الضجاعمة، وكلاهما من قضاعة ثم ظهر الغساسنة الذين طالت إمارتهم حتى دخلت التاريخ كملكة عربية سورية شملت الأردن ودمشق وما بينهما وبواديهما .

إن الغساسنة ليست القبيلة الأولى التي تنزح من اليمن إلى الأردن وبلاد الشام، بل هي واحدة من الموجات المتتابعة عبر التاريخ. فاليمن بالنسبة للعرب هي أم العرب، وهي المستودع الذي زوّد بقية أجزاء الجزيرة والهلال الخصيب وشمال افريقيا والقرن الافريقي بالقبائل النازحة من هناك لأسباب كثيرة أهمها موجات الجفاف، وخراب سدّ مأرب لأكثر من مرة عبر التاريخ، آخره كان الذي لفظ الغساسنة إلى حيث استقر الأوائل من أبناء اليمن في شمال جزيرة العرب . اي الى الاردن .

نقول ليس الغساسنة هم أول من هاجر أو آخر من هاجر، بل أن المؤمنين من قوم هود عليه الصلاة والسلام استقروا في مدائن صالح في شمال جزيرة العرب، وظهر منهم سيدنا صالح عليه الصلاة والسلام، وأمن منهم قوم نزحوا مرة أخرى إلى جنوب الأردن وشماله وإلى بلاد الشام، ومنهم الثموديين في بلاد الحرة شمال الأردن، والذين كان لهم الخط العربي الثمودي الذي تم العثور عليه محفوراً في الصفاة في منطقة البادية الشمالية الأردنية ومن احفادهم عشائر أهل الجبل الذين يعيشون في تلك الديار وفي جنوب سوريا الحالية.

ومن الثموديين أيضاً: القيداريون الذين سيطروا على تيماء ودومة الجندل ووادي السرحان، ومنهم جذام قوم سيدنا شعيب وهم أهل مدين وأهل الأيكة، وكلاهما مذكور في القرآن مرة زمن سيدنا شعيب النبي العربي (خطيب الأنبياء)، ومرة زمن حفيده الكاهن شعيب الثاني جيثرو Jethro الذي عمل عنده النبي موسى عليه السلام عندما توجه تلقاء مدين هارباً من بطش فرعون وقومه بعد قتله للقبطي من قوم فرعون كما ذكر القرآن قصته بالتفصيل .

ولا زال أحفاد جذام في الأردن وهم: بنو صخر، وعباد، والحمايدة، وبني عقبة (العمرو) والعجارمة والعتوم وبني ياسين ( وشيوخهم الشريدة وجزء من عشائر معان ومنهم عشيرة قباعة احفاد ابي فروة الجذامي رضي الله عنه .. والقائمة تطول ) وعشائر أخرى بأسماء أخرى. بل إن الحروب القبلية في القرن السادس عشر حتى نهاية القرن التاسع عشر كانت صراعاً بين اليمنية من جهة , والقيسية من جهة اخرى استمرارا لهذا الصراع الذي بدا زمن مروان بن الحكم الاموي . اما اليمنية فقد تعاقب على زعامتهم في العصور الاسلامية منذ بداية العصر الايوبي وما قبله كل من : نافع العجرمي، ثم الأمير المهداوي من بطن طريف من جذام , ثم بنو صخر الذين تزعموا حلف اليمنية منذ نهاية القرن السابع عشر الميلادي . اما حلف القيسية ( البلقاوية ) فقد الت الزعامة والقيادة فيهم إلى العدوان كما سنرى فيما وكما فصّلنا في الجزء الخاص: بالتاريخ السياسي للعشائر الأردنية، أما القيسية فهم عشائر الحجاز من غير الأصل اليمني ومن لف لفهم من الحلفاء والاتباع .وهناك نسبة عالية منهم من اصل يمني ولكنهم انضموا الى حلف القيسية بزعامة العدوان كما سياتي فيما بعد ان شاء الله .لان العنوان في التحالفات العشائرية لاينطبق دائما على التفاصيل , فقد يلتحق اليمني بالقيسي والقيسي باليمني وهكذا لانه جزء من صراع البقاء والبحث عن الحياة . وهذا ماتحدثنا عنه مكفصلا في كتابنا بالانجليزية وما سنتطرق اليه فيما بعد في سياق الكتاب الذي بين ايدينا ان شاء الله .

كانت قضاعة ومنها بلي وبني عاملة، وقبلهم جذام، وبنو سليح، والضجاعمة وتنوخ، كلهم قبائل يمنية عاشت في الأردن منذ حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، قد سبقت الغساسنة، فجاء الغساسنة إلى جوٍّ يمني وسط ترحيب أقاربهم اليمنيين من العشائر المذكورة أعلاه، والتي (هذه القبائل) بقيت على صلة باليمن من خلال التجارة معها ، والعمل مع القوافل التجارية وحراستها وتأجير الجمال والخيول لها. وبالتالي فإن الصلات بين اليمن الأم، وقبائلها في الأردن لم تنقطع عبر التاريخ، بل إن هذه التجارة وجدت البيئة المناسبة لدى القبائل اليمنية في الأردن وسوريا، مما ساعد على ازدهار الطرفين اليمني والأردني.ولم تكن الدول المتعاقبة تحول بين تواصل العشائر , بل كانت تشجعها لانه تحتاج الى هذا الوئام لاحلال الامن وازدهار التجارة .

ولكن الغساسنة تفوقوا على أخوتهم القبائل اليمنية السابقة أنهم جاءوا ومعهم ملكهم عمرو بن ماء السماء الملقب بميزيقياء، فكانوا معتادون على الخضوع للملك والأسرة المالكة، لذا فإنهم ما إن استقروا ودرسوا الأوضاع، حتى اتصلوا مع الرومان وأزاحوا الضجاعمة/ قضاعة من أمامهم وتبوأوا الملك في شرق الأردن وجنوب سوريا حتى دمشق التي صارت عاصمة لهم في فترة متأخرة، وصار لهم عامل على البلقاء من أرض الأردن، وهو أبوفروة الجذامي (من جذام) الذي أسلم ولقي حتفه صلباً من قبل الروم على حياة عفرا إلى الشمال من الطفيلة.لم يستطع الغساسنةاهما جذام لانها كانت القبيلة الاقوى والاوسع انتشارا في الاردن انذاك فاعطاهم الغساسنة امارة البلقاء الممتدة من جنوب العلا الى جبل الشيخ وتشمل البادية والجبل والغور وايلة ( العقبة ) .

وبذلك نجد أن الرومان تعاملوا مع خمس ممالك عربية: وهي: الأنباط , وتدمر، والتنوخيون، والضجاعمة، ثم الغساسنة وهم خاتمة المطاف الذين شكلوا مملكة حقيقية لها حضارتها وبلاطها ورعاياها , وزادت من مجاملتها وانسجامهما مع الرومان ان دانت بدين الدولة وهو النصرانية الذي كان الدين الرسمي وإن لم يكن سائداً بششل كامل بين أفراد الشعب الاردني , أو لنقل أن الناس كانوا يعيشون كما يريدون، وكانت النصرانية الرسمية هي السائدة، إرضاءً لبيزنطة، مما أوجد انسجاماً بين أهل البلاد والغساسنة من جهة، والإمبراطورية في بيزنطة من جهة اخرى بسبب الدين والسياسة واداء المهمات ودهاء الغساسنة وذكائهم في التعامل مع المستجدات والقوى العشائرية والرومانية .

لقد سبق وتحدثنا عن ملوك الغساسنة، مع الوقت التقريبي لهم، ولا داعي للتكرار ثانية، وسبق أن قلنا أن الغساسنة والمناذرة، وكلاهما يمنيون كانوا يتقاتلون بالنيابة عن قتال بيزنطة وفارس. وقد حلّت الويلات بالغساسنة من جراء حروبهم مع المناذرة، فثاروا ضد بيزنطة رافضين القتال في عهد الإمبراطور فالينوس الذي حكم فيما بين 364 ـ 378م. ومع هذا وجدوا أنفسهم في حرب إلزامية مع المناذرة بسبب ثارات كسر العظم بينهما وقام الملك الغساني الحارث بين جبلة عام 529 بدحر المنذر ملك اللخميين في الحيرة، وتم ترفيع الحارث إلى رتبة فيلارك مكافأةً له على ذلك، ولمعاضدته الرومان أبناء دينه ضد اليهود السامريين الذين أشعلوا الثورة ضد الرومان في فلسطين.

استطاع الحارث بن جبلة أن يوحد سكان الأردن وجنوب سوريا تحت إمرته عام 530/531 وبذلك تنفست الإمبراطورية البيزنطية الصعداء أن قام حاجز عربي رسمي في الارض الاردنية , بينهم وبين البدو مما ساهم في صدّ هجمات الفرس والبدو في آن واحد. ولم يتوقف الأمر عند هذا، بل أراد الحارث أن يوطّد ملكه الحقيقي للعرب، فأرسل جيشاً مع القائد الروماني لتأديب الفرس في بلاد الرافدين حيث انتصر الجيش الرومي والغساني، واستعادت بيزنطة هيبتها أمام فارس ومن لحق بها من القبائل، كما زادت من هيبة الملك الحارث والغساسنة، وشعروا أنهم استعادوا ملك الآباء والأجداد الذي ضاع منهم في اليمن. وإذا كان ملكهم قد تهدّم هناك بانهيار السدّ، فإنه قد عاد إليهم ببنائهم سدّاً من القبائل والمقاتلين لحماية بيزنطة. لقد لعب الغساسنة بذكاء كبير ونجحوا في ذلك أيما نجاح، وذاع صيتهم عند العرب إلى الآن.

ولكن هذا الانتصار الغساني لم يتجذر، حيث أن القائد الروماني بليساريوس الذي انتصر على الفرس أُرسل لقتال البرابرة في الغرب، فاغتنم المنذر ملك المناذرة الفرصة لأخذ الثأر لنفسه ولأسياده في فارس، فاجتاح سوريا حتى وصل أسوار أنطاكيا، وأخذ أحد أبناء الحارث أسيراً وقدمه قربانا للعزى.

وهنا نجد أن المناذرة بقوْا على عبادتهم للأصنام، حيث كان الفرس صابئة يعبدون النار، أما الغساسنة فقد تنصروا وصاروا على دين الدولة وهي بيزنطة ونجد أيضاً مدى الوحشية التي وصل إليها الطرفان في التعامل مع بعضهم بعض وكلاهما عربي يمني، ولكن وللأسف الشديد كان همهم إشباع رغبة الثأر من جهة، وإرضاء الأسياد في المدائن (فارس) وبيزنطة (الروم)، من جهة أخرى. ولكن الحارث لم يترك هذه المأساة تمر بدون حساب، حيث جهّز نفسه وانقضّ على اللخميين / المناذرة بعد عشر سنوات، أي عام 554م في معركة سميت يوم حليمة فقتل ( بضم القاف ) الملك اللخمي المنذر وتشتت جموع المناذرة.

ويوم حليمة يوم مشهور عند العرب وله قصة في هذه المعركة الفاصلة بين الغساسنة والمناذرة , حيث يقولون في أمثالهم: "ما يوم حليمة بِسِرٍّ"( اي ان يوم حليمة ليس سرا ) ويضربونه للأمر الذي لا يحتاج إلى دليل. وأما حليمة فهي اميرة غسانية وهي شقيقة الأمير الغساني القتيل وابنة الملك الحارث الغسّ?Zاني. وفي يوم المعركة لجأ الحارث إلى الحيلة إذ أرسل مائة من خيرة رجاله إلى الملك المنذر بحجّة أنهم جاءوا لمفاوضته ووقف القتال وعقد الصلح. وانطلت الحيلة على الملك المنذر، فدخل رجال الحارث وقتلوا المنذر وحرسه وشتّتوا جيشه الذي لجأ إلى الفرار. وكانت حليمة تمطر رجال أبيها بالزغاريد والتشجيع وترش عليهم الطيب وبذلك نسب العرب ذلك اليوم اليها ( يوم حليمة ) .

يعتبر الحارث بن جفنة الذي حكم ما بين 529 ـ 569م. من أفضل ملوك الغساسنة وأقواهم، وأطولهم مدة حكم حيث حكم أربعين سنة، واستقطب الشعراء والأدباء وبنى القسطل والزرقاء وقواعد قصر المشتى الذي بناه الفرس فيما بعد عندما اجتاحوا الأردن، كما بنى أذرح والجرباء على أنقاض القرى النبطية في هذه الأماكن وأعاد بناء معان ووسّعها في المنطقة التي تعرف الآن بالحمّام وسميت كذلك نسبة إلى نبع ماء بجوارها، اسمه الحمام وقد كان النابغة الذبياني أحد شعراء البلاط الغسّاني الذي مدحهم في قصائد كثيرة ومنها هذا البيت:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهيّن فلول من قراع الكتائب

وقوله:

متِّع فؤادك ما استطعت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأوّل منزل
لله درُّ عصابة نادمتُهم يوماً بجلّت في الزمان الأول

وبعد وفاة الحارث، وقعت معركة ثأر أخرى عام 572م أي بعد ثمانية عشر عاماً، حيث حاول الملك اللخمي قابوس بن هند أخذ الثأر من الغساسنة إلا أن المنذر بن الحارث الغساني ألحق بقابوس شرّ هزيمة في يوم معركة سميت يوم ذات الخيار/ أو يوم عين أباغ وكلاهما اسم لنبع ماء جرت المعركة بجواره.

طلب الملك الغساني من الإمبراطور البيزنطي الجديد مزيداً من المال لمكافأة القبائل الأردنية التي وقفت معه في حربه ضد المناذرة والثأر لأخيه مرة أخرى إلا أن الإمبراطور الجديد (جستين الثاني) رفض تزويد الحارث بالمال، وأعلن صراحة في تصرف لا ينم عن حكمة ولا تدبير أنه لا يثق بحلفائه العرب، وزاد على ذلك أن حاول اغتيال الملك الغساني نفسه ، ولكن الفشل كان نصيب المؤامرة، فثار الغساسنة من جنوب الأردن حتى دمشق ضد هذه الإهانة , وبمعنى آخر ثارت معهم القبائل الأردنية الأخرى وانشقوا عن الإمبراطورية التي أعلنت عدم اعترافها بالملوك الغساسنة المنشقين , وعدم اعتراف هؤلاء ببيزنطة وصار الوضع حرجاً، مما احتاج معه الملك الغساني ان اوى الى الأردن طلبا للحماية بين القبلئل اليمنية ضد بيزنطو وجيشها .

هذا الذي حدث أثلج صدور الفرس الذين أغاروا على الإمبراطورية البيزنطية، وكان ذلك حسن طالع للغساسنة وأهل الأردن حيث عاد الإمبراطور الروماني صاغرا يطرق ابوباهم ويلثم اعتايهم وهو يخطب ودهم مرة أخرى , حتى إذا ما جاءت سنة 578م تبوأ عرش بيزنطة إمبراطور جديد، فأعاد العلاقات الودية مع الغساسنة وتوج المنذر ملكاً على العرب. بل إن الإمبراطور كان عاجزاً عن شن حرب ضد الغساسنة وأهل الأردن الذين تنفسوا الصعداء ووجدوا في الأسرة المالكة الغسانية (أبناء جفنة) مشروعاً وطنياً وقومياً قادراً على قول كلمة لا للبيزنطيين.فالتفوا حول اللاسرة المالكة الغسانية .

قام المنذر الغساني بالهجوم على المناذرة في الحيرة، لكنه رفض أمر بيزنطة بمواصلة هجومه على الفرس، مما أوجد الشكوك البيزنطية بوجود اتفاق سري بين ملك الغساسنة والإمبراطور الفارسي فلجأت بيزنطة إلى الحيلة حيث دعت الملك المنذر لحضور حفل افتتاح كنيسة الحواريين، فما أن وصل حتى قبض عليه رجال الإمبراطور وأودعوه السجن، وأوقفت بيزنطة الإعانات المالية عن الاردنيين من : الغساسنة وقبائل البدو وبقية السكان الاردنيين . وقد أدى هذا إلى تفرق القبائل العربية وقامت كل منها بانتخاب رئيس لها, فصار حالهم كحال الانباط الملوك شيوخ عشائر والشعب فرق متناثرة .

كانت هذه الإرهاصات البيزنطية قد أثارت ثلاثة أطراف: الغساسنة في الأردن وسوريا، والقبائل الأردنية، وقبائل البدو وصاروا جميعاً رغم شتاتهم متفقون على هلاك بيزنطة أو جلبها إلى بيت الطاعة ودفع مستحقاتهم المالية التي انقطعت منذ سنوات طويلة.

بعد خمسين عاماً (629م) اضطر هرقل إلى إعادة التئام المملكة الغسانية لأنها تحقق أهدافه في وحدة القبائل وحماية جبهته الجنوبية وهي الأردن، وتحميه من قبائل الصحراء والرافدين ، وتعينه في حربه ضد الفرس. ونصّب جبلّة بن الأيهم ملكاً على المملكة الاردنية الغسانية التي كانت تشمل اجزاءا واسعة من الشام ، وجعل مركزه في بصرى وليس في دمشق وطلب إليه أن يعيد النظام والالتئام إلى البلاد، وأن يعيد القبائل إلى الهدوء، وأن يعزز جبهة الأردن لأنها مفتاح جزيرة العرب والشام على حد سواء ، وصارت الجوف ( وتشمل وادي السرحان ودومة الجندل ) جزءاً من هذه الإمارة الاردنية الغسانية ، وأرسل جبلة عاملاً عليها من عنده تابعاله ومرتبطا به .

وبذلك نرى أن السياسة البيزنطية حيال الأردن بعد سقوط البتراء وتدمر، صارت متأرجحة، مزاجية، غير ثابتة , واحيانا عبثية , مما أثار قبائل البدو وشجع الفرس على الهجوم عليهم، وتم تتويج رفض سياستهم، هذه بثورة حلفائهم وأتباعهم الغساسنة، وثبت للبيزنطيين أن سياسة الغدر والخيانة والإهمال لأهل الأردن قد ساهمت في الإطاحة بالرومان انفسهم في نهاية المطاف , وثبت ان مفتاح النصر والهزيمة موجود بالاردن على غيرها من سائر الاقطار الاخرى المجاورة .

استطاع الأردنيون، التعامل مع المتغيرات والمستجدات منذ نشأت الممالك في بلادهم، واجتياح الجيوش لديارهم واحتلالها، فوجدوا أن عنصر البقاء يقتضي التكيف مع الواقع، لذلك صارت هذه جزء من ثقافة الشعب الأردني عبر التاريخ. بحيث صار غير معنيٍّ بما يجري على كراسي الحكم منذ قيام أدوم وما قبلها وما بعدها لأن هذه الكراسي تأتي وتذهب، وإنما صار معنيّاً بالبقاء والاستمرار فيما يخصه هو , بغض النظر عما يراه على السطح ,. لان الكراسي تخص غيره ( ومن ياخذ امي فهو عمي ) كما سبق واشرنا .

لذلك برزت في ثقافة الأردنيين عبر التاريخ عدة نقاط هامة هي:

1. تغيير الأسماء الفردية، حيث أن الشخص إذا ما شعر بالخطر في مكان وذهب إلى آخر بحثاً عن الأمن والطمأنينة غيّر اسمه لأنه يرى في تغيير الاسم طمسا للجريمة المطلوب لها بالثأر منه. ولم يقتصر هذا على الأفراد، بل وجدنا أن ملوك الأنباط والعمونيين والمؤابيين والأدوميين قد غيروا أسماءهم في الفترتين اليونانية والرومانية إرضاء للمحتلين، لأن في ذلك عناصر الاستمرار والبقاء للملوك وشعبهم.

2. تغير الهوية السياسية والمحلية. فقد كان سكان القرى والمدن الأردنية يصبحون من رعايا عمون، ويمسون من رعايا مؤاب، أو العكس، ويمسون من رعايا الأنباط، ويصبحون والأنباط من رعايا الرومان، وتغيب عليهم الشمس نصارى، وتطلع شمس اليوم التالي وهم يصلون الفجر وقد آمنوا بالله. وهذه صفة لم أجد مثيلاً لها في شعوب البلدان الأخرى، ذلك أن مساحة الأردن الضيقة وانفتاحه على جميع الاحتمالات والتغييرات جعل الأساس لدى أهله هو البقاء والصراع من أجل البقاء واكرر القول : الصراع من اجل البقاء .

3. يتعاملون مع التغيير بالحسنى واللطف والطاعة، ويكرهون المواجهة مع الغرباء المحتلين لبلادهم، لكثرة نوافذ موجات الاحتلال، وبالتالي فإنهم إذا كانوا يقاومون في كل مرة . فإن ذلك سيؤدي إلى إبادتهم لذلك يلجأون إلى الحيلة وهي: الترحيب لغايات الاحتواء، ثم الاستفادة من هذا القادم بانتظار قوة أخرى تخلصهم منه، وذلك ما حدث أن اليونان طردوا الفرس، والرومان طردوا اليونان، والمسلمون طردوا الرومان.ولكن الاردن والاردنيون بقا على اراضيهم جيلا بعد جيل الى الان وغد والى ماشاء الله ان شاء الله .

4. انحيازهم للقوة، فهم شعب اعتاد على مدى التاريخ ألا يدخل في صراع الدول على أرضه، وينتظر من سيكون القوي فينحاز إليه وتصبح له عند المنتصر أهمية وهذا حدث في تصرفه مع جميع القوى المحتلة القادمة والمغادرة.لذلك يقول المثل الاردني ( عند مصاكل الدول خبي راسك / مصاكل معناها الصراع العنيف بين طرفين متقاتلين قويين ) , وايضا : ( اللي ياخذ امي هو عمي ) , وايضا : ( بطيخ يكسر بعضه ) . وايضا : ( اضرب العرص بالعرص مايظل ضدك ولا عرص ) . فهذه الامثال تبين ثقافتهم بعدم اقحام انفسهم في صراع القوى الخارجية حتى ولو كان هذا الصراع على الارض الاردنية .

5. الشعب الأردني لا يركب رأسه. ومن الذين ركبوا رؤوسهم: قوم صالح (الثموديون)، وقوم لوط، وأهل مدين، واصحاب الأيكة، فكانت نهايتهم كما أخبرنا بها القرآن الكريم، وهي الإبادة للكافرين والنجاة للمؤمنين، وقد أوجدت هذه الكوارث والعقاب الإلهي مفهوماً ثقافياً عند الأردنيين أنهم لا يركبون رؤوسهم، لا مع السماء ولا مع أهل الأرض، لذلك نجد في أمثالهم:

§ "لا تركب رأسك" Dont be stubborn .

§ "لا تخلّي حالك رأس لأن في الرأس أشد الأوجاع" Dont feel as head, since all pains eventually come to head .

§ وقولهم "خلي لك بالقوم صاحب" Once you have enemies make your best to have friends among them .

§ وقولهم "لا تعاند من إذا قال فعل" Dont defy whom he can does what he says .

6. استطاع الأردنيون وضع استراتيجية البقاء وتكتيك التعامل، لذلك كان العدو أو المحتل أو الحاكم يحسب أنهم معه، لأن الابتسامة والتصفيق تخدع كل حاكم عبر التاريخ، وهم يضمرون شيئاً آخر. ولكنهم إذا ثاروا قاموا جميعاً، من أجل التغيير الشامل الكامل. وبالتالي فهم لا يؤمنون بالإصلاح الجزئي، وإنما بالتغيير الكلي، دون أن يدمِّروا منجزات الفائدة من السابقين.

أمام هذا كله , كان المحتلون يتعاملون مع شعب، يتحدث العربية والآرامية، ثم العربية واليونانية، ثم العربية والرومانية، ثم العربية العربية. وكانوا يعبدون الأصنام، حتى إذا ما خضعوا للاحتلال أضافوا آلهة المحتل إلى معبوداتهم المحلية فيعبدون اصنامهم واصنام القوة المهيمنة كما راينا سابقا . فترضى القوة المهيمنة من سلوكهم الظاهري هذا ، ويمارس الأردنيون حياتهم وراء الكواليس كما يحلو لهم في ممارستها وهم يعبدون الهتهم الخاصة بهم

من هنا برز في الأردن دوماً خطان متوازيان: خط التعامل مع الدول المتعاقبة ( الدولة دولة ) وخط تعامل الشعب مع بعضه بعضاً ( والناس ناس ) والذي يسمى العادات والتقاليد، وأوجدوا لأنفسهم قوانين اجتماعية ساهمت في بقائهم رغم تغيُّر الدول والحكام عليهم عبر القرون. ولا زالت هذه الميزة موجودة إلى الآن، إذ أن العادات والتقاليد لا زالت سائدة مأخوذ بها رغم وجود قوانين الدولة والقوانين الدولية ايضا , ورغم وجود القوة القانونية والمسلحة للدولة الا انها تقف عاجزة امام العادات في نهاية المطاف .

من هنا نجد أن المجتمع الأردني التاريخي مجتمع قوي، يأخذ ببطء ما يرد إليه من الخارج، ثم يعيد صياغته عبر وقت طويل ويجعله أردنياً. فتطوّرت لديهم قوانين اجتماعية مثل العطوة والجلوة والصلح , التي لا توجد عند العشائر العربية الأخرى في شمال أفريقيا وجزيرة العرب بهذه الكيفية , وإن كانت لا زالت سائدة في اليمن، دون أن نغفل الأصل اليمني القديم جدا لغالبية الشعب الأردني.

أمام هذه القدرة على التكيف مع المستجدات والمتغيرات وجد المحتلون جميعاً أن التعامل مع هذا الشعب أمر سهل ومريح، على عكس ما كان عليه اليهود في فلسطين والسوريون واللبنانيون وبلاد الرافدين ومصر. حيث كانت الشعوب تثور دائماً لغايات التغيير والوصول إلى الحكم، إلا أننا في الأردن نجد أن الثورات كان يقوم بها الملوك والأمراء والقادة للممالك الأردنية لغايات تخصهم ونجد الشعب يقف إلى جانب هؤلاء، حتى إذا ما أصابهم الخذلان او تغير الحكام , تعامل الاردنيون مع المستجدات والحكام الجدد .

وقد رأى الأردنيون عبر التاريخ أن من الغباء ركوب الرأس والتحدي للمحتل وهو في سورة الغضب ولحظة النصر، وعندما رفض الأدوميون والأنباط الاحتلال كان مصير عشرات الآلاف منهم الموت بإلقائهم من على سطوح الجبال الشاهقة في سلع (الأدومية) وبتراء (النبطية).

وفي رأينا أن بلداً صغيراً كالأردن، وشعباً قليلاً كهذا الشعب، لا يستطيع البقاء والاستمرار والاستقرار والحياة إلا بالتعامل مع المستجدات والمتغيرات وبالطريقة التي اعتادوا التعامل معها عبر التاريخ. فنحن نرى ما حلّ باليهود لعنادهم وثوراتهم، وهذا أعطى الأردنيين درساً ألا يكونوا مثلهم. ونرى أن مجرد غضب آشور وبابل على ملوك الأردن قد أدى إلى سوق عشرات الآلاف من شباب الاردن إلى السبي مع اليهود، ونرى أن صراعهم مع ممالك اليهود أفقدهم ملايين الأنفس منذ دخول بني إسرائيل عبر مملكة حشبون إلى أن آل عرش مملكة يهوذا إلى أردني أدومي غيّ?Zر اسمه ودينه وسمي هيرودس الذي أراد الثأر من الأردنيين لعدم وقوفهم معه ضد الأنباط. كما سبق وشرحنا ضمن السياق السابق.

من هنا فنحن نتعامل مع شعب رغم بساطته إلا أن لديه عناصر البقاء بالفطرة، وهو من أشد الشعوب قدرة على الاستمرار والتكيف مع الحياة والمستجدات والبقاء , واذا كان البعض يرى ان في هذه الصفات مايعيب , فنحن نرى انها وسيلة الصراع من اجل البقاء في مجتمعات الحياة فيها للقوي .

الأردن وطرق التجارة في العصور القديمة

إن نظرة أولية إلى خارطة العالم، نجد أن البقعة الجغرافية التي تمتد عليها الأراضي الأردنية، في غاية الأهمية والاستراتيجية، وكما سبق وقلنا فهي بوابة جزيرة العرب من الشمال، وبوابة الهلال الخصيب من الجنوب والغرب، وهي الرئة الثانية لفلسطين ( ومن خلالها ترتبط بالبحر الابيض المتوسط واوروبا ) , وترتبط بأفريقيا ومصر عبر البحر الأحمر وسيناء، وبآسيا الصغرى عبر سوريا وباليمن عبر ساحل الأحمر وجبال الحجاز، وطريق البادية المحاذية إلى الشرق من سلسلة جبال الحجاز.

وإذا قرأنا التاريخ، وجدنا أن أي احتلال شرقيّاٍ كان أم غربيّاٍ ويهمل الأردن، فإنه لا يفلح في السيطرة على أرض كنعان (فلسطين) وسوريا ولا حتى على شمال جزيرة العرب. ونجد أيضاً أنها صارت موئل الأقوام التي أصيبت بالعقاب الإلهي من عاد وثمود، ومحطة أولى للمد الإسلامي من الجزيرة إلى سائر بلاد الشمال والغرب.

لقد استغل الأقدمون موقع الأردن أفضل استغلال لغايات الأمن والحماية , حيث لجأ اليها الأدوميون والأنباط، ومن قبلهم الباشانيون والعمونيون والمؤابيون ومن قبلهم الحوريون والميديانيون . وفعلت قبائل متتالية قادمة من اليمن الشيء نفسه في الاستقرار في الأردن. وبذلك كانت هذه الرقعة الجغرافية موجودة على الخارطة التجارية والبشرية والتاريخية والعسكرية والدينية ( ارض الحشد والرباط == الذي باركنا حوله ) ، بغض النظر عن التسميات التي تعاقبت عليها، وصارت همزة الوصل بين الجنوب والشمال، والشرق والغرب، والبحر والبر، والغزاة والمتمردين والخاضعين. وبمعنى آخر صارت الأردن موئل المتناقضات ليس فقط في طبيعتها من غور تحت مستوى سطح البحر الى جبال شاهقة مثل رم وشيحان ومنيف . بل ومن كفر وإيمان، إلى أنبياء ومؤمنين الى رافضين للنبوة، ومن لوز في غاية المرارة، الىآخر في غاية الحلاوة، إلى حنظل مر، وبطيخ هضيم للأكلين، إلى سدر وتمر. ومن ماء عذب فرات الى اكثر المياه مرورة وملوحة في البحر الميت حيث اخفض نقطة على وجه الارض , وهكذا فالقائمة تطول .

كانت الأردن بلاد خصبة كثيرة الأمطار وفيرة الإنتاج والثمار تعج بالسكان والغابات، وقطعان الماشية، وكانت هذه قد تتعرض للغزو الخارجي فيفقد الناس ثرواتهم خلال معركة أو معارك، وقد يزيدونها نتيجة نصر أو انتصارات.( انظر التفاصيل في كتابنا / الاردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين من 1500 ق. م الى 1881 م ) / منشورات الدار الاهلية / عمان / شارع الشلط .

كان مبدأ التبادل التجاري معروف لدى الأمم منذ أعماق التاريخ، وهو في أساسه قائم على أمرين الحاجة إلى الشيء. والاكتفاء من الشيء، والعرض والطلب، والبائع والمشتري، فما أن يزيد الإنتاج لدى مجموعة أو شعب (أ) حتى يبحث عن مجموعة أو شعب آخر (ب) يحتاج إلى فائض المجموعة (أ)، مقابل أن تعطي المجموعة (ب) ما يفيض لديها من إنتاج تحتاجه المجموعة (أ).

انطبق هذا على الشعوب والدول، وكانت التجارة تقوم على البضائع الأساس والضرورية، ثم تطورت إلى الكمالية. وكان الغرب / اوروبا بحاجة الى التوابل والعطور والبخور والفواكه المجففة واللؤلؤ والسمك النادر المجفف (من خليج عمان مثلاً)، وريش الطيور، والأدوية الطبيعية النباتية والحيوانية. وبمعنى آخر بضائع خفيفة الوزن غالية الثمن، قوية التأثير، صعبة التوفير. وكانت هذه تتوفر في جنوب شرق آسيا والهند، حيث يحملونها إلى ميناء عدن اليمني، ومن هناك يحملها اليمنيون بحراً أو براً إلى بحر القلزم (أيلة)، أو إلى مراكز تجارية في الأراضي الأردنية، ومنها إلى سوريا وفلسطين ومصر وأوروبا.

من هنا صار الأردن ممرّاً هاماً لطرق التجارة، واستطاع التجار بمساعدة الأهلين من تحديد طرق يسلكونها، ومحطات يرتاحون فيها في واحات يتوفر فيها ثلاثة عناصر. الأمن والغذاء والماء، وازدهرت هذه المحطات، ورأت القبائل التي تعبرها الطرق أن مرور القوافل عبر ديارها يجلب لها من المال والربح والدخل الدائم ما يعينها أكثر مما يتحقق لها من الغزو والنهب وقطع مصدر الرزق هذا. كما أن التجارة ساعدت القبائل على بيع منتوجاتهم من الجلود، واللبن الجاف، والكما Kama وهو نبات صحراوي يظهر في وقت معين من السنة، ويمكن تجفيفه واستخدامه في أي وقت من السنة، كما كانوا يبيعون السمن والزبدة واللحم المقدد (الجاف) أيضاً، والوبر والصوف والشعر والقرون.

وبذلك لم تقتصر الأردن على كونها ممرّا للأقوام الغازية والمهاجرة، والجيوش المحتلة أو العابرة إلى بلدان أخرى، بل إن أهلها استغلوا قيام دولة في مصر، ودول أخرى في بابل وآشور وسوريا واليونان والرومان واليمن وفتحوا بلادهم للتجارة، أو كان لا خيار لهم في ذلك أصلاً الا التجارة واللطف مع جميع الفئات المتناحرة المتنافرة . وقد قام الفراعنة الأوائل بإدراك أهمية التجارة الداخلية، ونظموا طريقاً للقوافل بين مصر وأدوم، ومؤاب ومدين، وسائر ممالك الأردن، يبيعون إنتاجهم ويستبدلونه بالإنتاج الأردني الذي كانت تحتاجه مصر، ومن أهمه: الزفت والقار ( القطران ) والملح من البحر الميت , والملح ايضا من القريات والأزرق، والطيب والزعفران والأعشاب الطبية التي استخدمت والغار بالتحنيط فيما بعد عند المصريين , والمسك لكثرة الغزلان في الأردن في الأيام السالفة، ودهن النسر وهو طب موصوف منذ أقدم العصور لتوفر هذا الطائر في الأردن في أوقات معينة من السنة، وجلد الغزال للكتابة إلى جانب ورق البردي المصري بل منافسا للبردي .

وقد قامت دول تجارية في الأردن، وكان أهمها الأنباط، ففي الوقت الذي استقر فيه الفينيقيون على الساحل اللبناني وصاروا شعبا بحريا وامتدوا إلى شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، مدد الأنباط مملكتهم حول الطرق التجارية البرية التي اتخذوها، فسيطروا على البادية الأردنية حيث الطريق من الجنوب إلى دمشق وأنطاكية، وعلى طريق ساحل البحر الأحمر فسيطروا عليه حتى الوجه , وعلى الطريق إلى مصر وفلسطين فاحتلوا سيناء وجنوب فلسطين، والطريق من الهلال الخصيب فاحتلوا الجوف ودومة الجندل وتيماء ووادي السرحان وواحة الأزرق، والطريق من الحجاز فامتدوا إلى جنوب مدائن صالح وجنوب العلا.فاكتملت حلقة الطرق التجارية البرية النبطية الاردنية والبحرية الفنيقية اللبنانية .

وبذلك كان الأنباط الوريث الجغرافي والسياسي لممالك مديان في الجنوب، وأدوم ومؤاب وجزء من عمون وجزء من باشان، وبذلك اتصل الأنباط بالأمم العظيمة في بلاد الرافدين وفارس شرقاً، واليونان والرومان غرباً، والمصريين والفنيقيين غرباً.

ورغم أن الأنباط قد خصصوا مجموعات للقرصنة البحرية في البحر الأحمر استمرار لما كان يقوم به الادوميون من قبل , إلا أنهم ركبوا البرية والقفار وأعرضوا عن ركوب البحار، وذلك للأسباب التالية:

1. أن النقل البحري لا يكون على مدار السنة لأنه يعتمد على حركة الريح التي لا تتوفر في كل وقت. أما النقل البري فهو يعتمد على توفر البضاعة والواسطة والأمن، وبالتالي يسيرون ليلاً أو نهاراً، وفي كل وقت من السنة دونما صعوبة . إذن كانت الطرق البرية تدرّ عليهم ربحاً أكثر، وتضع بين أيديهم فرصة التحكم بكميات البضاعة وأوقاتها ونوعها.اما البحر فكانت الحركة فيه مرتبطة بحركة الريح , وبالتالي لايجنون منه ثروة كما حالهم من التجارة البرية التي كانت اكثر سرعة واسهل حركة .

2. أن الأنباط شعب بدوي وهو ابن البادية والصحراء، ولم يدرس الملاحة، رغم أن الأدوميين كانوا أصحاب بر وبحر ولهم أسطول كان يجوب خليج أيلة (العقبة) لغايات القرصنة والتجارة والقتال. إلا أن الأنباط اقتصروا في عملهم البحري على ترويع السفن لأنها تنافسهم، واتخذوا من القرصنة وسيلة لنهب الحمولات، ومنع مزيد من السفن أن تصل. ومع هذا لم يتمكنوا من قطع الطريق البحري تماماً، كما سنرى، لأنه تأسس منذ قديم الزمان، واعتاد عليه التجار.

3. أن التجارة البرية كانت تعطي فرص عمل كبيرة للسكان وللإبل والخيل والبغال لحمل البضائع، وبالتالي كان يتعذر أن تجد نبطيّاً عاطلاً عن العمل، بل إن الملوك كانوا يدفعون حوافز لمن يزيد ثروته، ويعاقبون بالتعزير كل من تنقص ثروته. لقد كانت التجارة وجمع المال، وما يقود إليهما، وسيلة الأنباط في العيش والبقاء، كما أنهم كانوا يتوددون للدول من حولهم، ويحتوون القبائل في مملكتهم لكي تبقى أمورهم مستقرة ومستمرة.

في زمن الفراعنة كانت مصر تستورد عبر الأردن: البهارات والبلح التي كانت تأتي من اليمن عبر البحر والبحر (قبل قيام الأنباط)، حيث كانت البضائع الهندية تنقل بحراً إلى ميناء عدن Aden (يودامون)، ومنها تُحْملُ برّاً مارّة بتيماء ومدائن صالح، وآلت فيما بعد كلها للأنباط حيث لا زالت الآثار النبطية ظاهرة للعيان حتى الآن في هذه المناطق .

وتوجد خرائب كثيرة في مناطق حسما ورم، في الجانب السعودي الحديث , حيث توجد رؤوس نبطية في مغائر شعيب التي تبعد حوالي عشرين كيلو متراً إلى الجنوب من العقبة، وهي شبيهة للرؤوس النبطية في البتراء، وهناك نقوش نبطية في موقع يبعد حوالي سبعين كيلو متراً إلى الجنوب من تبوك، وهذا ما ذكره موزل في رحلاته شمال الحجاز Musil, Northern Hejaz, 1926 .

كان بين مدائن صالح والبتراء طريقان: الأولى تمر عبر تبوك، وجبال حسما ورم حيث لا زالت النقوش والرسومات على الصخور في مواقع استراحة القوافل شاهدة على هذه الطريق، وعلى ما كان يفكر به التجار أثناء استراحتهم. وإن ذلك يدل أيضاً أنه كانوا يستريحون نهاراً، لأنه تتعذر الكتابة والنقوش ليلاً في هذه المواقع، كما أن السير ليلاً في جنوب الأردن ومحاذاة البحر الميت والبحر الأحمر، كانت عادة دارجة لتجنب حرارة الهاجرة، والتنعم بنسيم الليل الساجي وحداء التجار .

وأما الطريق الأخرى فكانت برية محاذية لساحل البحر الأحمر، لأنه كان يمتد من عدن إلى أيلة والعقبة، وبالتالي لا خوف من ضياع القوافل لأن السير على الشاطئ سيؤدي في النهاية إلى أيلة، كما تقوم قرى ومدن في محطات مختلفة على الساحل مثل جدة، وينبع والوجه والدرة، وما إلى ذلك.

كانت الطريق من أيلة تتشعب إلى أربع شعب، واحدة إلى سيناء ثم إلى مصر، وثانية عبر وادي عربة والسواحل الغربي للبحر الميت إلى القدس، وثالثة إلى وادي اليتم Yutm فالقويرة ثم إلى البتراء عبر الحميمة حيث ترتبط بالطريق القادمة عبر رم وحسمى، وأخرى من أيلة إلى غرندل ووادي عربة (وليس غرندل الطفيلة) ثم إلى فينان ثم إلى الشوبك وعوداً إلى البتراء.

كانت هذه الطرق تتعطل أحياناً، وترد البضاعة برمتها إلى البتراء، ومن هناك يعاد تصديرها إلى غزة، وإلى موانئ البحر المتوسط، . لذلك نجد الأنباط احتلوا جنوب فلسطين واحتلوا غزة ( كما فعل الادوميون من قبل ) لحماية هذه الطريق وموارد التجارة. وهناك طريق عبر الشوبك ثم إلى وادي فينان في وادي عربة بجانب ضانا الحديثة , فخربة النحاس فأيلة فسيناء ثم إلى مصر. وتوجد آثار نبطية في هذه المواقع جميعاً وهناك طريق آخر تغطي منطقة مؤاب والكرك تنزل إلى غور المزرعة فمنطقة اللسان ثم إلى القدس، وأحياناً عبر غور الصافي ثم إلى بئر السبع والخليل.

وكانت هناك طريق ما بين البتراء وتدمر، وقد صارت هذه معبدة، إذ تعبر معان والجفر والباير والأزرق، إلى قصر برقع في البادية الشمالية (شمال الرويشد). وهناك طريق من بلاد الرافدين إلى وادي السرحان فالجوف فالأزرق فشمال الأردن ووسطه وجنوبه. وقد سلكها قمبيز من فارس إلى غزة، وكانت معبدة، وهناك فرع من الجوف يذهب إلى تدمر.

وبذلك نرى أن الأردن كانت تتمتع بشبكة طرق منذ أقدم الأزمنة قبل الميلاد والرومان بمئات السنين ، وتم تعبيدها زمن الممالك الأردنية المتعاقبة ومنها مملكة الأنباط. كما لا بد من التحدث عن الطرق التي تحدث عنها العهد القديم زمن عبور بني إسرائيل إلى أرض كنعان، حيث كانت طريق الجبل التي اعاد تراجان تعبيدها فيما بعد ( ونسبت اليه وهي قبه باكثر من الف سنة ) ، والطريق السلطاني والتي اتخذت المسار ما بين الجبال والبادية وهي تسمى في عصرنا الحديث الطريق الصحراوي، والطريق الصحراوي القديم في أعماق البادية الأردنية، حيث شرحنا ذلك مفصلاً في الجزء الأول من كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين (2007)/ المشار اليه اعلاه .

وبالإضافة إلى هذه الطرق التي تربط المنطقة الأردنية بما يجاورها من الأقطار والدول والبلدان، كانت هناك طرق فرعية تربط بين الأجزاء المحلية من البلاد. وقد تم تعيين هذه الطرق عبر مراحل التاريخ بالحجارة الكبيرة المسطحة المرصوصة بعضها إلى بعض وكانت محددة من الجوانب بحجارة ضخمة، فضلاً عن وجود أعمدة المسافات (الصوّى وهو لفظ للمفرد والجمع ).

لم ترقى أية مملكة أردنية قديمة إلى أعلى استغلال للتجارة والطرق مثلما وصلت إليه المملكة الأردنية النبطية. وأن كثرة الطرق البرية يدل على أن التجارة كانت بمنأى عن النقل البحري زمن الأنباط للأسباب التي ذكرناها. حتى إذا ما حلّ عام 45م استطاع هبالوس Heblois الاردني النبطي ( يحمل اسما يونانيا ) اكتشاف سرّ الرياح في تسيير السفن، وصارت الملاحة البحرية من خطيرة وبطيئة إلى سريعة وميسورة، ولكنها كما قلنا سابقاً لا تستطيع السفن السير فيها إلا في مواسم معينة ذهاباً وإياباً اعتماداً على مسير الرياح، لأنها سفن شراعية في حينه.

كان هناك ميناءان هامان هما: عدن في جنوب جزيرة العرب، والوجه على ساحل البحر الأحمر التي كانت من ضمن مملكة مديان الاردنية , ثم صارت من اراضي مملكة الأنباط. كما كانت البضاعة ترد من الهند إلى الخليج العربي (الفارسي آنذاك) وتفرغ حمولتها في موانئ شط العرب، ومن هناك تحملها القوافل البرية إلى الجوف فالأزرق ثم إلى بتراء وفيما بعد إلى تدمر. وهنا لا بد من القول أنه كانت هناك طريق معبد تربط وادي السرحان والجوف والأزرق، حيث يوجد خزان أثري للمياه فيما بين العمري وكاف Kaf يدل على أنه بنى لتزويد القوافل والمسافرين بالمياه في هذه الصحراء.

لقد أدى جشع الأنباط، وحبهم للمال، وسيطرتهم على التجارة وطرقها إلى أن بحث الرومان عن بديل ينقل إليهم بضائع الشرق (الهندية)، حيث قام الإمبراطور أغسطوس الأول بوضع 25% من قيمة البضائع رسوماً على التجارة التي تأتي عبر الأنباط والبتراء: وكانت هذه الرسوم تدفع للرومان في ميناء الوجه ( حدود الانباط الجنوبية ) ، وفي ميناء غزة ( حدود الانباط الغربية ) , وبذلك كانت الحمولة تدفع رسمين الأول في الوجه ( الدخول ) والثاني في غزة ( الخروج ) .

كان أغسطوس ينوي تحويل التجارة من الأيدي والقوافل النبطية إلى الأيادي المصرية، وصارت البضاعة غالية، وأصابها الكساد، مما أثر تأثيراً خطيراً على وضع البتراء وشعبها وملوكها. ووجد التجار المصريون بديلاً يحمل البضاعة عبر السفن وتحريكها حسبما هي حركة الرياح التي اكتشفها هبالوس النبطي الاردني ، بينما تحولت التجارة البرية إلى تدمر، فصارت البتراء كسمكة تبخرت عنها المياه وهي في مكانها، ولكن البتراء انتعشت ثانية بعد تدمير تدمر عام 273م كما سبق وقلنا.

وبعد عام 106 عندما سقطت مملكة الأنباط وصارت حكماً ذاتياً داخل جسم الإمبراطورية الرومانية، ثم أعادت فتح وتعبيد طريق العقبة بصرى، لحمل البضائع من ميناء أيلة إلى الميناء البري في حوران وهو بصرى التي تحولت إلى منطقة تجارية لهذه الغاية. ومع هذا تحولت المملكة الاردنية النبطية إلى تسمية جديدة وهي الولاية العربية، وصار الوالي رومانيا، والملك النبطي موظفاً تابعا له ، وقد شرحنا ذلك سابقاً، ولا داعي للتكرار. ومن بصرى كانت تنطلق طريق إلى شمال الأردن مارّة بدرعا، وبيت رأس، وأم قيس إلى طبريا، وطريق أخرى تتجه إلى المفرق في شمال الأردن ومنها إلى خربة خو بجوار الزرقاء ثم إلى عمان ثم إلى القدس.

وكان هناك طريق آخر يربط ربة مؤاب (شمال الكرك) بالكرك ثم بالشوبك (نجل) ثم إلى البتراء، ثم إلى الحميمة ثم إلى العقبة ثم إلى سيناء ثم إلى رفح. وقد عبّ?Zد الأنباط طريقاً برياً محاذياً للبحر الأحمر، إلا أن الرومان أهملوه.

وبذلك نجد أن الأردن كانت مغطاة بشبكة كبيرة ومتقاطعة من الطرق، وهذا دليل على الازدهار التجاري والاقتصادي وقوة الحركة فضلا عن الحجم الهائل للقوافل التجارية التي كانت تجوب البلدان شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، مما ساهم في ازدهار البتراء، وتوسيع مملكة الأنباط كما سبق وذكرنا.ويدل ايضا على مدى النعيم الذي كانت عليه البلاد .

وينسب الغربيون فتح وتعبيد هذه الطريق للرومان منذ عهد تراجان 106م إلى عهد هدريان الذي زار المنطقة الأردنية والبتراء عام 129 وواصل رحلته إلى مصر. والحقيقة التي نراها غير هذه إذ أن مدة حكم الرومان للأردن لم يستمر لأكثر من خمسمائة سنة ونيف، بينما قامت الممالك الأردنية عبر أكثر من ألفي عام قبل الرومان، وبنوا المدن والقلاع، وكانت غزيرة الأمطار كثيرة الإنتاج والثمار طويلة الاستقرار ايضا ، مما تطلب معه إلى مدّ الطرق بين الممالك والتي سميت الطريق السلطاني في منطقة التقاء جبال مؤاب والشراة من الغرب بالبادية التي تمتد الى الشرق من هذه السلسة .كما كان يوجد ايضا الطريق الصحراوي الذي يسير في أعماق البادية شرقاً. وقد أشار العهد القديم إلى هذه الطرق أنها كانت موجودة عام 1330 ق.م وكانت مكتملة، وذلك يعني أنها أخذت مئات السنين قبل اكتمالها، وقد شرحنا ذلك في كتابنا، الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين (2007).

في رأينا من خلال نصوص التوراة والوقائع أن ما قام به الرومان هو تعبيد بعض الأجزاء المعطوبة من الطريق،او اعادة انشائها , وأنهم ساروا على الطريق القديمة التي كانت تربط الممالك من بصرى إلى أرابيلا (إربد) إلى جرش إلى عمان إلى مادبا إلى وادي الموجب إلى ربة مؤاب (الربة) إلى الكرك ( قير حارسة / كير حارسة ) إلى مؤتة إلى وادي الحسا إلى الطفيلة إلى الشوبك إلى وادي موسى والبتراء (فرع غربي) وإلى النقب فالحميمة وأيلة/ العقبة. وكان هذا الطريق حيوياً زمن الممالك الأردنية القديمة في تنقل الرعايا والجيوش والإنتاج والتجارة والمواصلات العادية وحمل الإنتاج الزراعي، وكانت الممالك قد أخذت طريقة استخدام العربات التي تجرها الثيران والخيول والبغال من الهكسوس الذين مروا بالممالك الأردنية في طريقهم الى مصر الذين ( الهكسوس ) كانوا على علاقة تجارية وطيدة مع الممالك الاردنية , وهذه العربات تحتاج إلى طريق ممهّد.

إن فتح الطريق من جديد يحتاج إلى وقت أطول بكثير مما أحتاجه تراجان لأن الطرق وعرة، وتحتاج لمسح الأرض وتحديد المسار، مما يتطلب سنوات أضعاف أضعاف ما أنجزته الإمبراطورية الامبراطورية او مامكثته الامبراطورية الرومانية في احتلال الاردن , ولكن الحقيقة أنه أعاد استخدام الطريق وترميم المعطوب منها، وهذا يتفق مع الإمكانات آنذاك ومع الزمن القصير الذي قضته الدولة في إشادة هذا الطريق , او اعادة تاهيلها , ولكن التاريخ لمن يكتبه .

كانت صيانة هذه الطريق مهمة للرومان لأنها تسمح لقواتها أن تسلك الطريق الجبلي بعيداً عن البادية وتحركات القبائل، وبالتالي كانت:

1. الطريق المذكورة عنصراً هاماً في السيطرة على الأردن والشعب وصيانة الدولة من التعدي البدوي.

2. وقد عززت الإمبراطورية هذا بسياسة دفع الأتاوة الى هذه القبائل بشكل منتظم حتى إذا ما انقطعت ثار البدو وخرّبوا ودمّروا.

3. كما أرسلت الجيشين الثالث ومركزه بصرى/ حوران، والرابع ومركزه اللجون وأذرح والجرباء وايلة جنوب الاردن

4. تشكيل قوات بادية وحرس حدود من القبائل يستخدمون الإبل في حراسة الصحراء، وقوة أخرى / هي قوة الفرسان او الدرك التي تعتمد الخيول لمؤازرة القوات الرومانية ضد أية اعتداءات من البدو أنفسهم، أو ثورة من الأردنيين ضد الرومان.

هذه القبائل البدوية الاردنية ( انذاك ) خضعت لابتزاز روماني بالقوة, حيث كانت تجبر على القيام بمهمات حراسة الرومان وحمايتهم ضد أبناء وطنهم وجلدتهم لقاء عدم الاعتداء على اهليهم واعراضهم من قبل الرومان , ولقاء المال الذي يتقاضونه بانتظام، حتى إذا ما جفّ ضرع الدولة هاجموها ونهبوها ان استطاعوا . وقد استفاد الرومان من براعة الأردنيين في الفروسية لصالح الرومان فاستخدموا سلاح الهجانة والفرسان الاردني زمن الرومان ضد الأردنيين المتمردين وضد القبائل الوافدة من الجزيرة / اي لحماية مصالح الامبراطورية الرومانية . فما كان من الرومان إلا أن قاموا بإرسال هؤلاء البدو الاردنيين إلى شتى أصقاع الأرض داخل الإمبراطورية لقتال المتمردين والثوار من العرب والأوروبيين والفرس والترك على حدّ سواء.وقد تكرر هذا على يد الانتداب البريطاني باستخدام الجنود الاردنيين للقتال على الجبهة العراقية والليبية في اربعينات القرن العشرين . كما فعل الاتراك بارسال ابناء العشائر الاردنية للقتا في القرم والحرب مع الروس في القرن التاسع عشر .الصورة تتكرر بوضوح , والتاريخ يعيد نفسه , فسبحان الله رب العالمين . والمهم عند الاردنيين هو صراعهم من اجل البقاء .

وبذلك أقلعت القبائل الأردنية عن الغزو والسلب والنهب واستتب الأمن، وقد تنبه المماليك والأتراك فيما بعد لاستخدام القبائل لأداء هذه المهمات في حراسة قوافل الحجاج، حتى إذا ما رفض أمير الحاج دفع المال المتفق عليه إليهم هاجموا الحجاج ونهبوهم وقتلوهم. وهناك من الأخبار والأحداث ما يقود إلى الحزن والأسى . إنه المال هو الذي يتوسط بين الدولة وهذه القبائل عبر التاريخ، حتى إذا ما اختفى المال ظهرت السيوف تقتل والأيادي تنهب وتسلب.

صحيح أن التصحّر قد غشي الأردن، وتحولت مناطق البادية الخضراء إلى أرض غبراء، ولكن الخرائب القديمة المزروعة فوق غالبية التلال وسفوح الجبال تدل على ان الأردن كانت من حيث الخصب غير الأردن التي نعيشها الآن. وقد بنى الإمبراطور العربي كراكولا معسكر الدعجانية إلى الشمال الغربي من عنيزة باتجاه الشوبك، وبنى قلعة الحلابات، كما أعاد الرومان بناء حصن "البشائر" النبطي وذلك ليكون معززاً للتعويض عن هجران معسكر اللجون . وبنوا حصناً في قعر وادي الموجب، حيث كان يستقي بقنوات تأتيه من ماء اللجون. كما أن الحصن الذي على الضفة الجنوبية لوادي الموجب كان قلعة قائمة زمن المؤابيين والأنباط من بعدهم. كما تم بناء القسطل بين عامي 400 ـ 500م، بناها الملك الغساني الحارث بن جفنة (جبلة)، وكانت زيزياء مدينة كبيرة وواسعة ولكنها كانت تخلو من القلاع . وقد أنشأ المؤابيون فيها بركة ماء، رممها الأنباط ووسعوها ثم استخدمها الرومان وبقيت إلى يومنا هذا تتجمع فيها المياه، فإذا ما امتلأت بقيت المياه فيها إلى العام القابل، وكانت مورداً للناس والمواشي والجيوش والوحوش .

قام إبراهيم باشا المصري عام 1834بعمل وحشي متخلف وذلك بهدم أبنية زيزياء، وحرم البلاد من إرث تاريخي عظيم وكانت توجد في خان الزبيب وأم الرصاص قلاع بنيت زمن الغساسنة، وكانت محطات للقوافل التجارية والعسكرية. أما ربة عمون (عمان) فقد اهتم بها الرومان أيما اهتمام وذلك لاستخدامها في حماية الجبهة الرومانية، والقوافل التجارية وتحركات الجيوش والمسافرين، أما على حدود البادية الشرقية فهناك قصر البرقع وقلعة الأزرق التي كانت موجودة في حوالي عام 300م، وكانت واحة الأزرق محطة هامة لتزويد القوافل بالماء والملح والانتاج النباتي والميرة ( الطعام ) والكلاء .

أما الحدود الأردنية فكانت تتسع وتتقلص حسب قوة الدولة في هذه البلاد، إذ تمددت في فترات طويلة (زمن الأنباط لتشمل خيبر والعلا ومدائن صالح وحائل وتيماء والجوف) كما أن الغساسنة قد مدّوا إمارتهم إلى هذه المواقع المطابقة للحدود النبطية مع الحجاز وشملت الوجه على ساحل البحر الأحمر. وبذلك نجد أن ما يقوله أبناء العشائر أنهم كانوا في العلا أمر لا يخلو من الصحة "ذلك أن العلا كانت أرضاً أردنية عبر قرون طويلة وكانت واحة تلجأ إليها القبائل إذا ما شعرت في خطر اجتاح الأردن، حتى إذا ما زال الخطر عادت هذه القبائل معلنة أنها جاءت من العلا، وأنها مدوّنة في العلا والتي كانت مركزاً متحضراً ومستقراً فيه الأسواق والمياه والبساتين والينابيع ويرده البدو دون الإساءة إليه، لأنه منطقة تخدم الجمع ولا يسمح لأحد أن يعتدي عليها أو على أحد فيها.فالقانون البدوي يمنع الخلافات والقتال على المياه العامة , لان حق الحياة مكفول للجميع , وان الماء هو اساس الحياة .

ساهم المهندس الأردني النبطي والعربي زمن الرومان في البناء المعماري الروماني، حيث أن تراجان أخد العديد من المهندسين الانباط الأردنيين، وبعد أن أنهوا ترميم طريق تراجان المذكورة، أقول أخذهم إلى بلاده للمساهمة للبناء في روما ، وكان المهندس الذي بنى الجسر الهائل على نهر الدانوب وخطط ميدان تراجان Fordma فوردما مع هياكلها وأعمدتها ومكتبتها أقول أن المهندس الذي صمم هذه المواقع الخالدة في روما هو مهندس عربي سوري من دمشق واسمه الروماني أبولو دوراس Apollodorus . وبذلك تحوّل نمط البناء في الأردن والعديد من الأماكن في الإمبراطورية، من روماني بحت إلى شرقي بحت، وهذا ما نشاهده واضحاً في قلعة أذرح التي بنيت حوالي عام 106م. وقلعة القسطل التي لا نرى فيها أو في هندستها أو شكلها أي عنصر روماني أبداً.

تتميز روما أنها اعتبرت جميع أبناء الإمبراطورية رعاياها، لهم حقوق متساوية، وأن الوصول إلى العرش لم يكن وراثياً إلا في حالات نادرة لا يقاس عليها , حتى مرحلة متاخرة كما قلنا سابقا , وأنهم أتقنوا التعامل مع الأردن أرضاً وشعباً ومواصلات، واعتبروا أنفسهم الوريث الشرعي لمملكة الأنباط ـ وأنهم أمهر من استغل مهارات الأردنيين في الحراسة والفروسية والتجارة، وأن أساس التفاهم هو دفع الخاوة لهذه القبائل ـ أي أتاوة - لكنهم حصلوا على نتائج أكثر أهمية وأعلى شأناً مما دفعوه للقبائل.

كما أتقنوا استغلال وجود المدن العشرة "الديكابوليس" في الأردن، وساهمت هذه في دعم السلطة المركزية في بيزنطة وقبلها في روما. واستغل الرومان كل مهارة وقدرة عند شعوب الإمبراطورية لبناء روما وتجميلها، كما قاموا ببناء مدن متشابهة في بلادنا ـ مثل أم قيس وجرش وعمان، حيث المسارح والشوارع والأعمدة والقنوات المائية التي تحمل في ثناياها بصمات نبطيةهندسها وخططها واشرف على اقامتها مهندسون اردنيون انباط ( بما فيه مسارح ومدرجات جرش وعمان )

ولا شك أن الأمر يحتاج إلى رسم خرائط للطرق التجارية والقلاع، والحدود التي وصلها الأنباط. ووكدها الرومان لأن في ذلك خدمة لهم ولمصالحهم. ولا شك أن التصحر قد جفف ينابيع المياه السطحية، وغارت المياه الجوفية، مما أثّر على الغطاء النباتي للبلاد من غابات ومنتجات ومزروعات، حيث تقلصت المساحات المزروعة وتدنى مستوى نزول المطر، وهاجر الناس إلى حيث يجدون الحياة خارج البلاد وبخاصة نحو سوريا وفلسطين ومصر والعراق، حيث توجد قبائل كثيرة هناك ذات أصول أردنية، أو هي اذرعة لامتداداتها وجذورها في العمق الأردني.

أما الديانات التي اعتنقها الأردنيون قبل الإسلام. والأصنام التي عبدوها فهي متعددة بلا شك حيث كان الصنم أو الإله المعبود يشكل رمزاً لوحدة المملكة أو القبيلة قبل أن يكون معبوداً، ويعتبر معبّراً حقيقياً عن إرادتهم، ورمزاً لكبريائهم. وأن عبادة الأصنام بالأردن كانت معروفة منذ القدم بل إن الأصنام في مكة ذات أصل أردني عندما جاء عمرو بن لحي زعيم قريش إلى الحمامات المعدنية بالأردن (في عفرا/ الطفيلة، أو ماعين/ مادبا) فوجد أهلها يعبدون الأصنام وقالوا: ( أنهم يتقربون بها إلى الله زلفى، وأنهم يستنصرونها فتنصرهم، ويستمطرونها فتمطرهم ) فأخذها هناك وألزم الناس على عبادتها، ووضعها إلى جانب الكعبة المشرفة ثم شاعت عبادة الاصنام في مكة المكرمة وفي جزيرة العرب .

عندما كانت روما على الوثنية أثرت في الشعب الأردني، وعندما قامت المسيحية تأثر الرومان بدين الشرق في حينه، وصارت الدولة رسميا : نصرانية حيث اصبحت الدين الرسمي للدولة في حينه. وقد كان في شرق الأردن قبل النصرانية دينان: الوثنية واليهودية، أما اليهودية فكان أتباعها أقلاّء لأنها ارتبطت بمملكة يهوذا التي كانت دائمة الاعتداء على الممالك الأردنية ولا تتوانى عن إيذائها كما أن هيرودس الأدومي الذي طرده الأنباط من الأردن قد تخلّى عن دين الوثنية واعتنق اليهودية ليكون ملكاً على يهوذا، وكان له قلعة ماخيروس (مكاور) في شرق الأردن، رغم أن تدينه في اليهودية كان سطحياً كما سبق وقلنا.

أم الدين الآخر فكان الوثنية، سواء عبادة الآلهة التي جاء بها اليونان ومن ثم جاء بها الرومان، أو عبادة الآلهة المحلية، حيث كان لكل مملكة أردنية معبودها الخاص بها: تايكي في عمون للخصب، وكموش في مؤاب للحرب، ودوشرا / ذو الشرى لدى الأنباط . هذا فضلاً عن الآلهة عشتروت التي كانت سائدة لدى الشعوب العربية، وغير العربية من الشعوب السامية. كما كان لكل مدينة من مدن اتحاد الديكابوليس إلهاً خاصّاً ومحدوداً لا يعبده أهل المدينة الأخرى. مثل: الإله بلاسمار إله بلا وجدارا، واما بيت راس فكان الإله الذي تعبده يسمى زوس وعشتروت، وهراقليس، أما اله جرش فكان ارتيميس، وإله فيلادلفيا هو بلاس وهراقليس .

وفي جنوب الأردن وباديته ظهرت عدة آلهة، تبدو أنها يونانية انتشرت زمن الأنباط، فضلاً عن الآلهة النبطية "دو شرى"، وعشتاروت، وهذه الآلهة هي: بعل سمين، دو زاره، أثي Athi ، أموس Amos ، اللات ، Allat تيندراتيس. ومن الواضح أن بعض الكلمات عربية واضحة في أسماء هذه الآلهة، كدليل نبطيتها مثل: بعل سمين، حيث أن كلمة بعل معناها إله أو ربّ، وكذلك اسم الدو زاره، فربما يكون العُزّى الإله العربي المشهور المختص بمنطقة زارة قرب البحر الميت, وأما أثي فيبدو أنه غير عربي، وأما الإله أموس فهو عربي واضح، وكذلك اللات وهو الإله المشهور لدى العرب ولدى أهل مكة قبل الإسلام، وأما فقرة فهي كلمة عربية، وأما تيندراتيس فأظنه يوناني أو لا تيني، وربما يعني إله الرعد.

من هنا نلاحظ ثلاثة أمور في تعدد الآلهة عند الأنباط:

1. أن لكل قبيلة صنما الخاص بها الذي تعبده، ويوحدها ضمن جسم الدولة العام. وهذا أمر كان سائداً لدى قبائل العرب، حيث كان اللات والعزى ، ومنات الالهة للجميع، وكان لكل قبيلة إله يوحّدها بعضها مع بعض، ولا بد من القول هنا، كما ذكرت سابقاً أن عبادة الأصنام لم تكن لغايات العبادة وحدها، بل كان لها وظائف أخرى من أهمها أن صنم القبيلة رمز لها ويوحّدها تحت راية الشيخ أو الزعيم، لتكون في مواجهة القبائل الأخرى موحدة اجتماعياً وروحيّاً، وعقيدياً، غير تابعة لأحد من هذه القبائل. لذا فقد كان للصنم وظيفة اجتماعية وسياسية فضلاً عن الدينية. وكان للأنباط إله رسمي للدولة هو دوشرا.

2. النقطة الثانية أن لكل ظاهرة إله، ففي عمون كانت تايكي آلهة الخصب، وفي الأنباط كان للرعد إله وللمطر إله وللربيع إله وللريح إله وللشمس إله وللقمر إله وهكذا.

من هنا كانت فكرة تعدد الآلهة مبنية على فكرة تعدد المظاهر في الطبيعة والحياة، حيث لم يتصوّروا إلهاً قادراً على التصرف بالكون كله وبالمظاهر كلها في آن واحد. ومثل هذا المبدأ كان موجوداً لدى الأمم الغابرة كلها ممن لم يؤمن بالانبياء , ولذلك جاء الانبياء للدعوة الى عبادة رب واحد لاشريك له , وكلهم بشروا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على انه خاتم الانبياء والمرسلين وخير خلق الله اجمعين .

3. أن أي شعب في زمن الوثنية والجاهلية لم يستطع العيش بدون الركون إلى قوى خفية وهو الإله أو الرب، لذلك ابتدعوا الأصنام، وظهر الكهنة، واختلقوا طقوساً للعبادة والدعاء وطلب الحاجات. حتى إذا ما ظهر الإسلام أنهى هذه السفاهات جميعها.

انتشرت المسيحية في الأردن، حيث يعتقد ( بضم الياء ) أن سيدنا المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ولد في المغطس / الخرار في شرق الاردن في الغور الى الجنوب من الشونةالجنوبية , فضلا عن انه عليه الصلاة والسلام قضى ردحا من عمره في غور الأردن، وفي جدارا (أم قيس) وأنه نشر جزءا من رسالته في شرق الأردن، حيث تم بناء كنائس عديدة في بلادنا ووجد كل دعم ومحبة من اهل الاردن , إلا أن الإمبراطور ديوقليتيان قام باضطهاد النصارى منذ عام 303، وهدم الكنائس والبيع، وجاءت هذه الاضطهادات بعد انتشار المسيحية رسمياً في الأردن قبل ذلك بنصف قرن ونيف، أي عام 243م زمن الإمبراطور فيليب.

ظهرت في الأردن عدة كنائس هامة في حبراص وعجلون وأم الرصاص (ميفعة) التي كانت مركز الراهب بحيرى الذي التقى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان الرسول طفلاً مع عمه في قافلة تجارية إلى الشام. كما كان هناك مطران للبتراء وكرسي أسقفي في بصرى (حوران) وبيسان، وقد صارت القدس مركزاً للبطريركية عام 534 زمن الإمبراطور جندستيان. ومن الملحوظ العثور على صومعة في منطقة الطبيق، مما يدل على وجود السكان في هذه المناطق في تلك المراحل ، ووصول النصرانية إليها، وانتشارها بشكل واسع بين الأردنيين.

لا بد من الإشارة هنا، إلى سبب انتشار النصرانية بسرعية عند الأردنيين:

1. أن اليهود كانوا أعداء المسيح، وكانوا أعداء الأردنيين، وبالتالي فإن عدوّ عدوّي صديقي، وقد نظر الناس في حينه إلى المسيح أنه مخلص لهم من كيد اليهود ومكرهم، وبالتالي لم يتوانوا باعتناق الدين الجديد الذي كان قائماً على التوحيد ( قبل فلسفة التثليث ) .

2. أن الاردنييين اعتادوا عبر تاريخهم أن إنكار الدين السماوي يعني غضب الله، كما حصل لقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب في مدين والأيكة، وبالتالي كانوا يتوددون إلى الخالق سبحانه من خلال الإيمان بدينه التوحيدي السماوي الجديد وهو النصرانية.

3. أن النصرانية صارت الدين الرسمي للإمبراطورية، وانتقلت تلقائياً لتكون الدين الرسمي للمملكة الاردنية الغسانية، وصار الناس على دين ملوكها.

4. أن اعتناق الدين السماوي يعطي الطمأنينة للمؤمن به، وبالتالي فإنه يوحد الناس، فيتخلصون من الآلهة الصغيرة والمتعددة لعبادة اله واحد .وبذلك صار الدين الجديد وه النصرانية وسلة هامة في توحيد الالهة وتوحيد الشعب الاردني وتوحيد المملكة الاردنية الغسانية ارضا وشعبا ودينا وهوية

5. مع هذا فأن البدو الاردنيين الذين كانوا خارج سيطرة الغساسنة الفعلية ظلوا يعبدون الأصنام، كما كان الحال في الجوف حين جاء الإسلام وكان أهلها لازالوا يعبدون الأصنام، ولم يكونوا نصارى. وكان أهل دومة الجندل يقدمون أضحية لالهتهم الوثنية كل عام قوامها ولدا ذكرا . وهذا دليل على أنها كانت بعيدة عن النفوذ الروماني، ذلك أن الرومان لم يكونوا يتهاونون في تقديم القرابين البشرية بموجب دين وثني وهم على دين النصرانية التوحيدي.

6. إن المتفحص للخرائب بالأردن يجدها كثيفة في الشمال مقارنة لما هي عليه بالجنوب، وذلك لأن التصحّر زحف إلى الجنوب قبل الشمال. كما أن الاستقرار والتقدم في الشمال كان دائماً سابقاً على ما كان عليه الحال في الجنوب، هذا إذا ما تغاضينا عن فترات تتناقض مع هذا الحال.

إن المتفحص لمناطق الجنوب من العقبة حتى وادي الموجب ليرى آثار الكروم واضحة، وكأنها جفت توّاً، مما يدل على مستوى زراعي رفيع، وتوسيع للرقعة الزراعية، بحيث لم يترك الأقدمون بقعة إلا وعمّروها. وهذا يدل على أنه في مرحلة من المراحل تم توزيع المساحات الزراعية على الأفراد، بعد أخذها من أيدي الإقطاعيين والملاّكين الكبار.

لجأ الرومان إلى هذا التوزيع، لأن همهم تركّز على إعمار الأرض وأخذ الإنتاج، واستقرار الناس، وسحب نقاط الصراع ونزع فتيل الثورات التي قد تنشب بين الإقطاعيين ومزارعيهم، وتنعكس بالتالي على الدولة. ومع هذا فإن كثرة الضرائب التي كان الرومان يجمعونها من الأردنيين تشبه في أمرها ما كان عليه الحال في نهاية العهد العثماني عندما كان هم الدولة جمع المال وهم الشعب إرضاء الدولة على حساب كل شيء فكانت الثورة متثلة اولا في اسلام ابي فروة الجذامي ثم انفرط عقد المسبحة الروماني في بلاد الشدة والغلبة والامن والطمانينة وهي معاني الاردن في لغة العرب .

البرزخ السياسي Isthmus political Confused Political Stage/

قد يكون العنوان غريباً أو نشازاً، لكن المقصود به هو إلقاء الضوء على المرحلة الانتقالية في أواخر العهد الروماني وأوائل العهد الإسلامي حتى معركة اليرموك الفاصلة بين المسلمين والروم عام 639م. لقد كانت هذه الفترة نهاية لاحتلالات واختلالات متعاقبة منذ زمن الفرس وآشور وبابل والفرس واليونان والرومان، حيث مرت الأردن وأهلها بين معاناة وقتال وتشريد، وفترات استقرار وازدهار، واختلاف في الدول والأنظمة الحاكمة، عبر خمسة عشر قرناً ونيف، تمكن خلالها الأردنيون من تعلُّم شيء واحد ليس موجودا عند الشعوب الأخرى، ألا وهو التعامل الودي والحذر مع كل قوة غريبة غازية ، والسماح له بأخذ خيرات البلاد إلى آشور وبابل وأثينا وروما، بينما لا يكسب الأردنيون من هذه إلا أذن الجمل، ومع هذا كانوا يرون أن ذلك أمر طيب.

اعتاد الأردنيون عبر القرون أن يقرنوا التفاؤل بالوجه المتجهم الذي يسميه البعض الوج العبوس بسبب تعرضهم لكل اصناف الاذى عبر التاريخ , حتى ان البعض يرى اننا من اكثر الشعوب المتجهمة على الارض . ويقبلون بالشيء إذا لم يتجاوز الحد الأدنى من لقمة العيش، وهم يتطلعون لأية قوة أخرى يساندونها ضد القوى الرازخة على صدورهم، وصار المثل الأردني التاريخي: ( خبي راسك عند مصاكل الدول ) "أي تنحى جانباً ولا تشارك بالصراع عندما يكون بين دول هدفها احتلال الأردن والسيطرة على أهله"، Hide your head, when different invaders have struggle on Jordan (and dont join any of them). ، هذا فضلاً عن الأمثال التي سبق وذكرتها في الفصل السابق.

في بداية القرن السابع الميلادي أي بعد عام 600م، كانت الإمبراطورية البيزنطية متعثرة لعدة أسباب هي:

1. الاضطراب المالي بسبب البذخ الذي كان يمارسه القصر الإمبراطوري مما حرم الجيش والناس من الموارد، والموظفين من الرواتب.

2. الاضطراب السياسي، حيث قامت الفتن والقلاقل والثورات في أوروبا ضد الإمبراطور، وبخاصة في شمال إيطاليا، وفي إسبانيا. فضلاً عن بروز قوة الفرس التي اجتاحت سوريا ومصر وهي من الممتلكات البيزنطية.

3. اضطهاد اليهود في القدس وفي كل الأماكن مما جعلهم يبحثون عن منقذ لهم، ودعاهم إلى إعلان دعمهم للمسلمين ( وقت الفتوحات الاسلامية فيما بعد ) وقيامهم بإخبار المسلمين على عورات الروم.

4. عدم دفع رواتب للقبائل الأردنية التي اعتادت اخذ الاتاوة والاعطيات سنوياً مع رواتب الجند، مما حدا بهذه القبائل أن يبحثوا عن مصدرٍ مالي آخر للعيش والبقاء ، وأن ينتقموا من الدولة الرومانية.

5. ادت سنة الوراثة على العرش الى وجود الأباطرة الضعفاء بحكم الوراثة وليس بحكم الكفاءة , على عرش إمبراطورية واسعة الأرجاء وكانت تشكل القوة الأولى في العالم آنذاك، تليها قوة الفرس.

6. التباين الديني والعرقي واللغوي والقومي بين رعايا الدولة.

7. الخلاف الديني بين الطوائف المسيحية، حيث انقسموا إلى جهة تؤمن بالطبيعة البشرية للمسيح عليه السلام وترى أنه رسول مخلوق وان الله سبحانه وتعالى هو خالقه، وهؤلاء تحولوا إلى الإسلام في غالبيتهم عندما وصلت طلائع الفتح الإسلامي والدعوة الاسلامية , وفئة ترى أنه بصفتين بشرية وإلهية وبالتالي تعتمد التثليث: الأب والابن والروح القدس، وفئات أخرى لا تحضرني الآن في الذاكرة ( وانا في السجن محروم من المراجع ) . وكان أهم طائفتين متنازعتين هم: اليعقوبية والنسطورية.

لقد انقسم الناس إلى فئات بحسب ما أسفر عنه مؤتمر الكرادلة في روما والذي أبقى الخلاف بين الطوائف، فتعددت وبقيت تتوالد عنها طوائف جديدة باستمرار إلى يومنا هذا. وبذلك كان الناس انذاك في حيرة من أمر العقيدة، والاختلاف بين العرب النصارى الذين اعتبروا أنفسهم الحاضن الأساس لسيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام ولدينه التوحيدي من جهة، وبين اليونان والرومان الذين أرادوا أن تكون الديانة المسيحية تخصهم ويجب أن يعاد إنتاجها لتخرج من أرحامهم هم، وليس من أرحام العرب ، أو الأردنيين باعتبارنا أقرب الناس إلى سيدنا المسيح عليه الصلاة والسلام.

من هنا بدأ اضطهاد النصراني للنصراني لاختلاف العقيدة، ووجد الأردنيون أنفسهم يدفعون ثمن حرب بين الطوائف النصرانية المتناحرة المتنافرة في العقيدة او المذهب ( سمها ماشئت ) لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وكان من أهم الكهنة الغساسنة الأردنيين في حينه: الراهب بحيرى الغساني الذي كان في صومعة ميفعة (أم الرصاص) وصاحب القصّة المشهورة مع رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو في تجارته مع عمه أبي طالب إلى الشام. ومنهم العربي الغساني الأردني حنا بن رؤبة حاكم ومطران العقبة الذي ذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وكتب معه عهداً . وأيضاً صفرونيوس بطريرك القدس وهو غساني عربي من الأردن، وسلّم مفاتيح القيامة والقدس لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ,تنفيذا لما كان موجودا عنده في الكتب القديمة , وحصل من أمير المؤمنين على العهدة العمرية المشهورة.

ومن خلال استعراض الأحداث اللاحقة في فترة البرزخ ـ أي نهاية الرومان وبداية الإسلام ـ نجد أن الأردنيين النصارى قد مالوا بشكل واضح نحو أبناء جلدتهم العرب المسلمين على حساب أبناء دينهم الرومان الذين لا علاقة لهم بهم أصلاً من حيث العرق والثقافة والكيان .

وبذلك برزت في فترة البرزخ المشاعر القومية العربية والوطنية الأردنية فضلاً عن الميل إلى التوحيد الذي نادى به المسيح وحوّره الرومان، وجاء به الإسلام بما يتفق مع نظرة أهل الأردن وطبيعتهم.

لم يكن موقف الحكام الغساسنة السلبي من الإسلام لأسباب دينية، وإنما بسبب التشبث بالسلطة، حيث أن الصحابي الجليل الشهيد عمير الأزدي قد لقي حتفه على يد ابن عمه الغساني الأزدي الذي كان أميراً للمنطقة في الطفيلة حيث لا زال قبر الشهيد عمير هناك شاهدا عللى قصته هذه .

لقد شرحت مطولاً أوضاع العشائر في هذه الفترة في كتابي التاريخ السياسي للعشائر الأردنية باللغة الانجليزية حيث استطعت الكتابة بحرية اكثر ممااكتبه بالعربية ( للاسف الشديد ) ، وهو جزء من هذه السلسلة، ولا أرى حاجة للتكرار. لكن الذي لا بد من قوله أن الصراع بدأ يظهر بشكل عنيف: بين الفرس والروم حيث دوّن القرآن الكريم ذلك في سورة الروم إذ قال سبحانه : ( الم (1) غُلِبتِ الرُّومُ (2) فِي أدْنى الْأرْضِ وهُمْ مِنْ بعْدِ غلبِهِمْ سيغْلِبُون (3) فِي بِضْعِ سِنِين لِلّهِ الْأمْرُ مِنْ قبْلُ ومِنْ بعْدُ ويوْمئِذٍ يفْرحُ الْمُؤْمِنُون(4) بِنصْرِ اللّهِ ينْصُرُ منْ يشاءُ هُو الْعزِيزُ الرّحِيمُ (5) [الروم:1-5] .

بل إن الصراع تأجج بين هاتين القوتين الأعظم ( في حينه ) , وكل غلب مرة وهًزم مرة , وكل منهما سجل هدفاً في مرمى الطرف الاخر , وزاد الشرخ بينهما فوق ماكان عليه امرهم من العداء والثارات مما حال دون التئامهم ضد القوة الجديدة ـ وهي قوة الإسلام.

بدأت حسابات القبائل الأردنيةتسير في طريقها الصحيح , واحتاج الامر لواحد من امراء القوم في مركز السلطة ان يعلن تمرده على الدين االسابق وعلى الدولة الغازية ويدين بالدين الجديد الذي بشر به المسيح عليه السلام , كان اول من اخذ اعتلى راية المجد والخلود هو أبو فروة بن نافرة الجذامي رضي الله عنه ، زعيم جذام الأردنية، وأمير البلقاء للغساسنة وبالتالي احد عمال الروم . كان اسلامه رسالة الى الجميع من مسلمين ونصارى وروم : انه تحرر من عبودية الشرك الى عبوديته لله سبحانه . وانه يريد التحرر من العبودية الوطنية للرومان الى التحرر والتحرير للوطن من الاحتلال الروماني . تحرر من الشرك والاحتلال معا , وعودة الى العقيدة الصحيحة وهي عقيدة التوحيد الذي كان جاء به المسيح وسائر الانبياء من قبل , والى وطن محرر من قوى الاستعمار والاحتلال . لكنه فقد حياته صلباً على حمامات عفرا إلى الشمال من الطفيلة ثمنا لايمانه بالعقيدة والتحرير . وقد أدى هذا إلى تأجيج الصراع الاردني القبلي الداخلي ضد الرومان، إذ أن العشائر لم تعد تتسلم المال السنوي الذي اعتادته منذ مئات السنين منذ زمن الاباء والاجداد الموغلة بالقدم في ايام اليونان وعبر ايام الرومان ، ولم تكن هذه العشائر تطيق العنف الرومي في التجريم والعقوبة، فضلاً عن أنهم رأوا في الرومان قوة غريبة ومحتلة، يتوجب تحرير الأردن منها .

واذا كان الشيء بالشيء يذكر فان اعقاب وذرية ابي فروة الجذامي رضي الله عنه امير البلقاء لازالوا في الاردن عبر هذه السنين الطويلة واسمهم عشيرة قباعة وهم عشيرة كريمة عريقة من عشائر معان الابية بوابة الاردن على الدوام . وقد اشار الرحالة الاجانب في العصر العثماني الى شيخ هذه العشيرة وذلك ماسنشير اليه في ذلك العهد ان شاء الله .

كانت الغزوات التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جنوب الأردن هامة للغاية , لأنها نبّهت القبائل الأردنية إلى البديل الافضل والاقرب عن الاحتلال الروماني،وعقيدة التثليث , وأن القوة الاسلامية الجديدة موحّدة، وعربية، وأبناء عمومة، وتطلب من الرجال أن يسيروا في الجهاد وأن يكون لهم سهم م نصيب ونسبة عالية لهم مما يكسبوه في حروبهم، بدل الامتهان والذلة للصدقة الرومانية عليهم. هذا فضلا لما في الإسلام من عزة لهم وكرامة.

بدأت الموالاة تتغير من الخضوع للروم إلى التمرّد عليهم ومن الانضواء تحت لوائهم الى الانضواء تحت راية العروبة إلى إعلان الإسلام , إلى دعم المسلمين , إلى المشاركة في الجهاد , إلى أخذ ما يكسبه الفارس حلالاً زلالاً له وليس لغيره , ثم الى المشاركة في الفتوحات والجهاد في سوريا ومصر وشمال افريقيا والاندلس ومن قبل في فتح مكة المكرمة .

صارت الدعوة الإسلامية حديث أهل الأردن، بشكل دائم وقوي، وأحبّ الناس سمو العقيدة ونقاءها ورقي التعامل والاحترام الذي يجدونه من المسلمين , ووجدوا في أبناء جلدتهم من المسلمين ما يريدون من عدالة وكرامة وتحرير للأرض والعقيدة والإنسان واخذ المال من الغزوات حيث لكل محارب نصيب مما يكسبه كما قلنا , وفوق هذا وذاك وقفوا في كثير من الأوقات وقفة المتفرج ليروا من سينتصر؟ وماذا سيحدث؟ وأين ستنتهي الأمور؟ وكانت كفة المسلمين راجحة في الفكر والتجانس بين عناصر الأمة والهدف والوسيلة، وحسن الأخلاق، والحفاظ على كرامات الناس.وفوق هذا تدعو لتحرير البلاد من الاحتلال الروماني الذي استمر اكثر من خمسة قرون .

كانت المياه تسير من تحت أقدام الإمبراطورية البيزنطية، وكان بنيانها قائم على أساس من الملح، وقد حوّل الإسلام قناة الماء صوب هذا الملح. وكان الناس يتحدثون في جزيرة العرب وبلاد الشام أن هذا هو موعد ظهور النبي العربي المنتظر. وهذا يعني أن الناس بدأت تشعر بحلول مرحلة جديدة، ودولة جديدة ودين جديد وهوية جديدة، وثقافة جديدة وعقيدة جديدة ولكنها توحيدية , وعربية أصيلة يقودها رسول الله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام , وبهذا فإن المرحلة القادمة بالنسبة لهم هي مرحلة التحرير من الاستعمار الروماني، والتخلص من الديانات الوثنية، واعتناق دين التوحيد كما نزل على سائر الأنبياء الكرام وآخرهم عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام .

كان هناك فوضى disarray دينية، وكما يقول المثل الاردني ( كل واحد براسه ويعرف خلاصه ) إلى درجة أن يوحنا بن رؤبة لم يمتثل لأوامر المطران الأعلى في القدس، أو لعلّه امتثل، فتحرك من العقبة لملاقاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في تبوك، وقدم اليه الهدايا، ورحّب به الرسول عليه السلام وعقد معه هدنة يدفع أهل العقبة (أيلة) بموجبها مبلغاً محدداً من المال سنوياً الى المسلمين . وهذا برهان واضح على أن الأجواء كانت: طع?Zة وقايمة disarray أو فلّة حكم ,;g , وكل واحد يبحث عن السلامة لنفسه absence of the administration and control .

أما الهلهلة السياسية political loose فإنها كانت ضاربة أطنابها، حيث أن أبا فروة الجذامي أعلن إسلامه، وأرسل هدايا للرسول صلى الله عليه وسلم أثناء أن كان عليه السلام في تبوك أيضاً. ولكن أوامر صلبه وقتله جاء من الرومان (السلطات العليا). ولم يأتِ من الغساسنة التابعين للرومان. أما قتل الصحابي الجليل عمير الأزدي فجاء بأمر من عامل الغساسنة الأزدي الذي كان في القرية التي صارت خرابا ولا زالت أطلالها ماثلة على رأس تلة صخرية إلى الغرب من الطريق ما بين الطفيلة/ العين البيضاء ـ وبصيرا الى الان ، وحيث أقيم مسجد صغير على ضريح الصحابي المذكور، وقد صليت فيه عدة مرات عام 1972/ 1973 عندما كنت قائداً لمقاطعة شرطة الطفيلة في حينه.


كان المسؤولون التابعون للادارة البيزنطية على التخوم الأردنية، قريبون من أبواب جزيرة العرب حيث ظهرت الرسالة الإسلامية، وبعيدون عن بيزنطة حيث الدولة الرومانية، وقد وجدوا أنفسهم على اعتاب تلاشي دولتهم سياسيا وزمنيا وروحيا , وان الصبح بدأ يتنفس ببزوغ فجر ونور دولة عربية مسلمة جديدة، وكان الرهبان مثل يوحنا بن رؤية (أيلة) وبحيرا (ميفعة/ أم الرصاص) وصفرونيوس (مطران القدس) وغيرهم يعرفون من خلال قراءتهم للنصوص القديمة للتوراة والإنجيل أن هذا هو وقت ظهور نبي عربي في أرض الحجاز واسمه أحمد ومحمد، وكذلك كان. وبالتالي فإن مجرد ظهوره عليه الصلاة والسلام، لم يكن ذلك غريباً على الناس، ولا على الرهبان، وإنما صارت الأمور بين من أخذته العزة بالإثم وبقي على دينه السابق، ومنهم من تقيد بما أمرت به التوراة والإنجيل والمسيح بوجوب اتباع النبي العربي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في الكتب المقدسة.

كان الناس في وضع لا يُحسدون عليه فالقوة السابقة ( الرومانية ) بدأت تتداعى، والقوة الجديدة (الإسلام) بدات تنتشر وتضرب اطنابها وجذورها ، وبمعنى آخر كانت القوة الإسلامية تحمل في طياتها عناصر القوة والبقاء مقابل عناصر الضعف والفناء التي تحملها الدولة الرومانية. وحيث أن النفس البشرية مجبولة بالميل إلى القوي، وإلى المصالح أو العقيدة او كليهما ، فقد بدأ التصدع الداخلي والخارجي في بيزنطة مما زاد الناس نفورا، وهو انقسام في إدارة الدولة، وفقر في الموارد. وتناحر في الفرق الدينية لدرجة أن اتباع هذه الفرقة الدينية / الطائفة صاروا يخشون على أنفسهم من اتباع الفرقة / الطائفة الأخرىويامنون للمسلمين اكثر مما يامنون من بعضهم بعضا . وبذلك ساد الجور، والحيرة، والظلم، والحاجة. وهذه أمور عالجها الإسلام بحكمة بالغة حيث دعا إلى الحرية والوضوح والعدل وسدّ الحاجة، وتكافؤ الفرص , وإلى هوية عربية كريمة، وتحرير للإنسان من العبودية والكفر، وتحرير للأوطان العربية من الاستعمار والاحتلال الغربي.وفوق هذا اعلن انه لااكراه في الدين ( لااكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )

وبذلك بدأت حياة البرزخ السياسي والديني تتضح معالمها أكثر وأكثر مع تعاقب الأيام، وصار أهل الأردن من النصارى وعبدة الأوثان ميالون للدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية على حساب ميلهم نحو بيزنطة.

لم يكن أهل الأردن غرباء على أهل الحجاز , حيث كان تجار الحجاز يعرفون زعامات القبائل، ويستعينون بهم في حمل البضائع، واستئجار الجمال والبغال والخيول والادلاء والحماية , فضلا عما صار بينهم من المصاهرة . وكان الأمويون أكثر عائلة قرشية حجازية ذات علاقة حميمة مع العشائر الأردنية، مما انعكس في نهاية المطاف إلى وقوف أهل الأردن إلى جانب الأمويين في صراعهم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ,والتحكيم بين على ومعاوية رضي الله عنهما , وحروب مروان بن الحكم مع القيسية، وحروب عبد الملك بن مروان مع الزبيرية في الحجاز والعراق، حيث وقفت العشائر الأردنية مع الأمويين بقوة واخلاص ضد جميع من وقف في خندق المعاداة للامويين بما فيهم علي بن ابي طالب وعبدالله بن الزبير . وتزوج معاوية بن أبي سفيان ميسون بنت حسان بن بجدل الكلبي من بني كلب الأردن / عامل الادن لمعاوية ، وكانت من اهالي واحة الأزرق بالبادية الاردنية . وولدت له يزيد ولي عهده، وثاني خليفة أموي.

كانت البلقاء مشهورة في هذه الفترة ـ فترة البرزخ ـ وما قبلها وبعدها، أقول مشهورة بزيتها وسمنها ولبنها الجاف ( الجميد / الاقط ) ، وعسلها وحبوبها المختلفة, وخرافها , وفواكهها الجافة والزعتر البري والاعشاب الطبية ومسك الغزال والملح من البحرالميت , وكانت كلمة البلقاء تعني الأرض من مدائن صالح والعلا والوجه وينبع وتبوك ودومة الجندل وتيماء ووادي السرحان وواحة الازرق والجوف إلى الجولان وجبل الشيخ وتشمل حوران . ومع هذا كان بدو دومة الجندل الاردنيين ينغصون حياة هذه القوافل وينهبونها أحياناً، مما حدا بالرسول صلى الله عليه وسلم أن يسير( بتشديد الياء الثانية ) إلى دومة الجندل والجوف معا حملة تاديب حققت اهدافها وادت الى اعتناقهم للاسلام ، فتحولت هذه القبائل الاردنية هناك من عنصر قلاقل ونهب إلى عنصر مناصرة للرسول صلى الله عليه وسلم , حيث فضلوا السمع له والطاعة والايمان به عليه السلام ، من أن تتقدم إليهم قوات رومانية وتدمّر بلداتهم، وتنهب مقدّراتهم، وتقتل رجالهم وعيالهم وتسبي نساءهم.اختاروا امن الاسلام على ارهاب الرومان . واختاروا ابناء جلدتهم على العلوج , ولغتهم على الرطانة .

أما أهل الجوف أنفسهم فكان عاملهم يتبع الغساسنة في الأردن ايضا , وكان اسمه أكيدر بن عبد الملك الكندي من بني كندة التي كانت تمتد في الاردن وشمال جزيرة العرب ونجد . وقد ولّى هذا الرجل وقومه هاربين لواذا امام قوات المسلمين ، وتركوا بيوتهم ومتاعهم ثم عادوا عليها عندما انسحب الرسول صلى الله عليه وسلم , وقوته التي كان قوامها ألف رجل. وبذلك شعر عامل الجوف أن هناك قوة جديدة أكبر وأقوى من البدو، وقادرة على تقليم أظافر الدولة البيزنطية،وضبط البدو وتحقيق الاستقرار .

ثم حدثت حملة أخرى على الجوف أدت إلى دخول عدد من بني كلب الاردنية التي كانت في مناطق الجوف وواحة الازرق في الإسلام، ودفع الجزية من بقي منهم على نصرانيته. وبذلك تغيّرت موازين القوى، وصار دفع الجزية مرتبط بعدم اعتناق الإسلام،وصار الجهاد مرتبطا باعتناقه , وصارت بيزنطة عاجزة عن توفير الحماية للمقاطعات البعيدة مثل الجوف ودومة الجندل وتيماء، وجنوب الأردن، وشعر الناس أن شمس بيزنطة بدأت تجنح للمغيب الى غير رجعة , وأن شمس الدولة العربية الإسلامية بدأت تسطع بقوة واضحة ربما الى زمن قادم طويل .

كانت عشائر الأردن في هذه الفترة كثيرة العدد والعدة، واسعة الانتشار، تتجول بدون قيود أو حدود، من العلا جنوباً إلى الجولان شمالاً، ولكن تركيزهم الأساس كان في جنوب الأردن أكثر من أي جزء آخر، حيث كان هذا الجزء غزير الماء، وفير الغذاء، أمن بسب بعده عن سطوة الدولة المركزية في بيزنطة، كما أن ارتباطهم بحزيرة العرب كان ضمن روابط الدم والتاريخ والتمازج والتزاوج والحركة والتجارة , فضلا عن امتداد العشائر بعضها الى بعض بصورة أو بأخرى. وكان من أقوى وأشهر قبائل الأردن آنذاك، جذام، وقضاعة، وبهراء، ولخم، وبني عاملة، وبني سليح، والغساسنة، وبلي، وبني كلب، وكندة والبلقاوية،والغساسنة ولخم والازد ( ومنهم الغساسنة ) وبلقين ( عشائر البلقاء فينا بعد ) وغيرهم كثير، وكانوا في تجانس عظيم، حيث لم يكن بينهم عداوات ولا تناحر أو تنافر أو غزوات الا ماهو ضمن الحد المقبول , ذلك أن سلطة الغساسنة كانت عامل توحيد بينهم، كما أنهم كانوا في مواجهة بيزنطة، وأن أي طرف منهم ينفرد بدون دعم البقية يذهب ضحية الظلم البيزنطي , ذلك ان الذئب لياكل من الغنم القاصية .

أدى قتل رسول رسول الله الحارث بن عمير الأزدي (كما سبق وقلنا) من قبل الأمير الغساني لتلك القرية التي آلت إلى أطلال وركام وحطام إلى غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فجرّد جيشاً سمي جيش العسرة بسبب انعدام الإمكانات المادية من الماء والغذاء والسلاح. وبسبب شدة الحر، وتحرّك عليه السلام إلى تبوك، وذلك ليقتصّ من القتلة، ويختبر قوة الغساسنة والبيزنطيين، وليعرف مدى تماسك العشائر الاردنية مع السلطة الغسانية والرومانية، ولكي يزرع الرعب في قلوب هؤلاء الكفار. "نصرت بالرعب"، ولكي يعرف الناس أن هناك نبي بشّرت به الكتب السماوية السابقة، وأنه قادر على الهجوم وتحقيق النصر. وبذلك دخلت الدولة الإسلامية في المعادلة العامة على حساب انحسار هيبة الدولة البيزنطية. ان الدنيا تداول ودول ( وتلك الايام نداولها بين الناس ) .

كانت نتيجة غزوة تبوك موفقة، تحدثنا عنها في هذا السياق، وتحدثنا عنها بالتفصيل في كتابنا: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية باللغة الانجليزية , ولا داعي للتكرار والإعادة هنا.

لم يتوقف التحرك الإسلامي عند غزوة تبوك ودومة الجندل والجوف بل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل جيشاً وعلى رأسه زيد بن حارثة الكلبي الاردني من مناطق حسمى اصلا , وسيدنا جعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن ابي رواحة رضي الله عنهم جميعا وكانت معركة مؤتة، حيث تحدثنا عن هذه بالتفاصيل في كتابنا: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية ايضا ، ولا داعي للتكرار.

صارت الدعوة الإسلامية قوية وواضحة، وانتشر ذكرها عند سائر قبائل العرب ومنها العشائر الأردنية، وأحسّ الإمبراطور البيزنطي هرقل بخطر الإسلام، بعد أن رفض اعتناق الدين الجديد ، حيث ارسل اليه رسول الله الصحابي الجليل دحية الكلبي الاردني رسولا يدعوه الى الاسلام ولكن هرقل رفض دعوة الرسول بناءا على نصيحة من بطارقته . وصار الأمر بالنسبة لهرقل ولعرشه مسألة وجود،او عدم وجود , يكون أو لا يكون، فجهّز جيشاً واسعاً وكبيراً، ووجد أن سقوط الجبهة الأردنية بايدي المسلمين ، سيعني رحيله الكامل من سوريا وديارها. وقد لقي جيشه الهزيمة في مؤتة ثم في طبقة فحل، وقبلها في معركة غرندل قرب بصيرا، وفي وادي عربة، ثم في اليرموك. وحينها وقف هرقل ينظر بحسرة وحزن إلى سوريا قائلاً:
( "سلام عليك يا سوريا، سلام لا لقاء بعده)

وبالفعل غادر ولم يعد، وتوطدت أركان الإسلام في الديار العربية وبقيت إلى الآن، وإلى أن يشاء الله سبحانه، وقد استعاد الإسلام على عروبة سوريا ومصر وبلاد الرافدين، وحافظ عليها , بعد عشرات القرون من الاحتلال الأجنبي لهذه الديار العربية.

وعند ظهور الردة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , بقي الأردنيون المسلمون على الإسلام جميعاً، لم يرتد منهم إلا أكيدر بن عبد الملك عامل دومة الجندل، ولا شك أنه كشخص كان يطمح أن يبقى في موقعه كعامل للمنطقة او ان يستقل بها ملكا عليها وما حولها , لذا كان مستعداً لتغيير دينه بما حسب أنه سيخدمه؛ وهذا ديدن الكثير من الناس الذين لا هم لهم إلا الحياة الدنيا وزينتها.

لا بد من ذكر موضوع هام هنا، وهو أن انقطاع الدولة البيزنطية عن دفع أعطيات البدو الاردنيين السنوية، قد ألّب زعماء القبائل الاردنية ضد الدولة، وأصبحوا عوناً للمسلمين، كما أن اليهود كانوا عونا للمسلمين انتقاماً لأنفسهم لما لاقوه من الظلم والتعسف البيزنطي ضدهم، ولمعرفتهم في كتبهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدين الإسلامي سينصفونهم لأن الظلم محرم في دين الإسلام.

سارت الجيوش الإسلامية/ جيوش الفتح زمن أبي بكر، فمرّت بثكنات ومعسكرات الجيش البيزنطي التي أصبحت خاوية على عروشها، حيث مروا باللجون/ مركز الجيش الثالث، وقبلها بأذرح والجرباء وأيلة، وعندما وجدوا رحيل الجيش الروماني من هذه المواضع أيقنوا أن رياح النصر قد هبّت معهم مبكّراً، ومع هذا كانت مهمتهم صعبة فهم دولة فتية نشأت حديثاً يحاربون دولة متجذرة قبل مئات السنين في هذه الأرض وفي أوروبا، وبالتالي فإن الأمر لم يكن يسيراً.

وهكذا تغلبت عناصر البقاء الإسلامية، على عناصر الفناء البيزنطية، وتحقق قول الله سبحانه: ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) وكما أن القبر هو فترة البرزخ إذا ما انتهت هذه الفترة / اي البرزخ , صار البعث والحساب، فإما الى الجنة أو الى النار، كذلك البرزخ السياسي الذي عاشه الأردنيون قاد بعضهم إلى الإسلام ونوره، والمسير للجهاد في سبيل الله شمالاً وغرباً، ومنهم من حقق عليهم إبليس ظنّه ولم يكرمهم الله سبحانه بنور الإسلام، ضمن المبدأ الإسلامي وهو حرية الدين والعبادة، ( لااكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) اذ ان الاسلام لايجبر احدا على اعتناقه ( لكم دينكم ولي ديني ) .

وانحسرت بيزنطة إلى وكرها في القسطنطينية التي تم فتحها فيما بعد زمن السلطان العثماني محمد الفاتح، ثم انكفأت إلى أوروبا، وبذلك تحولت حياة البرزخ لدى الأردنيين إلى وضوح لا لبس فيه : فالإيمان واضح، والكفر واضح، والظلام واضح، والنور واضح، وللإنسان أن يختار ما يهديه الله إليه.

وصارت الأردن بلداً إسلامياً عربيّاً صافياً والحمد لله، واستطاعت العشائر أن تتكيف مع الأوضاع الجديدة ضمن فلسفتهم في الصراع من أجل البقاء؟ وإنهم بدون التكيف لا يستطيعون البقاء والحياة. وهذا يوضح صفة هامة من صفات الشعب الأردني، وهو قدرته على التكيف مع المستجدات والمتغيرات بما يبقى موجوداً ومستمراً، وصار اسم الأردن تحت عنوان جديد مناسب للمرحلة القتالية والجهادية الجديدة وهو : جند الأردن، وانتهت إمارة الغساسنةاذ صارت اثرا بعد عين , وزالت دولة بيزنطة، وجاءت دولة إسلامية مركزها المدينة المنورة. بدلاً من القسطنطينية، وصار الأردني يتعامل مع عربي مسلم مثله، بعد أن كان يتعامل مع رومي يسمى: العلج، والجمع علوج، وتعاقبت القرون والدول، وهذا شأن الحياة إلى يوم القيامة.

خرج الناس من البرزخ السياسي إلى ضوء الشمس وانجلاء السماء، وصارت الأردن ضمن جسم الدولة العربية الإسلامية الجديدة والتأمت العشائر ببعضها ، ولعبت الاردن واهلها دوراً هاماً وخطيراً في تاريخ الإسلام والمسلمين، ثم طوته غياهب النسيان زمن العباسيين بسبب خشيتهم من أن تظهر دعوة سياسية تنهي دولتهم، مثلما ظهرت دعوتهم في الحميمة واقتلعت الدولة الأموية في بلاد الشرق إلى غير رجعة.وانتقاما وثارا من الاردنيين لموقفهم مع الامويين من قبل ضد علي وضد زعيم الدعوة العباسية , فانتقموا من الاردن وحولوها الى مجرد بادية وصحراء وارض جرداء الى حين من الزمن . ولا زلنا نعاني من الحقد العباسي والعقوق العباسي كما سياتي فيما بعد ان شاء الله .


حسام العامري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تحفة السلطان في النسب والنسب القاسمي : السيد حسين الحسينى الزرباطى. (1) ابن الوجيه مكتبة الانساب و تراجم النسابين و المواضيع المترجمة 17 14-03-2014 11:44 PM
الدولة العباسية ,,, اسلام الغربى مجلس الاشراف العباسيين 16 09-12-2013 04:37 PM
دوحة السلطان في النسب ابن الوجيه مكتبة الانساب و تراجم النسابين و المواضيع المترجمة 5 29-11-2012 02:44 PM
روابط لما يقارب (500) كتاب عربي الشافعي مكتبة الانساب و تراجم النسابين و المواضيع المترجمة 4 09-03-2011 04:24 AM
عمدة الطالب في أنساب آل أبى طالب مجاهد الخفاجى مجلس السادة الاشراف 16 21-01-2011 02:32 AM


الساعة الآن 04:28 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه