المعنى اللغوى والشرعى لكلمة الطاغوت وحكمه وحكم التحاكم اليه بالادلة الشرعية - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
خمسون قاعدة عن فن قبول الاختلاف والتعايش الإيجابي بين البشر
بقلم : الشريف ابوعمر الدويري
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: حكم ومواعظ وأقوال مأثورة..نتعلم وتستمر الحياه.. (آخر رد :هلا حيدر)       :: النسابين العرب (آخر رد :المهاجري)       :: بربروسا (آخر رد :جعفر المعايطة)       :: البحث عن نسب عائلة جعفر بكفر الحاج داوود بمحافظة الغربية (آخر رد :نسر الجبال)       :: انساب عائلات الرملة في فلسطين (آخر رد :الجنوبي التميمي)       :: الى الحبيب الغالى د / ايمن زغروت وكل الاخوه اهل العلم ووالتخصص في المنتدى ارجو المساعدة في الحصول عل (آخر رد :د ايمن زغروت)       :: خمسون قاعدة عن فن قبول الاختلاف والتعايش الإيجابي بين البشر (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: استفسار عن مهاشمة بني عقبة (آخر رد :بن عائش عبدالله)       :: بعد التحليل طلعت السلالة G مع استفسار (آخر رد :عمرعلي)       :: ابناء جماز بن قاسم بن مهنا الحسينى (آخر رد :ابو عبد الرحمن مصطفى حجي)      


العودة   ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. > المجلس الإسلامي ..{ على مذهب أهل السنة والجماعة } > الاسلام باقلامنا

الاسلام باقلامنا " و من احسن قولا ممن دعا الى الله و عمل صالحا و قال انني من المسلمين "

Like Tree2Likes
  • 1 Post By عمر بن عبد العزيز
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري

إضافة رد
قديم 04-06-2015, 11:51 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي المعنى اللغوى والشرعى لكلمة الطاغوت وحكمه وحكم التحاكم اليه بالادلة الشرعية

اولا الايات التى ورد فيها ذكر مصطلح الطاغوت وتفير اهل العلم لها :
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) سورة البقرة
اولا تفسير بن كثير
وقوله : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ) أي : من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ، ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) أي : فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم .
قال أبو القاسم البغوي : حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم ، عن أبي إسحاق عن حسان هو ابن فائد العبسي قال : قال عمر رضي الله عنه : إن الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان ، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال ، يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من أمه ، وإن كرم الرجل دينه ، وحسبه خلقه ، وإن كان فارسيا أو نبطيا . وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن حسان بن فائد العبسي عن عمر فذكره .
ومعنى قوله في الطاغوت : إنه الشيطان قوي جدا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية ، من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها .
وقوله : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) أي : فقد استمسك من الدين بأقوى سبب ، وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ) .
قال مجاهد : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) يعني : الإيمان . وقال السدي : هو الإسلام . وقال سعيد بن جبير والضحاك : يعني لا إله إلا الله . وعن أنس بن مالك : ( بالعروة الوثقى ) : القرآن . وعن سالم بن أبي الجعد قال : هو الحب في الله والبغض في الله .
وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها .
وقال معاذ بن جبل في قوله : ( لا انفصام لها ) أي : لا انقطاع لها دون دخول الجنة .
وقال مجاهد وسعيد بن جبير : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) ثم قرأ : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [ الرعد : 11 ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا ابن عون عن محمد عن قيس بن عباد قال : كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع ، فدخل فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم : هذا رجل من أهل الجنة . فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له : إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا . قال : سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم ، وسأحدثك لم : إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه : رأيت كأني في روضة خضراء - قالابن عون : فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة ، فقيل لي : اصعد عليه فقلت : لا أستطيع . فجاءني منصف قال ابن عون : هو الوصيف ، فرفع ثيابي من خلفي ، فقال : اصعد . فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال : استمسك بالعروة . فاستيقظت وإنها لفي يدي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه . فقال : " أما الروضة فروضة الإسلام ، وأما العمود فعمود الإسلام ، وأما العروة فهي العروة الوثقى ، أنت على الإسلام حتى تموت " .
قال : وهو عبد الله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون وأخرجه البخاري من وجه آخر ، عن محمد بن سيرين به .
طريق أخرى وسياق آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى وعفان قالا : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن خرشة بن الحر قال : قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فقال القوم : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا . فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه ، فقلت له : قال بعض القوم : كذا وكذا . فقال : الجنة لله يدخلها من يشاء ، وإني رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا ، رأيت كأن رجلا أتاني فقال : انطلق . فذهبت معه فسلك بي منهجا عظيما فعرضت لي طريق عن يساري ، فأردت أن أسلكها . فقال : إنك لست من أهلها . ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فزجل فإذا أنا على ذروته ، فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل حتى أخذت بالعروة فقال : استمسك . فقلت : نعم . فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة ، فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " رأيت خيرا ، أما المنهج العظيم فالمحشر ، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار ، ولست من أهلها ، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة ، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء ، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام ، فاستمسك بها حتى تموت " . قال : فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة . قال : وإذا هو عبد الله بن سلام .
وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان ، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن الحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه . وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر الفزاري به .
تفسير الطبري
القول في تأويل قوله : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " الطاغوت ".
فقال بعضهم: هو الشيطان.
* ذكر من قال ذلك:
5834 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي قال: قال عمر بن الخطاب: الطاغوت: الشيطان (86) .
5835 - حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثني ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر، مثله.
5836 - حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد، قال: الطاغوت: الشيطان.
5837 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي، قال: الطاغوت: الشيطان.
5838 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " فمن يكفر بالطاغوت " قال: الشيطان.
5839 - حدثنا بشر بن معاذ، قال، حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: الطاغوت: الشيطان.
5840 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " فمن يكفر بالطاغوت " بالشيطان.
* * *
وقال آخرون: الطاغوت: هو الساحر.
* ذكر من قال ذلك:
5841 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الأعلى قال: حدثنا داود، عن أبي العالية، أنه قال: الطاغوت: الساحر.
* * *
وقد خولف عبد الأعلى في هذه الرواية، وأنا أذكر الخلاف بعد (87) .
* * *
5842 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا عوف، عن محمد، قال: الطاغوت: الساحر (88) .
* * *
وقال آخرون: بل " الطاغوت " هو الكاهن.
* ذكر من قال ذلك:
5843 - حدثني ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: الطاغوت: الكاهن (89) .
5844 - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: حدثنا داود، عن رفيع، قال: الطاغوت: الكاهن (90) .
5845 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج: " فمن يكفر بالطاغوت "، قال: كهان تنـزل عليها شياطين، يلقون على ألسنتهم وقلوبهم = أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، أنه سمعه يقول: - وسئل عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال-: كان في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهي كهان ينـزل عليها الشيطان.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول عندي في" الطاغوت "، أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء.
* * *
وأرى أن أصل " الطاغوت "،" الطغووت " من قول القائل: " طغا فلان يطغوا "، إذا عدا قدره، فتجاوز حده، ك " الجبروت "" من التجبر "، و " الخلبوت " من " الخلب "، (91) . ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير " فعلوت " بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه - أعني لام " الطغووت " فجعلت له عينا، وحولت عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل: " جذب وجبذ "، و " جاذب وجابذ "، و " صاعقة وصاقعه "، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال.
* * *
فتأويل الكلام إذا: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله، فيكفر به=" ويؤمن بالله "، يقول: ويصدق بالله أنه إلهه وربه ومعبوده (92) = فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله وعقابه، كما:-
5846 - حدثني أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي، قال: حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا ابن أبي مريم، عن حميد بن عقبة، عن أبي الدرداء: أنه عاد مريضا من جيرته، فوجده في السوق وهو يغرغر، لا يفقهون ما يريد.
فسألهم: يريد أن ينطق؟ قالوا: نعم يريد أن يقول: "آمنت بالله وكفرت بالطاغوت ". قال أبو الدرداء: وما علمكم بذلك؟ قالوا: لم يزل يرددها حتى انكسر لسانه، فنحن نعلم أنه إنما يريد أن ينطق بها. فقال أبو الدرداء: أفلح صاحبكم ! إن الله يقول: " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا الفصام لها والله سميع عليم " (93) .
* * *
القول في تأويل قوله : فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
قال أبو جعفر: " والعروة "، في هذا المكان، مثل للإيمان الذي اعتصم به المؤمن، فشبهه في تعلقه به وتمسكه به، بالمتمسك بعروة الشيء الذي له عروة يتمسك بها، إذ كان كل ذي عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته.
وجعل تعالى ذكره الإيمان الذي تمسك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله، ومن أوثق عرى الأشياء بقوله: " الوثقى "
* * *
و " الوثقى "،" فعلى " من " الوثاقة ". يقال في الذكر: " هو الأوثق "، وفي الأنثى: " هي الوثقى "، كما يقال: " فلان الأفضل، وفلانة الفضلى ".
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
5847 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " بالعروة الوثقى "، قال: الإيمان.
5848 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
5849 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: " العروة الوثقى "، هو الإسلام.
5850 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة - عن سعيد بن جبير قوله: " فقد استمسك بالعروة الوثقى "، قال: لا إله إلا الله (94) .
5851 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن سعيد بن جبير مثله.
5852 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، الضحاك: " فقد استمسك بالعروة الوثقى "، مثله.
* * *
القول في تأويل قوله : لا انْفِصَامَ لَهَا
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " لا انفصام لها "، لا انكسار لها." والهاء والألف "، في قوله: " لها " عائد على " العروة ".
* * *
ومعنى الكلام: فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، فقد اعتصم من طاعة الله بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانه إياه، وإسلامه عند حاجته إليه في أهوال الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عرى الأشياء التي لا يخشى انكسار عراها (95) .
* * *
وأصل " الفصم " الكسر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:
ومبســمها عــن شــتيت النبـات
غـــير أكـــس ولا منفصـــم (96)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
5853 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " لا انفصام لها "، قال: لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
5854 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
5855 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " لا انفصام لها "، قال: لا انقطاع لها.
* * *
القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: " والله سميع "، إيمان المؤمن بالله وحده، الكافر بالطاغوت، عند إقراره بوحدانية الله، وتبرئه من الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله=" عليم " بما عزم عليه من توحيد الله وإخلاص ربوبيته قلبه، (97) وما انطوى عليه من البراءة من الآلهة والأصنام والطواغيت ضميره، وبغير ذلك مما أخفته نفس كل أحد من خلقه، لا ينكتم عنه سر، ولا يخفى عليه أمر، حتى يجازي كلا يوم القيامة بما نطق به لسانه، وأضمرته نفسه، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.
---------------------------
الهوامش
(86) الأثر : 5834 -"حسان بن فائد العبسي" . روى عنه أبو إسحق السبيعي . قال أبو حاتم"شيخ" ، وقال البخاري يعد في الكوفيين . وذكره ابن حبان في ثقات التابعين . مترجم في التهذيب ، والكبير 2/ 1/ 28 ، وابن أبي حاتم 1/2 /223 . وكان في المطبوعة : "العنسي" ، والصواب من المخطوطة . وهذا الأثر ساقه ابن كثير بتمامه في تفسيره 2 : 16 -17
(87) في لأثر الآتي رقم : 5844 .
(88) الأثر : 5842 -حماد بن مسعدة ، سلف ترجمته في رقم : 3056 . وكان في المطبوعة"حميد بن مسعدة" ، وهو هنا خطأ ، صوابه من المخطوطة . أما"حميد بن مسعدة ، فهو شيخ الطبري ، سلف ترجمته في الأثر رقم : 196 .
(89) الأثر : 5843 -كان في المطبوعة والمخطوطة : "حدثنا محمد بن جعفر ، قال حدثنا سعيد" ، والصواب"شعبة" ، وانظر مثل ذلك في هذا الإسناد نفسه مما سلف رقم : 5813 ، والتعليق عليه .
(90) الأثر 5844 -رفيع ، هو أبو العالية الرياحي ، وقد مضت ترجمته مرارا فيما سلف .
(91) في المطبوعة والمخطوطة"الحلبوت من الحلب" بالحاء المملة ، والصواب ما أثبت . يقال : "رجل خلبوت وامرأة خلبوت" ، وهو المخادع الكذوب ، وجاء في الشعر ، وما أصدق ما قال هذا العربى ، وما أبصره بطباع الناس ، وما أصدقه على زماننا هذا :
ملكــتم فلمــا أن ملكــتم خـلبتم
وشــرالملوك الغــادر الخــلبوت
.
(92) اطلب معنى"الإيمان" فيما سلف في فهارس اللغة .
(93) الأثر : 5846-"أحمد بن سعيد بن يعقوب الكندي" ، أبو العباس ، روي عن بقية بن الوليد ، وعثمان بن سعيد الحمصي ، روى عنه النسائي . وذكره ابن حبان في الثقات . مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 1/1 / 53 . و"حميد بن عقبة" ، هو : حميد بن عقبة بن رومان بن زرارة القرشي و"يقال ، الفلسطيني . سمع ابن عمر ، وأبا الدرداء . وروى عنه أبو بكر بن مريم والوليد بن سليمان بن أبي السائب . قال أحمد : "حدثنا أبو الغيرة : سألت أبا بكر فقلت : حميد بن عقبة أراه كبيرا ، وأنت تحدث عنه عن أبي الدرداء؟ قال : حدثني أن كل شيء حدثني عن أبي الدرداء ، سمعه من أبي الدرداء" ، مترجم في الكبير 1/ 2/ 347 ، وابن أبي حاتم 1/ 2 /226 ، وتعجيل المنفعة : 106 .
يقال : "فلان في السوق ، وفي السياق" أي في النزع عند الموت ، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه . و"هو يسوق نفسه ويسوق بنفسه" : أي يعالج سكرة الموت ونزعه . ويقال : "غرغر فلان يغرغر" جاد بنفسه عند الموت ، و"الغرغرة" تردد الروح في الحلق ، وأكثر ذلك أن يكون معها صوت ، كغرغرة الماء في الحلق . وقوله : "حتى انكسر لسانه" : أي عجز عن النطق . وكل من عجز عن شيء ، فقد انكسر عنه . وهو هنا عبارة جيدة تصور ما يكون في لسان الميت .
* * *
وعند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه نسختنا ، وفيها ما نصه :
" يتلوه القول في تأويل قوله : فقد استمسك بالعروة الوثقى .
وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم كثيرا"
ثم يبدا الجزء بعده :
"بسم الله الرحمن الرحيم ،
رب يسر" .
(94) الأثر : 5850 ، 5851-"أبو السوداء" ، هو : "عمرو بن عمران النهدي" ، روي عن المسيب بن عبدخير ، وأبي مجلز ، وعبدالرحمن بن باسط والضحاك بن مزاحم ، وروى عنه حفص ابن عبدالرحمن بن سوقة والسفيانان . ثقه ، مترجم في التهذيب .
(95) في المطبوعة والمخطوطة : "كالتمسك بالوثيق" . والصواب الذي يقتضيه السياق ما أثبت .
(96) ديوانه : 2 من قصيدة من جيد شعر الأعشى ، وقبله أبيات من تمام معناه: أتهجــــر غانيــــة أم تلـــم
أم الحـــبل واه بهـــا منجــذم
أم الرشــد أحجــى فــإن امـرءا
ســــينفعه علمــه إن علـــم
كمـــا راشــد تجــدن امــرءا
تبيـــن , ثـم انتهــى إذ قــدم
عصــى المشــفـقين إلــى غيـه
وكـــل نصيـــح لــه يتهــم
ومــا كـــان ذلــك إلا الصبــا
وإلا عقــاب امــرئ قــد أثــم
ونظـــرة عيــن عــلى غــرة
محـــل الخــليط بصحــراء زم
ومبســــــــمها ..............
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فبـانت وفـي الصـدر صـدع لهــا
كصــدع الزجاجــة مــا يلتئــم
وقوله : "ومبسهما" منصوب عطفا ما قبله ، وهو مصدر ميمى ، أي ابتسامها . والشتيت : المتفرق المفلج ، يعنى : عن ثغرها شتيت النبات ، غير متراكب نبتة الأسنان . والأكس ، من الكسس (بفتحتين) : وهو أن يكون الحنك الأعلى أقصر من الأسفل ، فتكون الثنيتان العلييان وراء السفليين من داخل الفم . وهو عيب في الخلفية . ورواية الديوان : "منقصم" وهي أجود معنى . يقال : ينصدع الشيء دون أن يبين . وأما"القصم" فهو أن ينكسر كسرا فيه بينونة . ولكن الطبري استشهد به على"الفصم" بالفاء . وكلاهما عيب .
وكان البيت مصحفا في المطبوعة : "... عن سنب النبات غير كسر" ، والصواب في المخطوطة ، ولكنه غير منقوط فأساؤوا قراءته .
(97) السياق : "بما عزم عليه... قلبه" ، مرفوعا فاعل"عزم" .

عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 12:05 AM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

تفسير القرطبي :قوله تعالى : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله جزم بالشرط . والطاغوت مؤنثة من طغى يطغى . - وحكى الطبري يطغو - إذا جاوز الحد بزيادة عليه . ووزنه فعلوت ، ومذهب سيبويه أنه اسم مذكر مفرد كأنه اسم جنس يقع للقليل والكثير . ومذهب أبي علي أنه مصدر كرهبوت وجبروت ، وهو يوصف به الواحد والجمع ، وقلبت لامه إلى موضع العين وعينه موضع اللام كجبذ وجذب ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقيل طاغوت ، واختار هذا القول النحاس . وقيل : أصل طاغوت في اللغة مأخوذة من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق ، كما قيل : لآل من اللؤلؤ . وقال المبرد : هو جمع . وقال ابن عطية : وذلك مردود . قال الجوهري : والطاغوت الكاهن والشيطان ، وكله رأس في الضلال ، وقد يكون واحدا ، قال الله تعالى : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به . وقد يكون جمعا ، قال الله تعالى : أولياؤهم الطاغوت والجمع الطواغيت . ( ويؤمن بالله ) عطف . فقد استمسك بالعروة الوثقى جواب الشرط ، وجمع الوثقى الوثق مثل الفضلى والفضل ، فالوثقى فعلى من الوثاقة ، وهذه الآية تشبيه . واختلفت عبارة المفسرين في الشيء المشبه به ، فقال مجاهد : العروة الإيمان . وقال السدي : الإسلام . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ، لا إله إلا الله ، وهذه عبارات ترجع إلى معنى واحد . ثم قال : لا انفصام لها قال مجاهد : أي لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، أي لا يزيل عنهم اسم الإيمان حتى يكفروا . والانفصام : الانكسار من غير بينونة . والقصم : كسر ببينونة ، وفي صحيح الحديث فيفصم عنه الوحي وإن جبينه ليتفصد عرقا أي يقلع . قال الجوهري : فصم الشيء كسره من غير أن يبين ، تقول : فصمته فانفصم ، قال الله تعالى : لا انفصام لها وتفصم مثله ، قاله ذو الرمة يذكر غزالا يشبهه بدملج فضة :
كأنه دملج من فضة نبه في ملعب من جواري الحي مفصوم
وإنما جعله مفصوما لتثنيه وانحنائه إذا نام . ولم يقل " مقصوم " بالقاف فيكون بائنا باثنين . وأفصم المطر : أقلع . وأفصمت عنه الحمى ولما كان الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب حسن في الصفات " سميع " من أجل النطق " عليم " من أجل المعتقد .
تفسير السعدى
فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي: بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه، وكان المتمسك به على ثقة من أمره، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي { لا انفصام لها } وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم { والله سميع عليم } فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها.
تفسير البغوى :
( فمن يكفر بالطاغوت ) يعني الشيطان وقيل : كل ما عبد من دون الله تعالى فهو طاغوت ، وقيل كل ما يطغي الإنسان فاعول من الطغيان زيدت التاء فيه بدلا من لام الفعل كقولهم حانوت وتابوت فالتاء فيها مبدلة من هاء التأنيث ( ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ) أي تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين والوثقى تأنيث الأوثق ، وقيل العروة الوثقى السبب الذي يوصل إلى رضا الله تعالى : ( لا انفصام لها ) لا انقطاع لها ( والله سميع ) قيل : لدعائك إياهم إلى الإسلام ( عليم ) بحرصك على إيمانهم .
تفسير بن عاشور وقوله : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } تفريع على قوله : { قد تبيّن الرشد من الغي } إذ لم يبق بعد التبيين إلاّ الكفرُ بالطاغوت ، وفيه بيان لنفي الإكراه في الدين؛ إذ قد تفرّع عن تميّز الرشد من الغي ظهور أنّ متّبع الإسلام مستمسك بالعروة الوثقى فهو ينساق إليه اختياراً .
والطاغوت الأوثان والأصنام ، والمسلمون يسمّون الصَّنم الطاغية ، وفي الحديث : " كانوا يهلون لمناة الطاغية " ويجمعون الطاغوت على طواغيت ، ولا أحسبه ألاّ من مصطلحات القرآن وهو مشتق من الطغيان وهو الارتفاع والغلو في الكبر وهو مذموم ومكروه . ووزن طاغوت على التحقيق طَغَيُوت فَعَلُوت من أوزان المصادر مثل مَلَكوت ورَهَبوت وَرَحَمُوت فوقع فيه قلب مكاني بين عينه ولامه فصيرُ إلى فَلَعوت طيَغوت ليتأتى قلب اللام ألفاً فصار طَاغوت ، ثم أزيل عنه معنى المصدر وصار اسماً لطائفة مما فيه هذا المصدر فصار مثل مَلَكوت في أنه اسم طائفة مما فيه معنى المصدر لا مثل رَحَموت ورهبوت في أنّهما مصدران فتاؤه زائدة ، وجعل علماً على الكفر وعلى الأصنام ، وأصله صفة بالمصدر ويطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كشأن المصادر .
وعطف { ويؤمن بالله } على الشرط لأنّ نبذ عبادة الأصنام لا مزيّة فيه إن لم يكن عَوّضها بعبادة الله تعالى .
ومعنى استمسك تمسك ، فالسينُ والتاء للتأكيد كقوله : { فاستمسكْ بالذي أُوحيَ إليك } [ الزخرف : 43 ] وقوله : { فاستجاب لهم ربهم } [ آل عمران : 195 ] وقول النابغة : «فاستنكحوا أمّ جابر» إذ لا معنى لطلب التمسك بالعروة الوثقى بعد الإيمان ، بل الإيمان التمسك نفسه .
والعروة بضم العين ما يُجعل كالحلْقة في طرف شيء ليقبض على الشيء منه ، فللدّلوْ عروة وللكُوز عُروة ، وقد تكون العروة في حبل بأن يشدّ طرفه إلى بعضه ويعقد فيصير مثل الحلقة فيه ، فلذلك قال في «الكشاف» : العروة الوثقى من الحبل الوثيق .
و { الوثقى } المحكمة الشدّ . { ولا انفصام لها } أي لا انقطاع ، والفصم القطع بتفريق الاتصال دون تجزئة بخلاف القصم بالقاف فهو قطع مع إبانة وتجزئة .
والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيلي ، شبهت هيأة المؤمن في ثباته على الإيمان بهيأة من أمسك بعروة وثقى من حَبل وهو راكب على صَعب أو في سفينة في هَول البحر ، وهي هيأة معقولة شبهت بهيأة محسوسة ، ولذلك قال في «الكشاف» «وهذا تمثيل للمعلوم بالنظَر ، بالمشاهَد» وقد أفصح عنه في تفسير سورة لقمان إذ قال «مثلت حال المتوكل بحال من أراد أن يتدلى من شاهق فاحتاط لنفسه بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين مأمون انقطاعه» ، فالمعنى أنّ المؤمن ثابت اليقين سالم من اضطراب القلب في الدنيا وهو ناج من مَهاوي السقوط في الآخرة كحال من تمسك بعروة حبل متين لا ينفصم .
وقد أشارت الآية إلى أنّ هذه فائدة المؤمن تنفعه في دنياه بأن يكون على الحق والبصيرة وذلك ممّا تطلبه النفوس ، وأشارت إلى فائدة ذلك في الآخرة بقوله : { والله سميع عليم } الذي هو تعريض بالوعد والثواب .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 12:12 AM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) سورة البقرة
تفسير بن كثير
يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير ، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات ، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات ; لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال : ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) [ الأنعام : 153 ] وقال تعالى : ( وجعل الظلمات والنور ) [ الأنعام : 1 ] وقال تعالى : ( عن اليمين والشمائل ) [ النحل : 48 ] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق ، وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا علي بن ميسرة حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان عن موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد قال : يبعث أهل الأهواء أو قال : يبعث أهل الفتن ، فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة ، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة ، ثم قرأ هذه الآية : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
تفسير الطبري :
القول في تأويل قوله : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " الله ولي الذين آمنوا "، نصيرهم وظهيرهم، يتولاهم بعونه وتوفيقه= (1) " يخرجهم من الظلمات " يعني بذلك: (2) .
يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وإنما عنى ب " الظلمات " في هذا الموضع، الكفر. وإنما جعل " الظلمات " للكفر مثلا لأن الظلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، وكذلك الكفر حاجب أبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحته وصحة أسبابه. فأخبر تعالى ذكره عباده أنه ولي المؤمنين، ومبصرهم حقيقة الإيمان وسبله وشرائعه وحججه، وهاديهم، فموفقهم لأدلته المزيلة عنهم الشكوك، بكشفه عنهم دواعي الكفر، وظلم سواتر [عن ] أبصار القلوب. (3) .
ثم أخبر تعالى ذكره عن أهل الكفر به، فقال: " والذين كفروا "، يعني الجاحدين وحدانيته=" أولياؤهم "، يعني نصراؤهم وظهراؤهم الذين يتولونهم=" الطاغوت "، يعني الأنداد والأوثان الذين يعبدونهم من دون الله=" يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، يعني ب " النور " الإيمان، على نحو ما بينا=" إلى الظلمات "، ويعني ب " الظلمات " ظلمات الكفر وشكوكه، الحائلة دون أبصار القلوب ورؤية ضياء الإيمان وحقائق أدلته وسبله.
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل:
* ذكر من قال ذلك:
5856 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، يقول: من الضلالة إلى الهدى=" والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت "، الشيطان: =" يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، يقول: من الهدى إلى الضلالة.
5857 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان=" والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، يخرجونهم من الإيمان إلى الكفر. (4) .
5858 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله تعالى ذكره: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، يقول: من الكفر إلى الإيمان=" والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، يقول: من الإيمان إلى الكفر.
5859- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد أو مقسم في قول الله: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، قال: كان قوم آمنوا بعيسى، وقوم كفروا به، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به الذين كفروا بعيسى، وكفر به الذين آمنوا بعيسى= أي: يخرج الذين كفروا بعيسى إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم= (5) " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت "، آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم= قال: " يخرجونهم من النور إلى الظلمات ". (6) .
5860 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحجاج بن المنهال، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورا، عن رجل، عن عبدة بن أبي لبابة قال في هذه الآية: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور "، إلى أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ، قال: هم الذين كانوا آمنوا بعيسى ابن مريم، فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به، وأنـزلت فيهم هذه الآية. (7) .
* * *
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد وعبدة بن أبي لبابة يدل على أن الآية معناها الخصوص، وأنها -إذ كان الأمر كما وصفنا- نـزلت فيمن كفر من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من عبدة الأوثان الذين لم يكونوا مقرين بنبوة عيسى، وسائر الملل التي كان أهلها يكذِّب بعيسى.
* * *
فإن قال قائل: أو كانت النصارى على حق قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم فكذَّبوا به؟
قيل: من كان منهم على ملة عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فكان على حق، وإياهم عنى الله تعالى ذكره بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء: 136].
* * *
فإن قال قائل: فهل يحتمل أن يكون قوله: " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، أن يكون معنيا به غير الذين ذكر مجاهد وعبدة: (8) أنهم عنوا به من المؤمنين بعيسى، أو غير أهل الردة والإسلام؟ (9) .
قيل: نعم يحتمل أن يكون معنى ذلك: والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يحولون بينهم وبين الإيمان، ويضلونهم فيكفرون، فيكون تضليلهم إياهم حتى يكفروا إخراجا منهم لهم من الإيمان، يعني صدهم إياهم عنه، وحرمانهم إياهم خيره، وإن لم يكونوا كانوا فيه قبل، كقول الرجل: " أخرجني والدي من ميراثه "، إذا ملك ذلك في حياته غيره، فحرمه منه حظَّه= (10) ولم يملك ذلك القائل هذا الميراث قط فيخرج منه، ولكنه لما حرمه، وحيل بينه وبين ما كان يكون له لو لم يحرمه، قيل: " أخرجه منه "، وكقول القائل: " أخبرني فلان من كتيبته "، يعني لم يجعلني من أهلها، ولم يكن فيها قط قبل ذلك. فكذلك قوله: " يخرجونهم من النور إلى الظلمات "، محتمل أن يكون إخراجهم إياهم من الإيمان إلى الكفر على هذا المعنى، (11) وإن كان الذي قاله مجاهد وغيره أشبه بتأويل الآية. (12) .
* * *
فإن قال لنا قائل: وكيف قال: " والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور "، فجمع خبر " الطاغوت " بقوله: " يخرجونهم "، و " الطاغوت " واحد؟
قيل: إن " الطاغوت " اسم لجماع وواحد، وقد يجمع " طواغيت ". وإذا جعل واحده وجمعه بلفظ واحد، كان نظير قولهم: " رجل عدل، وقوم عدل " و " رجل فطر وقوم فطر "، (13) وما أشبه ذلك من الأسماء التي تأتي موحدا في اللفظ واحدها وجمعها، (14) وكما قال العباس بن مرداس:
فَقُلْنَـــا أَسْــلِمُوا إِنَّــا أَخُــوكُمْ
فَقَـدْ بَـرِئَتْ مِـنَ الإِحَـنِ الصُّـدُورُ (15)
* * *
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: هؤلاء الذين كفروا=" أصحاب النار "، أهل النار الذين يخلدون فيها- يعني في نار جهنم- دون غيرهم من أهل الإيمان، إلى غير غاية ولا نهاية أبدا.
---------------
الهوامش :
(1) انظر تفسيره"الولى" فيما سلف 2 : 488 ، 489 / ثم : 563 ، 564 .
(2) انظر القول في"الظلمات" فيما سلف 1 : 338 .
(3) الزيادة بين القوسين ، لا غنى عنها ، وليست في المطبوعة ولا المخطوطة .
(4) في المخطوطة : "من الظلمات إلى الكفر" ، وهو خطأ بين جدا .
(5) في المطبوعة : "أي : يخرج الذين آمنوا إلى الإيمان بمحمد..." ، وهو لايستقيم ، وفي المخطوطة : "فلما بعث الله محمدا آمن به الذين كفروا بعيسى ، وكفر به الذين آمنوا بعيسى إلى الإيمان بمحمد..." سقط من الناسخ لعجلته : "أي يخرج الذين كفروا بعيسى" ، وهو ما أثبته استظهارا من سياق الكلام ، ومن الأثر بالتالي ، على خطئه فيه ، ومن الدر المنثور 1 : 230 ، وانظر التعليق على الأثر التالي .
(6) الأثر : 5859 ، -"عبدة بن أبي لبابة الأسدي" روي عن ابن عمر وزر بن حبيش وأبي وائل ومجاهد وغيرها من ثقات أهل الكوفة . مترجم في التهذيب ، وكان في المطبوعة والمخطوطة في هذا الموضع"عبدالله بن أبي لبابة"" ، وهو خطأ ، وسيأتي فيهما على الصواب في الأثر التالي .
(7) في المطبوعة والمخطوطة : "فلما جاءهم محمد صلى الله عليه آمنوا به" . والصواب ما أثبت ، أخطأ في نسخه وعجل . وانظر الدر المنثور 1 : 230 ، ففيه الصواب ، وهو الذي يدل عليه سياق الطبري فيما سيأتي أيضًا .
(8) في المطبوعة : "مجاهد وغيره" . وهي في المخطوطة : "عنده" غير منقوطة وإنما عنى عبدة ابن أبي لبابة ، كما في الآثار السالفة ، وما بعدها .
(9) في المخطوطة والمطبوعة : "الردة والإسلام" وهو هنا عطف لا يستقيم ، فإنه إنما عنى المرتدة عن الإسلام .
(10) في المطبوعة : "فحرمه منه خطيئة" ، وهو كلام خلو من المعنى . وفي المخطوطة : "فحرمه منه حطه" غير منقوطة ، وكلها فاسدة . أن المعنى : إذا ملك الميراث غير أبيه ، فحرمه حظه من ميراث أبيه . والحظ : النصيب .
(11) في المطبوعة : "يحتمل" بالياء في أوله ، وأثبت ما في المخطوطة .
(12) في المطبوعة والمخطوطة معا : "مجاهد وغيره" ، وهو خطأ ، وانظر التعليق السالف : ص : 427 تعليق : 1 .
(13) أي رجل مفطر ، وقوم مفطرون .
(14) في المطبوعة : "التي تأتي موحدة في اللفظ..." ، وفي المخطوطة : "التي يأتي موحد في اللفظ"والصواب ما أثبت .
(15) سيرة ابن هشام 4 : 95 واللسان (أخو) ومجاز القرآن 1 : 79 ، من قصيدة له طويلة في يوم حنين ، وفي هزيمة هوازن : ويذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه ، وذا الخمار وحبسه قومه للموت ، وبعد البيت: كــأن القــوم - إذ جــاؤوا إلينـا
مـن البغضـاء بعـد السـلم - عـور
وهو يخاطب هوازن بن منصور بن عكرمة ، إخوة سليم بن منصور ، وهم قوم العباس بن مرداس السلمي . وهذا البيت يجعلونه شاهدا على جمع"أخ" بالواو والنون كقول عقيل بن علقة المري: وكــان بنــو فــزارة شـر عـم
وكــنت لهـم كشـر بنـي الأخينـا
فقوله : "أخوكم" ، أي : إخوتكم . فهذا وجه آخر غير الذي استشهد له بهذا البيت والشاهد على قوله الطبري ما جاء في الأثر : "أنتم الوالد ونحن الولد" . والإحن جمع إحنة : وهي الحقد الغالب .
تفسير القرطبي :قوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
قوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا الولي فعيل بمعنى فاعل . قال الخطابي : الولي الناصر ينصر عباده المؤمنين ، قال الله عز وجل : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ، وقال ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ، قال قتادة : الظلمات الضلالة ، والنور الهدى ، وبمعناه قال الضحاك والربيع . وقال مجاهد وعبدة بن أبي لبابة : قوله الله ولي الذين آمنوا نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به ، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات . قال ابن عطية : فكأن هذا المعتقد أحرز نورا في المعتقد خرج منه إلى الظلمات ، ولفظ الآية مستغن عن هذا التخصيص ، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب ، وذلك أن من آمن منهم فالله وليه أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ومن كفر بعد وجود النبي صلى الله عليه وسلم الداعي المرسل فشيطانه مغويه ، كأنه أخرجه من الإيمان إذ هو معه معد وأهل للدخول فيه ، وحكم عليهم بالدخول في النار لكفرهم ، عدلا منه ، لا يسأل عما يفعل . وقرأ الحسن " أولياؤهم الطواغيت " يعني الشياطين ، والله أعلم .
تفسير السعدى :ثم ذكر السبب الذي أوصلهم إلى ذلك فقال: { الله ولي الذين آمنوا } وهذا يشمل ولايتهم لربهم، بأن تولوه فلا يبغون عنه بدلا ولا يشركون به أحدا، قد اتخذوه حبيبا ووليا، ووالوا أولياءه وعادوا أعداءه، فتولاهم بلطفه ومنَّ عليهم بإحسانه، فأخرجهم من ظلمات الكفر والمعاصي والجهل إلى نور الإيمان والطاعة والعلم، وكان جزاؤهم على هذا أن سلمهم من ظلمات القبر والحشر والقيامة إلى النعيم المقيم والراحة والفسحة والسرور { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت } فتولوا الشيطان وحزبه، واتخذوه من دون الله وليا ووالوه وتركوا ولاية ربهم وسيدهم، فسلطهم عليهم عقوبة لهم فكانوا يؤزونهم إلى المعاصي أزا، ويزعجونهم إلى الشر إزعاجا، فيخرجونهم من نور الإيمان والعلم والطاعة إلى ظلمة الكفر والجهل والمعاصي، فكان جزاؤهم على ذلك أن حرموا الخيرات، وفاتهم النعيم والبهجة والمسرات، وكانوا من حزب الشيطان وأولياءه في دار الحسرة، فلهذا قال تعالى: { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 12:35 AM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

تفسير البغوى قوله تعالى : ( الله ولي الذين آمنوا ) ناصرهم ومعينهم وقيل : محبهم ، وقيل متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره وقال الحسن : ولي هدايتهم ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) أي من الكفر إلى الإيمان قال الواقدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد منه الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام ، وجعل الظلمات والنور " فالمراد منه الليل والنهار سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) قال مقاتل : يعني كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وسائر رءوس الضلالة ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) يدعونهم من النور إلى الظلمات والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا قال تعالى في المذكر والواحد : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) ( 60 - النساء ) وقال في المؤنث : " والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها " ( 17 - الزمر ) وقال في الجمع : ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) فإن قيل : قال : يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط؟ قيل : هم اليهود كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما يجدون في كتبهم من نعته فلما بعث كفروا به وقيل : هو على العموم في حق جميع الكفار قالوا : منعهم إياهم من الدخول فيه إخراج كما يقول الرجل لأبيه : أخرجتني من مالك ولم يكن فيه كما قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام : " إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله " ( 37 - يوسف ) ولم يكن قط في ملتهم ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .
تفسير بن عاشور :وقع قوله : { الله ولي الذين آمنوا } الآية موقع التعليل لقوله : { لا انفصام لها } [ البقرة : 256 ] لأنّ الذين كفروا بالطاغوت وآمنوا بالله قد تولّوا الله فصار وليّهم ، فهو يقدّر لهم ما فيه نفعهم وهو ذبّ الشبهات عنهم ، فبذلك يستمر تمسّكهم بالعروة الوثقى ويأمنون انفصامها ، أي فإذا اختار أحد أن يكون مسلماً فإنّ الله يزيده هدى .
والولي الحَليف فهو ينصر مولاه . فالمراد بالنور نور البرهان والحق ، وبالظلمات ظلمات الشبهات والشك ، فالله يزيد الذين اهتدوا هدى لأنّ اتِّباعهم الإسلام تيسير لطرق اليقين فهم يزدادون توغّلا فيها يوماً فيوماً ، وبعكسهم الذين اختاروا الكفر على الإسلام فإنّ اختيارهم ذلك دل على ختم ضُرب على عقولهم فلم يهتدوا ، فهم يزدادون في الضلال يوماً فيوماً . ولأجل هذا الازدياد المتجدّد في الأمرين وقع التعبير بالمضارع في يخرجهم ويخرجونهم وبهذا يتضّح وجه تعقيب هذه الآيات بآية { ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم } [ البقرة : 258 ] ثم بآية { أوْ كالذي مر على قرية } [ البقرة : 259 ] ثم بآية { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تُحْيي الموتى } فإنّ جميعها جاء لبيان وجوه انجلاء الشك والشبهات عن أولياء الله تعالى الذين صدق إيمانهم ، ولا داعي إلى ما في «الكشاف» وغيره من تأويل الذين آمنوا والذين كفروا بالذين أرادوا ذلك ، وجَعْل النور والظلمات تشبيهاً للإيمان والكفر ، لِما علمت من ظهور المعنى بما يدفع الحاجة إلى التأويل بذلك ، ولا يحسن وقعُه بعدَ قوله : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله } ، ولِقوله { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } فإنّه متعينّ للحمل على زيادة تضليل الكافر في كفره بمزيد الشك كما في قوله : { فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله إلى قوله وما زادوهم غير تتبيب } [ هود : 101 ] ، ولأن الطاغوت كانوا أولياء للذين آمنوا قبل الإيمان فإنّ الجميع كانوا مشركين ، وكذلك ما أطال به فخر الدين من وجود الاستدلال على المعتزلة واستدلالهم علينا . وجملة يخرجهم خبر ثاننٍ عن اسم الجلالة . وجملة يخرجونهم حال من الطاغوت . وأعيد الضمير إلى الطاغوت بصيغة جمع العقلاء لأنّه أسند إليهم ما هو من فِعل العقلاء وإن كانوا في الحقيقة سبب الخروج لا مُخرجين . وتقدم الكلام على الطاغوت عند قوله تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } [ البقرة : 256 ]
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 12:53 AM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

ثانيا قوله تعالى في سورة النساء أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51)
وقوله : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) أما " الجبت " فقال محمد بن إسحاق ، عن حسان بن فائد ، عن عمر بن الخطاب أنه قال : " الجبت " : السحر ، و " الطاغوت " : الشيطان .
وهكذا روي عن ابن عباس ، وأبي العالية ، ومجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، والحسن ، والضحاك ، والسدي .
وعن ابن عباس ، وأبي العالية ، ومجاهد ، وعطاء ، وعكرمة ، [ وأبي مالك ] وسعيد بن جبير ، والشعبي ، والحسن ، وعطية : " الجبت " الشيطان - زاد ابن عباس : بالحبشية . وعن ابن عباس أيضا : " الجبت " : الشرك . وعنه : " الجبت " : الأصنام .
وعن الشعبي : " الجبت " : الكاهن . وعن ابن عباس : " الجبت " : حيي بن أخطب . وعن مجاهد : " الجبت " : كعب بن الأشرف .
وقال العلامة أبو نصر بن إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه " الصحاح " : " الجبت " كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك ، وفي الحديث : " الطيرة والعيافة والطرق من الجبت " قال : وهذا ليس من محض العربية ، لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي .
وهذا الحديث الذي ذكره ، رواه الإمام أحمد في فقال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا ، عوف عن حيان أبي العلاء ، حدثنا قطن بن قبيصة ، عن أبيه - وهو قبيصة بن مخارق - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت " وقال عوف : " العيافة " : زجر الطير ، و " الطرق " : الخط ، يخط في الأرض ، و " الجبت " قال الحسن : إنه الشيطان .
وهكذا رواه أبو داود في سننه والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي ، به
وقد تقدم الكلام على " الطاغوت " في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إسحاق بن الضيف ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن " الطواغيت " فقال : هم كهان تنزل عليهم الشياطين .
وقال مجاهد : " الطاغوت " : الشيطان في صورة إنسان ، يتحاكمون إليه ، وهو صاحب أمرهم .
وقال الإمام مالك : " الطاغوت " : هو كل ما يعبد من دون الله ، عز وجل .
وقوله : ( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) أي : يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم ، وقلة دينهم ، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم .
وقد روى ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عكرمة قال : جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة ، فقالوا لهم : أنتم أهل الكتاب وأهل العلم ، فأخبرونا عنا وعن محمد ، فقالوا : ما أنتم وما محمد . فقالوا : نحن نصل الأرحام ، وننحر الكوماء ، ونسقي الماء على اللبن ، ونفك العناة ، ونسقي الحجيج - ومحمد صنبور ، قطع أرحامنا ، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار ، فنحن خير أم هو ؟ فقالوا : أنتم خير وأهدى سبيلا . فأنزل الله ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من [ الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ] ) .
وقد روي هذا من غير وجه ، عن ابن عباس وجماعة من السلف .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش : ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه ؟ يزعم أنه خير منا ، ونحن أهل الحجيج ، وأهل السدانة ، وأهل السقاية ! قال : أنتم خير . قال فنزلت ( إن شانئك هو الأبتر ) [ الكوثر : 3 ] ونزل : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) إلى ( نصيرا ) .
وقال ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع ، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق ، وأبو عمار ، ووحوح بن عامر ، وهوذة بن قيس . فأما وحوح وأبو عمار وهوذة فمن بني وائل ، وكان سائرهم من بني النضير ، فلما قدموا على قريش قالوا هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول فسلوهم : أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم ، فقالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه . فأنزل الله عز وجل : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من [ الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا . أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ] ) إلى قوله عز وجل : ( وآتيناهم ملكا عظيما ) .
وهذا لعن لهم ، وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة ، لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين ، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم ، وقد أجابوهم ، وجاءوا معهم يوم الأحزاب ، حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق ، فكفى الله شرهم ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) [ الأحزاب : 25 ] .
تفسير الطبري :
القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ألم تر بقلبك، يا محمد، إلى الذين أُعطوا حظًّا من كتاب الله فعلموه =" يؤمنون بالجبت والطاغوت "، يعني: يصدِّقون بالجبت والطاغوت، ويكفرون بالله، وهم يعلمون أن الإيمان بهما كفر، والتصديقَ بهما شرك.
* * *
ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الجبت " و " الطاغوت ".
فقال بعضهم: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله.
*ذكر من قال ذلك:
9764 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: " الجبت " و " الطاغوت "، صنمان.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " الأصنام، و " الطاغوت " تراجمة الأصنام. (61)
*ذكر من قال ذلك:
9765 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت "،" الجبت " الأصنام، و " الطاغوت "، الذين يكونون بين أيدي الأصنام يعبّرون عنها الكذبَ ليضلوا الناس.
* * *
وزعم رجال أنّ" الجبت "، الكاهن، و " الطاغوت "، رجل من اليهود يدعى كعب بن الأشرف، وكان سيِّد اليهود.
* * *
وقال آخرون: " الجبت "، السحر، و " الطاغوت "، الشيطان.
*ذكر من قال ذلك:
9766 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد قال: قال عمر رحمه الله : " الجبت " السحر، و " الطاغوت " الشيطان. (62)
9767 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر مثله. (63)
9768 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عمن حدثه، عن مجاهد قال: " الجبت " السحر، و " الطاغوت " الشيطان.
9769 - حدثني يعقوب قال، أخبرنا هشيم قال، أخبرنا زكريا، عن الشعبي قال: " الجبت "، السحر، و " الطاغوت "، الشيطان.
9770 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " يؤمنون بالجبت والطاغوت "، قال: " الجبت " السحر، و " الطاغوت "، الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
9771 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبد الملك، عن قيس، عن مجاهد قال: " الجبت " السحر، و " الطاغوت "، الشيطان والكاهن.
* * *
وقال آخرون: " الجبت "، الساحر، و " الطاغوت "، الشيطان.
*ذكر من قال ذلك:
9772 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان أبي يقول: " الجبت "، الساحر، و " الطاغوت "، الشيطان.
* * *
وقال آخرون: " الجبت "، الساحر، و " الطاغوت "، الكاهن.
*ذكر من قال ذلك:
9773 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " الجبت والطاغوت "، قال: " الجبت " الساحر، بلسان الحبشة، و " الطاغوت " الكاهن.
9774 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن رفيع قال: " الجبت "، الساحر، و " الطاغوت "، الكاهن.
9775 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن أبي العالية أنه قال: " الطاغوت " الساحر، و " الجبت " الكاهن.
9776 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن داود، عن أبي العالية، في قوله: " الجبت والطاغوت "، قال: أحدهما السحر، والآخر الشيطان.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " الشيطان، و " الطاغوت " الكاهن.
*ذكر من قال ذلك:
9777 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يؤمنون بالجبت والطاغوت "، كنا نحدَّث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن.
9778 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.
9779 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: " الجبت " الشيطان، و " الطاغوت " الكاهن.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " الكاهن، و " الطاغوت " الساحر. (64)
*ذكر من قال ذلك:
9780 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير قال: " الجبت " الكاهن، و " الطاغوت " الساحر.
9781 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا حماد بن مسعدة قال، حدثنا عوف، عن محمد قال في الجبت والطاغوت، قال: " الجبت " الكاهن، والآخر الساحر.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " حيي بن أخطب، و " الطاغوت "، كعب بن الأشرف.
*ذكر من قال ذلك:
9782 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي، عن ابن عباس قوله: " يؤمنون بالجبت والطاغوت "،" الطاغوت ": كعب بن الأشرف، و " الجبت ": حيي بن أخطب.
9783 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قال: " الجبت ": حيي بن أخطب، و " الطاغوت ": كعب بن الأشرف.
9784 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " الجبت والطاغوت "، قال: " الجبت ": حيي بن أخطب، و " الطاغوت ": كعب بن الأشرف.
* * *
وقال آخرون: " الجبت " كعب بن الأشرف، و " الطاغوت " الشيطان.
*ذكر من قال ذلك:
9785 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: " الجبت ": كعب بن الأشرف، و " الطاغوت ": الشيطان، كان في صورة إنسان.
قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل: " يؤمنون بالجبت والطاغوت "، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين.
وذلك أن " الجبت " و " الطاغوت ": اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله = فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.
* * *
وقد بينت الأصل الذي منه قيل للطاغوت: " طاغوت "، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (65)
* * *
القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا (51)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويقولون للذين جحدوا وحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم = : " هؤلاء "، يعني بذلك: هؤلاء الذين وصفهم الله بالكفر =" أهدى "، يعني: أقوم وأعدل =" من الذين آمنوا "، يعني: من الذين صدَّقوا الله ورسوله وأقرُّوا بما جاءهم به نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم =" سبيلا "، يعني: طريقًا.
* * *
قال أبو جعفر: وإنما ذلك مَثَلٌ. ومعنى الكلام: أن الله وصف الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود = بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة = في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، بأنهم قالوا: (66) إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به، وأن دين أهل التكذيب لله ولرسوله، أعدل وأصوبُ من دين أهل التصديق لله ولرسوله. وذكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف، وأنه قائل ذلك.
ذكر الآثار الواردة بما قلنا:
9786 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت حَبْر أهل المدينة وسيدهم؟ (67) قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصُّنبور المنبتر من قومه، (68) يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السِّدانة وأهل السِّقاية؟ قال: أنتم خير منه. قال: فأنـزلت: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [سورة الكوثر: 3]، وأنـزلت: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إلى قوله: فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا .
9787 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عكرمة في هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ثم ذكر نحوه.
9788 - وحدثني إسحاق بن شاهين قال، أخبرنا خالد الواسطي، عن داود، عن عكرمة قال: قدم كعب بن الأشرف مكة، فقال له المشركون: احكم بيننا، وبين هذا الصنبور الأبتر، فأنت سيدنا وسيد قومك! فقال كعب: أنتم والله خيرٌ منه! فأنـزل الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ، إلى آخر الآية. (69)
9789 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرنا أيوب، عن عكرمة: أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم، (70) وأمرهم أن يغزوه، وقال: إنا معكم نقاتله. فقالوا: إنكم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكرًا منكم! فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما. ففعل. ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن ننحر الكوماء، (71) ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده؟ قال: بل أنتم خير وأهدى! فنـزلت فيه: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ".
9790 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال: لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود من بني النضير ما كان، (72) حين أتاهم يستعينهم في دية العامريَّين، فهمّوا به وبأصحابه، (73) فأطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد، فقال له أبو سفيان: يا أبا سعد، إنكم قوم تقرؤون الكتابَ وتعلمون، ونحن قوم لا نعلم! فأخبرنا، ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم. فقال أبو سفيان: نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونعمر بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه! قال: دينكم خير من دين محمد، فاثبتوا عليه، ألا ترون أنّ محمدًا يزعم أنه بُعِث بالتواضع، وهو ينكح من النساء ما شاء! وما نعلم مُلْكًا أعظم من ملك النساء!! (74) فذلك حين يقول: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ".
9791 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: نـزلت في كعب بن الأشرف وكفار قريش، قال: كفار قريش أهدى من محمد!" عليه السلام " = قال ابن جريج: قدم كعب بن الأشرف، فجاءته قريش فسألته عن محمد، فصغَّر أمره ويسَّره، وأخبرهم أنه ضالٌّ. قال: ثم قالوا له: ننشدك الله، نحن أهدى أم هو؟ فإنك قد علمت أنا ننحر الكُوم، ونسقي الحجيج، ونعمر البيت، ونطعم ما هبَّت الريح؟ (75) قال: أنتم أهدى.
* * *
وقال آخرون: بل هذه الصفة، صفة جماعة من اليهود، منهم: حُيَيّ بن أخطب، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله عنهم أنهم قالوه لهم.
ذكر الأخبار بذلك:
9792 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن قاله قال، أخبرني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الذين حَزَّبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة: حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، (76) والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، (77) وأبو عمار، (78) ووَحْوَح بن عامر، وهوذة بن قيس = فأما وحوح وأبو عمار وهوذة، (79) فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير = فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأوَل، فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه! فأنـزل الله فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، إلى قوله: وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا . (80)
9793 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، الآية، قال: ذُكر لنا أن هذه الآية أنـزلت في كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، ورجلين من اليهود من بني النضير، لقيا قريشًا بمَوْسم، (81) فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السِّدانة والسقاية، وأهل الحرم؟ فقالا لا بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه! وهما يعلمان أنهما كاذبان، إنما حملهما على ذلك حَسَد محمد وأصحابه.
* * *
وقال آخرون: بل هذه صفة حيي بن أخطب وحده، وإياه عنى بقوله: " ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ".
*ذكر من قال ذلك:
9794 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ إلى آخر الآية، قال: جاء حيي بن أخطب إلى المشركين فقالوا: يا حيي، إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه؟ فقال: نحن وأنتم خير منهم! فذلك قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ إلى قوله: " ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا ".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في ذلك، قولُ من قال: إن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود. وجائز أن تكون كانت الجماعةَ الذين سماهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد، = أو يكون حُيَيًّا وآخر معه، (82) إما كعبًا، وإما غيره.
* * *
---------------
الهوامش :
(61) يعني بقوله: "تراجمة الأصنام" ، الكهان ، تنطق على ألسنة الأصنام ، كأنها تقول للناس بلسانهم ، ما قالته تلك بألسنتها.
(62) الأثر: 9766 -"حسان بن فائد العبسي" ، مضى برقم: 5834 ، وكان في المطبوعة في هذا الأثر والذي يليه: "حسان بن قائد العنسي". ومضى هذا الإسناد برقم: 5835.
(63) الأثر: 9767 - مضى برقم: 5834.
(64) في المطبوعة والمخطوطة: "والطاغوت الشيطان" ، وصواب السياق ما أثبت.
(65) انظر ما سلف 5: 419 ، وسائر الآثار في"الطاغوت" من رقم: 5834 - 5845.
(66) في المخطوطة والمطبوعة: "وأنهم قالوا" بالواو ، والواو متصلة بالألف في المخطوطة ، والصواب ما أثبته ، وقوله: "بأنهم" متعلق بقوله: "إن الله وصف...".
(67) في المطبوعة: "خير أهل المدينة" ، وفي المخطوطة"حبر" ، وإن كانت غير منقوطة في كثير من المواضع. ووقع في لسان العرب مادة (صنبر): "خير" وفي مادة (بتر): "حبر" ، فأثبتها ورجحتها ، لأنهم إنما سألوه عن شأن الدين ، والحبر: العالم من أهل الكتاب ، فهو المسئول عن مثل ما سألوه عنه من أمر خير الدينين.
(68) "الصنبور": سفعات تنبت في جذع النخلة ، غير مستأرضة في الأرض. ثم قالوا للرجل الفرد الضعيف الذليل الذي لا أهل له ولا عقب ولا ناصر"صنبور". فأراد هؤلاء الكفار من قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ، بأبي هو وأمي ، صنبور نبت في جذع نخلة ، فإذا قلع انقطع: فكذلك هو إذا مات ، فلا عقب له. وكذبوا ، ونصر الله رسوله وقطع دابر الكافرين.
و"المنبتر" و"الأبتر": المنقطع الذي لا عقب له.
(69) الأثر: 9788 -"إسحاق بن شاهين الواسطي" ، مضى برقم: 8211 ، ولم نجد له ترجمة . و "خالد الواسطي" ، هو: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الواسطي" مضى برقم: 7211.
(70) "استجاش القوم": طلب منهم أن يجيشوا جيشًا.
(71) "الكوماء": هي الناقة المشرقة السنام العاليته ، وهذه خير النوق وأسمنها وأعزها عليهم ، والجمع"كوم".
(72) في المطبوعة: "واليهود بني النضير" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(73) ذلك في سنة أربع من الهجرة ، فأرادوا أن يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وتمالأوا على أن يلقوا عليه حجرًا من فوق جدار البيت الذي كان رسول الله جالسًا إلى جنبه ، فأطلعه الله على ذلك من أمرهم ، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة ، ثم أمر بالتهيؤ لحرب بني النضير ، فحاصرهم ، وأجلاهم ، وفيهم نزلت"سورة الحشر" بأسرها. انظر سيرة ابن هشام 3 : 199 - 213.
(74) لم تزل هذه مقالة كل طاعن على رسول الله من المستشرقين وأذنابهم في كل أرض ، والكفر كله ملة واحدة ، والذي يلقى على ألسنتهم ، هو الذي ألقى على لسان هذا اليهودي الفاجر ، عدو الله وعدو رسوله.
(75) قوله: "نطعم ما هبت الريح" ، يراد به معنى الدوام. ولو أرادوا به زمن الشتاء في القحط ، لكان صوابًا.
(76) في المطبوعة: "وأبو رافع" بزيادة الواو ، وهو خطأ: "أبو رافع" كنية سلام ابن أبي الحقيق. والصواب من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(77) في المطبوعة: "والربيع بن أبي الحقيق" أسقط"بن الربيع" ، والصواب من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(78) "أبو عمار" في المطبوعة في الموضعين"أبو عامر" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(79) "أبو عمار" في المطبوعة في الموضعين"أبو عامر" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وهو مطابق لما في سيرة ابن هشام.
(80) الأثر: 9792 - سيرة ابن هشام 2: 210 ، وهو تابع الآثار التي آخرها رقم: 9724.
(81) الموسم: مجتمع الناس ، في سوق أو في حج أو غيرهما.
(82) في المطبوعة: "أن يكون" ، وهو خطأ لا ريب فيه ، صوابه ما أثبت.

تفسير القرطبي :قوله تعالى : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يعني اليهود . يؤمنون بالجبت والطاغوت اختلف أهل التأويل في تأويل الجبت والطاغوت ؛ فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية : الجبت الساحر بلسان الحبشة ، والطاغوت الكاهن . وقال الفاروق عمر رضي الله عنه : الجبت السحر والطاغوت الشيطان . ابن مسعود : الجبت والطاغوت هاهنا كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب . عكرمة : الجبت حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف ؛ دليله قوله تعالى : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت . قتادة : الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن . وروى ابن وهب عن مالك بن أنس : الطاغوت ما عبد من دون الله . قال : وسمعت من يقول إن الجبت الشيطان ؛ ذكره النحاس . وقيل : هما كل معبود من دون الله ، أو مطاع في معصية الله ؛ وهذا حسن . وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه ، فأبدلت التاء من السين ؛ قاله قطرب . وقيل : الجبت إبليس والطاغوت أولياؤه . وقول مالك في هذا الباب حسن ؛ يدل عليه قوله تعالى : أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال تعالى : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها . وروى قطن بن المخارق عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الطرق والطيرة والعيافة من الجبت . الطرق الزجر ، والعيافة الخط ؛ خرجه أبو داود في سننه . وقيل : الجبت كل ما حرم الله ، الطاغوت كل ما يطغي الإنسان . والله أعلم .
قوله تعالى : ويقولون للذين كفروا أي يقول اليهود لكفار قريش أنتم أهدى سبيلا من الذين آمنوا بمحمد . وذلك أن كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ، ونزلت اليهود في دور قريش فتعاقدوا وتعاهدوا ليجتمعن على قتال محمد ؛ فقال أبو سفيان : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ، ونحن أميون لا نعلم ، فأينا أهدى سبيلا وأقرب إلى الحق . نحن أم محمد ؟ فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد .
تفسير البغوى :
قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) اختلفوا فيهما فقال عكرمة : هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله ، وقال أبو عبيدة : هما كل معبود يعبد من دون الله . قال الله تعالى " أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " ( النحل - 36 ) ، وقال عمر : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان . وهو قول الشعبي ومجاهد . وقيل : الجبت : الأوثان ، والطاغوت : شياطين الأوثان . ولكل صنم شيطان ، يعبر عنه ، فيغتر به الناس . وقال محمد بن سيرين ومكحول : الجبت : الكاهن ، والطاغوت : الساحر . وقال سعيد بن جبير وأبو العالية : الجبت : الساحر بلسان الحبشة ، والطاغوت : الكاهن . وروي عن عكرمة : الجبت بلسان الحبشة : شيطان .
وقال الضحاك : الجبت : حيي بن أخطب ، والطاغوت : كعب بن الأشرف . دليله قوله تعالى : " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " ( النساء - 60 ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين بن بشران ، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، أنا أحمد بن منصور الرمادي ، أنا عبد الرزاق أنا معمر عن عوف العبدي عن حيان عن قطن بن قبيصة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العيافة والطرق والطيرة من الجبت " .
وقيل : الجبت كل ما حرم الله ، والطاغوت كل ما يطغي الإنسان .
( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) قال المفسرون : خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ، ونزلت اليهود في دور قريش ، فقال أهل مكة : إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا ذلك ، فذلك قوله تعالى : ( يؤمنون بالجبت والطاغوت )
ثم قال كعب لأهل مكة : ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب هذا البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا .
ثم قال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم ، فأينا أهدى طريقة ، نحن أم محمد؟
قال كعب : اعرضوا علي دينكم .
فقال أبو سفيان : نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم ، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم ، وديننا القديم ودين محمد الحديث .
فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد فأنزل الله تعالى : ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) يعني : كعبا وأصحابه ( يؤمنون بالجبت والطاغوت ) يعني : الصنمين ( ويقولون للذين كفروا ) أبي سفيان وأصحابه ( هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ( سبيلا ) دينا .
تفسير السعدى :وهذا من قبائح اليهود وحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أن أخلاقهم الرذيلة وطبعهم الخبيث، حملهم على ترك الإيمان بالله ورسوله، والتعوض عنه بالإيمان بالجبت والطاغوت، وهو الإيمان بكل عبادة لغير الله، أو حكم بغير شرع الله. فدخل في ذلك السحر والكهانة، وعباده غير الله، وطاعة الشيطان، كل هذا من الجبت والطاغوت، وكذلك حَمَلهم الكفر والحسد على أن فضلوا طريقة الكافرين بالله -عبدة الأصنام- على طريق المؤمنين فقال: { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } أي: لأجلهم تملقا لهم ومداهنة، وبغضا للإيمان: { هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا } أي: طريقا. فما أسمجهم وأشد عنادهم وأقل عقولهم" كيف سلكوا هذا المسلك الوخيم والوادي الذميم؟" هل ظنوا أن هذا يروج على أحد من العقلاء، أو يدخل عقلَ أحد من الجهلاء، فهل يُفَضَّل دين قام على عبادة الأصنام والأوثان، واستقام على تحريم الطيبات، وإباحة الخبائث، وإحلال كثير من المحرمات، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين، والكفر بالله ورسله وكتبه، على دين قام على عبادة الرحمن، والإخلاص لله في السر والإعلان، والكفر بما يعبد من دونه من الأوثان والأنداد والكاذبين، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل والقسط بين الناس، وتحريم كل خبيث وظلم، والصدق في جميع الأقوال والأعمال، فهل هذا إلا من الهذيان، وصاحب هذا القول إما من أجهل الناس وأضعفهم عقلا، وإما من أعظمهم عنادا وتمردا ومراغمة للحق، وهذا هو الواقع
تفسير بن عاشور :
أعيد التعجيب من اليهود ، الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ، بما هو أعجب من حالهم التي مرّ ذكرها في قوله : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة } [ النساء : 44 ] ؛ فإنّ إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة ، لأنّ أوّل قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي ( لا يكن لك آلهة أخرى أمامي ، لا تصنع لك تمثالاً منحُوتاً ، لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ ) . وتقدّم بيان تركيب { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب } آنفاً في سورة آل عمران ( 23 ) .
والجبت : كلمة معرّبة من الحبشية ، أي الشيطان والسحر؛ لأنّ مادة : جَ بَ تَ مهملة في العربية ، فتعيّن أن تكون هذه الكلمة دخيلة . وقيل : أصلها جبس : وهو ما لا خير فيه ، فأبدلت السين تاء كما أبدلت في قول علباء بن أرقم :
يا لَعَنَ الله بني السعْلات ، عمرَو بنَ يَربوع شرار النَّات ، ليسوا أعفّاء ولا أكيات ، أي شرار الناس ولا بأكياس . وكما قالوا : الجتّ بمعنى الجسّ .
والطاغوت : الأصنام كذا فسّره الجمهور هنا ونقل عن مالك بن أنس . وهو اسم يقع على الواحد والجمع فيقال : للصَّنم طاغوت وللأصنام طاغوت ، فهو نظير طِفْل وفُلْك . ولعلّ التزام اقترانه بلام تعريف الجنس هو الذي سوّغ إطلاقه على الواحد والجمع نظير الكتاب والكتب . ثم لمّا شاع ذلك طردوه حتّى في حالة تجرّده عن اللام ، قال تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به } [ النساء : 60 ] فأفرده ، وقال : { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يَعْبُدوها } [ الزمر : 17 ] ، وقال : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم } [ البقرة : 257 ] الخ . وهذا الاسم مشتقّ من طغى يطغو إذا تعاظم وترفّع ، وأصله مصدر بوزن فَعَلوت للمبالغة ، مثل : رهبوت ، وملكوت ، ورحموت ، وجبَروت ، فأصله طَغَوُوت فوقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها فصار طوغوت بوزن فَلَعُوت ، والقصد من هذا القلب تأتّي إبدال الواو ألفاً بتحرّكها وانفتاح ما قبلها ، وهم قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتّى الإبدال كما قلبوا أرْءَام جمع ريم إلى آرام ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفاً بعد الأولى المفتوحة ، وقد ينزّلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير على طواغيت ووزنه فعاليل ، وورد في الحديث : " لا تحلفوا بالطواغيت " . وفي كلام ابن المسيّب في «صحيح البخاري» : البَحيرة التي يْمُنع درّها للطواغيت .
وقد يطلق الطاغوت على عظيم أهل الشرك كالكاهن ، لأنّهم يعظّمونه لأجل أصنامهم ، كما سيأتي في قوله تعالى : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } في هذه السورة [ النساء : 60 ] .
والآية تشير إلى ما وقع من بعض اليهود ، وفيهم كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، فإنّهم بعد وقعة أحُد طمعوا أن يسعوا في استئصال المسلمين ، فخرجوا إلى مكّة ليحَالفوا المشركين على قتال المسلمين ، فنزل كعب عند أبي سفيان ، ونزل بَقيّتهم في دور قريش ، فقال لهم المشركون ( أنتم أهل كتاب ولعلّكم أن تكونوا أدنى إلى محمّد وأتباعه منكم إلينا فلا نَأمن مكركم ) فقالوا لهم ( إنّ عبادة الأصنام أرضى عند الله ممّا يدعو إليه محمد وأنتم أهدى سبيلاً ) فقال لهم المشركون ( فاسجدوا لآلهتنا حتّى نطمئنّ إليكم ) ففعلوا ، ونزلت هذه الآية إعلاماً من الله لرسوله بما بيتّه اليهود وأهل مكة .
واللام في قوله للذين كفروا } لام العلّة ، أي يقولون لأجل الذين كفروا وليس لامَ تعدية فعل القول ، وأريد بهم مشركو مكة وذلك اصطلاح القرآن في إطلاق صفة الكفر أنّه الشرك ، والإشارة بقوله : { هؤلاء أهدى } إلى الذين كفروا ، وهو حكاية للقول بمعناه ، لأنّهم إنّما قالوا : «أنتم أهدى من محمّد وأصحابه» ، أو قال بعض اليهود لبعض في شأن أهل مكة { هؤلاء أهدى } ، أي حين تناجوا وزوّروا ما سيقولونه ، وكذلك قوله { من الذين آمنوا } حكاية لقولهم بالمعنى نداء على غلطهم ، لأنّهم إنّما قالوا : «هؤلاء أهدى من محمّد وأتباعه» وإذ كان محمد وأتباعه مؤمنين فقد لزم من قولهم : إنّ المشركين أهدى من المؤمنين . وهذا محلّ التعجيب .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 10:35 PM   رقم المشاركة :[6]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها). .
ويقول صاحب الظلال الشهيد _ باذن الله _ سيد قطب رحمه الله :

إن الكفر ينبغي أن يوجه إلى ما يستحق الكفر , وهو(الطاغوت). وإن الإيمان يجب أن يتجه إلى من يجدر الإيمان به وهو(الله).

والطاغوت صيغة من الطغيان , تفيد كل ما يطغى على الوعي , ويجور على الحق , ويتجاوز الحدود التي رسمها الله للعباد , ولا يكون له ضابط من العقيدة في الله , ومن الشريعة التي يسنها الله , ومنه كل منهج غير مستمد من الله , وكل تصور أو وضع أو أدب أو تقليد لا يستمد من الله . فمن يكفر بهذا كله في كل صورة من صوره ويؤمن بالله وحده ويستمد من الله وحده فقد نجا . . وتتمثل نجاته في استمساكه بالعروة الوثقى لا انفصام لها .

وهنا نجدنا أمام صورة حسية لحقيقة شعورية , ولحقيقة معنوية . . إن الإيمان بالله عروة وثيقة لا تنفصم أبدا . . إنها متينة لا تنقطع . . ولا يضل الممسك بها طريق النجاة . . إنها موصولة بمالك الهلاك والنجاة . . والإيمان في حقيقته اهتداء إلى الحقيقة الأولى التي تقوم بها سائر الحقائق في هذا الوجود . . حقيقة الله . . واهتداء إلى حقيقة الناموس الذي سنه الله لهذا الوجود , وقام به هذا الوجود . والذي يمسك بعروته يمضي على هدى إلى ربه ; فلا يرتطم ولا يتخلف ولا تتفرق به السبل ولا يذهب به الشرود والضلال .

(والله سميع عليم). .

يسمع منطق الألسنة , ويعلم مكنون القلوب . فالمؤمن الموصول به لا يبخس ولا يظلم ولا يخيب .
اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)
ثم يمضي السياق يصور في مشهد حسي حي متحرك طريق الهدى وطريق الضلال ; وكيف يكون الهدى وكيف يكون الضلال . . يصور كيف يأخذ الله - ولي الذين آمنوا - بأيديهم , فيخرجهم من الظلمات إلى النور . بينما الطواغيت - أولياء الذين كفروا - تأخذ بأيدهم فتخرجهم من النور إلى الظلمات !

إنه مشهد عجيب حي موح . والخيال يتبع هؤلاء وهؤلاء , جيئة من هنا وذهابا من هناك . بدلا من التعبير الذهني المجرد , الذي لا يحرك خيالا , ولا يلمس حسا , ولا يستجيش وجدانا , ولا يخاطب إلا الذهن بالمعاني والألفاظ .

فإذا أردنا أن ندرك فضل طريقة التصوير القرآنية , فلنحاول أن نضع في مكان هذا المشهد الحي تعبيرا ذهنيا أيا كان . لنقل مثلا:الله ولي الذين آمنوا يهديهم إلى الإيمان . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يقودونهم إلى الكفران . . إن التعبير يموت بين أيدينا , ويفقد ما فيه من حرارة وحركة وإيقاع !

وإلى جانب التعبير المصور الحي الموحي نلتقي بدقة التعبير عن الحقيقة:

(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور . والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات). .

إن الإيمان نور . . نور واحد في طبيعته وحقيقته . . وإن الكفر ظلمات . . ظلمات متعددة متنوعة . ولكنها كلها ظلمات .

وما من حقيقة أصدق ولا أدق من التعبير عن الإيمان بالنور , والتعبير عن الكفر بالظلمة .

إن الإيمان نور يشرق به كيان المؤمن أول ما ينبثق في ضميره . تشرق به روحه فتشف وتصفو وتشع من حولها نورا ووضاءة ووضوحا . . نور يكشف حقائق الأشياء وحقائق القيم وحقائق التصورات , فيراها قلب المؤمن واضحة بغير غبش , بينة بغير لبس , مستقرة في مواضعها بغير أرجحة ; فيأخذ منها ما يأخذ ويدع منها ما يدع في هوادة وطمأنينة وثقة وقرار لا أرجحة فيه . . نور يكشف الطريق إلى الناموس الكوني فيطابق المؤمن بين حركته وحركة الناموس الكوني من حوله ومن خلاله ; ويمضي في طريقه إلى الله هينا لينا لا يعتسف ولا يصطدم بالنتوءات , ولا يخبط هنا وهناك . فالطريق في فطرته مكشوف معروف .

وهو نور واحد يهدي إلى طريق واحد . فأما ضلال الكفر فظلمات شتى منوعة . . ظلمة الهوى والشهوة . وظلمة الشرود والتيه . وظلمة الكبر والطغيان . وظلمة الضعف والذلة . وظلمة الرياء والنفاق . وظلمة الطمع والسعر . وظلمة الشك والقلق . . . وظلمات شتى لا يأخذها الحصر تتجمع كلها عند الشرود عن طريق الله , والتلقي من غير الله , والاحتكام لغير منهج الله . . وما يترك الإنسان نور الله الواحد الذي لا يتعدد . نور الحق الواحد الذي لا يتلبس . حتى يدخل في الظلمات من شتى الأنواع وشتى الأصناف . . وكلها ظلمات . . !

والعاقبة هي اللائقة بأصحاب الظلمات:

(أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). . وإذ لم يهتدوا بالنور , فليخلدوا إذن في النار !

إن الحق واحد لا يتعدد والضلال ألوان وأنماط . . فماذا بعد الحق إلا الضلال ?
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 10:48 PM   رقم المشاركة :[7]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

الَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (51)
يقول صاحب الظلال الشهيد _باذن الله _ سيد قطب رحمه الله :
من لم يأتهم من الله هدى ; وأن يحكموا كتاب الله في حياتهم , فلا يتبعوا الطاغوت - وهو كل شرع لم يأذن به الله , وكل حكم ليس له من شريعة الله سند - ولكن اليهود - الذين كانوا يزكون أنفسهم , ويتباهون بأنهم أحباء الله - كانوا في الوقت ذاته يتبعون الباطل والشرك باتباعهم للكهانة وتركهم الكهان والأحبار يشرعون لهم ما لم يأذن به الله . وكانوا يؤمنون بالطاغوت ; وهو هذا الحكم الذي يقوم على غير شريعة الله . . وهو طاغوت لما فيه من طغيان - بادعاء الإنسان إحدى خصائص الألوهية - وهي الحاكمية - وبعدم انضباطه بحدود من شرع الله , تلزمه العدل والحق . فهو طغيان , وهو طاغوت ; والمؤمنون به والمتبعون له , مشركون أو كافرون . . يعجب الله من أمرهم , وقد أوتوا نصيبا من الكتاب , فلم يلتزموا بما أوتوه من الكتاب !

ولقد كانوا يضيفون إلى الإيمان بالجبت والطاغوت , موقفهم في صف المشركين الكفار , ضد المؤمنين الذين آتاهم الله الكتاب أيضا:

ويقولون للذين كفروا:هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا . .

قال ابن إسحاق . حدثني محمد بن أبى محمد , عن عكرمة - أو عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس . قال:"كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة , حيي بن أخطب , وسلام بن الحقيق , وأبو رافع , والربيع بن الحقيق , وأبو عامر , ووحوح بن عامر , وهودة بن قيس . فأما وحوح وأبو عامر وهودة , فمن بني وائل , وكان سائرهم من بني النضير . . فلما قدموا على قريش قالوا:هؤلاء أحبار يهود , وأهل العلم بالكتاب الأول . فاسألوهم:أدينكم خير أم دين محمد ? فسألوهم . فقالوا:دينكم خير من دينه , وأنتم أهدى منه وممن اتبعه . فأنزل الله - عز وجل -: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب). . . إلى قوله عز وجل: (وآتيناهم ملكا عظيما). . وهذا لعن لهم , وإخبار بأنه لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة . لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين . وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم . وقد أجابوهم , وجاءوا معهم يوم الأحزاب ; حتى حفر النبي [ ص ] وأصحابة حول المدينة الخندق , وكفى الله شرهم

(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا . وكفى الله المؤمنين القتال , وكان الله قويا عزيزا).

وكان عجيبا أن يقول اليهود:إن دين المشركين خير من دين محمد ومن معه , وإن المشركين أهدى سبيلا من الذين آمنوا بكتاب الله ورسوله [ ص ] ولكن هذا ليس بالعجيب من اليهود . . إنه موقفهم دائما من الحق والباطل , ومن أهل الحق وأهل الباطل . . إنهم ذوو أطماع لا تنتهي , وذوو أهواء لا تعتدل , وذوو أحقاد لا تزول ! وهم لا يجدون عند الحق وأهله عونا لهم في شيء من أطماعهم وأهوائهم وأحقادهم . إنما يجدون العون والنصرة - دائما - عند الباطل وأهله . ومن ثم يشهدون للباطل ضد الحق ; ولأهل الباطل ضد أهل الحق !

هذه حال دائمة , سببها كذلك قائم . . وكان طبيعيا منهم ومنطقيا أن يقولوا عن الذين كفروا:هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا !

وهم يقولونها اليوم وغدا . إنهم يشوهون بوسائل الدعاية والإعلام التي في أيديهم كل حركة إسلامية ناجحة على ظهر الأرض ; ويعينون عليها أهل الباطل لتشويهها وتحطيمها - بالضبط كما كانوا يعينون مشركي قريش ويستنصرون بهم في الوقت ذاته - لتشويه الحركة الإسلامية الأولى وتحطيمها .

ولكنهم أحيانا - لخبثهم ولتمرسهم بالحيل الماكرة ولملابسات العصر الحديث - قد لا يثنون ثناء مكشوفا على الباطل وأهله . بل يكتفون بتشويه الحق وأهله . ليعينوا الباطل على هدمه وسحقه . ذلك أن ثناءهم المكشوف - ي هذا الزمان - أصبح متهما , وقد يثير الشبهات حول حلفائهم المستورين , الذين يعملون لحسابهم , في سحق الحركات الإسلامية في كل مكان . .

بل لقد يبلغ بهم المكر والحذق أحيانا , أن يتظاهروا بعداوة وحرب حلفائهم , الذين يسحقون لهم الحق وأهله . ويتظاهروا كذلك بمعركة كاذبة جوفاء من الكلام . ليبعدوا الشبهة تماما عن أخلص حلفائهم , الذين يحققون لهم أهدافهم البعيدة !

ولكنهم لا يكفون أبدا عن تشويه الإسلام وأهله . . لأن حقدهم على الإسلام , وعلى كل شبح من بعيد لأى بعث إسلامي , أضخم من أن يداروه . . ولو للخداع والتمويه !

إنها جبلة واحدة , وخطة واحدة , وغاية واحدة . . هي التي من أجلها يجبههم الله باللعنة والطرد , وفقدان النصير . والذي يفقد نصرة الله فما له من ناصر وما له من معين ولو كان أهل الأرض كلهم له ناصر وكلهم له معين .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 11:11 PM   رقم المشاركة :[8]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

رابعا : يقول تعالى في سورة النساء أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)

تفسير بن كثير :هذا إنكار من الله ، عز وجل ، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين ، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية : أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما ، فجعل اليهودي يقول : بيني وبينك محمد . وذاك يقول : بيني وبينك كعب بن الأشرف . وقيل : في جماعة من المنافقين ، ممن أظهروا الإسلام ، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية . وقيل غير ذلك ، والآية أعم من ذلك كله ، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة ، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل ، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ; ولهذا قال : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت [ وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا .

تفسير الطبري :
القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60)
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ألم تر "، يا محمد، بقلبك، فتعلم = إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنـزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل من قبلك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت = يعني إلى: من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله، (1) =" وقد أمروا أن يكفروا به "، يقول: وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوتُ الذي يتحاكون إليه، فتركوا أمرَ الله واتبعوا أمر الشيطان =" ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا "، يعني: أن الشيطان يريد أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالا بعيدًا = يعني: فيجور بهم عنها جورًا شديدًا (2) .
* * *
وقد ذكر أن هذه الآية نـزلت في رجل من المنافقين دعا رجلا من اليهود في خصومة كانت بينهما إلى بعض الكهَّان، ليحكم بينهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهُرهم.
*ذكر من قال ذلك:
9891 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة. فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنـزل الله فيه هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك " حتى بلغ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .
9892 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، فذكر نحوه = وزاد فيه: فأنـزل الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، يعني المنافقين =" وما أنـزل من قبلك "، يعني اليهود =" يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، يقول: إلى الكاهن =" وقد أمروا أن يكفروا به "، أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه، أن يكفر بالكاهن.
9893 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود، خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك = أو قال: إلى النبي = لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة، قال: فنـزلت: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، يعنى: الذي من الأنصار =" وما أنـزل من قبلك "، يعني: اليهوديّ (3) " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، إلى الكاهن =" وقد أمروا أن يكفروا به "، يعني: أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه. وتلا " ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا "، وقرأ: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ إلى وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .
9894 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرميٌّ أن رجلا من اليهود كان قد أسلم، فكانت بينه وبين رجل من اليهود مدارأة في حق، (4) فقال اليهودي له: انطلق إلى نبي الله. فعرف أنه سيقضي عليه. قال: فأبى، فانطلقا إلى رجل من الكهان فتحاكما إليه. قال الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ".
9895 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، الآية، حتى بلغ " ضلالا بعيدًا "، ذُكر لنا أن هذه الآية نـزلت في رجلين: رجل من الأنصار يقال له " بشر "، وفي رجل من اليهود، في مدارأة كانت بينهما في حق، فتدارءا بينهما، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما، وتركا نبي الله صلى الله عليه وسلم. فعاب الله عز وجل ذلك = وذُكر لنا أن اليهودي كان يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وقد علم أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لن يجور عليه. فجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم، ويدعوه إلى الكاهن، فأنـزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون، فعابَ ذلك على الذي يزعم أنه مسلم، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب، فقال: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك " إلى قوله: صُدُودًا .
9896 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم. وكانت قُرَيظة والنَّضير في الجاهلية، إذا قُتِل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة، قتلوا به منهم. فإذا قُتِل الرجل من بني قريظة قتلته النضير، أعطوْا ديتَه ستين وَسْقًا من تمر. (5) فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير، قتل رجلٌ من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النضيري: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم ذلك. فقالت قريظة: لا ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية، فقد جاء الله بالإسلام! فأنـزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [سورة المائدة: 45]، فعيَّرهم، ثم ذكر قول النضيري: " كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقًا، ونقتل منهم ولا يقتلونا "، فقال أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [سورة المائدة: 50]. وأخذ النضيري فقتله بصاحبه، فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم! وقالت قريظة: نحن أكرم منكم! ودخلوا المدينة إلى أبي بُرْدة، (6) الكاهن الأسلمي، فقال المنافق من قريظة والنضير: انطلقوا إلى أبي بردَة ينفِّر بيننا! (7) وقال المسلمون من قريظة والنضير: لا بل النبي صلى الله عليه وسلم يُنفِّر بيننا، فتعالوا إليه! فأبى المنافقون، وانطلقوا إلى أبي بردة فسألوه، (8) فقال: أعظِموا اللُّقمة = يقول: أعظِموا الخَطَر (9) = فقالوا: لك عشرة أوساق. قال: لا بل مئة وسْق، ديتي، (10) فإني أخاف أن أنفِّر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفِّر قريظة فتقتلني النضير! فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنـزل الله عز وجل: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " = وهو أبو بردة (11) =" وقد أمروا أن يكفروا به " إلى قوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .
* * *
وقال آخرون: " الطاغوت "، في هذا الموضع، هو كعب بن الأشرف.
*ذكر من قال ذلك:
9897 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به "، و " الطاغوت " رجل من اليهود كان يقال له: كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنـزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا، بل نحاكمكم إلى كعب! فذلك قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، الآية.
9798 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك "، قال: تنازع رجلٌ من المنافقين ورجلٌ من اليهود، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. وقال اليهودي: اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الله تبارك وتعالى: " ألم تر إلى الذين يزعمون " الآية، والتي تليها فيهم أيضًا. (12)
9899 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، فذكر مثله = إلا أنه قال: وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد.
9900 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك " إلى قوله: " ضلالا بعيدًا "، قال: كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة، أحدهم مؤمن والآخر منافق، فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، فأنـزل الله: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا .
9901 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك وما أنـزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، قال: تنازع رجل من المؤمنين ورجل من اليهود، فقال اليهودي: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف. وقال المؤمن: اذهب بنا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال الله: " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك " إلى قوله: " صُدُودًا " = قال ابن جريج: " يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك "، قال: القرآن =" وما أنـزل من قبلك "، قال: التوراة. قال: يكون بين المسلم والمنافق الحق، فيدعوه المسلم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ليحاكمه إليه، فيأبى المنافق ويدعوه إلى الطاغوت = قال ابن جريج: قال مجاهد: " الطاغوت "، كعب بن الأشرف.
9902 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت "، هو كعب بن الأشرف.
* * *
وقد بينا معنى: " الطاغوت " في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته. (13)
------------------
الهوامش :
(1) انظر تفسير"الطاغوت" فيما سلف 5: 416 - 419 / 8: 461 - 465.
(2) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف: 8 : 428 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
(3) في المخطوطة: "اليهود".
(4) المدرأة: المدافعة والخصومة.
(5) "الوسق" مكيلة معلومة في زمانهم ، كانت تبلغ حمل بعير.
(6) في المطبوعة: "أبو برزة الأسلمي" وهو خطأ محض ، والصواب ما كان في المخطوطة ، فإن أبا برزة الأسلمي - نضلة بن عبيد - فهو صحابي جليل ، و"برزة" بفتح الباء بعدها راء ساكنة بعدها زاي. وأما "أبو بردة" فهو بالباء المضمومة بعدها راء ساكنة بعدها دال.
وذكر الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بردة الأسلمي إلى الإسلام ، فأبى ، ثم كلمه ابناه في ذلك ، فأجاب إليه وأسلم. وقال الحافظ ابن حجر: "وعند الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال: كان أبو بردة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود ، فذكر القصة في نزول قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يزعمون..." الإصابة في ترجمته. وذكر الهيثمي خبر ابن عباس في مجمع الزوائد 7: 6 ، وفيه أيضًا"أبو برزة الأسلمي" ، وهو خطأ ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح". وكذلك رواه ابن كثير في تفسيره 2: 500 وفيه أيضًا"أبو برزة" وهو خطأ.
(7) في المطبوعة هنا أيضًا"أبو برزة" ، وانظر التعليق السالف. ويقال: "نفر الحاكم أحد المتخاصمين على صاحبه تنفيرًا": أي قضى عليه بالغلبة. وهو من"المنافرة" وذلك أن يتفاخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ، ثم يحكما بينهما رجلا ، يغلب أحدهما على الآخر.
(8) في المطبوعة هنا مرة ثالثة: "أبو برزة".
(9) "الخطر" هو المال الذي يجعل رهنًا بين المتراهنين ، وأراد به الجعل الذي يدفعه كل واحد من المتنافرين إلى الحكم. وسماه"اللقمة" مجازًا ، وهذا كله لم تقيده كتب اللغة ، ولم أجده في أخبار المنافرات. فيستفاد من هذا الخبر. أن الحكم في المنافرة كانوا يجعلون له جعلا يأخذه بعد استماعه للمنافرة ، وبعد الحكم.
(10) "أوساق" جمع"وسق" ومضى تفسيره"الوسق" فيما سلف ص: 510 ، تعليق: 1.
(11) في المطبوعة هنا مرة رابعة"أبو برزة".
(12) في المخطوطة: "الآية التي تليها منهم فيهما أيضًا" ، ولا أدري ما هو ، وما في المطبوعة أقرب إلى الصواب.
(13) انظر ما سلف: 507 والتعليق: 1 ، والمراجع هناك.
تفسير القرطبي :
روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال : كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة ، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة . ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم ؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم ؛ فلما اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة ؛ فأنزل الله تعالى في ذلك : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك يعني المنافق . وما أنزل من قبلك يعني اليهودي . يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت إلى قوله : ويسلموا تسليما وقال الضحاك : دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو الطاغوت ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : كان بين رجل من المنافقين يقال له بشر وبين يهودي خصومة ؛ فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد ، وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله الطاغوت أي ذو الطغيان فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي . فلما خرجا قال المنافق : لا أرضى ، انطلق بنا إلى أبي بكر ؛ فحكم لليهودي فلم يرض ذكره الزجاج وقال : انطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي : إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض ؛ فقال عمر للمنافق : أكذلك هو ؟ قال : نعم . قال : رويدكما حتى أخرج إليكما . فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله ؛ وهرب اليهودي ، ونزلت الآية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت الفاروق . ونزل جبريل وقال : إن عمر فرق بين الحق والباطل ؛ فسمي الفاروق . وفي ذلك نزلت الآيات كلها إلى قوله : ويسلموا تسليما وانتصب : ضلالا على المعنى ، أي فيضلون ضلالا ؛ ومثله قوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا . وقد تقدم هذا المعنى مستوفى .

تفسير البغوى :
قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) الآية قال الشعبي : كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد ، لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة ولا يميل في الحكم ، وقال المنافق : نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم ، فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه ، فنزلت هذه الآية .
قال جابر : كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جهينة وواحد في أسلم ، وفي كل حي كهان .
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر ، كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي : ننطلق إلى محمد ، وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف ، وهو الذي سماه الله الطاغوت ، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي ، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق ، وقال : انطلق بنا إلى عمر رضي الله عنه ، فأتيا عمر ، فقال اليهودي : اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك ، فقال عمر رضي الله عنه للمنافق : أكذلك؟ قال : نعم ، قال لهما رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد ، وقال : هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله . فنزلت هذه الآية . وقال جبريل : إن عمر رضي الله عنه فرق بين الحق والباطل ، فسمي الفاروق .
وقال السدي : كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به أو أخذ ديته مائة وسق من تمر ، وإذا قتل رجل من بني النضير رجلا من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقا ، وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أشرف وأكثر من قريظة وهم حلفاء الخزرج ، فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فاختصموا في ذلك ، فقالت بنو النضير : كنا وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا ، وديتكم ستون وسقا وديتنا مائة وسق ، فنحن نعطيكم ذلك ، فقالت الخزرج : هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا ، ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم علينا ، فقال المنافقون منهم : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ، وقال المسلمون من الفريقين : لا بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم ، فقال : أعظموا اللقمة ، يعني الحظ ، فقالوا : لك عشرة أوسق ، قال : لا بل مائة وسق ديتي ، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم ، فأنزل الله تعالى آية القصاص ، وهذه الآية : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ) يعني الكاهن أو كعب بن الأشرف ، ( وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) .
تفسير السعدى :
يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين. { الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ } مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ } وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت. والحال أنهم { قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ } فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك. وهذا من إضلال الشيطان إياهم، ولهذا قال: { وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } عن الحق.

تفسير بن عاشور:
استئناف ابتدائي للتعجيب من حال هؤلاء ، ناسب الانتقال إليه من مضمون جملة : { إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } [ النساء : 59 ] . والموصول مراد به قوم معروفون وهم فريق من المنافقين الذين كانوا من اليهود وأظهروا الإسلام لقوله : { رأيت المنافقين يصدّون } ، ولذلك قال : { يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك } . وقد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية اختلافاً متقارباً : فعن قتادة والشعبي أنّ يهودياً اختصم مع منافق اسمه بشر فدعا اليهوديُّ المنافقَ إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه أنّه لا يأخذ الرشوة ولا يجورُ في الحكم ، ودعا المنافقُ إلى التحاكم عند كاهن من جُهينة كان بالمدينة .
وعن ابن عباس أنّ اليهودي دَعا المنافق إلى التحاكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنّ المنافقَ دعا إلى كعب ابن الأشرف ، فأبى اليهودي وانصرفا معاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي ، فلمّا خرجا ، قال المنافق : لا أرضى ، انطلِق بنا إلى أبي بكر ، فحكم أبو بكر بمثل حكم رسول الله ، فقال المنافق : انطلق بنا إلى عمر ، فلمّا بلغ عمر ، وأخبره اليهودي الخبر وصدَّقه المنافق ، قال عمر : رويدكما حتّى أخرج إليكما ، فدخل وأخذ سيفه ثم ضرب به المنافق حتّى بَرَد ، وقال : هكذا أقضى على من لم يرض بقضاء الله ورسوله . فنزلت الآية وقال جبريل : إن عمر فرّق بين الحقّ والباطل فلقبّه النبي صلى الله عليه وسلم «الفاروق» .
وقال السدّي : كان بين قُريظة والخزرج حِلف ، وبين النَّضير والأوس حلف ، في الجاهلية وكانت النضير أكثر وأشرف ، فكانوا إذا قتَل قُرَظِيُّ نضيرياً قُتل به وأخذ أهل القتيل دية صاحبهم بعد قتل قاتله ، وكانت الدية مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضيريّ قرظيّا لم يُقتل به وأعطى ديته فقط : ستّين وسقاً . فلمّا أسلم نفر من قريظة والنضير قتل نضيريّ قُرظيّا واختصموا ، فقالت النضير : نعطيكم ستّين وسقاً كما كنّا اصطلحنا في الجاهلية ، وقالت قريظة : هذا شيء فعلتموه في الجاهلية لأنّكم كثرتم وقللنا فقهرتمونا ، ونحن اليوم إخوَة وديننا ودينكم واحد ، فقال بعضهم وكان منافقاً : انطلقوا إلى أبي بُردة وكان أبو بردة كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون إليه فيه وقال المسلمون : لا بل ننطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية . ( وأبو بردة بدال بعد الراء على الصحيح ، وكذلك وقع في مفاتيح الغيب وفي الإصابة لابن حجر ، ووقع في كتب كثيرة بزاي بعد الراء وهو تحريف اشتبه بأبي برزة الأسلمي نضلة بن عبيد ولم يكن أبو برزة كاهناً قط ) . ونُسب أبو بردة الكاهن بالأسلمي ، وذكر بعض المفسّرين : أنّه كان في جُهيْنة . وبعضهم ذكر أنّه كان بالمدينة .
وقال البغوي عن جابر بن عبد الله : «كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جُهينة وواحد في أسلم ، وفي كلّ حيّ واحد كهّانٌ» .
وفي رواية عكرمة أنّ الذين عناهم الله تعالى ناس من أسلم تنافروا إلى أبي بردة الأسلمي ، وفي رواية قتادة : أنّ الآية نزلت في رجلين أحدهما اسمه بشر من الأنصار ، والآخر من اليهود تدَارءا في حقّ ، فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند النبي صلى الله عليه وسلم لعلمه بأنّه يقضي بالحقّ . ودعاه الأنصاري إلى التحاكم للكاهن لأنّه علم أنّه يرتشي ، فيقضي له ، فنزلت فيهما هذه الآية . وفي رواية الشعبي مثل ما قال قتادة ، ولكنّه وصف الأنصاري بأنّه منافق . وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنّ الخصومة بين منافق ويهودي ، فقال اليهودي «لننطلق إلى محمد» وقال المنافق «بل نأتي كعبَ بن الأشرف اليهودي» وهو الذي سَمَّاه الله الطاغوت .
وصيغة الجمع في قوله : { الذين يزعمون } مرَاد بها واحد . وجيء باسم موصول الجماعة لأنّ المقام مقام توبيخ ، كقولهم : ما بَال أقوام يقولون كذا ، ليشمل المقصودَ ومن كان على شاكلته . والزعم : خبر كاذبٌ ، أو مشوب بخطأ ، أو بحيث يتّهمه الناس بذلك ، فإنّ الأعشى لمّا قال يمدح قيساً بن معد يكرب الكندي :
ونُبِّئْتُ قَيْساً ولم أبْلُهُ ... كما زَعموا خَيْرَ أهل اليَمَنْ
غضب قيس وقال : «وما هو إلاّ الزعم» ، وقال تعالى : { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا } [ التغابن : 7 ] ، ويقول المحدّث عن حديث غريب فزعم فلان أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا ، أي لإلقاء العهدة على المخبر ، ومنه ما يقع في كتاب سيبويه من قوله زعم الخليل ، ولذلك قالوا : الزعم مطية الكذب .
ويستعمل الزعم في الخبر المحقّق بالقرينة ، كقوله :
زعم العواذل أنّني في غمرة ... صَدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي
فقوله { صدقوا } هو القرينة ، ومضارعه مثلّث العَيْننِ ، والأفصح فيه الفتح .
وقد كان الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين ، كما هو الظاهر ، فإطلاق الزعم على إيمانهم ظاهر .
وعطف قوله { وما أنزل من قبلك } لأنّ هؤلاء المنافقين كانوا من اليهود ، وقد دخل المعطوف في حَيّز الزعم فدلّ على أنّ إيمانهم بما أنزل من قبل لم يَكن مطّرداً ، فلذلك كان ادّعاؤهم ذلك زعمْا ، لانتفاء إيمانهم بالتوراة في أحوال كثيرة مثل هذا ، إذ لو كانوا يؤمنون بها حقّا ، لم يكونوا ليتحاكموا إلى الكهّان ، وشريعة موسى عليه السلام تحذّر منهم .
وقوله { يريدون } أي يحبّون محبّة تبعث على فعل المحبوب .
والطاغوت هنا هم الأصنام ، بدليل قوله : { وقد أمروا أن يكفروا به } ، ولكن فسّروه بالكاهن ، أو بعظيم اليهود ، كما رأيت في سبب نزول الآية ، فإذا كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلوّ قومه في تقديسه ، وإمّا لأنّ الكاهن يُتَرجم عن أقوال الصنم في زعمه ، وقد تقدّم اشتقاق الطاغوت عند قوله تعالى :
{ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } [ النساء : 51 ] من هذه السورة . وإنّما قال { ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً } أي يحبّ ذلك ويحسنّه لهم ، لأنّه ألقى في نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهّان والانصراف عن حكم الرسول ، أو المعنى : يريد أن يضلّهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم الله وتابوا ممّا صنعوا .
والضلال البعيد هو الكفر ، ووصفه بالبعيد مجاز في شدّة الضلال بتنزيله منزلة جنس ذي مسافة كانَ هذا الفرد منه بالغاً غاية المسافة ، قال الشاعر :
ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا ...
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 11:21 PM   رقم المشاركة :[9]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

يقول صاحب الظلال الشهيد _باذن الله _ سيد قطب رحمه الله :
الوحدة السادسة:58 - 70 الموضوع:نظام الأمة الأساسي وشرط الإيمان وحد الإسلام

مقدمة الوحدة - إنشاء القرآن للأمة المسلمة

هذا الدرس يتناول موضوعا خطيرا . . الموضوع الأساسي في حياة الأمة المسلمة . إنه يتناول بيان شرط الإيمان وحده ; متمثلا في النظام الأساسي لهذه الأمة . . ومن الموضوع في ذاته , ومن طريقه ارتباطه وامتزاجه بالنظام افي ظل هذه التصورات القرآنية التي تمثل المنهج الرباني . .

حين ننظر إلى الديوان المأثور والحياة الواقعية . . في ظل القرآن وواقع الحياة الإسلامية:يتبين لنا على وجه التأكيد والتحديد . . أنها كانت نشأة ولم تكن خطوة ولا مرحلة ولا وثبة ! كانت "إخراجًا" من صنع الله ; كتعبير القرآن الدقيق . . وكانت أعجب نشأة ; وأغرب إخراج . . فيهي المرة الأولى والأخيرة - فيما نعلم - التي تنبثق فيها أمة من بين دفتي كتاب ! و"تخرج" فيها حياة من خلال الكلمات !

ولكن لا عجب . . فهذه الكلمات . . كلمات الله . .

ومن أراد المجادلة والمماحلة , فليقل لنا أين كانت هذه الأمة قبل أن "يخرجهًا" الله بكلماته ; وقيل أن ينشئها الله بقرآنه ?

إننا نعرف أنها كانت في الجزيرة العربية ! ولكن أين كانت في الوجود "الإنساني" ? أين كانت في سجل الحضارة البشرية ? أين كانت في التاريخ العالمي ? أين كانت تجلس على المائدة العالمية الإنسانية ? وماذا كانت تقدم على هذه المائدة , فيعرف باسمها ويحمل طابعها ?

لقد "نشأت" هذه الأمة نشأتها بهذا الدين ; ونشئت تنشئتها بهذا المنهج القويم ; وقادت نفسها وقادت البشرية بعد ذلك بكتاب الله الذي في يدها , وبمنهجه الذي طبع حياتها . . لا بشيء آخر . . وأمامنا التاريخ ! وقد صدقها الله وعده وهو يقول للعرب:(لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم . . أفلا تعقلون)?

فبسبب من هذا الكتاب ذكرت هذه الأمة في الأرض ; وكان لها دورها في التاريخ ; وكان لها "وجود إنساني" ابتداء , وحضارة عالمية ثانيا . . ذلك بينما يريد جماعة من الحمقى أن يرفضوا نعمة الله هذه على الأمة العربية ; ويجحدوا فضل الله في أن جعل كلمته الأخيرة لأهل الأرض قاطبة في العرب وبلسانهم . . ومن ثم جعل لهم وجودا وذكرا وتاريخا وحضارة - يريدون أن يخلعوا هذا الرداء الذي ألبسهم الله إياه ; وأن يمزقوا هذه الراية التي قادتهم إلى الذكر والمجد . . بل إلى الوجود يوم أخرج الله منهم الأمة المسلمة !

نقول . . إن القرآن حين كان "ينشى ء" هذه الأمة و"ينشئها" . . ويخطط ويثبت ملامح الإسلام الجديدة , في الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - ويطمس ويمحو ملامح الجاهلية في حياتها ونفوسها ورواسبها . . وينظم مجتمعها - أو يقيمه ابتداء - على أساس الميلاد الجديد . .

وحين كان يخوض بالجماعة المسلمة المعركة ; في مواجهة الجاهلية الراسبة في نفوسها وأوضاعها من مخلفات البيئة التي التقطها المنهج الرباني منها ; وفي مواجهة الجاهلية الرابضة فيها ومن حولها - ممثلة في يهود المدينة ومنافقيها ومشركي مكة وما حولها - والمعركتان موصولتان في الزمان والمكان !

حين كان القرآن يصنع ذلك كله . . كان يبدأ فيقيم للجماعة المسلمة تصورها الصحيح , ببيان شرط الإيمان وحد الإسلام ; ويربط بهذا التصور - في هذه النقطة بالذات - نظامها الأساسي , الذي يميز وجودها من وجود الجاهلية حولها ; ويفردها بخصائص الأمة التي أخرجت للناس , لتبين للناس , وتقودهم إلى الله . . نظامها الرباني . .

وهذا الدرس يتولى بيان هذا النظام الأساسي , قائما ومنبثقا من التصور الإسلامي لشرط الإيمان وحد الإسلام !

إنه يتولى تحديد الجهة التي تتلقى منها الأمة المسلمة منهج حياتها ; والطريقة التي تتلقى بها ; والمنهج الذي تفهم به ما تتلقى , وترد إليه ما يجد من مشكلات وأقضية لم يرد فيها نص وتختلف الأفهام فيها ; والسلطة التي تطيعها وعلة طاعتها ومصدر سلطانها . . ويقول:إن هذا هو شرط الإيمان وحده الإسلام . .

وعندئذ يلتقي "النظام الأساسي" لهذه الأمة ; بالعقيدة التي تؤمن بها . . في وحدة لا تتجزأ ; ولا تفترق عناصرها . .

وهذا هو الموضوع الخطير الذي يجلوه هذا الدرس جلاء دقيقا كاملا . . وهذه هي القضية التي تبدو , بعد مطالعة هذا الدرس , بديهية يعجب الإنسان كيف يجادل مسلم فيها !

إنه يقول للأمة المسلمة:إن الرسل أرسلت لتطاع - بإذن الله - لا لمجرد الإبلاغ والإقناع:

(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله). .

ويقول لها:إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ; ممثلا - في حياة الرسول [ ص ] - في أحكام الرسول . وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ; ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين:

فلا وربك . . لا يؤمنون . . حتى يحكموك فيما شجر بينهم , ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا . . فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام .

ويقول لها:إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - أي إلى غير شريعة الله - لا يقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله . فهو زعم كاذب . يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت:

ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا .

ويقول لها:إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله:

(وإذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا).

ويقول لها:إن منهجها الإيماني ونظامها الأساسي , أن تطيع الله - عز وجل - في هذا القرآن - وأن تطيع رسول الله [ ص ] في سنته - وأولي الأمر من المؤمنين الداخلين في شرط الإيمان وحد الإسلام معكم:

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله , وأطيعوا الرسول . وأولي الأمر منكم). .

ويقول لها:إن المرجع , فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة . والأقضية التي لم ترد فها أحكام نصية . . إن المرجع هو الله ورسوله . . أي شريعة الله وسنة رسوله .

(فإن تنازعتم في شيء , فردوه إلى الله والرسول). .

وبهذا يبقى المنهج الرباني مهيمنا على ما يطرأ على الحياة من مشكلات وأقضية كذلك , أبد الدهر , في حياة الأمة المسلمة . . وتمثل هذه القاعدة نظامها الأساسي , الذي لا تكون مؤمنة إلا به , ولا تكون مسلمة إلا بتحقيقه . . إذ هو يجعل الطاعة بشروطها تلك , ورد المسائل التي تجد وتختلف فيها وجهات النظر إلى الله ورسوله . . شرط الإيمان وحد الإسلام . . شرطا واضحا ونصا صريحا:

(إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .


ولا ننس ما سبق بيانه عند قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به , ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). . من أن اليهود وصموا بالشرك بالله , لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أربابا من دون الله - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم ; ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين . . الشرك الذي يغفر الله كل ما عداه . حتى الكبائر . . " وإن زنى وإن سرق . وإن شرب الخمر " . . فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية . ومن ثم إفراده بالحاكمية . فهي أخص خصائص الألوهية . وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا . ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره . . أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبدا . . إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام . (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . .)

هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس . بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض . من إقرار مبادى ء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم:(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها . وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . . إن الله نعما يعظكم به . . إن الله كان سميعا بصيرًا . .)

وقد ألممنا به إجمالا . فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلا . .

الدرس الأول:58 واجب الأمة:رد الأمانة والحكم بالعدل

إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ; وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به . إن الله كان سميعا بصيرًا . .

هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ; وهذا هو خلقها:أداء الأمانات إلى أهلها . والحكم بين(الناس)بالعدل . على منهج الله وتعليمه .

والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى . . الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان ; والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها , وحملها "الإنسان" . . أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه . فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة . فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به , والاهتداء إليه , ومعرفته , وعبادته , وطاعته . وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه . والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته , وإلى عقله , وإلى معرفته , وإلى إرادته , وإلى اتجاهه , وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله , بعون من الله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). . وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات .

ومن هذه الأمانة الكبرى , تنبثق سائر الأمانات , التي يأمر الله أن تؤدى:

ومن هذه الأمانات:أمانة الشهادة لهذا الدين . . الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له . ترجمة حية في شعورها وسلوكها . حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس . فيقولوا:ما أطيب هذا الإيمان وأحسنة وأزكاه ; وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال ! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون . . والشهادة له بدعوة الناس إليه , وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه , إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك , وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان . وهي إحدى الأمانات . .


ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ; منهجا للجماعة المؤمنة ; ومنهجا للبشرية جميعا . . المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة , وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة . فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات ; بعد الإيمان الذاتي . ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة . . ومن ثم ف " الجهاد ماض إلى يوم القيامة " على هذا الأساس . . أداء لإحدى الأمانات . .

ومن هذه الأمانات - الداخلة في ثنايا - ما سبق - أمانة التعامل مع الناس ; ورد أماناتهم إليهم:أمانة المعاملات والودائع المادية . وأمانة النصيحة للراعي وللرعية . وأمانة القيام على الأطفال الناشئة . وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها . . وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال . . فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدي ; ويجملها النص هذا الإجمال . .

فأما الحكم بالعدل بين(الناس)فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا بين(الناس)جميعا . لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب . ولا عدلا مع أهل الكتاب , دون سائر الناس . . وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه "إنسانًا" . فهذه الصفة - صفة الناس - هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني . وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا:مؤمنين وكفارا . أصدقاء وأعداء . سودا وبيضا . عربا وعجما . والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل - متى حكمت في أمرهم - هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط - في هذه الصورة - إلا على يد الإسلام , وإلا في حكم المسلمين , وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية . . والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ; فلم تذق له طعما قط , في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا . لأنهم "ناس" ! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه(الناس)!

وذلك هو أساس الحكم في الإسلام ; كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي .

والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ; والحكم بين الناس بالعدل ; هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - وتوجيهه . ونعم ما يعظ الله به ويوجه:

(إن الله نعما يعظكم به). .

ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه . فالأصل في تركيب الجملة:إنه نعم ما يعظكم الله به . . ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة , فيجعله "اسم إن" ويجعل نعم ما "نعمًا ومتعلقاتها , في مكان" خبر إن "بعد حذف الخبر . . ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به . .

ثم إنها لم تكن "عظة " إنما كانت "أمرًا . . ولكن التعبير يسميه عظة . لأن العظة أبلغ إلى القلب , وإسرع إلى الوجدان , وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء !

ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية ; يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه:

إن الله كان سميعا بصيرًا . .

والتناسق بين المأمور به من التكاليف ; وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس ; وبين كون الله سبحانه (سميعا بصيرًا)مناسبة واضحة ولطيفة معا . . فالله يسمع ويبصر , قضايا العدل وقضايا الأمانة . والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير , وإلى مراعاة الملابسات والظواهر , وإلى التعمق فيما وراءالملابسات والظواهر . وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور .

الدرس الثاني 59:الميزان طاعة الله ورسوله ورد الأمر إلى الله ورسوله

وبعد فالأمانة والعدل . . ما مقياسهما ? ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما ? في كل مجال في الحياة , وفي كل نشاط للحياة ?

أنترك مدلول الأمانة والعدل ; ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم ? وإلى ما تحكم به عقولهم - أو أهواؤهم ?

إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان . . هذا حق . . ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات , متأثرا بشتى المؤثرات . . ليس هناك ما يسمى "العقل البشري" كمدلول مطلق ! إنما هناك عقلي وعقلك , وعقل فلان وعلان , وعقول هذه المجموعة من البشر , في مكان ما وفي زمان ما . . وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى ; تميل بها من هنا وتميل بها من هناك . .

ولا بد من ميزان ثابت , ترجع إليه هذه العقول الكثيرة ; فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها . ومدى الشطط والغلو , أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات . وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان , ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان . . الميزان الثابت , الذي لا يميل مع الهوى , ولا يتأثر بشتى المؤثرات . .

ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين . . فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها . فتختل جميع القيم . . ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم .

والله يضع هذا الميزان للبشر , للأمانة والعدل , ولسائر القيم , وسائر الأحكام , وسائر أوجه النشاط , في كل حقل من حقول الحياة:

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ; وأطيعوا الرسول , وأولي الأمر . . منكم . . فإن تنازعتم في شيء , فردوه إلى الله والرسول . إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ذلك خير وأحسن تأويلا). .

وفي هذا النص القصير يبين الله - سبحانه - شرط الإيمان وحد الإسلام . في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة ; وقاعدة الحكم , ومصدر السلطان . . وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده ; والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصا , من جزيئات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال ; مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام . . ليكون هنالك الميزان الثابت , الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام !

إن "الحاكمية " لله وحده في حياة البشر - ما جل منها وما دق , وما كبر منها وما صغر - والله قد سن شريعة أودعها قرآنه . وأرسل بها رسولا يبينها للناس . ولا ينطق عن الهوى . فسنته [ ص ] من ثم شريعة من شريعة الله .

والله واجب الطاعة . ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة . فشريعته واجبة التنفيذ . وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله - ابتداء - وأن يطيعوا الرسول - بما له من هذه الصفة . صفة الرسالة من الله - فطاعته إذن من طاعة الله , الذي أرسله بهذه الشريعة , وببيانها للناس في سنته . . وسنته وقضاؤه - على هذا - جزء من الشريعة واجب النفاذ . . والإيمان يتعلق - وجودا وعدما - بهذه الطاعة وهذا التنفيذ - بنص القرآن:

(إن كنم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .

فأما أولو الأمر ; فالنص يعين من هم .

(وأولي الأمر . . منكم . .)

أي من المؤمنين . . الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية . . من طاعة الله وطاعة الرسول ; وإفراد الله - سبحانه - بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء ; والتلقي منه وحده - فيما نص عليه - والرجوع إليه أيضا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء , مما لم يرد فيه نص ; لتطبيق المبادى ء العامة في النصوص عليه .

والنص يجعل طاعة الله أصلا ; وطاعة رسوله أصلا كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر . . منكم . . تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله . فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم , كما كررها عند ذكر الرسول [ ص ] ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله - بعد أن قرر أنهم(منكم)بقيد الإيمان وشرطه . .

وطاعة أولي الأمر . . منكم . . بعد هذه التقريرات كلها , في حدود المعروف المشروع من الله , والذي لم يرد نص بحرمته ; ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادى ء شريعته , عند الاختلاف فيه . . والسنة تقرر حدود هذه الطاعة , على وجه الجزم واليقين:

في الصحيحين من حديث الأعمش:" إنما الطاعة في المعروف " .

وفيهما من حديث يحيى القطان:" السمع والطاعة على المرء المسلم . فيما أحب أو كره . ما لم يؤمر بمعصية . فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

وأخرج مسلم من حديث أم الحصين:" ولو استعمل عليكم عبد . يقودكم بكتاب الله . اسمعوا له وأطيعوا " . . بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينا على شريعة الله وسنة رسوله . أمينا على إيمانه وهو ودينه . أمينا على نفسه وعقله . أمينا على مصيره في الدنيا والآخرة . . ولا يجعله بهيمة في القطيع ; تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ! فالمنهج واضح , وحدود الطاعة واضحة . والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد , ولا تتفرق , ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون !

ذلك فيما ورد فيه نص صريح . فأما الذي لم يرد فيه نص . وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية , على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات - ولا يكون فيه نص قاطع , أو لا يكون فيه نص على الإطلاق . . مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام - فإنه لم يترك كذلك تيها . ولم يترك بلا ميزان . ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع . . ووضع هذا النص القصير , منهج الاجتهاد كله , وحدده بحدوده ; وأقام "الأصل" الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضا .

(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول). .

ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنا . فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو , فردوه إلى المبادى ء الكلية العامة في منهج الله وشريعته . . وهذه ليست عائمة , ولا فوضى , ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول . وهناك - في هذا الدين - مبادى ء أساسية واضحة كل الوضوح , تغطي كل جوانب الحياة الأساسية , وتضع لها سياجا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوطبميزان هذا الدين .

(إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .

تلك الطاعة لله والطاعة للرسول , ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول . ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول . . هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر . كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر . .

فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود . . ولا يوجد الإيمان , ثم يتخلف عنه أثره الأكيد .

وبعد أن يضع النص المسألة في هذا الوضع الشرطي , يقدمها مرة أخرى في صورة "العظة " والترغيب والتحبيب ; على نحو ما صنع في الأمر بالأمانة والعدل ثم التحبيب فيها والترغيب:

(ذلك خير وأحسن تأويلا . .)

ذلك خير لكم وأحسن مآلا . خير في الدنيا وخير في الآخرة . وأحسن مآلا في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة كذلك . . فليست المسألة أن اتباع هذا المنهج يؤدي إلى رضاء الله وثواب الآخرة - وهو أمر هائل , عظيم - ولكنه كذلك يحقق خير الدنيا وحسن مآل الفرد والجماعة في هذه الحياة القريبة .

أن هذا المنهج معناه:أن يستمتع "الإنسان" بمزايا منهج يضعه له الله . . الله الصانع الحكيم العليم البصير الخبير . . منهج بريء من جهل الإنسان , وهوى الإنسان , وضعف الإنسان . وشهوة الإنسان . . منهج لا محاباة فيه لفرد , ولا لطبقة , ولا لشعب , ولا لجنس , ولا لجيل من البشر على جيل . . لأن الله رب الجميع , ولا تخالجه - سبحانه - وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - شهوة المحاباة لفرد , أو طبقة , أو شعب , أو جنس , أو جيل .

ومنهج من مزاياه , أن صانعه هو صانع هذا الإنسان . . الذي يعلم حقيقة فطرته , والحاجات الحقيقية لهذه الفطرة , كما يعلم منحنيات نفسه ودروبها ; ووسائل خطابها وإصلاحها , فلا يخبط - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - في تيه التجارب بحثا عن منهج يوافق . ولا يكلف البشر ثمن هذه التجارب القاسية , حين يخبطون هم في التيه بلا دليل ! وحسبهم أن يجربوا في ميدان الإبداع المادي ما يشاءون . فهو مجال فسيح جد فسيح للعقل البشري . وحسبهم كذلك أن يحاول هذا العقل تطبيق ذلك المنهج ; ويدرك مواضع القياس والاجتهاد فيما تتنازع فيه العقول .

ومنهج من مزاياه أن صانعه هو صانع هذا الكون , الذي يعيش فيه الإنسان . فهو يضمن للإنسان منهجا تتلاءم قواعده مع نواميس الكون ; فلا يروح يعارك هذه النواميس . بل يروح يتعرف إليها , ويصادقها , وينتفع بها . . والمنهج يهديه في هذا كله ويحميه .

ومنهج من مزاياه أنه - في الوقت الذي يهدي فيه الإنسان ويحيميه - يكرمه ويحترمه ويجعل لعقله مكانا للعمل في المنهج . . مكان الاجتهاد في فهم النصوص الواردة . ثم الاجتهاد في رد ما لم يرد فيه نص إلى النصوص أو إلى المبادى ء العامة للدين . . ذلك إلى المجال الأصيل , الذي يحكمه العقل البشري , ويعلن فيه سيادته الكاملة:ميدان البحث العلمي في الكون ; والإبداع المادي فيه .

ذلك خير وأحسن تأويلًا . . وصدق الله العظيم .

الدرس الثالث:60 - 65 التحاكم إلى الطاغوت

وحين ينتهي السياق من تقرير هذه القاعدة الكلية في شرط الإيمان وحد الإسلام , وفي النظام الأساسي للأمة المسلمة , وفي منهج تشريعها وأصوله . . يلتفت إلى الذين ينحرفون عن هذه القاعدة ; ثم يزعمون - بعد ذلك - أنهم مؤ

(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا . .)

ألم تر إلى هذا العجب العاجب . . قوم . . يزعمون . . الإيمان . ثم يهدمون هذا الزعم في آن ?! قوم (يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك). ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ? إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر , وإلى منهج آخر , وإلى حكم آخر . . يريدون أن يتحاكموا إلى . . الطاغوت . . الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . ولا ضابط له ولا ميزان , مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . . ومن ثم فهو . . طاغوت . . طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية . وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضا ! وهم لا يفعلون هذا عن جهل , ولا عن ظن . . إنما هم يعلمون يقينا ويعرفون تماما , أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه: (وقد أمروا أن يكفروا به). . فليس في الأمر جهالة ولا ظن . بل هو العمد والقصد . ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم . زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب . .

ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا . .

فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت . وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت ! هذا هو الدافع يكشفه لهم . لعلهم يتنبهون فيرجعوا . ويكشفه للجماعة المسلمة , لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك .

ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله . . ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به:

(وإذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا).

يا سبحان الله ! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه ! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري . . وإلا ما كان نفاقا . . .

إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان , أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به , وإلى من آمن به . فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل , وبالرسول وما أنزل إليه . ثم دعي إلى هذا الذي آمن به , ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه ; كانت التلبيه الكاملة هي البديهية الفطرية . فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية . ويكشف عن النفاق . وينبى ء عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان !

وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله - سبحانه - أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله . ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله . بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدودا !

ثم يعرض مظهرا من مظاهر النفاق في سلوكهم ; حين يقعون في ورطة أو كارثة بسبب عدم تلبيتهم للدعوة إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ; أو بسبب ميلهم إلى التحاكم إلى الطاغوت . ومعاذيرهم عند ذلك . وهي معاذير النفاق:

(فكيف إذا أصابتهم مصيبة - بما قدمت أيديهم - ثم جاؤوك يحلفون بالله:إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا). .

وهذه المصيبة قد تصيبهم بسبب انكشاف أمرهم في وسط الجماعة المسلمة - يومذاك - حيث يصبحون معرضين للنبذ والمقاطعة والازدراء في الوسط المسلم . فما يطيق المجتمع المسلم أن يرى من بينه ناسا يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أنزل , وبالرسول وما أنزل إليه ; ثم يميلون إلى التحاكم لغير شريعة الله ; أو يصدون حين يدعون إلىالتحاكم إليها . . إنما يقبل مثل هذا في مجتمع لا إسلام له ولا إيمان . وكل ما له من الإيمان زعم كزعم هؤلاء ; وكل ما له من الإسلام دعوى وأسماء !

أو قد تصيبهم المصيبة من ظلم يقع بهم ; نتيجة التحاكم إلى غير نظام الله العادل ; ويعودون بالخيبة والندامة من الاحتكام إلى الطاغوت ; في قضية من قضاياهم .

أو قد تصيبهم المصيبة ابتلاء من الله لهم . لعلهم يتفكرون ويهتدون . .

وأياما ما كان سبب المصيبة ; فالنص القرآني , يسأل مستنكرا:فكيف يكون الحال حينئذ ! كيف يعودون إلى الرسول [ ص ]:

(يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا). . .

إنها حال مخزية . . حين يعودون شاعرين بما فعلوا . . غير قادرين على مواجهة الرسول [ ص ] بحقيقة دوافعهم . وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين:أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هنا هو عرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق ! وهي دائما دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته:أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب , التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله ! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة . . إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين . . هي هي دائما وفي كل حين !

والله - سبحانه - يكشف عنهم هذا الرداء المستعار . ويخبر رسوله [ ص ] , أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم . ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق , والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء:

(أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم . فأعرض عنهم وعظهم , وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا). .

أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم ; ويحتجون بهذه الحجج , ويعتذرون بهذه المعاذير . والله يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور . . ولكن السياسة التي كانت متبعة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم , وأخذهم بالرفق , واطراد الموعظة والتعليم . .

والتعبير العجيب:

وقل لهم . . في أنفسهم . . قولا بليغًا .

تعبير مصور . . كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس , ويستقر مباشرة في القلوب .

وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف الله وكنف رسوله . . بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الإحتكام إلى الطاغوت ; ومن الصدود عن الرسول [ ص ] حين يدعون إلى التحاكم إلى الله والرسول . . فالتوبة بابها مفتوح , والعودة إلى الله لم يفت اوانها بعد ; واستغفارهم الله من الذنب , واستغفار الرسول لهم , فيه القبول ! ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية:وهي أن الله قد أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه - لا ليخالف عن أمرهم . ولا ليكونوا مجرد وعاظ ! ومجرد مرشدين !

وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله . ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك , فاستغفروا الله , واستغفر لهم الرسول , لوجدوا الله توابا رحيمًا . .

وهذه حقيقة لها وزنها . . إن الرسول ليس مجرد "واعظ" يلقي كلمته ويمضي . لتذهب في الهواء - بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل ; أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول "الدين" .

إن الدين منهج حياة . منهج حياة واقعية . بتشكيلاتها وتنظيماتها , وأوضاعها , وقيمها , وأخلاقها وآدابها . وعباداتها وشعائرها كذلك .

وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان . سلطان يحقق المنهج , وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ . . والله أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين . منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة . وما من رسول إلا أرسله الله , ليطاع , بإذن الله . فتكون طاعته طاعة لله . . ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني , والشعائر التعبدية . . فهذا وهم في فهم الدين ; لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل . وهي إقامة منهج معين للحياة , في واقع الحياة . . وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا . لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي . يستهتر بها المستهترون , ويبتذلها المبتذلون !!!

ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان . . كان دعوة وبلاغا . ونظام وحكما . وخلافة بعد ذلك عن رسول الله [ ص ] تقوم بقوة الشريعة والنظام , على تنفيذ الشريعة والنظام . لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول . وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول . وليست هنالك صورة أخرى يقال لها:الإسلام . أو يقال لها:الدين . إلا أن تكون طاعة للرسول , محققة في وضع وفي تنظيم . ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ; ويبقى أصلها الثابت . وحقيقتها التي لا توجد بغيرها . . استسلام لمنهج الله , وتحقيق لمنهج رسول الله . وتحاكم إلى شريعة الله . وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله , وإفراد لله - سبحانه - بالألوهية [ شهادة أن لا إله إلا الله ] ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا لله , لا يشاركه فيه سواه . وعدم احتكام إلى الطاغوت . في كثير ولا قليل . والرجوع إلى الله والرسول , فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة , والأحوال الطارئه ; حين تختلف فيه العقول . .

وأمام الذين (ظلموا أنفسهم)بميلهم عن هذا المنهج , الفرصة التي دعا الله المنافقين إليها على عهد رسول الله , [ ص ] - ورغبهم فيها . .

ولو أنهم - إذ ظلموا أنفسهم - جاؤوك , فاستغفروا الله , واستغفر لهم الرسول , لوجدوا الله توابا رحيمًا . .

والله تواب في كل وقت على من يتوب . والله رحيم في كل وقت على من يؤوب . وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفته . ويعد العائدين إليه , المستغفرين من الذنب , قبول التوبة وإفاضة الرحمة . . والذين يتناولهم هذا النص ابتداء , كان لديهم فرصة استغفار الرسول [ ص ] وقد انقضت فرصتها . وبقي باب الله مفتوحا لا يغلق . ووعده قائما لا ينقض . فمن أراد فليقدم . ومن عزم فليتقدم . .

وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم . إذ يقسم الله - سبحانه - بذاته العلية , أنه لا يؤمن مؤمن , حتى يحكم رسول الله [ ص ] في أمره كله . ثم يمضي راضيا بحكمه , مسلما بقضائه . ليس في صدره حرج منه , ولا في نفسه تلجلج في قبوله:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم . ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت , ويسلموا تسليمًا . .

ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحد الإسلام . يقرره الله سبحانه بنفسه . ويقسم عليه بذاته . فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام , ولا تأويل لمؤول .

اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام . . وهي أن هذا القول مرهون بزمان , وموقوف على طائفة من الناس ! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا ; ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا . فهذه حقيقة كلية هم به ما تتلقى , وترد إليه ما يجد من مشكلات وأقضية لم يرد فيها نص وتختلف الأفهام فيها ; والسلطة التي تطيعها وعلة طاعتها ومصدر سلطانها . . ويقول:إن هذا هو شرط الإيمان وحده الإسلام . .

وعندئذ يلتقي "النظام الأساسي" لهذه الأمة ; بالعقيدة التي تؤمن بها . . في وحدة لا تتجزأ ; ولا تفترق عناصرها . .

وهذا هو الموضوع الخطير الذي يجلوه هذا الدرس جلاء دقيقا كاملا . . وهذه هي القضية التي تبدو , بعد مطالعة هذا الدرس , بديهية يعجب الإنسان كيف يجادل مسلم فيها !

إنه يقول للأمة المسلمة:إن الرسل أرسلت لتطاع - بإذن الله - لا لمجرد الإبلاغ والإقناع:

(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله). .

ويقول لها:إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ; ممثلا - في حياة الرسول [ ص ] - في أحكام الرسول . وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ; ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين:

فلا وربك . . لا يؤمنون . . حتى يحكموك فيما شجر بينهم , ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا . . فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام .

ويقول لها:إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - أي إلى غير شريعة الله - لا يقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله . فهو زعم كاذب . يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت:

ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا .

ويقول لها:إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله:

(وإذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا).

ويقول لها:إن منهجها الإيماني ونظامها الأساسي , أن تطيع الله - عز وجل - في هذا القرآن - وأن تطيع رسول الله [ ص ] في سنته - وأولي الأمر من المؤمنين الداخلين في شرط الإيمان وحد الإسلام معكم:

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله , وأطيعوا الرسول . وأولي الأمر منكم). .

ويقول لها:إن المرجع , فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة . والأقضية التي لم ترد فها أحكام نصية . . إن المرجع هو الله ورسوله . . أي شريعة الله وسنة رسوله .

(فإن تنازعتم في شيء , فردوه إلى الله والرسول). .

وبهذا يبقى المنهج الرباني مهيمنا على ما يطرأ على الحياة من مشكلات وأقضية كذلك , أبد الدهر , في حياة الأمة المسلمة . . وتمثل هذه القاعدة نظامها الأساسي , الذي لا تكون مؤمنة إلا به , ولا تكون مسلمة إلا بتحقيقه . . إذ هو يجعل الطاعة بشروطها تلك , ورد المسائل التي تجد وتختلف فيها وجهات النظر إلى الله ورسوله . . شرط الإيمان وحد الإسلام . . شرطا واضحا ونصا صريحا:

(إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .


ولا ننس ما سبق بيانه عند قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به , ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). . من أن اليهود وصموا بالشرك بالله , لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أربابا من دون الله - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم ; ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين . . الشرك الذي يغفر الله كل ما عداه . حتى الكبائر . . " وإن زنى وإن سرق . وإن شرب الخمر " . . فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية . ومن ثم إفراده بالحاكمية . فهي أخص خصائص الألوهية . وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا . ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره . . أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبدا . . إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام . (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . .)

هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس . بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض . من إقرار مبادى ء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم:(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها . وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . . إن الله نعما يعظكم به . . إن الله كان سميعا بصيرًا . .)

وقد ألممنا به إجمالا . فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلا . .

الدرس الأول:58 واجب الأمة:رد الأمانة والحكم بالعدل

إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ; وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به . إن الله كان سميعا بصيرًا . .

هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ; وهذا هو خلقها:أداء الأمانات إلى أهلها . والحكم بين(الناس)بالعدل . على منهج الله وتعليمه .

والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى . . الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان ; والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها , وحملها "الإنسان" . . أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه . فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة . فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به , والاهتداء إليه , ومعرفته , وعبادته , وطاعته . وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه . والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته , وإلى عقله , وإلى معرفته , وإلى إرادته , وإلى اتجاهه , وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله , بعون من الله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). . وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات .

ومن هذه الأمانة الكبرى , تنبثق سائر الأمانات , التي يأمر الله أن تؤدى:

ومن هذه الأمانات:أمانة الشهادة لهذا الدين . . الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له . ترجمة حية في شعورها وسلوكها . حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس . فيقولوا:ما أطيب هذا الإيمان وأحسنة وأزكاه ; وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال ! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون . . والشهادة له بدعوة الناس إليه , وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه , إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك , وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان . وهي إحدى الأمانات . .


ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ; منهجا للجماعة المؤمنة ; ومنهجا للبشرية جميعا . . المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة , وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة . فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات ; بعد الإيمان الذاتي . ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة . . ومن ثم ف " الجهاد ماض إلى يوم القيامة " على هذا الأساس . . أداء لإحدى الأمانات . .

ومن هذه الأمانات - الداخلة في ثنايا - ما سبق - أمانة التعامل مع الناس ; ورد أماناتهم إليهم:أمانة المعاملات والودائع المادية . وأمانة النصيحة للراعي وللرعية . وأمانة القيام على الأطفال الناشئة . وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها . . وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال . . فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدي ; ويجملها النص هذا الإجمال . .

فأما الحكم بالعدل بين(الناس)فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا بين(الناس)جميعا . لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب . ولا عدلا مع أهل الكتاب , دون سائر الناس . . وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه "إنسانًا" . فهذه الصفة - صفة الناس - هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني . وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا:مؤمنين وكفارا . أصدقاء وأعداء . سودا وبيضا . عربا وعجما . والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل - متى حكمت في أمرهم - هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط - في هذه الصورة - إلا على يد الإسلام , وإلا في حكم المسلمين , وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية . . والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ; فلم تذق له طعما قط , في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا . لأنهم "ناس" ! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه(الناس)!

وذلك هو أساس الحكم في الإسلام ; كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي .

والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ; والحكم بين الناس بالعدل ; هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - وتوجيهه . ونعم ما يعظ الله به ويوجه:

(إن الله نعما يعظكم به). .

ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه . فالأصل في تركيب الجملة:إنه نعم ما يعظكم الله به . . ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة , فيجعله "اسم إن" ويجعل نعم ما "نعمًا ومتعلقاتها , في مكان" خبر إن "بعد حذف الخبر . . ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به . .

ثم إنها لم تكن "عظة " إنما كانت "أمرًا . . ولكن التعبير يسميه عظة . لأن العظة أبلغ إلى القلب , وإسرع إلى الوجدان , وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء !

ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية ; يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه:

إن الله كان سميعا بصيرًا . .

والتناسق بين المأمور به من التكاليف ; وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس ; وبين كون الله سبحانه (سميعا بصيرًا)مناسبة واضحة ولطيفة معا . . فالله يسمع ويبصر , قضايا العدل وقضايا الأمانة . والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير , وإلى مراعاة الملابسات والظواهر , وإلى التعمق فيما وراءالملابسات والظواهر . وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور .

الدرس الثاني 59:الميزان طاعة الله ورسوله ورد الأمر إلى الله ورسوله

وبعد فالأمانة والعدل . . ما مقياسهما ? ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما ? في كل مجال في الحياة , وفي كل نشاط للحياة ?

أنترك مدلول الأمانة والعدل ; ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم ? وإلى ما تحكم به عقولهم - أو أهواؤهم ?

إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان . . هذا حق . . ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات , متأثرا بشتى المؤثرات . . ليس هناك ما يسمى "العقل البشري" كمدلول مطلق ! إنما هناك عقلي وعقلك , وعقل فلان وعلان , وعقول هذه المجموعة من البشر , في مكان ما وفي زمان ما . . وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى ; تميل بها من هنا وتميل بها من هناك . .

ولا بد من ميزان ثابت , ترجع إليه هذه العقول الكثيرة ; فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها . ومدى الشطط والغلو , أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات . وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان , ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان . . الميزان الثابت , الذي لا يميل مع الهوى , ولا يتأثر بشتى المؤثرات . .

ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين . . فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها . فتختل جميع القيم . . ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم .

والله يضع هذا الميزان للبشر , للأمانة والعدل , ولسائر القيم , وسائر الأحكام , وسائر أوجه النشاط , في كل حقل من حقول الحياة:

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ; وأطيعوا الرسول , وأولي الأمر . . منكم . . فإن تنازعتم في شيء , فردوه إلى الله والرسول . إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ذلك خير وأحسن تأويلا). .

وفي هذا النص القصير يبين الله - سبحانه - شرط الإيمان وحد الإسلام . في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة ; وقاعدة الحكم , ومصدر السلطان . . وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده ; والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصا , من جزيئات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال ; مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام . . ليكون هنالك الميزان الثابت , الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام !

إن "الحاكمية " لله وحده في حياة البشر - ما جل منها وما دق , وما كبر منها وما صغر - والله قد سن شريعة أودعها قرآنه . وأرسل بها رسولا يبينها للناس . ولا ينطق عن الهوى . فسنته [ ص ] من ثم شريعة من شريعة الله .

والله واجب الطاعة . ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة . فشريعته واجبة التنفيذ . وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله - ابتداء - وأن يطيعوا الرسول - بما له من هذه الصفة . صفة الرسالة من الله - فطاعته إذن من طاعة الله , الذي أرسله بهذه الشريعة , وببيانها للناس في سنته . . وسنته وقضاؤه - على هذا - جزء من الشريعة واجب النفاذ . . والإيمان يتعلق - وجودا وعدما - بهذه الطاعة وهذا التنفيذ - بنص القرآن:

(إن كنم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .

فأما أولو الأمر ; فالنص يعين من هم .

(وأولي الأمر . . منكم . .)

أي من المؤمنين . . الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية . . من طاعة الله وطاعة الرسول ; وإفراد الله - سبحانه - بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء ; والتلقي منه وحده - فيما نص عليه - والرجوع إليه أيضا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء , مما لم يرد فيه نص ; لتطبيق المبادى ء العامة في النصوص عليه .

والنص يجعل طاعة الله أصلا ; وطاعة رسوله أصلا كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر . . منكم . . تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله . فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم , كما كررها عند ذكر الرسول [ ص ] ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله - بعد أن قرر أنهم(منكم)بقيد الإيمان وشرطه . .

وطاعة أولي الأمر . . منكم . . بعد هذه التقريرات كلها , في حدود المعروف المشروع من الله , والذي لم يرد نص بحرمته ; ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادى ء شريعته , عند الاختلاف فيه . . والسنة تقرر حدود هذه الطاعة , على وجه الجزم واليقين:

في الصحيحين من حديث الأعمش:" إنما الطاعة في المعروف " .

وفيهما من حديث يحيى القطان:" السمع والطاعة على المرء المسلم . فيما أحب أو كره . ما لم يؤمر بمعصية . فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

وأخرج مسلم من حديث أم الحصين:" ولو استعمل عليكم عبد . يقودكم بكتاب الله . اسمعوا له وأطيعوا " . . بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينا على شريعة الله وسنة رسوله . أمينا على إيمانه وهو ودينه . أمينا على نفسه وعقله . أمينا على مصيره في الدنيا والآخرة . . ولا يجعله بهيمة في القطيع ; تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ! فالمنهج واضح , وحدود الطاعة واضحة . والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد , ولا تتفرق , ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون !

ذلك فيما ورد فيه نص صريح . فأما الذي لم يرد فيه نص . وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية , على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات - ولا يكون فيه نص قاطع , أو لا يكون فيه نص على الإطلاق . . مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام - فإنه لم يترك كذلك تيها . ولم يترك بلا ميزان . ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع . . ووضع هذا النص القصير , منهج الاجتهاد كله , وحدده بحدوده ; وأقام "الأصل" الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضا .

(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول). .

ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنا . فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو , فردوه إلى المبادى ء الكلية العامة في منهج الله وشريعته . . وهذه ليست عائمة , ولا فوضى , ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول . وهناك - في هذا الدين - مبادى ء أساسية واضحة كل الوضوح , تغطي كل جوانب الحياة الأساسية , وتضع لها سياجا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوطبميزان هذا الدين .

(إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .

تلك الطاعة لله والطاعة للرسول , ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول . ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول . . هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر . كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر . .

فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود . . ولا يوجد الإيمان , ثم يتخلف عنه أثره الأكيد .

وبعد أن يضع النص المسألة في هذا الوضع الشرطي , يقدمها مرة أخرى في صورة "العظة " والترغيب والتحبيب ; على نحو ما صنع في الأمر بالأمانة والعدل ثم التحبيب فيها والترغيب:

(ذلك خير وأحسن تأويلا . .)

ذلك خير لكم وأحسن مآلا . خير في الدنيا وخير في الآخرة . وأحسن مآلا في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة كذلك . . فليست المسألة أن اتباع هذا المنهج يؤدي إلى رضاء الله وثواب الآخرة - وهو أمر هائل , عظيم - ولكنه كذلك يحقق خير الدنيا وحسن مآل الفرد والجماعة في هذه الحياة القريبة .

أن هذا المنهج معناه:أن يستمتع "الإنسان" بمزايا منهج يضعه له الله . . الله الصانع الحكيم العليم البصير الخبير . . منهج بريء من جهل الإنسان , وهوى الإنسان , وضعف الإنسان . وشهوة الإنسان . . منهج لا محاباة فيه لفرد , ولا لطبقة , ولا لشعب , ولا لجنس , ولا لجيل من البشر على جيل . . لأن الله رب الجميع , ولا تخالجه - سبحانه - وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - شهوة المحاباة لفرد , أو طبقة , أو شعب , أو جنس , أو جيل .

ومنهج من مزاياه , أن صانعه هو صانع هذا الإنسان . . الذي يعلم حقيقة فطرته , والحاجات الحقيقية لهذه الفطرة , كما يعلم منحنيات نفسه ودروبها ; ووسائل خطابها وإصلاحها , فلا يخبط - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - في تيه التجارب بحثا عن منهج يوافق . ولا يكلف البشر ثمن هذه التجارب القاسية , حين يخبطون هم في التيه بلا دليل ! وحسبهم أن يجربوا في ميدان الإبداع المادي ما يشاءون . فهو مجال فسيح جد فسيح للعقل البشري . وحسبهم كذلك أن يحاول هذا العقل تطبيق ذلك المنهج ; ويدرك مواضع القياس والاجتهاد فيما تتنازع فيه العقول .

ومنهج من مزاياه أن صانعه هو صانع هذا الكون , الذي يعيش فيه الإنسان . فهو يضمن للإنسان منهجا تتلاءم قواعده مع نواميس الكون ; فلا يروح يعارك هذه النواميس . بل يروح يتعرف إليها , ويصادقها , وينتفع بها . . والمنهج يهديه في هذا كله ويحميه .

ومنهج من مزاياه أنه - في الوقت الذي يهدي فيه الإنسان ويحيميه - يكرمه ويحترمه ويجعل لعقله مكانا للعمل في المنهج . . مكان الاجتهاد في فهم النصوص الواردة . ثم الاجتهاد في رد ما لم يرد فيه نص إلى النصوص أو إلى المبادى ء العامة للدين . . ذلك إلى المجال الأصيل , الذي يحكمه العقل البشري , ويعلن فيه سيادته الكاملة:ميدان البحث العلمي في الكون ; والإبداع المادي فيه .

ذلك خير وأحسن تأويلًا . . وصدق الله العظيم .

الدرس الثالث:60 - 65 التحاكم إلى الطاغوت

وحين ينتهي السياق من تقرير هذه القاعدة الكلية في شرط الإيمان وحد الإسلام , وفي النظام الأساسي للأمة المسلمة , وفي منهج تشريعها وأصوله . . يلتفت إلى الذين ينحرفون عن هذه القاعدة ; ثم يزعمون - بعد ذلك - أنهم مؤ

(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا . .)

ألم تر إلى هذا العجب العاجب . . قوم . . يزعمون . . الإيمان . ثم يهدمون هذا الزعم في آن ?! قوم (يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك). ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ? إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر , وإلى منهج آخر , وإلى حكم آخر . . يريدون أن يتحاكموا إلى . . الطاغوت . . الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . ولا ضابط له ولا ميزان , مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . . ومن ثم فهو . . طاغوت . . طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية . وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضا ! وهم لا يفعلون هذا عن جهل , ولا عن ظن . . إنما هم يعلمون يقينا ويعرفون تماما , أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه: (وقد أمروا أن يكفروا به). . فليس في الأمر جهالة ولا ظن . بل هو العمد والقصد . ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم . زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب . .

ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا . .

فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت . وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت ! هذا هو الدافع يكشفه لهم . لعلهم يتنبهون فيرجعوا . ويكشفه للجماعة المسلمة , لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك .

ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله . . ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به:

(وإذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا).

يا سبحان الله ! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه ! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري . . وإلا ما كان نفاقا . . .

إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان , أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به , وإلى من آمن به . فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل , وبالرسول وما أنزل إليه . ثم دعي إلى هذا الذي آمن به , ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه ; كانت التلبيه الكاملة هي البديهية الفطرية . فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية . ويكشف عن النفاق . وينبى ء عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان !

وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله - سبحانه - أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله . ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله . بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدودا !

ثم يعرض مظهرا من مظاهر النفاق في سلوكهم ; حين يقعون في ورطة أو كارثة بسبب عدم تلبيتهم للدعوة إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ; أو بسبب ميلهم إلى التحاكم إلى الطاغوت . ومعاذيرهم عند ذلك . وهي معاذير النفاق:

(فكيف إذا أصابتهم مصيبة - بما قدمت أيديهم - ثم جاؤوك يحلفون بالله:إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا). .

وهذه المصيبة قد تصيبهم بسبب انكشاف أمرهم في وسط الجماعة المسلمة - يومذاك - حيث يصبحون معرضين للنبذ والمقاطعة والازدراء في الوسط المسلم . فما يطيق المجتمع المسلم أن يرى من بينه ناسا يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أنزل , وبالرسول وما أنزل إليه ; ثم يميلون إلى التحاكم لغير شريعة الله ; أو يصدون حين يدعون إلىالتحاكم إليها . . إنما يقبل مثل هذا في مجتمع لا إسلام له ولا إيمان . وكل ما له من الإيمان زعم كزعم هؤلاء ; وكل ما له من الإسلام دعوى وأسماء !

أو قد تصيبهم المصيبة من ظلم يقع بهم ; نتيجة التحاكم إلى غير نظام الله العادل ; ويعودون بالخيبة والندامة من الاحتكام إلى الطاغوت ; في قضية من قضاياهم .

أو قد تصيبهم المصيبة ابتلاء من الله لهم . لعلهم يتفكرون ويهتدون . .

وأياما ما كان سبب المصيبة ; فالنص القرآني , يسأل مستنكرا:فكيف يكون الحال حينئذ ! كيف يعودون إلى الرسول [ ص ]:

(يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا). . .

إنها حال مخزية . . حين يعودون شاعرين بما فعلوا . . غير قادرين على مواجهة الرسول [ ص ] بحقيقة دوافعهم . وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين:أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هنا هو عرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق ! وهي دائما دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته:أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب , التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله ! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة . . إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين . . هي هي دائما وفي كل حين !

والله - سبحانه - يكشف عنهم هذا الرداء المستعار . ويخبر رسوله [ ص ] , أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم . ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق , والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء:

(أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم . فأعرض عنهم وعظهم , وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا). .

أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم ; ويحتجون بهذه الحجج , ويعتذرون بهذه المعاذير . والله يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور . . ولكن السياسة التي كانت متبعة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم , وأخذهم بالرفق , واطراد الموعظة والتعليم . .

والتعبير العجيب:

وقل لهم . . في أنفسهم . . قولا بليغًا .

تعبير مصور . . كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس , ويستقر مباشرة في القلوب .

وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف الله وكنف رسوله . . بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الإحتكام إلى الطاغوت ; ومن الصدود عن الرسول [ ص ] حين يدعون إلى التحاكم إلى الله والرسول . . فالتوبة بابها مفتوح , والعودة إلى الله لم يفت اوانها بعد ; واستغفارهم الله من الذنب , واستغفار الرسول لهم , فيه القبول ! ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية:وهي أن الله قد أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه - لا ليخالف عن أمرهم . ولا ليكونوا مجرد وعاظ ! ومجرد مرشدين !

وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله . ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك , فاستغفروا الله , واستغفر لهم الرسول , لوجدوا الله توابا رحيمًا . .

وهذه حقيقة لها وزنها . . إن الرسول ليس مجرد "واعظ" يلقي كلمته ويمضي . لتذهب في الهواء - بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل ; أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول "الدين" .

إن الدين منهج حياة . منهج حياة واقعية . بتشكيلاتها وتنظيماتها , وأوضاعها , وقيمها , وأخلاقها وآدابها . وعباداتها وشعائرها كذلك .

وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان . سلطان يحقق المنهج , وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ . . والله أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين . منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة . وما من رسول إلا أرسله الله , ليطاع , بإذن الله . فتكون طاعته طاعة لله . . ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني , والشعائر التعبدية . . فهذا وهم في فهم الدين ; لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل . وهي إقامة منهج معين للحياة , في واقع الحياة . . وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا . لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي . يستهتر بها المستهترون , ويبتذلها المبتذلون !!!

ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان . . كان دعوة وبلاغا . ونظام وحكما . وخلافة بعد ذلك عن رسول الله [ ص ] تقوم بقوة الشريعة والنظام , على تنفيذ الشريعة والنظام . لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول . وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول . وليست هنالك صورة أخرى يقال لها:الإسلام . أو يقال لها:الدين . إلا أن تكون طاعة للرسول , محققة في وضع وفي تنظيم . ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ; ويبقى أصلها الثابت . وحقيقتها التي لا توجد بغيرها . . استسلام لمنهج الله , وتحقيق لمنهج رسول الله . وتحاكم إلى شريعة الله . وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله , وإفراد لله - سبحانه - بالألوهية [ شهادة أن لا إله إلا الله ] ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا لله , لا يشاركه فيه سواه . وعدم احتكام إلى الطاغوت . في كثير ولا قليل . والرجوع إلى الله والرسول , فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة , والأحوال الطارئه ; حين تختلف فيه العقول . .

وأمام الذين (ظلموا أنفسهم)بميلهم عن هذا المنهج , الفرصة التي دعا الله المنافقين إليها على عهد رسول الله , [ ص ] - ورغبهم فيها . .

ولو أنهم - إذ ظلموا أنفسهم - جاؤوك , فاستغفروا الله , واستغفر لهم الرسول , لوجدوا الله توابا رحيمًا . .

والله تواب في كل وقت على من يتوب . والله رحيم في كل وقت على من يؤوب . وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفته . ويعد العائدين إليه , المستغفرين من الذنب , قبول التوبة وإفاضة الرحمة . . والذين يتناولهم هذا النص ابتداء , كان لديهم فرصة استغفار الرسول [ ص ] وقد انقضت فرصتها . وبقي باب الله مفتوحا لا يغلق . ووعده قائما لا ينقض . فمن أراد فليقدم . ومن عزم فليتقدم . .

وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم . إذ يقسم الله - سبحانه - بذاته العلية , أنه لا يؤمن مؤمن , حتى يحكم رسول الله [ ص ] في أمره كله . ثم يمضي راضيا بحكمه , مسلما بقضائه . ليس في صدره حرج منه , ولا في نفسه تلجلج في قبوله:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم . ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت , ويسلموا تسليمًا . .

ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحد الإسلام . يقرره الله سبحانه بنفسه . ويقسم عليه بذاته . فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام , ولا تأويل لمؤول .

اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام . . وهي أن هذا القول مرهون بزمان , وموقوف على طائفة من الناس ! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا ; ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا . فهذه حقيقة كلية هم به ما تتلقى , وترد إليه ما يجد من مشكلات وأقضية لم يرد فيها نص وتختلف الأفهام فيها ; والسلطة التي تطيعها وعلة طاعتها ومصدر سلطانها . . ويقول:إن هذا هو شرط الإيمان وحده الإسلام . .

وعندئذ يلتقي "النظام الأساسي" لهذه الأمة ; بالعقيدة التي تؤمن بها . . في وحدة لا تتجزأ ; ولا تفترق عناصرها . .

وهذا هو الموضوع الخطير الذي يجلوه هذا الدرس جلاء دقيقا كاملا . . وهذه هي القضية التي تبدو , بعد مطالعة هذا الدرس , بديهية يعجب الإنسان كيف يجادل مسلم فيها !

إنه يقول للأمة المسلمة:إن الرسل أرسلت لتطاع - بإذن الله - لا لمجرد الإبلاغ والإقناع:

(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله). .

ويقول لها:إن الناس لا يؤمنون - ابتداء - إلا أن يتحاكموا إلى منهج الله ; ممثلا - في حياة الرسول [ ص ] - في أحكام الرسول . وباقيا بعده في مصدريه القرآن والسنة بالبداهة ; ولا يكفي أن يتحاكموا إليه - ليحسبوا مؤمنين - بل لا بد من أن يتلقوا حكمه مسلمين راضين:

فلا وربك . . لا يؤمنون . . حتى يحكموك فيما شجر بينهم , ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا . . فهذا هو شرط الإيمان وحد الإسلام .

ويقول لها:إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - أي إلى غير شريعة الله - لا يقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله . فهو زعم كاذب . يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت:

ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك , يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا .

ويقول لها:إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله:

(وإذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا).

ويقول لها:إن منهجها الإيماني ونظامها الأساسي , أن تطيع الله - عز وجل - في هذا القرآن - وأن تطيع رسول الله [ ص ] في سنته - وأولي الأمر من المؤمنين الداخلين في شرط الإيمان وحد الإسلام معكم:

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله , وأطيعوا الرسول . وأولي الأمر منكم). .

ويقول لها:إن المرجع , فيما تختلف فيه وجهات النظر في المسائل الطارئة المتجددة . والأقضية التي لم ترد فها أحكام نصية . . إن المرجع هو الله ورسوله . . أي شريعة الله وسنة رسوله .

(فإن تنازعتم في شيء , فردوه إلى الله والرسول). .

وبهذا يبقى المنهج الرباني مهيمنا على ما يطرأ على الحياة من مشكلات وأقضية كذلك , أبد الدهر , في حياة الأمة المسلمة . . وتمثل هذه القاعدة نظامها الأساسي , الذي لا تكون مؤمنة إلا به , ولا تكون مسلمة إلا بتحقيقه . . إذ هو يجعل الطاعة بشروطها تلك , ورد المسائل التي تجد وتختلف فيها وجهات النظر إلى الله ورسوله . . شرط الإيمان وحد الإسلام . . شرطا واضحا ونصا صريحا:

(إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .


ولا ننس ما سبق بيانه عند قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به , ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). . من أن اليهود وصموا بالشرك بالله , لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أربابا من دون الله - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم ; ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين . . الشرك الذي يغفر الله كل ما عداه . حتى الكبائر . . " وإن زنى وإن سرق . وإن شرب الخمر " . . فرد الأمر كله إلى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية . ومن ثم إفراده بالحاكمية . فهي أخص خصائص الألوهية . وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا . ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره . . أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره الله أبدا . . إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام . (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . .)

هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس . بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض . من إقرار مبادى ء العدل والخلق على أساس منهج الله القويم السليم:(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها . وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . . إن الله نعما يعظكم به . . إن الله كان سميعا بصيرًا . .)

وقد ألممنا به إجمالا . فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلا . .

الدرس الأول:58 واجب الأمة:رد الأمانة والحكم بالعدل

إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ; وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به . إن الله كان سميعا بصيرًا . .

هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ; وهذا هو خلقها:أداء الأمانات إلى أهلها . والحكم بين(الناس)بالعدل . على منهج الله وتعليمه .

والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى . . الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان ; والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها , وحملها "الإنسان" . . أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه . فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة . فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به , والاهتداء إليه , ومعرفته , وعبادته , وطاعته . وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه . والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته , وإلى عقله , وإلى معرفته , وإلى إرادته , وإلى اتجاهه , وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله , بعون من الله: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). . وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات .

ومن هذه الأمانة الكبرى , تنبثق سائر الأمانات , التي يأمر الله أن تؤدى:

ومن هذه الأمانات:أمانة الشهادة لهذا الدين . . الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له . ترجمة حية في شعورها وسلوكها . حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس . فيقولوا:ما أطيب هذا الإيمان وأحسنة وأزكاه ; وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال ! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون . . والشهادة له بدعوة الناس إليه , وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه , إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك , وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان . وهي إحدى الأمانات . .


ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ; منهجا للجماعة المؤمنة ; ومنهجا للبشرية جميعا . . المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة , وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة . فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات ; بعد الإيمان الذاتي . ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة . . ومن ثم ف " الجهاد ماض إلى يوم القيامة " على هذا الأساس . . أداء لإحدى الأمانات . .

ومن هذه الأمانات - الداخلة في ثنايا - ما سبق - أمانة التعامل مع الناس ; ورد أماناتهم إليهم:أمانة المعاملات والودائع المادية . وأمانة النصيحة للراعي وللرعية . وأمانة القيام على الأطفال الناشئة . وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها . . وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال . . فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدي ; ويجملها النص هذا الإجمال . .

فأما الحكم بالعدل بين(الناس)فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا بين(الناس)جميعا . لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب . ولا عدلا مع أهل الكتاب , دون سائر الناس . . وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه "إنسانًا" . فهذه الصفة - صفة الناس - هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني . وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا:مؤمنين وكفارا . أصدقاء وأعداء . سودا وبيضا . عربا وعجما . والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل - متى حكمت في أمرهم - هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط - في هذه الصورة - إلا على يد الإسلام , وإلا في حكم المسلمين , وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية . . والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة ; فلم تذق له طعما قط , في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا . لأنهم "ناس" ! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه(الناس)!

وذلك هو أساس الحكم في الإسلام ; كما أن الأمانة - بكل مدلولاتها - هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي .

والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ; والحكم بين الناس بالعدل ; هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - وتوجيهه . ونعم ما يعظ الله به ويوجه:

(إن الله نعما يعظكم به). .

ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه . فالأصل في تركيب الجملة:إنه نعم ما يعظكم الله به . . ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة , فيجعله "اسم إن" ويجعل نعم ما "نعمًا ومتعلقاتها , في مكان" خبر إن "بعد حذف الخبر . . ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به . .

ثم إنها لم تكن "عظة " إنما كانت "أمرًا . . ولكن التعبير يسميه عظة . لأن العظة أبلغ إلى القلب , وإسرع إلى الوجدان , وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة الحياء !

ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية ; يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه:

إن الله كان سميعا بصيرًا . .

والتناسق بين المأمور به من التكاليف ; وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس ; وبين كون الله سبحانه (سميعا بصيرًا)مناسبة واضحة ولطيفة معا . . فالله يسمع ويبصر , قضايا العدل وقضايا الأمانة . والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير , وإلى مراعاة الملابسات والظواهر , وإلى التعمق فيما وراءالملابسات والظواهر . وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور .

الدرس الثاني 59:الميزان طاعة الله ورسوله ورد الأمر إلى الله ورسوله

وبعد فالأمانة والعدل . . ما مقياسهما ? ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما ? في كل مجال في الحياة , وفي كل نشاط للحياة ?

أنترك مدلول الأمانة والعدل ; ووسائل تطبيقها وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم ? وإلى ما تحكم به عقولهم - أو أهواؤهم ?

إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان . . هذا حق . . ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات , متأثرا بشتى المؤثرات . . ليس هناك ما يسمى "العقل البشري" كمدلول مطلق ! إنما هناك عقلي وعقلك , وعقل فلان وعلان , وعقول هذه المجموعة من البشر , في مكان ما وفي زمان ما . . وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى ; تميل بها من هنا وتميل بها من هناك . .

ولا بد من ميزان ثابت , ترجع إليه هذه العقول الكثيرة ; فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها . ومدى الشطط والغلو , أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات . وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان , ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان . . الميزان الثابت , الذي لا يميل مع الهوى , ولا يتأثر بشتى المؤثرات . .

ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين . . فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها . فتختل جميع القيم . . ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم .

والله يضع هذا الميزان للبشر , للأمانة والعدل , ولسائر القيم , وسائر الأحكام , وسائر أوجه النشاط , في كل حقل من حقول الحياة:

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ; وأطيعوا الرسول , وأولي الأمر . . منكم . . فإن تنازعتم في شيء , فردوه إلى الله والرسول . إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ذلك خير وأحسن تأويلا). .

وفي هذا النص القصير يبين الله - سبحانه - شرط الإيمان وحد الإسلام . في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة ; وقاعدة الحكم , ومصدر السلطان . . وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده ; والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصا , من جزيئات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال ; مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام . . ليكون هنالك الميزان الثابت , الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام !

إن "الحاكمية " لله وحده في حياة البشر - ما جل منها وما دق , وما كبر منها وما صغر - والله قد سن شريعة أودعها قرآنه . وأرسل بها رسولا يبينها للناس . ولا ينطق عن الهوى . فسنته [ ص ] من ثم شريعة من شريعة الله .

والله واجب الطاعة . ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة . فشريعته واجبة التنفيذ . وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله - ابتداء - وأن يطيعوا الرسول - بما له من هذه الصفة . صفة الرسالة من الله - فطاعته إذن من طاعة الله , الذي أرسله بهذه الشريعة , وببيانها للناس في سنته . . وسنته وقضاؤه - على هذا - جزء من الشريعة واجب النفاذ . . والإيمان يتعلق - وجودا وعدما - بهذه الطاعة وهذا التنفيذ - بنص القرآن:

(إن كنم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .

فأما أولو الأمر ; فالنص يعين من هم .

(وأولي الأمر . . منكم . .)

أي من المؤمنين . . الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية . . من طاعة الله وطاعة الرسول ; وإفراد الله - سبحانه - بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء ; والتلقي منه وحده - فيما نص عليه - والرجوع إليه أيضا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء , مما لم يرد فيه نص ; لتطبيق المبادى ء العامة في النصوص عليه .

والنص يجعل طاعة الله أصلا ; وطاعة رسوله أصلا كذلك - بما أنه مرسل منه - ويجعل طاعة أولي الأمر . . منكم . . تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله . فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم , كما كررها عند ذكر الرسول [ ص ] ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله - بعد أن قرر أنهم(منكم)بقيد الإيمان وشرطه . .

وطاعة أولي الأمر . . منكم . . بعد هذه التقريرات كلها , في حدود المعروف المشروع من الله , والذي لم يرد نص بحرمته ; ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادى ء شريعته , عند الاختلاف فيه . . والسنة تقرر حدود هذه الطاعة , على وجه الجزم واليقين:

في الصحيحين من حديث الأعمش:" إنما الطاعة في المعروف " .

وفيهما من حديث يحيى القطان:" السمع والطاعة على المرء المسلم . فيما أحب أو كره . ما لم يؤمر بمعصية . فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

وأخرج مسلم من حديث أم الحصين:" ولو استعمل عليكم عبد . يقودكم بكتاب الله . اسمعوا له وأطيعوا " . . بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينا على شريعة الله وسنة رسوله . أمينا على إيمانه وهو ودينه . أمينا على نفسه وعقله . أمينا على مصيره في الدنيا والآخرة . . ولا يجعله بهيمة في القطيع ; تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ! فالمنهج واضح , وحدود الطاعة واضحة . والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد , ولا تتفرق , ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون !

ذلك فيما ورد فيه نص صريح . فأما الذي لم يرد فيه نص . وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية , على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات - ولا يكون فيه نص قاطع , أو لا يكون فيه نص على الإطلاق . . مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام - فإنه لم يترك كذلك تيها . ولم يترك بلا ميزان . ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع . . ووضع هذا النص القصير , منهج الاجتهاد كله , وحدده بحدوده ; وأقام "الأصل" الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضا .

(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول). .

ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنا . فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو , فردوه إلى المبادى ء الكلية العامة في منهج الله وشريعته . . وهذه ليست عائمة , ولا فوضى , ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول . وهناك - في هذا الدين - مبادى ء أساسية واضحة كل الوضوح , تغطي كل جوانب الحياة الأساسية , وتضع لها سياجا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوطبميزان هذا الدين .

(إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). .

تلك الطاعة لله والطاعة للرسول , ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول . ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول . . هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر . كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر . .

فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود . . ولا يوجد الإيمان , ثم يتخلف عنه أثره الأكيد .

وبعد أن يضع النص المسألة في هذا الوضع الشرطي , يقدمها مرة أخرى في صورة "العظة " والترغيب والتحبيب ; على نحو ما صنع في الأمر بالأمانة والعدل ثم التحبيب فيها والترغيب:

(ذلك خير وأحسن تأويلا . .)

ذلك خير لكم وأحسن مآلا . خير في الدنيا وخير في الآخرة . وأحسن مآلا في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة كذلك . . فليست المسألة أن اتباع هذا المنهج يؤدي إلى رضاء الله وثواب الآخرة - وهو أمر هائل , عظيم - ولكنه كذلك يحقق خير الدنيا وحسن مآل الفرد والجماعة في هذه الحياة القريبة .

أن هذا المنهج معناه:أن يستمتع "الإنسان" بمزايا منهج يضعه له الله . . الله الصانع الحكيم العليم البصير الخبير . . منهج بريء من جهل الإنسان , وهوى الإنسان , وضعف الإنسان . وشهوة الإنسان . . منهج لا محاباة فيه لفرد , ولا لطبقة , ولا لشعب , ولا لجنس , ولا لجيل من البشر على جيل . . لأن الله رب الجميع , ولا تخالجه - سبحانه - وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - شهوة المحاباة لفرد , أو طبقة , أو شعب , أو جنس , أو جيل .

ومنهج من مزاياه , أن صانعه هو صانع هذا الإنسان . . الذي يعلم حقيقة فطرته , والحاجات الحقيقية لهذه الفطرة , كما يعلم منحنيات نفسه ودروبها ; ووسائل خطابها وإصلاحها , فلا يخبط - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - في تيه التجارب بحثا عن منهج يوافق . ولا يكلف البشر ثمن هذه التجارب القاسية , حين يخبطون هم في التيه بلا دليل ! وحسبهم أن يجربوا في ميدان الإبداع المادي ما يشاءون . فهو مجال فسيح جد فسيح للعقل البشري . وحسبهم كذلك أن يحاول هذا العقل تطبيق ذلك المنهج ; ويدرك مواضع القياس والاجتهاد فيما تتنازع فيه العقول .

ومنهج من مزاياه أن صانعه هو صانع هذا الكون , الذي يعيش فيه الإنسان . فهو يضمن للإنسان منهجا تتلاءم قواعده مع نواميس الكون ; فلا يروح يعارك هذه النواميس . بل يروح يتعرف إليها , ويصادقها , وينتفع بها . . والمنهج يهديه في هذا كله ويحميه .

ومنهج من مزاياه أنه - في الوقت الذي يهدي فيه الإنسان ويحيميه - يكرمه ويحترمه ويجعل لعقله مكانا للعمل في المنهج . . مكان الاجتهاد في فهم النصوص الواردة . ثم الاجتهاد في رد ما لم يرد فيه نص إلى النصوص أو إلى المبادى ء العامة للدين . . ذلك إلى المجال الأصيل , الذي يحكمه العقل البشري , ويعلن فيه سيادته الكاملة:ميدان البحث العلمي في الكون ; والإبداع المادي فيه .

ذلك خير وأحسن تأويلًا . . وصدق الله العظيم .

الدرس الثالث:60 - 65 التحاكم إلى الطاغوت

وحين ينتهي السياق من تقرير هذه القاعدة الكلية في شرط الإيمان وحد الإسلام , وفي النظام الأساسي للأمة المسلمة , وفي منهج تشريعها وأصوله . . يلتفت إلى الذين ينحرفون عن هذه القاعدة ; ثم يزعمون - بعد ذلك - أنهم مؤ

(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا . .)

ألم تر إلى هذا العجب العاجب . . قوم . . يزعمون . . الإيمان . ثم يهدمون هذا الزعم في آن ?! قوم (يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك). ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ? إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر , وإلى منهج آخر , وإلى حكم آخر . . يريدون أن يتحاكموا إلى . . الطاغوت . . الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . ولا ضابط له ولا ميزان , مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . . ومن ثم فهو . . طاغوت . . طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية . وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضا ! وهم لا يفعلون هذا عن جهل , ولا عن ظن . . إنما هم يعلمون يقينا ويعرفون تماما , أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه: (وقد أمروا أن يكفروا به). . فليس في الأمر جهالة ولا ظن . بل هو العمد والقصد . ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم . زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب . .

ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا . .

فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت . وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت ! هذا هو الدافع يكشفه لهم . لعلهم يتنبهون فيرجعوا . ويكشفه للجماعة المسلمة , لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك .

ويمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله . . ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به:

(وإذا قيل لهم:تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول , رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا).

يا سبحان الله ! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه ! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري . . وإلا ما كان نفاقا . . .

إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان , أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به , وإلى من آمن به . فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل , وبالرسول وما أنزل إليه . ثم دعي إلى هذا الذي آمن به , ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه ; كانت التلبيه الكاملة هي البديهية الفطرية . فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية . ويكشف عن النفاق . وينبى ء عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان !

وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله - سبحانه - أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله . ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله . بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدودا !

ثم يعرض مظهرا من مظاهر النفاق في سلوكهم ; حين يقعون في ورطة أو كارثة بسبب عدم تلبيتهم للدعوة إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ; أو بسبب ميلهم إلى التحاكم إلى الطاغوت . ومعاذيرهم عند ذلك . وهي معاذير النفاق:

(فكيف إذا أصابتهم مصيبة - بما قدمت أيديهم - ثم جاؤوك يحلفون بالله:إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا). .

وهذه المصيبة قد تصيبهم بسبب انكشاف أمرهم في وسط الجماعة المسلمة - يومذاك - حيث يصبحون معرضين للنبذ والمقاطعة والازدراء في الوسط المسلم . فما يطيق المجتمع المسلم أن يرى من بينه ناسا يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أنزل , وبالرسول وما أنزل إليه ; ثم يميلون إلى التحاكم لغير شريعة الله ; أو يصدون حين يدعون إلىالتحاكم إليها . . إنما يقبل مثل هذا في مجتمع لا إسلام له ولا إيمان . وكل ما له من الإيمان زعم كزعم هؤلاء ; وكل ما له من الإسلام دعوى وأسماء !

أو قد تصيبهم المصيبة من ظلم يقع بهم ; نتيجة التحاكم إلى غير نظام الله العادل ; ويعودون بالخيبة والندامة من الاحتكام إلى الطاغوت ; في قضية من قضاياهم .

أو قد تصيبهم المصيبة ابتلاء من الله لهم . لعلهم يتفكرون ويهتدون . .

وأياما ما كان سبب المصيبة ; فالنص القرآني , يسأل مستنكرا:فكيف يكون الحال حينئذ ! كيف يعودون إلى الرسول [ ص ]:

(يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا). . .

إنها حال مخزية . . حين يعودون شاعرين بما فعلوا . . غير قادرين على مواجهة الرسول [ ص ] بحقيقة دوافعهم . وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين:أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هنا هو عرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق ! وهي دائما دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته:أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب , التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله ! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة . . إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين . . هي هي دائما وفي كل حين !

والله - سبحانه - يكشف عنهم هذا الرداء المستعار . ويخبر رسوله [ ص ] , أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم . ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق , والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء:

(أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم . فأعرض عنهم وعظهم , وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا). .

أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم ; ويحتجون بهذه الحجج , ويعتذرون بهذه المعاذير . والله يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور . . ولكن السياسة التي كانت متبعة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم , وأخذهم بالرفق , واطراد الموعظة والتعليم . .

والتعبير العجيب:

وقل لهم . . في أنفسهم . . قولا بليغًا .

تعبير مصور . . كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس , ويستقر مباشرة في القلوب .

وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف الله وكنف رسوله . . بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الإحتكام إلى الطاغوت ; ومن الصدود عن الرسول [ ص ] حين يدعون إلى التحاكم إلى الله والرسول . . فالتوبة بابها مفتوح , والعودة إلى الله لم يفت اوانها بعد ; واستغفارهم الله من الذنب , واستغفار الرسول لهم , فيه القبول ! ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية:وهي أن الله قد أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه - لا ليخالف عن أمرهم . ولا ليكونوا مجرد وعاظ ! ومجرد مرشدين !

وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله . ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك , فاستغفروا الله , واستغفر لهم الرسول , لوجدوا الله توابا رحيمًا . .

وهذه حقيقة لها وزنها . . إن الرسول ليس مجرد "واعظ" يلقي كلمته ويمضي . لتذهب في الهواء - بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل ; أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول "الدين" .

إن الدين منهج حياة . منهج حياة واقعية . بتشكيلاتها وتنظيماتها , وأوضاعها , وقيمها , وأخلاقها وآدابها . وعباداتها وشعائرها كذلك .

وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان . سلطان يحقق المنهج , وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ . . والله أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين . منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة . وما من رسول إلا أرسله الله , ليطاع , بإذن الله . فتكون طاعته طاعة لله . . ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني , والشعائر التعبدية . . فهذا وهم في فهم الدين ; لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل . وهي إقامة منهج معين للحياة , في واقع الحياة . . وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا . لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي . يستهتر بها المستهترون , ويبتذلها المبتذلون !!!

ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان . . كان دعوة وبلاغا . ونظام وحكما . وخلافة بعد ذلك عن رسول الله [ ص ] تقوم بقوة الشريعة والنظام , على تنفيذ الشريعة والنظام . لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول . وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول . وليست هنالك صورة أخرى يقال لها:الإسلام . أو يقال لها:الدين . إلا أن تكون طاعة للرسول , محققة في وضع وفي تنظيم . ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ; ويبقى أصلها الثابت . وحقيقتها التي لا توجد بغيرها . . استسلام لمنهج الله , وتحقيق لمنهج رسول الله . وتحاكم إلى شريعة الله . وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله , وإفراد لله - سبحانه - بالألوهية [ شهادة أن لا إله إلا الله ] ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا لله , لا يشاركه فيه سواه . وعدم احتكام إلى الطاغوت . في كثير ولا قليل . والرجوع إلى الله والرسول , فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة , والأحوال الطارئه ; حين تختلف فيه العقول . .

وأمام الذين (ظلموا أنفسهم)بميلهم عن هذا المنهج , الفرصة التي دعا الله المنافقين إليها على عهد رسول الله , [ ص ] - ورغبهم فيها . .

ولو أنهم - إذ ظلموا أنفسهم - جاؤوك , فاستغفروا الله , واستغفر لهم الرسول , لوجدوا الله توابا رحيمًا . .

والله تواب في كل وقت على من يتوب . والله رحيم في كل وقت على من يؤوب . وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفته . ويعد العائدين إليه , المستغفرين من الذنب , قبول التوبة وإفاضة الرحمة . . والذين يتناولهم هذا النص ابتداء , كان لديهم فرصة استغفار الرسول [ ص ] وقد انقضت فرصتها . وبقي باب الله مفتوحا لا يغلق . ووعده قائما لا ينقض . فمن أراد فليقدم . ومن عزم فليتقدم . .

وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم . إذ يقسم الله - سبحانه - بذاته العلية , أنه لا يؤمن مؤمن , حتى يحكم رسول الله [ ص ] في أمره كله . ثم يمضي راضيا بحكمه , مسلما بقضائه . ليس في صدره حرج منه , ولا في نفسه تلجلج في قبوله:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم . ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت , ويسلموا تسليمًا . .

ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحد الإسلام . يقرره الله سبحانه بنفسه . ويقسم عليه بذاته . فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام , ولا تأويل لمؤول .

اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام . . وهي أن هذا القول مرهون بزمان , وموقوف على طائفة من الناس ! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا ; ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا . فهذه حقيقة كلية
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 11:28 PM   رقم المشاركة :[10]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

الدرس الرابع:66 - 68 يسر التكاليف الشرعية وثواب الملتزم بها

وبعد أن يقرر أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله [ ص ] وقبل الرضى والتسليم بقضائه , يعود ليقول:إن هذا المنهج الذي يدعون إليه ; وهذه الشريعة التي يقال لهم:تحاكموا إليها - لا لسواها - وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به . . . إنه منهج ميسر , وشريعة سمحة , وقضاء رحيم . . إنه لا يكلفهم شيئا فوق طاقتهم ; ولا يكلفهم عنتا يشق عليهم ; ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم . . فالله يعلم ضعف الإنسان ; ويرحم هذا الضعف . والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة , ما أداها إلا قليل منهم . . وهو لا يريد لهم العنت , ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية . . ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق , وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية . ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم ; واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها ; لنالوا خيرا عظيما في الدنيا والآخرة ; ولأعانهم الله بالهدى , كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة , في حدود الطاقة:

ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم , أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه - إلا قليل منهم - ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به , لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ; وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ; ولهديناهم صراطا مستقيمًا . .

إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية . إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة , التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر . وهذا الدين لم يجيء لهذه القلة القليلة . إنه جاء للناس جميعا . والناس معادن , وألوان , وطبقات . من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف . وهذا الدين ييسر لهم جميعا أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه , وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها .

وقتل النفس , والخروج من الديار . . مثلان للتكاليف الشاقة , التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم . وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس ; وأن ينكل عنها عامة الناس . بل المراد أن يؤديها الجميع , وأن يقدر عليها الجميع , وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية ; وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس , وطبقات الهمم , وطبقات الاستعدادات ; وأن ينميها جميعا ويرقيها , في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض !

قال ابن جريج:حدثنا المثنى إسحاق أبو الأزهر , عن إسماعيل , عن أبى إسحاق السبيعي قال:لما نزلت: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم). . . الآية:قال رجل:لو أمرنا لفعلنا , والحمد لله الذي عافانا . . فبلغ ذلك النبي [ ص ] فقال:" إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبالالرواسي " .

وروى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن مصعب بن ثابت . عن عمه عامر بن عبدالله بن الزبير . قال:لما نزلت (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم)قال رسول الله [ ص ]:" لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم " .

وفي رواية له - بإسناده - عن شريح بن عبيد:قال:لما تلا رسول الله [ ص ] هذه الآية: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم . . .)الآية , أشار رسول الله [ ص ] بيده إلى عبدالله ابن رواحة , فقال:" لو أن الله كتب هذا , لكان هذا من أولئك القليل ":

وكان رسول الله [ ص ] يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة ; ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه ! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول [ ص ] بكل واحد من رجاله ; وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه . . خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله . . في دقة عجيبة . . لم تدرس بعد الدراسة الواجبة .

وليس هذا موضوعنا . ولكن موضوعنا أن رسول الله [ ص ] كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم . ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجيء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها . وكان الله - سبحانه - يعلم طبيعة هذا "الإنسان" الذي خلقه ; وحدود طاقته ; فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين , إلا ما هو ميسر للجميع ; حين تصح العزيمة , وتعتدل الفطرة , وينوي العبد الطاعة , ولا يستهتر ولا يستهين .

وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة ; في مواجهة الدعوات الهدامة ; التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية , والتلبط في الوحل كالدود ! بحجة أن هذا هو "واقع" الإنسان , وطبيعته وفطرته وحدود طاقته ! وأن الدين دعوة "مثالية " لم تجيء لتحقق في واقع الأرض ; وإذا نهض بتكاليفها فرد , فإن مائة لا يطيقون !

هذه دعوى كاذبة أولا ; وخادعة ثانيا ; وجاهلة ثالثا . . لأنها لا تفهم "الإنسان" ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه , الذي فرض عليه تكاليف الدين ; وهو يعلم - سبحانه - أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي . لأن الدين لم يجيء للقلائل الممتازين !

وإن هي إلا العزيمة - عزيمة الفرد العادي - وإخلاص النية . والبدء في الطريق . وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين:

ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا . وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما . ولهديناهم صراطا مستقيمًا . .

فمجرد البدء , يتبعه العون من الله . ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق . ويتبعه الأجر العظيم . وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم . . وصدق الله العظيم . . فما يخدع الله - سبحانه وتعالى - عباده ; ولا يعدهم وعدا لا يفي لهم به ; ولا يحدثهم إلا حديث الصدق . . (ومن أصدق من الله حديثًا)?

في الوقت ذاته ليس اليسر - في هذا المنهج - هو الترخص . ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة . فهذا الدين عزائم ورخص . والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة . . وبعض المخلصين حسني النية , الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين , يعمدون إلى "الرخص " فيجمعونها ويقدمونها للناس , على أنها هي هذا الدين . ويقولون لهم:انظروا كم هو ميسر هذا الدين ! وبعض الذين يتملقون شهوات السلطان أو شهوات الجماهير , يبحثون عن "منافذ" لهذه الشهوات من خلال الأحكام والنصوص ; ويجعلون هذه المنافذ هي الدين !

وهذا الدين ليس هذا وليس ذاك . إنما هو بجملته . برخصه وعزائمة . ميسر للناس يقدر عليه الفرد العادي , حين يعزم . ويبلغ فيه تمام كماله الذاتي - في حدود بشريته - كما يبلغ تمام كماله الذاتي في الحديقة الواحدة:العنب والخوخ والكمثرى والتوت والتين والقثاء . . ولا تكون كلها ذات طعم واحد . . ولا يقال عن أحدها:إنه غير ناضج - حين يبلغ نضجه الذاتي - إذا كان طعمه أقل مرتبة من النوع الآخر !

في حديقة هذا الدين ينبت البقل والقثاء ; وينبت الزيتون والرمان , وينبت التفاح والبرقوق , وينبت العنب والتين . . . وينضج كله ; مختلفة طعومه ورتبه . . ولكنه كله ينضج . ويبلغ كماله المقدر له . . إنها زرعة الله . . في حقل الله . . برعاية الله . . وتيسير الله . .

الدرس الخامس:69 - 70 الصالحون مع الصالحين في الجنة

وفي نهاية هذه الجولة , ونهاية هذا الدرس , يعود السياق إلى الترغيب ; واستجاشة القلوب ; والتلويح للأرواح بالمتاع الحبيب . . متاع الصحبة في الآخرة للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين .

ومن يطع الله والرسول , فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . وحسن أولئك رفيقا ! ذلك الفضل من الله , وكفى بالله عليمًا . .

إنها اللمسة التي تستجيش مشاعر كل قلب , فيه ذرة من خير ; وفيه بذرة من صلاح وفيه أثارة من التطلع إلى مقام كريم في صحبة كريمة , في جوار الله الكريم . . وهذه الصحبة لهذا الرهط العلوي . . إنما هي من فضل الله . فما يبلغ إنسان بعمله وحده وطاعته وحدها أن ينالها . . إنما هو الفضل الواسع الغامر الفائض العميم .

ويحسن هنا أن نعيش لحظات مع صحابة رسول الله [ ص ] وهم يتشوقون إلى صحبته في الآخرة ; وفيهم من يبلغ به الوجد ألا يمسك نفسه عند تصور فراقه . . وهو [ ص ] بين ظهرانيهم . فتنزل هذه الآية:فتندي هذا الوجد ; وتبل هذه اللهفة . . الوجد النبيل . واللهفة الشفيفة:

قال ابن جرير:حدثنا ابن حميد , حدثنا يعقوب السقمي , عن جعفر بن أبى المغيرة , عن سعيد بن جبير . قال:جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله [ ص ] وهو محزون . فقال له النبى [ ص ]:" يا فلان . ما لي أراك محزونا ? " فقال:يا نبي الله . شيء فكرت فيه . فقال:" ما هو ? " قال:نحن نغدو عليك ونروح . ننظر إلى وجهك , ونجالسك . وغدا ترفع مع النبيين , فلا نصل إليك . . فلم يرد عليه النبي [ ص ] شيئًا . فأتاه جبريل بهذه الآية: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين). . الآية , فبعث النبي [ ص ] فبشره .

وقد رواه أبو بكر بن مردويه مرفوعا - بإسناده - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"جاء رجل إلى النبي [ ص ] فقال:يا رسول الله . إنك أحب إلي من نفسي , وأحب إلى من أهلي , وأحب إلي من ولدي . وإني لأكون في البيت , فأذكرك , فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك . وإذا ذكرت موتيوموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين , وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك . فلم يرد عليه النبي [ ص ] حتى نزلت:(ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا). .

وفي صحيح مسلم من حديث عقل بن زياد , عن الأوزاعي , عن يحيى بن كثير , عن أبى سلمة بن عبد الرحمن , عن ربيعة بن كعب الأسلمي , أنه قال:كنت أبيت عند رسول الله [ ص ] فأتيته بوضوئه وحاجته . فقال لي:" سل " . فقلت يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة . فقال:" أو غير ذلك " . قلت:هو ذاك . قال:" فأعني على نفسك بكثرة السجود " .

وفي صحيح البخاري من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله [ ص ] سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم , فقال:" المرء مع من أحب " . . قال أنس:فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث . .

لقد كان الأمر يشغل قلوبهم وأرواحهم . . أمر الصحبة في الآخرة . . وقد ذاقوا طعم الصحبة في الدنيا ! وإنه لأمر يشغل كل قلب ذاق محبة هذا الرسول الكريم . . وفي الحديث الأخير أمل وطمأنينة ونور . . .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 11:41 PM   رقم المشاركة :[11]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

خامسا يقول تعالى في سورة النساء :الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)

تفسير بن كثير :
ثم قال تعالى : ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) أي : المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه ، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان .
ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله : ( فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا )

تفسير الطبري :
القول في تأويل قوله : الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: الذين صدقوا الله ورسوله، وأيقنوا بموعود الله لأهل الإيمان به =" يقاتلون في سبيل الله "، يقول: في طاعة الله ومنهاج دينه وشريعته التي شرعها لعباده (9) =" والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت "، يقول: والذين جحدوا وحدانية الله وكذبوا رسوله وما جاءهم به من عند ربهم =" يقاتلون في سبيل الطاغوت "، (10) يعني: في طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله. يقول الله، مقوِّيًا عزم المؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحرِّضهم على أعدائه وأعداء دينه من أهل الشرك به: " فقاتلوا " أيها المؤمنون، =" أولياء الشيطان "، يعني بذلك: الذين يتولَّونه ويطيعون أمره، في خلاف طاعة الله، والتكذيب به، وينصرونه (11) =" إن كيد الشيطان كان ضعيفًا "، يعني بكيده: ما كاد به المؤمنين، (12) من تحزيبه أولياءه من الكفار بالله على رسوله وأوليائه أهل الإيمان به. يقول: فلا تهابوا أولياء الشيطان، فإنما هم حزبه وأنصاره، وحزب الشيطان أهل وَهَن وضعف.
* * *
وإنما وصفهم جل ثناؤه بالضعف، لأنهم لا يقاتلون رجاء ثواب، ولا يتركون القتال خوف عقاب، وإنما يقاتلون حميّة أو حسدًا للمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله. والمؤمنون يقاتل مَن قاتل منهم رجاء العظيم من ثواب الله، ويترك القتال إن تركه على خوف من وعيد الله في تركه، فهو يقاتل على بصيرة بما له عند الله إن قتل، وبما لَه من الغنيمة والظفر إن سلم. والكافر يقاتل على حذر من القتل، وإياس من معاد، فهو ذو ضعف وخوف.
---------------------
الهوامش :
(9) انظر تفسير"سبيل الله" فيما سلف من فهارس اللغة ، مادة (سبل).
(10) انظر تفسير"الطاغوت" فيما سلف 3: 416- 420 / 8: 461- 465 ، 507- 513.
(11) انظر تفسير"ولي" فيما سلف من فهارس اللغة.
(12) انظر تفسير"الكيد" فيما سلف 7: 156.

تفسير القرطبي :
قوله تعالى : الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا
قوله تعالى : الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله أي في طاعته والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت قال أبو عبيدة والكسائي : الطاغوت يذكر ويؤنث . قال أبو عبيد : وإنما ذكر وأنث لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا . قال : حدثنا حجاج عن ابن جريج قال : حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله وسئل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال : كانت في جهينة واحدة وفي أسلم واحدة ، وفي كل حي واحدة . قال أبو إسحاق : الدليل على أنه الشيطان قوله عز وجل : فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا أي مكره ومكر من اتبعه . ويقال : أراد به يوم بدر حين قال للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم على ما يأتي .

تفسير البغوى :
قوله تعالى : ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ) أي : في طاعته ، ( والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) أي : في طاعة الشيطان ، ( فقاتلوا ) أيها المؤمنون ( أولياء الشيطان ) أي : حزبه وجنوده وهم الكفار ، ( إن كيد الشيطان ) مكره ، ( كان ضعيفا ) كما فعل يوم بدر لما رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم
تفسير السعدى :
هذا إخبار من الله بأن المؤمنين يقاتلون في سبيله { وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ } الذي هو الشيطان. في ضمن ذلك عدة فوائد: منها: أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله، وإخلاصه ومتابعته. فالجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته. ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه من الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك، كما قال تعالى في هذا المعنى: { إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ } الآية. ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمد على ركن وثيق، وهو الحق، والتوكل على الله. فصاحب القوة والركن الوثيق يطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل عن الباطل، الذي لا حقيقة له ولا عاقبة حميدة. فلهذا قال تعالى: { فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا } والكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مَكْرُهُ مهما بلغ فإنه في غاية الضعف، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق ولا لكيد الله لعباده المؤمنين.


تفسير بن عاشور :
وأشارت الآية إلى أنّ الله استجاب دعوتهم وهيّأ لهم النصر بيد المؤمنين فقال : { الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت } ، أي فجنّد الله لهم عاقبة النصر ، ولذلك فرّع عليه الأمر بقوله : { فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً } .
والطاغوت : الأصنام . وتقدّم تفسيره في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبتتِ والطاغوت } في هذه السورة [ النساء : 5 ] ، وقوله : { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت } [ النساء : 60 ] .
والمراد بكيد الشيطان تدبيره . وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم ، وأكّد الجملة بمؤكّدين ( إنّ ) ( وكان ) الزائدة الدالة على تقرّر وصف الضعف لكيد الشيطان .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2015, 11:49 PM   رقم المشاركة :[12]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

يقول صاحب الظلال الشهيد _ باذن الله _ سيد قطب رحمه الله :
الدرس الرابع:76 التصور الحقيقي لفرض الجهاد

ثم لمسة نفسية أخرى , لاستنهاض الهمم , واستجاشة العزائم , وإنارة الطريق , وتحديد القيم والغايات والأهداف , التي يعمل لها كل فريق:

(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ; والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت . فقاتلوا أولياء الشيطان . إن كيد الشيطان كان ضعيفا). .

وفي لمسة واحدة يقف الناس على مفرق الطريق . وفي لحظة ترتسم الأهداف , وتتضح الخطوط . وينقسم الناس إلى فريقين اثنين ; تحت رايتين متميزتين:

(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله). .

(والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت). .

الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ; لتحقيق منهجه , وإقرار شريعته , وإقامة العدل "بين الناس" باسم الله . لا تحت أي عنوان آخر . اعترافا بأن الله وحده هو الإله ومن ثم فهو الحاكم:

والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت , لتحقيق مناهج شتى - غير منهج الله - وإقرار شرائع شتى - غير شريعة الله - وإقامة قيم شتى - غير التي أذن بها الله - ونصب موازين شتى غير ميزان الله !

ويقف الذين آمنوا مستندين الى ولاية الله وحمايته ورعايته .

ويقف الذين كفروا مستندين إلى ولاية الشيطان بشتى راياتهم , وشتى مناهجهم , وشتى شرائعهم , وشتى طرائقهم , وشتى قيمهم , وشتى موازينهم . . فكلهم أولياء الشيطان .

ويأمر الله الذين أمنوا أن يقاتلوا أولياء الشيطان ; ولا يخشوا مكرهم ولا مكر الشيطان:

فقاتلوا أولياء الشيطان , إن كيد الشيطان كان ضعيفًا .

وهكذا يقف المسلمون على أرض صلبة , مسندين ظهورهم إلى ركن شديد . مقتنعي الوجدان بأنهم يخوضون معركة لله , ليس لأنفسهم منها نصيب , ولا لذواتهم منها حظ . وليست لقومهم , ولا لجنسهم , ولا لقرابتهم وعشيرتهم منها شيء . . إنما هي لله وحده , ولمنهجه وشريعته . وأنهم يواجهون قوما أهل باطل ; يقاتلون لتغليب الباطل على الحق . لأنهم يقاتلون لتغليب مناهج البشر الجاهلية - وكل مناهج البشر جاهلية - على شريعة منهج الله ; ولتغليب شرائع البشر الجاهلية - وكل شرائع البشر جاهلية - على الله ; ولتغليب ظلم البشر - وكل حكم للبشر من دون الله ظلم - على عدل الله , الذي هم مأمورون أن يحكموا به بين الناس . .

كذلك يخوضون المعركة , وهم يوقنون أن الله وليهم فيها . وأنهم يواجهون قوما , الشيطان وليهم فهم إذن ضعاف . .إن كيد الشيطان كان ضعيفا . .

ومن هنا يتقرر مصير المعركة في حس المؤمنين , وتتحدد نهايتها . قبل أن يدخلوها . وسواء بعد ذلك استشهد المؤمن في المعركة - فهو واثق من النتيجة - أم بقي حتى غلب , ورأى بعينيه النصر ; فهو واثق من الأجر العظيم .

من هذا التصور الحقيقي للأمر في كلتا حالتيه , انبثقت تلك الخوارق الكثيرة التي حفظها تاريخ الجهاد في سبيل الله في حياة الجماعة المسلمة الأولى ; والتي تناثرت على مدى التاريخ في أجيال كثيرة . وما بنا أن نضرب لها هنا الأمثال ; فهي كثيرة مشهورة . . ومن هذا التصور كان ذلك المد الإسلامي العجيب , في أقصر فترة عرفت في التاريخ ; فقد كان هذا التصور جانبا من جوانب التفوق الذي حققه المنهج الرباني للجماعة المسلمة , على المعسكرات المعادية . . ذلك التفوق الذي أشرنا إليه من قبل في هذا الجزء . وبناء هذا التصور ذاته كان طرفا من المعركة الكلية الشاملة التي خاضها القرآن في نفوس المؤمنين , وهو يخوض بهم المعركة مع أعدائهم المتفوقين في العدد والعدة والمال ; ولكنهم في هذا الجانب كانوا متخلفين ; فأمسوا مهزومين !

وها نحن أولاء نرى الجهد الذي بذله المنهج في إنشاء هذا التصور وتثبيته . فلم يكن الأمر هينا . ولم يكن مجرد كلمة تقال . ولكنه كان جهدا موصولا , لمعالجة شح النفس , وحرصها على الحياة - بأي ثمن - وسوء التصور لحقيقة الربح والخسارة . . وفي الدرس بقية من هذا العلاج , وذلك الجهد الموصول .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2015, 12:05 AM   رقم المشاركة :[13]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

سادسا يقول تعالى في سورة المائدة قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)

تفسير بن كثير :
ثم قال : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ) أي : هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات القصيرة ، فقوله : ( من لعنه الله ) أي : أبعده من رحمته ( وغضب عليه ) أي : غضبا لا يرضى بعده أبدا ( وجعل منهم القردة والخنازير ) كما تقدم بيانه في سورة البقرة . وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف [ إن شاء الله تعالى ]
وقد قال سفيان الثوري : عن علقمة بن مرثد ، عن المغيرة بن عبد الله ، عن المعرور بن سويد عن ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير ، أهي مما مسخ الله [ تعالى ] ؟ فقال : إن الله لم يهلك قوما - أو قال : لم يمسخ قوما - فيجعل لهم نسلا ولا عقبا وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " .
وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر كلاهما ، عن مغيرة بن عبد الله اليشكري به .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا داود بن أبي الفرات ، عن محمد بن زيد ، عن أبي الأعين العبدي عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير ، أهي من نسل اليهود؟ فقال : " لا ، إن الله لم يلعن قوما فيمسخهم فكان لهم نسل ، ولكن هذا خلق كان ، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم ، جعلهم مثلهم " .
ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به .
وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا الحسن بن محبوب ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحيات مسخ الجن ، كما مسخت القردة والخنازير " . هذا حديث غريب جدا .
وقوله : ( وعبد الطاغوت ) وقرئ ( وعبد الطاغوت ) على أنه فعل ماض ، " والطاغوت " منصوب به ، أي : وجعل منهم من عبد الطاغوت . وقرئ : ( وعبد الطاغوت ) بالإضافة على أن المعنى : وجعل منهم خدم الطاغوت ، أي : خدامه وعبيده . وقرئ ( وعبد الطاغوت ) على أنه جمع الجمع : عبد وعبيد وعبد ، مثل ثمار وثمر . حكاها ابن جرير ، عن الأعمش . وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها : " وعابد الطاغوت " ، وعن أبي وابن مسعود : " وعبدوا " ، وحكى ابن جرير ، عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها : ( وعبد الطاغوت ) على أنه مفعول ما لم يسم فاعله ، ثم استبعد معناها . والظاهر أنه لا بعد في ذلك ; لأن هذا من باب التعريض بهم ، أي : وقد عبدت الطاغوت فيكم ، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك .
وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا ، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون [ ما ] سواه ، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال : ( أولئك شر مكانا ) أي : مما تظنون بنا ( وأضل عن سواء السبيل )
وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة ، كقوله : ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) [ الفرقان : 24 ]
تفسير الطبري :
القول في تأويل قوله : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قل "، يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار=" هل أنبئكم "، يا معشر أهل الكتاب، بشر من ثواب ما تنقِمون منا من إيماننا بالله وما أنـزل إلينا من كتاب الله، وما أنـزل من قبلنا من كتبه؟ (13)
* * *
[و " مثوبة "، تقديرها " مفعولة "]، غير أن عين الفعل لما سقطت نقلت حركتها إلى " الفاء "، (14) وهي" الثاء " من " مثوبة "، فخرجت مخرج " مَقُولة "، و " مَحُورة "، و " مَضُوفة "، (15)
كما قال الشاعر: (16)
وَكــنْتُ إذَا جَـارِي دَعَـا لِمَضُوفـةٍ
أُشَـمِّر حَـتَّى يَنْصُـفَ السَّاقُ مِئْزَرِي (17)
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
12220 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله "، يقول: ثوابًا عند الله.
12221 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله " قال: " المثوبة "، الثواب،" مثوبة الخير "، و " مثوبة الشر "، وقرأ: خَيْرٌ ثَوَابًا [سورة الكهف: 44]. (18)
* * *
وأما " مَنْ" في قوله: " من لعنه الله "، فإنه في موضع خفض، ردًّا على قوله: " بشرّ من ذلك ". فكأن تأويل الكلام، إذ كان ذلك كذلك: قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله، بمن لعنه الله.
ولو قيل: هو في موضع رفع، لكان صوابًا، على الاستئناف، بمعنى: ذلك من لعنه الله= أو: وهو من لعنه الله.
ولو قيل: هو في موضع نصب، لم يكن فاسدًا، بمعنى: قل هل أنبئكم من لعنه الله (19) = فيجعل " أنبئكم " عاملا في" من "، واقعًا عليه. (20)
* * *
وأما معنى قوله: " من لعنه الله "، فإنه يعني: من أبعده الله وأسْحَقه من رحمته (21) =" وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير "، يقول: وغضب عليه، وجعل منهم المُسوخَ القردة والخنازير، غضبًا منه عليهم وسخطًا، فعجَّل لهم الخزي والنكال في الدنيا. (22)
* * *
وأما سبب مَسْخ الله من مَسخ منهم قردة، فقد ذكرنا بعضه فيما مضى من كتابنا هذا، وسنذكر بقيته إن شاء الله في مكان غير هذا. (23)
* * *
وأما سبب مسخ الله من مَسخ منهم خنازير، فإنه كان فيما:-
12223 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن عُمرَ بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، قال: حدِّثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير، كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل، وكان فيها مَلِك بني إسرائيل، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة، إلا أنّ تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به، فجعلت تدعو إلى الله، (24) حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها قالت لهم: إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله، وأن تنادوا قومكم بذلك، فاخرجوا فإني خارجة. فخرجت، وخرج إليها ذلك الملك في الناس، فقتل أصحابها جميعًا، وانفلتت من بينهم. قال: ودعت إلى الله حتى تجمَّع الناس إليها، حتى إذا رضيت منهم، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت معهم، وأصيبوا جميعًا وانفلتت من بينهم. ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها، أمرتهم بالخروج، فخرجوا وخرجت، فأصيبوا جميعًا، وانفلتت من بينهم، فرجعت وقد أيست، وهي تقول: سبحان الله، لو كان لهذا الدين وليٌّ وناصرٌ، لقد أظهره بَعْدُ! قال: فباتت محزونة، وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازيرَ، قد مسخهم الله في ليلتهم تلك، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت: اليوم أعلم أن الله قد أعزَّ دينه وأمر دينه! قال: فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يديْ تلك المرأة. (25)
12224 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وجعل منهم القردة والخنازير "، قال: مسخت من يهود.
12225 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
وللمسخ سبب فيما ذكر غير الذي ذكرناه، سنذكره في موضعه إن شاء الله. (26)
* * *
القول في تأويل قوله : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته قرأة الحجاز والشأم والبصرة وبعض الكوفيين: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، بمعنى: " عابد "، فجعل " عبد "، فعلا ماضيًا من صلة المضمر، ونصب " الطاغوتَ"، بوقوع " عبَدَ" عليه.
* * *
وقرأ ذلك جماعة من الكوفيين: ( وَعَبُدَ الطَّاغُوتَ ) بفتح " العين " من " عبد " وضم بائها، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُد " إليه. وعنوا بذلك: وخدَمَ الطاغوت.
12226 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثني حمزة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب أنه قرأ: ( وَعُبَدَ الطَّاغُوتِ ) يقول: خدم= قال عبد الرحمن: وكان حمزة كذلك يقرأها.
12227 - حدثني ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن الأعمش: أنه كان يقرأها كذلك.
* * *
وكان الفَرَّاء يقول: إن تكن فيه لغة مثل " حَذِرٍ" و " حَذُر "، و " عجِلٍ"، و " وعَجُلٍ"، فهو وجه، والله أعلم= وإلا فإن أراد قول الشاعر: (27)
أَبَنِــــي لُبَيْنَــــى إنَّ أُمَّكُـــمُ
أَمَــــةٌ وَإنَّ أَبَــــاكُمُ عَبُـــدُ (28)
فإن هذا من ضرورة الشعر، وهذا يجوز في الشعر لضرورة القوافي، وأما في القراءة فلا. (29)
* * *
وقرأ ذلك آخرون: ( وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ ) ذكر ذلك عن الأعمش.
* * *
وكأنَّ من قرأ ذلك كذلك، أراد جمع الجمع من " العبد "، كأنه جمع " العبد "" عبيدًا "، ثم جمع " العبيد "" عُبُدًا "، مثل: " ثِمَار وُثُمر ". (30)
* * *
وذكر عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرأه: (31) ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ ).
12228 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال: كان أبو جعفر النحويّ يقرأها: ( وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ )، كما يقول: " ضُرِب عبدُ الله ".
* * *
قال أبو جعفر: وهذه قراءة لا معنى لها، لأن الله تعالى ذكره، إنما ابتدأ الخبر بذمّ أقوام، فكان فيما ذمَّهم به عبادُتهم الطاغوت. وأما الخبر عن أن الطاغوت قد عُبد، فليس من نوع الخبر الذي ابتدأ به الآية، ولا من جنس ما ختمها به، فيكون له وجه يوجَّه إليه في الصحة. (32)
* * *
وذكر أن بُريدة الأسلمي كان يقرأه: ( وعابد الطاغوت ). (33)
12229 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شيخ بصري: أن بريدة كان يقرأه كذلك.
* * *
ولو قرئ ذلك: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بالكسر، كان له مخرج في العربية صحيح، وإن لم أستجز اليوم القراءة بها، إذ كانت قراءة الحجة من القرأة بخلافها. ووجه جوازها في العربية، أن يكون مرادًا بها " وعَبَدَة الطاغوت "، ثم حذفت " الهاء " للإضافة، كما قال الراجز: (34)
قَامَ وُلاهَا فَسَقَوْهُ صَرْخَدَا (35)
يريد: قام وُلاتها، فحذف " التاء " من " ولاتها " للإضافة. (36)
* * *
قال أبو جعفر: وأما قراءة القرأة، فبأحد الوجهين اللذين بدأت بذكرهما وهو: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بنصب " الطاغوت " وإعمال " عبد " فيه، وتوجيه " عبد " إلى أنه فعل ماض من " العبادة ".
والآخر: (وعبد الطاغوت)، على مثال " فَعُلٍ"، وخفض " الطاغوت " بإضافة " عَبُدٍ" إليه.
فإذ كانت قراءة القرأة بأحد هذين الوجهين دون غيرهما من الأوجه التي هي أصح مخرجًا في العربية منهما، فأولاهما بالصواب من القراءة، قراءة من قرأ ذلك ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، لأنه ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود: ( وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، بمعنى: والذين عبدوا الطاغوت= ففي ذلك دليل واضحٌ على صحة المعنى الذي ذكرنا من أنه مراد به: ومَن عبد الطاغوت، وأن النصب بـ" الطاغوت " أولى، على ما وصفت في القراءة، لإعمال " عبد " فيه، إذ كان الوجه الآخر غير مستفيض في العرب ولا معروف في كلامها.
على أن أهل العربية يستنكرون إعمال شيء في" مَنْ" و " الذي" المضمرين مع " مِنْ" و " في" إذا كفت " مِنْ" أو " في" منهما ويستقبحونه، حتى كان بعضهم يُحيل ذلك ولا يجيزه. وكان الذي يحيل ذلك يقرأه: ( وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )، فهو على قوله خطأ ولحن غير جائز.
وكان آخرون منهم يستجيزونه على قبح. فالواجب على قولهم أن تكون القراءة بذلك قبيحة. وهم مع استقباحهم ذلك في الكلام، قد اختاروا القراءة بها، وإعمال و " جعل " في" مَنْ"، وهي محذوفة مع " مِن ".
ولو كنا نستجيز مخالفة الجماعة في شيء مما جاءت به مجمعة عليه، لاخترنا القراءة بغير هاتين القراءتين، غير أن ما جاء به المسلمون مستفيضًا فيهم لا يتناكرونه، (37) فلا نستجيز الخروجَ منه إلى غيره. فلذلك لم نستجز القراءة بخلاف إحدى القراءتين اللتين ذكرنا أنهم لم يعدُوهما.
* * *
وإذ كانت القراءة عندنا ما ذكرنا، فتأويل الآية: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله، من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت.
* * *
وقد بينا معنى " الطاغوت " فيما مضى بشواهده من الروايات وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا. (38)
* * *
وأما قوله: " أولئك شر مكانًا وأضلُّ عن سواء السبيل "، فإنه يعني بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين ذكرهم تعالى ذكره، وهم الذين وصفَ صفتهم فقال: " من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت "، وكل ذلك من صفة اليهود من بني إسرائيل.
يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم=" شر مكانًا "، في عاجل الدنيا والآخرة عند الله ممن نَقَمتم عليهم، يا معشر اليهود، إيمانَهم بالله، وبما أنـزل إليهم من عند الله من الكتاب، وبما أنـزل إلى من قبلهم من الأنبياء=" وأضل عن سواء السبيل "، يقول تعالى ذكره: وأنتم مع ذلك، أيها اليهود، أشد أخذًا على غير الطريق القويم، وأجورُ عن سبيل الرشد والقصد منهم. (39)
* * *
قال أبو جعفر: وهذا من لَحْنِ الكلام. (40) وذلك أن الله تعالى ذكره إنما قصد بهذا الخبر إخبارَ اليهود الذين وصف صفتهم في الآيات قبل هذه، بقبيح فعالهم وذميم أخلاقهم، واستيجابهم سخطه بكثرة ذنوبهم ومعاصيهم، حتى مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، خطابًا منه لهم بذلك، تعريضًا بالجميل من الخطاب، ولَحَن لهم بما عَرَفوا معناه من الكلام بأحسن اللحن، (41) وعلَّم نبيه صلى الله عليه وسلم من الأدب أحسنه فقال له: قل لهم، يا محمد، أهؤلاء المؤمنون بالله وبكتبه الذين تستهزئون منهم، شرٌّ، أم من لعنه الله؟ وهو يعني المقولَ ذلك لهم.
----------------
الهوامش :
(13) انظر تفسير"مثوبة" فيما سلف 2: 458 ، 459.
(14) كان في المطبوعة: "غير أن العين لما سكنت نقلت حركتها إلى الفاء..." ، سقط صدر الكلام ، فغير ما كان في المخطوطة ، فأثبت ما أثبته بين القوسين ، استظهارًا من إشتقاق الكلمة. والذي كان في المخطوطة: "غير أن الفعل لما سقط نقلت حركتها إلى الفاء" ، سقط أيضًا صدر الكلام الذي أثبته بين القوسين ، وسقط أيضًا"عين" من قوله: "عين الفعل". وأخشى أن يكون سقط من الكلام غير هذا. انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، وذلك قراءة من قرأ"مثوبة" (بفتح فسكون ففتح).
(15) في المطبوعة: "محوزة" بالحاء والزاي وفي المخطوطة: "محوره ومصرفه" غير منقوطة. والصواب ما أثبت. ويأتي في بعض الكتب كالقرطبي 6: 243"مجوزة" بالجيم والزاي ، وكل ذلك خطأ ، صوابه ما أثبت. و"المحورة" من"المحاورة" ، مثل" المشورة" و"المشاورة" يقال: "ما جاءتني عنه محورة" ، أي: ما رجع إليّ عنه خبر. وحكى ثعلب: "اقض محورتك" ، أي الأمر الذي أنت فيه. ويقال فيها أيضًا: "محورة" (بفتح الميم وسكون الحاء) ومنه قول الشاعر:
لِحَاجَــةِ ذي بَــثٍّ ومَحْـوَرةٍ لَـهُ،
كَـفَى رَجْعُهَـا مِـنْ قِصَّـةِ المُتَكَـلِّمِ
(16) هو أبو جندب الهذلي.
(17) أشعار الهذليين 3: 92 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 170 ، واللسان (ضيف) (نصف) وغيرها كثير ، وبعده:
وَلَكِـنَّنيِ جَـمْرُ الغَضَـا مــن وَرَائِـهِ
يُخَــفِّرُنِي سَــيْفِي إذَا لَــمْ أُخَـفَّرِ
أَبَـى النَّـاسُ إلا الشَّـرَّ مِنِّـي، فَدَعْهُمُ
وَإيّــايَ مَــا جَـاءُوا إلَـيَّ بِمُنْكَـرِ
إذَا مَعْشَــرٌ يَوْمًــا بَغَـوْنِي بَغَيْتُهُـمُ
بِمُسْــقِطَةِ الأحْبَــالِ فَقْمَـاءَ قِنْطِـرِ
و"المضوفة" و"المضيفة" و"المضافة": الأمر يشفق منه الرجل. وبها جميعًا روى البيت."ضاف الرجل وأضاف": خاف. و"نصف الإزار ساقه": إذا بلغ نصفها. يريد بذلك اجتهاده في الدفاع عمن استجار به. وقوله: "ولكني جمر الغضا..." ، يقول: أتحرق في نصرته تحرقًا كأنه لهب باق من جمر الغضا. وقوله: "يخفرني سيفي...". يقول: سيفي خفيري إذا لم أجد لي خفيرًا ينصرني. وقوله: "مسقطة الأحبال": يريد: أعمد إليهم بداهية تسقط الحبالي من الرعب. و"فقماء". وصف للداهية المنكرة ، يذكر بشاعة منظرها يقال: "امرأة فقماء": وهي التي تدخل أسنانها العليا إلى الفم ، فلا تقع على الثنايا السفلى ، وهي مع ذلك مائلة الحنك. و"قنطر" هي الداهية ، وجاء بها هنا وصفًا ، وكأن معناها عندئذ أنها داهية تطبق عليه إطباقًا ، كالقنطرة التي يعبر عليها تطبق على الماء. ولم يذكر أصحاب اللغة هذا الاشتقاق ، وإنما هو اجتهاد مني في طلب المعنى.
وكان صدر البيت الشاهد في المخطوطة: "وكنت إذا جاي دعالم" ، ولم يتم البيت ، وأتمته المطبوعة.
(18) في المطبوعة والمخطوطة: "شر ثوابا" ، وليس في كتاب الله آية فيها"شر ثوابا" ، فأثبت آية الكهف التي استظهرت أن يكون قرأها ابن زيد في هذا الموضع. ونقل السيوطي في الدر المنثور 2: 295 ، وكتب: "وقرئ: بشر ثوابًا" ، ولم أجد هذه القراءة الشاذة ، فلذلك استظهرت ما أثبت. هذا ، وقد سقط من الترقيم رقم: 12222 سهوا.
(19) انظر هذا كله في معاني القرآن للفراء 1: 314.
(20) في المطبوعة: "فيجعل"أنبئكم" على ما في"من" واقعًا عليه" ، وفي المخطوطة: "فيجعل"أنبئكم" علامًا فيمن واقعًا عليه" ، وكلاهما فاسد ، وصواب قراءة ما أثبت ، ولكن أخطأ الناسخ كعادته في كتابته أحيانًا. و"الوقوع" التعدي ، كما سلف مرارًا ، انظر فهارس المصطلحات في الأجزاء السالفة.
(21) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 9: 213 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(22) انظر تفسير"غضب الله" فيما سلف 1: 188 ، 189/2: 138 ، 345/7: 116/9: 57.
(23) انظر ما سلف 2: 167- 172/8: 447 ، 448/ وما سيأتي في التفسير 9: 63- 70 (بولاق).
(24) في المخطوطة: "تدعوا الله" بحذف"إلى" ، والصواب ما في المطبوعة ، بدليل ما سيأتي بعد . وأما قوله: "واستجمعوا على الهلكة" فإنه يعني: قد أشرفت جمعاتهم على الهلاك بكفرهم.
(25) الأثر: 12223-"عمر بن كثير بن أفلح ، مولى أبي أيوب الأنصاري" ، روى عن كعب بن مالك ، وابن عمر ، وسفينة ، وغيرهم. وذكره ابن حبان في الثقات ، في أتباع التابعين. وقال ابن سعد: "كان ثقة ، له أحاديث". وقال ابن أبي حاتم: "روى عنه محمد بن بشر العبدي ، وحماد بن خالد الخياط ، وأبو عون الزيادي" ، غير أن أبا عون قال: "عمرو بن كثير بن أفلح" ، وهو وهم منه". وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا"عمرو بن كثير" ، فتابعت ابن أبي حاتم. وهو مترجم في التهذيب"عمر" ، وابن أبي حاتم 3/1/130.
(26) لم أعرف مكانه فيما سيأتي من التفسير ، فإذا عثرت عليه أثبته إن شاء الله. ولعل منه ما سيأتي في الآثار رقم: 12301- 12304. وانظر رقم: 7110.
(27) هو أوس بن حجر.
(28) ديوانه ، القصيدة: 5 ، البيت: 4 ، ومعاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315 ، واللسان (عبد) ، وقد مضى منها بيت فيما سلف ص: 275 ، وقبل البيت:
أَبَنِــي لُبَيْنِــيَ لَسْــتُ مُعْترِفًــا
لِيَكُــــونَ أَلأَمَ مِنْكُـــمُ أَحَـــدُ
(29) انظر معاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315.
(30) كان الأجود أن يقول: "كأنه جمع العبد عبادًا ، ثم جمع العباد عبدًا ، مثل ثمار وثمر" ، وهو ظاهر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 314.
(31) في المطبوعة: "أنه يقرؤه" بحذف"كان" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(32) في المطبوعة: "من الصحة" ، والصواب ما في المخطوطة.
(33) في المخطوطة: "وعابد الشيطان" ، وهو خطأ لا شك فيه ، صححته المطبوعة ، وانظر القراءات الشاذة لابن خالويه: 34.
(34) لم أعرف الراجز.
(35) معاني القرآن للفراء 1: 314 ، وقوله: "صرخد" جعلها الخمر الصرخدية نفسها. وأما أصحاب اللغة ، فيقولون: "صرخد" ، موضع بالشأم ، من عمل حوران ، تنسب إليه الخمر الجيدة.
(36) انظر ما سلف جميعه في معاني القرآن للفراء 1: 314 ، 315.
(37) في المطبوعة: "فهم لا يتناكرونه" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(38) انظر تفسير"الطاغوت" فيما سلف 5: 416- 419/8: 461-465 ، 507- 513 ، 546.
(39) انظر تفسير"الضلال" فيما سلف من فهارس اللغة.
= وتفسير"سواء السبيل" فيما سلف 10: 124 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(40) "اللحن" هنا بمعنى التعريض والإيماء ، عدولا عن تصريح القول. قال ابن بري: "للحن ستة معان: الخطأ في الإعراب ، واللغة ، والغناء ، والفطنة ، والتعريض ، والمعنى".
(41) أي: عرض لهم بأحسن التعريض والإيماء.
تفسير القرطبي :
قوله تعالى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك أي : بشر من نقمكم علينا ، وقيل : بشر ما تريدون لنا من المكروه ; وهذا جواب قولهم : ما نعرف دينا شرا من دينكم . مثوبة نصب على البيان وأصلها مفعولة فألقيت حركة الواو على الثاء فسكنت الواو وبعدها واو ساكنة فحذفت إحداهما لذلك ; ومثله مقولة ومجوزة ومضوفة على معنى المصدر ; كما قال الشاعر :
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة أشمر حتى ينصف الساق مئزري
وقيل : مفعلة كقولك مكرمة ومعقلة . من لعنه الله من في موضع رفع ; كما قال : بشر من ذلكم النار والتقدير هو لعن من لعنه الله ، ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى : قل هل أنبئكم بشر من ذلك من لعنه الله ، ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من ( شر ) والتقدير : هل أنبئكم بمن لعنه الله ; والمراد اليهود ، وقد تقدم القول في الطاغوت ، أي : وجعل منهم من عبد الطاغوت ، والموصول محذوف عند الفراء ، وقال البصريون : لا يجوز حذف الموصول ; والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت .
وقرأ ابن وثاب النخعي " وأنبئكم " بالتخفيف ، وقرأ حمزة : " عبد الطاغوت " بضم الباء وكسر التاء ; جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس وحذر ، وأصله الصفة ; ومنه قول النابغة :
من وحش وجرة موشي أكارعه طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
بضم الراء ونصبه ب جعل ; أي : جعل منهم عبدا للطاغوت ، وأضاف عبد إلى الطاغوت فخفضه ، وجعل بمعنى خلق ، والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت . وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء ; وجعلوه فعلا ماضيا ، وعطفوه على فعل ماض وهو غضب ولعن ; والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت ، أو منصوبا ب جعل ; أي : جعل منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت ، ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ من دون معناها . وقرأ أبي وابن مسعود " وعبدوا الطاغوت " على المعنى . ابن عباس : " وعبد الطاغوت " ، فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال : رهن ورهن ، وسقف وسقف ، ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال : مثال ومثل ، ويجوز أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف ، ويجوز أن يكون جمع عادل كبازل وبزل ; والمعنى : وخدم الطاغوت ، وعن ابن عباس أيضا " وعبد الطاغوت " جعله جمع عابد كما يقال شاهد وشهد وغايب وغيب ، وعن أبي واقد : وعباد الطاغوت للمبالغة ، جمع عابد أيضا ; كعامل وعمال ، وضارب وضراب ، وذكر محبوب أن البصريين قرءوا : ( وعباد الطاغوت ) جمع عابد أيضا ، كقائم وقيام ، ويجوز أن يكون جمع عبد . وقرأ أبو جعفر الرؤاسي ( وعبد الطاغوت ) على المفعول ، والتقدير : وعبد الطاغوت فيهم ، وقرأ عون العقيلي وابن بريدة : ( وعابد الطاغوت ) على التوحيد ، وهو يؤدي عن جماعة ، وقرأ ابن مسعود أيضا ( وعبد الطاغوت ) وعنه أيضا وأبي ( وعبدت الطاغوت ) على تأنيث الجماعة ; كما قال تعالى : قالت الأعراب وقرأ عبيد بن عمير : ( وأعبد الطاغوت ) مثل كلب وأكلب . فهذه اثنا عشر وجها .
قوله تعالى : أولئك شر مكانا لأن مكانهم النار ; وأما المؤمنون فلا شر في مكانهم ، وقال الزجاج : أولئك شر مكانا على قولكم . النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا لما لحقكم من الشر ، وقيل : أولئك الذين لعنهم الله شر مكانا من الذين نقموا عليكم ، وقيل : أولئك الذين نقموا عليكم شر مكانا من الذين لعنهم الله ، ولما نزلت هذه الآية قال المسلمون لهم : يا إخوة القردة والخنازير فنكسوا رءوسهم افتضاحا ، وفيهم يقول الشاعر :
فلعنة الله على اليهود إن اليهود إخوة القرود

تفسير البغوى :
ثم قال : ) ( قل ) يا محمد ، ) ( هل أنبئكم ) أخبركم ، ) ( بشر من ذلك ) الذي ذكرتم ، يعني قولهم لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم ، فذكر الجواب بلفظ الابتداء ، وإن لم يكن الابتداء شرا كقوله تعالى : قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ( الحج ، 72 ) ، ) ( مثوبة ) ثوابا وجزاء ، نصب على التفسير ، ( عند الله من لعنه الله ) أي : هو من لعنه الله ، ( وغضب عليه ) يعني : اليهود ، ( وجعل منهم القردة والخنازير ) فالقردة أصحاب السبت ، والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام .
وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الممسوخين كلاهما من أصحاب السبت ، فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير . ( وعبد الطاغوت ) أي : جعل منهم من عبد الطاغوت ، أي : أطاع الشيطان فيما سول له ، وتصديقها قراءة ابن مسعود : ومن عبدوا الطاغوت ، وقرأ حمزة " وعبد " بضم الباء " الطاغوت " بجر التاء ، أراد العبد وهما لغتان عبد بجزم الباء وعبد بضم الباء ، مثل سبع وسبع ، وقيل : هو جمع العباد ، وقرأ الحسن وعبد الطاغوت ، على الواحد ، ( أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ) أي : عن طريق الحق .

تفسير السعدى :
ولما كان قدحهم في المؤمنين يقتضي أنهم يعتقدون أنهم على شر، قال تعالى: { قُلْ ْ} لهم مخبرا عن شناعة ما كانوا عليه: { هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ ْ} الذي نقمتم فيه علينا، مع التنزل معكم. { مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ ْ} أي: أبعده عن رحمته { وَغَضِبَ عَلَيْهِ ْ} وعاقبه في الدنيا والآخرة { وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ْ} وهو الشيطان، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت. { أُولَئِكَ ْ} المذكورون بهذه الخصال القبيحة { شَرٌّ مَّكَانًا ْ} من المؤمنين الذين رحمة الله قريب منهم، ورضي الله عنهم وأثابهم في الدنيا والآخرة، لأنهم أخلصوا له الدين. وهذا النوع من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه وكذلك قوله: { وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ ْ} أي: وأبعد عن قصد السبيل.

تفسير بن عاشور :ثمّ اطّرد في التهكّم بهم والعَجببِ من أَفَن رأيهم مع تذكيرِهم بمساويهم فقال : { قل هل أنبّئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله } الخ . وشرّ اسم تفضيل ، أصله أشَرّ ، وهو للزيادة في الصفة ، حذفت همزته تخفيفاً لكثرة الاستعمال ، والزّيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف فتقتضي أنّ المسلمين لهم حظّ من الشرّ ، وإنّما جَرى هذا تهكّماً باليهود لأنّهم قالوا للمسلمين : لا دِينَ شَرّ من دينكم ، وهو ممّا عبّر عنه بفعل { تنقمون } . وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال : «قُلْتَ فأوْجبْت» .
والإشارة في قوله { من ذلك } إلى الإيمان في قوله : { هل تنقمون منّا إلا أن آمنّا بالله } الخ باعتبار أنّه منقوم على سبيللِ الفرض . والتّقدير : ولمّا كان شأن المنقوم أن يكون شرّاً بني عليه التهكّم في قوله : { هل أنبّئكم بشرّ من ذلك } ، أي ممّا هو أشدّ شرّاً .
والمثُوبة مشتقّة من ثَاب يثوب ، أي رجع ، فهي بوزن مفعولة ، سمّي بها الشيء الّذي يثوب به المرء إلى منزله إذا ناله جزاء عن عمللٍ عملَه أو سعْي سعاه ، وأصلها مثوب بها ، اعتبروا فيها التّأنيث على تأويلها بالعطيّة أو الجائزة ثمّ حذف المتعلّق لكثرة الاستعمال .
وأصلها مؤذن بأنّها لا تطلق إلاّ على شيء وجودي يعطاه العامل ويحمله معه ، فلا تطلق على الضّرْب والشتم لأنّ ذلك ليس ممّا يثُوب به المرء إلى منزله ، ولأنّ العرب إنّما يبْنون كلامهم على طباعهم وهم أهل كرم لنزيلهم ، فلا يريدون بالمثوبة إلاّ عطية نافعة . ويصحّ إطلاقها على الشيء النّفيس وعلى الشيء الحقير من كلّ ما يثوب به المعطَى . فَجَعْلها في هذه الآية تمييزاً لاسم الزيادة في الشرّ تهكّم لأنّ اللّغة والغضب والمسخ ليست مثوبات ، وذلك كقول عمرو بن كلثوم :
قَرَيْنَاكم فعجَّلْنَا قِراكم ... قُبَيْلَ الصبح مِرْداة طحونا
وقول عمرو بن معديكرب :
وخيللٍ قد دَلَفتُ لها بِخيْل ... تَحِيَّةُ بَيْنهم ضرْب وَجِيع
وقوله : { مَن لَعَنَهُ الله } مبْتدأ ، أريد به بيان من هو شرّ مثوبة . وفيه مضاف مقدّر دلّ عليه السياق . وتقديره : مثوبةُ مَنْ لَعنهُ الله . والعدول عن أن يقال : أنتم أو اليهودُ ، إلى الإتيان بالموصول للعِلم بالمعنيّ من الصلة ، لأنّ اليهود يعلمون أنّ أسلافاً منهم وقعت عليهم اللّعنة والغضب من عهد أنبيائهم ، ودلائله ثابتة في التّوراة وكتب أنبيائهم ، فالموصول كناية عنهم .
وأمّا جعلهم قردة وخنازير فقد تقدّم القول في حقيقته في سورة البقرة . وأمّا كونهم عبدوا الطاغوت فهو إذ عبدوا الأصنام بعد أن كانوا أهل توحيد فمن ذلك عبادتهم العِجل .
والطاغوت : الأصنام ، وتقدّم عند قوله تعالى : { يؤمنون بالجبت والطاغوت } في سورة النّساء ( 51 ) .
وقرأ الجمهور { وعبدَ الطاغوتَ } بصيغة فعل المضيّ في { عبد } وبفتح التّاء من { الطاغوت } على أنّه مفعول { عبد } ، وهو معطوف على الصّلة في قوله { من لَعنهُ الله } ، أي ومن عبدوا الطاغوت . وقرأه حمزة وحْده بفتح العين وضمّ الموحّدة وفتح الدّال وبكسر الفوقيّة من كلمة الطاغوت على أن «عَبُد» جمع عَبْد ، وهو جمع سماعي قليل ، وهو على هذه القراءة معطوف على { القردة والخنازير } .
والمقصود من ذكر ذلك هنا تعيير اليهود المجادلين للمسلمين بمساوي أسلافهم إبكاتاً لهم عن التطاول . على أنّه إذا كانت تلك شنشنتهم أزمانَ قيام الرسل والنبيئين بين ظهرانَيْهم فهم فيما بعد ذلك أسوأ حالاً وأجدر بكونهم شرّاً ، فيكون الكلام من ذمّ القبيل كلّه . على أنّ كثيراً من موجبات اللّعنة والغضب والمسخ قد ارتكبتها الأخلاف ، على أنّهم شتموا المسلمين بما زعموا أنّه دينهم فيحقّ شتمهم بما نعتقده فيهم .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2015, 12:18 AM   رقم المشاركة :[14]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

يقول صاحب الظلال الشهيد _ باذن الله _ سيد قطب رحمه الله :
وهنا تطالعنا سحنة يهود , وتاريخ يهود !

إنهم هم الذين لعنهم الله وغضب عليهم , وجعل منهم القردة والخنازير . إنهم هم الذين عبدوا الطاغوت . . وقصة لعنة الله لهم وغضبه عليهم واردة في مواضع شتى من القرآن الكريم ; وكذلك قصة جعله منهم القردة والخنازير . . فأما قضية عبادتهم للطاغوت , فتحتاج إلى بيان هنا , لأنها لفتة ذات دلالة خاصة في سياق هذه السورة . .

إن الطاغوت هو كل سلطان لا يستمد من سلطان الله , وكل حكم لا يقوم على شريعة الله , وكل عدوان يتجاوز الحق . . والعدوان على سلطان الله وألوهيته وحاكميته هو أشنع العدوان وأشده طغيانا , وأدخله في معنى الطاغوت لفظا ومعنى . .وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان ; ولكن اتبعوا شرعهم وتركوا شريعة الله . فسماهم الله عبادا لهم ; وسماهم مشركين . . وهذه اللفتة هنا ملحوظ فيها ذلك المعنى الدقيق . فهم عبدوا الطاغوت . . أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها . . وهم لم يعبدوها بمعنى السجود لها والركوع , ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة . وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله .

والله - سبحانه - يوجه رسوله [ ص ] لمجابهة أهل الكتاب بهذا التاريخ , وبذلك الجزاء الذي استحقوه من الله على هذا التاريخ . . كأنما هم جيل واحد بما أنهم جبلة واحدة . . يوجهه ليقول لهم:إن هذا شر عاقبة:.

(قل:هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله). .

أي شر من نقمة أهل الكتاب على المسلمين , وما يكيدون لهم وما يؤذونهم بسبب إيمانهم . وأين نقمة البشر الضعاف من نقمة الله وعذابه , وحكمه على أهل الكتاب بالشر والضلال عن سواء السبيل:

(أولئك شر مكانا , وأضل عن سواء السبيل). .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2015, 12:29 AM   رقم المشاركة :[15]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

سابعا يقول تعالى في سورة النحل : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)
تفسير بن كثير :
وبعث في كل أمة رسولا أي : في كل قرن من الناس وطائفة رسولا وكلهم يدعو إلى عبادة الله ، وينهى عن عبادة ما سواه : ( أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك ، منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح ، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب ، وكلهم كما قال الله تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) [ الزخرف : 45 ] وقال تعالى في هذه الآية الكريمة : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول : ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ) فمشيئته تعالى الشرعية منتفية ; لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله ، وأما مشيئته الكونية - وهي تمكينهم من ذلك قدرا - فلا حجة لهم فيها ؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة ، وهو لا يرضى لعباده الكفر ، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة .
ثم إنه تعالى قد أخبر أنه عير عليهم ، وأنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل ; فلهذا قال : ( فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف ( دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) [ محمد : 10 ] ( ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ) [ الملك : 18 ] .

تفسير الطبري :
يقول تعالى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس في كلّ أمة سلفت قبلكم رسولا كما بعثنا فيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له ، وأفردوا له الطاعة ، وأخلصوا له العبادة ( وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم ، ويصدكم عن سبيل الله ، فتضلوا ، ( فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ) يقول: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هدى الله، فوفَّقه لتصديق رسله ، والقبول منها ، والإيمان بالله ، والعمل بطاعته، ففاز وأفلح ، ونجا من عذاب الله ( وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ ) يقول: وممن بعثنا رسلنا إليه من الأمم آخرون حقَّت عليهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله وكذّبوا رسله ، واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه ، وأنـزل عليهم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين ، ( فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) يقول تعالى ذكره لمشركي قريش: إن كنتم أيها الناس غير مصدّقي رسولنا فيما يخبركم به عن هؤلاء الأمم الذين حلّ بهم ما حلّ من بأسنا بكفرهم بالله ، وتكذيبهم رسوله، فسيروا في الأرض التي كانوا يسكنونها ، والبلاد التي كانوا يعمرونها ، فانظروا إلى آثار الله فيهم ، وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم ، فإنكم ترون حقيقة ذلك ، وتعلمون به صحة الخبر الذي يخبركم به محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير القرطبي :
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)
قوله : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين
قوله تعالى : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله أي بأن اعبدوا الله ووحدوه .
واجتنبوا الطاغوت أي اتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم ، وكل من دعا إلى الضلال .
فمنهم من هدى الله أي أرشده إلى دينه وعبادته .
ومنهم من حقت عليه الضلالة أي بالقضاء السابق عليه حتى مات على كفره ، وهذا يرد على القدرية ; لأنهم زعموا أن الله هدى الناس كلهم ووفقهم للهدى ، والله - تعالى - يقول : فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة وقد تقدم هذا في غير موضع
فسيروا في الأرض أي فسيروا معتبرين في الأرض
فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي كيف صار آخر أمرهم إلى الخراب والعذاب والهلاك .

تفسير البغوى :
( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ) أي : كما بعثنا فيكم ، ( أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) وهو كل معبود من دون الله ، ( فمنهم من هدى الله ) أي : هداه الله إلى دينه ، ( ومنهم من حقت عليه الضلالة ) أي : وجبت بالقضاء السابق حتى مات على كفره ، ( فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) أي : مآل أمرهم ، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك .

تفسير السعدى :
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)
يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له { أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ْ} فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل وعدمها قسمين، { فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ْ} فاتبعوا المرسلين علما وعملا، { وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ْ} فاتبع سبيل الغي.
{ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ْ} بأبدانكم وقلوبكم { فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ْ} فإنكم سترون من ذلك العجائب، فلا تجدون مكذبا إلا كان عاقبته الهلاك.

تفسير بن عاشور :
عطف على جملة { كذلك فعل الذين من قبلهم } [ سورة النحل : 35 ]. وهو تكملة لإبطال شبهة المشركين إبطالاً بطريقة التفصيل بعد الإجمال لزيادة تقرير الحجّة ، فقوله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة } بيان لمضمون جملة { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } [ النحل : 35 ].
وجملة فمنهم من هدى الله إلى آخرها بيان لمضمون جملة { كذلك فعل الذين من قبلهم }.
والمعنى : أن الله بيّن للأمم على ألسنة الرسل عليهم السلام أنّه يأمرهم بعبادته واجتناب عبادة الأصنام؛ فمن كل أمّة أقوام هداهم الله فصدّقوا وآمنوا ، ومنهم أقوام تمكّنت منهم الضلالة فهلكوا . ومن سار في الأرض رأى دلائل استئصالهم .
و { أن } تفسيرية لجملة { بعثنا } لأنّ البعث يتضمّن معنى القول ، إذ هو بعث للتبليغ .
و { الطاغوت } : جنس ما يعبد من دون الله من الأصنام . وقد يذكرونه بصيغة الجمع ، فيقال : الطواغيت ، وهي الأصنام . وتقدّم عند قوله تعالى : { يؤمنون بالجبت والطاغوت } في سورة النساء ( 51 ).
وأسندت هداية بعضهم إلى الله مع أنه أمر جميعهم بالهدى تنبيهاً للمشركين على إزالة شبهتهم في قولهم : { لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء } [ سورة النحل : 35 ] بأن الله بيّن لهم الهُدى ، فاهتداء المهتدين بسبب بيانه ، فهو الهادي لهم .
والتّعبير في جانب الضلالة بلفظ حقّت عليهم دون إسناد الإضلال إلى الله إشارة إلى أن الله لما نهاهم عن الضلالة فقد كان تصميمهم عليها إبقاء لضلالتهم السابقة فحقّت عليهم الضلالة ، أي ثبتت ولم ترتفع .
وفي ذلك إيماء إلى أن بقاء الضلالة من كسب أنفسهم؛ ولكن ورد في آيات أخرى أن الله يضلّ الضالّين ، كما في قوله : { ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً } [ سورة الأنعام : 125 ] ، وقوله عقب هذا { فإن الله لا يهدي من يضلّ } [ سورة النحل : 37 ] على قراءة الجمهور ، ليحصل من مجموع ذلك علم بأن الله كَوّنَ أسباباً عديدة بعضها جاءٍ من توالد العقول والأمزجة واقتباس بعضها من بعض ، وبعضها تابع للدعوات الضالّة بحيث تهيّأت من اجتماع أمور شتّى لا يحصيها إلا الله ، أسباب تامّة تحول بين الضالّ وبين الهدى . فلا جرم كانت تلك الأسباب هي سبب حقّ الضلالة عليهم ، فباعتبار الأسباب المباشرة كان ضلالهم من حالات أنفسهم ، وباعتبار الأسباب العالية المتوالدة كان ضلالهم من لدن خالق تلك الأسباب وخالق نواميسها في متقادم العصور . فافْهَم .
ثم فرّع على ذلك الأمَر بالسير في الأرض لينظروا آثار الأمم فيروا منها آثار استئصال مخالف لأحوال الفناء المعتاد ، ولذلك كان الاستدلال بها متوقّفاً على السير في الأرض ، ولو كان المراد مطلق الفناء لأمرهم بمشاهدة المقابر وذكر السّلف الأوائل .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2015, 12:35 AM   رقم المشاركة :[16]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

يقول صاحب الظلال الشهيد _باذن الله_ سيد قطب رحمه الله :
إنهم يحيلون شركهم وعبادتهم آلهة من دون الله هم وآباؤهم , وأوهام الوثنية التي يزاولونها من تحريمهم لبعض الذبائح وبعض الأطعمة على أنفسهم بغير شريعة من الله . . إنهم يحيلون هذا كله على إرادة الله ومشيئته . فلو شاء الله - في زعمهم - ألا يفعلوا شيئا من هذا لمنعهم من فعله .

وهذا وهم وخطأ في فهم معنى المشيئة الإلهية . وتجريد للإنسان من أهم خصائصه التي وهبها له الله لاستخدامها في الحياة .

فالله سبحانه لا يريد لعباده الشرك , ولا يرضى لهم أن يحرموا ما أحله لهم من الطيبات . وإرادته هذه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه , على ألسنة الرسل الذين كلفوا التبليغ وحده فقاموا به وأدوه: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)فهذا أمره وهذه إرادته لعباده . والله - تعالى - لا يأمر الناس بأمر يعلم أنه منعهم خلقة من القدرة عليه , أو دفعهم قسرا إلى مخالفته . وآية عدم رضاه عن مخالفة أمره هذا ما أخذ به المكذبين (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين).

إنما شاءت إرادة الخالق الحكيم أن يخلق البشر باستعداد للهدى وللضلال , وأن يدع مشيئتهم حرة في اختيار أي الطريقين ; ومنحهم بعد ذلك العقل يرجحون به أحد الاتجاهين , بعد ما بث في الكون من آيات الهدى ما يلمس العين والأذن والحس والقلب والعقل حيثما اتجهت آناء الليل وأطراف النهار . . ثم شاءت رحمة الله بعباده بعد هذا كله ألا يدعهم لهذا العقل وحده , فوضع لهذا العقل ميزانا ثابتا في شرائعه التي (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت). .

ففريق استجاب: (فمنهم من هدى الله)وفريق شرد في طريق الضلال (ومنهم من حقت عليه الضلالة). . وهذا الفريق وذلك كلاهما لم يخرج على مشيئة الله , وكلاهما لم يقسره الله قسرا على هدى أو ضلال , إنما سلك طريقه الذي شاءت إرادة الله أن تجعل إرادته حرة في سلوكه , بعد ما زودته بمعالم الطريق في نفسه وفي الآفاق .

كذلك ينفي القرآن الكريم بهذا النص وهم الإجبار الذي لوح به المشركون , والذي يستند إليه كثير من العصاة والمنحرفين . والعقيدة الإسلامية عقيدة ناصعة واضحة في هذه النقطة . فالله يأمر عباده بالخير وينهاهم عن الشر , ويعاقب المذنبين أحيانا في الدنيا عقوبات ظاهرة يتضح فيها غضبه عليهم . فلا مجال بعد هذا لأن يقال:إن إرادة الله تتدخل لترغمهم على الانحراف ثم يعاقبهم عليه الله ! إنما هم متروكون لاختيار طريقهم وهذه هي إرادة الله . وكل ما يصدر عنهم من خير أو شر . من هدى ومن ضلال . يتم وفق مشيئة الله على هذا المعنى الذي فصلناه .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2015, 12:44 AM   رقم المشاركة :[17]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

ثامنا يقول تعالى في سوة الزمر :وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ (17)
تفسير بن كثير :
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه : ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ) نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل ، وأبي ذر ، وسلمان الفارسي .
والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ، ممن اجتنب عبادة الأوثان ، وأناب إلى عبادة الرحمن . فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة .

تفسير الطبري :
وقوله: ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ) : أي اجتنبوا عبادة كلّ ما عبد من دون الله من شيء. وقد بيَّنا معنى الطاغوت فيما مضى قبل بشواهد ذلك, وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع, وذكرنا أنه في هذا الموضع: الشيطان, وهو في هذا الموضع وغيره بمعنى واحد عندنا.
ذكر من قال ما ذكرنا في هذا الموضع:
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ ) قال: الشيطان.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا ) قال: الشيطان.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا ) قال: الشيطان هو ها هنا واحد وهي جماعة.
والطاغوت على قول ابن زيد هذا واحد مؤنث, ولذلك قيل: أن يعبدوها. وقيل: إنما أُنثت لأنها في معنى جماعة.
وقوله: ( وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ ) يقول: وتابوا إلى الله ورجعوا إلى الإقرار بتوحيده, والعمل بطاعته, والبراءة مما سواه من الآلهة والأنداد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا زيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ ) : وأقبلوا إلى الله.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ ) قال: أجابوا إليه.
وقوله: ( لَهُمُ الْبُشْرَى ) يقول: لهم البشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة ( فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ ) يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: فبشر يا محمد عبادي الذين يستمعون القول من القائلين, فيتبعون أرشده وأهداه, وأدله على توحيد الله, والعمل بطاعته, ويتركون ما سوى ذلك من القول الذي لا يدل على رشاد, ولا يهدي إلى سداد.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) وأحسنه طاعة الله.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) قال: أحسن ما يؤمرون به فيعلمون به.

تفسير القرطبي :
قوله تعالى : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها قال الأخفش : الطاغوت جمع ويجوز أن تكون واحدة مؤنثة . وقد تقدم . أي : تباعدوا من الطاغوت وكانوا منها على جانب فلم يعبدوها . قال مجاهد وابن زيد : هو الشيطان . وقال الضحاك والسدي : هو الأوثان . وقيل : إنه الكاهن . وقيل : إنه اسم أعجمي مثل طالوت وجالوت وهاروت وماروت . وقيل : إنه اسم عربي مشتق من الطغيان ، و " أن " في موضع نصب بدلا من الطاغوت ، تقديره : والذين اجتنبوا عبادة الطاغوت .
وأنابوا إلى الله أي رجعوا إلى عبادته وطاعته . " لهم البشرى " في الحياة الدنيا بالجنة في العقبى . روي أنها نزلت في عثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير - رضي الله عنهم ، سألوا أبا بكر - رضي الله عنه - فأخبرهم بإيمانه فآمنوا . وقيل : نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وغيرهما ممن وحد الله تعالى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم .

تفسير البغوى :
( والذين اجتنبوا الطاغوت ) الأوثان ( أن يعبدوها وأنابوا إلى الله ) رجعوا إلى عبادة الله ، ( لهم البشرى ) في الدنيا ، والجنة في العقبى ) ( فبشر عباد ) .
تفسير السعدى :
لما ذكر حال المجرمين ذكر حال المنيبين وثوابهم، فقال: { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا } والمراد بالطاغوت في هذا الموضع، عبادة غير اللّه، فاجتنبوها في عبادتها. وهذا من أحسن الاحتراز من الحكيم العليم، لأن المدح إنما يتناول المجتنب لها في عبادتها.
{ وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ } بعبادته وإخلاص الدين له، فانصرفت دواعيهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، ومن الشرك والمعاصي إلى التوحيد والطاعات، { لَهُمُ الْبُشْرَى } التي لا يقادر قدرها، ولا يعلم وصفها، إلا من أكرمهم بها، وهذا شامل للبشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والعناية الربانية من اللّه، التي يرون في خلالها، أنه مريد لإكرامهم في الدنيا والآخرة، ولهم البشرى في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، من دوام رضوانه وبره وإحسانه وحلول أمانه في الجنة.
ولما أخبر أن لهم البشرى، أمره اللّه ببشارتهم، وذكر الوصف الذي استحقوا به البشارة فقال: { فَبَشِّرْ عِبَادِ}

تفسير بن عاشور : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) لما انتهى تهديد المشركين وموعظة الخلائق أجمعين ثُني عنان الخطاب إلى جانب المؤمنين فيما يختص بهم من البشارة مقابلة لنذارة المشركين . والجملة معطوفة على جملة { قُلْ إنَّ الخاسرين الذين خسِرُوا أنفسهم } [ الزمر : 15 ] الآية .
والتعبير عن المؤمنين ب { الذين اجتنبوا الطاغوت } لما في الصلة من الإِيماء إلى وجه بناء الخبر وهو { لهُمُ البشرى } ، وهذا مقابل قوله : { ذلك يُخوفُ الله به عِباده } [ الزمر : 16 ] .
والطاغوت : مصدر أو اسم مصدر طَغا على وزن فَعَلُوت بتحريك العين بوزن رَحموتٍ وملوكت . وفي أصله لغتان الواو والياء لقولهم : طغا طُغُوًّا مثل علوّ ، وقولهم : طغوان وطغيان . وظاهر «القاموس» أنه واوي ، وإذ كانت لامه حرف علة ووقعت بعدها واوُ زِنةِ فَعلوت استثقلت الضمة عليها فقدموها على العين ليتأتّى قلبها ألفاً حيث تحركت وانفتح ما قبلها فصار طاغوت بوزن فَلَعُوت بتحريك اللام وتاؤُه زائدة للمبالغة في المصدر .
ومن العلماء من جعل الطاغوت اسماً أعجمياً على وزن فَاعول مثل جالوت وطالوت وهارون ، وذكره في «الإِتقان» فيما وقع في القرآن من المعرّب وقال : إنه الكاهن بالحبشية . واستدركه ابن حجر فيما زاده على أبيات ابن السبكي في الألفاظ المعرَّبة الواقعة في القرآن ، وقد تقدم ذكره بأخصر مما هنا عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت } في سورة [ النساء : 51 ] .
وأُطلق الطاغوت في القرآن والسنة على القوي في الكفر أوْ الظلم ، فأطلق على الصّنم ، وعلى جماعة الأصنام ، وعلى رئيس أهل الكفر مثل كعب بن الأشرف . وأما جمعه على طواغيت فذلك على تغليب الاسمية علماً بالغلبة إذ جعل الطاغوت لواحد الأصنام وهو قليل ، وهو هنا مراد به جماعة الأصنام وقد أجرى عليه ضمير المؤنث في قوله : { أن يعْبُدُوهَا } باعتبار أنه جمع لغير العاقل ، وأجري عليه ضمير جماعة الذكور في قوله تعالى : { والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } في سورة [ البقرة : 257 ] باعتبار أنه وقع خبراً عن الأولياء وهو جمع مذكر ، وباعتبار تنزيلها منزلة العقلاء في زعم عبادها . و { أن يعبُدُوها } بدل من { الطَّاغُوتَ } بدل اشتمال .
والإِنابة : التوبة وتقدمت في قوله : { إن إبراهيم لحليم أواه منيب } في سورة [ هود : 75 ] . والمراد بها هنا التوبة من كل ذنب ومعصية وأعلاها التوبة من الشرك الذي كانوا عليه في الجاهلية .
والبشرى : البشارة ، وهي الإِخبار بحصول نفع ، وتقدمت في قوله تعالى : { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } في سورة [ يونس : 64 ] . والمراد بها هنا : البشرى بالجنة .
وفي تقديم المسند من قوله : { لهُمُ البشرى } إفادة القصر وهو مثل القصر في { أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب } .
وفرع على قوله : { لهُمُ البُشْرى } قوله : { فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه } وهم الذين اجتنبوا الطاغوت ، فعدل عن الإِتيان بضميرهم بأن يقال : فبشرهم ، إلى الإِظهار باسم العِباد مضاف إلى ضمير الله تعالى ، وبالصلة لزيادة مدحهم بصفتين أخريين وهما : صفة العبودية لله ، أي عبودية التقرب ، وصفة استماع القول واتباع أحسنه .
وقرأ العشرة ما عدا السوسي رَاويَ أبي عمرو كلمة { عبادِ بكسر الدال دون ياء وهو تخفيف واجْتزاء بوجود الكسرة على الدال . وقرأها السوسي بياء بعد الدال مفتوحة في الوصل وساكنة في الوقف ، ونقل عنه حذف الياء في حالة الوقف وهما وجهان صحيحان في العربية كما في التسهيل } ، لكن اتفقت المصاحف على كتابة { عبادِ هنا بدون ياء بعد الدال وذلك يوهن قراءة السوسي إلاّ أن يتأول لها بأنها من قبيل الأداء .
والتعريف في القَوْلَ } تعريف الجنس ، أي يستمعون الأقوال مما يدعو إلى الهدى مثلَ القرآن وإرشادَ الرسول صلى الله عليه وسلم ويستمعون الأقوال التي يريد أهلها صرفهم عن الإِيمان من ترهات أيمة الكفر فإذا استمعوا ذلك اتبعوا أحسنه وهو ما يدعو إلى الحق .
والمراد : يتبعون القول الحسن من تلك الأقوال ، فاسم التفضيل هنا ليس مستعملاً في تفاوت الموصوف به في الفضل على غيره فهو للدلالة على قوة الوصف ، مثل قوله تعالى : { قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } [ يوسف : 33 ] . أثنى الله عليهم بأنهم أهل نقد يميزون بين الهدى والضلال والحكمة والأوهام نُظّار في الأدلة الحقيقية نُقّاد للأدلة السفسطائية . وفي الموصول إيماء إلى أن اتباع أحسن القول سبب في حصول هداية الله إياهم .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2015, 12:48 AM   رقم المشاركة :[18]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

ويقول صاحب الظلال الشهيد _باذن الله _سيد قطب رحمه الله :

والطاغوت صياغة من الطغيان ; نحو ملكوت وعظموت ورحموت . تفيد المبالغة والضخامة . والطاغوت كل ما طغا وتجاوز الحد . والذين اجتنبوا عبادتها هم الذين اجتنبوا عبادة غير المعبود في أية صورة من صور العبادة . وهم الذين أنابوا إلى ربهم . وعادوا إليه , ووقفوا في مقام العبودية له وحده .

هؤلاء (لهم البشرى)صادرة إليهم من الملأ الأعلى . والرسول [ ص ] يبلغها لهم بأمر الله: (فبشر عباد). . إنها البشرى العلوية يحملها إليهم رسول كريم . وهذا وحده نعيم !
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2015, 12:54 AM   رقم المشاركة :[19]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

نكمل في المرة القادمة ان كان هناك في العمر بقية باذن الله واستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-06-2015, 05:13 AM   رقم المشاركة :[20]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

جزاك الله خيراً
ونفع الناس بما نقلت ...ونفعك بالأجر في ميزان حسناتك
هديٌ طيب .. وتذكير للغافلين
رحم الله والديك
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-06-2015, 11:46 PM   رقم المشاركة :[21]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

اللهم ءامين
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-06-2015, 12:30 AM   رقم المشاركة :[22]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم ( 256 ) )

التفسير الكبير المسمى البحر المحيط
أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي

وحكى الطبري يطغو إذا جاوز الحد بزيادة عليه ، ووزنه الأصلي : فعلوت ، قلب إذ أصله : طغووت ، فجعلت اللام مكان العين ، والعين مكان اللام ، فصار طوغوت ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، فصار طاغوت ، ومذهب أبي علي أنه مصدر كرهبوت وجبروت ، وهو يوصف به الواحد والجمع ، ومذهب سيبويه أنه اسم مفرد كأنه اسم جنس يقع للكثير والقليل ، وزعم أبو العباس أنه جمع ، وزعم بعضهم أن التاء في طاغوت بدل من لام الكلمة ، ووزنه فاعول . العروة : موضع الإمساك وشد الأيدي والتعلق ، والعروة شجرة تبقى على الجذب لأن الإبل تتعلق بها في الخصب من : عروته : ألممت به متعلقا ، واعتراه ألم : تعلق به . الانفصام : الانقطاع ، وقيل : الانكسار من غير بينونة ، والقصم بالقاف الكسر ببينونة ، وقد يجيء الفصم بالفاء في معنى البينونة .
تفسير المنار لمحمد رشيد رضا : والطاغوت : مصدر الطغيان ومبعثه ، وهو مجاوزة الحد في الشيء وهو صيغة مبالغة كالملكوت من الملك ، أو مصدر . ويصح فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع بحسب المعنى . والعروة من الدلو والكوز : المقبض ، ومن الثوب : مدخل الزر ، ومن الشجر : الملتف الذي تشتو فيه الإبل فتأكل منه حيث لا كلأ ولا نبات ، أو هو ما لا يسقط ورقه كالأراك والسدر ، أو ما له أصل باق في الأرض . أقوال يدل مجموعها على أن العروة هي ما يمكن الانتفاع به من الشجر في كل فصل لثباته وبقائه . وقالوا : إذا أمحل الناس عصمت العروة الماشية ; يعنون ما له أصل باق كالنصي والعرفج وأجناس الخلة والحمض . والوثقى : مؤنث الأوثق ، وهو الأشد الأحكم ، والموثق من الشجر : ما يعول عليه الناس إذا انقطع الكلأ والشجر . وأرض وثيقة : كثيرة العشب يوثق بها . والانفصام : الانكسار والانقطاع ، مطاوع فصمه ، أي كسره أو قطعه ولم يبنه .
فمن يكفر بالطاغوت وهو كل ما تكون عبادته والإيمان به سببا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق يعبد ، ورئيس يقلد ، وهوى يتبع ، ويؤمن بالله فلا يعبد إلا إياه ، ولا يرجو غيره ولا يخشى سواه ، يرجوه ويخشاه لذاته ، وبمناسبة من الأسباب والسنن في عباده فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها أقول : أي فقد طلب أو تحرى باعتقاده وعمله أن يكون ممسكا بأوثق عرى النجاة ، وأثبت أسباب الحياة ، أو فقد اعتصم بأوثق العرى ، وبالغ في التمسك بها ، وقال الأستاذ الإمام : الاستمساك بالعروة الوثقى هو الاستقامة على طريق الحق القويم الذي لا يضل سالكه ، كما أن المتعلق بعروة هي أوثق العرى وأحكمها فمثلا لا يقع ولا يتفلت ، وقد حذف لفظ التي وذلك معروف عن العرب في مثل هذا الكلام ، وأقول : أفاد كلامه أن العروة في الآية مستعارة من عروة الثوب ويناسبه الانفصام ، ولعل الأقرب أن يراد بها عروة الشجر والنبات فهي التي لا ينقطع مددها بالقحط والجدب ، كأنه يقول : إن المبالغ بالتمسك بهذا الحق والرشد كمن يأوي بنعمه إلى ذلك الشجر والنبات الذي لا ينقطع مدده ، ولا يفنى علفه ، فإذا نزل الجدب والقحط بمن يعتمدون على الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، كان هو معتصما بالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، أي إن صاحب هذه العروة يجد فيها السعادة الدائمة دون غيره . ومما خطر لي عند الكتابة الآن : أن عروة الإيمان إذا كانت لا تنقطع بالمستمسك بها فهو لا يخشى عليه الهلكة إلا إذا كان هو الذي تركها ، فإذا كان الإيمان بالله وما يتبعه من الآثار في صفات صاحبه وأعماله من أسباب الثبات والاستقرار في الوجود - لأنه هو الحق والخير الموافق لمصالح العالم - فلا شك أن شدة التمسك به هي العصمة من الهلاك والسبب الأقوى للثبات والاستقرار في الملك والسيادة والسعة في هذه الحياة الدنيا ، وللبقاء الأبدي في الحياة الأخرى . والتعبير بالاستمساك يدل على أن من لم يكفر بجميع مناشئ الطغيان ، ويعتصم بالحق اليقين من أصول الإيمان ، فهو لا يعد مستمسكا بالعروة الوثقى وإن انتمى في الظاهر إلى أهلها ، أو إلى ما بها إلمام الممسك بها ، فالعبرة بالاعتصام والاستمساك الحقيقي ، لا بمجرد الأخذ الضعيف الصوري ، والانتماء القولي والتقليدي ، والله سميع لأقوال مدعي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله بألسنتهم عليم بما تكنه قلوبهم مما يصدق ذلك أو يكذبه ، فهو يجزيهم وصفهم . فمن شهد بقوة إيمانه جميع الأسباب والسنن الكونية مسخرة بحكمة الله - تعالى - مسيرة بقدرته ، وأنه لا تأثير لسواها إلا لواضعها والفاعل بها - فهو المؤمن حقا ، وله جزاء المستمسك بالعروة الوثقى ، ومن كان منطويا على شيء من نزغات الوثنية ، ناحلا ما جهل سره من عجائب الخلق قوة غير طبيعية ، يتقرب إليها أو يتقرب بها إلى الله زلفى ، فهو غير معتصم بالعروة الوثقى ، وله جزاء الكافرين الذين يقولون آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين .

التفسير الكبير
الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين

فقد قال النحويون : الطاغوت وزنه فعلوت ، نحو جبروت ، والتاء زائدة وهي مشتقة من طغا ، وتقديره طغووت ، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين كعادتهم في القلب ، نحو : الصاقعة والصاعقة ، ثم قلبت الواو ألفا لوقوعها في موضع حركة وانفتاح ما قبلها ، قال المبرد في الطاغوت : الأصوب عندي أنه جمع ، قال أبو علي الفارسي : وليس الأمر عندنا كذلك ، وذلك لأن الطاغوت مصدر كالرغبوت والرهبوت والملكوت ، فكما أن هذه الأسماء آحاد ، كذلك هذا الاسم مفرد وليس بجمع ، ومما يدل على أنه مصدر مفرد قوله : ( أولياؤهم الطاغوت ) [البقرة : 257] فأفرد في موضع الجمع ، كما يقال : هم رضا ، هم عدل ، قالوا : وهذا اللفظ يقع على الواحد وعلى الجمع ، أما في الواحد فكما في قوله تعالى : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) [النساء : 60] وأما في الجمع فكما في [ ص: 15 ] قوله تعالى : ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) [البقرة : 257] وقالوا : الأصل فيه التذكير ، فأما قوله : ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ) [الزمر : 17] فإنما أنثت إرادة الآلهة .

إذا عرفت هذا فنقول : ذكر المفسرون فيه خمسة أقوال :

الأول : قال عمر ومجاهد وقتادة : هو الشيطان .

الثاني : قال سعيد بن جبير : الكاهن .

الثالث : قال أبو العالية : هو الساحر .

الرابع : قال بعضهم : الأصنام .

الخامس : أنه مردة الجن والإنس وكل ما يطغى .

والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسبابا للطغيان كما في قوله : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [إبراهيم : 36] .

أما قوله : ( ويؤمن بالله ) ففيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر من أن يتوب أولا عن الكفر ، ثم يؤمن بعد ذلك .

أما قوله : ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) فاعلم أنه يقال : استمسك بالشيء إذا تمسك به ، والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز ، وإنما سميت بذلك لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به ، والوثقى تأنيث الأوثق ، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول ؛ لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته ، فكذا ههنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها ، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى .

أما قوله : ( لا انفصام لها ) ففيه مسائل :

المسألة الأولى : الفصم كسر الشيء من غير إبانة ، والانفصام مطاوع الفصم ، فصمته فانفصم ، والمقصود من هذا اللفظ المبالغة ؛ لأنه إذا لم يكن لها انفصام ، فأن لا يكون لها انقطاع أولى .

المسألة الثانية : قال النحويون : نظم الآية : بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والعرب تضمر " التي " و " الذي " و " من " وتكتفي بصلاتها منها ، قال سلامة بن جندل :


والعاديات أسامي للدماء بها كأن أعناقها أنصاب ترحيب


يريد : العاديات التي ، قال الله : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) [الصافات : 164] أي : من له .

ثم قال : ( والله سميع عليم ) وفيه قولان :

القول الأول : أنه تعالى يسمع قول من يتكلم بالشهادتين ، وقول من يتكلم بالكفر ، ويعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطاهر ، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث .

والقول الثاني : روى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة ، وكان يسأل الله تعالى ذلك سرا وعلانية ، فمعنى قوله : ( والله سميع عليم ) يريد لدعائك يا محمد بحرصك عليه واجتهادك .

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية
محمد بن علي بن محمد الشوكاني

والطاغوت فعلوت من طغى يطغي ويطغو : إذا جاوز الحد .

قال سيبويه : هو اسم مذكر مفرد ، أي اسم جنس يشمل القليل والكثير ، وقال أبو علي الفارسي : إنه مصدر كرهبوت وجبروت يوصف به الواحد والجمع ، وقلبت لامه إلى موضع العين وعينه إلى موضع اللام كجبذ وجذب ، ثم تقلب الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها ، فقيل : طاغوت ، واختار هذا القول النحاس ، وقيل : أصل الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من غير اشتقاق ، كما قيل : لآلئ من اللؤلؤ .

وقال المبرد : هو جمع .

قال ابن عطية : وذلك مردود .

قال الجوهري : والطاغوت الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال ، وقد يكون واحدا .

قال الله تعالى : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به [ النساء : 60 ] وقد يكون جمعا .

قال الله تعالى : أولياؤهم الطاغوت والجمع طواغيت ، أي فمن يكفر بالشيطان أو الأصنام أو أهل الكهانة ورءوس الضلالة أو بالجميع ويؤمن بالله عز وجل بعد ما تميز له الرشد من الغي فقد فاز وتمسك بالحبل الوثيق ، أي المحكم .

والوثقى فعلى من الوثاقة وجمعها وثق مثل الفضلى والفضل .

وقد اختلف المفسرون في تفسير العروة الوثقى بعد اتفاقهم على أن ذلك من باب التشبيه والتمثيل لما هو معلوم بالدليل بما هو مدرك بالحاسة ، فقيل : المراد بالعروة الإيمان ، وقيل : الإسلام ، وقيل : لا إله إلا الله ، ولا مانع من الحمل على الجميع .

والانفصام : الانكسار من غير بينونة .

قال الجوهري : فصم الشيء كسره من غير أن يبين .

وأما القصم بالقاف فهو الكسر مع البينونة ، وفسر صاحب الكشاف الانفصام بالانقطاع .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال : الطاغوت الشيطان .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : الطاغوت الكاهن .

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال : الطاغوت الساحر .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس قال : الطاغوت ما يعبد من دون الله .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : العروة الوثقى لا إله إلا الله .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك : أنها القرآن .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد : أنها الإيمان .

وعن سفيان : أنها كلمة الإخلاص .

وقد ثبت في الصحيحين تفسير العروة الوثقى في غير هذه الآية بالإسلام مرفوعا في تعبيره صلى الله عليه وآله وسلم لرؤيا عبد الله بن سلام .

وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [ ص: 178 ] اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر فإنهما حبل الله الممدود ، فمن تمسك بهما فقد تمسك بعروة الله الوثقى التي لا انفصام لها .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : إذا وحد الله وآمن بالقدر فهي العروة الوثقى .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن معاذ أنه سئل عن قوله : لا انفصام لها قال : لا انقطاع لها دون دخول الجنة .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-06-2015, 01:48 AM   رقم المشاركة :[23]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)

التفسير الكبير المسمى البحر المحيط
أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي
( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) الولي هنا الناصر والمعين أو المحب أو متولي أمورهم ، ومعنى ( آمنوا ) أرادوا أن يؤمنوا ، و ( الظلمات ) هنا الكفر ، و ( النور ) الإيمان ، قاله قتادة ، والضحاك ، والربيع ، قيل : وجمعت ( الظلمات ) لاختلاف الضلالات ، ووحد ( النور ) لأن الإيمان واحد ، والإخراج هنا إن كان حقيقة فيكون مختصا بمن كان كافرا ثم آمن ، وإن كان مجازا فهو مجاز عن منع الله إياهم من دخولهم في الظلمات قال الحسن : معنى ( يخرجهم ) يمنعهم ، وإن لم يدخلوا ، والمعنى أنه لو خلا عن توفيق الله لوقع في الظلمات ، فصار توفيقه سببا لدفع تلك الظلمة ، قالوا : ومثل هذه الاستعارة شائع سائغ في كلامهم ، كما قال طفيل الغنوي :


فإن تكن الأيام أحسن مرة إلي فقد عادت لهن ذنوب


قال الواقدي : كل شيء في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد به الكفر والإيمان غير التي في الأنعام ، وهو : ( وجعل الظلمات والنور ) فإنه أراد به الليل والنهار ، وقال الواسطي : يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى آدابها : كالرضا والصدق والتوكل والمعرفة والمحبة . وقال أبو عثمان : يخرجهم من ظلمات الوحشة والفرقة إلى نور الوصلة والألفة . وقال الزمخشري : آمنوا ، أرادوا أن يؤمنوا ، تلطف بهم حتى يخرجهم بلطفه وتأييده من الكفر إلى الإيمان ، أو الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم ، بما يهديهم ويوفقهم لها من حلها ، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين ، انتهى . فيكون على هذا القول : آمنوا على حقيقته .

( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) قال مجاهد ، وعبدة بن أبي لبابة ، نزلت في قوم آمنوا بعيسى ، فلما جاء محمد ، عليه السلام ، كفروا به ، فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات ، وقال الكلبي يخرجونهم من إيمانهم بموسى ، عليه السلام ، واستفتاحهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إلى كفرهم به ، وقيل : من فطرة الإسلام ، وقيل : من نور الإقرار بالميثاق ، وقيل : من الإقرار باللسان إلى النفاق . وقيل : من نور الثواب في الجنة إلى ظلمة العذاب في النار . وقيل : من نور الحق إلى ظلمة الهوى . وقيل : من نور العقل إلى ظلمة الجهل ، وقال الزمخشري : من نور البينات التي تظهر لهم إلى ظلمات الشك والشبهة ، وقال ابن عطية : لفظ الآية مستغن عن التخصيص ، بل هو مترتب في كل أمة كافرة آمن بعضها كالعرب ، وذلك أن كل من آمن منهم فالله وليه ، أخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ومن كفر بعد وجود الداعي - النبي المرسل - فشيطانه ومغويه كأنه أخرجه من الإيمان ، إذ هو معد وأهل للدخول فيه ، وهذا كما تقول لمن منعك الدخول في أمر : أخرجتني يا فلان من هذا الأمر ، وإن كنت لم تدخل فيه ألبتة ، انتهى .

والمراد بالطاغوت : الصنم ، لقوله : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) وقيل : الشياطين والطاغوت اسم جنس ، وقرأ الحسن : ( الطواغيت ) بالجمع .

وقد تباين الإخبار في هاتين الجملتين ، فاستفتحت آية المؤمنين باسم الله تعالى ، وأخبر عنه بأنه ولي المؤمنين تشريفا لهم إذ بدئ في جملتهم باسمه تعالى ولقربه من قوله : ( والله سميع عليم ) [ ص: 284 ] واستفتحت آية الكافرين بذكرهم نعيا عليهم ، وتسمية لهم بما صدر منهم من القبيح ثم أخبر عنهم بأن أولياءهم الطاغوت ، ولم يصدر الطاغوت استهانة به ، وأنه مما ينبغي أن لا يجعل مقابلا لله ، تعالى ، ثم عكس الإخبار فيه فابتدئ بقوله : أولياؤهم ، وجعل الطاغوت خبرا ، كأن الطاغوت هو مجهول ، أعلم المخاطب بأن أولياء الكفار هو الطاغوت ، والأحسن في : ( يخرجهم ويخرجونهم ) أن لا يكون له موضع من الإعراب ؛ لأنه خرج مخرج التفسير للولاية ، وكأنه من حيث إن الله ولي المؤمنين بين وجه الولاية والنصر والتأييد بأنها إخراجهم من الظلمات إلى النور ، وكذلك في الكفار ، وجوزوا أن يكون ( يخرجهم ) حالا والعامل فيه : ( ولي ) ، وأن يكون خبرا ثانيا ، وجوزوا أن يكون ( يخرجونهم ) حالا والعامل فيه معنى الطاغوت ، وهو نظير ما قاله أبو علي : من نصب ( نزاعة ) على الحال ، والعامل فيها ( لظى ) وسنذكره في موضعه إن شاء الله و ( من وإلى ) ، متعلقان بـ ( يخرج ) .

( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) تقدم تفسير هذه الجملة فأغنى عن إعادته .

وذكروا في هذه الآيات أنواعا من الفصاحة وعلم البيان ، منها في آية الكرسي : حسن الافتتاح ؛ لأنها افتتحت بأجل أسماء الله تعالى ، وتكرار اسمه في ثمانية عشر موضعا ، وتكرير الصفات ، والقطع للجمل بعضها عن بعض ، ولم يصلها بحرف العطف ، والطباق : في قوله ( الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ) فإن النوم موت وغفلة ، والحي القيوم يناقضه ، وفي قوله : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ) والتشبيه : في قراءة من قرأ ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) أي : كوسع ، فإن كان الكرسي جرما فتشبيه محسوس بمحسوس ، أو معنى فتشبيه معقول بمحسوس ، ومعدول الخطاب في ( لا إكراه في الدين ) إذا كان المعنى لا تكرهوا على الدين أحدا . والطباق : أيضا في قوله : ( قد تبين الرشد من الغي ) وفي قوله : ( آمنوا وكفروا ) وفي قوله : ( من الظلمات إلى النور ) والتكرار في الإخراج لتباين تعليقهما ، والتأكيد بالمضمر في قوله : ( هم فيها خالدون ) .

وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة الإشارة إلى الرسل المذكورين في قوله : ( وإنك لمن المرسلين ) وأخبر تعالى أنه فضل بعضهم على بعض ، فذكر أن ( منهم من كلم الله ) وفسر ب موسى ، عليه السلام ، وبدئ به لتقدمه في الزمان ، وأخبر أنه ( رفع بعضهم درجات ) وفسر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر ثالثا عيسى ابن مريم ، فجاء ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسطا بين هذين النبيين العظيمين ، فكان كواسطة العقد ، ثم ذكر تعالى أن اقتتال المتقدمين بعد مجيء البينات هو صادر عن مشيئته .

ثم ذكر اختلافهم وانقسامهم إلى مؤمن وكافر ، وأنه تعالى يفعل ما يريد ، ثم أمر المؤمنين بالإنفاق مما رزقهم من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه توسل بصداقة ولا شفاعة ، ثم ذكر أن الكافرين هم المجاوزون الحد الذي حده الله تعالى ، ثم ذكر تعالى أنه هو المتوحد بالإلهية ، وذلك عقيب ذكر الكافرين ، وذكر أتباع موسى وعيسى - عليهما السلام - ثم سرد صفاته العلا وهي التي يجب أن تعتقد في الله تعالى من كونه واحدا حيا قائما بتدبير الخلق ، لا يلحقه آفة ، مالكا للسموات والأرض ، عالما بسرائر المعلومات ، لا يعلم أحد شيئا من علمه إلا بما يشاء هو تعالى ، وذكر عظيم مخلوقاته ، وأن بعضها - وهو الكرسي - يسع السموات والأرض ، ولا يثقل ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض .

ثم ذكر أنه بعد وضوح صفاته العلا فـ ( لا إكراه في الدين ) إذ قد تبينت طرق الرشاد من طرق الغواية ، ثم ذكر أن من كفر بالطاغوت وآمن بالله فهو مستمسك بالعروة الوثقى ، عروة الإيمان ، ووصفها بالوثقى لكونها لا تنقطع ولا تنفصم ، واستعار للإيمان عروة إجراء للمعقول مجرى المحسوس ، ثم ذكر تعالى أنه ولي المؤمنين أخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ، وأن الكافرين أولياؤهم الأصنام [ ص: 285 ] والشياطين ، وهم على العكس من المؤمنين ، ثم أخبر عن الكفار أنهم أصحاب النار ، وأنهم مخلدون فيها ، والحالة هذه ، والله أعلم بالصواب .

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
محمد الأمين بن محمد بن المختار الجنكي الشنقيطي
قوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [ 2 \ 257 ] ، صرح في هذه الآية الكريمة بأن الله ولي المؤمنين ، وصرح في آية أخرى بأنه وليهم ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليهم ، وأن بعضهم أولياء بعض ، وذلك في قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الآية [ 5 ] ، وقال : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [ 9 \ 71 ] ، وصرح في موضع آخر بخصوص هذه الولاية للمسلمين دون الكافرين وهو قوله تعالى : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [ 47 \ 11 ] ، وصرح في موضع آخر بأن نبيه - صلى الله عليه وسلم - أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وهو قوله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم [ 33 \ 6 ] ، وبين في آية " البقرة " هذه ، ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين ، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [ 2 \ 257 ] ، وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه ، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهن وتقواهم ، وذلك في قوله تعالى : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون [ 10 \ 62 ، 63 ] ، وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولي نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأنه أيضا يتولى الصالحين ، وهو قوله تعالى : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين [ 7 \ 196 ] .

قوله تعالى : يخرجهم من الظلمات إلى النور المراد بالظلمات الضلالة ، وبالنور الهدى ، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة ; لجمعه الظلمات وأن طريق الحق واحدة ; لإفراده النور ، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر كقوله : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله [ 6 \ 153 ] .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ، ما نصه : ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات ; لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال : وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ، وقال تعالى : وجعل الظلمات والنور [ 6 ] ، وقال تعالى : عن اليمين وعن الشمال عزين [ 70 \ 37 ] ، إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد [ ص: 159 ] الحق وانتشار الباطل وتعدده وتشعبه منه بلفظه .

قوله تعالى : والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت الآية ، قال بعض العلماء : الطاغوت الشيطان ويدل لهذا قوله تعالى : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه [ 3 \ 175 ] ، أي يخوفكم من أوليائه . وقوله تعالى : الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا [ 4 ] ، وقوله : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو الآية [ 18 \ 50 ] ، وقوله : إنهم اتخذوا الشياطين أولياء الآية [ 7 ] ، والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان ، كما قال تعالى : ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان الآية [ 36 \ 60 ] ، وقال : إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا [ 4 \ 117 ] ، وقال عن خليله إبراهيم : ياأبت لا تعبد الشيطان الآية [ 19 \ 44 ] ، وقال : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [ 6 \ 121 ] . إلى غير ذلك من الآيات .

تفسير المنار
محمد رشيد رضا
وتأمل مع ما ذكرناك به من الآيات قوله - تعالى - : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور فهذا القول يهدي إلى أن الإيمان وغيره من ضروب الهداية يكون بتوفيق الله - تعالى - من شاء ، وإعداده للنظر في الآيات والخروج من الشبهات بما ينقدح لنظره من نور الدليل لا بالإجبار والإكراه . فالآية بمثابة الدليل على منع الإكراه في الدين ، والتنبيه لأولئك الآباء الذين أرادوا إكراه أولادهم على ترك اليهودية والدخول في الإسلام ، على أن الولاية على العقول والقلوب هي لله - تعالى - وحده ، فإذا أعدتها سننه وعنايته لقبول الحق والرشاد كانت الدعوة المبينة كافية لجذبها إلى نور الهداية وإلا فقد تودع منها لإحاطة الظلمات بها .

وقال الأستاذ الإمام : ذهب كثير من المفسرين في معنى الآية إلى أن الله - تعالى - هو متولي أمور المؤمنين يوفقهم إلى الخروج من الظلمات ، ويمدهم في الهداية بمحض القدرة ، كما أن الطاغوت يمدون الكافرين في الغواية ، ويخرجونهم بالإغواء من نور الحق إلى ظلمات الضلالة . وهذا تفسير العوام الذين لا يفهمون أساليب اللغة العالية ، أو تفسير الأعاجم الذين هم أجدر بعدم الفهم ، ومعنى الآية الذي يلتئم مع معنى سابقتها ظاهر أتم الظهور وهو أن المؤمن لا ولي له ولا سلطان لأحد على اعتقاده إلا الله - تعالى - ومتى كان كذلك فإنه يهتدي إلى استعمال الهدايات التي وهبها الله له على وجهها وهي الحواس والعقل والدين ، فهؤلاء المؤمنون كلما عرضت لهم شبهة لاح لهم بسلطان الولاية الإلهية على قلوبهم شعاع من نور الحق يطرد ظلمتها فيخرجون منها بسهولة إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون [ 7 : 201 ] جولان الحواس في رياض الأكوان ، وإدراكها ما فيها من بديع الصنع والإتقان يعطيهم نورا ، ونظر العقل في فنون المعقولات يعطيهم نورا ، وما جاء به الدين من الآيات البينات يتم لهم نورهم والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أي لا سلطان على نفوسهم إلا لتلك المعبودات الباطلة السائقة إلى الطغيان ، فإذا كان الطاغوت من الأحياء الناطقة ورأى أن عابديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق الذي ينبههم إلى فساد ما هم فيه بادر إلى إطفائه ، بل إلى صرفهم عنه بما يلقيه دونه من حجب الشبهات وأستار زخارف الأقوال التي تقبل منه لأجل الاعتقاد أو بنفس الاعتقاد ، وإذا كان الطاغوت من غير الأحياء فإن سدنة هيكله وزعماء حزبه لا يقتصرون في تنميق هذه الشبهات ، وتزيين تلك الشهوات ، أقول : بل هؤلاء الزعماء يعدون من الطاغوت كما علم من تفسيره ، فإنهم دعاة الطغيان وأولياؤه ، فإن لم يكونوا ممن تعتقد فيهم السلطة الغيبية وتوله العقول [ ص: 35 ] في مزاياهم الإلهية فإنهم ممن يؤخذ بقولهم في الاعتقاد بتلك السلطة والمزايا وما ينبغي لمظاهرها أو لأربابها من التعظيم الذي هو عين العبادة وإن سمي توسلا أو استشفاعا أو غير ذلك . ثم قال الأستاذ : الظلمات هي الضلالات التي تعرض على الإنسان في كل طور من أطوار حياته كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين ، فتصد عن النظر الصحيح فيه أو تحول دون فهمه والإذعان له ، وكالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله وصرفه عن وجهه ، وكالشهوات والحظوظ التي تشغل عنه وتستحوذ على النفس حتى تقذفها في الكفر . أقول : ولهذه الظلمة شعبتان :

إحداهما : ما يخرج صاحبها من الإيمان ظاهرا وباطنا لأنه يرى ذلك وسيلة إلى التمتع بشهواته الحسية أو المعنوية كالسلطة والجاه .

والثانية : ما يسترسل صاحبها في الفواحش والمنكرات أو الظلم والطغيان حتى لا يبقى لنور الدين مكان من قبله ، وهؤلاء هم المشار إليهم بمثل قوله - تعالى - : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون [ 83 : 14 ، 15 ] الآيات . وقال - رحمه الله تعالى - : لا توجد مرآة يرى فيها عبدة الطاغوت أنفسهم كما هي أجلى من القرآن : أي ولكنهم لا ينظرون فيه ، إما لأنهم استحبوا العمى وألفوه حتى لم يبق من أمل في شفاء بصائرهم وإما لأن طاغوتهم يحولون بينهم وبينه كما تقدم أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لأن النار هي الدار التي تليق بأهل الظلمات الذين لم يبق لنور الحق والرشاد مكان في أنفسهم يصلها بدار النور والرضوان ، فما يكون عليه الإنسان في الآخرة هو عاقبة ما كانت عليه نفسه في الدنيا . وقد سبق القول بأن الخوض في حقيقة تلك الدار التي سميت بالنار غير جائز ، وإنما يعتقد من مجموع النصوص أنها دار شقاء يعذب المرء فيها بما تقدم من عمله السيئ ، وقد يكون هذا العذاب بالبرد إذ ورد أن فيها الزمهرير . وأزيد الآن : أنه لا يبعد أن تكون شبيهة بالأرض من حيث إن فيها مواضع شديدة الحر كالأماكن التي في خط الاستواء ، ومواضع شديدة البرد كالقطبين إلا أنها أبعد من الأرض عن الاعتدال ، فحرها وبردها أشد ، ومصادرهما غير معروفة لنا . أعاذنا الله منها ومما يؤدي إليها من اعتقاد وقول وعمل بمنه وكرمه آمين .

هذا ، وإن في الآيتين من هدم التقليد ما لا يخفى على ذي البصيرة ، ولكن الأستاذ الإمام لم يتعرض له في الدرس بالنص ، بل قال كلاما يستلزم ذلك ويفهم منه ; ذلك أن الله - تعالى - جعل تبين الرشد وظهوره في كتابه هو الطريق إلى الدين ، فلو لم يكن بيان الكتاب كافيا في أن يتبين للمكلف ما هو مطالب به لما صح قوله : قد تبين الرشد من الغي ولا تفويض الأمر بعد البيان إلى الناظر ، ولما عد البيان إعذارا له وإنظارا ، ولما التأم مع هذا قوله : [ ص: 36 ] الله ولي الذين آمنوا إلخ فإن معنى هذه الآية أن أهل الإيمان هم الذين وكلوا إلى ولاية الله - تعالى - وحده ، فلم يكن للبشر سلطان على عقائدهم ولا تصرف في هدايتهم ، أي إنهم ظلوا على فطرة الله التي فطر الناس عليها ، فنظروا في الدين بما غرز في فطرتهم من العقل والتمييز ، فتبين لهم الرشد فاتبعوه والغي فاجتنبوه ، والمقلد لم يتبين له شيء من ذلك ، وإنما هو تابع لاعتقاد غيره فلا تسلم له ولاية الفطرة السليمة التي تؤيدها العناية الإلهية العظيمة وأما أهل الكفر فلهم أولياء من الطاغوت يتصرفون في اعتقادهم وهم يقبلون تصرفهم ثقة بهم وتعظيما لشأنهم ، وهذا ليس بعذر عند الله - تعالى - بعد ما بين الرشد من الغي ، فتبين في نفسه حتى لا يمكن أن يخفى على من نظر فيه طالبا للحق من غير تعصب للأهواء ، ولا لتقاليد الآباء ، ويؤكد هذه المعاني قوله - تعالى - : لا انفصام لها فإنه يفيد أن من تبين له هذا الرشد فإنه لا ينفك عنه ، والمقلد عرضة للترك والانفكاك ; لأنه لا يعرف قيمة ما هو فيه لذاته .

أقول : ومما يجب بيانه في تفسير هذه الآية أيضا الفرق بين ولاية الله للمؤمنين وولايتهم له وولاية بعضهم لبعض ، فإن الجاهلين لا يميزون بين الولايتين ، فيجعلون لبعض المؤمنين من الولاية ما هو لله - تعالى - وحده ، وذلك شرك في التوحيد خفي عند الجاهل ، جلي عند العارف ولا بد من تفصيل فيه .

هذه الآيات تثبت ولاية الله وحده للمؤمنين ، وفي معناها آيات تفيد الحصر كقوله - تعالى - في سورة الشورى : أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي [ 42 : 9 ] الآية . وقوله فيها : وهو الولي الحميد [ 42 :28 ] وثمة آيات كثيرة تنفي ولاية غيره - تعالى - كالآيات التي تقدمت في الكلام على الشفاعة ، وكقوله - تعالى - في سورة هود بعد أمر النبي ومن معه بالاستقامة : ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون [ 11 : 113 ] وقوله له في سورة الأنعام : قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين [ 6 : 14 ] وقوله : إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين [ 7 : 196 ] وكذلك أمر سائر الأنبياء ألا يتخذوا وليا لهم غير الله - تعالى - ، أي وأن يعلموا أممهم ذلك قال - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام - : رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة [ 12 : 101 ] الآية وقال : وكفى بالله وليا [ 4 : 45 ] فهذه شواهد على ولاية الله وحده للمؤمنين ونهيهم عن اتخاذ ولي من دونه " وورد في ولايتهم له قوله في سورة يونس : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون [ 10 : 62 ، 63 ] وفي معناها قوله في سورة [ ص: 37 ] الأنفال بعد ذكر المشركين : وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون [ 8 : 34 ] .

وقال - تعالى - في ولاية المؤمنين بعضهم لبعض : إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض [ 8 : 72 ] وقال : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله [ 9 : 71 ] .

يقابل ولاية الله - تعالى - للمؤمنين وولايتهم له ، ولاية الشيطان والطاغوت للكافرين وولايتهم لهما كما ترى في الآية التي نحن بصدد تفسيرها ، وقال تعالى : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه [ 3 : 175 ] وقال : فقاتلوا أولياء الشيطان [ 4 : 76 ] وقال : إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون [ 7 : 30 ] ويقابل ولاية المؤمنين بعضهم لبعض ولاية الكافرين بعضهم لبعض ، كما قال : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض [ 8 : 73 ] وقال : بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم [ 5 : 51 ] .

ومن تأمل هذه الآيات رأى معانيها ظاهرة جلية ، أما كونه - تعالى - هو الولي وحده لا ولي سواه ، فالمراد به أنه هو المتولي لأمور العباد في الواقع ونفس الأمر - كما تقدم - وذلك بما خلق لهم من المنافع ومن الأعضاء والقوى التي تمكنهم من الانتفاع بها ، بما بين لهم من السنن ومهد لهم من الأسباب ، وهذه هي الولايات العامة المطلقة ، وأما ولايته للمؤمنين خاصة فهي عبارة عن عنايته بهم وإلهامه وتوفيقه إياهم لما فيه الخير والصلاح الروحاني والجسماني ، بما اختاروا لأنفسهم من الإيمان به وبما جاءت به رسله ، وأما ولايتهم له - تعالى - فقد عبر عنها بالإيمان والتقوى ، فهم بالإيمان بولايته لهم يتولونه ، أي يعتقدون أنه هو المتولي لأمورهم وحده - كما تقدم - وهم في استفادتهم بقواهم من نافع الكون واتقائهم لمضاره يلاحظون أن هذا من فضله عليهم وتوليه لأمورهم ، إذ مكنهم من ذلك وهيأ أسبابه لهم ، وإذا ضعفت قواهم دون مطلب من مطالبهم أو جهلوا طريقه وسببه توجهوا إليه وحده مع تعاونهم وتناصرهم لا يتوجهون إلى غيره في استمداد العناية وطلب التوفيق والهداية كما تقدم آنفا ، ثم إنهم مع هذا الإيمان يتقونه - تعالى - بترك المعاصي والإثم والظلم والبغي في الأرض وغير ذلك مما جعله الله سبب البلاء والشقاء في الدنيا والآخرة ، وبفعل الطاعات والخيرات التي هي أسباب السعادة في الدارين ، فهذا معنى تفسير أوليائه الذين آمنوا وكانوا يتقون .

وأما ولاية المؤمنين بعضهم لبعض : فهي عبارة عن تعاونهم وتناصرهم في الأمور المشتركة مع استقامتهم على الأعمال الصالحة ; لأن الفساد الشخصي لا يتفق مع القيام بالمصالح العامة وذلك ظاهر من قوله في الآية ( 9 : 71 ) بعد ذكره هذه الولاية .

[ ص: 38 ] يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة إلخ ، ومن وصفهم بالمجاهدة في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم كما في الآية الأخرى ( 8 : 72 ) فكل من كان كذلك فقد وجبت ولايته على جميع المؤمنين ، ولا معنى لكون المؤمن وليا للمؤمن إلا هذا ، أي إنه عون له ونصير في الحق الذي يعلو به شأن الإيمان وأهله ، فمن تجاوز ذلك فاتخذ له وليا أو أولياء يعتقد أنهم يتولون شيئا من أموره فيما وراء هذا التعاون والتناصر بين الناس فقد أشرك ; إذ اعتدى على ولاية الله الخاصة به التي لا يشاركه فيها أحد لا بالتوسط عنده ولا الاستقلال دونه .

هذا المعنى هو عين ولاية الكافرين للشيطان أو للطاغوت كما قال : والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [ 39 : 3 ] ولا يقال : إن هذا يقتضي أن يسمى بالطاغوت بعض من اتخذ وليا بهذا المعنى من الأنبياء والصالحين كعيسى - عليه السلام - ، فإن الذين اعتقدوا هذه الولاية لعيسى وغيره من الصالحين لم يتبعوهم في ذلك ، وإنما اتبعوا وحي شياطين الإنس والجن ووساوسهم ، فهم طاغوتهم كما قال : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم [ 6 : 121 ] الآية وقال : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا [ 6 : 112 ] وإن بعضهم ليتبرأ من بعض يوم القيامة كما علم من الآيات الأخرى ، ومن هذا التقدير تعلم أن القرآن حجة على كل من أسند ولاية الله الخاصة إلى غيره وإن كان ينسب إلى الإسلام ، وقد أوغل بعض متخذي الأولياء في دعاء أوليائهم ومطالبتهم بما لا يطلب إلا من الله - تعالى - حتى صار في المنتسبين إلى العلم منهم من يقول ويكتب أن فلانا الولي يميت ويحيي ويسعد ويشقي ويفقر ويغني ، فعليك أيها المؤمن بهدي القرآن ولا يغرنك تأويل أولياء الشيطان .

التفسير الكبير
الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

فيه مسألتان :

المسألة الأولى : " الولي " فعيل بمعنى فاعل من قولهم : ولي فلان الشيء يليه ولاية فهو وال وولي ، وأصله من الولي الذي هو القرب ، قال الهذلي :


وعدت عواد دون وليك تشعب


ومنه يقال : داري تلي دارها ، أي : تقرب منها ، ومنه يقال للمحب المعاون : ولي ؛ لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك ، ومنه الوالي ، لأنه يلي القوم بالتدبير والأمر والنهي ، ومنه المولى . ومن ثم قالوا في خلاف الولاية : العداوة من عدا الشيء إذا جاوزه ، فلأجل هذا كانت الولاية خلاف العداوة .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ألطاف الله تعالى في حق المؤمن فيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر ، بأن قالوا : الآية دلت على أنه تعالى ولي الذين آمنوا على التعيين ، ومعلوم أن الولي للشيء هو المتولي لما يكون سببا لصلاح الإنسان واستقامة أمره في الغرض المطلوب ، ولأجله قال تعالى : ( يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ) [الأنفال : 34] فجعل القيم بعمارة المسجد وليا له ، ونفى في الكفار أن يكونوا أولياءه ، فلما كان معنى الولي المتكفل بالمصالح ، ثم إنه تعالى جعل نفسه وليا للمؤمنين على التخصيص ، علمنا أنه تعالى تكفل بمصالحهم فوق ما تكفل بمصالح الكفار ، وعند المعتزلة أنه تعالى سوى بين الكفار والمؤمنين في الهداية والتوفيق والألطاف ، فكانت هذه الآية مبطلة لقولهم ، قالت المعتزلة : هذا التخصيص محمول على أحد وجوه :

الأول : أن هذا محمول على زيادة الألطاف ، كما ذكره في قوله : ( والذين اهتدوا زادهم هدى ) [محمد : 17] وتقريره من حيث العقل أن الخير والطاعة يدعو بعضه إلى بعض ، وذلك لأن المؤمن إذا حضر مجلسا يجري فيه الوعظ ، فإنه يلحق قلبه خشوع وخضوع وانكسار ، ويكون حاله مفارقا لحال من قسا قلبه بالكفر والمعاصي ، وذلك يدل على أنه يصح في المؤمن من الألطاف ما لا يصح في غيره ، فكان تخصيص المؤمنين بأنه تعالى وليهم محمولا على ذلك .

والوجه الثاني : أنه تعالى يثيبهم في الآخرة ، ويخصهم بالنعيم المقيم والإكرام العظيم فكان التخصيص محمولا عليه .

والوجه الثالث : وهو أنه تعالى وإن كان وليا للكل بمعنى كونه متكفلا بمصالح الكل على السوية ، إلا أن المنتفع بتلك الولاية هو المؤمن ، فصح تخصيصه بهذه الآية ، كما في قوله : ( هدى للمتقين ) [البقرة : 2] .

[ ص: 17 ] الوجه الرابع : أنه تعالى ولي المؤمنين ، بمعنى : أنه يحبهم ، والمراد أنه يحب تعظيمهم .

أجاب الأصحاب عن الأول بأن زيادة الألطاف متى أمكنت وجبت عندكم ، ولا يكون لله تعالى في حق المؤمن إلا أداء الواجب ، وهذا المعنى بتمامه حاصل في حق الكافر ، بل المؤمن فعل ما لأجله استوجب من الله ذلك المزيد من اللطف .

أما السؤال الثاني : وهو أنه تعالى يثيبه في الآخرة فهو أيضا بعيد ؛ لأن ذلك الثواب واجب على الله تعالى ، فولي المؤمن هو الذي جعله مستحقا على الله ذلك الثواب ، فيكون وليه هو نفسه ، ولا يكون الله هو وليا له .

وأما السؤال الثالث : وهو أن المنتفع بولاية الله هو المؤمن ، فنقول : هذا الأمر الذي امتاز به المؤمن عن الكافر في باب الولاية صدر من العبد لا من الله تعالى ، فكان ولي العبد على هذا القول هو العبد نفسه لا غير .

وأما السؤال الرابع : وهو أن الولاية ههنا معناها المحبة . ( والجواب ) : أن المحبة معناها إعطاء الثواب ، وذلك هو السؤال الثاني ، وقد أجبنا عنه .
اما قوله تعالى : ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أن المراد ههنا من الظلمات والنور : الكفر والإيمان ، فتكون الآية صريحة في أن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من الكفر وأدخله في الإيمان ، فيلزم أن يكون الإيمان بخلق الله ؛ لأنه لو حصل بخلق العبد لكان هو الذي أخرج نفسه من الكفر إلى الإيمان ، وذلك يناقض صريح الآية .

أجابت المعتزلة عنه من وجهين :

الأول : أن الإخراج من الظلمات إلى النور محمول على نصب الدلائل ، وإرسال الأنبياء ، وإنزال الكتب ، والترغيب في الإيمان بأبلغ الوجوه ، والتحذير عن الكفر بأقصى الوجوه ، وقال القاضي : قد نسب الله تعالى الإضلال إلى الصنم في قوله : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [إبراهيم : 36] لأجل أن الأصنام سبب بوجه ما لضلالهم ، فأن يضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الله تعالى مع قوة الأسباب التي فعلها بمن يؤمن كان أولى .

والوجه الثاني : أن يحمل الإخراج من الظلمات إلى النور على أنه تعالى يعدل بهم من النار إلى الجنة . قال القاضي : هذا أدخل في الحقيقة ، لأن ما يقع من ذلك في الآخرة يكون من فعله تعالى فكأنه فعله .

والجواب عن الأول من وجهين :

أحدهما : أن هذه الإضافة حقيقة في الفعل ، ومجاز في الحث والترغيب ، والأصل حمل اللفظ على الحقيقة .

والثاني : أن هذه الترغيبات إن كانت مؤثرة في ترجيح الداعية صار الراجح واجبا ، والمرجوح ممتنعا ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة ؛ وإن لم يكن لها أثر في الترجيح لم يصح تسميتها بالإخراج .

وأما السؤال الثاني : وهو حمل اللفظ على العدول بهم من النار إلى الجنة فهو أيضا مدفوع من وجهين :

الأول : قال الواقدي : كل ما كان في القرآن ( من الظلمات إلى النور ) فإنه أراد به الكفر والإيمان ، [ ص: 18 ] غير قوله تعالى في سورة الأنعام : ( وجعل الظلمات والنور ) [الأنعام : 1] فإنه يعني به الليل والنهار ، وقال : وجعل الكفر ظلمة ؛ لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك ، وجعل الإيمان نورا ؛ لأنه كالسبب في حصول الإدراك .

والجواب الثاني : أن العدول بالمؤمن من النار إلى الجنة أمر واجب على الله تعالى عند المعتزلة فلا يجوز حمل اللفظ عليه .

المسألة الثانية : قوله : ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) ظاهره يقتضي أنهم كانوا في الكفر ثم أخرجهم الله تعالى من ذلك الكفر إلى الإيمان ، ثم ههنا قولان :

القول الأول : أن يجرى اللفظ على ظاهره ، وهو أن هذه الآية مختصة بمن كان كافرا ثم أسلم ، والقائلون بهذا القول ذكروا في سبب النزول روايات :

إحداها : قال مجاهد : هذه الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام وقوم كفروا به ، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم آمن به من كفر بعيسى ، وكفر به من آمن بعيسى عليه السلام .

وثانيتها : أن الآية نزلت في قوم آمنوا بعيسى عليه السلام على طريقة النصارى ، ثم آمنوا بعده بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقد كان إيمانهم بعيسى حين آمنوا به ظلمة وكفرا ، لأن القول بالاتحاد كفر ، والله تعالى أخرجهم من تلك الظلمات إلى نور الإسلام .

وثالثتها : أن الآية نزلت في كل كافر أسلم بمحمد صلى الله عليه وسلم .

والقول الثاني : أن يحمل اللفظ على كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، سواء كان ذلك الإيمان بعد الكفر أو لم يكن كذلك ، وتقريره أنه لا يبعد أن يقال : يخرجهم من النور إلى الظلمات وإن لم يكونوا في الظلمات البتة ، ويدل على جوازه : القرآن والخبر والعرف ، أما القرآن فقوله تعالى : ( وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) [آل عمران : 103] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار ، وقال : ( لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ) [يونس : 98] ولم يكن نزل بهم عذاب البتة ، وقال في قصة يوسف عليه السلام : ( تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ) [يوسف : 37] ولم يكن فيها قط ، وقال : ( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر ) [النحل : 70] وما كانوا فيه قط ، وأما الخبر فروي أنه صلى الله عليه وسلم سمع إنسانا قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال : على الفطرة ، فلما قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، فقال : خرج من النار ، ومعلوم أنه ما كان فيها ، وروي أيضا أنه صلى الله عليه وسلم أقبل على أصحابه فقال : تتهافتون في النار تهافت الجراد ، وها أنا آخذ بحجزكم ، ومعلوم أنهم ما كانوا متهافتين في النار ، وأما العرف فهو أن الأب إذا أنفق كل ماله فالابن قد يقول له : أخرجتني من مالك ، أي : لم تجعل لي فيه شيئا ، لا أنه كان فيه ثم أخرج منه ، وتحقيقه أن العبد لو خلا عن توفيق الله تعالى لوقع في الظلمات ، فصار توفيقه تعالى سببا لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع مشابهة ، فبهذا الطريق يجوز استعمال الإخراج والإبعاد في معنى الدفع والرفع . والله أعلم .

أما قوله تعالى : ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) فاعلم أنه قرأ الحسن " أولياؤهم الطواغيت " واحتج بقوله تعالى بعده : ( يخرجونهم ) إلا أنه شاذ مخالف للمصحف ، وأيضا قد بينا في اشتقاق هذا اللفظ أنه مفرد لا جمع .

أما قوله تعالى : ( يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) فقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر ليس من الله تعالى ، قالوا : لأنه تعالى أضافه إلى الطاغوت مجازا باتفاق ؛ لأن المراد من الطاغوت على أظهر [ ص: 19 ] الأقوال هو الصنم ، ويتأكد هذا بقوله تعالى : ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [إبراهيم : 36] فأضاف الإضلال إلى الصنم ، وإذا كانت هذه الإضافة بالاتفاق بيننا وبينكم مجازا ، خرجت عن أن تكون حجة لكم .

ثم قال تعالى : ( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) يحتمل أن يرجع ذلك إلى الكفار فقط ، ويحتمل أن يرجع إلى الكفار والطواغيت معا ، فيكون زجرا للكل ووعيدا ؛ لأن لفظ " أولئك " إذا كان جمعا وصح رجوعه إلى كلا المذكورين ، وجب رجوعه إليهما معا ، والله تعالى أعلم بالصواب .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية
محمد بن علي بن محمد الشوكاني
قال الله تعالى : أولياؤهم الطاغوت والجمع طواغيت ، أي فمن يكفر بالشيطان أو الأصنام أو أهل الكهانة ورءوس الضلالة أو بالجميع ويؤمن بالله عز وجل بعد ما تميز له الرشد من الغي فقد فاز وتمسك بالحبل الوثيق ، أي المحكم .
والوثقى فعلى من الوثاقة وجمعها وثق مثل الفضلى والفضل .

قوله : الله ولي الذين آمنوا الولي فعيل بمعنى فاعل ، وهو الناصر .

وقوله : يخرجهم تفسير للولاية ، أو حال من الضمير في ولي ، وهذا يدل على أن المراد بقوله : الذين آمنوا الذين أرادوا الإيمان ؛ لأن من قد وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبه التي تعرض للمؤمنين فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة ، والمراد بالنور في قوله : يخرجونهم من النور إلى الظلمات ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى الدين ، فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم عنه إلى ظلمة الكفر : أي قررهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الله من الأنبياء .

وقيل : المراد بالذين كفروا هنا الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين ورءوس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج .


وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس في قوله : الله ولي الذين آمنوا الآية ، قال : هم قوم كانوا كفروا بعيسى فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت الآية ، قال : هم قوم آمنوا بعيسى فلما بعث محمد كفروا به .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : الظلمات الكفر ، والنور الإيمان .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي مثله .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-06-2015, 02:12 AM   رقم المشاركة :[24]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

قال تعالى في سورة النساء :ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا 51
التفسير الكبير المسمى البحر المحيط
أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي
( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) أجمعوا أنها في اليهود . وسبب نزولها أن كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب وجماعة معهما ، وردوا مكة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أنتم أهل كتاب ، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ، ففعلوا . وقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلا أم محمد ؟ فقال كعب : ماذا يقول محمد ؟ قالوا : يأمر بعبادة الله وحده ، وينهى عن الشرك . قال : وما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة البيت نسقي الحاج ، ونقري الضيف ، ونفك العاني ، وذكروا أفعالهم . فقال : أنتم أهدى سبيلا . وفي بعض ألفاظ هذا السبب خلاف ، قاله ابن عباس . وقال عكرمة : خرج كعب في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ، والكتاب هنا التوراة على قول الجمهور ، ويحتمل أن يكون التوراة والإنجيل .

والجبت والطاغوت صنمان كانا لقريش ؛ قاله عكرمة وغيره . أو الجبت هنا حيي والطاغوت كعب ؛ قاله ابن عباس أيضا . أو الجبت السحر والطاغوت الشيطان ، قاله مجاهد والشعبي . وروي عن عمر : والجبت الساحر والطاغوت الشيطان ، قاله زيد بن أسلم . أو الجبت الساحر والطاغوت الكاهن ، قاله رفيع ، وابن جبير . أو الجبت الكاهن والطاغوت الشيطان ، قاله ابن جبير أيضا . أو الجبت الكاهن والطاغوت الساحر ؛ قاله ابن سيرين . أو الجبت الشيطان والطاغوت [ ص: 272 ] الكاهن ؛ قاله قتادة . أو الجبت كعب والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان . أو الجبت الأصنام ، وكل ما عبد من دون الله والطاغوت الشيطان قاله الزمخشري . أو الجبت والطاغوت كل معبود من دون الله من حجر ، أو صورة ، أو شيطان قاله الزجاج ، وابن قتيبة .

وأورد بعض المفسرين الخلاف مفرقا فقال : الجبت السحر قاله عمر ، ومجاهد والشعبي . أو الأصنام رواه عطية عن ابن عباس ، وبه قال الضحاك والفراء ، أو كعب بن الأشرف . رواه الضحاك ، عن ابن عباس . وليث ، عن مجاهد . أو الكاهن ، روي عن ابن عباس ، وبه قال مكحول ، وابن سيرين . أو الشيطان قاله ابن جبير في رواية ، وقتادة والسدي . أو الساحر قاله أبو العالية ، وابن زيد . وروى أبو بشر عن ابن جبير قال : الجبت الساحر بلسان الحبشة ، وأما الطاغوت فالشيطان قاله عمر ، ومجاهد في رواية الشعبي ، وابن زيد . أو المترجمون بين يدي الأصنام رواه العوفي عن ابن عباس ، أو كعب . رواه ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وبه قال الضحاك والفراء . أو الكاهن قاله عكرمة أو الساحر ، روي عن ابن عباس ، وابن سيرين ، ومكحول ، أو كل ما عبد من دون الله قاله مالك . وقال قوم : الجبت والطاغوت مترادفان على معنى واحد والجمهور ، وأقوال المفسرين على خلاف ذلك ؛ وأنهما اثنان . وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام على المغيبات جبتا ; لكون علم الغيب يختص بالله تعالى . خرج أبو داود في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : الطرق والطيرة والعيافة من الجبت الطرق الزجر والعيافة الخط . فإن الجبت والطاغوت الأصنام أو ما عبد من دون الله ؛ فالإيمان بهما التصديق بأنهما آلهة يشركونهما في العبادة مع الله ؛ وإن كان حييا وكعبا ، أو جماعة من اليهود ، أو الساحر ، أو الكاهن ، أو الشيطان ؛ فالإيمان بهم عبارة عن طاعتهم وموافقتهم على ما هم عليه ، ويكون من باب إطلاق ثمرة الإيمان ؛ وهي الطاعة على الإيمان .( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) الضمير في يقولون عائد على الذين أوتوا . وفي سبب النزول أن كعبا هو قائل هذه المقالة . والجملة من يؤمنون حال ، ويقولون معطوف على يؤمنون فهي حال . ويحتمل أن يكون استئناف أخبار تبين التعجب منهم كأنه قال : ألا تعجب إلى حال الذين أوتوا نصيبا ؛ فكأنه قيل ، وما حالهم ، وهم قد أوتوا نصيبا من كتاب الله ؟ فقال : يؤمنون بكذا ، ويقولون كذا ; أي أن أحوالهم متنافية ؛ فكونهم أوتوا نصيبا من الكتاب يقتضي لهم أن لا يقعوا فيما وقعوا فيه ؛ ولكن الحامل لهم على ذلك هو الحسد . واللام في للذين كفروا للتبليغ متعلقة بيقولون . والذين كفروا هم قريش والإشارة بهؤلاء إليهم والذين آمنوا هم النبي وأمته . والظاهر أنهم أطلقوا أفعل التفضيل ، ولم يلحظوا معنى التشريك فيه ، أو قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء لكفرهم .

تفسير المنار
محمد رشيد رضا

أخرج أحمد ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش : ألا ترى هذا المنصبر المنبتر من قومه ؟ يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج ، وأهل السدانة ، وأهل السقاية ، قال : أنتم خير ، فنزلت فيهم : إن شانئك هو الأبتر ( 108 : 3 ) ، ونزلت فيه : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، إلى قوله : نصيرا وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال : كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب ، وسلام بن أبي الحقيق ، وأبو عمارة ، وهودة بن قيس ، وكان سائرهم من بني النضير ، فلما قدموا على قريش قالوا : هؤلاء أحبار اليهود ، وأهل العلم بالكتب الأولى ، فاسألوهم : أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم ، فقالوا : دينكم خير من دينه ، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه ! ! فأنزل الله : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، إلى قوله : ملكا عظيما اهـ ، من لباب النقول .

أقول : الرواية الأولى عند البزار وغيره في سبب نزول سورة الكوثر وهي مكية ، [ ص: 127 ] ووقائع هذه السورة مدنية كما بيناه ، ومحاجة اليهود وبيان أحوالهم لم يفصل إلا في السور المدنية بعد ابتلاء المؤمنين بكيدهم فيها وفي جوارها ، ففي الرواية خلط سببه اشتباه بعض الرواة في الأسباب المتشابهة ، وسيأتي بعض روايات ابن جرير في ذلك ، والآيات متصلة بما قبلها ، ولا يبعد أن يكون هذا السياق كله قد نزل بعد غزوة الأحزاب أو في أثنائها ; إذ نقض اليهود عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واتحدوا مع المشركين على استئصال المسلمين ، وذلك هو تفضيلهم للمشركين على المؤمنين بالفعل ، ولا بد أن يكونوا صرحوا بالتفضيل بالقول عند النداء بالنفير لحرب المؤمنين .

ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الاستفهام للتعجيب من هذه الحال من أحوالهم كما سبق نظيره في الآية التي افتتحت بمثل ما افتتحت به للتعجيب من ضلالهم في أنفسهم وإرادتهم إضلال المؤمنين ، و " الجبت " قال بعض اللغويين : أصله الجبس ، فقلبت التاء سينا ، ومعناه فيهما الرديء الذي لا خير فيه ، وأطلق على السحر ، وعلى الساحر ، وعلى الشيطان ، وقيل : إنه حبشي الأصل ، روي عن ابن عباس ، وابن جبير ، وأبي العالية : أنه الساحر ، وفي رواية عن ابن عباس ، ومجاهد : أنه الأصنام ، وعن عمر ، ومجاهد في رواية أخرى ، وابن زيد : أنه السحر .

و " الطاغوت " : من مادة الطغيان وتقدم تفسيره في تفسير آية الكرسي من الجزء الثالث [ ص 20 ج 3 ط الهيئة المصرية العامة للكتاب ] ، بأنه كل ما تكون عبادته والإيمان به سببا للطغيان والخروج عن الحق من مخلوق يعبد ، ورئيس يقلد ، وهوى يتبع ، وقد روي عن عمر ومجاهد أن الطاغوت : الشيطان ، وعن ابن عباس : أن الطاغوت هم الناس الذين يكونون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس ، وقيل : الطاغوت : الكهان ، وقيل : الجبت والطاغوت : صنمان كانا لقريش ، وأن بعض اليهود سجدوا لهما مرضاة لقريش واستمالة لهم ليتحدوا معهم على قتال المسلمين ، وفي حديث قطن بن قبيصة عن أبيه مرفوعا عند أبي داود : " العيافة والطيرة ، والطرق من الجبت " وفسر العيافة بالخط ، وهو ضرب الرمل ، وتطلق العيافة على التفاؤل والتشاؤم بما يؤخذ من الألفاظ بطريق الاشتقاق كقول الشاعر :


تفاءلت في أن تبذلي طارف الوفا بأن عن لي منك البنان المطرف وفي عرفات ما يخبر أنني
بعارفة من طيب قلبك أسعف وأما دماء الهدي فهو هدي لنا
يدوم ورأي في الهوى يتألف فأوصلتا ما قلته فتبسمت
وقالت أحاديث العيافة زخرف
والطيرة : التشاؤم ، وأصله من زجر الطير ، والطرق : هو الضرب بالحصا أو الودع ، أو حب الفول ، أو الرمل لمعرفة البخت وما غاب من أحوال الإنسان ، وهذه الأمور كلها [ ص: 128 ] من الدجل والحيل ، فالمعنى الجامع للفظ الجبت هو الدجل والأوهام والخرافات ، والمعنى الجامع للفظ الطاغوت هو ما تقدم آنفا في تفسير آية الكرسي من مثارات الطغيان .

ومعنى الآية : ألم ينته علمك أيها الرسول أو لم تنظر إلى حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب كيف حرموا هدايته ؟ فهم يؤمنون بالجبت والطاغوت وينصرون أهلها من المشركين على المؤمنين المصدقين بنبوة أنبيائه ، وحقية أصل كتبهم ويقولون للذين كفروا أي : لأجلهم وفي شأنهم والحكاية عنهم : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، أي يقولون : إن المشركين أهدى وأرشد طريقا في الدين من المؤمنين الذين اتبعوا محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

قال ابن جرير : ومعنى الكلام أن الله وصف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر بالله ورسوله ، ومعصيتهما وأنهم قالوا : إن أهل الكفر بالله أولى بالحق من أهل الإيمان به ، وإن دين أهل التكذيب لله ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق لله ولرسوله اهـ .

ثم ذكر الروايات في ذلك عنهم ، ومنها ما تقدم عن كعب بن الأشرف ، ومنها ما رواه أيضا عن عكرمة أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمرهم أن يغزوه وقال : إنا معكم نقاتله ، فقالوا : إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم ، فإن أردت أن تخرج معنا فاسجد لهذين الصنمين ، وأمر بهما ففعل ، ثم قالوا : نحن أهدى أم محمد ؟ فنحن ننحر الكوماء ـ الناقة الضخمة السنام ـ ونسقي اللبن على الماء ، ونصل الرحم ، ونقري الضيف ، ونطوف بهذا البيت ، ومحمد قطع رحمه ، وخرج من بلده ، فقال : بل أنتم خير وأهدى ، ومنها عن السدي قال : لما كان من أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واليهود بني النضير ما كان حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين فهموا به وبأصحابه ، فأطلع الله رسوله على ما هموا من ذلك ورجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة فهرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة فعاهدهم على محمد ، فقال له أبو سفيان : نحن قوم ننحر الكوماء ونسقي الحجيج الماء ، ونقري الضيف ، ونعمر بيت ربنا ، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا ، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه ، قال : دينكم خير من دين محمد فاثبتوا عليه ، وذكر روايات أخرى .

ولئك الذين لعنهم الله أي : أولئك الذين بينا سوء حالهم هم الذين لعنهم الله ، أي : اقتضت سنته في خلقه أن يكونوا بعداء عن موجبات رحمته وعنايته من الإيمان بالله وحده والكفر بالجبت والطاغوت ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا أي : ومن يلعنه الله بالمعنى الذي ذكرناه آنفا فلن ينصره أحد من دونه ; إذ لا سبيل لأحد إلى تغيير سننه تعالى في خلقه ، ومنها أن يكون الخذلان والانكسار نصيب المؤمنين بالجبت والطاغوت ، أي : بمثار الدجل [ ص: 129 ] والخرافات والطغيان ، أي مجاوزة سنن الفطرة وحدود الشريعة ، ولا سيما إذا أراد هؤلاء مقاومة أهل التوحيد والحق والاعتدال في سياستهم وأعمالهم بسيرهم على سنن الاجتماع فيها ، وهذه الآية تدل على أن سبب لعن الله للأمم هو إيمانها بالخرافات والأباطيل والطغيان ، وأنه تعالى إنما ينصر المؤمنين باجتنابهم ذلك ، وتدل بطريق اللزوم على أن الأمم المغلوبة تكون أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة المنصورة ، فليحاسب المسلمون أنفسهم بها وبما في معناها من الآيات ، كقوله تعالى : وكان حقا علينا نصر المؤمنين ( 30 : 47 ) ، ليتبين لهم من كتاب ربهم صدقهم في دعوى الإيمان من عدمه ، ولعلهم يرجعون إليه ويعولون في أمر دينهم ودنياهم عليه .

التفسير الكبير
الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر ، وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين ، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل ، فكان إقدامهم على هذا القول لمحض العناد والتعصب ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : أنتم أهل كتاب ، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم ، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا ، ففعلوا ذلك . فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت ؛ لأنهم سجدوا للأصنام ، فقال أبو سفيان : أنحن أهدى سبيلا أم محمد ؟ فقال كعب : ماذا يقول محمد ؟ قالوا : يأمر بعبادة الله وحده ، وينهى عن عبادة الأصنام ، وترك دين آبائه ، وأوقع الفرقة . قال : وما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني . وذكروا أفعالهم ، فقال : أنتم أهدى سبيلا . فهذا هو المراد من قولهم : ( للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) [ النساء : 51 ] .

المسألة الثانية : اختلف الناس في الجبت والطاغوت ، وذكروا فيه وجوها :

الأول : قال أهل اللغة : كل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت ، ثم زعم الأكثرون أن الجبت ليس له تصرف في اللغة . وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت أصله جبس ، فأبدلت السين تاء ، والجبس هو الخبيث الرديء ، وأما الطاغوت فهو مأخوذ من الطغيان ، وهو الإسراف في المعصية ، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم ، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى أوقعوه على الجماد ، كما قال تعالى : ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [ إبراهيم : 35] فأضاف الإضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات .

الثاني : قال صاحب " الكشاف " : الجبت : الأصنام وكل ما عبد من دون الله ، والطاغوت : الشيطان .

الثالث : الجبت : الأصنام ، والطاغوت : تراجمة الأصنام ، يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها ، وهو منقول عن ابن عباس .

الرابع : روى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : الجبت : الكاهن ، والطاغوت : الساحر .

الخامس : قال الكلبي : الجبت في هذه [ ص: 104 ] الآية حيي بن أخطب ، والطاغوت كعب بن الأشرف ، وكانت اليهود يرجعون إليهما ، فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم .

السادس : الجبت والطاغوت صنمان لقريش ، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود لهما طلبا لمرضاة قريش ، وبالجملة فالأقاويل كثيرة ، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الشر والفساد .

ثم قال تعالى : ( أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) فبين أن عليهم اللعن من الله وهو الخذلان والإبعاد ، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى ، وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له ، كما قال : ( ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ) [ الأحزاب : 61 ] فهذا اللعن حاضر ، وما في الآخرة أعظم ، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ، وفيه وعد للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية ، بالضد على الضد ، كما قال في الآيات المتقدمة : ( وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ) [ النساء : 45 ] .

واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد ؛ لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - يجري مجرى المكابرة ، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله ، ومن كان دينه الإقبال بالكلية على خدمة الخالق والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة ، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال ، والله أعلم .

فتح القدير الجامع بين فنى الرواية والدراية
محمد بن على بن محمد الشوكانى
قوله : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب هذا تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول وهم اليهود .

واختلف المفسرون في معنى الجبت : فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية : الجبت : الساحر بلسان الحبشة ، والطاغوت : الكاهن ، وروي عن عمر بن الخطاب أن الجبت : السحر ، والطاغوت الشيطان . وروي عن ابن مسعود أن الجبت والطاغوت هاهنا كعب بن الأشرف . وقال قتادة : الجبت : الشيطان ، والطاغوت : الكاهن ، وروي عن مالك أن الطاغوت : ما عبد من دون الله ، والجبت : الشيطان ، وقيل : هما كل معبود من دون الله أو مطاع في معصية الله . وأصل الجبت الجبس ، وهو الذي لا سير فيه ، فأبدلت التاء من السين قاله قطرب ، وقيل : الجبت : إبليس ، والطاغوت : أولياؤه .

قوله : ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أي : يقول اليهود لكفار قريش : أنتم أهدى من الذين آمنوا بمحمد سبيلا ; أي : أقوم دينا ، وأرشد طريقا . وقوله : أولئك إشارة إلى القائلين الذين لعنهم الله أي : طردهم وأبعدهم من رحمته ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا يدفع عنه ما نزل به من عذاب الله وسخطه . وأخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل عنه قال : قدم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف مكة على قريش فخالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالوا لهم : أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب فأخبرونا عنا وعن محمد . قالوا : ما أنتم ؟ وما محمد ؟ قالوا : ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء ، ونفك العناة ونسقي الحجيج ونصل الأرحام . قالوا : فما محمد ؟ قالوا : صنبور ; أي : فرد ضعيف ، قطع أرحامنا ، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار . فقالوا : لا ، بل أنتم خير منه وأهدى سبيلا ، فأنزل الله ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت الآية . وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة مرسلا . وقد روي عن ابن عباس وعن عكرمة بلفظ آخر . وأخرج نحوه عبد بن حميد وابن جرير عن السدي عن أبي مالك . وأخرج نحوه أيضا البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عكرمة قال : الجبت والطاغوت صنمان .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر في تفسير الجبت والطاغوت ما قدمناه عنه . وأخرج ابن جبير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الجبت حيي بن أخطب ، والطاغوت : كعب بن الأشرف . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الجبت : الأصنام ، والطاغوت : الذي يكون بين يدي الأصنام يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الجبت : اسم الشيطان بالحبشية ، والطاغوت : كهان العرب .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-06-2015, 02:48 AM   رقم المشاركة :[25]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

التفسير الكبير المسمى البحر المحيط
أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي

الزعم : قول يقترن به الاعتقاد الظني . وهو بضم الزاي وفتحها وكسرها . قال الشاعر ، وهو أبو ذؤيب الهذلي :


فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل


وقال ابن دريد : أكثر ما يقع على الباطل . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " مطية الرجل زعموا " . وقال الأعشى :


ونبئت قيسا ولم أبله كما زعموا خير أهل اليمن
فقال الممدوح ، وما هو إلا الزعم ، وحرمه . وإذا قال سيبويه : زعم الخليل ؛ فإنما يستعملها فيما انفرد الخليل به ، وكان أقوى . وذكر صاحب العين : أن الأحسن في زعم أن توقع على أن قال ، قال : وقد توقع في الشعر على الاسم . وأنشد بيت أبي ذؤيب هذا ، وقول الآخر :


زعمتني شيخا ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا
ويقال : زعم بمعنى كفل ، وبمعنى رأس ؛ فيتعدى إلى مفعول واحد مرة ، وبحرف جر أخرى . ويقال : زعمت الشاة ; أي سمنت ، وبمعنى هزلت ، ولا يتعدى . ذكر في سبب نزولها قصص طويل ملخصه : أن أبا بردة الأسلمي كان كاهنا يقضي بين اليهود ، فتنافر إليه نفر من أسلم ، أو أن قيسا الأنصاري أحد من يدعي الإسلام ، ورجلا من اليهود تداعيا إلى الكاهن ، وتركا الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما دعا اليهودي إلى الرسول والأنصاري يأبى إلا الكاهن . أو أن منافقا ويهوديا اختصما ؛ فاختار اليهودي الرسول صلى الله عليه وسلم ، واختار المنافق كعب بن الأشرف ؛ فأبى اليهودي ، وتحاكما إلى الرسول فقضى لليهودي ، فخرجا ولزمه المنافق ، وقال : ننطلق إلى عمر ، فانطلقا إليه فقال اليهودي : قد تحاكمنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلم يرض بقضائه ، فأقر المنافق بذلك عند عمر ، فقتله عمر ، وقال : هكذا أقضي فيمن لم يرض بقضاء الله ، وقضاء رسوله .

ومناسبة هذه الآية لما قبلها [ ص: 280 ] ظاهرة ; لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله ، وأولي الأمر ذكر أنه يعجب بعد ورود هذا الأمر من حال من يدعي الإيمان ، ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت ، ويترك الرسول . وظاهر الآية يقتضي أن تكون نزلت في المنافقين ; لأنه قال : يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، وما أنزل من قبلك ؛ فلو كانت في يهود أو في مؤمن ويهودي كان ذلك بعيدا من لفظ الآية ، إلا إن حمل على التوزيع ؛ فيجعل بما أنزل إليك في منافق ، وما أنزل من قبلك في يهودي ، وشملوا في ضمير ( يزعمون ) فيمكن . وقال السدي : نزلت في المنافقين من قريظة والنضير ، تفاخروا بسبب تكافؤ دمائهم ; إذ كانت النضير في الجاهلية تدي من قتلت ، وتستقيه إذا قتلت قريظة منهم ، فأبت قريظة لما جاء الإسلام ، وطلبوا المنافرة ، فدعا المؤمنون منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعا المنافقون إلى بردة الكاهن فنزلت . وقال الحسن : احتكم المنافقون بالقداح التي يضرب بها عند الأوثان فنزلت . أو لسبب اختلافهم في أسباب النزول اختلفوا في الطاغوت . فقيل كعب بن الأشرف . وقيل الأوثان ، وقيل ما عبد من دون الله ، وقيل الكهان . ( وقد أمروا أن يكفروا به ) جملة حالية من قوله : يريدون . و ( يريدون ) حال ؛ فهي حال متداخلة . وأعاد الضمير هنا مذكرا ، وأعاده مؤنثا في قوله : اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها . وقرأ بها هنا عباس بن الفضل على التأنيث ، وأعاد الضمير كضمير جمع العقلاء في قوله : ( أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ) .

( ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) ضلالا ليس جاريا على ( يضلهم ) ؛ فيحتمل أن يكون جعل مكان ( إضلال ) ، ويحتمل أن يكون مصدر المطاوع ( يضلهم ) ; أي فيضلون ضلالا بعيدا . وقرأ الجمهور : بما أنزل إليك ، وما أنزل مبنيا للمفعول فيهما . وقرئ : مبنيا للفاعل فيهما .
تفسير المنار
محمد رضا
قال السيوطي في لباب النقول : أخرج ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس ، قال : " كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه ، فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله تعالى : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا إلى قوله : إلا إحسانا وتوفيقا ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة ، أو سعيد عن ابن عباس قال : " كان الجلاس بن الصامت ، ومعتب بن قشير ، ورافع بن زيد ، وبشر يدعون الإسلام فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية فأنزل الله فيهم : ألم تر إلى الذين يزعمون الآية ، وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : " كان بين رجل من اليهود ، ورجل من المنافقين خصومة ، فقال اليهودي : أحاكمك إلى أهل دينك ، أو قال : إلى النبي ; لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم فاختلفا ، واتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فنزلت " اهـ .

الأستاذ الإمام : الكلام متصل بما قبله فإنه تعالى ذكر أن اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت إلخ ، وذكر من سوء حالهم ووعيدهم ما ذكر ، ثم أمر المؤمنين بعد ذلك بأداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم بالعدل ; لأن أولئك قد خانوا بجعلهم الكافرين أهدى سبيلا من المؤمنين ، وأمرهم بطاعة الله ورسوله في كل شيء ، وطاعة أولي الأمر فيما يجمعون عليه مختارين لا مسيطرا عليهم فيه ، وبرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله في مقابلة طاعة أولئك للطاغوت وإيمانهم به ، وبالجبت واتباعهم للهوى .

وبعد هذا بين لنا حال طائفة أخرى بين الطائفتين وهم المنافقون الذين يزعمون أنهم آمنوا ، ومن مقتضى الإيمان امتثال ما أمر به المؤمنون في الآيتين السابقتين ، ولكنهم مع هذه الدعوى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي عليه تلك الطائفة ، فقال : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد ذكر المفسرون أسبابا متعددة لنزول هذه الآية يمنعنا اختلافها وتشتت روايتها أن نجزم بواحدة معينة منها ، وإنما نسترشد بمجموعها إلى معرفة حال من أعرضوا عن حكم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وقد تقدم أن " الطاغوت " مصدر الطغيان ، وهو يصدق على كل من جاءت الروايات في سبب نزول الآية بالتحاكم إليهم كما قرأت آنفا ، ومن قصد التحاكم إلى أي حاكم يريد أن يحكم له بالباطل ويهرب إليه من الحق فهو مؤمن بالطاغوت ، ولا كذلك الذي يتحاكم إلى من يظن أنه يحكم بالحق ، وكل من يتحاكم إليه من دون الله ورسوله ممن يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل ، وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعنى الطغيان الكثير ، ويدخل في هذا ما يقع كثيرا من تحاكم المتخاصمين إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والرمل ومدعي الكشف ، ويخرج المحكم في الصلح ، وكل ما أذن به الشرع مما هو معروف .

[ ص: 182 ] أقول : والاستفهام في قوله تعالى : ألم تر استفهام تعجيب من أمر الذين يزعمون أنهم آمنوا ويأتون بما ينافي الإيمان كما تقدم بيانه في تفسير : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وأحوال الأمم تكون متشابهة ؛ لأنها مظهر أطوار البشر ، فالإيمان الصحيح بكتب الله ورسله يقتضي الاتباع والعمل بما شرعه الله تعالى على ألسنة تلك الرسل ، وترك العمل مع الاستطاعة دليل على أن الإيمان غير راسخ في نفس مدعيه ، فكيف إذا كان العمل بضد ما شرعه الله تعالى ؟ هكذا كان يدعي الإيمان بموسى والتوراة جميع اليهود حتى أولئك الذين يشترون الضلالة بالهدى ، ويأكلون السحت ويؤمنون بالجبت والطاغوت ، وهكذا كان في مسلمي العصر الأول من يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم مع ذلك يرغبون عن التحاكم إليه إلى التحاكم إلى الطاغوت ، وهكذا شأن الناس في كل زمان لا يكونون كلهم عدولا صادقين في ملة من الملل ، ولا يكونون كلهم منافقين أو فاسقين في ملة من الملل ، ومن العجائب أن يقال : إن كل المسلمين الذين رأوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا عدولا ، والقرآن يصف بعضهم بمثل هذه الآية ويسجل على بعضهم النفاق .

والزعم في أصل اللغة القول والدعوى ، سواء أكان ذلك حقا أم باطلا ، قال أمية بن أبي الصلت في شعر له :


سينجزكم ربكم ما زعم
، يريد ما وعد ، وأرى أن القافية اضطرته إلى استعمال هذا الحرف هنا ، وما هو بمكين ، ووعده تعالى لا يكون إلا حقا ، وقال الليث : سمعت أهل العربية يقولون إذا قيل : ذكر فلان كذا وكذا فإنما يقال ذلك لأمر يستيقن أنه حق ، وإذا شك فيه فلم يدره لعله كذب أو باطل ، قيل : زعم فلان كذا ، وقيل : الزعم الظن ، وقيل : الكذب ، وكل هذا مأخوذ من اختلاف الاستعمال بنظر القائل إلى بعض كلام العرب دون بعض ، والذي ينظر في مجموع استعمالاتها لهذه الكلمة يجزم بأن الأكثر أن تستعمل فيما لا يجزم به ، وإن جاز أن يكون حقا ، وقال الراغب : الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب ، ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلين به ، وأشار إلى بعض الآيات في ذلك ، ونحن نزيد عليه في بيانها ، قال تعالى : زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ( 64 : 7 ) ، وقال : وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ، وضل عنكم ما كنتم تزعمون ( 6 : 94 ) ، وقال : قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ، فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ( 17 : 56 ) ، وقال : بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا ( 18 : 52 ) ، وبقي آيات أخرى مستعملة هذا الاستعمال ، فلغة القرآن أن الزعم يستعمل في الباطل والكذب ، وهو يرد على الزاعمين ولا يقرهم على شيء .

وقد أمروا أن يكفروا به أي : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن [ ص: 183 ] يكفروا به في التنزيل الذي يزعمون أنهم آمنوا به ، فهذا التنزيل قد بين ذلك بنص الخطاب أو فحواه ، قال تعالى في سورة النحل وهي مكية : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ( 1 : 36 ) ، الآية ، وهي نص في أن كل نبي أرسله الله تعالى قد أمر أتباعه باجتناب الطاغوت ، وقال تعالى : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ( 2 : 256 ) ، إلخ الآيتين ، والمعنى أن هؤلاء الزاعمين تدعي ألسنتهم الإيمان بالله ، وبما أنزله على رسله ، وتدل أفعالهم على كفرهم بالله وإيمانهم بالطاغوت وإيثارهم لحكمه .
ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا قال الأستاذ الإمام : أي أن الشيطان ـ الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان ـ يريد أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فيكون ضلالهم عنه مستمرا ؛ لأنهم لشدة بعدهم عنه لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه .

قيل له : فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين ؟ قال : تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فإذا كنا قد تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال من قبل أن نبتلى بهذه القوانين ومنفذيها ، فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة ، ومنها المخالف لها ؟ ونحن الآن مكرهون على التحاكم إلى هذه القوانين ، فما كان منها يخالف حكم الله تعالى يقال فيه ، أي : في أهله : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ( 16 : 106 ) ، الآية ، وانظر إلى ما هو موكول إلينا إلى الآن كالأحكام الشخصية والعبادات والمعاملات بين الوالدين والأولاد والأزواج والزوجات فهل نرجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله ؟ إذا تنازع عالمان منا في مسألة ، فهل يردانها إلى الله ورسوله أم يردانها إلى قيل وقال ؟ فهذا يقول : قال الحمل ، وهذا يقول : قال الصاوي ، وفلان وفلان ، انتهى ما كتبه عنه في الدرس وكتبت في آخره يومئذ " يحرر الموضوع " ومراده ظاهر ، فإنه يقول : إنه لا قول لأحد في قضية أو مسألة مع وجود نص فيها مما أنزله الله تعالى على رسوله ، أو ما قضى به ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإذن الله عز وجل ، والمسلمون قد تركوا ما جرى عليه السلف من النظر في كل قضية في كتاب الله أولا ، ثم في سنة رسوله وفي رد المتنازع فيه إليهما ، بل عملوا بآراء الناس الذين ينتمون إليهم ، ويسمونهم علماء مذاهبهم ، وإن وجد نص الكتاب أو السنة مخالفا له ، ويحرمون الرجوع إلى هذه النصوص ؛ لأن ذلك من الاجتهاد الممنوع عندهم الذي يعد المتصدي له ضالا مضلا في نظرهم ، وقد ترتب على هذا الذنب الذي هو اجتناب تقديم الكتاب والسنة على كل قول ورأي أن سلس المسلمون لحكامهم في مثل مصر ، حتى انتقلوا بهم من الحكم يقول فلان وفلان من الذين يسمونهم أهل الفقه ويأخذون بما في كتبهم ابتداء ـ وافق [ ص: 184 ] نصوص الكتاب والسنة ، أم خالفها ـ إلى الحكم بقول فلان وفلان من واضعي القوانين ، ولم يكن المتحاكمون إلى رجال القانون أسوأ حالا من المتحاكمين إلى أقوال الفقهاء ، وهم الآن أقدر على تحكيم الكتاب والسنة في عباداتهم ومعاملاتهم فيما بينهم ، وفي محاكمهم الشرعية منهم على تحكيمها في المعاملات المدنية والعقوبات ; لأنهم في هذا تحت سيطرة الأجانب الأقوياء ، وأما في ذاك فليسوا تحت سيطرة أجنبية ، فإذا أراد علماؤهم وأهل الرأي والمكانة فيهم ذلك نفذ ، ولكنهم لا يريدون والذين يضعون هذه القوانين المصرية يوافقون في أكثرها الشرع ويبنون رأيهم على المصلحة العامة بحسب ما يصل إليه علمهم ، ولكنهم لا يلصقون رأيهم بالشرع كالفقهاء ، ومراعاة المصلحة من مقاصد الشرع في المنصوص وفي الموكول إلى الرأي ، والناس يقبلون آراء المنسوبين إلى الفقه ، ولو فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة ; لأنهم يلصقونها بالشرع من حيث يدعون أنها اجتهاد صحيح مبني على أصوله ، ولكن لا اجتهاد مع النص ، وربما كان العامل بالرأي ـ لا يسميه دينا ـ أقل جناية على الشرع ممن يعمل بالرأي يسميه دينا ، ولا سيما مع وجود النص .

وجملة القول : أنه ما كان للمسلمين أن يقبلوا قول أحد ، أو يعملوا برأيه في شيء له حكم في كتاب الله أو سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الثابتة ، إلا فيما رخص الله تعالى فيه من أحكام الضرورات والحاجات ، وما لا حكم فيهما فالعمل فيه برأي أولي الأمر في كل زمن بشرطه أولى من العمل دائما برأي بعض المؤلفين لكتب الفقه في القرون الخالية ; لأنه أقرب إلى المصلحة ، هذا هو ما كان يريده رحمه الله تعالى في العبارة التي قالها في درسه بالأزهر ، وما كان يعتقده ، نعم إن من يضعون الأحكام لما لا نص فيه يشترط في الإسلام أن يكونوا عالمين بالنصوص ومقاصد الشريعة ، وعللها حتى لا يخالفوها وليتيسر لهم رد المتنازع فيه إليها ، والأستاذ الإمام يقول بهذا أيضا .

التفسير الكبير
الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين

قوله تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) .

اعلم أنه تعالى لما أوجب في الآية الأولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه ، وإنما يريدون حكم غيره ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : الزعم والزعم لغتان ، ولا يستعملان في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق . قال الليث : أهل العربية يقولون زعم فلان إذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق ، فكذلك تفسير قوله : ( هذا لله بزعمهم ) [الأنعام : 136 ] أي بقولهم الكذب . قال الأصمعي : الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا ، وقال ابن الأعرابي : الزعم يستعمل في الحق ، وأنشد لأمية بن الصلت :


وإني أدين لكم أنه سينجزكم ربكم ما زعم


إذا عرفت هذا فنقول : الذي في هذه الآية المراد به الكذب ، لأن الآية نزلت في المنافقين .

المسألة الثانية : ذكروا في أسباب النزول وجوها :

الأول : قال كثير من المفسرين : نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي : بيني وبينك أبو القاسم ، وقال المنافق : بيني وبينك كعب بن الأشرف ، والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة ، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة ، واليهودي كان محقا ، والمنافق كان مبطلا ، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول ، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف ، ثم أصر اليهودي على قوله ، فذهبا إليه صلى الله عليه وسلم ، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام لليهودي على المنافق ، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم أبو بكر رضي الله عنه لليهودي فلم يرض المنافق ، وقال المنافق : بيني وبينك عمر ، فصارا إلى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول عليه الصلاة والسلام وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما ، فقال للمنافق : أهكذا ؟ فقال : نعم ، قال : اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما . فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي ، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عمر عن قصته ، فقال عمر : إنه رد حكمك يا رسول الله ، فجاء جبريل عليه السلام في الحال وقال : إنه الفاروق فرق بين الحق والباطل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : " أنت الفاروق " وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف .

[ ص: 124 ] الرواية الثانية : في سبب نزول هذه الآية أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به ، وأخذ منه دية مائة وسق من تمر ، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به ، لكن أعطى ديته ستين وسقا من التمر ، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس ، وقريظة حلفاء الخزرج ، فلما هاجر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه ، فقالت بنو النضير : لا قصاص علينا ، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل ، وقالت الخزرج : هذا حكم الجاهلية ، ونحن وأنتم اليوم إخوة ، وديننا واحد ولا فضل بيننا ، فأبى بنو النضير ذلك ، فقال المنافقون : انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ، وقال المسلمون : بل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ودعا الرسول عليه الصلاة والسلام الكاهن إلى الإسلام فأسلم ، هذا قول السدي ، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن .

الرواية الثالثة : قال الحسن : إن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق ، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن ، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل .

الرواية الرابعة : كانوا يتحاكمون إلى الأوثان ، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن ، فما خرج على القداح عملوا به ، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن .

واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين ، ثم قال أبو مسلم : ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب ، مثل أنه كان يهوديا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى : ( يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) إنما يليق بمثل هذا المنافق .
المسألة الثالثة : مقصود الكلام أن بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم . قال القاضي : ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر ، وعدم الرضا بحكم محمد عليه الصلاة والسلام كفر ، ويدل عليه وجوه :

الأول : أنه تعالى قال : ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به ، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله ، كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله .

الثاني : قوله تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) [ النساء : 65 ] إلى قوله : ( ويسلموا تسليما ) [ النساء : 65 ] وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول عليه الصلاة والسلام .

الثالث : قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) [ النور : 63 ] وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة ، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خارج عن الإسلام ، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد ، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم .
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : إن قوله تعالى : ( ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ) يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بإرادته ، وبيانه من وجوه :

الأول : أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي تأثير للشيطان فيه ، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه ؟ .

الثاني : أنه تعالى ذم الشيطان بسبب أنه يريد [ ص: 125 ] هذه الضلالة ؟ فلو كان تعالى مريدا لها لكان هو بالذم أولى من حيث أن كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى : ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) [ الصف : 3 ] .

الثالث : أن قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به ، ولو كان ذلك التحاكم بخلق الله لما بقي التعجب ، فإنه يقال : إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم ، بل التعجب من هذا التعجب أولى ، فإن من فعل ذلك فيهم ثم أخذ يتعجب منهم أنهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى .

واعلم أن حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم ، وقد عرفت منا أنا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي والله أعلم .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية
محمد بن علي بن محمد الشوكاني

قوله : ألم تر إلى الذين يزعمون فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله وهو القرآن ، وما أنزل على من قبله من الأنبياء ، فجاءوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلا ، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به ، وسيأتي بيان سبب نزول الآية ، وبه يتضح معناها . وقد تقدم تفسير الطاغوت والاختلاف في معناه .

قوله : ويريد الشيطان معطوف على قوله : يريدون والجملتان مسوقتان لبيان محل التعجب ، كأنه قيل : ماذا يفعلون ؟ فقيل : يريدون كذا ، ويريد الشيطان كذا . وقوله : ضلالا مصدر للفعل المذكور بحذف الزوائد كقوله : والله أنبتكم من الأرض نباتا أو مصدر لفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور ، والتقدير : ويريد الشيطان أن يضلهم فيضلون ضلالا .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-06-2015, 03:37 AM   رقم المشاركة :[26]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

يقول تعالى في سورة النساء : الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)

تفسير المنار
محمد رشيد رضا
الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت تقدم أن الطاغوت من المبالغة في الطغيان ، وهو مجاوزة حدود الحق والعدل والخير ، إلى الباطل [ ص: 212 ] والظلم والشر ، فلو ترك المؤمنون القتال - والكافرون لا يتركونه - لغلب الطاغوت وعم ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ( 2 : 251 ) ، فغلبت الوثنية المفسدة للعقول والأخلاق ، وعم الظلم بعموم الاستبداد فقاتلوا أولياء الشيطان فأنتم أيها المؤمنون أولياء الرحمن إن كيد الشيطان كان ضعيفا لأنه يزين لأصحابه الباطل والظلم والشر ، وإهلاك الحرث والنسل ، فيوهمهم بوسوسته أنها خير لهم ، وفيها عزهم وشرفهم ، وهذا هو الكيد والخداع ، ومن سنن الله في تعارض الحق والباطل ، أن الحق يعلو والباطل يسفل ، وفي مصارعة المصالح والمفاسد بقاء الأصلح ، ورجحان الأمثل ، فالذين يقاتلون في سبيل الله يطلبون شيئا ثابتا صالحا تقتضيه طبيعة العمران فسنن الوجود مؤيدة لهم ، والذين يقاتلون في سبيل الشيطان يطلبون الانتقام والاستعلاء في الأرض بغير حق ، وتسخير الناس لشهواتهم ولذاتهم وهي أمور تأباها فطرة البشر السليمة ، وسنن العمران القويمة ، فلا قوة ولا بقاء لها ، إلا بتركها وشأنها ، وإرخاء العنان لأهلها ، وإنما بقاء الباطل في نومة الحق عنه ، وثم معنى آخر ، قال الأستاذ الإمام : هذه الآية جواب عما عساه يطوف بخواطر أولئك الضعفاء ، وهو أننا لا نقاتل لأننا ضعفاء والأعداء أكثر منا عددا ، وأقوى منا عددا ، فدلهم الله - تعالى - على قوة المؤمنين التي لا تعادلها قوة ، وضعف الأعداء الذي لا يفيده معه كيد ولا حيلة ، وهو أن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله ، وهو تأييد الحق الذي يوقن به صاحبه ، وصاحب اليقين والمقاصد الصحيحة الفاضلة تتوجه نفسه بكل قواها إلى إتمام الاستعداد ، ويكون أجدر بالصبر والثبات ، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العدد والعدد .

أقول : وفي هذه الآية من العبرة أن القتال الديني أشرف من القتال المدني لأن القتال الديني في حكم الإسلام يقصد به الحق والعدل وحرية الدين ، وهي المراد بقوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ( 8 : 39 ) ، أي حتى لا يفتن أحد عن دينه ويكره على تركه ، لا إكراه في الدين ( 2 : 256 ) ، وقال في وصف من أذن لهم بالقتال بعد ما بين إلجاء الضرورة إليه : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ( 22 : 41 ) ، وتقدم شرح ذلك مرارا ، وأما القتال المدني فإنما يقصد به الملك والعظمة ، وتحكم الغالب القوي في المغلوب الضعيف ، وإنما يذم أهل المدنية الحرب الدينية ; لأنهم أولو قوة وأولو بأس شديد في الحروب المدنية ، ولهم طمع في بلاد ليس لها مثل تلك القوة ، وإنما لها بقية من قوة العقيدة ، فهم يريدون القضاء على هذه البقية ويتهمونها باطلا بهذه التهمة .

ومنها أن هذه الآيات وسائر ما ورد في القتال في السور المتعددة تدل - إذا عرضت عليها أعمال المسلمين - على أن الحرب التي يوجبها الدين ويشترط لها الشروط ويحدد لها الحدود [ ص: 213 ] قد تركها المسلمون من قرون طويلة ، ولو وجدت في الأرض حكومة إسلامية تقيم القرآن وتحوط الدين وأهله بما أوجبه من إعداد كل ما يستطاع من قوة واستعداد للحرب حتى تكون أقوى دولة حربية ثم إنها مع ذلك تتجنب الاعتداء فلا تبدأ غيرها بقتال بمحض الظلم والعدوان ، بل تقف عند تلك الحدود العادلة في الهجوم والدفاع ، لو وجدت هذه الحكومة لاتخذها أهل المدنية الصحيحة قدوة صالحة لهم ، ولكن صار بعض الأمم التي لا تدين بالقرآن أقرب إلى أحكامه في ذلك ممن يدعون اتباعه ، وإنما الغلبة والعزة لمن يكون أقرب إلى هداية القرآن بالفعل ، على من يكون أبعد عنها وإن انتسب إليه بالقول .

ومن مباحث اللفظ في الآية تذكير صفة اللفظ المؤنث في قوله : القرية الظالم أهلها لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل أو المفعول إذا أجري على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه ، فالظالم أهلها هاهنا كقولك : التي يظلم أهلها .

التفسير الكبير
الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

قوله تعالى : ( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء ) [ ص: 147 ] ( الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) .

واعلم أنه تعالى لما بين وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد ، بل العبرة بالقصد والداعي ، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته ، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت ، وهذه الآية دالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت ، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله أو في سبيل الطاغوت ؛ وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا ، ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان ، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا ، لأن الله ينصر أولياءه ، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه ، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة ، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم ، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال : كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه وفائدة إدخال ( كان ) في قوله : ( كان ضعيفا ) للتأكيد لضعف كيده ، يعني أنه منذ كان ، كان موصوفا بالضعف والذلة .

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية
محمد بن علي بن محمد الشوكاني
قوله : الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله هذا ترغيب للمؤمنين وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت أي : سبيل الشيطان أو الكهان أو الأصنام ، وتفسير الطاغوت هنا بالشيطان أولى لقوله : فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا أي : مكره ومكر من اتبعه من الكفار
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه إن كيد الشيطان كان ضعيفا . قال مجاهد : كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة فكنت أذكر قول ابن عباس فأحمل عليه فيذهب عني .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-06-2015, 04:03 AM   رقم المشاركة :[27]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

يقول تعالى (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ

التفسير الكبير المسمى البحر المحيط
أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الأندلسي
التحليل الموضوعي
( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ) الخطاب بالأمر للرسول ، صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 518 ] وتضمن الخطاب لأهل الكتاب الذين أمر أن يناديهم أو يخاطبهم بقوله تعالى : يا أهل الكتاب هل تنقمون منا ; هذا هو الظاهر . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون ضمير الخطاب للمؤمنين ; أي : قل يا محمد للمؤمنين هل أنبئكم بشر من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى الله ، أولئك أسلافهم الذين لعنهم الله وغضب عليهم ، وتكون الإشارة بذلك إلى حالهم . انتهى . فعلى هذا الإضمار يكون قوله : بشر ; أفعل تفضيل باقية على أصل وضعها من كونها تدل على الاشتراك في الوصف ، وزيادة الفضل على المفضل عليه في الوصف ، فيكون ضلال أولئك الأسلاف وشرهم أكثر من ضلال هؤلاء الفاسقين ، وإن كان الضمير خطابا لأهل الكتاب ، فيكون شر على بابها من التفضيل على معتقد أهل الكتاب إذ قالوا : ما نعلم دينا شرا من دينكم . وفي الحقيقة لا ضلال عند المؤمنين ، ولا شركة لهم في ذلك مع أهل الكتاب ، وذلك كما ذكرنا إشارة إلى دين المؤمنين أو حال أهل الكتاب ، فيحتاج إلى حذف مضاف إما قبله ، وإما بعده ; فيقدر قبله : بشر من أصحاب هذه الحال ، ويقدر بعده : حال من لعنه الله ; ولكون لعنه الله . . . . . . . . . أن اسم الإشارة يكون على كل حال من تأنيث وتثنية وجمع كما يكون للواحد المذكر ، فيحتمل أن يكون ذلكم من هذه اللغة ، فيصير إشارة إلى الأشخاص كأنه قال : بشر من أولئكم ، فلا يحتاج إلى تقدير مضاف ، لا قبل اسم الإشارة ، ولا بعده ، إذ يصير من لعنه الله : تفسير أشخاص بأشخاص . ويحتمل أن يكون ذلكم أيضا : إشارة إلى متشخص ، وأفرد على معنى الجنس كأنه قال : قل هل أنبئكم بشر من جنس الكتابي ، أو من جنس المؤمن ، على اختلاف التقديرين اللذين سبقا ، ويكون أيضا من لعنه الله : تفسير شخص بشخص .

وقرأ النخعي وابن وثاب : أنبئكم من أنبأ ، وابن بريدة ، والأعرج ، ونبيج ، وابن عمران : مثوبة كمعورة . والجمهور : من نبأ ومثوبة كمعونة . وتقدم توجيه القراءتين في ( لمثوبة من عند الله ) وانتصب مثوبة هنا على التمييز ، وجاء التركيب الأكثر الأفصح من تقديم المفضل عليه على التمييز كقوله : ( ومن أصدق من الله حديثا ) وتقديم التمييز على المفضل أيضا فصيح كقوله : ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ) وهذه المثوبة هي في الحشر يوم القيامة . فإن لوحظ أصل الوضع فالمعنى مرجوعا ، ولا يدل إذ ذاك على معنى الإحسان . وإن لوحظ كثرة الاستعمال في الخير والإحسان ، فوضعت المثوبة هنا موضع العقوبة على طريقة بينهم في : " تحية بينهم ضرب وجيع " ( فبشرهم بعذاب أليم ) و " من " في موضع رفع كأنه قيل : من هو ؟ فقيل : هو من لعنه الله . أو في موضع جر على البدل من قوله : بشر ; وجوزوا أن يكون في موضع نصب على موضع بشر ; أي : أنبئكم من لعنه الله . ويحتمل من لعنه الله أن يراد به أسلاف أهل الكتاب كما تقدم ، أو الأسلاف والأخلاف ، فيندرج هؤلاء الحاضرون فيهم . والذي تقتضيه الفصاحة أن يكون من وضع الظاهر موضع الضمير تنبيها على الوصف الذي حصل به كونه شرا مثوبة ، وهي اللعنة والغضب . وجعل القردة والخنازير منهم ، وعبد الطاغوت ، وكأنه قيل : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله أنتم ; أي : هو أنتم . ويدل على هذا المعنى قوله بعد : ( وإذا جاءوكم قالوا آمنا ) فيكون الضمير واحدا . وقرأ أبي وعبد الله : من غضب الله عليهم ، وجعلهم قردة وخنازير ، وجعل هنا بمعنى صير . وقال الفارسي : بمعنى خلق ، لأن بعده وعبد الطاغوت ، وهو معتزلي لا يرى أن الله يصير أحدا عابد طاغوت . وتقدم الكلام في مسخهم قردة في البقرة .

وأما الذين مسخوا خنازير فقيل : شيوخ أصحاب السبت ، إذ مسخ شبانهم قردة ، قاله : ابن عباس . وقيل : أصحاب مائدة عيسى . وذكرت أيضا قصة طويلة في مسخ بني إسرائيل خنازير ملخصها : أن امرأة منهم مؤمنة قاتلت ملك مدينتها ومن معه ، وكانوا قد كفروا بمن اجتمع إليها ممن دعته إلى [ ص: 519 ] الجهاد ثلاث مرات وأتباعها يقتلون ، وتنفلت هي ، فبعد الثالثة سبيت واستبرأت في دينها ، فمسخ الله أهل المدينة خنازير في ليلتهم تثبيتا لها على دينها ، فلما رأتهم قالت : اليوم علمت أن الله أعز دينه وأقره ، فكان المسخ خنازير على يدي هذه المرأة ، وتقدم تفسير الطاغوت .

وقرأ جمهور السبعة : وعبد الطاغوت . وقرأ أبي : وعبدوا الطاغوت . وقرأ الحسن في رواية : وعبد الطاغوت ، بإسكان الباء . وخرجه ابن عطية : على أنه أراد وعبدا منونا فحذف التنوين كما حذف في قوله : ولا ذاكر الله إلا قليلا ولا وجه لهذا التخريج ، لأن عبدا لا يمكن أن ينصب الطاغوت ، إذ ليس بمصدر ولا اسم فاعل ، والتخريج الصحيح : أن يكون تخفيفا من عبد بفتحها كقولهم : في سلف سلف . وقرأ ابن مسعود في رواية : عبد ، بضم الباء ، نحو شرف الرجل ; أي : صار له عبد كالخلق والأمر المعتاد قاله ابن عطية ، وقال الزمخشري : أي : صار معبودا من دون الله كقولك : أمر إذا صار أميرا . انتهى . وقرأ النخعي وابن القعقاع والأعمش في رواية هارون ، وعبد الطاغوت ، مبنيا للمفعول ، كضرب زيد . وقرأ عبد الله في رواية : وعبدت الطاغوت ، مبنيا للمفعول ، كضربت المرأة . فهذه ست قراءات بالفعل الماضي ، وإعرابها واضح . والظاهر أن هذا المفعول معطوف على صلة من وصلت بلعنه ، وغضب ، وجعل ، وعبد ، والمبني للمفعول ضعفه الطبري وهو يتجه على حذف الرابط ; أي : وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم . ويحتمل أن يكون وعبد ليس داخلا في الصلة ، لكنه على تقدير من ، وقد قرأ بها مظهرة عبد الله قرأ : ومن عبد ; فإما عطفا على القردة والخنازير ، وإما عطفا على " من " في قوله : من لعنه الله . وقرأ أبو واقد الأعرابي : وعباد الطاغوت ; جمع عابد ، كضراب زيد . وقرأ ابن عباس في رواية ، وجماعة ، ومجاهد ، وابن وثاب : وعبد الطاغوت ; جمع عبد ، كرهن ورهن . وقال ثعلب : جمع عابد ، كشارف وشرف . وقال الزمخشري تابعا للأخفش : جمع عبيد ، فيكون إذ ذاك جمع جمع وأنشدوا :


انسب العبد إلى آبائه أسود الجلدة من قوم عبد


وقرأ الأعمش وغيره : وعبد الطاغوت جمع عابد ، كضارب وضرب . وقرأ بعض البصريين : وعباد الطاغوت ; جمع عابد كقائم وقيام ، أو جمع عبد . أنشد سيبويه :


أتوعدني بقومك يابن حجل أسابات يخالون العبادا


وسمي عرب الحيرة من العراق لدخولهم في طاعة كسرى : عبادا . وقرأ ابن عباس في رواية : وعبيد الطاغوت ; جمع عبد ، نحو كلب وكليب . وقرأ عبيد بن عمير : وأعبد الطاغوت ; جمع عبد ، كفلس وأفلس . وقرأ ابن عباس وابن أبي عبلة : وعبد الطاغوت ; يريد : وعبدة جمع عابد ، كفاجر وفجرة ، وحذف التاء للإضافة ، أو اسم جمع كخادم وخدم ، وغائب وغيب . وقرئ : وعبدة الطاغوت ; بالتاء نحو فاجر وفجرة ، فهذه ثمان قراءات بالجمع المنصوب عطفا على القردة والخنازير مضافا إلى الطاغوت . وقرئ وعابدي ، وقرأ ابن عباس في رواية : وعابدو . وقرأ عون العقيلي : وعابدو ، وتأولها أبو عمرو على أنها عآبد . وهذان جمعا سلامة أضيفا إلى الطاغوت ، فبالتاء عطفا على القردة والخنازير ، وبالواو عطفا على من لعنه الله أو على إضمارهم . وتحتمل قراءة عون أن يكون عابد مفردا اسم جنس . وقرأ أبو عبيدة : وعابد ; على وزن ضارب مضافا إلى لفظ الشيطان ، بدل الطاغوت . وقرأ الحسن : وعبد الطاغوت ; على وزن كلب . وقرأ عبد الله في رواية : وعبد ; على وزن حطم ، وهو بناء مبالغة . وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة : وعبد ; على وزن يقظ وندس ، فهذه أربع قراءات بالمفرد المراد به الجنس أضيفت إلى الطاغوت . وفي القراءة الأخيرة منها خلاف بين العلماء . قال نصير النحوي صاحب [ ص: 520 ] الكسائي : وهو وهم ممن قرأ به ، وليسأل عنه العلماء حتى نعلم أنه جائز . وقال الفراء : إن يكن لغة مثل حذر وعجل فهو وجه ، وإلا فلا يجوز في القراءة . وقال أبو عبيد : إنما معنى العبد عندهم الأعبد ، يريدون خدم الطاغوت ، ولم نجد هذا يصح عن أحد من فصحاء العرب أن العبد يقال فيه عبد ، وإنما هو عبد وأعبد بالألف . وقال أبو علي : ليس في أبنية المجموع مثله ، ولكنه واحد يراد به الكثرة ، وهو بناء يراد به المبالغة ، فكأن هذا قد ذهب في عبادة الطاغوت . وقال الزمخشري : ومعناه العلو في العبودية كقولهم : رجل حذر فطن للبليغ في الحذر والفطنة ; قال الشاعر :


أبني لبينى إن أمكم أمة وإن أباكم عبد


انتهى .

وقال ابن عطية : عبد لفظ مبالغة كيقظ وندس ، فهو لفظ مفرد يراد به الجنس ، وبني بناء الصفات ، لأن عبدا في الأصل صفة ، وإن كان يستعمل استعمال الأسماء ، وذلك لا يخرجه عن حكم الصفة ، ولذلك لم يمتنع أن يبنى منه بناء مبالغة . وأنشد أبني لبينى . . . . . . . . . البيت ، وقال : ذكره الطبري وغيره ، بضم الباء ، . انتهى . وعد ابن مالك في أبنية أسماء الجمع فعلا فقال : ومنها فعل كنحو سمر وعبد . وقرأ ابن عباس فيما روى عنه عكرمة : وعبد الطاغوت جمع عابد كضارب وضرب ، ونصب الطاغوت أراد عبدا منونا فحذف التنوين لالتقاء الساكنين كما قال : ( ولا ذاكر الله إلا قليلا ) فهذه إحدى وعشرون قراءة بقراءة بريد ، تكون اثنين وعشرين قراءة .

قال الزمخشري : ( فإن قلت ) : كيف جاز أن يجعل الله منهم عباد الطاغوت ؟ ( قلت ) : فيه وجهان : أحدهما : أنه خذلهم حتى عبدوها ، والثاني : أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقولهم : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) . انتهى . وهذا على طريق المعتزلة ، وتقدم تفسير الطاغوت . وقرأ الحسن : الطواغيت . وروي أنه لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود يقولون : يا إخوة القردة والخنازير ، فينكسون رءوسهم .
( أولئك شر مكانا ) الإشارة إلى الموصوفين باللعنة وما بعدها ، وانتصب مكانا على التمييز . فإن كان ذلك في الآخرة أن يراد بالمكان حقيقة إذ هو جهنم ، وإن كان في الدنيا فيكون كناية واستعارة للمكانة في قوله : أولئك شر ، لدخوله في باب الكناية كقولهم : فلان طويل النجاد وهي إشارة إلى الشيء بذكر لوزامه وتوابعه قبل المفضول ، وهو مكان المؤمنين ، ولا شر في مكانهم . وقال الزجاج : شر مكانا على قولكم وزعمكم . وقال النحاس : أحسن ما قيل شر مكانا في الآخرة من مكانكم في الدنيا ، لما يلحقكم من الشر . وقال ابن عباس : مكانهم سقر ، ولا مكان أشد شرا منه . والذي يظهر أن المفضول هو غيرهم من الكفار ، لأن اليهود جاءتهم البينات والرسل والمعجزات ما لم يجئ غيرهم كثرة ، فكانوا أبعد ناس عن اتباع الحق وتصديق الرسل وأوغلهم في العصيان ، وكفروا بأنواع من الكفر والرسل ، تنتابهم الغيبة بعد الغيبة ، فأخبر تعالى عنهم بأنهم شر من الكفار .
( وأضل عن سواء السبيل ) أي : عن وسط السبيل وقصده ، أي : هم حائرون لا يهتدون إلى مستقيم الطريق .
تفسير المنار
محمد رشيد رضا

( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ) المثوبة كالمقولة من ثاب الشيء يثوب ، وثاب إليه ، إذا رجع ; فهي الجزاء والثواب ، واستعماله في الجزاء الحسن أكثر ، وقيل استعماله في الجزاء السيئ تهكم ، والمعنى هل أنبئكم يا معشر المستهزئين بديننا وأذاننا بما هو شر من عملكم هذا ثوابا وجزاء عند الله تعالى ؟ وهذا السؤال يستلزم سؤالا منهم عن ذلك ، وجوابه قوله تعالى : ( من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ) أي إن الذي هو شر من ذلك ثوابا وجزاء عند الله ، هو عمل من لعنه الله ، أو جزاء من لعنه الله . . . إلخ . فهو على حد قوله تعالى : ( ولكن البر من اتقى ) ( 2 : 189 ) وقوله : ( ولكن البر من آمن بالله ) ( 2 : 177 ) وفي هذا التعبير وجه آخر ، وهو : هل أنبئكم بشر من أهل ذلك العمل مثوبة عند الله ؟ هم الذين لعنهم الله . . . إلخ . كما تقول في تفسير الآية الأخرى : ولكن ذا البر من اتقى .

انتقل بهذه الآية من تبكيت اليهود وإقامة الحجة على هزئهم ولعبهم بما تقدم ، إلى ما هو أشد منه تبكيتا وتشنيعا عليهم ، بما فيه من التذكير بسوء حالهم مع أنبيائهم ، وما كان من جزائهم على فسقهم ، وتمردهم بأشد ما جازى الله تعالى به الفاسقين الظالمين لأنفسهم ، وهو اللعن والغضب ، والمسخ الصوري أو المعنوي ، وعبادة الطاغوت ، وقد عظم شأن هذا المعنى بتقديم الاستفهام عليه ، المشوق إلى الأمر العظيم المنبأ عنه .

أما لعن الله فهو مبين مع سببه في عدة آيات من سورتي البقرة والنساء ، وقد تقدم تفسيره ، وكذا هذه السورة ( المائدة ) فسيأتي في غير هذه الآية ، خبر لعنهم ، ومنها أنهم لعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام . وبعض ذلك اللعن مطلق ، وبعضه مقيد بأعمال لهم ; كنقض الميثاق . والفرية على مريم العذراء ، وترك التناهي عن المنكر .

[ ص: 371 ] ومنه لعن أصحاب السبت ; أي الذين اعتدوا فيه . وقد ذكر في سورة البقرة مجملا ، وسيأتي في سورة الأعراف مفصلا .

والغضب الإلهي يلزم اللعنة وتلزمه ، بل اللعنة عبارة عن منتهى المؤاخذة لمن غضب الله عليه ، وتقدم تفسير كل منهما .

وأما جعله منهم القردة والخنازير فتقدم في سورة البقرة ، وسيأتي في سورة الأعراف . قال تعالى في الأول : ( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ( 2 : 65 ) وقال بعد بيان اعتدائهم في السبت من الثانية : ( فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) ( 7 : 166 ) وجمهور المفسرين على أن معنى ذلك أنهم مسخوا فكانوا قردة وخنازير حقيقة ، وانقرضوا ; لأن الممسوخ لا يكون له نسل كما ورد . وفي الدر المنثور " أخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم في قوله : ( فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) قال : مسخت قلوبهم ، ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا " ; فالمراد على هذا أنهم صاروا كالقردة في نزواتها ، والخنازير في اتباع شهواتها ، وتقدم في تفسير آية البقرة ترجيح هذا القول من جهة المعنى ، بعد نقله عن مجاهد من رواية ابن جرير . قال : " مسخت قلوبهم ، ولم يمسخوا قردة ، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارا " ولا عبرة برد ابن جرير قول مجاهد هذا ، وترجيحه القول الآخر فذلك اجتهاده ، وكثيرا ما يرد به قول ابن عباس والجمهور . وليس قول مجاهد بالبعيد من استعمال اللغة ; فمن فصيح اللغة أن تقول : ربى فلان الملك قومه أو جيشه على الشجاعة والغزو ، فجعل منهم الأسود الضواري ، وكان له منهم الذئاب المفترسة .

وأما قوله تعالى : ( وعبد الطاغوت ) ففيه قراءتان سبعيتان متواترتان ، وعدة قراءات شاذة ، قرأ الجمهور " عبد " بالتحريك على أنه فعل ماض من العبادة ، و " الطاغوت " بالنصب مفعوله ، والجملة على هذا معطوفة على قوله : ( لعنه الله ) أي هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ؟ هم من لعنه الله ، وغضب عليه . . . إلخ ، ومن عبد الطاغوت . وقرأ حمزة ( وعبد ) بفتح العين والدال وضم الباء ، وهو لغة في ( عبد ) بوزن ( بحر ) واحد العبيد ، وقرأ ( الطاغوت ) بالجر بالإضافة ، وهو على هذا معطوف على ( القردة ) أي وجعل منهم عبيد الطاغوت ، بناء على أن عبدا يراد به الجنس لا الواحد ، كما تقول : كاتب السلطان يشترط فيه كذا وكذا ، وقد تقدم أن الطاغوت اسم فيه معنى المبالغة من الطغيان الذي هو مجاوزة الحد المشروع والمعروف إلى الباطل والمنكر ; فهو يشمل كل مصادر طغيانهم ، وخصه بعض المفسرين بعبادة العجل ، ولا دليل على التخصيص .

( أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل ) أي أولئك الموصوفون بما ذكر من المخازي [ ص: 372 ] والشنائع شر مكانا ; إذ لا مكان لهم في الآخرة إلا النار ، أو المراد بإثبات الشر لمكانهم إثباته لأنفسهم من باب الكناية ، الذي هو كإثبات الشيء بدليله ، وأضل عن قصد طريق الحق ووسطه الذي لا إفراط فيه ولا تفريط ، ومن كان هذا شأنه لا يحمله على الاستهزاء بدين المسلمين وصلاتهم وأذانهم واتخاذها هزؤا ولعبا إلا الجهل وعمى القلب .

التفسير الكبير
الإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل

ثم قال تعالى : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل )

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : ( من ذلك ) إشارة إلى المنقم ، ولا بد من حذف المضاف ، وتقديره : بشر من أهل ذلك ; لأنه قال : ( من لعنه الله ) ولا يقال : الملعون شر من ذلك الدين ، بل يقال : إنه شر ممن له ذلك الدين .

فإن قيل : فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوما عليهم بالشر ، ومعلوم أنه ليس كذلك .

قلنا : إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم ، فإنهم حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر ، فقيل لهم : هب أن الأمر كذلك ولكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك .

المسألة الثانية : ( مثوبة ) نصب على التمييز ، ووزنها مفعلة كقولك : مقولة ومجوزة ، وهو بمعنى المصدر ، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول والميسور .

فإن قيل : المثوبة مختصة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة ؟

قلنا : هذا على طريقة قوله : ( فبشرهم بعذاب أليم ) [آل عمران : 21] وقول الشاعر :


تحية بينهم ضرب وجيع


المسألة الثالثة : ( من ) في قوله : ( من لعنه الله ) يحتمل وجهين :

الأول : أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، فإنه لما قال : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك ) فكأن قائلا قال : من ذلك ؟ فقيل : هو من لعنه الله ، ونظيره قوله تعالى : ( قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ) [الحج : 72] كأنه قال : هو النار .

الثاني : يجوز أن يكون في موضع خفض بدلا من ( شر ) والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله .

المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعا :

أولها : أنه تعالى لعنهم .

وثانيها : أنه غضب عليهم .

وثالثها : أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ، قال أهل التفسير : عنى بالقردة أصحاب السبت ، وبالخنازير كفار مائدة عيسى ، وروي أيضا أن المسخين كانا في أصحاب السبت ، لأن شبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير .

المسألة الخامسة : ذكر صاحب الكشاف في قوله : ( وعبد الطاغوت ) أنواعا من القراءات :

أحدها : قرأ [ ص: 32 ] أبي : وعبدوا الطاغوت .

وثانيها : قرأ ابن مسعود : ومن عبدوا .

وثالثها : وعابد الطاغوت عطفا على القردة .

ورابعها : وعابدي .

وخامسها : وعباد .

وسادسها : وعبد .

وسابعها : وعبد ، بوزن حطم .

وثامنها : وعبيد .

وتاسعها : وعبد " بضمتين " جمع عبيد .

وعاشرها : وعبدة بوزن كفرة .

والحادي عشر : وعبد ، وأصله عبدة ، فحذفت التاء للإضافة ، أو هو كخدم في جمع خادم .

والثاني عشر : عبد .

والثالث عشر : عباد .

والرابع عشر : وأعبد .

والخامس عشر : وعبد الطاغوت على البناء للمفعول ، وحذف الراجع ، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم .

والسادس عشر : وعبد الطاغوت ، بمعنى صار الطاغوت معبودا من دون الله تعالى ، كقولك : أمر إذا صار أميرا .

والسابع عشر : قرأ حمزة : عبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت ، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ما لا يجوز ذكره ، وقال قوم : إنها ليست بلحن ولا خطأ ، وذكروا فيها وجوها :

الأول : أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة ، كقولهم : رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة ، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان ، وهذا أحسن الوجوه .

والثاني : أن العبد ، والعبد لغتان كقولهم : سبع وسبع .

والثالث : أن العبد جمعه عباد ، والعباد جمعه عبد كثمار وثمر ، ثم استثقلوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة .

الرابع : يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت ، فيكون مثل فلس وأفلس ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى العين .

الخامس : يحتمل أنه أراد : وعبدة الطاغوت كما قرئ ، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل .

المسألة السادسة : قوله : ( وعبد الطاغوت ) قال الفراء : تأويله وجعل منهم القردة ومن عبد الطاغوت ، فعلى هذا : الموصول محذوف .

المسألة السابعة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر بقضاء الله ، قالوا : لأن تقدير الآية وجعل الله منهم من عبد الطاغوت ، وإنما يعقل معنى هذا الجعل إذا كان هو الذي جعل فيهم تلك العبادة ، إذ لو كان جعل تلك العبادة منهم لكان الله تعالى ما جعلهم عبدة الطاغوت ، بل كانوا هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك ، وذلك على خلاف الآية ، قالت المعتزلة : معناه أنه تعالى حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) [الزخرف : 19] والكلام فيه قد تقدم مرارا .

المسألة الثامنة : قيل : الطاغوت العجل ، وقيل : الطاغوت الأحبار ، وكل من أطاع أحدا في معصية الله فقد عبده .

ثم قال تعالى : ( أولئك شر مكانا ) أي أولئك الملعونون الممسوخون شر مكانا من المؤمنين ، وفي لفظ المكان وجهان :

الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأن مكانهم سقر ، ولا مكان أشد شرا منه .

والثاني : أنه أضيف الشر في اللفظ إلى المكان وهو في الحقيقة لأهله ، وهو من باب الكناية كقولهم : فلان طويل النجاد كثير الرماد ، ويرجع حاصله إلى الإشارة إلى الشيء بذكر لوازمه وتوابعه .

ثم قال : ( وأضل عن سواء السبيل ) أي عن قصد السبيل والدين الحق ، قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية عير المسلمون أهل الكتاب وقالوا : يا إخوان القردة والخنازير ، فافتضحوا ونكسوا رؤوسهم .


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية
محمد بن علي بن محمد الشوكاني


قوله : قل هل أنبئكم بشر من ذلك بين الله سبحانه لرسوله أن فيهم من العيب ما هو أولى بالعيب ، وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه ، والمعنى : هل أنبئكم بشر من نقمكم علينا أو بشر مما تريدون لنا من المكروه أو بشر من أهل الكتاب أو بشر من دينهم ، وقوله : ( مثوبة ) أي : جزاء ثابتا ، وهي مختصة بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر .

ووضعت هنا موضع العقوبة على طريقة ( فبشرهم بعذاب أليم ) وهي منصوبة على التمييز من ( بشر ) وقوله : ( من لعنه الله ) خبر لمبتدأ محذوف مع تقدير مضاف محذوف ؛ أي : هو لعن من لعنه الله أو هو دين من لعنه الله ، ويجوز أن يكون في محل جر بدلا من شر .

قوله : وجعل منهم القردة والخنازير أي : مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وهم اليهود ، فإن الله مسخ أصحاب السبت قردة ، وكفار مائدة عيسى منهم خنازير .

قوله : ( وعبد الطاغوت ) قرأ حمزة بضم الباء من ( عبد ) وكسر التاء من ( الطاغوت ) أي : جعل منهم عبد الطاغوت بإضافة عبد إلى الطاغوت .

والمعنى : وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت ؛ لأن فعل من صيغ المبالغة كحذر وفطن ؛ للتبليغ في الحذر والفطنة ، وقرأ الباقون بفتح الباء من ( عبد ) وفتح التاء من ( الطاغوت ) على أنه فعل ماض معطوف على فعل ماض وهو غضب ولعن ، كأنه قيل : ومن عبد الطاغوت ، أو معطوف على القردة والخنازير ؛ أي : جعل منهم القردة والخنازير وجعل منهم عبد الطاغوت حملا على لفظ ( من ) وقرأ أبي وابن مسعود ( وعبدوا الطاغوت ) حملا على معناها ، وقرأ ابن عباس ( وعبد ) بضم العين والباء كأنه جمع عبد ، كما يقال : سقف وسقف ، ويجوز أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف ، أو جمع عابد كبازل وبزل . وقرأ أبو واقد ( وعباد ) جمع عابد للمبالغة ، كعامل وعمال .

وقرأ البصريون ( وعباد ) جمع عابد أيضا ، كقائم وقيام ، ويجوز أن يكون جمع عبد ، وقرأ أبو جعفر الرقاشي ( وعبد الطاغوت ) على البناء للمفعول ، والتقدير وعبد الطاغوت فيهم ، وقرأ عون العقيلي وابن بريدة ( وعابد الطاغوت ) على التوحيد ، وروي عن ابن مسعود وأبي أنهما قرآ ( وعبدة الطاغوت ) وقرأ عبيد بن عمير ( وأعبد الطاغوت ) مثل كلب وأكلب .

وقرئ ( وعبد الطاغوت ) عطفا على الموصول بناء على تقدير مضاف محذوف ، وهي قراءة ضعيفة جدا . والطاغوت : الشيطان أو الكهنة أو غيرهما مما قد تقدم مستوفى .

قوله : ( أولئك شر مكانا ) الإشارة إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة ، وجعلت الشرارة للمكان ، وهي لأهله للمبالغة ، ويجوز أن يكون الإسناد مجازيا .

قوله : ( وأضل عن سواء السبيل ) معطوف على شر ، أي : هم أضل من غيرهم عن الطريق المستقيم ، والتفضيل في الموضعين للزيادة مطلقا أو لكونهم أشر وأضل مما يشاركهم في أصل الشرارة والضلال .
عمر بن عبد العزيز غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العائلات الوافدة على السلط حسن سليم مجلس القبائل الاردنية العام 19 18-01-2019 12:03 AM
تفسير الاحلام لابن سيرين رحمه الله د ايمن زغروت مجلس تفسير الاحلام و الرؤى 9 21-01-2018 07:54 PM
رؤيا الارض و الجبال و التراب و القرى و اسواقها و حوانيتها و ابوابها و سقوفها و كنائسها د ايمن زغروت مجلس تفسير الاحلام و الرؤى 0 27-06-2017 04:55 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 06:32 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه