الغزو التركي لبلاد الشايقية - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
هدية من ستمائة عام لك
بقلم : د ايمن زغروت
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: عقب عقيل (كتاب المجدى فى انساب الطالبيين) (آخر رد :رجب مكى حجازى العقيلى)       :: بيت الشَعَر (آخر رد :جعفر المعايطة)       :: هدية من ستمائة عام لك (آخر رد :رجب مكى حجازى العقيلى)       :: نرجو التوضيح الفرق بين آل الفضل والفضول (آخر رد :ميخالف)       :: ذرية السيد كنعان ومهم السادة البوفندي القواسم (آخر رد :أبو النصر)       :: مطلوب كاتب مساهم لموقع توصيات اسواق المال و شروحات تعليميه دوريه في مجال الربح من الانترنت (آخر رد :منهل المعرفه)       :: تفرعات قبيلة بني نهد (آخر رد :طارق بدر النهدي)       :: اصل نسب عائلة ابو تركية (آخر رد :أبو النصر)       :: علماء ربانيون (آخر رد :الإدريسي الضبعاوي)       :: عايز اعرف شجرة العائله او اصولي (آخر رد :احمد يسري عرفي)      



Like Tree1Likes
  • 1 Post By ابن حزم

إضافة رد
قديم 08-09-2015, 10:44 AM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
عضو متميز
 
الصورة الرمزية ابن حزم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي الغزو التركي لبلاد الشايقية

الغزو التركي لبلاد الشايقية
في سنة 1820م تحولت الأحداث الجارية إلى وجهة مختلفة ، فيما يروى أنّ محمد علي كان يطمح إلى الاستيلاء على جميع شواطئ النيل وجزره ، وإلى السيطرة على كل الذين يشربون من ماء النيل من بلاد الحبشة إلى البحر الأبيض المتوسط .
ففي ربيع 1820م عقد النية على السعي في تحقيق مطامحه هذه ، ولذلك جهز حملة تتألف من عشرة آلاف مقاتل مزودين باثنتي عشرة قطعة من المدافع لإخضاع القبائل التي تسكن وادي النيل ، وجعل قيادة جيشه لابنه الأصغر إسماعيل باشا الذي بلغ من العمر في ذلك الوقت اثنتين وعشرين سنة .
غادرت الحملة القاهرة في مستهل الصيف ، وكان مماليك مراغة آنئذ قد نقص عددهم بتأثير الحروب والحمى حتى بلغ - على حد تقدير كايو - ثمانين رجلاً ، فما أنّ سمعوا بحملة القاهرة ، حتى جمعوا في شهر يونيو بقاياهم ، ومعهم عبيدهم المسلحون ، ونفضوا عن أقدامهم غبار مراغة ، وخرجوا يقصدون إلى شندي فاخترقوا من بلدة كورتي صحراء بيوضة .
ولما علم الشايقية بخبر رحيلهم ، دبروا لهم كميناً بالقرب من كورتي ليقطع عليهم الطريق مباغتة ، ولكن المماليك كانوا أحرص منهم ، فتنبهوا إلى صنيع الشايقية ، وفاجئوهم في مكامنهم وأسروا منهم عدداً كبيراً ، وقتلوا هؤلاء الأسرى على الفور ثم مضوا في طريقهم إلى شندي(31) .
ولم يكد المماليك يغادرون منطقتهم ، حتى بادر الشايقية إلى مباغتة البلاد التي كان المماليك قد استولوا عليها ، وجعلوا يعملون فيها نهباً وإحراقاً وتخريباً ، وأسروا عدداً من السكان ، وحملوهم إلى دار الشايقية لكي يزرعوا الأراضي ، ويساعدوهم على قتال الأتراك .
ولم يكفوا عن ذلك ويرجعوا إلى دارهم إلا عندما وصل جيش إسماعيل باشا .وصل المماليك إلى شندي ، وعسكروا خارج المدينة ، وظلوا إلى أنّ أمرهم مك شندي ، وكان قد سمع بانتصارات إسماعيل
باشا على الشايقية ، أنّ يرحلوا عن بلاده (32) ، فحينئذ تشتت شملهم ، ففريق اتجه إلى دارفور ، وفريق إلى البحر الأحمر ، وقليل منهم آثر العودة إلى مصر عن طريق الصحراء النوبية ، حيث يقال أنّ قبائل البشاريين قتلوهم في الطريق ، ومنذ ذلك الحين انزوى المماليك عن التاريخ ، ولم نسمع عنهم شيئاً .
أما حملة إسماعيل باشا ، فقد كانت مجهزة بعشرة آلاف رجل معظمهم من الأتراك والألبان والمغاربة بقيادة عابدين كاشف وحسن دار وسلحدار وعمر كاشف ، ومعهم 1500 من البدو بخيلهم وجمالهم يقودهم خوجه أحمد ، وقد لحق به عند أسوان حشد كبير من عرب العبابده(33) .
مضى إسماعيل وجيشه في طريقهم دون أنّ يعترض سبيلهم أحد حتى بلغوا دنقلة العرضي .
كان أقوى ملوك الشايقية في ذلك الحين ، الملك شاؤس (ويحرف اسمه أحياناً فيسمى شاويش ) ، ملك العدلاناب ، وكانت عاصمتهم في مروي ، والملك صبير ملك الحنـّـكاب وكانت عاصمتهم حنك .
وكان ملكان آخران أقل شأناً ، هما الملك مدني ملك كجبي ، والملك حمد ملك العَمْراب . فلما اقترب الأتراك من بلادهم ، تكتل الشايقية جميعاً ، تحت إمرة شاؤس وصبير وكان الأول قائدهم .
يقول وادنجتون ، ( عندما وصل الباشا التركي إلى دنقلة ، أصدر أوامره إلى الشايقية بأن يعلنوا الخضوع لسلطان محمد على ، فأبدوا إليه الرغبة في أنّ ينصرفوا إلى زراعتهم وأنّ يدفعوا له الجزية ، فطلب الباشا أنّ يثبتوا له حسن نيتهم ، بأن يرسلوا إليه أسلحتهم وخيولهم ، فأعادوا عليه قولتهم الأولى ، فأجابهم الباشا بأن أباه قد أمره أنّ ينشئ منهم شعباً من الفلاحين لا شعباً من المحاربين ، وطلب إليهم مرة أخرى أنّ يسلموا الأسلحة والخيل) .
حينئذ أجابوه في تحد قائلين (( أما أنّ تذهب لحال سبيلك أو تأتي فتحاربنا ، فسير الباشا جنوده إلى حدود بلادهم )) .كان أول دماء سفكت في حلة سَلقي حيث قتل الشايقية خمسة من العساكر الألبانيين .
وبدأت المعركة بمناوشة وقعت قريباً من دنقلة العجوز حيث باغت فريق من الشايقية الخيالة إسماعيل باشا ، وبعض ضباطه ، وقليل من الجنود ، الذين كانوا قد انفصلوا عن الجيش الرئيسي ، ومع ذلك استطاعوا أنّ يصدوا الشايقية دون عناء .
واصل إسماعيل التقدم بمحاذاة الضفة اليسرى من النيل دون أنّ يلقى مقاومة ما حتى بلغ قريباً من كورتي ، وهنا يروى كايو نقلاً عن عابدين كاشف ثاني قواد الجيش التركي ، أنّ الشايقية قد مزقوا طليعة استكشافية تتألف من مائة من فرسان البدو ، فقتلوا منهم سبعين ، وجرحوا عشرين ، وفي هذه البقعة تجمع الجيش الرئيسي للشايقية لصد الغزاة .
وبالقرب من المكان الذي تقوم فيه حلة كورتي الحالية ، وقعت معركة حامية الوطيس ، انتهت بهزيمة الشايقية .
وكان في صفوف الشايقية فتاة ، تدعى مهيره بت الشيخ عبود (عكود) شيخ السواراب ، تركب جملاً مزداناً بالحلي والأدوات الفاخرة ، فأعطت إشارة البدء بالقتال بأن أطلقت الزغاريد ، فاندفع فرسان الشايقية يخوضون المعركة في قوة ومهارة .
وكان هجومهم عنيفاً جداً حتى أنّ البدو والمغاربة الذين تألفت منهم طلائع الجيش التركي ، قد ارتدوا وهم مضطربو النظام إلى الجيش الرئيسي .
ووافى عابدين كاشف للإنقاذ ومعه خيالته ، وشد على الشايقية ثلاث مرات سريعة متلاحقة ، حتى كبح جماحهم ، وحتى استطاع البدو والمغاربة أنّ يلموا شتاتهم ويصمدوا للمعركة من جديد ، وأصبحت نتيجة المعركة ، في لحظة من اللحظات ، موضع الشك بالنسبة للطرفين المتحاربين ، ولو أتيح للشايقية أنّ يتخذوا الأسلحة النارية ، ويعرفوا كيف يستخدمونها ، لدارت الدائرة على الأتراك . ولكن الشايقية كانوا في الواقع مسلحين بأشد أنواع السلاح بدائية ، فلدى كل منهم رمحان ، وسيف عريض النصل ، ودرع من جلود وحيد القرن ، وقليل من زعمائهم لبسوا أردية من الزرد ، وملكوا بعض الطبنجات .
عند تلك اللحظة الفاصلة ، أشار إسماعيل باشا إلى الجيش الرئيسي فأطلقوا عدة طلقات نارية سريعة ، وكان لها آثار مميتة ، في حشود الأعداد المتلاصقة .
ولم تعد النتيجة موضع شك ، فقد فر فرسان الشايقية في هلع ورعب ، أما المشاة منهم ، فقد انبطحوا على وجوههم ، ووضعوا دروعهم على رؤسهم يتقون بها طلقات العدو ، وابتهلوا إليه أنّ يرحمهم .
وقد انجلت المعركة عن ستمائة قتيل وجريح من الشايقية ، تسعون في المائة منهم كانوا من المحاربين المشاة .
وكان المشاة في جيش الشايقية يتألفون في معظمهم من النوبيين الذين أسرهم الشايقية في أثناء غاراتهم المتكررة على دنقلة ، وقد وقع عدد كبير من هؤلاء المشاة في يد إسماعيل ، فأرسلهم إلى قراهم .
لقد حارب الشايقية بشجاعة وجسارة عظيمتين ، وحازوا إعجاب أعدائهم ، وقد وصف وادنجتون طريقتهم في القتال فقال : ((إن لديهم في الهجوم جرأة نادرة لا نظير لها ، يركبون إلى الأعداء ويواجهونهم مواجهة قريبة ، وقلوبهم تهفو إلى اللقاء ، في خفة وابتهاج كأنهم ذاهبون إلى احتفال أو عيد ، ويعلوا وجوههم السرور كأنهم يلقون أصدقاء اشتد بهم الشوق إلى رؤيتهم بعد طول غياب ، فإذا واجهوا العدو بادءوه بقولهم : [ السلام عليكم ] - سلام المنية التي توافي تلك الرماح والتي تعقب هذه التحية مباشرة ، وتتوالى الطعنات يعطونها ويأخذونها ، وعلى ألسنهم تتردد ألفاظ الحب والمودة ، هذا الازدراء للحياة ، وهذه السخرية بأشد الأشياء إخافة وإرهاباً ، هو صفة لازمة لهؤلاء القوم - إنه الشعب الوحيد الذي يتخذ من الأسلحة لُعباً يتلهى بها ، ومن الحرب رياضة محببة إلى نفسه ، لا تطلبون من أعدائهم شيئاً سوى التسلية ، ولا يخافون من الموت شيئاً سوى أنه راحة لأبدانهم . وفى هذا السبيل أتيح لهم من البواعث ما أكد عندهم ما توارثوه من شجاعة جرت مجرى الفطرة في نفوسهم ، فقد عاشوا رفاقاً ملازمين لخيلهم ، ورمحاهم في أيديهم ، ثم تغيرت حالهم ، فأجبروا على أنّ يتخلوا عن خيلهم للغرباء ، وأنّ يستبدلوا برماحهم زحافات لتسوية الأرض المزروعة ، ومقاصب لتشذيب الشجر ، وأرغموا على أنّ
يسوقوا الثور حول الساقية بعد أنّ كانوا يطاردون العدو عبر الصحراء ، كان لديهم كثير من النوبيين الذين استوطنوا بلادهم ، واضطرهم الشايقية على أنّ يقوموا بجميع الأعمال الخاصة برى الأرض وزراعتها ، وكانوا ينظرون إلى النوبيين على أنهم دونهم كثيراً في المرتبة ، أما الآن فقد دعوا إلى أنّ يؤدوا بأنفسهم هذه الأعمال التي تعودوا أنّ ينظروا إليها على أنها أليق بالعبيد والخدم ، وصاروا لا يتوقعون من أحد معاملة أحسن مما كانوا قد تعودوا عليه من قبل ، لقد قُضى عليهم أنّ ينحدروا إلى العبودية دفعة واحدة ، بعد أنّ كانوا ، ليسوا أحراراً فحسب ، بل طغاة جبارين كذلك )) .
ويقول كايو أنّ معظم المشاة في جيش الشايقية كانوا سكارى(*) ، وأنّ كثيراً منهم كانوا يلقون بأنفسهم في تهور
واندفاع ، على بنادق الجنود الأتراك ، وقد حملوا في أيديهم أوعية الشراب المسكر ، وبدت على وجوههم علائم السرور كأنهم يشتركون في احتفال أو عيد .
وذكر وادنجتون أنّ خسائر الأتراك قد أسفرت عن جرح ضابط واحد وستة عشر جندياً ، وهذا قد يصدق على الأتراك أنفسهم ، أما عن حلفائهم من البدو والمغاربة فلا بد أنّ الخسائر بينهم كانت فادحة ، إذ أنهم هم الذين تحملوا معمعات القتال في هجوم الشايقية ، وقد قدر كايو عدد القتلى ثلاثين والجرحى ثمانين وربما كان هذا أقرب إلى الصحة .
بعد انتهاء المعركة ، استسلمت قرى البلاد المحيطة ، للخراب والحرائق ، وارتكب الغزاة صنوفاً مروعة من الوحشية والفظاعة ضد الأعداء الذين كانوا قد قاوموهم في شهامة وبسالة .
وأعلن إسماعيل باشا عن مكافأة قدرها خمسون جنيهاً لكل من يحضر له أذنين لأي شايقي قُتل في الحرب ، حتى يرسل ما يجمعه من الآذان المصلمْة إلى والده محمد علي شاهداً على نجاحه الباهر .
وكان من أثر ذلك أنّ أصبح لا يقف الأمر عند تصليم آذان الذين قتلوا وجرحوا في ساحة القتال ، بل تعدى إلى هؤلاء الأبرياء الذين لم يشتركوا في المعركة ، ولم يلتمسوا ذلك في الرجال وحدهم بل في النساء كذلك ، والذين قاوموا منهم كانوا إذا لم يقتلوا فوراً تشوه أجسامهم بصورة مفزعة ، أما القتلى والجرحى فقد تركوا راقدين حيث كانوا ، تنهشهم سباع الطير وتتخذهم طعاماً لها .
وفيما يلي نورد فقرة من كلام كايو ، وهي تلقى ضوءاً قاتماً على ما حدث بعد إنتصار الأتراك :
(( هرب بعض الشايقية إلى أوطانهم ، ظانين أنّ أعداءهم سيبقون على الرجال العزل ولكن أملهم كان سراباً ، فقد انتشرت الجنود الثائرة الهائمة كالسيل الجارف ، تجلب معها ، حيث حلت ، الحرائق والسرقات والمذابح ، وحاول الباشا أنّ يضع حداً لتعدى هؤلاء المجانين ولكن في غير طائل ، ولا غرو أنّ كان الباشا مسؤولاً عن ذلك ، فهو الذي دفعهم أول الأمر إلى التمادي في ذلك ، حين أعلن لهم عن مكافأته لكل من يأتي بآذان الشايقية مصلمة ، فإذا كان بعض الأتراك قد دفعتهم مشاعر إنسانية ، فوهبوا الحياة لأحد من هؤلاء التعساء عاثري الحظ ، فلم تبلغ بهم الأريحية قط إلى الحد الذي جعلهم يدعون الأذنين ملكاً لصاحبها ، فقد سمعت رجلاً يونانياً ، كان طبيب الباشا ، يفتخر بأنه أهدى إلى أحد الجنود أذني فتاة كان قد وجدها مختبئة في حقل من الذرة ، ويعلن أنه أبقى على حياتها لأنه شعر نحوها بعاطفة ، وأنه ما كان يشعر بمثل هذه العاطفة إزاء النساء الأخريات اللائى يكبرنها سناً ، ولذلك كان يذبحهن دون تردد )) .
ويؤيد ((جيوفاني فيناتي))(*) الذي صحب الحملة ، ما رواه كايو من ملاحظاته ، تأيداً كاملاً .
إن الغيظ الذي ملأ نفوس الجنود الأتراك ، لما وجدوه من أعدائهم من المقاومة في شجاعة وبسالة ، ولتعطشهم إلى التخريب ، وطمعهم في المكافأة ، قد ساقهم إلى الغلو المفزع في التعدي وانتهاك الحرمات .
لذلك لا غرابة في أنّ لا يقنعوا بانتصار واحد ، وأنّ يتمادوا ، وهم يحسون بروح معنوية عالية ، في النيل من خصومهم بكل الوسائل الممكنة ، وكانت كل الدلائل تنطق في وضوح وجلاء بهذه الحقيقة ، ويقول كايو (( فإن نصف الأهالي الذين التقينا بهم ، وكثير منهم من النساء ، كانوا محرومين إما من إحدى الأذنين أو كِلتيهما ، وكان آخرون منهم قد قطعت أطرافهم ، أضف إلى ذلك أننا التقينا في طريقنا بعظام وجثث وزرائب كانت طعمة للنيران )) . فالواقع أنّ الاضطهاد الذي حدث ، كان يقصد فيما يبدو إلى الإبادة والإفناء ، فالمنطقة كلها خُرِّبت ، وبذلك استحالت - في وقتها على الأقل - إلى إذعان مكتئب عابس .
فبعد موقعة كورتي خضع واحد أو اثنان من صغار المشايخ الذين حكموا على الضفة اليسرى من النهر ، أما سائر الشايقية وجيوشهم فقد عبروا النهر بزعامة الملك شاؤس واجتمعوا عند جبل دجر حيث قرروا القيام بمحاولة عنيفة في سبيل الحرية ، قام الجيش التركي ، مصحوباً بأسطول يتألف من حوالي 150 سفينة ، فعبر إلى الضفة اليمنى من كورتي وتقدم تجاه جبل دجر ، وكان ذلك في الأسبوع الأول من ديسمبر سنة 1820م .
واصطفت جنود شاؤس على منحدرات التل ، تحميهم قصور شاؤس وتحصيناته ، التي وصفها شاهد عيان بأنها كانت تلقى ظلالاً مظلمة على جانب التل .
كان الموقع الذي اختاره شاؤس مناسباً إلى أقصى حد ، ولو لم يكن هنالك فرق بين الجيشين في نوع الأسلحة المستخدمة ، لكان من الجائز أنّ يضمن هذا الموقع لجنود شاؤس نصراً محققاً .
ولكن الجموع من سكان القرى الذين ساقهم شاؤس إلى الميدان أو أغراهم بالاشتراك في الحرب ، لم يكونوا يمتلكون من الأسلحة إلا الرماح والدروع والسيوف ذات الحدين وكانوا في مقدمة الجيش قد تصدوا لرصاص الأتراك يتلقونه ويستنزفونه ، دون أنّ يقدموا على أية مقاومة إيجابية في لحظة الهجوم .
أقام الباشا جيشه في مواجهة الأعداء ، ووضع القسم الأكبر من خيالته قبالة الأرض المكشوفة بين الجبل والنهر ، ودفع بمدفعيته قليلاً إلى الأمام .
واندفع الأهالي المحاربون إلى الأمام ، وقد رفعوا أصواتهم بصيحات عالية ، ولوحوا برماحهم ، وألقى المشاة بأنفسهم على المدافع ، وما كان في أيديهم سوى الأسلحة التي أشرنا إليها ، فنُسِفوا نسفاً .
يقول إنجليش ، أحد الضباط الأمريكيين ، وكان قد حارب في المدفعية التركية : (( كانت الشجاعة المستميتة التي اتصف بها هؤلاء القرويون التعساء ، تبعث على الدهشة ، فقد تقدموا أكثر من مرة تجاه فوهات المدافع ، وجرحوا بعض رجال المدفعية وهم يقومون بحشوها بالرصاص ، ولكنهم بعد أنّ أحسوا بآثار قليل من الطلقات النارية ، التي مزقت الخيل والناس أشلاء ، هربوا مذعورين ، تاركين عساكر المشاة وقد داسوهم ، وأخذ فرساننا يقذفوهم بالسيوف يصوبونها إلى أسفل حتى قتلوا مئات كثيرة منهم وهم يهمون بالفرار )) .
(( وحين أقول : يصوبونها إلى أسفل ، فذلك لأن السيف الذي استعمله خيالتنا لم يكن يجدي فتيلاً ، فقد كان هؤلاء الأعداء من الحذق والمهارة في استخدام تروسهم بحيث استطاعوا أنّ يتفادوا كل ضربة صوبّت نحوها )) .
(( وقد شاهدت في ميدان القتال تروساً كثيرة فيها ما لا يقل عن عشرة أو خمسة عشر من فلول السيوف كل منها ملقى على جثة الميت ، الذي حملها ، والذي كان من الواضح أنه قتل برصاصتين أو ثلاث نفذت إلى جسمه )) .
(( وقد أخبرني الجنود أنّـهـم كانوا ، في كثير من الأحيان ، يضطرون إلى إفراغ قرابينتهم ( السلاح الناري ) ومسدساتهم في جسد رجل واحد قبل أنّ يسقط على الأرض صريعاً )) .
ويحكى وادنجتون قصة رجل من الشايقية ، أصابته خمس رصاصات ومع ذلك ظل يقاتل ، ويصيح في وجوههم قائلاً أنّ في مقدورهم أنّ يطلقوا النار ولكن ليس في مقدورهم أنّ يصيبوه بأذى ، إلى أنّ تلقى جرحه المميت .
وقد عزى هذا الاستبسال الخارق ، والحمية العسكرية إلى أنّ (فُقَرَا) (*) الشايقية قد أكدوا لجيوشهم أنّ سلاح الغزاة لن يؤثر في أجسامهم ، وكان هؤلاء (الفقرا) قد زودوا المحاربين بأكوام من التراب المبارك لكي ينثروه على أجسامهم فيحدث الأثر المطلوب ، ومن ثم تقدموا نحو صفوف أعدائهم الأتراك ، وهم في حالة المتهلل الراقص أقرب من حالة المحارب المقاتل ، تبدو على وجوههم سيماء الثقة المطلقة بالنفس ، والسخرية المفرطة بالأعداء .
ولكنهم أدركوا ، بعد أنّ دارت رحى الحرب ، أنّ تلك التعاويذ التي أوصاهم مشايخهم بأن يعتمدوا عليها وأنّ يثقوا فيها ، قد خدعتهم خدعة كانت السبب في شقائهم وويلاتهم ، فأضمروا لفقرائهم شراً ، وعقدوا النية على أنّ ينتقموا منهم انتقاماً مريعاً ، فما كادت تنتهي المرحلة الأولى من المعركة ، حتى قبضوا على أسرة الفقرا كلها ، وهي أسرة الدويحية ، وقتلوهم عن أخرهم ، بل خربوا القرية التي كانت هذه الأسرة تقيم فيها ، وهي قرية شِبَة بالقرب من كريمة .
كانت نتيجة هذه المعركة وبالاً على الشايقية ، ولجأوا إلى تلال أمري .
وواصل الجيش التركي مطاردة الأعداء إلى أنّ بلغوا جبل البركل ، وهم ينهبون ويحرقون ويقتلون كل ما يصادفوه في طريقهم ، ويخربون البلاد بَعيدها وفسيحها ، وكان هذا التخريب الواسع النطاق مخيفاً مفزعاً ، حتى أنّ الرجال الذين طعنوا في السن ، والصبية الذين كانوا يديرون سواقيهم في سلام وهدوء ، لم يفلتوا من أيديهم ، بل مزقوا أجسامهم في حقولهم ، وتركت مع جثث حيواناتهم ، تبلى وتنتن في وسط مزارعهم المهجورة .
وقد مرّ وادنجتون خلال هذه الديار ، بعد الذي أحدثه الجيش فيها ، بأسابيع قليلة ، ورسم لنا صورة بشعة مفزعة لما أصابها من الخراب والدمار .
وبعد انتهاء المعركة بوقت قصير ، أعلن الملك صبير خضوعه للجيش التركي ، ويعزى هذا إلى السبب التالي :
بعد أنّ دحر الأتراك الشايقية عند جبل دجر ، وقضوا على استحكاماتهم ، حاولت بنت الملك صبير ، واسمها (صافية) ، أنّ تشق لنفسه (الفصل غير مكتمل).



توقيع : ابن حزم
على قدر اهل العزم تأتي العزائمُ و تأتي على قدر الكرام المكارمُ

وتعظم في عين الصغير الصغائرُ وتصغر في عين العظيم العظائمُ
ابن حزم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشايقية - تأليف و. نيكولز ترجمة وتقديم وتعليق د . عبد المجيد عابدين ابن حزم مجلس قبيلة الشايقية و البديرية 5 08-09-2015 10:45 AM
نهضة الشايقية ابن حزم مجلس قبيلة الشايقية و البديرية 0 08-09-2015 10:42 AM
قبيلة الشايقية فى السودان علي الشايقي مجلس قبائل السودان العام 3 13-06-2014 04:45 PM
قبيلة الشايقية فى السودان علي الشايقي مجلس قبيلة الشايقية و البديرية 3 13-06-2014 04:45 PM
زهران المجد والتاريخ الارشيف مجلس قبيلة زهران 3 13-03-2013 09:52 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 04:13 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه