محاضرة " احمد توفيق المدني " رحمه الله ! - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
ال الزمر سوهاج بنجع ابوشجرة-قنانجع الاشراف-الجيزة بناهيا
بقلم : أبوالوفا بدوي الشريف
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: سجلات دفاتر الصرة أوقاف الحرمين الشريفين (آخر رد :د ايمن زغروت)       :: ال الزمر سوهاج بنجع ابوشجرة-قنانجع الاشراف-الجيزة بناهيا (آخر رد :الارشيف)       :: المجتمع المصري ونهضة محمد على . هل تأثر محمد على بالعلمانية ؟ (آخر رد :الارشيف)       :: الوعى التاريخي للمصريين والحملة الفرنسية (آخر رد :الارشيف)       :: (كل الانساب تنقطع الا نسبي) صدق رسول الله عليه سلام (آخر رد :محمود ابو يوسف)       :: الرد على من يقول ان الترابين اشراف (آخر رد :محمود ابو يوسف)       :: كيف تسأل عن نسبك بطريقة صحيحة .. كيف تسأل عن نسبك على الانترنت (آخر رد :احمد جميل احمد المصري)       :: الخبز المحروق (آخر رد :حسن جبريل العباسي)       :: إن كان تبغى الهوى صافي (آخر رد :موفق السهلماشي)       :: إحذر من اللي لا قسى الوقت باعك (آخر رد :موفق السهلماشي)      



موسوعة التراجم الكبرى تراجم و سير الشخصيات و الجماعات و الحضارات

Like Tree10Likes
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 1 Post By أبو مروان
  • 1 Post By أبو مروان
  • 1 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 1 Post By أبو مروان
  • 1 Post By سنبل البسبوسي

إضافة رد
  #1  
قديم 11-10-2017, 07:30 PM
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 12-01-2011
الدولة: الاردن - عمان
المشاركات: 13,869
افتراضي محاضرة " احمد توفيق المدني " رحمه الله !

وفاء بالوعد للأخ الكريم " ابو مروان " نرفع هنا محاضرة المناضل الجزائري " احمد توفيق المدني " رحمه الله .. لعلها تكون نافذة تلقي بعض الضوء على كفاح الشعب الجزائري الشقيق .. والله المستعان !


ثورة التحرير الجزائرية
" محاضرة ألقاها المناضل – احمد توفيق المدني – رحمه الله "
كان ذلك في أبوظبي بتاريخ 29 – 11 – 1976 م

حديثي معكم أيها السادة الأجلة يتناول الساعة موضوع الثورة الجزائرية العارمة التي لم يشهد قطر من أقطار العالم العربي مثيلاً لها , في أصولها , وفي حوادثها , وفي نتائجها , إنها ثورة بكر , فاجأت العالم بين شرقه وغربه على السواء وأدهشت بنتائجها الإيجابية الباهرة كل الباحثين والمطلعين .
نظراً لطول الموضوع وتشعبه , وضيق الوقت المخصص لهذه المحاضرة فسألج الموضوع من أوسع أبوابه دون مقدمات وأقول : إن أصول هذه الثورة الجزائرية العارمة العميقة تكمن في ثلاثة أسس هي :
أولاً : ألأمجاد
ثانياً : ألأحقاد
ثالثاً : ألاستعباد
أما من حيث الأمجاد فأقول : إن هذا الشعب الكريم الأبي الذي استوطن منذ أقدم العصور هذه الأرض الطيبة التي كانت تدعى بلاد المغرب الأوسط قد نشأ منذ فجر التاريخ بين أحضان الحرية والكرامة والاستقلال , وإن أصوله التي انحدرت إليه من أرض اليمن كما يؤكد ابن خلدون كانت تدعو نفسها – شعب الأمازيغ – أي الرجال الأحرار .
ولطالما قاوم هذا الشعب العملاق سلطان روما وبيزنطة , وثأر الثورات العميقة الواسعة ضد ذلك السلطان الأسود الذي خلف أيام قرطاجة الكنعانية الزاهرة , وأنه ليؤسس الدول وينشىء الحضارة حين جاءته أنوار الهدى الإسلامي الساطعة يحملها الأمجاد الميامين , أجدادكم أيها السادة , فألّف الله بين القلوب وجمع بين الشعوب , فما مضى أمد وجيز حتى تكونت في هذه الأرض المغربية وحدة الأصول ووحدة الدين ووحدة الأهداف , وأصبحنا بنعمة الله وبفضل دينه ورسالته أمّة واحدة , تُنشىء تحت راية الإسلام الحنيف الدول , وتقيم أسس الحضارة والمدنيات , ويعلو نجمها الساطع السماك الأعزل .. فنحن أبناء المغرب العربي الذين فتحنا بلاد الأندلس , وانشأنا فيها أرقى الحضارات وانفعها للناس .
ونحن الذين أسسنا في مغربنا الأوسط خلال القرن الثاني للهجرة دولة بني رستم التي رفعت لواء الإسلام الطاهر النقي عالياً مُشِعّاً , وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر , وسوّت بين الناس , ونشرت العلم , ومحت الظلم , وإن تاريخ هذه الدولة لمنقوش على صفحات القلوب , ونحن الذين أقمنا في شرق مغربنا الأوسط دعائم دولة بني حماد أواخر القرن الثالث الهجري , ومن فيكم سادتي لم يبلغه نبأ بيجاية العظمى وملكها الواسع , ومدنيتها الشامخة , وعلمها الذريع , ونظامها البديع .
ونحن الذين رفعنا لواء الاستقلال المتين في غرب البلاد , وأنشأنا حتى مفتتح القرن السابع الهجري , على أنقاض الدولة الموحدية الإسلامية الضخمة , مملكة بني زيان في تلمسان , التي نمت وأينعت فأنتجت كبار العلماء وأعلام الباحثين , وازدهرت فيها المدنية ازدهاراً , لا زلنا نرى بقاياه إلى يومنا هذا , وقد اجتمع فيها الملك والمدنية والعلم والبحث والعمران , وسارت سيرها الموفق مئات السنين , وإن تلمسان الخالدة لشيء عظيم سابقاً ولاحقاً .
وعندما نزل القضاء ببلاد الأندلس , واستولى الصليبيون الملحدون الأجلاف في اسبانيا على مملكة غرناطة وبقية بلاد الأندلس التي تشتت فيها الأهواء وتمزقت فيها حبال الوحدة , فواجهوا العدو أشتاتاً , وخالفوا أمر القائل عز شأنه : { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا } .
اهتبل الإسبان المنتصرون الفرصة , ونزلوا بساحل أرضنا يحتلون المدن الخاصة والعامة , ويرتكبون باسم المسيح كل الجرائم والموبقات الفاحشة , استنجدنا بالأبطال العثمانيين , فجاءونا تلبية لدعوة الله يمتطون صهوة السفن المطهمة , فتعاونا وإياهم على تأسيس دولة مثالية جمعت المغرب إلى المشرق , ورفعت مدينة الجزائر لواء الإسلام عالياً ما يزيد على الثلاثمائة سنة , فكسرنا اسبانيا شر كسرة , وأخذنا الثأر من بلدان أوروبا العاتية , ودمرنا جيوشها وأساطيلها .
هذه الأمجاد أيها الفضلاء لا تزال تلهب في قلب كل جزائري النار , ولا تزال توقد في فكره النور , ولا تزال ترن في ضميره الحي , رنيناً رهيباً , ومن ورث هذه الأمجاد لا ينساها مطلقاً وإلى الأبد .
وأما من جهة الأحقاد .. فقد خيّم علينا بعد ذلك الاستعمار الفرنسي , الدنس القذر , وانصب علينا بقواته وجيوشه وسلاحه , فانتهك الحرمات التي كانت مصونة , وأهدر الكرامة التي كانت رفيعة , وزرع الموت والخراب والدمار كما كنا نزرع نحن في البلاد المفتوحة الحرية والرخاء والأمن والازدهار , فما ترك الفرنسي من وسيلة لمحق هذا الشعب العربي المسلم في بلاد الجزائر إلا ارتكبها أثناء احتلاله , القتل الجماعي الذي أصبح سنته المتبعة , وإحراق القرى والمزارع وإتلاف ما فيها ومن فيها , وتشريد الذين كانوا أصحاب الأرض وزارعيها ومستغليها حفاة عراة إلى الصحراء النائية .
وكنا نزداد مقاومة صلبة وعناداً , وكان هو يزداد قسوة وفساداً , وهكذا بعد عشرين سنة من مقاومة شعبية باسلة , غير متكافئة , آوى إلى بطن الأرض الجزائرية نصف سكانها شهداء أبراراً , ليبقى فوق ظهرها النصف الآخر مشرداً بائساً حزيناً , تلك نار موقدة استمرت مائة وثلاثين سنة تأكل القلب الجزائري وتشعل في الفؤاد مواقد الضغينة , وتذكي فكرة الانتقام , وتدفع النفوس إلى مواطن التضحية والفداء , النار ولا العار .
وجاءت سياسة الاستعباد .. ويا له من استعباد ألخصه لكم في كلمات موجزة :
أولاً : ألأرض الزراعية الخصبة الموجودة في شمال البلاد ومساحتها ثلاثة ملايين هكتار أخذها الفرنسيون كلها , غصباً وقهراً , ونصبوا فيها جالية فرنسية غفيرة العدد ومكونة من شذاذ آفاق فرنسا وبلاد أوروبا , وظنوا أنهم بذلك العدد يجعلون الجزائر فرنسية سياسياً , ومسيحية ديناً , وأصبح المسلم أجيراً حقيراً لا يتناول إلا ما يكفيه لسد الرمق .
ثانياً : الدولة كلها أصبحت فرنسية لا وجود لعربي واحد من أهل البلاد فيها , وكذلك مختلف الإدارات فوق كامل الأرض الجزائرية .
ثالثاً : اللغة الوحيدة التي أصبحت تستعمل رسميا بالأرض الجزائرية هي اللغة الفرنسية , وصارت اللغة العربية لغة أجنبية لا تلقن في المدارس الحكومية .
رابعاً : استولى الفرنسيون قهراً وعنفا منذ أيام الاحتلال الأولى على كامل أوقاف المسلمين , وقد أصبحت أيام الوجود العثماني من أغنى أوقاف بلاد الإسلام , وذلك كي لا يجد المسلون بين أيديهم ما ينفقون منه على دينهم وصون مساجدهم , ثم أعلنت الحكومة الفرنسية ملكية مساجد المسلمين , وأصبحت لا تضع فيها من رجال الدين إلا الذين ينادون بالولاء لها والتسبيح بحمدها .
خامساً : استولت فرنسا على كامل ما بالبلاد الجزائرية من مناجم ومعادن ومقاطع فأصبح كل ذلك ملكاً خاصاً للفرنسيين .
سادساً : التعليم الضئيل الذي يعطى للمسلمين الجزائريين - إذا وجدت بالمدارس مقاعد بعد استيعاب كامل الأوروبيين - كان تعليماً فرنسياً بحتاً , فنابليون الأول هو بطلنا القومي رغم أنوفنا , وجان دارك هي قديستنا والغوليون الزرق العيون هم أجدادنا , فلا مجد إلا مجد فرنسا , ولا علم إلا علمها , ولا لغة إلا لغتها , ولا مدنية إلا مدنيتها .
سابعاً : القضاء كله أصبح فرنسياً , والقوانين كلها فرنسية , والقضاء ورجال القضاء كلهم من الفرنسيين , فما أبقوا بين المسلمين إلا شيخاً من القضاء الشرعي المتعلق بالحالة الشخصية , ويعتبر مع ذلك فرعاً من القضاء الفرنسي وتابعاً له وهو صاحب الكلمة الأخيرة .
ثامناً : الاحتقار الجارح , فالمسلم الجزائري عند الفرنسيين عامة هو " البيكو " القذر , ومن الأمثلة الفرنسية المتداولة عندهم جميعاً , إذا وجدت في طريقك العربي والأفعى فبادر بقتل العربي , وما إلى ذلك من عبارات الامتهان .
كل ذلك ساعد والحمد لله على حفر هوّة عميقة بين المحتل وبين المغلوبين , وكل ذلك , قلت ومما لم أقل قد جعل القلوب الجزائرية الجريحة الدامية تزداد ابتعاداً عن الفرنسيين يوماً بعد يوم جراء ذلك , وتستعد للانتفاض ولو كان انتفاضاً بعده الفناء والدمار كما حدث أثناء الثورات العديدة المتوالية , التي كانت تنتهي باستشهاد الثوار واستيلاء العدو على أرضهم
وممتلكاتهم الضئيلة .
فالأمجاد القديمة والأحقاد المتراكمة وسياسة الاستعباد الآثم الفظيع , ذلك هو الذي جعل الأحرار الجزائريين يقررون في سرية تامة أن لا مخرج للشعب من هذا العذاب الأليم إلا الثورة العارمة العامة المنظمة , وإن كل محاولات الإصلاح داخل الإطار الاستعماري يقضى عليها بالفشل الذريع , إذ لا غاية لها إلا تركيز النظام الاستعماري , فالجزائر عندهم فرنسية أرضاً وجواً وبحراً إلى الأبد .

يتبع ----------- بحول الله

أبو مروان likes this.
__________________
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-10-2017, 07:36 PM
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 12-01-2011
الدولة: الاردن - عمان
المشاركات: 13,869
افتراضي ثورة التحرير الجزائرية - الجزء الثاني

تابع محاضرة الثورة الجزائرية !

ألجزء الثاني !!!
احتفل الفرنسيون سنة 1930 م بمرور مائة عام على احتلال الجزائر , وكان احتفالاً أهوج جارحاً , وأجبنا نحن على ذلك , بتأسيسنا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين , السلفية الدينية الصادقة , فأصبحت الجمعية بعد حين ورغم أنف السلطة الاستعمارية تؤسس المدارس العربية الإسلامية الحرة , حتى بلغت هذه المدارس شأواً بعيداً جداً , وناهز عددها الثلاثمائة مدرسة , ولم يجد الاستعمار من وسائل الزجر والقمع الفظيع إلا استعمله ضدها وضد معلميها – الذين تعلم أكثرهم بتونس الشقيقة – وأصبحنا نركز تعليمنا إلى جانب الدين واللغة حول التاريخ الإسلامي الأول , تاريخ الدعوة ونشر الدين والجهاد والتضحية بالروح في سبيل الله والوطن الإسلامي وفكرة التوحيد , وكان حزب انتصار الحريات الديمقراطية يدعو جهاراً إلى الاستقلال الجزائري وانتخاب برلمان حر , فالتقت الفكرتان عند غاية واحدة من طرفين مختلفين .
ثم كانت الطامة الكبرى والداهية الدهماء يوم 8 نوفمبر 1945 م
في ذلك اليوم الذي احتفل فيه العالم بنهاية الحرب العالمية الثانية احتفل الجزائر بالناحية الشرقية " سطيف – جالمة – خراطة " وخرجوا يطوفون بعلم جزائري من وضع حزب انتصار الحريات الديمقراطية , فما كان من الفرنسيين إلا أن هاجموا حامل العلم وهو صبي عربي وأردوه قتيلاً , فاشتعلت نار فتنة اغتنمها الفرنسيون للقضاء على كامل الرغائب الجزائرية , وإخمادها في مهدها , فنظموا بواسطة الجيش وأفراد الجالية الأوروبية مذبحة من أفظع ما شاهده القرن العشرون , وانهالوا على القرى والبوادي قتلاً وإحراقاً وانتهاكاً للحرمات بصفة وحشية , فدفع الجزائري المسكين من لحمه ومن دمه , إذ ذبح الفرنسيون منا ما لا يقل عن خمسة وأربعين ألفاً من الرجال والنساء والأطفال في أيام قليلة وساد بعد ذلك سكون الموت الفظيع .
يومئذ قلنا هذه هي البداية , وستكون النهاية قريباً , نهاية الاستعمار لا نهايتنا نحن وعزمنا في شبه إجماع على الاستعداد لثورة عارمة , إنما قررنا أن تكون هذه المرة ثورة جامعة تشمل كل جهات الأرض الجزائرية , وأن تكون قيادتها جماعية لا يذكر منها اسم زعيم أو قائد , وأن يكون عملها في الداخل والخارج معاً , وأن يكون هدفها الوحيد هو الاستقلال التام المطلق , وأن نستعد فيها لحرب طويلة النفس تدوم لسنوات , وأن تكون طريقنا فيها هي حرب العصابات .
أخذت الجزائر منذ ذلك اليوم تستعد , والخلايا تنظّم , والتشكيلات السرّية تعم كل الجهات , وفرنسا الغافلة تعتقد أنها تمكنت من ناصية الجزائري نهائياً فلن تقوم له قائمة بعد حوادث 8 نوفمبر 1945 م , أما نحن فكنا نصيح :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى *** حتى يراق على جوانبه الدم
وثارت الأمجاد وبرزت الأحقاد , وظهرت نتائج الاستعباد , ففي منتصف ليلة 31 أكتوبر أول نوفمبر سنة 1954 م زلزلت الأرض في الجزائر زلزالها , وأخرجت البطولات أثقالها , فإذا بالزلزال ثورة عارمة لا تبقي على الظالمين ولا تذر , وإذا بالأثقال رجال أشداء , ونساء أبطال , وصبيان أشبال استعدوا للشهادة وتقدموا للنضال .
ولقد صدق شاعرنا الشابي العظيم حيث قال :
إذا الشعب يوماً أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بـــد للظلــم أن ينتهــي *** ولا بــد للقيـد أن ينكســر
وحدثت المعجزة , معجزة الإيمان , معجزة الوطنية , معجزة العصر العربي الحديث , فجرنا الثورة ولم يكن بأيدينا سوى ثلاثمائة قطعة من بنادق الصيد وثلاثمائة من الأبطال المغامرين الفدائيين , فإذا الشعب يلبي منذ الساعة الأولى النداء ويسرع بالانضمام للثورة فتغدو ثورة شعب كامل تذكر الأمجاد من جوانحه الأحقاد وأقسم لينتقمن من الظالمين وليطردن رجال الاستعباد .
فجرنا الثورة وكنا أضرابا مشتتة متضاربة فإذا بصرح الواجب يعلو , وإذا بكل الخلافات تموت , فذابت الأحزاب طوعاً واختياراً , وحلت محلها جبهة التحرير الوطني الجزائري التي دخلها الناس بين نخبة وعامة أفراد , لا يمثلون حزباً , بل كانوا مؤمنين صادقين يلبون دعوة الجهاد في سبيل الله ويستجيبون لصوت الوطن الجريح الذي حاول الأعداء قتله والإجهاز عليه ألف مرة , إلا أنه بفضل صلابته وإيمانه وما منحه الله من طاقة الحياة لم يكن هو الميت بل كان هو الحي القوي الذي قتل الأعداء وطهّر منهم الأرض , ورفع فوق وطنه راية لا اله الا الله محمد رسول الله .
فجرنا الثورة بصفة محكمة مدروسة فهاجمنا الأعداء في نفس الساعة بل في نفس الدقيقة في أكثر من ستين مركزاً من مراكز العدو شمالا وجنوبا , شرقا وغربا , ولا تتصوروا يا سادتي هلع الأعداء وما نالهم من جراء تلك المفاجأة من هلع ومن ارتباك , ولم يعلموا أين يوجهون الضربات وأين هي قوة الثورة المركزة , لقد قتل منا تلك الليلة رجال , إنما قتلنا نحن كذلك عدوان الرجال , وغنمنا عددا لا يستهان به من أسلحة العدو , كانت موجهة لصدورنا فأصبحت موجهة لنحورهم .
وتقدم رجالنا , رجال جمعية العلماء المسلمين إلى جانب إخوانهم رجال حزب انتصار الحريات الديمقراطية وبقية رجال الأحزاب التي حلّت نفسها وتكونت العصبة الطاهرة , واستغاثت فرنسا , فإذا بها أمام هول عظيم , قضت الأيام والأسابيع وهي تسبر أغواره ولم تكن مستعدة لمجابهة حرب الكمين التي مارسناها وحذقناها , فكنا نحن نضرب في الصميم وكانت هي تضرب السكان المدنيين , علها بذلك تسد علينا المسالك , وتبعث في قلوبنا – وهيهات – الهول والفزع , وأخيراً عزمت على إرسال الجيش الفرنسي بقضه وقضيضه إلى الأرض الجزائرية مزوداً بكامل السلاح الذي أمدّه به الحلف الأطلسي , وكان يوماً مشهوداً يوم نزلت تلك الفرق مزهوة فخورة , وجالت في أرجاء العاصمة مقدمة بين يديها ومن خلفها تلك الدبابات الضخمة والمدافع الثقيلة , وظن بعض الناس يومئذ الظنون , لكن آية قرآنية من آيات الذكر الحكيم استعملت في موضعها فأعاد الله بها السكينة إلى أولائك المتخوفين .
كنت يومئذ وبأمر من الجبهة أتولى رئاسة تحرير جريدة " البصائر " لسان جمعية العلماء , فوضعت على غرة الجريدة في مكان بارز تحت عنوان – من الأدب القرآني هذه الآية الكريمة – { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم , فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل , فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء } .
وتقدم الناس جميعاً كتلة قُدّت من زبر الحديد , يقوم الرجل فيها بقسطه من الجهاد العنيف , يظمأ ولا يشرب , يجوع ولا يأكل , وينام على الثلج وليس عليه سوى الأسمال , وتقوم المرأة حياها الله وبياها بدورها كما تقوم به المرأة المسلمة أيام رسول الله , تؤوي رجال الكتائب المؤمنة , تقدم لهم الطعام , تضمد لهم الجراح , وتبرز أحيانا والبندقية على كتفها تقاتل فتقتل , وتقدم بعد ذلك روحها الطاهرة إلى الله .
أما الصبيان كانوا وسط تلك الجموع الهائلة الثائرة المتهيجة يقومون بنقل السلاح , ويطوفون على مختلف مراكز الجهاد , ينقلون الأخبار العسكرية والأخبار المختلفة , حتى إذا ما بلغوا الحلم وشبّوا عن الطوق , تناولوا البندقية وتقدموا لمعركة الحياة والخلود .
لم تكن الحرب التحريرية الجزائرية بحرب هينة ولا يسيرة , كانت من الناحيتين حرب عمالقة , فالفرنسيون كانوا يرون خسارة شيء من الأرض الفرنسية أهون عليهم من خسارة أرض الجزائر .
أما رجال الجهاد الوطني الإسلامي فكانوا يرون أنة خسارة المعركة إنما هي موت للجزائر , وخسارة لعالم العروبة , واندحار كامل للشعوب المناضلة في سبيل الحرية والاستقلال .
توالت المعارك وعمت البلاد من كل جهاتها , وما كانت فرنسا وحدها كما أسلفت , بل كان معها وبطريقة مفضوحة كامل حلف الأطلسي بسلاحه ووسائل دعايته وصحفه , أما نحن فلم نكن والحق يقال وحدنا , بل كنا خلال هذه الحرب الطويلة الفتاكة نتمتع بعطف وإعانة وتأييد كامل بلاد العرب الشاسعة وبلاد الإسلام الفسيحة .
فالتضامن الإسلامي العربي ظهر لأول مرة بعد الحرب العالمية الكبرى واضحا جليّاً , وتكتّل حول الجهاد الجزائري , وأشهد : " وقد كنت رئيساً لمكتب جبهة التحرير بالقاهرة أرتاد منها كل بلاد العروبة قاطبة " .
أشهد أنا : لو كنا بحاجة إلى متطوعين من العرب ومن المسلمين يشدون أزرنا لأمّت الساحة الجزائرية عشرات الآلف من كرام المجاهدين .


يتبع ............ بحول الله
أبو مروان likes this.
__________________
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-10-2017, 07:42 PM
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 12-01-2011
الدولة: الاردن - عمان
المشاركات: 13,869
افتراضي محاضرة الثورة الجزائرية - الجزء الثالث !

تابع محاضرة الثورة الجزائرية - الجزء الثالث !

ألجزء الثالث
ولقد رتبت الثورة أعمالها ونسقت مناهجها , فكانت البلاد الجزائرية قد قسمت عسكرياً إلى ست ولايات , وعلى رأس كل ولاية فيها قائد برتبة عقيد , وحوله مجلس عام شعبي مكلف بجميع ما يتعلق بأمور الحرب وتوزيع السلاح , والعلاقة مع السكان , وتموين الجيش بواسطة الشعب , تحقيقاً للمبدأ الذي نادى به الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ من قبل " إن جيش التحرير يجب أن يكون وسط الشعب كالسمكة في الماء " وقسمنا رجالنا قسمين : قسم للحرب والكفاح المسلح داخل البلاد , وقسم للعمل بالخارج في كل جهات الدنيا لجمع الأموال وجمع السلاح , وبث الدعاية , ومقاومة أعمال العدو , وكنا نجد من اخوتنا رجال العروبة والإسلام العون الفعال والمدد المتواصل والتأييد القوي , وتأتي كأن سباقاً عامّاً قد وقع بينها , ومباراة شرقية قد فتحت أبوابها , فتونس والمغرب الأقصى وليبيا , وهي الجارات المتصلة بالجزائر , ومصر وسوريا والعراق والعربية السعودية والكويت والاردن , وما إليها , قد تقدمت كلها للميدان حكوميا وشعبياً , وجاءت الأموال , وإن كانت قليلة بالنسبة لأهمية المعركة , وتواردت الأسلحة , وإن كانت يسيرة أمام سلاح العدو , وعمّت الدعاية , وأخذت كفتنا ترجح في ميدان القتال , كما أخذت أعمالنا تعلو في ميادين التأييد الخارجي .
أما عن أعمال الثورة في ميدان القتال والكفاح فتلك صفحات خلها التاريخ ضمن سجلاته , وإنها لتملأ المجلدات بل الموسوعات , ونحن نجمع اليوم وثائقها وشهادات الأحياء من أبقت عليهم المعركة من رجالها وستذهل العالم كله يوم تنشر قريباً بإذن الله .
كانت طريقتنا أثناء حرب التحرير هي طريقة حرب الكمين كما أسلفت , وهي تقضي بسرعة الحركة وقلة افراد كل كتيبة وضرب تجمعات العدو وخطوط مواصلاته ثم الاختفاء بحيث لا يدري العدو من أين جاءته الضربة وإلى أي ناحية يجب أن يردها , أما العدو الذي أذهلته هذه الحرب فقد رأى أنه لا يستطيع إرضاخ جيش التحرير الوطني الذي ترتب وانتظم وتزود بما يرسل له من سلاح وما غنمه من العدو بإبادة السكان المدنيين وضربهم بوحشية وقسوة , مرتكباً فيهم ما لا يوصف من فظائع وأهوال , وقد عمد في حربه تلك إلى وسائل عدة نخُصُّ بالذكر منها :
أولاً : ضرب نطاق ضيق من الحصار على كامل البلاد الجزائرية حتى يحول بين وصول السلاح والمدن المختلفة إليها من ليبيا وتونس والمغرب الأقصى , فأنشأ بيننا وبين تونس الشقيقة خط موريس الحديدي المكهرب من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب وأنشأ بيننا وبين المغرب الأقصى الشقيقة خط شال الحديدي المكهرب أيضاً .
وقد أثبت له جيشنا البطل جيش التحرير الوطني الجزائري أن عزيمة الشعوب وقوة الإيمان والاستماتة في سبيل الحق هي التي تحطم الحديد وتتغلب على قوة الكهرباء , ولا تستطيع أي قوة مهما كانت شدتها وصلابتها أن تتغلب عليها , فكان سلاحنا يمر وكان عدونا يجري دون انقطاع , وإن كنا نترك هنا وهنالك كل مرة عدداً من الضحايا وعدد من الشهداء .
ثانياً : إحداث المناطق المحرمة حول هذين الخطين بحيث يحظر على السكان المدنيين الاستقرار في تلك المناطق أو ارتيادها .
ثالثاً : إخلاء القرى العديدة والمدن الداخلية من السكان وجمعهم رجالاً ونساء وصبية في محتشدات ضخمة أطلق عليها إسم " مراكز التجميع " , جمعوا فيها نحو المليونين من البشر وكأنهم من السائمة على غرار ما فعله موسوليني الأهوج في أحرار ليبيا الأباة قبل ذلك .
رابعاً : عمد إلى طائراته العديدة المختلفة الأنواع والأحجام وإلى مدفعيته الثقيلة المحرقة فكانت توالي يوميا طيلة أعوام تدمير القرى التي ناهز عددها الثلاثة آلاف وإتلاف المزارع وإحراق المحصولات والقضاء على الماشية .
خامساً : بل بلغ به الأمر أخيراً إلى قسمة أرض الجزائر إلى مربعات أي مساحات شاسعة من الأرض مرسومة محددة تطلق عليها نيران السماء والأرض إلى أن تغدو خراباً لا أثر فيه للحياة ثم ينتقلون منها إلى مربع آخر وهكذا إلى أن وصل عدد قتلانا من رجال ونساء وأطفال الشعب لا من جيش التحرير مليوناً ونصف المليون من الشهداء أي ما يزيد على 12 في المائة من مجموع السكان وما رضخ الشعب رغم ذلك وما فلّت له عزيمة بل انضمت المدن الكبيرة جهاراً إلى حركة المقاومة العنيفة , ثم أعلنت أنها من صميم المعركة ومن جبهة التحرير الوطني .
كان العدو يقول إثر كل ملحمة : قد دخلنا في المربع الأخير من ساعة الحرب , وكنا نحن نقول من جهتنا ونعلن باستمرار : إنه لا يهمنا طول المعركة ولا عدد الضحايا , إنما هذه حرب لا يجب أن تنتهي إلا بالاستقلال التام , وإجلاء المستعمرين نهائيا وإلى الأبد عن أرضنا .
كان العدو ينفق كل يوم مقدار ثلاثة ملايين من الجنيهات مع هذه الحرب , وقد حطمت تلك المقادير طاقته المالية , وتبرم الفرنسيون وأخذوا يشعرون بثقل الحمل ووطأة المعركة , وأصبح الكثير من أحرار الفرنسيين والفرنسيات ينادون جهاراً ويلقون البحوث والمقالات دفاعاً عن حق الجزائر في الاستقلال وتقرير المصير , وإننا لنذكر مواقفهم هذه الآن بكل إجلال وتقدير .
هذا ما كان يقع بالداخل , أما بالخارج أيها السادة الأجلاء , فقد نظمنا في كل قطر عربي وفي أغلب الأقطار الإسلامية والإفريقية والكثير من البلاد الأوروبية والأمريكية المكاتب التي أصبحت سفارات عامة عاملة محترمة , ثم فاجأنا العدو بتأسيسنا في مدينة القاهرة سنة 1958 م حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية اعترفت بها حالاً كل الدول العربية والكثير من الدول الصديقة الحرة , وأصبحت تلك الحكومة تقوم بواجبها خير قيام , تبث الدعاية وتجمع المال والسلاح , وتبتاع ما كانت البلاد في حاجة إليه , وكانت البلاد الليبية والتونسية والمغربية تقف إلى جانبنا موقف الشقيق من الشقيق , وينالها الأذى معنا , وتذوق من أنواع الضغط والتهديد ما لا يوصف , إلا انها وهذه شهادة أؤديها لله وللتاريخ , قد قامت بواجبها ببطولة وشجاعة وتضحية , ولا أتكلم عن البلاد العربية التي كانت بمنأى عن ضربات العدو وضغطه , بل منها من تحمل من أجلنا حرباً عواناً كمصر الشقيقة الصادقة التي وقفت معنا موقف الشرف , والتي قال عنها الزعيم الاشتراكي زعيم حكومة فرنسا " جي موليه " بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 م ما نصه : ثم إنه يجب القضاء على الثورة الجزائرية وذلك بضربها على الرأس والرأس موجود بالقاهرة .
ثم إن وفودنا كانت تجوب بلاد أوروبا وترداد اجتماعات هيئة الأمم المتحدة , إلى أن أصبحت قضيتنا مألوفة معروفة , بل إننا أدخلناها فعلا ضمن نطاق الاستقلال .
وهكذا أيها السادة وبمثل هذه البطولات الحربية وبمثل هذه المساعي السياسية تمكنا من قهر العدو وإرغامه على الجلوس معنا على مائدة المفاوضات , فما وسعه بعد طول المماطلات , وبعد إخفاق كل المناورات إلا أن اعترف للجزائر بحق تقرير المصير حقاً علنياً واضحاً لا غبار عليه , وتم الاستفتاء عادلاً جزائرياً , وأعلن الجزائريون قاطبة دون أي استثناء عزمهم على الاستقلال التام , فأعلن الاستقلال ورفعت أعلام الحرية خفاقة عالية فوق ربوع الجزائر بعد حرب استمرت سبعة أعوام ونصف عام , لقد كان الثمن الذي دفعناه من دمنا وأرواحنا وجهودنا عظيماً جداً .
لكن الاستقلال والحرية واسترجاع أمجاد الوطن وكرامته السالفة كانت اكبر من ذلك واعظم , والحمد لله رب العالمين .

يتبع .......... بحول الله
أبو مروان likes this.
__________________
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 11-10-2017, 07:49 PM
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 12-01-2011
الدولة: الاردن - عمان
المشاركات: 13,869
افتراضي محاضرة الثورة الجزائرية - الجزء الرابع !

تابع - محاضرة الثورة الجزائرية - الجزء الرابع !

ألجزء الرابع
ألآن ننتقل أيها السادة إلى نتائج الاستقلال الرائعة العظيمة المدهشة , فإن كان لهذا القطر الجزائري من معجزة فمعجزته ليست فقط القضاء على الاستعمار الفرنسي وإبعاد كامل الفرنسيين أي مليون ومائتي ألف نفس عن البلاد ! إنما المعجزة الحقيقية هي التي يقف العالم مذهولاً أمامها الآن , هي ما قام به الجزائريون بعد الاستقلال .
فلننظر الآن سادتي الأمجاد وقد أتممنا السنة الرابعة عشرة من الاستقلال , ما هي الفائدة المادية والأدبية التي حصل عليها الشعب بواسطة الاستقلال , وما هي المنجزات التي حققها تحت راية الاستقلال .
إننا نادينا منذ إعلان الاستقلال وخاصة بعد التصحيح الثوري الذي تم يوم 19 يونيه سنة 1965 م , بأن الثورة مستمرة لكنها خرجت من ميدان تحقيق الاستقلال إلى ميدان بناء مجتمع الاستقلال .
نادينا بأن الثورة قد ولجت باب الإنشاء والتعمير منذ ساعة التحرير الأولى , فما سكنت البنادق حتى ارتفع رنين الفؤوس وضجيج المعامل , والأيدي التي كانت تحمل أسلحة النار قد انقلبت إلى أيد عاملة نشطة تنشىء الحياة وتحقق أهداف الشهداء .
في شهر سبتمبر 1962 م وجدنا الجزائر خاوية على عروشها , لا مال , لا حكومة , لا إدارة , لا نشاط , لا عمل , كانت مظاهر الموت الزؤام , إنما كانت طاقتها كامنة في إرادة بنيها وفي عزائمهم الصلبة , التي حطمت قوة نصف مليون جندي محتل , ومثل هذا الشعب هل يعجز عن بناء مجتمعه الجديد ؟ وإعادة بناء الجدران المحطمة ؟ وإحياء الأرض الميتة ؟ وبعث الروح القوية القادرة في جسمٍ خالدٍ يخاله الناظر ميتاً وهو يبغي بالحياة والقيم والإرادة ... ألإنشاء والتعمير ؟؟؟.
وقد جعلنا ثورتنا السلمية البناءة ذات أربع شُعب اندفعنا في جميعها بعزم وإيمان ويقين : الثورة السياسية ... الثورة الاقتصادية ... الثورة الثقافية ... الثورة الزراعية ... وإني أحاول سادتي الفضلاء أن أقف معكم وقفة قصيرة حول كل شعبة من شعب الثورة البناءة , لتروا رأي العين إلى أي مدى وصلنا , ولكي تدركوا كيف تستطيع الأنفس المؤمنة والقلوب الممتلئة عزماً أن تبني على أنقاض الماضي الاستعماري بلداً جديداً وشعباً جديداً ومدنية عربية اسلامية جديدة , وكذّبنا بأعمالنا وجهودنا الجبارة ادعاء كل عدو كان يزعم أن العرب لم يبقوا قادرين على البناء والإنشاء والتعمير , بل أقمنا الدليل القاطع على أن أبناء العروبة لا تزال فيهم وإلى الأبد تلك النفس الأبيّة وذلك العزم الجبار نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل فوق ما فعلوا .
ألثورة السياسية !
أعلنا منذ الساعة الأولى من الاستقلال أننا دولة شعبية اشتراكية , ولا نقصد الاشتراكية الماركسية المستوردة , كلا ثم كلا , إن اشتراكيتنا نابعة من صميم حاجتنا , تسير جنباً إلى جنب مع ديننا الإسلامي الحنيف وهو دين الدولة الرسمي حسب ما هو مقرر في الميثاق الوطني وفي الدستور , ومع تراثنا العربي الخالد ومع تقاليدنا الصالحة .
وأعلنا , ولا نزال نعلن , أن اشتراكيتنا هذه ليست اشتراكية تصدير أصلاً , استعملناها لصالح وطننا , وأنشأناها من صميم واقعنا , لا نبشّر بها في الخارج ولا ندعوا إليها أحداً , وأهل مكة أدرى بشعابها , إنما هي كتاب مفتوح يطلع عليه كل حسب رغبته , ويحكم عليها كل حسب نظرته الخاصة واجتهاده .
وأعلنا , ولا نزال نعلن أننا دولة نامية غير منحازة , فلسنا مع أمريكا ضد روسيا , ولسنا مع روسيا ضد أمريكا , نتعامل معاملة الند للند مع الجميع , ونقاوم كل اتجاه مهما كان مصدره إن كان فيه اعتداء على مبدأ من المبادىء التي نقدسها وندين بها , نساوي بين كل الأمم والشعوب ونؤمن بالحق المطلق للشعوب المستَعمرة في التحرر وتقرير المصير , وإيمان كل بلد على التحرر والانطلاق إن كان مستعمرأ , ونمد يد الإعانة لكل شعب مكافح في سبيل الحرية والاستقلال مهما كان جنسه , ومهما كان لونه ومهما كان دينه .
ثم إننا منذ اللحظة الأولى ولا نزال ننادي ونقيم الدليل تلو الدليل على أننا شعب عربي أصيل , من صميم العروبة المتماسكة الخالدة , ومواقفنا العملية الفعالة ضد النظام الصهيوني واندفاعنا بالمشاركة الفورية العملية مالاً وسلاحاً ورجالاً في حربي سيناء , وإعانتنا القوية الفعالة للثائرين الأحرار أهل فلسطين الأبية الباسلة , كل ذلك يغنينا عن التعمق في إقامة الأدلة وسرد البراهين .
وإننا أيها السادة إلى جانب كل ذلك المسلمون المؤمنون الصادقون , ولنا صلابة في الدفاع عن الدين وعن عقيدة الإسلام , تصل بنا إلى درجة تجعلنا نوصف بأننا الغلاة , ومن مبادئنا السياسية إلى جانب الدفاع عن العروبة ووحدتها , وإيماننا ودفاعنا عن وحدة وعن حرية وتماسك القارة الإفريقية , فنحن من إفريقيا وإفريقيا منا , لقد قاومنا فعلاً ونقاوم مستعبديها , ونقاوم أصحاب مبدأ التفريق فيها إلى أن تبرز للعالم فرق متضامنة تتطلع إلى نور الحياة الجديد المشرق , نور الرجاء والأمل , نور السعادة والازدهار .
أما من حيث سياستنا الداخلية فهي تتلخص في كلمة واحدة – كل شيء من الشعب وللشعب – إن الشعب الذي قام جميعاً كرجل واحد يقاوم العدو ويذوق العذاب ويضحي في سبيل الله والوطن بأكثر من عُشْر أفراده , ويتحمل الجوع والخصاصة أكثر من سبع سنوات وهو صابر مثابر , له الحق وقد استقلت البلاد وزال عنها رداء الاستعباد أن يكون متمتعاً بكامل خيراتها , مالكاً لجميع مصادر الثروة ووسائل الإنتاج فيها , لقد أقمنا في البلاد كل شيء لمصلحة الشعب , فالشعب هو السيد , والشعب هو الحكم , وسترون سادتي فيما يلي كيف يتمتع الشعب بهذه الثروة , وماذا أنشأ بها فوق أنقاض الماضي خلال سنوات قليلة .
ألثورة الاقتصادية !
أما ثورتنا الاقتصادية أيها الأمجاد فهي تقع على قاعدة " كل شيء من البلاد لفائدة جميع سكان البلاد " , لقد بادرنا منذ اللحظة الأولى بتأميم كل الشركات الأجنبية التي كانت سيدة الجزائر دون منازع , أممناها ودفعنا ثمن التأميم , وجعلناها شركات شعبية جزائرية برؤوس أموال جزائرية , وأرباحها تعود كلها للخزينة العامة الجزائرية التي هي في عصرنا الحاضر بيت مال المسلمين , وضربنا في التصنيع سهماً طائلاً , فلم يبق الأجنبي مستولياً على معادننا يشتريها بالثمن البخس ليعيدها إلينا بعد ذلك أدوات مصنوعة نشتريها بالثمن الباهظ .. كلا .. لقد أسسنا وأنشأنا بالجزائر المعامل الصناعية المتكاملة بحديدنا ونحاسنا ورصاصنا , نحن الذين نملكه , ونحن الذين نذيبه , ونحن الذين نصنعه , ونحن الذين نستفيد منه , بل – وهذا من المدهشات – أصبحنا نرسل إلى الخارج الكثير من مصنوعاتنا الوطنية الشعبية , وما هذا إلا بداية نحو الأمام .
أما النفط وما أدراك ما النفط , نعمة الله علينا في أرضنا العربية , لقد كان فيما مضى وسيلة من وسائل إذلالنا وغِلاًّ من الأغلال التي تطوق أعناقنا , وكانت شركاته الضخمة عبارة عن مجموعة من الأدوات الاستعمارية التي تتحكم في البلاد وبنيها , وتفرض سياستها عليها , فمنها يمثل الشدة والعنف التي هاجمنا الاستعمار نفسه , وأبعدناها كما أبعدناه , وسقناها كما سقناه , وأعلنا تأميمه , فأصبح نفط الشعب للشعب , إن الخمسين مليون طن التي تصدرها الجزائر الآن للخارج , والمقادير الهائلة المذهلة من الغاز الطبيعي الذي أنشأ له معامل ضخمة نجعله سائلاً من أجل التصدير , تدر على خزانة الشعب الجزائري سنوياً كميات هائلة من العملة الصعبة , تنفق كلها كما سترون لفائدة الشعب خاصة .
فالجزائر التي كانت فيما مضى بلداّ زراعياً بحتاً , ينقلب الآن , أو هو انقلب فعلاً إلى قطر صناعي جاد عامل , وتنوعت صناعاته واختلفت حتى شملت كل طرق الحياة , وأهمها المنسوجات التي أصبحت وهي جيدة متنوعة لسد حاجة البلاد وتغنيها عن الاستيراد .

يتبع .......... بحول الله
أبو مروان likes this.
__________________
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-10-2017, 07:57 PM
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 12-01-2011
الدولة: الاردن - عمان
المشاركات: 13,869
افتراضي محاضرة الثورة الجزائرية - الجزء الخامس !

تابع - محاضرة الثورة الجزائرية - الجزء الخامس !

ألجزء الخامس !
ألثورة الثقافية
ولنلج الآن باب الثورة الثقافية كي نرى الأمر المدهش العجاب !
إن أسس ثورتنا الثقافية هي القضاء على مخلفات الاستعمار البغيض الذي ضرب حول البلاد سوراً منيعاً من الجهل المطبق أو التعليم الفرنسي الجاف القليل , ونشر التعليم القومي العربي مكانه , على أوسع مدى وفي أقرب وقت , وكان نجاحنا في هذا المضمار عظيماً , لا نظن ان شعباً آخر من شعوب الأرض قد بلغ مداه في هذه الفترة القصيرة .
أما من حيث التعليم الابتدائي فقد ترك لنا الاستعمار يوم رحيله من البلاد سبعمائة ألف تلميذ يتلقون في المدارس تعليماً فرنسياً بحتاً , ففي هذه الفترة القصيرة من الوقت أيها السادة تمكنا من نشر التعليم الابتدائي في كل المدن والقرى والبوادي , وأنشانا مدارس أصبحت تقيم بين جدرانها في مفتتح أكتوبر هذا أربعة ملايين وخمسمائة ألف تلميذ يتلقون فوق تلك المقاعد الجديدة النظيفة تعليماً عربياً أصيلاً , فيه علوم اللغة وفيه تعليم الدين وآيات القرآن الحكيم , حتى إذا وصلوا إلى السنوات النهائية منه تعلموا إلى جانبه مبادىء اللغة الفرنسية كلغة , حتى يفتحوا بذلك نافذة على التعليم الثانوي العالي .
ولقد كنا أيام الاستعمار نتلقى العلم في ثانويات " بيجو " وأحزابه من أقطاب الاستعمار تعليماً فرنسياً بحتاً وكان عدد طلبتنا لا يتجاوز العشرين ألفاً , أما اليوم أيها السادة فأصبحت لنا ثانوياتنا – عقبة بن نافع .. وحسان بن نعمان .. وعبد الحميد بن باديس .. ومبارك الميلي , ومئات من الثانويات تحمل الأسماء العربية البطولية اللامعة , وأصبح التعليم مزدوجاً في الأقسام التقنية , أما الأقسام الأدبية والتاريخية والرياضية والجغرافية فقد عربت كلها وأصبحت لا تسمع في أوساط الكلية المفاضلة بين " هوجو ولامرتين " بل المفاضلة بين الرافعي وطه حسين .. أو بين المتنبي وأبي تمام .. أو بين شوقي وشاعر الجزائر محمد العبد , أما عدد الطلبة في هذه المعاهد الثانوية الراقية والمعاهد الفنية المختلفة الأنواع المتشعبة المناهج فهو يقارب المائتي ألف طالب .
ومهما صعدنا في سلّم التعليم رأينا العجب , كانت بالجزائر أيام الاستعمار جامعة واحدة فقط فيها عشرة آلاف طالب من بينهم ألف طالب من الجزائريين , أما اليوم فلنا ببلاد الجزائر جامعات عامرة غاصة بالطلبة يرتادها ما يزيد على الأربعين ألفاً من شبابنا الذي يقتحم أبواب العلم اقتحاماً , وفي كل هذه الجامعات أقسام معربة تعريباً كاملاً ومنها أقسام مزدوجة اللغة , والجامعات الجزائرية تخرّج لنا الآن ما يزيد على الألف طبيب سنوياً , هذا ولنعلم أن شعبنا لا يزيد الآن عن سبعة عشر مليوناً .
والمتخرجون من التعليم العالي يوضعون – اشتراكياً – تحت تصرف الدولة لمدة ثلاثة اعوام ويرسلون إلى مختلف جهات البلاد مهما كانت نائية حتى لا يبقى جزء من الوطن فاقد الطبيب والدواء .
وعلى ذكر الطب والدواء وجب عليِّ إعلامكم أيها السادة أن الاشتراكية الجزائرية قررت منذ سنتين جعل الطب مجاناً وحصول الدواء مجاناً لكل الشعب , فمن شاء من الأطباء أن يشتغل بمعالجة العامة مجاناً , فالدولة تمنحه المرتب الضخم خلافاً لبقية المرتبات , وعليه أن يقضي في التطبيب العام الساعات القانونية للعمل يفحص المرضى حسب اختصاصه ويعين الدواء الذي يسلّم مجانا للمرضى , وهذا النظام الجديد يتحسّن ويعُم كل يوم .
أما الدين الإسلامي أيها السادة فهو يتمتع بعناية خاصة , لقد كان كما رأيتم مهملا إهمالاً تاماً , ولم يكن لدينا إلا بعض العلماء وبعض الطلبة يتلقون دروسهم الدينية بجامعات الزيتونة بتونس وأم القرويين بفاس , فما كدنا نؤسس الحكومة الانتقالية , وما كدت اتفرغ فيها لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية حتى ابتكرت مشروع " المعاهد الإسلامية " , ووفقني الله وأعانني الشعب على فتح ما يزيد على العشرين معهداً جامعاً أعانني عليها – ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله – أعانني عليها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله , فبعد مذاكرة خاصة بيني وبينه دامت ساعة واحدة أعارني مائة من علماء الأزهر الصالحين مختارين للعمل بالجزائر خمسة أعوام يتقاضون خلالها من الأزهر الشريف مرتباتهم وضرورياتهم , فهذه النواة الصالحة تمكنت من تعمير المعاهد , وأقبل عليها من شباب الجزائر جم غفير جعلها تغص بالطلاب , وبلغ عددهم يومئذ عشرين ألفاً , أما اليوم فأصبح عدد المعاهد يجاوز الثلاثين , وطلبتها يزيدون على الأربعين ألفاً , وعما قريب في أقل من سنة فسنحتفل بعون الله بافتتاح الكلية الإسلامية بمدينة قسنطينة معقل العالم العملاق عبد الحميد بن باديس رحمه الله , وهذه المعاهد هي التي تمد الآن مختلف المدارس الجزائرية بمعلمي العربية وشيوخ الدين وأئمة المساجد الذين يعتبرون في بلادنا من أجِلّة موظفي الدولة الإسلامية , ويتقاضون أجور الموظفين , ولهم حق التقاعد والمنح العائلية التي تعم كل العاملين , سواء ضمن نطاق الدولة أو في المصانع والمعامل أو في الميدان الزراعي , أما القضاء أيها السادة فقد عُرّب والحمد لله كله , فالحكام جميعاً من الجزائريين , ولغته عربية وقوانينه جزائرية إسلامية .
ألثورة الزراعية !
يأتي الآن أن أحدثكم عن الثورة الزراعية وهي أساسية في بلادنا فأقول : عندما بدد نور الاستقلال ظلمات الاستعمار , وجلا الفرنسيون كافة ومعهم كل اليهود عن البلاد إلى غير رجعة , تركوا مزارعهم الشاسعة الغنية نحو ثلاثة ملايين هكتار مهملة وهي التي كانت من قبل مصدر الحياة لهذه البلاد , فكنا مهددين بنوع من المجاعة الغائلة , بل إن الصحف الاستعمارية بفرنسا بشّرت بتلك المجاعة , وقال لنا أصحابنا خذوا حذركم من الآن وخاطبوا أسواق العالم لابتياع ما يلزمكم من الحبوب قبل فوات الأوان , قلنا كلا !! لن نخاطب أسواق العالم بل نخاطب ضمائر المزارعين الذين عملوا عبيداً فأصبحوا سادة , إن الأرض قد أصبحت بين أيدي أهلها , وحاشا لهؤلاء الأهل أن يتركوا البلاد في مجاعة , قلنا يومئذ لمن تكون الأرض التي تخلى عنها العدو بعد الحرب ؟ فكان الجواب قد نزل على محمد عليه الصلاة والسلام قبل ألف وثلاثمائة سنة , { وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم } فلتكن هذه الأرض إذن لهذه الطبقات التي كانت محرومة معدمة تشقى ليسعد المستعمر وتكاد تموت جوعاً كي يكدس الأموال في خزائنه .
أعلناها يومئذ طوعاً لأمر الله أرضاً مؤممة , أي اشتراكية هي ملك للشعب قاطبة , ملك الذين حرروها بدمائهم وأرواحهم , وقررنا أن جميع عمال المزارع الأوروبية يبقون في مزارعهم , بصفتهم وكلاء الشعب ينتخبون من بينهم هيئة تتولى الإدارة , ودعونا ذلك النظام التسيير الذاتي , فعمال المزرعة يباشرون أعمالهم باسم الشعب , والحكومة تقدم لهم كل شهر كهبة ما يكفي لحياتهم وحياة عائلاتهم , حتى إذا أثمرت الأرض وجاء موسم الجني وبيع المحصول لشركات الحكومة دفع الحساب ونال العمال حصتهم من الأرباح بعد طرح ما تناولوه على الحساب , وحصة الشعب التي توضع في الخزينة تساوي حصة العمال , أي أن الأرباح تقسم بين العمال وبين الشعب , ومنح مالك الأرض مناصفة مع إبقاء جزء يسير من ذلك في خزينة الاحتياط , وهكذا ابتدأت الاشتراكية في أرض الجزائر وأخذت تزداد نظاماً مدققاً يوماً بعد يوم .
لكن الفلاحين لم يكونوا جميعا من عمال المزارع الأوروبية القديمة , فأصبح هؤلاء يمتازون على بقية الفلاحين الذين اشتركوا في الثورة " طردوا العدو وحرروا البلاد " ولم ينالوا من أرضها شيئاً , فهل يمكن سادتي أن تبقى هذه الطائفة محرومة من ثمرات الانتصار ؟ أيمكن أن يعيش الفلاحون طائفتين , طائفة تستقر في الأرض وأخرى مهملة أجيرة ؟ وقد اشتركا معاً في حرب التحرير وقدما التضحيات الجسيمة في سبيل الله والوطن ؟ كلا .. لقد فكرت الجزائر يومئذ في امر تحديد الملكية الزراعية , وهذا وجه آخر من وجوه الاشتراكية , فلا يمكن بعد الاستقلال والتضحيات أن تبقى في البلاد ملكيات زراعية شاسعة تكاد تكون إقطاعيات بينما الزارع أجيراً وهو الذي حرر الأرض ؟ أعلنا يومئذ قانوناً يقتضي تحديد الملكية الزراعية , ونزعنا عن كل مواطن ما زاد عن حصته المقررة , فأخذناها شراء أو هبة لا اغتصاباً , ووزعناها على المزارعين المعدمين , وهكذا عادت الأرض إلى أصحابها وهكذا تم تطبيق العدل الاجتماعي بين كل المواطنين , واخذنا يومئذ ننشىء القرى الاشتراكية الزراعية التي قررنا أنها ستكون بعد سنوات بحول الله ألف قرية , وهذه القرى تعتبر وجهاً مشرقاً وضّاء لهذا الابتكار العادل . ففي كل ناحية من جهات القطر الشاسعة تجمع الوزارة المختصة كامل الأرض التي ابتاعتها من أصحابها وتقوم بإنشاء القرية الزراعية التي تشمل على مائتي مسكن صحي تام المرافق , بديع الإنشاء , به الماء الجاري والتيار الكهربائي , وفي وسط القرية يقوم المسجد الجامع والحمام والمدرسة للبنين والبنات والسوق والمستوصف الصحي , وهكذا نأخذ المزارع المهمل من كوخه الصغير إلى أرضه التي خصصها له الشعب , وإلى المسكن الصحي الذي لم يحلم به طول حياته وحياة أجداده من قبله , فهو يعمل في أرضه الجديدة , وابنه وابنته يتعلمان الدين والعربية في المدرسة , وإنه يجد منذ يومه الأول جميع ما يلزمه لحياته داخل السوق التعاوني .
هذا ما قامت به الجزائر الاشتراكية المسلمة لفائدة الفلاح الذي هو صاحب الأرض الحقيقي , والذي هو وارث الأرض الشرعي , كما قررت الدولة منع الازدواج في العمل فلا يجوز إطلاقاً أن يكون الموظف أو التاجر أو العامل صاحب أرض , فالأرض لمن أحياها ومن هو يعمل بها ولا يقوم بعمل آخر , والتفتنا أخيراً إلى طائفة كبيرة من البدو ترعى السائمة في جهات الهضاب والصحراء لحساب مالكي الأغنام, وليس لهذه الطائفة من عملها إلا الفقر والحرمان والجهل , قررنا أن الرعاة يكونون هم أصحاب الماشية , وابتاعت الدولة مجموعة من الأغنام بالثمن المتداول بين الناس ووزعتها على الرعاة الذين أصبحوا من المالكين بصفة تضمن لهم الحياة الكريمة , وأخذت تبني لهم كذلك القرى الزراعية , والحركة لا تزال قائمة كما يقولون على قدم وساق , ثم إن الفلاح والمزارع والراعي معفون تماماً في نظامنا الجديد من كل أوامر الدولة .
هذه أيها العرب الأكرمون خلاصة أوردتها عن الثورة الجزائرية وأسبابها وأعمالها الحربية والسياسية ونتائجها , ولقد كانت مختصرة إلى حد بعيد , فثورة امتدت أصولها إلى أعماق التاريخ , وجرت حوادثها خلال ما يقرب من ثمانية أعوام , ونتائج إيجابية خلقت مجتمعاً جديداً وكانت لها المنجزات الشعبية الرائعة في كل الميادين , لا يستطيع الإنسان مهما أوتي من فصاحة ومن بيان أن يقدمها للسامعين النبهاء خلال ساعة واحدة , إنما كان هذا الحديث القصير المختصر , عنواناً لفصل عظيم من التاريخ العربي الإسلامي المعاصر , وأنه يستوجب من كل عربي الدراسة العميقة المركزة حتى نستطيع جميعاً أبناء العروبة الخالدة أن نبني متضامنين متحدين أقوياء صرح مدنيتنا الجديدة التي تسير سيراً موفقاً ضمن ركب الأمم المتخفزة في الطليعة الرائدة .
والسلام عليكم ورحمة الله
*****
أبو مروان likes this.
__________________
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-10-2017, 11:33 PM
الصورة الرمزية أبو مروان
أبو مروان غير متواجد حالياً
المطوِّر العام - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 18-02-2015
الدولة: الجزائر
المشاركات: 3,008
افتراضي

بوركت أبا عمر و جزاك الله بخير ما يجازي به عباده الصالحين ، إنها وثيقة تاريخية ثمينة جدا ، خاصة و هي من توقيع شخصية علمية كالشيخ توفيق المدني رحمه الله ، رجل التاريخ و الثقافة الاسلامية النقية .
لقد جمعت هذه المحاضرة بكل أطراف الثورة التحريرية الجزائرية ،في تقديم مركز و ملخص محمود ، من شأنه أن يضع القارئ العربي أمام الصورة الحقيقة للثورة الجزائرية و الأمة الجزائرية الممتدة جذورها العروبية في التاريخ ، بالاضافة إلى تصحيح كثير من المغالطات و الأكاذيب التي نسبها الاستعمار الغاشم للجزائريين لتشويه تاريخهم و تمزيق وحدتهم ، فقارئ المحاضرة سيخلص إلى الحقيقة التالية : الشعب الجزائري عروبي الهوية إسلامي الديانة عربي الانتماء .
مرة أخرى بارك الله فيك ابا عمر ، فأنت صاحب الفضل الكبير - بعد الله تعالى - في تنبيه الجزائريين خاصة و العرب عامة إلى حقيقة الاستعمار الفرنسي الغاشم الصليبي و كشف أساليبه في محاولته تنصير الجزائر لعزلها عن أمتها العربية الاسلامية ، هكذا ليعرف الناشئة من أمتنا الحقيقة و لا ينخدعون بالشعارات البراقة الآتية من وراء البحار . و يقف على حجم التضحيات الجسام التي قدمها الجزائريون في حربهم ضد الصليبية الحاقدة ، مما يترجم تمسك هذا الشعب بدينه الاسلامي الذي لا يرضى عنه بديلا . و تظهر عبقرية المواطن العربي في العمل و التنمية إذا وجد المناخ الملائم لتفجير طاقته الخلاقة ، و هو الجزء الذي أشار إليه شيخنا الفاضل توفيق المدني رحمه الله بفترة الاستقلال و خوض معركة البناء و التشييد .
__________________
*** و خالقِ الناسَ بخُلُق حَسَن ***

التعديل الأخير تم بواسطة أبو مروان ; 12-10-2017 الساعة 01:41 PM سبب آخر: تصويب أخطاء مطبعية بسيطة
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-10-2017, 11:59 PM
الصورة الرمزية أبو مروان
أبو مروان غير متواجد حالياً
المطوِّر العام - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 18-02-2015
الدولة: الجزائر
المشاركات: 3,008
افتراضي

{.. أما بالخارج أيها السادة الأجلاء , فقد نظمنا في كل قطر عربي وفي أغلب الأقطار الإسلامية والإفريقية والكثير من البلاد الأوروبية والأمريكية المكاتب التي أصبحت سفارات عامة عاملة محترمة , ثم فاجأنا العدو بتأسيسنا في مدينة القاهرة سنة 1958 م حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية اعترفت بها حالاً كل الدول العربية .. وكانت البلاد الليبية والتونسية والمغربية تقف إلى جانبنا موقف الشقيق من الشقيق , وينالها الأذى معنا , وتذوق من أنواع الضغط والتهديد ما لا يوصف , إلا انها وهذه شهادة أؤديها لله وللتاريخ , قد قامت بواجبها ببطولة وشجاعة وتضحية , ولا أتكلم عن البلاد العربية التي كانت بمنأى عن ضربات العدو وضغطه , بل منها من تحمل من أجلنا حرباً عواناً كمصر الشقيقة الصادقة التي وقفت معنا موقف الشرف , والتي قال عنها الزعيم الاشتراكي زعيم حكومة فرنسا " جي موليه " بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 م ما نصه : ثم إنه يجب القضاء على الثورة الجزائرية وذلك بضربها على الرأس والرأس موجود بالقاهرة . }(أبو عمر)..
______________
أين ذهب كل هذا التضامن العربي العظيم ؟؟؟ فقد كنا أمة قوية بتضامننا و تآزرنا .. هكذا كنا ابا عمر .. و لكننا ضيعنا كل قيمنا فهُنَّا على عدونا و تمزقت حبالنا و روابطنا العربية ..
إن هذه المحاضرة ليست سجلا لتاريخ الثورة الجزائرية فحسب ، بل هي سجل لمآثر الأمة العربية و قيمها النبيلة عندما كانت تجمعها أواصر الأخوة و الدين و الدم العربي .
جزاك الله عنا و عن كل العرب كل خير أبا عمر .
__________________
*** و خالقِ الناسَ بخُلُق حَسَن ***
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-10-2017, 06:31 AM
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 12-01-2011
الدولة: الاردن - عمان
المشاركات: 13,869
افتراضي

ألأخ الفاضل أبو مروان - رعاك الله
بعد التحية لكم نقول :
إن ما سطرتموه تعقيباً على ما نقلناه في محاضرة المناضل الشيخ العالم الفقيه " احمد توفيق المدني " رحمه الله بشقيه الخاص بي والموجه الى القارىء الكريم .. ما كان ليصدر إلا عن نفس كريمة عربية أصيلة تواقة للعمل على رفعة الأمة العربية وحريصة على توجيه رسالة صافية نقية دونما تنميق لتوصلها الى شباب العرب أينما وجدوا سواء في داخل أقطار العرب أو في خارجها وذلك متابعة لنهج صاحب المحاضرة - رحمه الله - وجزاه الله عنا كل خير .
أما ما كان من نصيبنا .. فبعد تقديم خالص الشكر لكم نقول : إن من واجبنا كفرد عربي أن نقدم كل ما يدفع القارىء الى العمل الجاد البناء ليحمل معنا هموم الأمة ويكون موجهاً للجيل الذي يأتي بعده ! وخير ما ننقله ونزرعه في عقول ووجدان القارىء الكريم هو مثل هذه الحقائق التي خرجت للعلن عن خبير مميز كان له الدور المميز فيما أخبر عنه بموضوع المحاضرة .. جزاه الله خير الجزاء .. وما نحن إلا ناقلين لجوهرة من كنوز معرفته رحمه الله .
أما ما كان من رسالة وجهتها الى العرب جميعا حوتها سطور متابعتكم .. فهي زبدة البحث التي فيها البيان الناصع البياض النقي الذي يجب توصيله الى شباب العرب حتى تفتح به العيون على ما كان من حقد وغلِّ تبعته جرائم لا حصر لها من قبل أعداء العروبة ممثلة ببعض ما لقيه الشعب الجزائري الشقيق .. وقد صدق المحاضر حينما قال أنه لو أراد تسطير ما كان من العدو في حق الجزائر وأهلها لما وسعته الصفحات ولا الكتب والموسوعات .. لكن ما قلَّ دَلَّ .. وعليه القياس لكل ما يدبّر بحق العرب والاسلام ...!
وعليه نقول : سلمت يداك وبارك الله مسعاك ونشارك رؤياك بالأمل أن تكون هذه رسالة للشباب الذين عليهم حمل الأمانة ومواصلة العمل على إعلاء شأن العرب والأمة .. ففي عز العرب عز الاسلام والمسلمين .
زادك الله حلما وعلما وحكمة ورفعة قدر .
وللجزائر وأهلها منا كل تحية وإكبار .
أبو مروان likes this.
__________________
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12-10-2017, 01:37 PM
الصورة الرمزية أبو مروان
أبو مروان غير متواجد حالياً
المطوِّر العام - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 18-02-2015
الدولة: الجزائر
المشاركات: 3,008
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الشريف ابوعمر الدويري مشاهدة المشاركة

أما ما كان من نصيبنا .. فبعد تقديم خالص الشكر لكم نقول : إن من واجبنا كفرد عربي أن نقدم كل ما يدفع القارىء الى العمل الجاد البناء ليحمل معنا هموم الأمة ويكون موجهاً للجيل الذي يأتي بعده ! وخير ما ننقله ونزرعه في عقول ووجدان القارىء الكريم هو مثل هذه الحقائق التي خرجت للعلن عن خبير مميز كان له الدور المميز فيما أخبر عنه بموضوع المحاضرة .. جزاه الله خير الجزاء ..
بوركت أبا عمر ، سنظل نذكرك بإجلال و إكبار على حبك للأمة العربية الاسلامية كلما ذكرنا أو قرأنا هذه المحاضرة القيمة .
__________________
*** و خالقِ الناسَ بخُلُق حَسَن ***
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 16-10-2017, 09:00 PM
سنبل البسبوسي غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: 03-01-2017
المشاركات: 129
افتراضي

مشكوووووووووور استاذ ابوعمر دايم مواضيعك مفيدة
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 17-10-2017, 06:31 AM
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
تاريخ التسجيل: 12-01-2011
الدولة: الاردن - عمان
المشاركات: 13,869
افتراضي

عزيزنا .. هكذا يجب ان يكون العربي الحر !
لا يتقيد بقطرية بغيضة .. بل كل جهدة للعرب في شتى ديارهم !
نسال الله لكم العافية والعمل على كل ما من شأنه إعلاء الحق وكشف الأباطيل !
سلمت ودمت بخير
__________________
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب عمدة الطالب في انساب ال ابي طالب . ابن عنبة د ايمن زغروت مكتبة الانساب و تراجم النسابين 4 01-06-2017 04:48 PM
كتاب : تاريخ الخلفاء للسيوطى ,,, (1) حسن جبريل العباسي مجلس الاشراف العباسيين العام 2 24-03-2017 07:16 PM
الحرمة المغلظة لاتخاذ القبور مساجد....منقول للفائدة قاسم سليمان مجلس العقائد العام 3 08-06-2015 02:42 PM
نفحة عبير محمد محمود فكرى الدراوى هذا هو الحب فتعال نحب 1 26-12-2009 11:42 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 07:32 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه