أثر الفكر اليهودى فى كتابة التاريخ الإسلامى - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: عشائر الكرد (آخر رد :حمزة الكرد)       :: اليزيديون من الكرد ام العكس ؟ (آخر رد :حمزة الكرد)       :: العشائر المستكردة ذات الاصول العربية ... (آخر رد :حمزة الكرد)       :: العشائر الكرديه ذات الاصول العربيه ... أصل الكرد في التراث الإسلامي (آخر رد :حمزة الكرد)       :: كــــــرد فلسطين ( اكراد فلسطين ) (آخر رد :حمزة الكرد)       :: ما هو جذور عائلة الأيوبي في الشام ؟؟؟ افيدونا جزاكم ربي الجنه (آخر رد :حمزة الكرد)       :: قبيلة الكرد الأزدية هي القبيلة الأم لقبائل الأكراد المتحالفة (آخر رد :حمزة الكرد)       :: ما هو نسب عائلة الكردى (آخر رد :حمزة الكرد)       :: أحلاف قبيلة البقوم (آخر رد :حمزة الكرد)       :: فهرس العشائر والأسر الهاشمية القرشية ... (آخر رد :فادي صالح)      




إضافة رد
  #1  
قديم 08-08-2021, 07:22 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي أثر الفكر اليهودى فى كتابة التاريخ الإسلامى

كتاب


أثر الفكر اليهودى فى كتابة التاريخ الإسلامي

التأثير والتأثر



الدكتور / فتحي زغروت رحمه الله
الأستاذ المساعد بكلية الملك خالد العسكرية بالرياض

1439هـ - 2018م
والد مؤسس الموقع

يتبع .....


__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-08-2021, 07:22 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي

المقدمة
إن الدور الذى لعبه اليهود وما زالوا يلعبونه فى تزييف التاريخ وخاصة التاريخ الإسلامى لجد خطير ، وإن كنا نتحدث عن ذلك الدور فإننا لا نعلى من قدر تلك الفئة المغضوب عليها ، ولا نعطيها فى التاريخ أكثر من حجمها الذى يتناسب ودورها الحقير ، فقد دأبت على العمل فى خفاء، وقد تمرست على ذلك الأسلوب من خلال الظروف التى مرت بها عبر العصور المختلفة حتىامتلكت من وسائل الدس والتزييف ما يفوق الخيال أو التصور ، وهى ما يطلق عليها اليوم"القوى الخفية" تلك القوى التى مكنتها من التسلط على فكر الشعوب وعقائدهاوتواريخها ، ولا نعجب إذا ما عزونا أغلب ما نعانيه اليوم من أمراض فكرية وعقدية وسياسيةواقتصادية واجتماعية إلى تلك الفئة الضالة وإلى مفرزاتها من الماسونية وغيرها .
وإن كان منطبيعة البحث العلمى النصفة والاعتدال ، فإن قولنا ذلك ليس فيه أدنى تجن على اليهودهذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإننا لم نقصد مطلقا ذلك التعبير الدارج الذى يتردد علىألسنة بعض السذج من المسلمين بأننا بحديثنا ذلك نجعل من اليهود شماعة نعلق عليها كلأمراضنا وعللنا
أن الحديث عن اليهود له مردوده العكسى عند بعض المسلمين حيثيصيبهم ذلك بالإحباط والوهن ويفقدهم ثقتهم فى تاريخهم المجيد فى الوقت الذى نرفع فيهقدر تلك الفئة ونعطيها حجما أكبر من حجمها!.
وإننى إذأعرض للقارئ هذه الدراسة التى تحتوى على كثير من أضاليل اليهود فى الفكر الإسلامى فسوفيظهر لنا تهافت ذلك الرأى ومدى سطحية تلك النظرة التى عششت فى عقول هؤلاء النفر . وهىبالتأكيد نظرة غريبة عن طبيعة وصفات الفكر الإسلامى الذى عرف بالدقة والمقدرة على مواجهةالتحديات الفكرية فهو فكر إيجابى لما فيه من سمة الإيجابية .
فإذا أضفناإلى تلك العقلية المتسمة بالتحدي الفكرى الايجابىوالثقافى والذى تتعرض له تلك العقلية المسلمة اليوم من تطبيع مع العدو اليهودى وغزوفكرى وتنصير وتغريب واستشراق وفكر علمانى وعولمة مغيبه للهوية الثقافية وحملات التحريفوالتشويه للعقيدة الإسلامية سواء ما جاء منها صريحا مباشرا أو خفيا . أقول إذا أضفناذلك لأدركنا تماما خطورة الدور الذى يلعبه اليهود فى تسريب تلك الأضاليل إلى عقول المسلمينولأدركنا أيضا ضيق نظرة أولئك النفر وحجتهم الواهية فإنه لا يعقل مطلقا أن تمر أمتنابهذه التحديات السافرة ثم نغمض الطرف عن مؤامرات اليهود حتى لا نعطيهم أكبر من حجمهم!!فإذا سلمنا بحجتهم نكون قد أغمضنا العيون على قذى فأصابها من العمى ما يحجبها عن معرفةالحقيقة أو حتى محاولة رؤيتها .
ولا ريب بعدذلك أن يكون الفكر اليهودى الذى تسرب فى الفكر الإسلامى عبر العصور المختلفة هو ذلكالقذى الذى يجب تطهير الفكر الإسلامى منه ، وسنلاحظ من خلال تلك الدراسة - أن اليهودقد بدءوا تسريب أفكارهم منذ مرحلة مبكرة إذ صاحبت مراحل نشأة علم التاريخ الإسلامىالثلاث : الشفهية ، التدوين التاريخى ، التاريخ العام . وقد وجدوا فى تلك المراحل منافذسهلت عليهم تسريب أفكارهم حتى سرت سمومها فى قنوات فكرنا الإسلامى وجداوله أعشابا كثيفةأعاقت انطلاقته التى ينبغى أن يكون عليها .
وقد تمكن اليهود منذ بداية العصر الإسلامى من تسريبأفكارهم فى المرحلة الشفهية عن طريق القصاصين الذين كانوا يرتادون حلقات الوعظ والإرشادويقومون بسرد الروايات ، وكان أغلب هؤلاء القصاصين من اليهود الذين لم يحسن إسلامهمبعد وكانوا يمزجون الخبر الشفاهى بشئ من أفكار وروايات أهل الكتاب ، مما أدى إلى حشوالتاريخ والتفسير القرآنى والحديث ببعض من الخرافات والأساطير ، وقد اعتمد عليها للأسفبعض المؤرخين المسلمين فى الحقب التاريخية التالية .
كما وأن مرحلةالتدوين التاريخى والتى صاحبت تدوين القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف، والتى تمخضعنها ظهور كتب المغازى والسير ، لم تسلم هى الأخرى من العبث اليهودى ، فقد غصت بعضتلك الكتب بالإسرائيليات ، حيث قام نفر من اليهود بوضع الأحاديث ولم يكتف بذلك وإنمانسبها إلى النبى (ص) وهذه هى الطامة الكبرى وقد ساعدتهم الظروف السياسية التى كانتتمر بها الأمة الإسلامية آنذاك ، إذ وجدوا فى تمزق المسلمين وتوزعهم إلى فرق وجماعاتسياسية ودينية فرصة سانحة لوضع الأحاديث وبث أفكارهم الضالة ، كما هو واضح فى فكر الشيعةالباطنية والدروز والنصيرية والدهرية والمرجئة والقاديانية والبهائية وغير ذلك.
أما المرحلةالتاريخية الأخيرة وهى مرحلة التاريخ العام ، وهى تلك المرحلة التى كتبت فيها كتب التاريخالمطولة والتى تتناول تاريخ البشرية حتى عصر أولئك المؤلفين ، لم تسلم هى الأخرى منفكر أهل الكتاب ، إذ اعتمد بعض مؤرخى المسلمين على الكتب المقدسة فى رواياتهم عن تواريخالأمم البدائية وعن سلسلة أنبياء بنى إسرائيل ، وعن كيفية بدء الخليقة ، كما أتوا بكثيرمن الغرائب والطرائف غير المعقولة طعموا بها كتاباتهم هذا ناهيك عن الخرافات والأساطيرالمروية عن أهل الكتاب ، ونظرة يسيرة إلى كتاب مروج الذهب للمسعودى على سبيل المثالتتضح صحة ما نقول .
وبعدما اتضحالعبث اليهودى بفكر الشعوب على هذا النحو المريب ، وقف اليهود ومن ورائهم الصهيونيةالعالمية يروجون لدعاية معاصرة يمحون بها عار ذلك العبث ويمتصون بها غضبة حقب التاريخفى عزلة عن بقية الشعوب التى قُدرت لها أن تعيش فى كنفها وأنهم حُرموا من منح الجنسيةفى تلك البلاد مما جعلهم يشكلون دولة صغرىمنعزلة داخل الدولة الكبرى ، وللأسف فقد انساق بعض كتاب المسلمين وراء ذلك الإدعاءالصهيونى وراحوا يرددون تلك المقولة .
ونحن إذ نفندذلك الإدعاء فلا يمكن التسليم به تسليما مطلقا ، ولو سلمنا به على ذلك النحو لأن تفىعن اليهود دورهم الخبيث فى تزييف التواريخوتشويه الحقائق . وذلك لأن حقائق التاريخ الإسلامى على وجه الخصوص تثبت خلاف ذلك تماما، إذ توفرت لليهود فى العصور الإسلامية كافة أساليب المعيشة وسبل التعايش مع المسلمين، فقد أقر لهم الإسلام حقوق المواطنة الكاملة ، وذلك لينصهروا فى النسيج العام للمجتمعاتالإسلامية وليشاركوا فى بناء صرح الدولة الإسلامية الكبرى بدلا من عزلتهم التى قد تدفعهمللتآمر على الإسلام والمسلمين .
وقد نعم اليهودطوال عصور الإسلام بحقوق المواطنة كاملة مقابل دفع الجزية المقررة على شبابهم ، وقدمكنتهم حقوق المواطنة تلك من التفاعل الحى مع المسلمين فى شتى مجالات المعيشة الحياتية، الأمر الذى نتج عنه استئثار بعضهم بنوع خاص من المعاملات ، نالوا على إثرها امتيازاتخاصة ما ظفر بها بعض من أبناء المسلمين آنذاك . فقد كان منهم الوزراء والكتاب ورجالاتالمال والشعراء والأطباء والمؤرخون والفلكيون بل تصدر بعض رجالاتهم بلاطات الخلفاءوالأمراء ، وكان لهم كلمة مسموعة ، أليس ذلك كافيا بأن يوفر لهم مناخا مناسبا للاحتكاكالفكرى والثقافى مع المسلمين ؟!
وفى العصر الحديث، ووفق مقتضيات ذلك العصر الذى شهد طفرة هائلة فى الحضارة الغربية والرقى العلمى ،كان على اليهود أن يعيدوا تشكيل بنائهم الفكرى والسياسى ليتلاءم وطبيعة ذلك العصر ،فشرعوا فى بناء منهج فكرى جديد يمكنهم من نواصى الفكر والثقافة والإعلام العالمى فىالمعسكرين الشرقى والغربى على السواء ، فتوزعت مجموعات من علماء اليهود فى شتى أنحاءالعالم ملكوا بالفعل زمام الحياة العلمية إبان القرنين الماضيين ، واستحدثوا من النظرياتوالفلسفات ما سحروا بها أعين العالم الأوروبى واستحوذوا على عقولهم باسم الحضارة والمدنية، ثم اندفعت وراءهم شعوب العالم النامى مخدوعين ببريق تلك الحضارة الكاذبة فى محاولةاللحاق بركب تلك الحضارة .
إن تلك النظرياتوالفلسفات التى استحدثها علماء اليهود ، كانت من أخطر المنافذ التى تسرب منها الفكراليهودى إلى عقليات بعض العاملين فى حقل التاريخ وسائر مجالات الفكر الإسلامى إبانالحقبة الأخيرة ، إذ تجرع أولئك كئوسا مترعة من فكر تلك النظريات على أيدى أساتذة الغربمن مستشرقى اليهود وغيرهم ، ثم عادوا إلى أوطانهم ليطبقوها على الفكر الإسلامى متعسفينبها تفسيره وتحليله فى محاولة لتشويه الفكر الإسلامى بصفة عامة والتاريخ الإسلامى علىوجه الخصوص .
إن من أخطر التفسيراتاليهودية التى شوهت التاريخ الإسلامى هى التفسيرات: المادية ، والعرقية ، والقومية، والجبرية . وتلك هى التفسيرات التى تبناها مستشرقو اليهود فى جامعات أوروبا الغربيةوالشرقية لتفسير التاريخ الإسلامى والتى سار على نهجها بعض طلابهم من الكتاب فى جامعاتناالعربية والإسلامية . وقد تصدرت فى الآونة الأخيرة بعض الكتابات التاريخية التى تشربتذلك الفكر وتلونت به وغصت بها المكتبات العربية مثل الكتابات التى تنضح بالفكر القومىأو بالعروبة أو كالتى تشيد بالعرق العربى والعصبية العربية ، أو تلك الكتابات التىتحيى النعرات الجنسية والطائفية القديمة كالتاريخ الفرعونى المقصود لذاته ، والتاريخالفارسى والبابلى والكردى والبربرى ، وناهيك عن أقوال المستشرقين وبخاصة اليهود منهمفى الوضع والتدليس فى الحديث النبوى الشريف . ومثل تهجم بعضهم على أئمة الحديث كماسنعرف بعد ، وفى مجال القرآن الكريم نرى إدعاءاتهم الباطلة والمضللة للقرآن الكريممن أنه من تأليف محمد (ص) ، ومن ثم تناولوه له بالنقد والتفسيرات المضللة واتهموا الرسول(ص) بأنه اقتبس القرآن من كتب اليهود والنصارى إلى غير ذلك من أقوال يحاولون بها الحطمن شأن القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف بل الحط من كل ما ينتسب إلى الإسلام منفكر وحضارة وتاريخ وثقافة .
ومن أخطر ما واجههالتاريخ الإسلامى والذى يعد البوابة الأولى للفكر الانساني العالمي ، وقد تركواهذا التاريخ العالمى الانساني و لجأوا إلى ما يعرف "بالتفسير المادى للتاريخ الإسلامى"فهو يؤدى إلى تشويه بعض حقائقه ، وزعزعة قيمه ومثله العليا التى انعكست عليه من الدعوةالإسلامية ورسالتها الهادية الغراء ، حيث إننا نرى اليوم بعض المؤرخين يفسرونه تفسيراماديا ، ويردون الأسباب والعلل إلى مطامع مادية صرفة كحديثهم عن سبب ظهور الإسلام ،وأسباب انتشار الدعوة ، وأسباب الغزوات والمعارك إلى غير ذلك من ظاهرات تاريخية صاحبتالحدث الإسلامى العظيم .
ولما كان التاريخالإسلامى يعد فرعا من فروع العلوم الإسلامية يجمع بين الحدث الدينى الإسلامى والحدثالتاريخى منبثقا من وحدة الدين الإسلامى التى تجمع بين أمور الدين والدنيا ولا تفصلبينهما مطلقا ، كما وأن التاريخ الإسلامى دون سائر التواريخ قد رصد لليهود تحركاتهم، وسجل عليهم مؤامراتهم على الإسلام والمسلمين منذ إشراقة دعوة الحق . وأفاض القرآنالكريم فى الحديث عن طبائع تلك الفئة وكيف حاولت إجهاض الدعوة فى مهدها الأول . أقول:لما كان التاريخ الإسلامى يؤرخ لكل ذلك ، أصبح مستهدفا على وجه الخصوص من قبل العلمانيينالذين يفصلون الدين عن الحياة ويقصونه بعيدا عن أحداثها وبذلك تنطوى حركة التاريخ الإسلامىوتذبل لا قدر الله .
هذا وإن كنا نحذرالمسلمين من النظريات والتفسيرات المستحدثة المضللة ، فإننا لا نقف أمام كل جديد ،ولا ندعوا المسلمين للجمود الفكرى أو عدم الانتفاع بالنظريات العلمية الجديدة وإنماندعوهم لدراستها أولا ثم عرضها على قيمنا الدينية والثقافية لنأخذ منها الصالح المفيدالذى يتمشى وعقيدة الإسلام ثم نطرح منها الغث الذى يجافى روح ديننا الحنيف . ومن هذاالمنطلق أود أن أبرز فى هذه التوطئة ملاحظتين مهمتين فى سياق الحديث عن تلك النظريات:
الأولى: أن تلك التفسيراتالتى غزت التاريخ الإسلامى أغلبها من نتاج الفكر اليهودى ، وإن أخذت أشكالا متعددةعن العصور المختلفة ، فالفكر الماركسى مثلا وليد فكر يهودى ارتبطت المصالح بينهما فىبداية العصر الحديث ، وكذلك الفكر الشيعى المتطرف كالإسماعيلية والقرمطية فهو أيضاوليد فكر يهودى ارتبطت بينهما المصالح منذ عصور قديمة ، وما زالت لقاحات ذلك الفكرالمشترك تطالعنا فى هذه الأيام فيما نسمعه عن القاديانية والبهائية ناهيك عما صدر عنالصهيونية من بروتوكولات حكماء صهيون والماسونية ومفرزاتها من جمعيات تبث الفكر اليهودىمثل أندية الروتارى والليونز وعبدة الشيطان وشهود يهوه إلى غير ذلك .
الثانية: إن كان التاريخالإسلامى اليوم قد تسرب إليه الفكر اليهودى على هذا النحو ، فما أحوجه إلى التنقيةوالتطهير قبل إعادة كتابته ، وإن كانت بعض الأصوات المخلصة قد تعالت مطالبة بإعادةكتابته ، فإنها فى أمس الحاجة أولا إلى منهج علمى سليم من خلال رؤية إسلامية خالصة، إذ ثبت عدم فاعلية المنهج الغربى المعمول به فى دراسة التاريخ العام الأوروبى لأنهمعيار لرؤية غربية ولا يصلح للتاريخ الإسلامى النابع من رؤية إسلامية مختلفة ، كماثبت أيضا فشل منهج المستشرقين لما فيه من عوائق وعيوب علمية ومنهجية تجعله غير صالحللتاريخ الإسلامى على وجه الخصوص . وقد قدم الباحث فى نهاية الكتاب أطروحة مبسطة لمنهج إسلامى مقترح ربما يفيد ، أويضع علامات على بداية الطريق عند القيام بإعادة كتابة تاريخنا الإسلامى العريق .

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-08-2021, 07:24 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي

وقد اقتضت منهجية البحث فى هذا الموضوع تقسيمه إلى مقدمةوأربعة أبواب كل باب مقسم إلى مباحث . ثم خاتمة . على النحو التالى:

الباب الأول :
كيف تسربت أضاليلاليهود فى التاريخ الإسلامى؟
وينقسم إلى مبحثينهما:
المبحث الأول:المراحل الأولى لكتابة التاريخ "منافذ التسريب"
ويتناول النقاطالتالية
أولا: مرحلة الـروايةالشفهية
ثانيا : مرحلةالتدوين التاريخى
ثالثا: مـرحلةالتـاريـخ العام
المبحث الثانى: الظروف المواتية لتسرب الفكر اليهود
ويتناول النقاطالتالية
أولا: تــلاحمالبــؤر اليهـوديـة عبـر العصـور
ثانيا: طــرق انتقـالالفكــر اليـهـودى المبكـر
ثالثا: البناءالفكـرى اليهودى فى المجتمعات الإسلامية

الباب الثانى:
فكرة التاريخ بينالتصور الإسلامى والعبث اليهودى
وينقسم إلى مبحثين
المبحث الأول:فكرة التاريخ عند المسلمين واليهود
ويتناول النقاطالتالية
أولا: فكرة التاريخعند المسلمين
ثانيا: فكرة التاريخعند اليهـود
المبحث الثانى:موقف اليهود من تفسير التاريخ الإسلامى
ويتناول النقاطالتالية
أولا: التفسيرالعرقى اليهودى للتاريـخ
ثانيا: التفسيرالجبرى اللاهوتى للتاريخ
ثالثا: التفسيرالمادى اليهودى للتاريخ
رابعا التفسيرالقومى اليهودى للتاريخ
الباب الثالث:
أمثلة لأضاليلاليهود فى الفكر الإسلامى
وينقسم الى ثلاثمباحث
المبحث الاول: الأرض المقدسة والهيكل فى الفكر اليهودى
ويتناول النقاطالتالية
القضية الأولى:اليهود وخرافة شعب الله المختار
القضية الثانية:الأرض المقدسة والهيكل فى الفكر اليهودى
المبحث الثانى:الحفريات ومزاعم اليهود
ويتناول النقاطالتالية
القضية الأولى:دور الحفريات فى تعرية مزاعم اليهود
القضية الثانية:عمارة القدس ذات طابع عربى إسلامى
المبحث الثالث:سياسة التطبيع بين العرب وإسرائيل
الباب الرابع:
من أضاليل اليهودفى تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف
وينقسم إلى أربعةمباحث :
المبحث الأول:
من أضاليل اليهودفى القرآن الكريم
المبحث الثانى:
الإسرائيليات فىالقرآن الكريم
المبحث الثالث:
من أضاليل اليهودفى الحديث الشريف
المبحث الرابع:
التأثير والتأثربين الإسلام واليهودية
ويتناول النقاطالتالية
اولا: بين الاسلامواليهودية
ثانياً:الاخلاقفى سفر اللاويين ومقارنتها بالاخلاق فى الشريعة الاسلامية
ثالثاً:من مظاهرالتأثير والتأثر بين السبت والجمعة
ثم خاتمة تحتوىعلى منهج مقترح لإعادة كتابة التاريخ الإسلامى وبه كثير من النتائج التى توصلنااليها بعضها مذكور فى الخاتمة والبعض الاخر مندث فى انحاء الكتاب
هذا وأسأل اللهأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، وأن يدخره فى ميزان أعمالنا إن شاء الله .إنه نعم المولى ونعم النصير .
دكتور فتحىزغروت
الاستاذالمساعد بكلية الملك خالد العسكرية سابقا
فاقوس محافظةالشرقية
تحرير فى1/7/2018
__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-08-2021, 07:25 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي


الباب الأول


تسرب الفكراليهودى فى التاريخ الإسلامى؟


المبحث الأول:المراحل الأولى لكتابة التاريخ "منافذ التسريب"


أولا: مرحلة الـروايةالشفهية


ثانيا : مرحلةالتدوين التاريخى


ثالثا: مـرحلةالتـاريـخ العام





المبحث الثانى: الظروف المواتية لتسرب الفكر اليهود


أولا: تــلاحمالبــؤر اليهـوديـة عبـر العصـور


ثانيا: طــرق انتقـالالفكــر اليـهـودى المبكـر


ثالثا: البناء الفكـرى اليهودى فى المجتمعاتالإسلامية

















الباب الاول


تسرب الفكراليهودى فى التاريخ الإسلامى؟


المبحث الأول


المراحل الأولىلكتابة التاريخ "منافذ التسريب"



بدأ اليهود تسريب أفكارهم إلى التاريخ الإسلام منذ إشراقةشمس الإسلامى على الدنيا ، إذ تخللت مراحل نشأة التاريخ عند المسلمين بعض الثغرات كانتبمثابة منافذ اندلف منها الفكر اليهودى إلى عقول بعض المسلمين العاملين فى كتابة التاريخمما أثر تأثيرا كبيرا فى طريقة نقل الخبر وفى صحته وتفسيره ، وإن كانت مظاهر هذا التأثيربدأت مبكرة حيث سادت أفكار أهل الكتاب قبيل ظهور الإسلام ، فإن الدعوة الإسلامية قدأبطلت مفعولها وحصرتها فى نطاق ضيق ، بل من المأثور فى هذا الصدد أن الرسول (ص) كان يدعو المسلمينإلى تعلم العبرية فقد قال لزيد بن ثابت "تعلم كتاب يهود فإنى ما آمنهم على كتابى"كما أمره بتعلم السريانية فتعلمها (1) .


من هذا المنطلق عاش الرسول (ص) وجيل الصحابةرضوان الله عليهم من بعده يتصدون لهذا الفكر الدخيل ، ولكن بعدما اتسعت رقعة الدولةالإسلامية الناشئة وظهرت الفرق السياسية والدينية وانقسم المسلمون إزاءها بين مؤيدومعارض اندس أفراد من اليهود بين هذا وذاك مما أتاح الفرصة لبعض من الأفراد والفئاتأن تروى الأخبار الفاسدة أو تضع الأحاديث التى تخدم فكرتهم أو مذهبهم السياسى ، أو تبغى من ورائه فسادا فى الدين وخاصةإن وضعنا فى الاعتبار أن بعضا من هؤلاء الداخلين فى الإسلام لم يكن قد حسن إسلامهم، بل كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الزندقة .


من هنا ظهرت مؤثرات الفكر اليهودى مبكرة على بعض من كتب التاريخمما أدى إلى إفساد الخبر ، والخبر الفاسد كاللقمة الفاسدة إذ غزا العقلية المسلمة آنذاكثم تناقلته أجيال المؤرخين دون وعى أو تبصر حتى وصلت إلينا بعض تلك الأخبار الفاسدةكحقائق تاريخية مسلم بها ومن ثم بنى بعض المؤرخين المحدثين عليها أغلب كتابتهم التاريخية. ولكى ندرك أبعاد وحجم تلك المشكلة فى تراثنا الإسلامى يفضل أن نتعرف على منافذ الفكراليهودى التى تسربت من خلالها سموم أهل الكتاب إلى تاريخنا الإسلامى ، وهى منافذ صاحبت- فى غفلة من المسلمين - مراحل نشأة علم التاريخ الثلاث على النحو التالى :

أولا مرحلة الروايةالشفهية :



ظهرت هذه المرحلة مع بداية تكوين الدولة الإسلامية وإن لميكن هناك تسمية واضحة لعلم التاريخ آنذاك شأنه فى ذلك شأن سائر العلوم ، فقد ظهرت الحاجةإلى جمع معارف عن البلدان التى تم فتحها على أيدى المسلمين ، وذلك للتعرف على ثقافاتهاوعاداتها وتقاليدها ومعتقداتها قبل الإسلام ، ومن ثم يتمكن الخلفاء من وضع النظم والأساليباللازمة لإدارة البلدان وجباية الأموال وصرفها ، ومن هنا ظهرت وظيفة المؤرخ الذى اقتصردوره على جمع روايات عن تلك الشعوب اختلط أغلبها بأساطير الأولين وأخبار اليهود وأحبارهموالنصارى ورهبانهم ، وكان جلُ هذه الروايات تتناقل مشافهة دون أدنى تمييز يفرق بينالخبر الصادق أو الخبر الكاذب .


وعلى الرغم من أن هذه المرحلة الشفاهية من التاريخ قد صاحبتالدعوة الإسلامية منذ اشراقتها ، إلا أنه ظهر لون من المعرفة صاحب تلك المرحلة المبكرةوهو "القصص" الذى بدأ فى أول الأمر سامى الهدف ، ثم سرعان ما أصبح منفذامن أسهل المنافذ التى سرب اليهود من خلالها فكرهم السقيم إلى عقول بعض المسلمين آنذاك.


وقد بدأ القصص فى عهد عمر بن الخطاب (2) ، وكانينطلق من مفهوم القصص فى القرآن الكريم الذىتناول قصص الأنبياء والمرسلين والأمم القديمة بهدف الوعظ والإرشاد وتذكير الناس بالآخرة، من هنا كان القاصُّ واعظا ومؤرخا لأنه استعمل مادة القصص فى وعظ الناس وهدايتهم عنطريق أخبار الأمم السابقة ، وكان غالبا ما يمارس القاص مهمته فى المسجد حيث يلتقى بعامةالناس وغالبا ما كان يحضر الخلفاء هذه الحلقات فيسمعون منه ويتأثرون لكلامه حتى يجهشوابالبكاء وتفيض أعينهم بالدمع حتى تبلل لحاهم .


ثم انتشر هذا اللون بعد ذلك فى العصر الأموى انتشارا كبيراواتخذ مسحة سياسية لتعضيد سياسة الحكم الأموى ، فقد روى عن معاوية بن أبى سفيان أنهكان يستمر إلى ثلث الليل فى قراءة أو سماع أخبار العرب وأيامها ، والعجم وملوكها وسياستهاوغير ذلك من أخبار الأمم السالفة ، فإذا أصبح يأتيه غلمان بكتب يقومون على حفظها ويقرءونله مما فيها من سير الملوك وأخبار دولهم(3) .


وقد أفاد هذا اللون من القصص ثراء فى الفكر الإسلامى قبلأن يحيد عن مساره وأهدافه السامية ، إذ صارت مجالس القصاصين حلقات علمية لدراسة القرآنالكريم والحديث النبوى الشريف واللغة العربية ، كما نشطت العقلية المسلمة ودربتها علىالجدل الذى نشط آنذاك لمناقشة النصارى واليهود من جهة ومناقشة الفرق الإسلامية من جهةأخرى ، ولا غرو فى ذلك فقد كان الحسن البصرى من أشهر قصاصى المسلمين ، إذ خُصص له مجلسفى مسجد البصرة كان يغشاه العلماء وطلاب العلم من كل فج لطلب المعرفة ومدارسة الجدلالعقلى الذى عرفت به مجالس ذلك الرجل والتى ساهمت فيما بعد فى التمكين لمدرسة المعتزلة(4).


وبمرور الوقت انحرف القصص عن مقصده إذ دخل فى زمرة القصاصينذوو الأغراض الخبيثة ممن أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر والزندقة وأغلبهم من أهل الكتابالذين لم يحسن إسلامهم بعد واتخذوا من امتهانهم للقصص منفذا خطيرا تسربت من خلاله الأساطيراليهودية والمسيحية التى عكرت على المسلمين صفو عقيدتهم الغراء ، إذ سارع بعضهم لوضعأحاديث مزيفة نسبوها إلى الرسول (ص)بقصد الترغيب والترهيب أو لمساندة فرقة سياسيةضد الأخرى الأمر الذى أدى إلى فساد الخبر أو الرواية التاريخية ، فإذا وضعنا فى الاعتبارأن هذه المادة الشفوية كانت الأساس الذى بنى عليه أغلب المؤرخين أخبارهم وتأريخهم فيمابعد لأدركنا خطورة ذلك المنفذ الذى أطل منه الفكر اليهودى على تاريخنا الإسلامى فىمرحلة نشأته المبكرة ، ويكفينا فى هذا الصدد أن نستعرض أشهر الأسماء التى باشرت مهمةالقصص إبان تلك المرحلة .


- تميم الدارى:


يعد أول قاص فى الإسلام ، وكان نصرانيا ثم أسلم عام 9ھ ،وقد شُهد له بمكانته الدينية عند نصارى نجران إذ أطلقوا عليه "راهب أهل عصره"، وتشير بعض المراجع إلى أنه هو الذى ألح على عمر بن الخطاب أن يقص على المسلمين ،ولكن عمر رفض مطلبه ، وقد كرر المحاولة ونجح فيها فى عهد عثمان بن عفان(5). ولعل نزعته إلى الترهيب والوعظ التى هى من بقايا المسيحية هى التى دفعته إلى ذلك.


- وهب بن منبه:


هو من أصل فارسى ، قد ارتحل إلى اليمن مع جيش كسرى الذى أرسلهلمساعدة سيف بن ذى يزن لاسترداد ملكه من نجاشى الحبشة ، ثم استقر به المقام فى اليمن، وقد عرف عنه أنه كان واسع الإطلاع والثقافة على كتب اليهود والنصارى وكان يجاهر بذلكقائلا : "سمعت اثنين وتسعين كتابا كلها أنزلت من السماء ، اثنان وسبعون منها فىالكنائس وعشرون فى أيدى الناس لا يعلمها إلا قليل"(6) .


- كعب الأحبار:


كان من أصل واسمه "كعب بن ماتع" ارتحل من اليمنواستقر به المقام فى المدينة المنورة حيث أشهر إسلامه فى عهد أبى بكر ويكنى بأبى إسحاق، وهو مطعون فى عقيدته عند أغلب الثقات من علماء المسلمين ويعتبرونه المورد الأول لأغلبالإسرائيليات التى غصت بها كتب التراث الإسلامى إذ كان الرجل داهية يملك من اللباقةوسرعة البديهة وغزارة المعلومات التى استمدها من التوراة والأناجيل وشروحهما ما مكنتهمن أن يجذب إليه بعض علماء المسلمين الذين أخذوا عنه دون دراية أو حيطة مثل "الكسائى"الذى أخذ عنه فى كتابته عن قصص الأنبياء ، ومثل المسعودى الذى تأثر به أيضا فى كتابتهعن سِيَر الأنبياء ومبتدأ الخليقة ، وقد أشار "ابن سعد" فى طبقاته الكبرىإلى جرأة ذلك الرجل إذ كان يجلس فى المسجد وأمامه أسفار التوراة يقرأها غير متحرج منذلك(7) ومن طرائف ذلك الرجل أنه قال لعمر بن الخطاب ذات يوم: إنك ميت بعدثلاثة أيام ، فيقول له عمر : وما أدراك ؟ فيقول: أجده فى كتاب الله عز وجل فى التوراة، فيقول عمر فى دهشة : إنك لتجد عمر بن الخطاب فى التوراة ؟ فيقول كعب : اللهم لا ،ولكنى أجد صفتك ولحيتك ، وأنه قد فُنى أجلك"(8) . هذا وإن كان بعضالمؤرخين المسلمين قد نقل عن كعب الأحبار رواياته وإسرائيلياته دون تمحيص ، فقد تنبهالكثيرون لمرامى الرجل وامتنعوا عن الرواية له مثل ابن قتيبة والنووى ، ومنهم من روىعنه بتحفظ شديد مثل ابن جرير الطبرى .


وهكذا كانت روايات القصاص هى المادة التاريخية الأولى التىسادت المرحلة الشفهية من نشأة علم التاريخ عند المسلمين والتى بنى عليها بعض المؤرخينتأريخهم الإسلامى فيما بعد ، وهى مرحلة - كما علمنا - محفوفة بالأخطار ، محدقة بالبدعوالأساطير والخرافات التى نقلها هؤلاء القصاص عن الفكر اليهودى والمسيحى والتى كانمن أبرز نتائجها تلك الإسرائيليات التى تفشت فى بعض كتب التاريخ التى دونت بعد ذلك.



ثانيا: مرحلة التدوينالتاريخى :



شهد القرن الأول بعد الهجرة شيئاً من تدوين الأخبار المختلفةعن العرب الجاهلية والأمم المجاورة لهم متأثرة بأفكار أهل الكتاب مثل كتابى "وهببن منبه": قصص الأنبياء ، وقصص الأخبار ، ومثل كتابى "عبيد بن شريه":أخبار الملوك ، وأخبار الماضين . ثم أعقب هؤلاء كتّاب مهدوا للكتابة التاريخية منهم: محمد بن السائب الكلبى توفى "146ھ - 763م" ، وابنه هشام الكلبى توفى"204ھ - 819م" ، وأبو مخلف الأزدى توفى "157ھ - 773م" ، والمدائنىتوفى "225ھ -839م"(9) .


أما التدوين التاريخى المنظم الذى أصبحت فيه المادة التاريخيةالمدونة مادة علمية لتفسير التاريخ فلم تكن موجودة آنذاك فى أغلب المؤلفات السابقةوأمثالها، وإنما ظهرت تلك المرحلة مع بداية تدوين كل من القرآن الكريم والحديث النبوىالشريف ، من هنا كان للإسلام أثره الفعَّال فى ظهور علم التاريخ المدون والذى تطورفى كنف القرآن والسنة حتى صار علماً قائماً بذاته على النحو التالى :


أ- التاريخ وتدوين القرآن الكريم:


أفاد تدوين القرآن الكريم التاريخ الإسلامى إفادة كبيرة بمافيه من معنى للتاريخ يركز على عنصرى الزمان والإنسان باعتبارهما معاً موضوع التاريخالذى هو خلاصة التجربة الإنسانية حيث اشتمل على أخبار العرب قبل الإسلام مثل عاد وثمودوغير العرب مثل فرعون وذى القرنين ، كما اشتمل على قصص الأنبياء والحكماء وأخبار ملوكاليمن وأصحاب الفيل إلى غير ذلك من أخبار تلقى ضوءاً على تجربة تلك الأمم عبر التاريخ"والتى ارتبط فيها الماضى بمسئولية العمل الصالح ، كما ارتبط فيها المستقبل بغائيةمحددة بالبعث والخلود ، وبين الماضى والمستقبل يمتد تاريخ الإنسانية على الأرض"(10).


وعلاوة على هذا المفهوم المحدد لمعنى التاريخ فى القرآن الكريم، فقد ساهمت عملية تدوين القرآن فى إيجاد منهجية لعلم التاريخ تتميز بالدقة التامةفى نقل الخبر ، فهو كتاب الله أنزله على رسوله لفظاً ومعنى وقد دون بطريقة سليمة كفلتله بجانب حفظه فى الصدور سلامة الخبر وصحته ، كما وأنه يُعد من أهم المصادر الوثيقةالتى ألقت ضوءاً واضحاً على حالة المجتمع الأول فى الدولة الإسلامية إبان عصر الرسول(ص) حيث وردت فيهإشارات عن الرسول والصحابة وما اعترضهم من عقبات ومشاكل .


كما ساعد تدوين القرآن على انتشار الخبر التاريخى المتعلقبالصحابة والتابعين الذين إنساحوا فى أرض الإسلام لتفسير القرآن وشرح معانيه التى استغلقفهمها على الكثيرين ، الأمر الذى ساعد على انتشار عدد من التفاسير ، واتساع كبير لأفاقالمعرفة التى تتطلبها تلك التفاسير كالإلمام بعلوم اللغة العربية وآدابها وأشعارها، ووضع أصول الفقه ، وكل ذلك ساعد بلا شك على اتساع حركة التأريخ فيما بعد(11) .








ب- التاريخ وتدوين الحديث الشريف:


كما استفاد التاريخ من تدوين القرآن الكريم ، فقد استفادأيضا من تدوين الحديث النبوى الشريف ، فقد كان كل من التاريخ والحديث يهدفان إلى دراسةأقوال النبى (ص) وأفعاله ، واعتمدا معاً على الرواية الشفهية ، لذا قيل إنالتاريخ والحديث كل منهما "دراية ورواية" وذلك لاعتماد كل منهما على نفسالمصدر والمنهج ، حيث كان الجيل اللاحق يعتمد على روايات الجيل السابق ، كما وأن المتنفى كل منهما كان مسبوقا بالسند أو الإسناد . من هنا كانت طبيعة علم التاريخ فى تلكالمرحلة المدونة لا تختلف عن طبيعة علم الحديث سوى فى الهدف ، فإن كان علم الحديث يعتنىبالفقه فإن علم التاريخ يعتنى بالروايات التى تتجه إلى سرد الحوادث(12) .


لذا نشأ علم التاريخ الإسلامى المدون مرتبطا بتدوين الحديثجنبا إلى جنب فى كتب واحدة أطلق عليها "كتب المغازى والسير" وهى التى تجمعسيرة الرسول (ص) وغزواته وحروبه فى الجزيرة العربية وبلاد الشام ، وتجمعأخبار هجرة المسلمين إلى الحبشة وإلى المدينة . من هنا كانت كتب المغازى أول خطوة حقيقيةنحو الكتابة التاريخية . ومن أقدم كتاب المغازى والسير الذين جمعوا بين الحديث والتاريخ:"عروة بن الزبير" توفى 92ﻫ ، و"أبان بن عثمان بن عفان" توفى سنة105ﻫ ، و"شرحبيل بن سعد" توفى 123ﻫ ، و"وهب بن منبه" توفى 110ﻫالذى ينسب إليه كتاب "المبتدأ" تحدث فيه عن مبتدأ الخلق ، وقصص الأنبياء، وقد أخذ عنه الثعلبى فى كتابه "عرائس المجالس فى قصص الأنبياء"(13) .


أما أشهر كتاب المغازى: محمد بن مسلم الزهرى توفى 124ﻫ الذىاتصل بالخلفاء الأمويين وكلفوه بتدوين الأخبار ، وكتب منها مجلدات كثيرة كانت هى المادةالتى استعان بها تلاميذه فى كتابة التاريخ ومن أشهرهم: "محمد بن اسحق" المتوفىعام 151ﻫ الذى اتصل بالخليفة المنصور العباسى ، وألف له كتابا فى المغازى لم يصل إليناكاملا ، وقد عرفناه فى كتاب سيرة ابن هشام بعد أن أدخل عليه تعديلا(14).


ثم جاء "محمد بن عمر الواقدى" توفى 207ﻫ والذىيُعد من تلاميذ "ابن إسحق" وهو من سكان أهل المدينة وقد توثقت صلته بالخليفةالمأمون العباسى . وله باع طويل فى العلم والتأليف ، ومن أهم كتبه التاريخية"كتاب المغازى" ، ثم جاء من بعده كاتبه "محمد بن سعد" المعروفبكاتب الواقدى توفى 230ﻫ وهو صاحب كتاب "الطبقات الكبرى" ويعد من خيرة الكتبالتى ترجمت لصحابة النبى والتابعين ، كما تعطينامعلومات وفيرة عن رسائل النبى وسفاراته وصفة أخلاقه وعلامات نبوته (15) .


وعلى الرغم من البداية المبكرة لتدوين السنة ، إلا أنها تعرضتللدس من ذوى الميول والأغراض المختلفة إذا أدخلوا عليها أحاديث موضوعة تخدم أغراضهم، وقد أثر ذلك بطبيعة الحال على صحة الخبر أو الرواية التاريخية ، وهذه الظاهرة واضحةوغير خافية على الباحثين فى هذا المجال . وإن كانت تلك الظاهرة قد بدأت فى عهد الرسول(ص)إلا أنها استشرتمنذ الفتنة الأولى زمن "عثمان بن عفان" وما أعقبها من صراع بين على ومعاوية، إذ كثر وضع الأحاديث التى تؤيد طرفا على الأخر ، كما كانت للفرق السياسية والخصومةالمحتدمة بين زعمائها من عباسيين وفاطميين وأمويين أثرها الواضح فى وضع الأحاديث التىتعضد أحقية كل طرف فى تولية الخلافة والحكم .


أما الفرق الدينية فهى الأخرى قد ساهم بعضها فى ظاهرة الأحاديثالموضوعة لتعضيد رأيها وتأييد مسلكها ، ونظرة يسيرة إلى كتب المرجئة والباطنية والصوفيةوالخوارج توضح لنا أنها احتوت على الكثير من الأحاديث الموضوعة التى لا يليق انتسابهاللرسول وخاصة تلك التى تتصل بمسائلالعقيدة .


ولم يقتصر الأمر على أصحاب الفرق الدينية والمذاهب السياسيةفى وضع الأحاديث وإنما لجأ إليها بعض الأتقياء والزهاد ظانين - جهلا - أنهم بذلك يخدمونالإسلام ومن أمثال هؤلاء "نوح بن مريم" وهو من الفقهاء المحدثين فى خلافةأبى جعفر المنصور ، حيث روى كثيرا من الأحاديث فى فضائل السور، واعترف بأنه وضعها تقربالوجه الله وذلك ليصرف الناس إلى قراءة القرآن الكريم(16) .


ولعل ظاهرة وضع الأحاديث والتى تسمى بالإسرائيليات كانت منأشد المنافذ التى ساعدت على تسريب الفكر اليهودى إلى الحديث النبوى والتاريخ الإسلامى، قام به الزنادقة الذين أظهروا الإسلام وأضمروا فساده وكان أغلبهم من اليهود الحاقدينعلى الإسلام ، ومن هؤلاء على سبيل المثال "عبد الكريم بن أبى العوجاء" الذىاتهم بالمانوية ، فقد دفعه خبثه أن يخترع للأحاديث التى يزيفها أسانيد محكمة قد ينطلىاكتشافها على غير المتخصصين فى حقل دراسة الحديث ، وقد اعترف ذلك الزنديق المزيف عندماسيق لضرب عنقه بأنه وضع أربعة آلاف حديث من بنات أفكاره حلل فيها ما شاء وحرم فيهاما شاء(17) .


وقد كان لتلك الظاهرة التى عبثت بأحاديث الرسول (ص) رد فعل كبير دفعالعلماء الغيوريين على الدين والعقيدة أن يقوموا بتدوين الحديث النبوى الشريف وتنقيتهمن هذه الإسرائيات ، ومن هنا ظهر التدوين المنظم لعلم الحديث فى بداية القرن الثالثالهجرى تقريبا ، والتى برزت كظاهرة طيبة فى تحرى صحة الخبر المتمثل فى سلسلة الإسناد، وقد ظهرت خلال هذا القرن مجموعات من كتب الصحاح من أهمها: صحيح البخارى توفى 256ﻫ، صحيح مسلم توفى 261ﻫ ، وسنن أبى داود توفى 275ﻫ ، وسنن الترمذى توفى 279ﻫ ، والنسائىتوفى 303ﻫ ، وسنن ابن ماجة 275ﻫ (18) .
























ثالثا : مرحلةالتاريخ العام:



كانت كتب المغازى والسير التى سبق الحديث عنها مرحلة ممهدةلظهور كتب التاريخ العام ذات النظرة الشمولية التى تشتمل على أحوال الأمم والبلاد ،وقد التزمت منهجا ثابتا فى أغلب المؤلفات آنذاك ، إذ أنها تتناول تاريخ الإنسان منذبدأ الخليقة مصحوبا بقصة الخلق للسموات والأرض والماء والهواء والنور والظلام وسائرالمخلوقات ثم الحديث عن أنبياء بنى إسرائيل ، ثم العرب الجاهلية ، والسيرة النبوية، ثم تتحدث عن الفتوحات والمغازى وأخبار الصحابة والتابعين إلى غير ذلك من أحوال الأمموالشعوب . وقد تأثر كتَّاب التاريخ فى بداية هذه المرحلة بكتب التاريخ الفارسية التىنقل بعضها إلى اللغة العربية مثل كتاب "سير ملوك العجم"(19) الذىعربه ابن المقفع المتوفى عام "140ھ - 757م" . ومن أقدم كتب التاريخ العامفى ديار المسلمين(20) أيضا :


- كتاب المعارف لابن قتيبة الدينورى توفى "276ھ -889م" ، وقد بدأه بموجز عن مبدأ الخليقة ثم الرسل ثم العرب الجاهلية ثم السيرةالنبوية والفتوحات والمغازى وأخبار الصحابة والتابعين والعجم . ومن كتب ابن قتيبة أيضا"الإمامة والسياسة" و"عيون الأخبار"


- كتاب "البلدان" و" كتاب التاريخ "لليعقوبى توفى "284ھ - 897م" ، وقد جاء كتابه الأخير فى جزأين: الأول فىالتاريخ العام القديم على نحو ما فعل ابن قتيبة ، والثانى فى تاريخ الإسلام وقد رتبهحسب ظهور الخلفاء إلى عصر المعتمد على الله العباسى عام 259ھ .


- كتاب الأخبار الطوال للدينورى توفى 282ھ - 895م . بدأه بالحديث عن آدم عليه السلام إلى نهاية حكميزدجرد متناولا ذكر ملوك قحطان والروم والترك ، ثم تحدث عن خلفاء المسلمين إلى أخرأيام المعتصم متناولا ثورة بابك الخرمى وحروبه كما وأنه فصل القول فى أخبار بنى أميةعند الحديث عن أخبارهم .


- كتاب " تاريخ الرسل والملوك " لأبى جعفر بن جريرالطبرى توفى 310ھ -922م . وقد بدأه بمبدأالخليقة ثم انتهى منه إلى عام 202ھ ، وقد رتب أحداثه حسب السنين الهجرية "الحوليات"واتبع فيه طريقة الإسناد على نحو ما يفعله رواة الحديث . وقد اعتمد على هذا الكتابجُلة من المؤرخين أمثال : ابن مسكوية وابن الأثير ، وابن خلدون ، وأبو الفداء والذهبى.


- " مروج الذهب ومعادن الجوهر " للمسعودى توفى346ھ - 957م . وهو من المعتزلة الذين اعتنوا بالعلم ، وقد جاء كتابه جامعا بين التاريخوالجغرافيا ، وكان على قدر كبير من الأهمية ، إذ جمع فيه بجانب التأريخ للمسلمين تواريخالهند والفرس والروم واليهود . وهناك كتب أخرى يضيق بنا المقام عن ذكرها . وإنما أودأن أركز على نقطتين مهمتين فى كتب التاريخ العام :


الأولى: تحررت هذه الكتبمن أساليب المحدثين المعتمدة على سلسلة الإسناد كما كان الحال فى كتب المغازى والسير، إذ أصبحت وحدها غير كافية لكتابة التاريخ الإسلامى وذلك لتطور الحياة السياسية والاجتماعية، بينما أصبح رجال البلاط وحاشية الخلفاء والملوك والقادة ورجالات الحرب والسياسة أفضلمصدر عند المؤرخين آنذاك لتلقى الخبر التاريخى . والدليل على ذلك أن الجزء الأخير منكتاب الطبرى غير كاف عند المؤرخين لضعف مادته ، إذ افتقر فيها لأحاديث تسند فكرته.


الثانية: وهى نتيجة مترتبةعلى الملاحظة الأولى ، إذ أدى ترك المؤرخين فى هذه المرحلة لسلسلة الإسناد إلى عدمتحرى الدقة فى تناول الخبر الأمر الذى أدى إلى تأثر بعض مؤرخى التاريخ العام بأفكارأهل الكتاب ، وتناثر بعض الإسرائيليات فى ثنايا كتابتهم . ويبدو ذلك التأثر واضحا عندحديث هؤلاء المؤرخين عن مبدأ الخليقة إذ استقى بعضهم مادته من التوراة مخالفين روحالإسلام وتصوره إزاء هذا الأمر ، ونلمس ذلك جلياً فى بعض كتب التاريخ العام سالفة الذكرالتى فصّلت القول فى خلق العالم فى ستة أيام ، والتى تحدثت عن تاريخ الإنسان وأنبياءبنى إسرائيل إلى غير ذلك من قضايا تاريخية استمد فيها المؤرخ مادته من تصورات يهودية. وسوف نوضح ذلك من خلال مثالين .


1- ابن الأثير: فى كتابه "الكامل" يتحدث عن إبراهيمالخليل وأنبياء بنى إسرائيل ، ويعتمد فى معظم رواياته على نفس التفسير التاريخى الواردفى أسفار : التكوين ، والخروج ، والتثنية ،والعدد ، ويشوع ، وأسفار التواريخ ، حتى خيمة الاجتماع التى ذكرتها المصادر الإسرائيليةيتحدث عنها بعنوان : "ذكر بناء قبة الزمان" . انظر ذلك فى صفحة 307 ،308 من الجزء الأول . الطبعة الأولى . طبعة السعادة 1932م .


2- القرطبى: فى تفسيره "الجامع لأحكام القرآن":يتحدث عن افتنان داوود بامرأة أوريا الحثى ص169 - 180 ، ويتحدث عن صفة كرسى سليمانص202 - 204 ، ثم يرجح أن الذبيح إسحق وليس إسماعيل ص99-103. أنظر الجزء الخامس عشر. مطبعة دار المعارف 1946م.


إذن مما سبق يتضح أن مراحل نشأة علم التاريخ الإسلامى الثلاثقد تخللتها بعض الثغرات كانت بمثابة منافذ تسرب منها الفكر اليهودى إلى بعض الأعمالالتاريخية ، فبعض القصاصين كان أغلبهم من اليهود الذين لم يحسن إسلامهم بعد مما أدىإلى خلط الأخبار التاريخية بشئ من الخرافات والأساطير وحكايات أهل الكتاب ، كما أنظاهرة وضع الأحاديث التى قامت بها بعض الفرق الدينية والسياسية وجماعات من الزنادقةاليهود كان لها أثر كبير فى تشويه الخبر التاريخى وخلطه بالإسرائيليات التى غصت بهابعض كتب التاريخ . والتى بنى عليها مؤرخو التاريخ العام أغلب تأريخهم ولاسيما تأريخهملبدء الخليقة وسلسلة الأنبياء والمرسلين لعصور ما قبل الإسلام .























مراجع المبحث الأول:


1- مصطفى الشكعة ، مناهج التأليف عند العلماء العرب . دارالعلم للملايين، بيروت 1974مص19 .


2- المرجع السابق ، ص29 .


3- سيدة إسماعيل الكاشف ، مصادر التاريخ الإسلامى ومناهجالبحث فيه . مكتبة الخانجى . القاهرة بدون تاريخ . ص13 .


4- مناهج التأليف عند العرب . مرجع سابق ص33 .


5- المصدر السابقص29 .


6- المصدر السابق ص31 ، وانظر أيضا الحديث عنه فى كتابناهذا فى الباب الرابع عند الحديث عن أشهر الوضاعين فى القرآن الكريم والحديث الشريف.


7- المصدر السابق ص31 ، 32 .


8- المصدر السابق ص32 ، وانظر أيضا الحديث عنه فى كتابنا هذافى الباب الرابع عند الحديث عن أشهر الوضاعين فى القرآن الكريم والحديث الشريف.


9- مصادر التاريخ الإسلامى ، مرجع سابق ص14 .


10- عفت محمد الشرقاوى ، أدب التاريخ عند العرب ، دار العودة، بيروت بدون تاريخ . ص 180 ، 184.


11- مناهج التأليف.مرجع سابق ص39 .


12- مصادر التاريخ الإسلامى ، مرجع سابق ص25 .


13- المرجع السابق ، ص27 . 14- المرجعالسابق ص28،29


15- المرجع السابق، ص31 ، 32 . 16- المرجع السابق، ص21 .


17- مناهج التأليف ص43 .


18- مناع القطان ، مباحث فى علوم الحديث ، مكتبة وهبة . القاهرةط أولى 1408 - 1987 ص36 .


19- مصادر التاريخ الإسلامى ص32


20-المصدر السابقص33-37




__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 08-08-2021, 07:27 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي




المبحث الثانى


الظروف المواتيةلتسريب الفكر اليهودى



احتل كتاب اليهود المقدس المعروف بالعهد القديم مكانة كبيرةفى التاريخ الإسرائيلى القديم باعتباره المصدر الوحيد للتاريخ اليهودى ، بل امتدت أهميةذلك الكتاب فكان المرجع الأول لدراسة تاريخ الشرق الأدنى القديم كله عند كثير من المؤرخين، وظل كذلك حتى بداية القرن التاسع عشر ، حيث تغيرت المفاهيم التاريخية المستمدة منذلك الكتاب بسبب النجاح الذى حققه علماء الآثار والحفريات وفكهم لرموز كثير من الكتاباتالقديمة فى مصر والعراق واليمن وسوريا ولبنان والأردن ، إذ أثبتت هذه الكتابات تهافتالروايات التاريخية القديمة المستمدة من العهد القديم ، الأمر الذى دفع بكثير من الباحثينإلى إعادة النظر فى جميع المرويات الإسرائيلية التى ظلت على مدى أجيال طويلة حقائقمسلما بها عند بعض مؤرخى العصور الوسطى .


وقد سرت هذه الصحوة التاريخية فى المحيط الإسلامى بأكملهوأصابته من الدهشة ما أصاب العالم أجمع آنذاك ، ولا غرابة فى ذلك إذ كان العالم العربىفيما مضى مستودعا للحضارات القديمة التى عاشت فى أحضانها جماعات اليهود عبر العصورالتاريخية ، والتى لم ترع لفكره وتراثه حرمة إذ دست عليه من إسرائيلياتهم ما غصت بهكتب التراث .


من هذا المنطلق قامت حملة من المسلمين تنادى بتصفية الفكرالإسلامى من الرشح اليهودى منهم الشيخ محمد عبده ، والسيد محمد رشيد رضا ، وأمين الخولى ، وأحمد أمين ، والعقاد ، وغيرهم .


وقد يقول قائل: كيف تمكنت تلك الجماعات اليهودية على الرغممن قلة أعدادها أن تسرب عقائدها فى الأمم على هذا النحو المريب؟ وقد يُطرح هذا التساؤلبصيغة أخرى . هل توفر لليهود على مر العصور الجو الصالح والمناخ الملائم الذى ساعدهمعلى بث أفكارهم وتسريبها إلى عقائد المسلمين المعايشين لهم والمتعايشين معهم ؟ إن الإجابةعلى هذا التساؤل ستكشف لنا عن حقيقة تاريخية مخالفة تماما لما يردده بعض المؤرخين اليومفى كتابتهم عن طبائع اليهود داخل البلدان التى يعيشون فيها - وسوف نوضح تلك الحقيقةالتاريخية من خلال مناقشتنا للادعاء التالى :


القول بعزلة اليهود إدعاء صهيونى باطل ينفى عنهم تهمة تزييفالتاريخ !


من المفاهيم التى شاعت فى العصر الحديث ما يتردد فى كتاباتبعض مؤرخى المسلمين أن الجماعات اليهودية قد دأبت أن تعيش فى عزلة داخل البلاد التىيعيش فيها حتى حدا ببعضهم أن يصفهم بأنهم يشكلون دولة منعزلة داخل الدولة الكبرى لهافكرها وثقافتها ومعاملاتها الحياتية التى تميزهم عن سائر المواطنين المسلمين . وبذلكعاش اليهود فى عزلة عن مخالطة الشعوب الأخرى والتى ينتفى معها أى تأثير فكرى أو احتكاكثقافى .


إن هذا الإدعاء على الرغم من احتمال صحته فى بعض الجوانبإلا أننا لا يمكن أن نسلم به تسليما كليا ومطلقا ، لأن الأدلة العلمية والشواهد التاريخيةالقديمة والحديثة تثبت خلاف ذلك كما يقول الدكتور قاسم عبده قاسم "إن أية جماعةدينية تعيش بين جماعة دينية أكبر تعتنق دينا آخر ، لا يمكن أن تكون من وجهة النظر العلمية- جيبا اجتماعيا أو قوميا برغم دينها المخالف"(1) .


ولعل فى نقضنا هذا الادعاء يكون فيه الرد على دعاوى الصهيونيةوالماسونية القائلة بأن اليهود طوال فترات التاريخ الإسلامى شكلت جماعات متقوقعة داخلالمجتمعات الإسلامية بسبب القهر والتعسف على أيدى أنظمة الحكم المختلفة .


ولا يخفى علينا هدف هذه المقولة التى ظلت تتردد فى محيط العالمالإسلامى والتى تناقلتها بعض أقلام المسلمين اليوم ، والتى تهدف من ورائها الصهيونيةعدة أهداف لعل من أبرزها ما يعنينا فى هذا المقام: تبرئة اليهود من تزييفهم للتاريخبصفة عامة وللتاريخ الإسلامى بصفة خاصة ، فإن جناياتهم الكبرى فى الدس والتخطيط وتسريبأفكارهم إلى عقائد الشعوب لتشويهها كل ذلك كان من أهم الأسباب التى أثارت حقد العالموكراهيته لهم ، لذا فهم يرددون مثل هذه الأقوال لينالوا من المسلمين صك التبرئة بجريمتهمتلك ، وليس ذلك بغريب عليهم ، فبعدما تم لهم تشويه المسيحية عقيدة وتاريخا ، راحوايلتمسون العفو من "البابا" حتى ظفروا بصك التبرئة من دم المسيح ومن ثم تمالتقارب بين اليهود والمسيحيين كما نلمسه اليوم فى وقوف الغرب شكلا ومضمونا بجانب اليهوديؤازرونهم فى المحافل الدولية : جمعية الأمم ، ومجلس الأمن وإلى غير ذلك من قراراتوسياسات تخدم القضية اليهودية . إذن لو سلمنا بصحة تلك الادعاءات لانتفى عن اليهودذلك الرشح الفكرى الذى قوَّض الكثير من العقائد والأفكار ، وزيف العديد من التواريخ، وهذا أمر تثبته الوثائق التاريخية ويجسده الواقع . وإننى لأحسب أن المقولة السابقة– القول بعزلة اليهود - لا أساس لها من الصحة بتاتا ، لأن اليهود فى أغلب المجتمعاتالإسلامية وعبر كافة العصور "كانوا يشكلون جزءا من النسيج العام للمجتمع الذىيعيشون فيه ، وليس لهم فى يهوديتهم ما يميزهم عن غيرهم من أفراد المجتمع الذى يعيشونفيه" بل إنه قد توفرت لهم - على الرغم من بعض الاضطهادات التى حلت بهم - من العواملوالأجواء المناسبة ما ساعد على اختلاطهم بالشعوب واحتكاكهم بالثقافات الأمر الذى أعانهمعلى تحقيق أهدافهم وبث أفكارهم إلى الشعوب ومن تلك العوامل :

أولا: تلاحم البؤراليهودية عبر العصور:



تمكنت العناصر اليهودية من إيجاد شبكة للمبادلات الثقافيةوالاقتصادية ربطت بين الجاليات اليهودية فى جميع أنحاء العالم ، إذ كانت هذه الشبكةهى ملاذهم بعد كل شتات تم لهم ، حيث إنهم من خلالها قد تمكنوا من مواجهة كل حدث طارئعلى حياتهم ، وسرعان ما كانوا يعيدون تشكيل أوضاعهم لاستقبال الحياة الجديدة بحيث يتصدونفيها للزعامة الفكرية والتجارية(2) .


وتشير المصادر التاريخية إلى أن اليهود قد تعرضوا للشتاتثلاث مرات أعقب كل شتات منها تسلل إلى بعض من بلدان العالم حتى تم لهم فى أعقاب الشتاتالثالث توزع يهودى فى جميع بلدان العالم . بدءا من بلاد ما بين النهرين وأرمينية والقوقاز، إلى بلاد الشام والجزيرة العربية والحبشة وبلاد الشام والجزيرة العربية والحبشة والشمال الأفريقى وأخيراإلى أسبانيا وإيطاليا ومعظم بلدان أوروبا(3).


وهنا يظهر هذا التساؤل: هل كانت العناصر اليهودية تلك منعزلةبعضها عن بعض ، أم كانت على اتصال دائم ينظم حركتها ويوجه نشاطها لتستفيد من تسللاتهاالثلاثة ؟ . الواقع أن تلك المناطق التى استقرت فيها الجاليات اليهودية صارت تضم نوعينمن مراكز تجارية كبرى تتم إدارتها بأيد يهودية ، ومراكز لاهوتية كبرى للإشراف على الديانةاليهودية الكبرى فى جميع أنحاء العالم ، وقد سار النشاط اليهودى فى هذين النوعين منالمراكز جنبا إلى جنب ، فالرواج التجارى الذى أحدثه اليهود آنذاك ولاسيما فى العصورالوسطى وتحكمهم فى أنواع خاصة من السلع الموردة أو المستوردة(4) كما أنكثرة الأموال فى أيديهم ، ساعد كل هذا على دعم المراكز اللاهوتية اليهودية من جهة ،كما وأنه عن طريق شبكات التجارة الدولية تم التنسيق والاتصال بين تلك المراكز من جهةأخرى ؛ فقد عمل اليهود على تسهيل الاتصالات بين المشرق الساسانى ، ودول شمال وغرب أوروبا، عبر جاليات تناثرت على طول وادى نهر الرون ، وامتدت من أسبانيا حتى المغرب الأقصىوالصحراء الكبرى والسودان(5) .


غير أن اليهود لم يلعبوا دورا فى تاريخ العلاقات التجاريةفحسب ، بل إن المراكز اللاهوتية فى قرطبة وطليطلة بأسبانيا ، كانت تجتذب وتستقبل التياراتالفكرية والدينية القادمة من المراكز اللاهوتية فى بلاد ما وراء النهرين وفلسطين والإسكندرية(6).


وفى العصور الإسلامية نشطت الشبكات اليهودية فى علاقاتهاالفكرية وكذلك التجارية حيث استفادت من ازدهار التجارة الإسلامية ، ومن التسامح الدينىالذى حث الإسلام المسلمين أن يتعاملوا به مع أهل الكتاب . ومن هذا المنطلق استأثر اليهودبموضوع العلاقات التجارية ولاسيما تجارة الجملة فى بعض السلع المهمة فى حياة المسلمين، كما أن الكثيرين منهم تقربوا لبعض الخلفاء وساروا من جملة الحاشية التى قلما يخلومنها بلاط من بلاطات حكام المسلمين ، بل أصبح منهم الأطباء والوزراء وكبار الموظفينفى الدولة كما سنعرف بعد فهل بعد هذا التلاحم المنظم بين مراكز الفكر والتجارة اليهوديتينفى العالم ولاسيما العالم الإسلامى نقول بعزلة اليهود ؟ .

ثانيا: طرق انتقالالفكر اليهودى المبكر:



شهدت الفترة السابقة للإسلام واقعا لغويا استفادت منه العناصراليهودية استفادة عظيمة ، فقد كانت اللغات الرسمية آنذاك هى الإغريقية فى سوريا البيزنطية، والبهلوية فى بلاد ما بين النهرين ، أما الآرامية فقد كانت لغة التخاطب الدارجة فىكل مكان(7) .


وقد كانت اللغة الآرامية تشتمل على لهجتين أجاداهما اليهودإجادة ممتازة سواء أكانت لغة كتابة أو لغة تخاطب: الأولى كانت آرامية غربية سائدة فىالدولة البيزنطية ، وقد استخدمها اليهود فى كتابة تلمود بيت المقدس إبان القرون الخمسةالهجرية الأولى . والثانية كانت الآرامية الشرقية والتى سادت الإمبراطورية الساسانيةوالتى ضمت لهجتين فرعيتين هما: البابلية وهى اللغة التى يتكلمها يهود تلك المنطقة وهىالتى كتبوا بها تلمود بابل فى القرنين الخامس والسادس الميلاديين وأما اللهجة الثانيةفهى السريانية والتى صارت لغة الآداب والطقوس فى كل الكنائس النصرانية بدءا من فلسطينحتى بلاد ما بين النهرين(8) .


وعند الفتح الإسلامى برزت اللغة العربية باعتبارها لغة القرآنولغة التخاطب عند الفاتحين ، بينما اللغة العبرية القديمة لم تعد تدرس إلا باعتبارهالغة مقدسة عند اليهود فى مراكز التهويد فى فلسطين وبلاد ما بين النهرين . أما سائراللغات فقد أجادها اليهود كما وضحنا سابقا . هذا مع ملاحظة أن الثقافة اليهودية فىتلك المناطق التى أشرنا إليها قد اتصفت بإشعاع نشيط ، وقد ساعد على ذلك الدور الذىقام به "رش غالوثه" رئيس المنفى اليهودى والذى كان على صلة كبيرة ببلاط بغداد. كما أن اللغة السريانية استطاعت عن طريق الترجمة للعديد من المؤلفات الإغريقية أنتحقق مخضا خارقا فى الأفكار والمصطلحات تمثل أكثر المميزات الثقافية لشعوب الشرق القديمةبما فيها الشعب اليهودى القديم(9) .


وابتداء من القرن السابع الميلادى تقريبا وبفضل رسالة الإسلامانحصرت اللغات فى الجزيرة العربية بين لغتين هما: "الآرامية - العربية" وبالاحتكاكالثقافى بين اللغتين خرجت اللغة العربية ظافرة على إثر اندفاع الفتح الإسلامى، وإنكانت اللغة العربية قد خرجت ظافرة من ذلك الصراع اللغوى فمما لا شك فيه أن عوامل التأثربالفكر اليهودى كانت متوفرة من خلال عملية الاحتكاك اللغوى الذى ساعد على تسريب العديدمن الإسرائيليات والتى امتد تأثيرها على كتَّاب التاريخ الإسلامى بعد ذلك . فهل بعدذلك الاحتكاك اللغوى والثقافى بين لغة اليهود واللغات الأخرى نقول بعزلة اليهود ؟.

ثالثا : البناءالفكرى اليهودى فى المجتمعات الإسلامية:



عاش اليهود أحداث الفتح الإسلامى ، ذلك الحدث الجلل الذىغير من موازين القوى السياسية والفكرية والاجتماعية السائدة آنذاك . وكان على اليهودالقاطنين فى العالم الإسلامى آنذاك أن يعتنقوا الإسلام عن طواعية واقتناع ، أو أن يبقواعلى ديانتهم مع دفع الجزية وأن يدخلوا فى نطاق "أهل الذمة" .


ولعل تخييرهم بينهذين الأمرين دون أدنى ضغوط كان إحدى مزايا الدين الجديد الذى عرف بالتسامح والتآخىفى نطاق الإسلام وقد وعى المسلمون الأوائل هذا المعنى وعيا جيدا ، وعرفوا مغزى فرضالجزية على أهل الكتاب والذى يتلخص فى "بناء المواطنة الحقه" لليهود والنصارى، حيث سمح لهم بالإقامة داخل المجتمع المسلم الذى تحكمه شريعة إلهية غايتها تحديد نوعيةالعلاقات بين أفراد ذلك المجتمع بمقتضى تلك الشريعة .


وكان الرسول (ص) أول من طبق عمليا قواعد تلك المواطنة وفقنظام فرض على كل من اليهود والنصارى فى الحجاز ولم تكن تلك الجزية عقوبة إذ حاول اليهودتشويهها على أنها نوع من العقوبة أو الجزاء على الذمى ، وإنما كانت أسمى قاعدة لتطبيقنظام المواطنة عليهم فى المجتمع المسلم فى مقابل:


1- أن يبقوا على ديانتهم .


2- تعهد المسلمين بالمحافظة على أرواحهم وأموالهم وبيعهموهياكلهم .


3- إعفاؤهم من الخدمة العسكرية ، وذلك لأن الهدف الأول للدولةالإسلامية هو نشر الإسلام ، ولما كان الدين الجديد يعترف بالأديان السماوية اليهوديةوالمسيحية ، فليس من العدل إذن إلزامهم بالانخراط فى سلك الجيش الخاص بالدولة الجديدة، وصارت الجزية هى الشرط الجديد الذى حل محل العهود والمواثيق من أجل الحصول رسمياعلى حقوق المواطنة لأهل الكتاب فى الدولة الإسلامية(10) .


ومن مظاهر سمو تلك المواطنة ، أن الجزية قد فرضت على الذكورالبالغين وحدهم من أهل الذمة دون استثناء الأطفال والشيوخ والنساء منهم .


وقد هيأ نظام المواطنة ذلك لأهل الذمة بما فيهم اليهود أنيكونوا رعايا من أبناء الدولة الإسلامية ، ينعمون بحقوق المواطنة فى ديار الإسلام ،كما أباحت لهم ممارسة كافة الأعمال التى يقوم بها المسلمون ، حيث استهدفت سياسة الرسولمن وراء حق المواطنة ذلك ؛ مزج أهل الذمة مع أبناء المجتمع الإسلامى الجديد ، وتوفيرعوامل الانسجام بينهم جميعا فى ظل "نظام المواطنة فى الإسلام" .


وتابع الخلفاء الراشدون ثم الأمويون والعباسيون والفاطميونوغيرهم من حكام المسلمين تطبيق قواعد المواطنة لأهل الذمة فى دقة تامة ، الأمر الذىجعلهم أعضاء عاملين فى المجتمعات الإسلامية فى شتى مجالات العمل : المهنى - الرسمى- الطبى - العلمى بلا استثناء .


وقد استغل اليهود سماحة الدين الإسلامى ، والمعاملة الطيبةالتى حث عليها ذلك الدين ، وراحوا يعيدون حساباتهم فى ظل المتغيرات السياسية الجديدةلتنظيم بنائهم الفكرى والثقافى ، ومن ثم بث أفكارهم ومعتقداتهم فى العقلية المسلمةآنذاك .


والآن نأتى على هدم آخر ركن من أركان تلك الدعوى الزائفةالتى روج لها اليهود وتناولتها بعض الأقلام الساذجة بدون وعى أو تبصر ، وسوف يكون سبيلناإلى ذلك أن نبين حالة اليهود من خلال مجتمع من مجتمعاتنا الإسلامية وقد وقع اختيارالباحث على المجتمع المصرى المسلم باعتباره نموذجا للمجتمعات التى ضمت أكبر جالية يهوديةفى أغلب فترات التاريخ الإسلامى .


والمتتبع لتاريخ اليهود فى مصر يدرك أنهم كانوا يتمتعون بحقوقالمواطنة فى ذلك المجتمع إذ توفرت لهم حرية الإقامة فى جميع المدن والأرياف ، وحريةالمعتقد والفكر ، وحرية العمل فى كل المهن بلا استثناء إلى غير ذلك من أنواع الحريات. وبطبيعة الحال لا يمكن لليهود أن يتمتعوا بمثل هذه الامتيازات إلا إذا اختلطوا بطوائفالشعب المصرى وقامت بينهم علاقات لمباشرة الأنشطة الحياتية وتشير المصادر إلى توزعالجماعات اليهودية وفق الكثافة اليهودية وأهميتها الدينية ، ففى العاصمة كان مقر رئيس اليهود حيث تتركز حوله السلطة الدينية والقضائية، وحيث كان يتقرر كل ما يتعلق بالجماعات اليهودية من أمور . أما الجماعات متوسطة الحجمفكانت تقيم فى المدن الساحلية مثل الإسكندرية ودمياط ، أو فى المراكز الداخلية الكبرىمثل المحلة الكبرى وزفتى فى الوجه البحرى وقوص فى الوجه القبلى أما الجماعات اليهوديةالأقل عددا فكانت تقيم فى الريف وتعتمد كثيرا على المراكز فى أمورها الدينية والقضائية(11)وبخصوص البناء العقدى والفكرى لليهود فى مصر، فقد سمحت لهم الدولة بمباشرة شعائرهم الدينية وبحرية الانتماء إلى أية فرقة من فرقهمالثلاث: الربانيون ، القراؤون ، السامرة . والتى كان يتم الإشراف عليها من قبل رئيساليهود ، وهو منصب رسمى كان يصدر عن ديوان الإنشاء ، بينما الإدارة الروحية كانت تتممن العراق أو فلسطين حيث كانت مراكزهم الدينية هناك تفسر قوانين التلمود ، وتعد القضاةالذين يتولون الحكم داخل الجماعات الدينية المنتشرة فى بلاد المسلمين(12).


ويُعد العصر الفاطمى من أزهى عصور اليهود فى مصر وفى العالمالإسلامى بأسره وهذه الظاهرة التاريخية ينبغى أن تأخذ حظا وفيرا من الدراسة لنقف علىأسباب تلك الظاهرة ، فمن الملاحظ اعتماد الفاطميين على عناصر يهودية فى إدارة شئونالدولة المالية ، وقد استوزر منهم أفرادا ليسوا بقليلين ، على أن الملاحظة الجديرةبالاهتمام هى تلك الهجرة التى تمت لأعداد غفيرة من اليهود إلى مصر ، إذ صارت مصر الفاطميةآنذاك عنصر جذب للمهاجرين اليهود. ويبدو أن تأثير الوزراء اليهود على الحكومات الفاطميةكان كبيرا ، سهل لليهود الحصول على امتيازات كبيرة استفزت مشاعر المعاصرين من المصريينوقد كتب أحد الشعراء يعبر عن سطوة اليهود على الحياة فى مصر وعلى رأسهم الوزير اليهودىابن أبى سعد بن سهل التسترى(13) :

يـهـود هذا الزمانقد بلغـوا غـايــة آمالهم وقد ملكوا


الـعـز فيهم والمالعندهمـو ومنهمـو المستشار والملك


يا أهل مصر إنـىنصحت لكم تـهـودوا قد تهـود الفلك



وقد عمل الكثيرون من اليهود فى المجال العلمى والفكرى ، فكانمنهم أطباء ذكرهم ابن أبى أصيبعة ممن برعوا فى خدمة بلاط حكام مصر ، ومنهم من عمل فىالتنجيم وفى مهنة الوراقة والنسخ حيث انتشروا فى البلاد لمزاولة هذه المهنة على وجهالخصوص . كما برع بعضهم فى أعمال الترجمة حيث كانت عناصر منهم تجيد أكثر من لغة(14).


كما برزت المرأة اليهودية فى المجتمع المصرى القديم بثقافتهاوفكرها اليهودى الدخيل على المرأة المسلمة ، الأمر الذى أدى إلى تأثر الكثيرات من المصرياتبعادات وتقاليد ومهن كلها دخيلة على المجتمع المصرى آنذاك ، فمثلا كان من النساء اليهوديات: الماشطة التى تقوم بتزيين العروس وإعدادها للزفاف ، والداية "القابلة"التى تقوم بتوليد النساء ، وكانت منهن أيضا عجائز تحترفن مهنة قراءة الكف والطالع ،والدلالة ، وغاسلة الموتى وغير ذلك من مهن كانت أغلبها مهن دخيلة سربت للنساء المصرياتوكان بعضها من العادات والتقاليد المنحرفة(15) مثل تفشى ظاهرة البغاء فىالأعياد وعلى شواطئ النيل فى نزهات ليلية والرقص وشرب الخمور وصناعة الحلوى والفطائرفى الأعياد الدينية ومولد الرسول (ص) ومثل امتناع نساء مصر عن شراء السمك أو أكله يومالسبت تماشيا مع عادات اليهود التى تحرم صيد السمك يوم السبت كذلك تحريم شراء الصابونودخول الحمام وغسل الثياب اعتبارا لحرمة السبت أيضا(16) وهكذا انخرط اليهودفى المجتمع المصرى وغيرهم من المجتمعات الإسلامية وتجاوبوا معهم أبناء تلك الشعوب وانصهروامعهم فى اللغة والثقافة والفكر والعادات والتقاليد ومعنى ذلك أن الجماعات اليهوديةلم تعش منعزلة كما تدعى الدوائر الصهيونية وإنما كانت تلك الجماعات حريصة كل الحرصعلى أن تمتلك زمام الأمر فى المجتمع المصرى على الرغم من قلتهم وذلك لتقلد الوظائفالكبرى ومباشرة المناصب المهمة والعمل فى الأعمال التجارية الكبرى التى تتحكم فى العصبالاقتصادى للدولة ، كل هذا سهل على هذه الجماعات أن تبث الكثير من فكرها ومعتقداتهالإفساد الشعوب وهدم المجتمعات . فهل بعد ذلك العرض يمكن أن نسلم بدعوى الصهيونية بأنجماعات اليهود كانت تعيش فى عزلة عن الشعوب ؟!




مراجع المبحث االثانى :


1- قاسم عبده قاسم, اليهود فى مصر من الفتح العربى حتى الغزوالعثمانى , دار الفكر للدرسات والنشر و التوزيع طبعة أولى 1987م , من عبارته علىغلاف الكتاب المذكور.


2-موريس لمبارد , الجغرفيا التاريخية للعالم الإسلامى ترجمة عبد الرحمن حميدة , دارالفكر. دمشق ص.271,27.


3-كان الشتات الأول على أيد بختنصر والثانى بعد خرابهيكل أورشليم , وقد نتج عن هذين الشتاتين ظهور سلسلة من الجاليات اليهودية استقرتعلى كل طرق التجارة الكبرى والتى تعاونها مراكز التهويد المقامة على تلك الخطوط وقد اتصلت طرق التجارة والتهويد فى آن واحد ابتداء من بلادما بين النهرين حتى أرمينية وبلاد القوقاز وبحر قزوين وبلاد الخزر ثم إيران وخراسان وخوارزم ثم الخليج العربى والهادى.


كما ظهرت جاليات يهودية انطلقت من بلاد الشام ومصرالبيزنطيتين أولا إلى شمال جزيرة العرب ثم الحجاز ثم اليمن والحبشة وكافة أقطارالبحر الأحمر , ثم عبروا إلى الواحات حتىجنوب المغرب الأقصىى .


أما التسلل أو الشتات اليهودى الثالث فقد ابتدأ منالقسطنطينية وآسيا الصغرى حتى وصل إلى البحر الأسود وبلاد شبه جزيرة القرم وجنوبروسيا حيث امتد خط التهويد بين بحر قزوين وبلاد الخزر وأخيراً دخل اليهود إيطاليا وإسبانيا حتى وصلوا إلى بلاد غرب أوربا ثم سائر البلدان الأوربية . المصدرالسابق ص 271,270


4- تجلى نشاط اليهود التجارى بصورة أشد فى قطاعاتالتجارة الدولية ولا سيما تلك التى كانت تربط بين المشرق والمغرب الإسلاميين وبلادأوربا النصرانية حيث تكونت منهم مجموعات انتشرت على خط نهر اللوار والرون والمور ووادى الراين وقد احتكر اليهود أنواعًا من التجارة مثلتجارة الأقمشة ومنسوجات الحرير والتوابل والأدوية والذهب والرقيق كما اختصوابعمليات الصرف لبعض العمليات التجارية لاستجلاب ما عز من البضائع كما كانت بعضالسلطات الحاكمة فى الدولة الإسلاميةيستعملونهم وثيقة بحكامها . كما أنهم قد كونوا ثروات هائلة من تعاملهم بالربا مع المسلمين .ينظر كتاب , نجاة باشا. التجارة فى المغرب الإسلامى . منشورات الجامعة التونسية ,عام 1976م ص108,107


5- من المراكز اليهودية النشطة فى التهويد آنذاك مدرسة سوارا قرب الأنبار ومدرسة بدمبديتاالواقعة إلى الجنوب منها وهما المدرستان اللتان صدر عنهما تلمود بابل ، كما أنفلسطين كانت من المراكز اليهودية فى المجال البيزنطى إذ كانت تضم مدرسة أورشليموطبرية , ومن فلسطين ظهر تلمود أورشليم كما ضمت مصر ولاسيما الإسكندرية مركزا كبيرا للتهويد , ومن المدينة الأخيرة ظهرتتوراة السبعين كذلك ظهرت مراكز متناثرة فى شمال إفرقيا وإسبانيا ولا سيما قرطبةوطليطلة وغرناطة.


6- الجغرافيا التاريخية : مرجع سابق, الصفحات السابقة.


7- الصدر السابق ص 125- 129 .


8- المصدر السابق .


9- الصدر السابق.


10- إبراهيم العدوى " نظام المواطنة فى الإسلامومنجزاته للحضارة العربية " بحث مقدم ضمن مجموعة البحوث التى ألقيت فى مادةالحضارة الإسلامية فى ذكرى الأستاذ الدكتور أحمد فكرى 16 أكتوبر عام 1976م ، وقدنشر فى كتاب " بحوث فى تاريخ الحضارة الإسلامية " نشرته مؤسسة شمال الجامعةعام 1983م الإسكندرية.


11- قاسم عبده قاسم, اليهود فى مصر من الفتح العربى حتىالغزو العثمانى , مرجع سابق ص27.


12- المرجع السابق ص 31-41 .


13- المرجع السابق ص 60.


14- المرجع السابق ص 62- 64 .


15- المرجع السابق ص66.


16- المرجع السابق ص71 .

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 08-08-2021, 07:27 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي





الباب الثانى


فكرة التاريخ بينالتصور الإسلامى والعبث اليهودى




المبحث الأول: فكرة التاريخ عند المسلمين واليهود


أولا: فكرة التاريخعند المسلمين


ثانيا: فكرة التاريخعند اليهـود




المبحث الثانى:موقف اليهود من تفسير التاريخ الإسلامى


أولا: التفسيرالعرقى اليهودى للتاريـخ


ثانيا: التفسيرالجبرى اللاهوتى للتاريخ


ثالثا: التفسيرالمادى اليهودى للتاريخ


رابعا التفسيرالقومى اليهودى للتاريخ













الباب الثانى


فكرة التاريخ بينالتصور الإسلامى والعبث اليهودى


المبحث الأول


فكرة التاريخ عندالمسلمين واليهود



لكى نقف على مدى التزييف الذى طرأ على كتابة التاريخ الإسلامىأود أن أشير إلى ملحوظة مهمة كانت منفذا من أخطر المنافذ التى أندلف منها الفكر اليهودىإلى بعض العقول من مفكرى المسلمين اليوم ألا وهى "فلسفة التاريخ" التى فتحتعلى التاريخ الإسلامى أبوابا من النظريات المبهرجة رتب لها اليهود ترتيبا محكما علىأيدى واضعى النظريات الوضعية والفلسفات المادية التى غزت الثقافات العالمية فى مطلعالقرن التاسع عشر ، ثم ما زالت تعصف بالتاريخ الإسلامى حتى اليوم .


هنا وإن كانت فلسفة التاريخ تلك هى الغائية الكبرى التى يتطلعإليها كتاب التاريخ الإسلامى اليوم وينظرون إليها على أنها فكر إسلامى رفيع ينبع مننظرية فلسفية تمثل مفهوما إسلاميا للتاريخ فهذا أمر لا بأس به بل هو إحدى الضرورياتالملحة فى حقل الدراسات الإسلامية اليوم . وإنما تستغل هذه الفلسفة من قبل المستشرقيناليهود اليوم بحجة واهية ادعوها وروجوا لها فى الأوساط العلمية الأكاديمية ثم غرسوهافى عقول بعض الدارسين على أيديهم من أبناء المسلمين فهذا هو موضع الداء الذى ينبغىبتره تماما ولا نقبله بأى حال من الأحوال .


إن فلسفة التاريخ التى نعنيها ونحتاج إليها نحن المسلمينفى كتابة تاريخنا الإسلامى لهى نظرة فلسفية شاملة لجميع كتب التراث تنبع من التصورالحقيقى للتاريخ الإسلامى وحضارته الإسلامية ليستقلا معا بسماتها المميزة عما حولهمامن تواريخ وحضارات ، ومعنى ذلك أننا فى حاجة إلى المؤرخ الفيلسوف الذى يكشف عن الحقيقةالتاريخية ويوثق الخبر ويحلله ثم يبين ملابساته المختلفة وهذا هو دور المؤرخ الفيلسوفالذى يختلف بطبيعة الحال عن المؤرخ فحسب الذى يعتمد على جمع المادة التاريخية فقط وتدوينها.


ومن هذا المنطلق نتحصل على تاريخ مفلسف يقدم فيه تاريخنامن خلال الفكرة الإسلامية على اعتبار أن التاريخ هو تاريخ الإنسان وأن الفكر الإسلامىضرورة له .


من تلك النظرة الشمولية لفلسفة التاريخ تنشأ حاجتنا إلى تفسيرالتاريخ الإسلامى على نحو يحقق أصالتنا نحن المسلمين من خلال كتابات تاريخية تفسر تفسيرافكريا شاملا نتخطى فيه الوقوف عند سرد الأحداث وتسجيلها ، كما ونتخطى أيضا التعليمالتاريخى المحدود لنحلق إلى آفاق أوسع يتخللها رؤية فلسفية شاملة تتناول وعى ذلك الإنسانالمسلم بنفسه وإدراكه لدوره المنوط به فى الحياة ، وتفاعله مع الوجود من حوله هذه فلسفةالتاريخ التى نحتاج إليها بالفعل ، وهى منهجأصيل فى كتابة التاريخ عرفها المؤرخون المسلمون الأوائل وقد استطاعوا من خلالها أنيعمقوا فكرة التاريخ وأن يضيفوا عليها بعدا فلسفيا جديدا يكشف عن قيمهم واتجاهاتهموتبرز أصالتهم وهويتهم .


أما وأن ذلك المنهج التاريخى الأصيل قد غاب عن حقل الدراساتالإسلامية بصفة عامة وعن الدراسات التاريخية بصفة خاصة فى أعقاب تدهور العالم الإسلامىبعد وقوعه فريسة لبراثن الاستعمار الأوروبى والصهيونية العالمية إبان القرن التاسععشر أقول: إن غياب ذلك المنهج لا يعنى فقدانه بالمرة وإنما قد جدت على الدراسات التاريخيةفى بلادنا من التحديات ما ساعد على انزواء ذلك المنهج وتعطيله ، إذ انفرد المستشرقونإبان مرحلة الاستعمار بكتابة تاريخنا الإسلامى من منطلق فلسفى علمانى لا يخدم إلا الاستعماروالصهيونية ، وذلك بأنهم صاغوا بعض فلسفات وضعية فسروا من خلالها التاريخ الإسلامىتفسيرا تعسفيا ، كالتفسير المثالى لهيجل ، والتفسير المادى لماركوس وإنجلز ، والتفسيرالحضارى لتونبى ، وذلك لإحلال هذه الفلسفات محل الفكرة الإسلامية للتاريخ وقد كانتتلك الفلسفات بلا شك من أخطر المداخل التى تسرب منها الفكر اليهودى إلى الدراسات التاريخيةاليوم ، ولكى ندرك خطورة ذلك المنزلق يفضل أن نقف وقفة نبين من خلالها مفهوم فكرة التاريخعند كل من المسلمين واليهود .





أولا : فكرة التاريخ عند المسلمين


لا عجب إن قلنا بكل ثقة واطمئنان أن فلسفة التاريخ كانت منهجاعربيا إسلاميا خالصا ، التقطه الأوروبيون عن المسلمين وربطوا بين الحدث والتاريخ وفكرالمؤرخ بطريقة علمية استنباطية تؤدى إلى الغاية من علم التاريخ .


والمتتبع لهذه الظاهرة فى القرآن الكريم يجدها واضحة جلية، إذ ظهر فى الدراسات القرآنية ما يسمى بأسباب النزول ، وظهر فى التشريع حكمته ودورانالحكم مع العلة وجودا وعدما(1) ، الأمر الذى ساعد على ظهور فلسفة التاريخعند بعض مؤرخى المسلمين . فابن خلدون فى مقدمته التاريخية المشهورة يوضح فلسفته لعلمالتاريخ ، ثم يبين أخطاء من سبقه من المؤرخين ، ويذكر كيف أنهم خلطوا بين الروايات، ودسوا فيها من البدع والضلالات ، الأمر الذى أدى بالمتأخرين منهم إلى الوقوع فى الأخطاءفيقول: "إن فحول المؤرخين فى الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها ، وسطروهافى صفحات الدفاتر وأودعوها ، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووعوها ، واقتفى تلك الآثار الكثير ممن بعدهم واتبعوها ، وأدوها إلينا كما سمعوها ، واقتفى تلكالآثار الكثير ممن بعدهم وأتبعوها ، وأدوها إلينا كما سمعوها ولم يلاحظوا أسباب الوقائعوالأحوال ولم يراعوها ، ولا رفضوا ترهات الحديث ولا دفعوها ، فالتحقيق قليل ، وطرف التنقيح فى الغالبقليل والغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل ، والتقليد عريق فى الآدميين وسليل ... والبصيرةتنقد الصحيح إذا تمقل "نظر" والعلم يجلو لها صفحات القلوب ويصقل" (2).


إن هذا الكلام - بلا شك يُعد سبقا منهجيا فى كتابة علم التاريخسبق به المسلمون كتَّاب التاريخ فى أوروبا ، وقد تأثر الأخيرون به عن طريق الاحتكاكالثقافى والعلمى إبان فترة الحروب الصليبية ، وفى الأندلس وصقلية وفلسطين ، إذ كانت تلك البلاد من أكبر مراكز الاحتكاك الثقافىآنذاك . ويكفينا فى هذا الصدد قول Heernshau : "لقدخرج الصليبيون من ديارهم لقتال المسلمين ، فإذا هم جلوس عند أقدامهم ؛ يأخذون عنهمأفانين العلم والمعرفة ، لقد بُهت أشباه الهمج عندما رأوا حضارة المسلمين التى رجحتحضارتهم رجحانا لا تصح معه المقارنة بينهما" (3) .


هذا عن معرفة المؤرخين الأوائل من المسلمين عن منهج فلسفةالتاريخ . وهو منهج بلا شك نابع من تصورهم لمفهوم فكرة التاريخ فما هو ذلك التصور وماهو مفهوم تلك الفكرة ؟ .


إن مفهوم فكرة التاريخ عند المسلمين ، مفهوم نابع من تصورهملرسالتهم فى الحياة وعمران الأرض ، وهو مفهوم يمثل فيه "الزمان والإنسان"محورين هامين وأساسيين فى تفسير التاريخ ، وعن العنصر الأول يقول الدكتور عفت محمدالشرقاوى : إن الزمان فى نظر المسلم يمثل نوعين من الوجود: الأول وجود فانٍ متزمن لهبداية ونهاية وهو مخلوق مستحدث ، والثانى وجود أبدى سرمدى هو مصدر لكل وجود ، وهو ماتنفرد به الألوهية القائمة من الأزلية إلى الأبدية . وقد ربط الدين الإسلامى بين الوجوديينربطا محكما مما كان له تأثيره فى فهم أحداث الزمان فهما يخالف الأمم الأخرى - إذ حددالعلاقة بين الوجود المتزمن "المخلوق" وبين الوجود اللامتزمن "الخالق"وجعلها علاقة الفانى بالأبدى التى هى مصدر كل خير وسعادة(4) . ومن هذا المنطلقفهم المسلمون الزمان على النحو التالى :


أ- أن الألوهية وحدها تنفرد بالسرمدية وكل ما عداها فى هذاالكون فهو مخلوق .


ب- أن الزمان المتفانى هو امتداد العالم بين الخلق بوصفهبدايته والبعث بوصفه نهايته ، وبينهما يمتد تاريخ الإنسانية على الأرض .


ج- لما كان تاريخ الإنسانية هو وجود للزمان المستحدث الفانىارتبط فى حس المسلمين بأنه نسبى موقوت ، ولكنه مرتبط بغاية كلية يتحرك نحوها جميع البشر، وهذه الغاية بلا شك مستمدة من التصور الإسلامى :


- فالزمان الماضى فى نظر الإسلام غير ضائع ، بل سوف يحاسبعليه الإنسان ، وهذه نظرة جديدة مخالفة لنظرة الأمم السابقة للإسلام التى فقدت الإحساسبالغاية من الوجود وعجزت عن إدراك السرمدية المضادة للزمانية التى هى مصدر كل سعادةكلية . من هنا ارتبط مفهوم الماضى عند المسلمين بالإيمان وبالمسئولية التى ألقاها اللهعلى كاهل الإنسان بعد أن زوده بالإحساس والإدراك وبشريعته السماوية على أيدى رسله وأنبيائه. يقول تعالى: "وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاهمنشورا . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" .


فكل ما يتعلق بالماضى محفوظ لا يضيع ، لأن الغاية واضحة لدىالمسلم ولم يعد يستشعر بالعجز المطلق أمام الزمان كما كان الحال عند اليهود الذين استسلموالمشاعر الفقدان والحسرة على ما مضى ، أو مشاعر شكوى الزمان حيث فقدوا إدراك الغايةمن الوجود أما المسلم فقد نظر إلى الزمان الماضى على أنه مصدر العبرة والعظة والدروسالمستفادة من تواريخ الأولين .


الزمان الحاضر الذى عاشه المؤرخ المسلم فكان يعده مرحلة تتحركنحو المستقبل على هدى من أحداث الماضى وهى مرحلة العمل وتعمير الأرض لتحقيق الرسالةالمنوطة بالمسلم وبقدر وضوح الغاية الوجودية لديه ترتسم خطى المستقبل ويعظم الثوابوالجزاء .


أما الزمان المستقبل فهو يرتبط عند المسلم وغير المسلم بمشكلةالمصير ، ولكن الفرق بين الاثنين أن غير المسلم ولاسيما اليهودى الذى فقد الإحساس بالغايةمن الوجود كما قلنا سابقا - كما عجز عن إدراك الوجود اللازمانى فى صفاته السرمدية أوأدركه بصورة مشوهة وقد استبد به الخوف من المجهول والقلق على المستقبل فراح يصنع تاريخهفى خلسة من العالم وفقد كل معانى الصدق والأمانة وأحل مكانها النفاق والزيف والتحريفوالتهجم على القيم والمبادئ وتخريب كل ما هو غير يهودى حتى يصبح العالم كله فى قبضةاليهود . لذا فإن عدم إدراك هؤلاء اليهود للغاية من الوجود جعلهم يخربون تاريخهم بأيديهموصدق القائل : إنهم لا يصنعون تاريخا وإنما يزيفون التاريخ .


أما المسلم فقد وضحت غايته من الوجود فاستبان مصيره وأصبحيؤمن بالخلود فى حضرة السرمدية المطلقة التى هى مصدر كل الوجود ، وبذلك اختفت تمامامعانى القلق من المجهول ليحل محلها الشوق للمعلوم(5) ويوم أن ينتهى العالمإلى يوم القيامة ذلك يوم الفصل يقول تعالى"إن يوم الفصل كان ميقاتا ، يوم ينفخفى الصور فتأتون أفواجا" سورة النبأ آية "17 ، 18" ، ومن هنا كانت فكرةيوم القيامة فى مفهوم المسلم بإحساس الزمان المستقبل الذى سوف تتحدد فيه المصائر وتكتسبمن خلاله أعمال البشر سمة الخلود وكان ذلك بلا شك دافعا واضحا للتذكر والعمل الصالحوتسجيل الأعمال فلا عجب بعد ذلك أن يتجه الإسلام من التاريخ اتجاها يقوم على الفكرةالسابقة إذ صار شوق المسلمين للقاء الله دافعا لإقبال الأفراد والشعوب على الطاعة لإرادتهجل شأنه فتتحسس الأمور ويعيش الناس سعداء ويفوز الإسلام بالظفر فى النهاية .


وإذا كان لعنصر الزمان أهميته تلك فى مفهوم المسلمين فذلكراجع إلى دوران التاريخ عندهم حول الرسول والكتاب المنزل عليه ، وهو خاتم الأنبياءوالرسل ورسالته أخر الرسالات ولكنها متصلة اتصالا تاريخيا بسلسلة الأنبياء . من هنافإنها استغرقت وسوف تستغرق الماضى والحاضر والمستقبل إلى أن تقوم الساعة وذلك لأن رسالتهكانت للناس كافة وهذا المفهوم له أثره بلا شك فى تفسير أحداث التاريخ .


أما القرآن الكريم فهو غاية الغايات فى فهم أحداث التاريخ، إذ احتوى على كل معالم الهداية للمسلم فى حياته كما وأنه نبه على علاقة البشر بربهم، فالإنسان لا يستطيع مطلقا الفرار من الله فى التاريخ ولكنه جل شأنه لم يجئ فى التاريخعلى صورة كائن بشرى كما تصور اليهود وكما قيل عن المسيح وإنما أرسل الله تعالى الرسلوالأنبياء وأنزل عليهم الكتب لهداية الناس ولما كانت الرسالة الإسلامية خاتمة الرسالاتفإنه فى نظر المؤرخ المسلم لا يجوز أن تحصل البشرية على هدايتها فى التاريخ إلا منالقرآن الكريم .


أما الإنسان وهو العنصر الثانى من عناصر التاريخ الإسلامىفتبرز أهميته لأنه صانع لأحداث التاريخ وفق مشيئة الله جل شأنه من هنا احتل الإنسانمكانة سامية فى الفكر الإسلامى بصفة عامة وتلك نظرة فريدة للإسلام لا تجدها فى سائرالتشريعات الوضعية أو السماوية التى أصابها التحريف والتزييف .


هذا ويمكننا أن نجمل مكانة الإنسان فى المفهوم الإسلامى فىالنقاط التالية :


1 ـ إن الإنسان أشرف المخلوقات على الأرض ومن هنا فقد اصطفاهالله ثم اجتباه فتاب عليه وهداه ، ولم تلحق به خطيئة أبدية .


2ـ على الرغم من أخطاء ذلك الإنسان فإن الله جلت حكمته أرادهخليفة له فى الأرض دون سائر المخلوقات .


3 ـ إن الإنسان وحده تلقى تبعة الأمانة على عاتقه لأنه مزودمن الله بإرادة حرة قادرة على التمييز بين الخير والشر وفى إمكانه أن يؤدى الأمانةعلى خير وجه لو اتبع سبيلى المعرفة: "الوحى والعقل" .


وبذلك يكون الإنسان المسلم ذا حرية واختيار فى حياته ومنهذا المنطلق كانت حياة الشعوب كلها على وجه الأرض اختبارا وامتحانا لهم قال تعالى:"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيماأتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" المائدة48 .


إذن فالشعوب تقيم الحضارات وتصنع التواريخ إذا حققت ذاتهاوحافظت على تبعات الأمانة وسمت بأخلاقها ، أما إذا انحطت وتبدلت أخلاقها وصار الانحلالفى كيان أفرادها فلابد أن تنهار ويتمزق نسيجها الحضارى فتلك سنة الله لأن الرفعة والانحلالينبعان فقط من ذات تلك الشعوب يقول الله تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمةأنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم" الأنفال53 .


إذن من العرض السابق لعنصرى "الزمان والإنسان"كما وعاهما المؤرخ المسلم لمع مفهومه للتاريخ حيث استمد تفسيره من نظرة إسلامية سليمةلا ينبغى لأى مؤرخ مسلم ألا يحيد عنها مطلقا وسوف نذكر مثالين يزيدان فى وضوح مفهومالتاريخ عند المسلمين الأول من خلال حديث ابن خلدون شيخ المؤرخين لمفهوم التاريخ :والثانى من قول النبى:


المثال الأول لابن خلدون:


إنه يرى أن للتاريخ معنيين أحدهما ظاهر والأخر باطن ؛ المعنىالظاهر هو "فى ظاهره لا يزيد على أخبار الأيام والدول السوابق من القرون الأُول، تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدىلنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النطاق والمجال وعمروا الأرضحتى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال" . وعن المعنى الباطن للتاريخ يقول :" وفى باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم لكيفية الوقائعوأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل فى الحكمة عريق وجدير بأن يعد فى علومها وخليق"(6)





المثال الثانى من أقوال الرسول


انفرد أبو بكر فى جلسه هادئة كريمة وأخذ أبو بكر يتفرس فىوجه الرسول (ص) ثم قال أراك قد شبت يا رسول الله فرد عليه الرسول عليه السلام"شيبتنى هود وأخواتها" وفى رواية أخرى شيبتنى هود والواقعة والمرسلات وعميتساءلون وإذا الشمس كورت"(7) والحقيقة فإنهذه الصورة الكريمة تستعرض تاريخا قديما لأمم ظهرت قبل الإسلام فمنها أمم عصت أوامرالله ورفضت الامتثال لتعاليم أنبيائها حيث جاء هؤلاء الأنبياء ليقوموا اعوجاج هذه الأممولكنهم لم يستجيبوا وأعرضوا ومنهم من عاند الأنبياء ومنهم من آذوهم فكان لابد أن ينالهمعقاب الله ومن هذه الأمم :


أ- قوم نوح: فقد أخذ نوحيدعو إلى الله ألف عام إلا خمسين ولكنهم لم يستجيبوا واستكبروا وأعلنوا احتقارهم لنوحومن معه فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا "وما نراك اتبعكإلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين" سورةهود الآية 27 ولما لم يستجيبوا له حلت عليهم لعنة الله فى الدنيا والآخرة ويقرر القرآنأن مبدأ العقيدة أهم من مبدأ القرابة أو النسب وقد وضح ذلك من موقف نوح وابنه إذ قالنوح "ربى إن ابنى من أهلى" أى قد وعدتنى بنجاة أهلى ووعدك الحق فقال:"يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألنى ما ليس لك به علم أعظكأن تكون من الجاهلين" سورة هود آية 46


ب- قوم عاد: وقد أرسل اللهلهم هودا عليه السلام ينصحهم ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيا لهم عن الأوثانوأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرا على هذا النصح والبلاغ فيقول الله تعالى: "وإلىعاد أخاهم هود قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون"سورة هود آية 50


ج- قوم ثمود: "وإلى ثمودأخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركمفيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب مجيب" فقد أرسل الله إلى قوم ثمود وهمالذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وقد بعث الله منهم أخاهم صالحا وأغراهمبعبادة الله وحده ولكنهم رفضوا واستكبروا إذ غرتهم جناتهم وزروعهم وقصورهم وطلب منهمألا يذبحوا ناقة الله ولكنهم عصوه وذبحوها وعصوا رسولهم فأخذتهم الصيحة فأصبحوا فىديارهم جاثمين .


د- قوم لوط: فقد أرسل اللهلهم نبيهم لوطا لهدايتهم حيث كانوا يرتكبون المنكر وهو اللواط وقد أصبحت تلك الفاحشةعادة من عاداتهم القبيحة يباهون بها فقضى الله عليهم حيث أمطرهم بحجارة من سجين مسومةقضت عليهم يقول الله تعالى: "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهاحجارة من سجين منضود مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد" سورة هود 82 ،83


ﻫ- أهل مدين: فقد أرسل اللهلهم النبى شعيب وهم من البلاد العامرة بالخيرات ولم يشكروا الله على تلك النعم وقدفشت فيهم بخس الميزان حيث راحوا يتلاعبون بالموازين ظلما للناس وحين جاء شعيب ينصحهملم يتقبلوا نصحه بل رموه بالجهل وأخذوا يسخرون منه وهددوه بالطرد والرجم لولا رهطهوقومه فأخذهم الله بالصيحة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين يقول الله تعالى: "وقالوايا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنتعلينا بعزيز " سورة هود آية 91


و- فرعون: أرسل الله إلىفرعون موسى عليه السلام بالبينات وعددها تسع بينات ولكن فرعون استكبر وعلا فى الأرضوقال أنا ربكم الأعلى فكان يقتل الذكور من بنى إسرائيل ويستحى نساءهم ولم يتقبل النصيحةمطلقا فكان عاقبته أن أغرقه الله فى البحر"


مما سبق يتضح أن تلك الأمم الغابرة كانت ظالمة لأن الظلمهو وضع الأمر فى غير موضعه أو الحيد عن الحق وقد أصيبت تلك الأمم بداء كان سببا فىظلمها ومن ثم أخذها الله بظلم أهلها وقد نعمت تلك الدول بالرغد ورفاهية العيش والترفوبدلا من شكر الله والاستجابة إلى رسله والسير على نهجه انحرفوا عن الجادة وفسدوا فىالأرض وتمكن الشر من أنفسهم وقد بلى بعضهم بحب المال و التطفيف فى الميزان وبعضها الأخرأضلتها الفاحشة وساءت علاقات الرجال بالنساء وانتشر فيها اللواط فكان لابد من عقابالله لتلك الأمم الظالمة يقول الله تعالى :"وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنابعدها قوما آخرين" سورة الأنبياء آية 11 ويقول أيضا "وكذلك أخذ ربك إذ أخذالقرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد" سورة هود آية 102


وهكذا يتقرر مبدأ من مبادئ التاريخ يقره الإسلام حيث يقولالله تعالى:"وتلك الأيام نداولها بين الناس" سورة آل عمران 140 وقد التفتابن خلدون لهذا المبدأ والذى سماه مبدأ التداول فيقول فى مقدمته "إن أحوال العالموالأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر إنما هو اختلاف على الأياموالأزمنة والانتقال من حال إلى حال وكما يكون ذلك فى الأشخاص والأوقات والأمصار فكذلكيقع فى الآفاق والأقطار والأزمنة سنة الله التى قد خلت فى عباده"(8)


ومن كلام بن خلدون السابق يتضح لنا تصورا إسلاميا لا يشوبهشائبة حيث عنصر الزمان ليس ملكا لأحد لا للمسلمين ولا لغيرهم وليس عنصر الحضاره مقصورعلى أمة دون الأخرى وفى إمكان أية أمة أن تنتظر دورها فى الحضارة وفرصتها فى الصعودحينما تكون جديرة بذلك حتى ولو كانت تلك الأمة كافرة بالله فالأمة التى يتوفر لها مقوماتالمدنية والحضارة هى التى تصعد وتحتل مكانتها الرائدة فى تاريخ هذه الحياة التى يعيشهاالإنسان عصرا بعد عصر وحقبة بعد حقبة وفى إمكان الأمم أن تنهض وتطلع إلى أمل الصعودحتى وإن كانت فى القاع وبعملهم الدائب وبأخذهم بأهداب الرقى العلمى والحضارى يمكنهمأن يصعدوا بعد انحطاط وبإمكانهم تولى القيادة مرة وعدة مرات وهكذا تلك الأيام نداولهابين الناس والتصور الإسلامى لإحراز الحضارة هو أن يحدث تغيير داخلى للأفراد وبدون هذاالتغيير لن يحدث شيئا وهذا الحال هو حالنا اليوم وهذا الحال هو ما تعيشه أمتنا العربيةفقد كانت فيما مضى مشعلا للحضارة حينما تغيرت أنفس أبناءها فقادوا الدنيا وأناروهابهديهم وعلومهم وحينما ركنوا واستكانوا هبطوا اليوم إلى القاع ولن يتأتى لهم الصعودوإن كان هذا ممكنا إلا إذا غيروا أنفسهم "ذلك أن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمهاعلى قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" سورة الأنفال الآية 53 . وكما أن التغيير الداخلىيؤدى بالحتمية إلى الصعود والترقى فهناك حتمية لسقوط الحضارات فمتى تسقط الحضارة؟ هناكتصور إسلامى لسقوط الحضارات وبيان أسبابها ومظاهرها فالدولة تسقط عندما يتحكم فى السلطةحفنة من الظلمة المترفين أو من المجرمين الطغاة الذين يرفضون كل إصلاح أو دعوة تجديديةحرصا على كراسيهم وامتيازاتهم وإيذاء هذه الحفنة الظالمة المتسلطة يستسلم الشعب ويرضخلكل الجرائم التى ترتكب فى حقه ويصعب الوقوف فى وجه هؤلاء الظلمة وقد أخبرنا الرسولالكريم بهذا الموقف حيث يقول "سيكون أمراء تعرفون و تنكرون ، فمن نابذهم نجا ،و من اعتزلهم سلم ، ومن خالطهم هلك(9)


ويقول أيضا: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةإلى قصعتها . فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاءكغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل : يا رسول الله ! وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت"(10)ومن أسباب السقوط الحضارى ومظاهره كما نراه من خلال التصور الإسلامى هو تفشى الضعفوالتفسخ فى شتى مجالات الحياة وفى معظم أنشطة الدولة المترنحة وخاصة على الصعيد الاقتصادى:


1- نرى انقسامالأمة إلى قسمين غير متكافئين فئة قليلة مترفة وفى يدها القرار ، وكثرة فقيرة معدمةوإيذاء هذا التقسيم تحتكر الفئة القليلة ثروة البلاد بينما تنتفى الثروة عن الجموعالفقيرة فى الفئة المقابلة التى تتضور جوعا وهنا يبدو الترف المسرف والفاقة المدقعةفى الطرف الآخر ومن ثم يختل ميزان الحياة ويختل العدل الذى هو أساس معيشة الأفراد وأساسالحياة الاجتماعية فيؤدى فى النهاية إلى ضياع الأمة وتدميرها يقول الله تعالى:"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناهاتدميرا" سورة الإسراء آية 16 ، وينبغى ألا يستهين أحد بمضار الترف فهو ممارسةمدمرة سواء للجماعة كلها التى تسكت على ذلك وتغض الطرف أو تغلو فى انهزاميتها فتتملقوتتقرب وتداهن وهذا كله إحدى صور النفاق(11)


أما هؤلاء المترفين الذى أعمى الثراء بصائرهم وطمس على قلوبهموادى إلى كل انحلال أخلاقى وهذا هو الجانب الأخطر الذى يبتلى به الإنسان من جريرة الترفوقد يلجأ هؤلاء المترفين إلى كنز المال وعدم تداوله فى المجتمع وعدم دفع حصة الفقراءمنه فينشأ مجتمع الكراهية والحقد من الفقراء المعدومين على هؤلاء الأغنياء المترفينويتمزق السلام الاجتماعى فى الأمة بل نرى ما هو أخطر من ذلك كله إذ تطبق القوانين فىالدولة على الفقراء بصفة عامة ويتهرب منها الأغنياء وبذلك ساءت أحوال الأمة وشعرت الطبقةالكبيرة الفقيرة بالظلم والحرمان والإهانة وأن ولعل هذا الظلم يدفع الناس إلى الموبقاتوارتكاب الجرائم عندها تسقط الحضارة وتتفكك شخصية الأمة فقد روى فى عهد الرسول:"أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، ففزع قومهاإلى أسامة بن زيد يستشفعونه . قال عروة : فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول اللهصلى الله عليه وسلم ، فقال: "أتكلمنى فى حد من حدود الله" . قال أسامة: استغفرلى يا رسول الله ، فلما كان العشي قام رسول الله خطيبا ، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد ، فإنما أهلك الناس قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفتركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذى نفس محمد بيده ، لو أن فاطمةبنت محمد سرقت لقطعت يدها" . ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأةفقطعت يدها ، فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت ، قالت عائشة: فكانت تأتى بعد ذلك ، فأرفعحاجتها إلى رسول الله "(12


2- على الصعيدالاجتماعى: إن هذا العامل بلا شك يعد من أهم العوامل التى تؤدى إلى سقوط الحضارات فإنالفساد الاجتماعى وسوء العلاقات بين الناس وسقوط الأخلاق والانقياد وراء الشهوات والملذاتوالأنانية كل هذا يؤدى إلى زوال الحضارة فمن المعروف أن كل حضارة تسقط يسبقها سقوطأخلاقى وقد إبان عن ذلك الجانب كثير من المؤرخين الذين كتبوا عن سقوط الحضارات فكانالعامل الأساسى هو انحطاط أخلاق الأمة وكان مظهر الانحلال فى جميع الحضارات التى زالتيكاد يكون متشابها .


ومن مظاهر الانحلال الاجتماعى غير الترف الذى سبق ذكره هوفقدان التوازن بين الجانب الروحى والجانب الجسدى من متطلبات الإنسان وهذا ما يعرض الجماعةإلى الانحلال والحضارة إلى انحدار ومن هنا كانت تعاليم الإسلام متوازنة إذ طالب المسلمبأن يعدل بين متطلبات الجسد من أكل وشرب وبين متطلبات الروح من إيمان وقراءة وتعلموذكر والقرآن الكريم نراه دائما يرسم خطا جديدا فى تصويره للعلاقة بين الإنسان والعالمخطا يقوم على الوئام والانسجام والتكامل بين الروح والمادة أى بين العقل والقلب بينالأرض والسماء بين الجبرية والقدرية بين الغريزة والوجدان فلا يصح أن يطغى أحد الجانبينعلى الآخر بل لابد أن يتوافق هذان الجانبان وهذا هو الوضع الطبيعى الذى يشجع الإنسانعلى بذل الحد الأقصى لطاقاته وقدراته وهذه إحدى العوامل التى تدفع بعجلة الحضارة إلىالأمام .


3- الصعيد السياسى: إن العامل السياسى والاجتماعى صنوان لايفترقان وبدونهما لا يقوم للحضارات كيان أو ذكر فمن المشاهد والثابت تاريخيا أن وحدةالأمة وتماسكها هو أقوى العوامل للحرص على بقاء الحضارة واستقرارها من جانب وازدهارهامن جانب أخر فالخلافة العباسية التى أحكمت قبضتها على ما تحكمه من دول وولايات كماهو واضح فى العصر العباسى الأول ترعرت فى ظل وحدتها الحضارة الإسلامية التى نعم بهاالشرق والغرب آنذاك وحينما ضعفت قبضة الخلافة على دويلاتها تمزقت البلاد واستقلت أكثردولها وتفسخت إلى كيانات صغير فأدى ذلك إلى أفول الحضارة العباسية وهيمنة العناصر الغيرعربية على الدولة وأضحت أمة متخلفة تنظر إليها أمم الأرض بازدراء وكذلك الحال فى الأندلسالإسلامية فحين فقدت وحدتها وبدأ عصر الطوائف وانقسمت الدولة إلى دويلات تحارب بعضهابعضا وقد هيمنت عليها عناصر الضعف والتخاذل وملأ العداء والحقد قلوب ملوكها فاستعانوابالأجنبى ليرجح كفة أحدهما على الأخرى ، ومن ثم وقعت بلاد الأندلس فى براثن ذلك العدو، وهذا هو الأمر الذى حذر منه القرآن الكريم فيقول الله تعالى: "إن الذين فرقوادينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شئ" سورة الأنعام الآية 159 ويقول فى موضع أخر"ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" سورة الأنفال آية 46 ، فهل لزعماء العالمالعربى والإسلامى اليوم من ملوك ورؤساء أن يستوعبوا الدرس أم ران على قلوبهم فهم لايفقهون!! .





ثانيا : فكرة التاريخ عند اليهود


ربط اليهود بين طبيعة الذات الإلهية وحركة التاريخ بطريقةخاطئة شوهت مقام الألوهية إذ صوروه جل شأنه فى صورة كائن بشرى يصنع التاريخ وفق إرادتهمن هنا كان التاريخ فى نظرهم مجالا لتجلى الإرادة الإلهية وطريقا لفهم إرادته ومشاعرهوغضبه ورضاه ومن يتصفح التوراة يجد عبثا كبيرا من هذا القبيل فمثلا تصورهم لمفهوم الألوهيةمن خلال التوراة أن الله يبدو فى صورة بشر ، ويمكن لصورته أن تحل فى بعض الأشخاص تعالىالله عما يقولون علوا كبيرا فالله مثلا يدخل فى عراك مع يعقوب ويكاد يعقوب ينتصر عليهويضطر عندما أحس بالهزيمة أن يطلب العفو ولا يتركه يعقوب إلا بعد أن يباركه رغم أنفه- كما أن التوراة تصور أن الله إله خاص لا يحب إلا بنى إسرائيل ، وأما بقية الأممينفهم أقل أن يأبه الله بهم أو يرعاهم .


ومما لا شك فيه أن نظرتهم تلك لمقام الألوهية من خلال توراتهمالمحرفة قد أثرت على مفهوم فكرة التاريخ عند اليهود قاطبة إذ إنهم فقدوا تماما الإحساسبالغاية من الوجود فاختلت لديهم مفاهيم الزمان سواء فى الماضى أو الحاضر أو المستقبل، كما وقد تشوه مقام كينونة الإنسان فى نظرهم . وهذا المفهوم يختلف تماما عن مفهومالمسلمين للزمان والإنسان كما وضحنا سابقا وهما بلا شك المحوران الأساسيان لحركة التاريخبصفة عامة .


فعنصر الزمان اقترن فى حسهم بالأسى والحزن والتشرد والضياع، وتنبع تلك النظرة من مفهومهم الخاطئ بسقوط أدم عليه السلام الذى أعقبه استمرار الخطيئةفى ذريته وتوارثهم الطبيعى للإثم ، وأن ما حل بهم من آلام وتشريد إنما هو عقوبة منالله على ما ارتكب شعب الله من آثام . بل ربما تتسع دائرة الإحساس بالذنب إلى ما هوأكبر فهم يرون أن الحقائق التاريخية ما هى إلا مواقف بين الله والبشر تتجلى فيها إرادةالله فاعلة وحاكمة على الفعل الإنسانى الذى سلب كل حرية وكل خيار لذا كان لكل هزيمةحربية أو كارثة تفسير لاهوتى واضح لديهم يبين غضب الله على هؤلاء القوم وقد تفيض تلكالآلام والآثام على العالم أجمع بسبب خطيئة اليهود مع الله (13) .


أما عن الإنسان فقد جاء مفهومهم له ولرسالته مشوها فلأن انتفاءالغاية عن الوجود لدى اليهودى بصفة عامة قطعت أواصر الثقة فى الذات الإلهية الأمر الذىنجم عنه الخوف على المصير ، والقلق على المستقبل . لأنه مستقبل ملوث بخطايا البشر التىلحقت بهم من الخطيئة الأولى وقد انتقل هذا المفهوم عن الإنسان إلى المسيحية حتى كانمقتل المسيح على الصليب فى نظرهم تخليصا لذنوب البشر ، بل إن صعوده إلى السماء فى نظربعضهم تأكيد للبشرية على الخلود وأنه سوف يعود فى المستقبل جالبا معه يوم الحساب .


ومن هنا كان تجسيد الله فى صورة بشرية ثم دخوله فى التاريخوقضايا الصلب والقيامة والصعود كلها حقائق التاريخ فى نظر اليهود والنصارى(14)وهذه الحقائق بلا شك منافية لروح الإسلام وتعاليمه السمحاء :


1 ـ إن قصة هبوط آدم كما يراها الدكتور محمد إقبال فى كتابه" تجديد التفكير الدينى فى الإسلام " ليس لها صلة بظهور الإنسان الأول علىهذا الكوكب " وإنما أريد بها بالأحرى بيان ارتقاء الإنسان من بدائية الشهوة الغريزيةإلى الشعور بأن له نفسا حرة قادرة على الشك والعصيان ، ولا يعنى الهبوط أى فساد أخلاقى، بل هو انتقال الإنسان من الشعور البسيط إلى ظهور أول بارقة من بوارق الشعور بالنفس... هذا إلى أن القرآن لا يعتبر الأرض ساحة للعذاب سجنت فيها إنسانية شريرة العنصربسب ارتكابها خطيئة أصلية فالمعصية الأولى للإنسان كانت أول فعل له تتمثل فيه حريةالاختيار ، ولهذا تاب الله على آدم كما جاء فى القرآن الكريم وغفر له"(15).


2 ـ يوضح القرآن سبب المعصية وهى رغبة آدم فى الحصول علىملك لا يبلى أى ملك لا نهائى من حيث هو فرض ذو وجود متحقق وهى رغبة فى دوام الحياةويصور القرآن الكريم تلك الرغبة التى شدت آدم وزينها له الشيطان فوسوس إليه الشيطان. " قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ، فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهماوطفقا يخسفان عليهما من ورق الجنة ، وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه وهدى " طه120 ـ 122


وتفسر مدام بالفاتسكى فى كتابها " المذهب السرى" سر تلك الشجرة ، والكاتبة كما عرف عنها كانت على حظ كبير من العلم بالرمزيةالقديمة ، وأن الشجرة كانت عند القدماء رمزا إلى علم الغيب ، وأن آدم حرم عليه أن يذوقثمر هذه الشجرة لأن تركيبته البشرية كانت غير مهيأة لمثل تلك المعرفة بل كانت مهيأةلنوع آخر من أنواع المعرفة تقتضى الكد فى معاناة الملاحظة وقد انقاد آدم للشيطان لالأن الشرك متأصل فيه بل لأنه كان عجولا بطبعه إذ أراد أن يأخذ المعرفة عن أقرب طريق، وكان السبيل إلى ذلك أن يوضع فى بيئة مهما تكن مؤلمة ـ لإبراز قواه العاقلة وليسذلك عقابا بل كان ذلك بهدف صد الشيطان الذى احتال عليه(16) .


3 ـ إن الإسلام لا يعتقد بالخطيئة الأولى أو الأصلية التىبنى عليها اليهود حقائق التاريخ والتى بسببها لعنت التوراة المزيفة الأرض بسبب تلكالمعصية ، فالقرآن الكريم يقرر أن الأرض دار سكن للإنسان ومصدر رزق له وعليه أن يشكرالله على تلك النعمة يقول الله تعالى: "ولقد مكناكم فى الأرض وجعلنا لكم فيهامعايش قليلا ما تشكرون" سورة الأعراف آية 10


4- كما أن الإسلام ينكر تماما فكرة الإثم الوراثى التى قامتعليها فكرة التاريخ عند اليهود فالإنسان يولد على الفطرة وإنما الإثم الذى يلحق بهإنما يرجع إلى خطأ فى تربيته يقول الرسول :"كل مولود يولد على الفطرة ثم أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "ومنهذا المنطلق فإن فى استطاعة الإنسان السوى كما يقرر الإسلام أن يجتث الخطيئة بأعمالهالحرة الخيرة وبتوجيه قوى الطبيعة لصالحه وبذلك يتغلب على الشر فإذا حاد الإنسان عنذلك فسوف ينحط إلى الخطيئة ولكنها ليست خطيئة آدم كما يدعى اليهود(17) يقولالله تعالى: "والتين والزيتون . وطور سنين . وهذا البلد الأمين . لقد خلقنا الإنسانفى أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين أمنوا عملوا الصالحات فلهم أجرغير منون" .


5 ـ كما أن الإسلام ينكر فكرة النمو الخلقى المحتوم وهى فكرةأخرى قام عليها التفسير التاريخى لليهود والتى يرجعها اليهود إلى فكرة العناية الإلهيةأو الجبرية اللاهوتية ومؤداها أن كل ما يجرى فى العالم من أحداث فهو مقدر منذ الأزلوهى فكرة غزت بعض الفرق الإسلامية والتى تقول بالجبرية ، ومن هذا المنطلق فإن اليهوديرون أن إرادة الله فاعلة التاريخ وكيفية ذلك أمر يعجز عن إدراكه العقل البشرى ولذافإنه يمكن أن تكون أخلاق حقبة تاريخية أرقى من أخلاق حقبة أخرى أو أن شعبا أرقى منشعوب أخرى أو أن جنسا أعرق من أجناس أخرى ، وهذا ما تفسره خرافة اليهود القائلة بأنهمشعب الله المختار(18) .


إذن مما تقدم عرضه ندرك أن مؤرخى المسلمين كانت لهم فلسفتهمالواضحة فى علم التاريخ وهى فلسفة قائمة على وعى عميق برسالة المسلم فى الحياة ودورهفى عمران الأرض وإقامة الحق والعدل عليها ، وهى فكرة أصيلة ربما تكون اليوم غائبة عنكتابات بعض المؤرخين المعاصرين مما دفع البعض إلى التماس تفسيرات تاريخية فردية عنفكرنا الإسلامى كالتفسير المثالى لهيجل والتفسير المادى لماركس وإنجليز ، والتفسيرالحضارى لتونبى وغيرها من تفسيرات واهية حاول البعض إحلالها محل التفسير الإسلامى مماجعل الفرصة سانحة لمفكرى اليهود من مستشرقين وغيرهم أن يبثوا أفكارهم من خلال تلك التفسيراتالوضعية الهدامة وأن يزرعوها فى عقول الدارسين على أيديهم الأمر الذى أدى إلى تشويهالكثير من حقائق التاريخ الإسلامى . وسوف نعرض فى الصفحات التالية بعضا من التفسيراتالتاريخية التى نفذ من خلالها الفكر اليهودى إلى كتابة التاريخ الإسلامى والتأثير فيه.
























































مراجع المبحث الأول


1- أحمد شلبى. موسوعة التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية ، الجزء الأول ، مكتبة النهضة المصرية. القاهرة ط الحادية عشر 1984م . ص33 .


2- ابن خلدون. المقدمة . ص4 . لعلنا نلمس من نص ابن خلدون نظرته الفلسفية لعلم التاريخ ، فإن كانالمؤرخون الآخرون ينظرون إلى التاريخ على أنه مجرد سرد حكايات للعبرة أو التسلية ،فإن التاريخ عنده يعنى فلسفة عميقة للحادثة التاريخية قائمة على التحقيق والتنقيح لقوانينعلم الاجتماع ، وبذلك يكون ابن خلدون صاحب نظرية فى فلسفة التاريخ سبق بها أصحاب النظرياتالحديثة .


3- موسوعة التاريخالإسلامى . مرجع سابق ص33 .


4- أدب التاريخعند العرب . مرجع سابق ص175 ـ 196 بتصرف .


5- المرجع السابق، نفس الصفحات .


6- مقدمة بن خلدونص4 .


7- تفسير بن كثيرج4 ص210


8- مقدمة بن خلدونص140 نقلا عن الشيخ عمر عوده الخطيب فى كتابه المسألة الاجتماعية مؤسسة الرسالة


9- الألبانى-صحيح : صحيح الجامع ص 3661


10- الألبانى- صحيح - صحيح أبى داود- ص4297


11- أضواء على تفسيرالتاريخ . دكتور نعمان عبد الرزاق . السامرائى


12- صحيح- الجامع الصحيح – البخارى – ص4304


13- أدب التاريخعند العرب . ص113 ـ 121 .


14- المرجع السابق، نفس الصفحات .


15- نقلا عن كتابمحمود الشرقاوى ، التفسير الدينى للتاريخ ، الجزء الأول ، كتاب الشعب ص243 .


16- المصدر السابقص244 .


17- المصدر السابقص247 .


18- المصدر السابقص248 .

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-08-2021, 07:29 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي


المبحث الثانى


موقف اليهود منتفسير التاريخ الإسلامى



لقد استغل اليهود الفلسفات الوضعية التى ظهرت فى أوروبا إبانالقرنين الماضيين أسوأ استغلال حيث أنهم سربوا من خلالها أفكارهم الخبيثة فى التاريخ، وهى أفكار قد رتبوا لها بطريقة واعية لخدمة أهدافهم العليا فى السيطرة على شعوب العالم، وقد حددت بروتوكولات حكماء صهيون تلك الأهداف وضمنتها الوسائل المقترحة لتنفيذهاونفاذها فى العقول ، وكان أشد تلك الوسائل فتكا وأكثرها فاعلية هى الوسائل العلميةوالفكرية التى تسلطوا بها على عقول البشر ولاسيما العقلية المسلمة بهدف تقويض المجتمعاتوتخريب الديانات وطمس معالم التاريخ وإفساد المبادئ والأخلاق .


وقد جاء فى البرتوكول الثانى ما يفيد ترتيبهم لنظريات علميةوفلسفية لإفساد الشعوب "لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء ، ولاحظوا هنا أننجاح دارون وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل ، والأثر غير الأخلاقى لاتجاهات هذه العلوممن الفكر الأممى "غير اليهود" سيكون واضحةً لنا على التأكيد" (1).


كما تضمن البروتوكول الثالث عشر والرابع عشر من الوسائل العلميةما تعينهم على تنفيذ مخططاتهم . يقول البروتوكول الثالث عشر : " ولهذا السبب سنحاولأن نوجه العقل العام نحو كل نوع من أنواع النظريات المبهرجة ..."(2)أما البروتوكول الرابع عشر "وقد نشرنا فى كل الدول الكبرى ذوات الزعامة أدبا مريضاقذرا يغثى النفوس .. وسيقوم علماؤنا الذين ربوا من أجل قيادة الأميين بإلقاء خطب ورسمخطط وتسويد مذكرات ، متوسلين بذلك إلى أن تؤثر على عقول الرجال وتجذبها نحو تلك المعرفةوتلك الأفكار التى تلائمنا"(3) .


من هذا المنطلق وفى إطار حملات الدس الفكرى تسلط اليهود علىتاريخ الشعوب بصفة عامة وتاريخ العالم الإسلامى بصفة خاصة مستغلين نزعات التحرر لدىبعض الشعوب وراحوا يبثون فى عقول قادتهم وذوى الفكر منهم تفسيراتهم الواهية فى التاريخمثل التفسير العرقى والتفسير المادى والتفسير القومى إلى غير ذلك من تفسيرات تخدم أغراضهمفى تمزيق شمل الشعوب وإثارة العصبيات البغيضة .


وسوف نوضح فى الصفحات التالية بعض النماذج من تلك التفسيراتونبرز من خلالها كيف شوهت التاريخ الإسلامى وعملت على غياب فكرة التاريخ الأصيلة التىالتزم بها مؤرخو التاريخ الإسلامى فى تاريخنا القديم .





أولا : التفسير العرقى اليهودى للتاريخ


التفسير العرقى للتاريخمن النظريات المؤثرة بصورة إيجابية فى حركة التاريخ ، وتقوم هذه النظرية على فكرة مؤداها أن بعض الشعوب تتميز بخصائص منفردةتمكنها من صناعة التاريخ ، وتقوم هذه الفكرة على اعتبارات عنصرية عرقية تضرب بجذورهافى علم الوراثة من حيث رقى بعض الأجناس أو رداءتها وأن هذا التفاوت العنصرى هو المؤثرفى حركة التاريخ ، إذ إن الأجناس الراقية هى القادرة وحدها على إحراز التقدم ، بينماتظل الأجناس الرديئة الأخرى كالهنود الحمر مثلا راكدة الحركة خاملة فى صناعة التاريخ.


وقد قدر لهذه النظرية أن تجد سبيلها إلى ميدان العلم كماوجدته إلى ميدان السياسة ، وفى هذا الصدد يقوم المؤرخ بمفاضلة بين الأجناس يضفى عليهاأحكاما تفسيرية يفسر من خلالها حركة التاريخ ، ولعل الأسطورة التاريخية التى نسجت حولأفضلية الجنس الآرى عن سائر الأجناس تبرز لنا مضمون تلك النظرية ، إذ قال بها بعض العلماءمنذ بداية القرن التاسع عشر ومنهم "جوبينو" الذى يقول: "إن الظروف العنصريةهى التى تحكم المشكلات الكبرى فى التاريخ ، فالتفاوت العنصرى كاف إذن لتفسير مصائرالشعوب حيث تستطيع الأجناس الراقية إحراز التقدم فى الوقت الذى تظل فيه أجناس أخرىكالهنود الأمريكيين مثلا محكومة اجتماعيا وثقافيا بميراثها العنصرى ، لذلك فإن كل المدنياتالأساسية من عمل الآريين"(4) .


ولا يغيب عن بالنا مدى اتفاق نظرية التفسير العرقى مع التفسيراليهودى للتاريخ التى تخدم أغراضهم الخبيثة ، فهم يزعمون أنهم شعب الله المختار الذىاصطفاهم على سائر خلقه ، وباقى شعوب الأرض أمميون كقطعان الأغنام والبهائم ، من هذاالمنطلق نبعت نظرية التفسير العرقى من حيث الذات اليهودية التى أرادت أن تجعل من تاريخاليهود محورا للتواريخ الدولية .


ولكن ثمة شعور يهودى بالكراهية المتبادلة بينهم وبين شعوبالأرض بسبب تلك المقولة التى أراد لها مفكرو اليهود أن تكون عالمية وإن عرَّضهم ذلكلاضطهاد العالم ونقمته . من هنا كان البث اليهودىلهذه الفكرة من خلال إلباسها لشعوب أخرى عن طريق الزيف والتلفيق وبعث القوميات والعصبياتالتى تشعل نار العداوة والبغضاء فيما بينها ، وتعمل على تقسيم الوحدات الكبرى السياسيةلبعض الشعوب حتى يسهل عليهم النفاذ إلى أغراضهم ، ومما يؤيد ذلك ما جاء فى البروتوكولالخامس " لقد بذرنا الخلاف بين كل واحد وغيره فى جميع أغراض الأمميين الشخصيةوالقومية بنشر التعصبات الدينية والقبلية خلال عشرين قرنا . ومن هذا كله تتقرر حقيقةهى أن أية حكومة منفردة لن تجد لها سندا من جاراتها حين تدعوها إلى مساعدتها ضدنا هونكبة على كيانها الذاتى " (5) . ولعله من المفيد هنا أن نبرز بعض النتائجوالآثار التى حلت بتواريخ العالم بصفة عامة وبالتاريخ الإسلامى بصفة خاصة من جراء تلكالنظرية الخطيرة التى أثقلت كاهل الشعوب ومزقت كيانها السياسى والاجتماعى والاقتصادىلفترات طويلة :


أ- برز الدور اليهودى واضحا فى التمهيد للحرب العالمية الأولىوالثانية وذلك بإثارة الصراع بين الجنسيات الكبرى السائدة فى العالم ليدمر إحداهماالأخرى وقد لعب "ريتر" على أوتار تلك الفكرة الخبيثة فى كتاباته وأقوالهكما أشاعها آنذاك وروَّج لها فى المحافل السياسية والدولية ، وتمكن بالفعل من إذكاءنار العداوة بين الجنس القوقازى الذى يشمل روسيا الشيوعية ومنطقتها الشرقية بأكملهاوبين الجنس الآرى حتى إذا ما قامت الحرب العالمية الأولى ثبت أحد الجنسين بينما انحدرالجنس الآخر(6). ولعل من أبرز نتائج تلك الحركة الاستمرارية تفوق الجنسالألمانى كما يرى الألمان اليوم تلك الفكرة التى تشبع بها من قبل القائد الألمانى"هتلر" وعمل على استخلاص شعب متميز عرقيا بسمات خاصة(7) .


كما واتبع اليهود نفس الفكرة فى التمهيد للحرب العالمية الثانيةوذلك بإثارة الخلافات بين الفاشستية "الفاشية والنازية" وبين الصهيونية العالميةوالتى تسببت فى عداء " هتلر " لليهود لما قاموا به من دور خطير إبان هذهالحرب ، لأنه كان مقدرا فى حساباتهم تدمير الفاشستية وبقاء الثانية بجانب القوة المنتصرةفى تلك الحرب(8) .


ب- بعد الحرب العالمية الثانية ركز اليهود على إثارة العروبةوالجنس العربى مع سائر الأجناس الإسلامية ، الأمر الذى أدى إلى ظهور تواريخ محلية إقليميةتميزت بالعصبية التى تجافى روح الإسلام ودعوته العالمية ، ونظرة سريعة اليوم إلى تاريخالإسلام الذى عاش ردحا طويلا من الزمن يؤرخ له المسلمون القدامى فى إطار وحدته المذهبيةوالسياسية لنراه اليوم ممزق الأوصال على النحو التالى:


إن إسقاط الخلافة التركية بعد عملية التتريك التى تمت عنطريق جمعية الاتحاد والترقى والتى لعب يهود الدونمة من خلالها دورا بارزا بمساعدة بعضالمحافل الماسونية آنذك ، قد أدى إلى تشويه تركيا الإسلامية التى كانت أكبر قلاع المسلمينآنذاك وقد استهدفت عمليات التشويه السلطان عبد الحميد الثانى على وجه الخصوص الذى قضىعلى آمال اليهود فى استيطانهم لفلسطين ، فنرى ذلك التاريخ المشرق يتبدل ليسمى بتاريخالرجل المريض ، كما نرى الجماعات اليهودية تتصدر حملات كبرى لتشويه التاريخ العثمانىالإسلامى بوسيلتين من أخس الوسائل :


الأولى: إصدار المطبوعات التى تهاجم السلطان عبد الحميد داخلحدود الدولة الإسلامية ولاسيما داخل مصر عن طريق المحافل الماسونية والجمعية الإسرائيليةوالمتأمل فى تلك المطبوعات يجدها هى نفس المطبوعات التى كان يحررها أعضاء جمعية"تركيا الفتاة" والتى تناولها العلمانيون فيما بعد وفسروا التاريخ العثمانىالإسلامى وفق ما جاء فيها ، وقد أثمرت تلك المطبوعات بالفعل فى تشويه التاريخ العثمانى، فلا غرابة أن نرى مناهج التاريخ الإسلامى فى بعض المدارس والجامعات الإسلامية مازالت تنظر إلى التاريخ العثمانى نظرتها إلى التاريخ الاستعمارى البغيض .


الثانية: استقطاب أعداد من زعماء العالم الإسلامى للعمل ضدالدولة العثمانية ومناصرة قضية العروبة ، ومن الغريب أننا نرى بعد فترة من الزمن أنبعض هؤلاء الزعماء كانوا أعضاء عاملين فى المحافل الماسونية ، ومن هؤلاء جمال الدينالأفغانى الذى ذكرت بعض الكتب وثيقة بخط يده يطلب فيها الانضمام إلى بعض المحافل وقدردوا عليه بوثيقة أخرى مفادها أنهم قبلوه عضوا عاملا ومهما فيها(9) .


- وبعد ما تم لليهود والماسونيين تتريك تركيا على نحو ماأسلفنا ، اتجهوا لإثارة العصبيات العرقية بين شعوب العالم العربى الإسلامى مثل: الأكراد، الشراكسة ، الفارسية ، الفرعونية ، البربرية، الأمر الذى ساعد على ظهور بعض التفسيرات العرقية فى التاريخ المعاصر تلك التفسيراتالتى أحيت العصبيات البغيضة التى تجافى روح الإسلام ، والتى تسببت اليوم فى تمزق وحدةالعالم الإسلامى والتى باتت فيه الوحدات السياسية العظمى منعزلة بعضها عن بعض فكرياوتاريخيا .


- ومن مظاهر التزييف التاريخى فى هذا الصدد إضفاء العرق اليهودىعلى بعض الشعوب كذبا وبهتانا لخدمة أغراض اليهود السياسية ومن أمثلة ذلك ما تردده الكتاباتاليهودية بأن يهود الخرز من السلالات اليهودية ، وهذا أمر بعيد كل البعد عن الصحة والصواب، فمن الثابت تاريخيا أن خان الخرز "الخان بولان" هو الذى اعتنق اليهوديةفى القرن السابع الميلادى وقد فرضها على شعبه الوثنى ، وتحكى المصادر التاريخية أنذلك الخان قد استشار ثلاثة من علماء الدين الإسلامى والمسيحى واليهودى ، وسألهم أىالديانات يعتنق ، وحينما استغرق الثلاثة فى جدل طويل ، تدخل الخان وسأل كل واحد منهمعلى حدة ، فكان سؤاله للمسلم : إن كان عليه أن يترك الإسلام فأى الديانتين يختار ؟فأجاب بأن اليهودية أقرب إليه من المسيحية . ثم سأل المسيحى نفس السؤال فأجاب بأن اليهوديةأقرب إليه من الإسلام ، وعلى هذا الأساس البسيط اعتنق "خان بولان" اليهوديةباعتبارها قاسما مشتركا وفرضها على شعبه الخرزى لذا فإن الشعب الخرزى من سلالة يهوديةمقولة كاذبة إذ لم تربطهم أية وشيجة ولا أى نسب على الإطلاق بالأب إبراهيم ولا الحفيدإسرائيل ولا الأسباط الإثنى عشر(10) .


وإن كانت الدوافع وراء تلك المقولة يشوبها بعض الغموض إلاأننا قد نجد لها تفسيرا لعله يكون أقرب إلى الصواب ، فمن الملاحظ اليوم أن الغالبيةالعظمى التى تشكل دولة إسرائيل هم من أصل خرزى ، بل إن منهم القادة الكبار أمثال"هرزل" وكذلك "وايزمان" و"مناحيم بيجن" و"ابن جوريون"و"ديان" وغيرهم . من هنا جاء التزوير التاريخى فى إضفاء العرق اليهودى لشعوبالخرز تكريما لهؤلاء القادة والغالبية العظمى من سكان إسرائيل(11) .





ثانيا : التفسير الجبرى اللاهوتى للتاريخ" العناية الإلهية "


يعرف هذا التفسير فى التاريخ بالجبرية اللاهوتية أو العنايةالإلهية ، إذ يرى أصحاب هذا التفسير أن كل ما يجرى فى العالم من أحداث إنما هو مقدرمنذ الأزل فلا راد له أو مفر منه ، وقد وجدهذا التفسير سبيله إلى بعض الديانات فيما تسميه بفكرة العناية الإلهية والتى تسلم تسليمامطلقا بأن إرادة الله تتجلى بوصفها صانعة التاريخ والمحركة لأحداثه ، ولا ينبغى للمرءأن يشغل عقله بالبحث عن تفسيرات لكيفية حدوث التاريخ لأن ذلك أمر يعجز عن إدراكه العقلالبشرى المحدود الذى لا يملك فى نظرهم سوى الاعتبار بآثاره . ومعنى ذلك أن أصحاب هذاالتفسير يرفضون فكرة العلِّية التاريخية التى تربط الأسباب بالمسببات بل على المرءمنهم أن يقف موقف الناقد والمهاجم لكل تفسير تاريخى يعتمد على التحليل والتعليل واستنباطالحقائق(12).


ولا يغيب عن البال مدى اتفاق هذا التفسير مع الفكرة العامةللتاريخ عند اليهود فهم يرون - كما عرفنا سابقا - أن كل حدث تاريخى هو تعبير عن إرادةالله وأن الحقائق التاريخية ما هى إلا مواقف بين الله والبشر ، وأن ما يحل من خير أوشر إنما هو سببه رضى الله أو غضبه على اليهود وهذا التفسير الجبرى للتاريخ مناقض تمامالروح الإسلام وتعاليمه الغراء للأسباب التالية :


- إن الإنسانقد زوده الله بإرادة حرة يمكنها أن تميز بين الخير والشر وهذه الإرادة الحرة قد تحملتبعتها على عاتقها ، فعلى الرغم من قدرة الله التى تحيط به إلا أن السلوك الفاضل للإنسانهو أمر واجب فى الإسلام ومرتبط تماما بحرية الاختيار أو الرفض ولو شاء الله غيرَ ذلكلخلق الإنسان بطبيعة الخير فلا يعرف شرا أو بطبيعة الشر فلا يعرف خيرا . من هنا فإنعلو أمة أو انهيارها لا يكون أبدا إلا بسبب تمسكها بأخلاقياتها أو بتبدل تلك الأخلاقياتوهبوطها .


- كما أن هذاالتفسير يؤدى بالإنسان إلى جمود العقل ويهبط به إلى مدارك الكسل والسلبيات وإلقاء التبعاتعلى الزمان ، وهذا يؤدى بالتالى إلى ضعف الأمم واستكانتها وعدم القدرة على مواجهة التحدياتوالشدائد التى من شأنها تبرز أصالة الأمم وتكشف عن جودة معدنها فقد يرسف شعب ما تحتنير الظلم والعسف إذ عليه أن يقبع فى داره وأن يموت فى مكانه كالشجرة فى انتظار العنايةالإلهية أن تمن عليه بمخلص يخلصه من ذلك الظلم !


وللأسف الشديد وعلى الرغم من أن هذا التفسير قد سيطر علىعقلية أهل الكتاب إبان العصور الوسطى إلا أنه شق طريقه إلى المحيط الإسلامى ثم وجدناصداه عند بعض المؤرخين الأمر الذى أدى إلى تشويه التاريخ الإسلامى وحشوه بالكثير منالخرافات والأساطير والبدع التى يجب تطهيره منها وسوف نستعرض أثرا واحدا من آثار ذلكالتفسير الذى غزا العقلية المسلمة وأحدث فى التاريخ الإسلامى حدثا خطيرا ، ألا وهو" المفهوم الخاطئ لفكرة المهدى المنتظر".


المفهوم الخاطئ لفكرة المهدى المنتظر وأثرهافى الفكر الإسلامى


تعد فكرة المهدى المنتظر إحدى تفسيرات العناية الإلهية فىالتاريخ الإسلامى ، وقد اختلف علماء المسلمين فى صحة مضمون هذه الفكرة ، فمنهم من ينكرهاويراها دخيلة على الفكر الإسلامى ومنهم من يؤيدها ويعتقد بصحتها ، ولسنا هنا بصدد بيانصحة هذه الفكرة من بطلانها ، فإن الأمر أكبر من ذلك ولا تكفى هذه العجالة لتقوم بمثلهذه الدراسة ، وإنما سأكتفى بذكر آراء من يعارضونها فلعله يكون فى رأيهم دافعا لبعضمن طلاب الدراسات العليا ممن يعكفون على دراسة هذا الموضوع لبيان حقيقته وفى اعتقادىأن دراسة علمية منهجية لمثل هذا الموضوع سوف تعود على الدراسات الإسلامية بالخير العميمسواء أثبتت تلك الدراسة صحة الفكرة أو بطلانها .


ومن الآراء التى تعارض هذه الفكرة رأى الشيخ " عبد اللهبن زيد " رئيس الشئون الدينية والمحاكم الشرعية فى دولة قطر إذ أصدر كتابا سماه" لا مهدى ينتظر بعد الرسول محمد خير البشر " ، وقد أثبت بأدلة عقلية ونقليهبطلان هذه الفكرة منها تعارض الأحاديث الدالة عليها وتناقضها فى الموضوع ، وإن كانتبعض هذه الأحاديث قد تسربت فى بعض كتب الصحاح ، إلا أن البخارى ومسلم لم يأخذا بصحتهامع رواجها فى زمنهما(13) .


- كما أن العلامة أبا الأعلى المودودى قام بتفنيد أحاديثتلك الفكرة وذكرها فى بيانه الذى ألقاه أمام المحكمة التى كانت تحاكمه على موقفه منالقاديانية وأوضح من خلال ذلك البيان أنها فكرة مدسوسة على المسلمين(14).


كما أن ابن القيم أثبت فى كتابه " المنار المنيف فىالصحيح والضعيف "(15) أن فى هذه الفكرة اختلافا بين آراء المسلمين، وبنفس الفكرة تحدث عنها ابن خلدون فى مقدمته (16) .


- ثم تجئ الدراسة التى قام بها الدكتور عبد المنعم النمرحول هذه القضية فى كتابه "الشيعة - المهدى - الدروز" لتضع رأيا جريئا مؤداهأن فكرة المهدى المنتظر فكره باطلة وهى مدسوسة على المسلمين ، وقد قام بتحقيق الأحاديثالدالة على صحتها فوجدها أحاديث ضعيفة لا يُعتد بها فى إثبات صحة هذه الفكرة ، ثم أفاضالحديث عن كيفية تسربها إلى المسلمين والنتائج الخطيرة التى ترتبت على مفهوم تلك الفكرة(17).


وفى رأينا: سواء أصحت هذه الفكرة أم لم تصح ، فإن الحكم علىهذا الموضوع مرهون بدراسة شاملة تأخذ طابعها العلمى المنهجى على أيدى بعض المتخصصينفى حقل هذه الدراسة . وإنما ما يعنينى هنا أن بعض الفرق المسلمة قد أساءت فهم هذه الفكرةعلى فرض صحتها - وراحوا يستغلونها لأغراض دينية وسياسية تخدم مصالحهم الدنيوية العاجلة، حيث استغلوا حالة الضعف والكآبة النفسية التى مرت بها جماعات المسلمين فى مراحل الحكمالإسلامى وأشاعوا القول بمهدى منتظر سوف يخلصهم مما هم فيه وينتقم من أعدائهم ثم يملأالأرض عدلا بعد أن غشيها الجور والظلم .


وعلى ما يبدو أن إساءة المسلمين لفهم هذه الفكرة قد بدأتبخلط بين المقولة التى ألقاها الحبر اليهودى "ابن سبأ" وبين مضمون الفكرةالإسلامية للمهدى المنتظر ، إذ قال ذلك اليهودىبرجعة النبى ، كما كرر القول مرة أخرى عند مقتل على رضى الله عنه : إذ أنكر أنه ماتولو جئ برأسه سبعين مرة ، وأنه لا يزال حيا وسيرجع وينتقم من خصومه . والقول بالرجعةكما هو معروف فكر يهودى دخيل على الإسلام ولكنه وجد صداه فى بعض أذهان المسلمين وخلطوابينها وبين فكرة المهدى المنتظر وذلك لأغراض سياسية ، فقد استغلها أتباع محمد بن الحنفيةعندما مات ، كما استغلها بعض أتباع الشيعة عن مقتل الحسين ، ثم قابل الأمويون الفكرة بفكرة مشابهةإذ قالوا بالسفيانى المنتظر(18) ، كما عزَّ على العباسيين ألا يكون لهممهدى منتظر فوضعت الأحاديث التى تقول بمهديهم المنتظر ، ويعلق الدكتور أحمد أمين علىذلك قائلا: "فنرى من هذا أن عقيدة المهدى فشت فى العلويين والأمويين والعباسيين، وأخذت عند كل منهم لونا خاصا" .


وقد تبلور هذا المفهوم الخاطئ وأخذ أبعاده العقدية والسياسيةعلى أيدى الشيعة حتى صارت من المعتقدات الأساسية عندهم ، فالإثنا عشرية منهم ما زالواينتظرون عودة الإمام " محمد بن الحسين العسكرى "الذى اختفى فى سرداب وهوابن خمسة أعوام ويعدونه مهديا منتظرا ينتظرون عودته حتى اليوم . كما بدأت الدولة الفاطميةوهى إحدى الفرق الباطنية نشأتها وظهورها بفكرة المهدى المنتظر حتى أن أول خليفة تولىحكم الدولة كان يسمى "عبيد الله المهدى" . وهكذا كان مفهوم فكرة المهدى المنتظرالخاطئ ، وهو حديث خرافة أفسدوا به عقول الناس الأمر الذى ترتب عليه من النتائج الخطيرةما عبثت بفكر الإسلام والمسلمين وشوهت الكثير من حقائق التاريخ الإسلامى ، ومن النتائجالخطيرة التى انعكست على عقليات المسلمين طوال حقب التاريخ من جرأة ذلك المفهوم الخاطئ:


- إشاعة الخرافات والأساطير بين المسلمين فيما يرويه الناسعن إعجابهم بشخصية المهدى المنتظر ، وما يتردد على ألسنة المغرضين من كرامات ادعوهاوبطولات لفقوها ولعل التواريخ المؤلفة حول شخصية عبيد الله المهدى ورحيله من سلميةوفراره من أيدى العباسيين ثم سجنه بمدينة سجلماسة فى المغرب ثم تخليصه على أيدى عبدالله الشيعى أكبر دليل على ما حيك حول هذه الشخصية من خرافات وأساطير التاريخ الفاطمى(19).


- ساعد المفهوم الخاطئ لفكرة المهدى المنتظر العديد من مأفونىالعقول على ادعاء النبوة بحجة تجديد العقيدة وهل كانت البابية والبهائية إلا ثمرتينفاسدتين من ثمار ذلك المفهوم الخاطئ ؟


- كما أثر المفهوم الخاطئ لفكرة المهدى على بعض المتصوفةتأثيرا كبيرا إذ إنهم التقطوا الفكرة ثم أعادوا صياغتها بصورة تتناسب ومملكتهم الروحية، فأطلقوا على المهدى "قطبا" متصرفا فى الكون وهو نظير الإمام المهدى عندالشيعة والقطب فى نظرهم هو الذى يدبر الأمر فى كل عصر وهو عماد السماء ولولاه لوقعتالأرض ويلى القطب النجباء وهم أثنى عشر نقيبا على عدد بروج الفلك فى كل زمان وكل نقيبعالم بخاصية برج وبما أودع الله فى مقامه من أسرار وعنده علوم الشرائع ، وأن إبليسمكشوف عندهم ، ومن منطلق ذلك التكوين يتضح أن للصوفية مملكة روحية باطنية لا يدركهاإلا المتصوفة بينما عامة الناس لا يرون منها سوى القشور الظاهرة فقط(20)وهى متأثرة فى ذلك بالفلسفة الشيعية التى تجمع بين الظاهر والباطن وتؤمن بتأويل النصوصوفق رموز وإشارات محددة وهذا منفذ خطير نفذ منه الفكر اليهودى .


ومما يؤيد ذلك أن هناك بعض الكتب للمتصوفة قد غصت بالخرافاتوالأساطير التى يرددها اليهود فى كتاباتهم وأفكارهم ورموزهم الخاصة التى يستعملونهافى محافلهم الماسونية مثل اسم الله الأعظم ، النجمة السداسية ، سلم يعقوب ، وعصا تابوتالرب ، ومن يرد الاستزادة فليرجع إلى الرسالة المطبوعة فى القاهرة للإمام الصوفى"محمد عبد الله الكاسى" بعنوان "الرسالة فى وقوع إشارة الرسم الخماسىالأكرم على عبارة اسم الله الأعظم" وهى من منشورات مطبعة حسان بالقاهرة(21)


التفسير الصحيح لفكرة المهدى المنتظر


أما إذا أردنا تفسيرا صحيحا لفكرة المهدى المنتظر فى التاريخالإسلامى فينبغى أن نتحاشى الفكرة الجبرية فى التاريخ وهى الفكرة السائدة عند مؤرخىاليهود كما عرفنا سابقا وهى بطبيعة الحال فكرة بعيدة عن الصواب ولا يقرها الدين الإسلامىولعل من حديث النبى (ص) التالى تتضح معالم فكرة العناية الإلهية كما يقرها الإسلاميقول " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"(22) . فالحديث فى جوهرة على ما يبدو توضيح لفكرة العناية الإلهية، فالرسالة الإسلامية مكتملة وباقية تؤتى ثمارها للناس فى كل حين على الرغم من موتالنبى (ص) وانقطاع الوحى .


وفى الحديث أيضا إشارة إلى ما يمكن أن يطلق عليه " الدوراتالروحية المتعاقبة "فى حياة الشعوب الإسلامية والتى بمقتضاها تستمر حركة التجديدالدينى لدى المسلمين والتى تعتمد أول ما تعتمد على مبدأ الاجتهاد إذ يعقب كل مرحلةمجدد يخلص المسلمين من البدع والزيف والضلالات المتراكمة عبر المرحلة الزمنية السابقة، وتلك الدورات الروحية بلا شك هى فكرة أساسية فى ثقافتنا الإسلامية . وهكذا بهذا المقومالصحيح يمكن لنا أن نفسر بعض أحداث التاريخ وفق تفسير العناية الإلهية تفسيرا صحيحا(23).


ثالثا: التفسير المادى اليهودى للتاريخ


هذا أيضا واحد من التفسيرات اليهودية للتاريخ ، ويُعد كارلماركس اليهودى صاحب هذا التفسير ويتلخص ذلك التفسير فى أن واضعه حاول أن يفسر أحداثالتاريخ تفسيرا ماديا من خلال النمط الاقتصادى السائد فى المجتمع ، إذ أنه ربط جميعأنماط الحياة بالإنتاج المادى الذى سوف يؤدى بالضرورة إلى تطور حتمى نحو طور معين منأطوار الحضارة الإنسانية .


فالتصور المادى للتاريخ فى مفهوم كارل ماركس يقوم على أساسمبدأ واحد محتوم هو وفرة وسائل الإنتاج لسد حاجات الحياة المادية ، وذلك إيمانا منهمأن جميع الدوافع السيكولوجية فى حركة التاريخ تدعمها من الباطن الأحوال المادية .


ولذلك فإن تاريخ البشرية من خلال ذلك التصور ليس سوى تاريخالكفاح الطبقى فى كل مكان ، وأن الإنتاج ماهو إلا لإشباع الحاجات الطبيعية للإنسان .


ومن النتائج المترتبة على ذلك التفسير إسقاط مقام الألوهيةوإلغاء الديانات بصفة عامة وذلك لأن المادة لها أسبقيتها ووحدانيتها فى مفهوم النظريةالماركسية التى تنظر للدين على أنه أفيون الشعوب .


ومن الثابت تاريخيا ارتباط المصالح اليهودية بالفكر الشيوعىفى المراحل المبكرة من التاريخ ، فإذا ما عرفناأن فكرة الشيوعية تقوم على الإباحة المطلقة فى كل شئ من خلال شيوعية الجميع فى الرزقوالممتلكات وغير ذلك وهى فكرة إلحادية تخريبية تؤدى إلى هدم الشعوب ، إذا عرفنا ذلكأدركنا أن وراء فكرة الشيوعية أصابع يهودية تحركها منذ القدم فقد حركتها على يد مزدكفى القرن الخامس قبل الميلاد كما بعثتها على أيدى القرامطة الذين يعدون آنذاك كأشهرجمعيات اليهود الماسونية التى استغلت بها اليهود عميان الفرس وجهال العرب فى إثارةالطبقات الفقيرة ضد الأغنياء وإحلال الفساد وإشباع الغرائز محل الدين واتجاهاته الروحانية.


أما فى العصر الحديث فقد ثبت بالأدلة اليقينية ارتباط المصالحاليهودية بالفكر الماركسى وتبنى اليهود لفكرة الشيوعية فى العالم ، ففى عام 1829م عقدتجماعة النور الماسونية مؤتمرا لها فى نيويورك ضمت إليه العدميين والإلحاديين وغيرهممن الحركات التخريبية فى منظمة عالمية واحدة تعرف باسم الشيوعية . وقد أكد ذلك الارتباطترتيبهم لنجاح كارل ماركس وصديقه إنجليز وغيرهم من أصحاب النظريات التخريبية يقول البروتوكولالثانى " لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء ولاحظوا هنا أن نجاح دارون وماركسونيتشه قد رتبناه من قبل ، والأثر غير الأخلاقى لاتجاهات هذه العلوم فى الفكر الأممىسيكون واضحا لنا على التأكيد(24) . وجاء فى البروتوكول الثالث " إننانقصد أن نظهر كما لو كنا محررين للعمال جئنا لنحررهم من هذا الظلم ، حينما ننصحهم بأنيلحقوا بطبقات جيوشنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين ، ونحن على الدوام نتبنىالشيوعية ونحتضنها متظاهرين بأننا نساعد العمال طوعا بمبدأ الإخوة والمصلحة العامةللإنسانية . وهذا ما تبشر به الماسونية الاجتماعية(25) .


ثم تأتى خرافة النعيم الألفى التى كان يتشبث بها يهود العصرالتى تنبثق من فكرة النعيم المقيم الذى سيغمر العالم بعد ألفى عام على أيدى اليهودمن بنى إسرائيل بعد تخريبه ، ولا شك فإن هذه الخرافة تتمشى مع فكرة الفردوس الشيوعىالمنشود وهى فكرة انبعثت من الفردوس اليهودى الموعود . يقول العقاد " إن الماديةالماركسية بقية من بقايا الخرافات الإسرائيلية على ما فيها من الترقيع والتفكير الساذجوالنتائج التى لا تستلزمها المقدمات فإذا ما رجعنا إلى الظواهر المرئية فهناك خرافةالنعيم الألفى التى امتلأت بها الأساطير الإسرائيلية العتيقة ولم يفلت كارل ماركس منأوهامها على الرغم من صيحاته باسم العلم والنعيم الألفى خرافة إسرائيلية تقول:"إن العالم سيخرب بعد ألفى سنة ، ثم يخرج من فى القبور من أبناء إسرائيل فيعمرونهفى نعيم مقيم لا تبديل فيه ولا تأخير ولا تقديم إن هذا النعيم الألفى هو ميراث اليهودىالملحد كارل ماركس من أساطير اليهود الخرافية(26) .


إن هذا الفكر الإلحادى وتلك النظرية فى تفسير التاريخ تخالففكرة التاريخ عند المسلمين لأنه تفسير غريب عليهم ، فالإنسان المسلم يلبى دائما مطالبهالمعنوية وحاجته المادية كما هو معروف من تاريخه بل مطلوب منه أن يوازن بينهما موازنةدقيقة ، وقد أدرك المؤرخ المسلم من خلال تلك الموازنة نوعية الحركة فى التاريخ تلكالنوعية التى من خلالها تقام الحضارات وترقى الشعوب إذا ما تحكمت فى غرائزها وكبتتشهوات النفوس . أما إذا حصرت اهتماماتها فى المادة فإن ذلك سيؤدى بها إلى مسخ فى أفكارهاالإنسانية وهبوط إلى درك الحيوان يقول الله تعالى : " والذين كفروا يتمتعون ويأكلونكما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم"(27) إن الهبوط إلى مستوى هذا الدركيعنى فى نظر المؤرخ المسلم سقوط الحضارات .


وإن كنا جميعا نسلم بخطورة التفسير المادى للتاريخ الإسلامى، فإنه مما يؤسف له أننا نرى بعض المستشرقين ومن تابعهم من أبناء المسلمين قد حاولوامرارا تطبيق هذا التفسير على بعض أحداث التاريخ الإسلامى مما أدى إلى تشويهه وتزييفه، وغياب الفكرة الإسلامية وراء الحدث التاريخى .


فمثلا "مونتجمرى وات" فى كتابه "محمد فى مكة"يقول إن محمد كان يذهب إلى غار حراء لا ليتعبد كما هو معروف ، ولكن للاصطياف !! ويعللذلك بأن أغنياء مكة كانوا يذهبون إلى الطائف هربا من حرها ، أما هو فلم يكن فى وسعهمجاراتهم لفقره ، لذا كان يذهب إلى غار حراءلكى يصطاف(28) ! فأى تفسير مادى هنا وراء انقطاع النبى عن الناس وما شغلذهنه آنذاك من تفكير فى عظمة الخالق ، وما وصفت له النفس من خلوة مع خالقها ، ثم أليسفى مقدور زوجته خديجة آنذاك وقد كانت من أثرياء قريش أن تكفل له أعباء الاصطياف ؟ إنهالتشويه للخبر التاريخى وإحلال التفسير المادى محل الفكرة الإسلامية من وراء الخبرالتاريخى.


وعندما أراد الماديون تفسير أسباب ظهور الإسلام فى الجزيرةالعربية أرجعوها إلى أسباب مادية اقتصادية كما تمليها عليهم نظريتهم إذ أنهم يرون أنظروف البيئة القاسية والفقر الذى خيم على أغلب الطبقات الفقيرة آنذاك ، وطبقة العبيدالتى كانت ترزح تحت نير أسيادها . كل ذلك كانت عوامل اقتصادية دفعت - فى نظرهم - إلىظهور الدين الإسلامى ، ودليلهم أن طبقة العبيد دون سواها هى التى بدأت بتعضيد ذلك الدين!!


ولنا أن نتساءل أى تفسير مادى يصلح هنا لبيان أسباب ظهورالإسلام والدوافع الحقيقية التى عبقت صدرو الرجال حينما قرروا رفع لواء الدعوة الجديدةضد طواغيت الكفر والطغيان ؟ .


إن الاستجابة للدعوة كانت خالصة من أية مطامع مادية ، فبماذانفسر صبر الرسول (ص) وأصحابه على الأذى على الرغم من العروض المادية التى عرضتعليه ؟ وبماذا نفسر تركهم لبيوتهم وأموالهم وأسرهم وهجرتهم إلى المدينة لمؤازرة الدعوةوقد كانوا أصحاب ثروات مثل أبى بكر وعثمان رضى الله عنهما ؟ إن التفسير المادى لأسبابظهور الإسلام معناه إنكار نبوة النبى (ص) والتشكيك فى صحةالرسالة الإسلامية على أنها رسالة إلهية .


وكما فسروا ظهور الإسلام تفسيرا ماديا ، راحوا يفسرون الأسبابالإسلامية للفتوحات تفسيرا ماديا إذ أنهم أحاطوها بدوافع اقتصادية لا أساس لها من الصحة، فقالوا : إن دوافع فتح الأندلس وسائر الفتوحات بصفة عامة كانت لمعالجة مشكلة الغذاءكى يُقتل الرجال ويقل الطلب ، وهذا ما كانت عليه الأوضاع فى الجاهلية فى زعمهم وأنالجهاد الإسلامى لا يختلف كثيرا عن حروب الجاهلية وإن كان قد طور ونُسق بشكل جديد(29).


وإننى لأتساءل هنا أيضا . أى تفسيرات مادية أو مطامع اقتصاديةيمكن أن نفسر من خلالها سلوك أولئك الرجال وهم الزمرة المختارة التى حملت على عاتقهامسئوليات الفتوحات الإسلامية وقد وصفهم المقوقس فى خطاب له إلى ملك الروم : "... والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا ، إن الرجل الواحدمنهم يعدل مائة رجل منا ، ذلك لأنهم قوم الموت أحب إليهم من الحياة ، يقاتل الرجل منهموهو مستبسل ، ويتمنى ألا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده ، ويرون أن لهم أجرا عظيمافيمن قتلوا منا ، ويقولون إنهم إن قُتلوا أُدخلوا الجنة ، ونحن قوم نكره الموت ونحبالحياة ، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء وكيف صبرنا معهم"(30) .


وأية مطامع مادية فى مسلك عكرمة بن أبى جهل فى اليرموك إذقاد فرقة سميت بفرقة الموت وكان مهامها أن تهاجم قلب جيش العدو وأبلى بلاء حسنا فقيلله : " اتق الله وأرفق بنفسك " فأجاب : " كنت أجاهد بنفسى عند اللاتوالعزى فأبذلها لها ، أفأستبقيها الآن عن الله ورسوله ... لا والله أبدا"(31)واستشهد عكرمة ومعه جمع غفير من المسلمين آنذاك .


وأية مطامع مادية فى موقف " عامر بن عبد قيس "بعد فتح المدائن ، إذ جاء ذلك الرجل بحق يبدو أنه كان مليئا بجواهر ثمينة ، وسلمه لصاحبالأقباض ، فانبهر له هو وأصحابه وقالوا لعامر : " هل أخذت منه شيئا ؟ " فردعليهم قائلا : " أما والله لولا الله ما أتيتكم به " فقالوا له : من أنتفقال : " لا والله لا أخبركم لتحمدونى ، ولا غيركم ليقرظونى ، ولكن أحمد اللهوأرضى ثوابه " وانصرف الرجل ، ولكن اتبعه الرجال حتى انتهى عامر إلى أصحابه فعرفوهوعرفوا فيه صدق إيمانه(32) .


وبهذه الروح العالية التى حركتها بواعث الشهادة فى سبيل اللهاندفع المسلمون يفتحون مشارق الأرض ومغاربها رافعين راية الإسلام خفاقة دون أن ينتابهمبصيص من مطامع مادية ، ولما كان هؤلاء الفاتحون رسل هداية ودعاة دين قبل أن يكونوارجال حرب ، فقد انتشر الإسلام انتشارا واسعا حيث أقبلت عليه شعوب الأرض عن طواعية واختيارلما رأوا فيه من جوانب الرحمة والإنسانية ، ولما رأوا فى رجاله من مثل عليا فى السلوكوالعلاقات . وللأسف الشديد فقد وجد من أصحاب التفسير المادى من شوَّه هذه الصورة وحاولأن يفسر ظاهرة انتشار الإسلام تفسيرا ماديا إذ ادعوا أن الإسلام قد انتشر بحد السيف!! .


ولا نود أن نستطرد فى الإجابة أو الرد على هذه الشبهة فقدرد عليها بعض المسلمين الأفاضل بما فيه الكفاية ، ولكننى أود أن أطرح هذا التساؤل لهؤلاءالماديين :


- لماذا التزم المسلمون طيلة حروبهم ببعث رسل تحمل الرسالةإلى العدو تخِّيره بين ثلاث : إما الإسلام ، وإما الجزية ، وإما الحرب ؟ وذلك قبل بدءالعمليات الحربية ؟ .


- وبماذا نفسر موقف أبى عبيدة بن الجراح مع أهالى حمص الذينقبلوا دفع الجزية إليه على أن يبقوا على ديانتهم ، فإذا به يرد إليهم جزيتهم حيث إنهرأى عدم مقدرته على الإيفاء بعهده معهم بعد أن انتقل بجيوشه إلى مكان آخر لا يمكنهمن الدفاع عنهم(33) . وكان هذا الموقف العادل من ذلك القائد سببا فى دخولأهالى حمص فى الإسلام دون تردد . إذن بماذا نفسر ذلك الموقف ؟ .


- وبماذا نفسر موقف القائد المسلم "قتيبة بن مسلم الباهلى"مع أهالى "سمرقند" الذين شكوه إلى الخليفة "عمر بن عبد العزيز"لأنه أخرجهم من ديارهم وقاتلهم دون سابق إنذار يخيرهم فيه بين الثلاث : الإسلام ، أوالجزية ، أو الحرب ؟ فطلب الخليفة من قاضيه "سليمان بن أبى السرى" أن يحكمبين قائده وأهالى سمرقند ، فحكم بخروج "قتيبة" وجيشه ثم ينابذهم على سواءفيكون صلحا جديدا أو ظفرا عنوة ، فقال أهل سمرقند رضينا بما كان ، ولا نحدث حربا جديدةوتراضوا بذلك (34) ، وقد عظم هذا الموقف فى أعينهم فدخل أكثرهم فى الإسلامعن طواعية واختيار إذن بماذا نفسر ذلك الموقف أيضا ؟ .


رابعا: التفسير القومى اليهودى للتاريخ


ينحصر هذا التفسير فى فكرة القومية الضيقة القائمة على اللغة أو الأرض أو الجنس ليجعلمن كل منها دعامة النهضة فى المجتمعات .


والقومية مفهوم ابتدع حديثا مخالفا تماما لما تعارف عليهالأقدمون إذ كان يعنى عندهم الأهل أو الأقربين يقول الله تعالى: "ويا قوم لا يجرمنكمشقاقى أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد"هود 89 .


أما اليوم فإن ذلك المفهوم يعنى أن جماعة من الناس تعيش فىمنطقة واحدة ، ويربطهم جميعا رباط من الوحدة التاريخية واللغوية والدينية والاقتصاديةبهدف أن يعيش أفرادها فى ظل نظام واحد .


وغنى عن البيان أن تلك القومية بمعناها الإقليمى الضيق بدعةيهودية أرادها اليهود لتلعب بنفوس الناس وفق أهدافهم التى خططوا لها ، منذ جاء فى البروتوكولالخامس: "لقد بذرنا الخلاف بين كل واحد وغيره فى جميع أغراض الأممين الشخصية والقوميةبنشر التعصبات الدينية والقبلية خلال عشرين قرنا . ومن هذا كله تقرر حقيقة هى أن أيةحكومة منفردة لن تجد لها سندا من جاراتها حين تدعوها إلى مساعدتها ضدنا ، لأن كل واحدةمنها ستظن أن أى عمل ضدنا هو نكبة على كيانها الذاتى" (35) .


وقد ظهرت فكرة القومية فى الفكر اليهودى مبكرة منذ ظهور السيدالمسيح عليه السلام ، حيث انقسم اليهود إلى قسمين : قسم آمن بالسيد المسيح وتسموا بالمسيحيينوقسم انشق وكفر به ، ولما انتشرت المسيحية وقويت شوكتها أنزلت جام غضبها على اليهودالذين كفروا بالمسيح طوال حقب التاريخ ، ولم يجد اليهود الأمن والاستقرار إلا فى ظلالإسلام ، وفى تلك الظلال الوارفة عمل اليهود للكيد والخداع مستهدفين المسيحيين أعداءهمفأقاموا الكثير من التنظيمات السرية كانت أخطرها "الماسونية" التى رفعت شعارالمؤاخاة بين اليهودى والمسيحى ، ثم ابتدعوا بعد ذلك "القومية" والتى أقاموهاعلى دعائم من العرق أو اللغة أو الأرض ، وقد تمكنوا من خلالها أن يفرقوا بين الناستارة أو يقاربوا بينهم تارة أخرى حتى تمزقت أواصر الجماعات وتبعثر عقد وحدتها هنا وهناك(36)حتى كانت أخر بدعهم " الشيوعية " التى آخت بين الشيوعيين وفرقت صلات القربىبين الأب وابنه والأخ وأخيه والصديق وصديقه ، والتى جنوا من ورائها مكاسب مادية كبيرةبالإضافة إلى انقسام العالم إلى معسكرين متصارعين متعاديين مما يسهل عليهم سرعة النفاذإلى أغراضهم الخبيثة .


وقد تسرب هذا التفسير القومى المستحدث إلى تاريخ المسلمينمنذ قرن تقريبا وذلك لتسهيل مهمة الاستيلاء على فلسطين ، إذ نراهم يحملون هذا المفهومالمتعصب إلى دولة الخلافة التركية لتقطيع أوصالها وتهديم بنيانها ، وجعل أهلها شيعاومذاهب حتى سقطت الخلافة الإسلامية وتم الاستيلاء على فلسطين بسهولة فى أعقاب الحربالعالمية الأولى بعد صدور وعد بلفور عام 1917م بمساعدة بريطانيا .


ثم بعد ذلك عمدوا إلى تفسير التاريخ الإسلامى تفسيرا قوميايقوم على أساس أن العرب هم أساس التاريخ الإسلامى فالرسالة رسالتهم والنبى نبيهم حتىوصل بهم الحال إلى تسمية الرسالة الإسلامية بالرسالة المحمدية وهى بالطبع فكرة خبيثةمؤداها انتفاء الصفة الإلهية عن تلك الرسالة الخالدة . وقد تبنى بعض المستشرقين هذاالتفسير فى بعض جامعات الغرب وسايرهم بعض الدارسين من المسلمين الأمر الذى أفضى إلىتعريب الإسلام وتعريب إنتاجه الحضارى إذ جعلوا العرب هم صانعو تاريخ الإسلام دون غيرهموقد تسببت تلك النظرة الضيقة فى تمزيق التاريخ الإسلامى وضياع وحدته المنهجية حتى نراهاليوم غاصا بتواريخ تنضج بالعصبيات الفرعية من فرعونية وجاهلية وفارسية وكردية وبربريةوغيرها فى مقابل تلك القومية التى أبرزت الجنس العربى وجعلته مناط حركة التاريخ . فمثلانرى المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر تصدر سلسلة بعنوان سلسلة أعلام العرب .كما نرى كتبا تصدر من بعض أساتذة عاملين فى حقل الدراسات الإسلامية تحمل مثل هذه العناوينالتى تتبنى التفسير القومى منها على سبيل المثال كتاب "محمد والقومية العربية"للدكتور على حسنى الخربوطلى وإننى إذ أسرد على القارئ الكريم أمثال تلك الكتب لتنتابنىالدهشة ، فهل كان محمد (ص) داعيا لرسالة عربية فقط أم داعية لرسالة إسلاميةإنسانية ؟!


إنها البدعة اليهودية التى أرادها اليهود لتلعب بعقول ونفوسالعرب لعب الخمرة بالرءوس إذ هدفوا من ورائها حصرا لأفق الدين الإسلامى فى سلالة العربمما يؤدى إلى إثارة العناصر الإسلامية غير العربية وشحن قلوبها بالحقد والكراهية الأمرالذى يفضى إلى تمزيق وحدة المسلمين وإحياء للشعوبية التى أماتها الإسلام . كما وأنهمرموا من وراء ذلك أيضا إلى إلغاء سمة من أهم سمات الدين الإسلامى والتى تميز بها عنسائر الديانات وهى سمة العالمية بغض النظر عن الطوائف والجنسيات مهما كانت عراقتها.


ولا شك أنها دعوة خبيثة يرمون من وراءها أن تصير الدعوة الإسلاميةبمرور الوقت وبأثر تلك الفكرة حركة إصلاحية وضعية تختفى بمرور الزمن وصدق الله العظيمإذ يقول "يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون" سورة التوبة آية 32





إن فكرة القومية العربية لفكرة غريبة على الإسلام حقا ودخيلةعلى المسلمين الذين عاشوا طيلة حقب التاريخ يفتخرون بشرف انتسابهم للإسلام لا للقوميةالعربية أو إلى جنس بعينه - كما هو معروف عن اليهود - وقد أدرك ذلك جيدا السلف الصالحرضوان الله عليهم فعمر بن الخطاب ينادى بلال الحبشى بقوله "سيدنا" والرسوليقول: "سلمان منا آل البيت" . فهل بعد ذلك ننكر دور غير العرب فى نشر الدعوةالإسلامية وتطور الفكر الإسلامى فى الوقت الذى وقفت بعض العناصر العربية العريقة فىوجه تلك الدعوة ؟ وهل يمكن أن ننكر تاريخ علماء الهند وبخارى وسمرقند وباكستان وبلادما وراء النهرين بأكملها وبلاد البربر فى التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية بصفةعامة ؟ إن فكرة القومية خدعة من خدع اليهود ولو كان فى الدعوة الإسلامية رائحة من روائحتلك القومية المريضة ما أقبل عليها أصحاب القوميات الأخرى مثل هذا الإقبال .
































مصادر ومراجع المبحث الثانى


1 ـ بروتوكولات حكماء صهيون ترجمة محمد خليفة التونسى .


2 ـ المرجع السابق


3 ـ المرجع السابق


4 ـ انظر أدب التاريخ عند العرب مرجع سابق ص38


5 ـ بروتوكولات حكماء صهيون مرجع سابق .


6 ـ قام اليهود بدور فعال فى الحرب العالمية حتى أصبحوا عقبةأمام الحكومات الأوروبية ولاسيما ألمانيا إذ استطاعوا إحداث الارتباك عن طريق المؤامراتالتى تحاك فى جميع الوزارات والحكومات بما لهم من ثقل فى الاتفاقات التجارية والالتزاماتالمالية فقد جاء فى البروتوكول السابع : " ويجب علينا أن نرد على أى دولة تجرؤعلى اعتراض طريقنا بدفع الدول المجاورة لها على إعلان الحرب عليها .. ولكن إذا ما قررتالدول المجاورة بدورها أن تتحد ضدنا فيجب الرد عليها بإشعال حرب عالمية " ، كماقامت اليهود بدور إعلامى رهيب ساعد على اندلاع الحرب العالمية إذ أثارت حربا أيديولوجيةبين المذاهب السياسية والعناصر الجنسية المتعارضة من ديمقراطية وفاشستيه ونازية وشيوعية.


7- نادى هتلر فى كتابه " كفاحى " بضرورة إخضاعجميع البرامج الدراسية لخدمة الدولة النازية على أن يكون لها هدف واحد هو تنشئة طفليكون نموذجا جديدا للألمانى القح تحت شعار ألمانيا فوق الجميع " انظر محمد عبدالعزيز منصور فى " كتابه اليهود المغضوب عليهم " دار الاعتصام ص 259


8- كانت ألمانيا تعمل على أن تسود العالم فى أعقاب الحربالعالمية الأولى فإذا بها تصطدم بعقبة كئود أفقدتها آمالها حيث وجد هتلر أن ينابيعالمال أصبحت فى يد اليهود ومن المعروف أن المال هو القوة الرئيسية للحرب عندئذٍ قررهتلر أن ينقذ بلاده من هؤلاء اليهود حتى يوفر الأموال اللازمة لمشروعاته فكانت نقمتهعلى هؤلاء اليهود الأمر الذى دفع رجالات بيوت المال من اليهود أن يتجمعوا بأموالهمفى الدول المعادية لألمانيا وشدوا من أزر الحلفاء وأمدوهم بالأموال وشجعوهم على استمرارالحرب حتى انتصروا على ألمانيا .


9- انظر صورة الطلب الذى قدمه السيد جمال الدين الأفغانىللانضمام إلى الماسونية عن كتاب "سيد جمال الدين مشهوريه أفغانى" طهران383 ، وقد قام محمود ثابت الشاذلى بنقله فى كتابه "الماسونية: عقدة المولد وعارالنهاية" مكتبة وهبة القاهرة 1986م ص77 . وقد جاء فى حاشية ذلك الكتاب أن الدكتورمحمد حرب عبد الحميد فى ترجمته وتقديمه وتحقيقه لكتاب " مذكرات السلطان عبد الحميد" دار الأنصار القاهرة . قد أورد وثيقتين عن كتاب بالفارسية " سيد جمال الدينمشهوريه أفغانى " لمؤلفيه : أصغر مهدوى وأبرج أشفار طهران عام 1383هـ . الوثيقةالأولى عن صورة الطلب الذى قدمه جمال الدين الأفغانى للانخراط فى سلك الماسونية والوثيقةالثانية صادرة عن " لوج كوكب الشرق "الماسونى بالقاهرة حول انتخابه"رئيسا محترما"!! نفس الكتاب ص75 .


10- الماسونية مرجع سابق ص 208 ، 213 .


11- المرجع السابق ونفس الصفحات .


12- أدب التاريخ عند العرب مرجع سابق ص36 ، 325 ، 326 ،327


13- انظر ما قاله الشيخ عبد الله بن زيد ص5 فى كتابه" سالف الذكر " إذ أنه يرى أن بعض المحققين المسلمين قد أخضعوا أحاديث المهدىالمنتظر للجرح والتعديل فأدركوا فيها من الملاحظات ما جعلهم يرفضون قبولها . انظر تلكالملاحظات .


14- ألقى البيان فى 14/8/1953م وقد عربها من الأورديا إلىالعربية محمد عاصم الحداد ونشر بالعربية طبع مطبعة العلوم والآداب بيروت ص114 ، وقدنقله الدكتور عبد المنعم النمر فى كتابه "الشيعة . المهدى . الدروز" نشرالكتاب العالمى ضمن سلسلة كتاب الحرية رقم 15 طبعة أولى 1987م ص 186 ومما قاله"تختلف مسألة ظهور المهدى اختلافا عظيما عن مسألة نزول المسيح عليه السلام"فالأحاديث فى هذه المسألة "المهدية" على نوعين: أحاديث فيها الصراحة بكلمةالمهدى ، وأحاديث إنما أخبر فيها بخليفة يولد فى آخر الزمان ويعنى كلمة الإسلام... ثم يقول وليس سند أى رواية من هذين النوعين من القوة بحيث يثبت أمام مقياس الإمامالبخارى بنقد الروايات فهو لم يذكر منها رواية صحيحة كما أن الإمام مسلم لم يذكر إلارواية واحدة ولكن ما جاءت فيها الصراحة بكلمة المهدى ... أما الروايات الأخرى التىجاءت فى الكتب غير الصحيحين فقد جمعناها كلها تقريبا .. وفى هذه الروايات عدة وجوهللضعف بصرف النظر عن إسنادها " ثم بين وجوه الضعف فى روايات أحاديث المهدى وكيفاستغلتها الأحزاب لتأييد الحكم ثم أبان أن مجموعة الأحاديث التى ذكرت لا تدل على أنالمهدية منصب دينى يجب الإيمان به وأن استعمالها النبى هو استعمالها كصفة لرجل ينصر السنة ولا يدعى هذا اللقب . إلى أخر ذلك منأدلة .


15- أفرد ابن القيم فصلا كاملا لبيان موضوع المهدية وبدأهقائلا: "سألت عن حديث" لا مهدى إلا عيس بن مريم فكيف يأتلف هذا مع أحاديثالمهدى وخروجه وما وجه الجمع بينهما ؟ وهلفى المهدى حديث أم لا ؟ ثم يجيب على هذه التساؤلات بذكر الأحاديث التى وردت فى المهدىالصحيح منها والضعيف وبيان درجاتها ، ثم يعقب على ذلك قائلا : وهذه الأحاديث أربعة: صحاح وحسان وغرائب وموضوعة وقد اختلف الناس فى المهدى على أربعة أقوال أحدها أنهالمسيح ابن مريم وهو المهدى على الحقيقة . القول الثانى : أنه المهدى الذى ولى من بنىالعباس وقد انتهى زمانه ... القول الثالث : أنه رجل من أهل بيت النبى من ولد الحسن بن على يخرج آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورا وظلما فيكلؤهاقسطا وعدلا ... والقول الرابع : وهو قول الرافضة والإمامية وهو أن المهدى محمد بن الحسنالعسكرى المنتظر " ثم يفيض الحديث عن مهدى المغاربة محمد بن تومرت ويصفه بالكذبوالبطلان ، ثم مهدى الفاطميين الملحد عبيد الله بن ميمون القداح . ثم يختم حديثه بالتعجبمن كثرة انتحال هذا الاسم فى فترات التاريخ إذ صار لكل فرقة مهديها الخاص بها وهذاأمر لم يحدث عند المسلمين فقط ، بل إن اليهود تنتظر قائمها ومهديها والنصارى تنتظرالمسيح عيسى بن مريم .. "فالملل الثلاث تنتظر إماما قائما يقوم أخر الزمان". انظر المنار المنيف فى الصحيح والضعيف حققه عبد الفتاح أبو غدَّه نشر مكتب المطبوعاتالإسلامية حلب ص141 ـ 155


16- أفرد ابن خلدون فى مقدمته فصلا مطولا لمناقشة هذا الموضوعوقد بدأه بقوله ونحن الآن نذكر هنا الأحاديث الواردة بهذا الشأن وما للمنكرين فيهامن المطاعن وما له فى إنكارهم من المستند ، ثم نتبعه بذكر كلام المتصوفة ورأيهم ليتبينلك الصحيح من ذلك . المقدمة تحقيق على عبد الواحد ج2 ص725 ـ 759 .


17- انظر كتابه " الشيعة . المهدى الدروز " ص179ـ 204 ، وقد ذكر المؤلف تحت عنوان "التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدى المنتظر"وقوله: "أعلم أن أحاديث المهدى تدور بين ما يزعمونه صحيحا وليس بصريح ، وبين مايزعمونه صريحا وليس بصحيح ، وإننا بمقتضى الاستقراء والتتبع لم نجد عن النبى حديثا صريحا يعتمد عليه فى تسميته المهدى ، وأن الرسول (ص) تكلم فيه باسمه، وقد نزه البخارى ومسلم كتابيهما عن الخوض فى أحاديث المهدى ، كما أنه ليس له ذكرفى القرآن لهذا لا ينكر على من أنكره ، وإنما الإنكار يتوجه على من اعتقد صحة خروجه"، ثم ذكر أحد عشر حديثا رواها أبو داوود والإمام أحمد والترمذى وابن ماجة وقام بتحقيقهاوقال: " كلها متعارضة مختلفة ، ليستبصحيحة ولا متواترة ولا بمقتضى اللفظ ولا المعنى" ثم يختم حديثه عن فكرة المهدىقائلا : " إن فكرة الإمام المهدى أخر الزمان ؛ فكرة دخيلة على مذهب أهل السنةدخلت إليهم العدوى من الشيعة ، وبناء على أحاديث ثبت عدم صحة الاعتماد عليها فى عقيدةغيبية كهذه ، وكما نطارد الخرافات والأفكار الدخيلة التى لا تمت بصلة إلى العقيدة السليمةولا إلى المنهج الإسلامى الصحيح لتظل عقيدة المسلمين سليمة ، وتظل أفكارهم صحيحة مستقيمة. انظر كتاب " الشيعة ... نفس الصفحات السابقة" .


18 ـ ساق الشيخ عبد الله بن زيد رئيس الشئون الدينية والمحاكمالشرعية فى دولة قطر فى كتابه سابق الذكر "لا مهدى ينتظر بعد الرسول محمد خيرالبشر" ص4 الطبعة الثانية عام1980م .حديثا عن الحاكم فى صحيحه ج4/ص520 من كتاب الفتن الملاحم نصه :


"عن أبى هريرة قال . قال رسول الله :"يخرج رجل يقال له السفيانى من دمشق وعامة من يتبعه من كلب فيقال حتى يبقر بطونالنساء ويقتل الصبيان: الحديث وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاهوعلق الشيخ عبد الله على ذلك بقوله : " وفى الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة" .أما عن مهدى العباسيين فقد روى الإمام أحمد فى مسنده ج5 ص277 حدثنا وكيع ،عن شريك ، عن على بن زيد ، عن أبى قلامة ، عن ثوبان ، قال : قال رسول الله :"إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فائتوها ولو حبوا على الثلج ، فإنفيها خليفة الله المهدى " وقد ضاعف ابن القيم هذا الحديث حيث إن على بن زيد لهمناكير تفرد بها فلا يحتج بما ينفرد به .


كما روى ابن ماجة فى سننه ج2 ص1367 عن عبد الله بن مسعودقال : "بينما نحن عند رسول الله (ص) إذ أقبل فتيةمن بنى هاشم فلما رآهم النبى اغرورقت عيناه وتغير لونه فقلت نزال نرى فى وجهك شيئانكرهه ؟ قال إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرةعلى الدنيا وإن أهل بيتى سيلقون بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتى قوم من أهل المشرق ومعهمالرايات السود يسألون الحق فلا يعطونه فيقاتلون فينصرون ، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونهحتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيته فيملؤها قسطا كما ملئت جورا فمن أدرك ذلك منكم فليأتهمولو حبوا على الثلج " ويقول ابن القيم بإسناده ضعف فإن يزيد بن أبى زياد كان سيئالحفظ اختلط فى أخر عمره وكان يقلد الفلوس أى يزيفها . انظر الحديثين وتعليق ابن القيمعليهما فى كتابه " المنار المنيف فى الصحيح والضعيف " مصدر سابق ، نفس الصفحات.


19 ـ انظر اليمانى " كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة" القاهرة 1955م وكتاب " الاستبصار فى عجائب الأمصار " لمؤلف مجهولالإسكندرية 1958م ص167 ، وابن خلكان فى كتابه " وفيات الأعيان وأنباء الزمان" المطبعة الميمنية مصر 1310هـ ج1 ص272 وما بعدها .


20 ـ انظر نشأت التصوف فى كتاب أحمد أمين " ظهر الإسلام" المجلد الثانى دار الكتاب العربى بيروت الطبعة الخامسة 1969م ج4 ص149 وما بعدها، كذلك كتابه " الشيعة " ص170 ، و" الماسونية " مرجع سابق ص51.





21 ـ جاء فى هذه الرسالة " ولكن من حيث الوجه الرحمانىالمقدس فقد أخذ نبى الله داوود عليه السلام الرسم السريانى الثلاثى العرش للاسم الأعظم" الله .... رحمن " والذى صورته هكذا .


والذى يقع عليه الاسمان المقدسان فى لفظين ثلاثى الأحرف هما" أصبهون ـ أبتهون " ص48 ، 49 من الرسالة نقلا عن كتاب الماسونية مرجع سابقص50 ، وقد أورد المؤلف فى الصفحة نفسها بعض الأمثلة لطلاسم المريدين وهى طلاسم ملوثةبفيروس الماسونية اليهودية ، ومن أمثلة ذلك يا من هو : " آحون قاف آدم حم هاءأمين " وتحت هذه الكلمات رموز وبعض أبيات من الشعر توضحها :

ثلاث عصـى صففتبعد خـاتم على رأسها مثل السنامالمقـوم


وميم طميـس أبـتـرثـم سلـم إلـى كل مأمـول وليـسبسلم


وأربعـة مثل الأناملصففت تشير إلى الخيـرات منغير معصم


وهاء شـقيـق ثـمواو مـقـوس كأنبــوب حجام وليس بمحجم


فهذا هـو الاسـمالمعظم قـدره فإن كنت لم تعلمه منقبل فاعلم


فيا حامـل الاسمالعظيم به اكتف لتنجــو من الآفاتحقا وتسلم



اعتمدنا فى نقل هذه المعلومات على كتاب الماسونية لمحمودثابت الشاذلى مرجع سابق ص50 ، ذكرنا ذلك لنوضح دور اليهود فى بث خرافتهم وأساطيرهمالتى كانوا يستعملونها فى الأوساط العامة وغير العامة وذلك بهدف تحريف فكرة المهدىوضياع هيبتها وتأثيرها الفعال إن صح حكمها من خلال الأحاديث الصحيحة .


22- لعل من هذا الحديث ندرك مفهوم المهدية الصحيح وأثره فىالفكر الإسلامى ، فليست هى سوى صفة فيها الهدايةيتصف بها رجل مؤمن ينصر الدين بدون أن يدعى ذلك اللقب يكون داعية مصلحا يبطل البدعويعيد قواعد الدين على أسس صحيحة بعد انحراف وشهود ، وذلك أمر يظهر فى كل وقت .


والمصلحون فى التاريخ كثيرون وبذلك تتجدد للأمة مشاعرها الدينيةوتبقى كلمة الله ومنهجه قائمين إلى أن تقوم الساعة ولن يتعارض ذلك مطلقا مع فكرة ختمالرسالة الإسلامية لرسالات السماء فالمنهج التشريعى ثابت لا يتغير بينما على المجتهدينمن علماء الأمة دور تكييف الحياة بمتغيراتها وفق ذلك المنهج وأن الاجتهاد يكفل للأمةالحيوية والتوافق والتجديد بين الحياة التى يعيشها المؤمن وبين منهج الله الثابت بنصوصهوقواعده وبذلك الاجتهاد تتجدد للأمة عزماتها وتقوى فيها روحها وتشتد إرادتها فى الحقودحر الظلم ، ويقوى بأسها فى وجه أعدائها وبهذا الصنيع تصنع الأمة نفسها بنفسها وتصبحأمة قوية مرهوبة عزيزة الجانب . أما أن تستكين الأمة وتستذل وتغمض العين على قذى إلىحين أن يأتيها مهدى ينقذها ويأخذ بأيديها ويدحر الظلم ويملأ الأرض عدلا فهذا ما لاتقره العقول السليمة ولا يرضاه الإسلام لبنيه .


23- أدب التاريخ عند العرب ص323 .


24- بروتوكولات حكماء صهيون . مرجع سابق .


25- المرجع السابق .


26- الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام ص133 طبعة دارالكتاب العربى .


27- سورة محمد الآية 12 .


28- نقلا عن عبد الرحمن على الحجى نظرات فى التاريخ الإسلامىدار العصام . القاهرة ص39 .


29- منهجية الاستشراق فى دراسة التاريخ الإسلامى بحث مقدممن الدكتور محمد عبود إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومكتب التربيةالعربى لدول الخليج بمناسبة احتفالها بحلول القرن الخامس عشر الهجرى ، وقد نشر ضمنمجموعة بحوث من قبل مكتب التربية العربة لدول الخليج بعنوان " مناهج المستشرقينفى الدراسات العربية الإسلامية " الجزء الأول ص354 .


30- محمد فرج المدرسة العسكرية الإسلامية دار الفكر العربىالقاهرة ص129 .


31- المرجع السابق ص131 .


32- نظرات فى دراسة التاريخ الإسلامى مرجع سابق ص70 ، أثرالفكر اليهودى فى كتابة التاريخ الإسلامى دكتور محمد زغروت ص82 وما بعدها . دار الطباعةوالنشر الإسلامية القاهرة مدينة نصر .


33- محمد أبو زهرة العلاقات الدولية فى الإسلام دار الفكرالعربى ص56 . ويشير المؤلف إلى أن أبا عبيدة بن الجراح قد أمن أهالى حمص وتعهد أن يدفعالرومان عنهم فى نظير ما دفعوه إليه ، ولكن حدث أن أصاب الجيش الإسلامى ضعف بسبب طاعونسرى فيه فأرسل القائد أبو عبيدة ابن الجراح إلى أهالى حمص أموالهم وبين لهم عجزهم عنمدافعة الروم وإذ بهم ينشطون لمعاونة القائد العادل الأمين .


34- ابن الأثير الكامل ج5 ص44 طبعة ليدن .


35- بروتوكولات حكماء صهيون .


36- إحسان حقى آراء فى محاضرات مؤسسة الرسالة طبعة أولى1985م ص182 .




__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-08-2021, 07:31 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي




الباب الثالث


أمثلة لأضاليلاليهود فى الفكر الإسلامى


المبحث الاول: الأرض المقدسة والهيكل فى الفكر اليهودى


القضية الأولى:اليهود وخرافة شعب الله المختار


القضية الثانية:الأرض المقدسة والهيكل فى الفكر اليهودى




المبحث الثانى:الحفريات ومزاعم اليهود


القضية الأولى:دور الحفريات فى تعرية مزاعم اليهود


القضية الثانية:عمارة القدس ذات طابع عربى إسلامى




المبحث الثالث:سياسة التطبيع بين العرب وإسرائيل


















الباب الثالث


أمثلة لأضاليلاليهود فى الفكر الإسلامى


المبحث الاول :الأرض المقدسةوالهيكل فى الفكر اليهودى



القضية الأولى: اليهود وخرافة شعب الله المختار


يدعى اليهود أن الله قد فضلهم على الناس أجمعين بأن جعلهمشعبه المختار والعجيب أنهم وقد أوهموا العالم بهذه الأكذوبة وكانت حجتهم فى ذلك أنهمسلالة الأنبياء الذين اصطفاهم الله بالرسالة وهذه الأسطورة دار حولها التراث اليهودىفقد كان اليهودى على يقين كامل أنه رغم انحطاطه المادى ورغم الظروف التى تحيط به فهوأكثر سموا من الآخرين لأن الله اصطفاه على العالميين بل إن الفكر اليهودى الدينى ليذهبأبعد من ذلك ويؤكد أن اضطهاد اليهود عبر التاريخ هو إحدى علامات الاصطفاء ، وقد أسهمتأسطورة الشعب المختار فى تعميق عزلة اليهود عن الأمم التى يعيشون بين ظهرانيها كماأسهمت فى تأكيد الفوارق بينهم وبين الأجناس الأخرى كما أن الأسطورة تجرد اليهودى منإنسانيته ومن كيانه الزمنى المحسوس لأنها تعليه على ما هو إنسانى وتاريخى .


وقد انطلت هذه الدعايا الخبيثة والتى تعد إحدى الأصول الدينيةوالمعتقدات التى عششت فى عقلية اليهود وانطلت على كثير من الناس وبخاصة المسيحيون حتىذهب بعضهم إلى أن اليهود فضلهم الله على العالميين لأن المسيح كان منهم وقد أثارواتلك الأكاذيب وأفاضوها فى الكتب والهوائيات وعلى ألسنة بعض من المثقفين اليهود ولميفطن المسلمون لهذه الخرافة حتى أصبحوا هدفا للصهيونية العالمية والأحقاد الصليبيةوالمطامع الاستعمارية ، وهذه بلا شك تعد عنصرية ممقوتة ضد الحقيقة الإنسانية التى خلقالله الناس عليها إذ يقول تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكمشعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" (1)والغريب أن اليهود بهذه المعتقدات قد وضعوا الأمر فى غير موضعه ، وإذا كانت هناك أمةمختارة ومصطفاة فليست هى أمة اليهود وإنما هى أمة المسلمين ، فالمسلمون بهذا المقياسهم الأمة المختارة حيث يقول الله تعالى: "وكنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروفوتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (2) ويقول سبحانه وتعالى فى موضعأخر: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا"(3)


وإن كان محمد )ص) خاتما لمجموعة الرسالاتالسماوية والتى دينها الإسلام ولا دين غيره بدءاً من سيدنا إبراهيم عليه السلام وبنيهإسحاق ويعقوب حتى سيدنا موسى وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين ، فالكل مسلمون وقد عبرتكثير من الآيات عن ذلك مثل قوله تعالى: "قل أمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزلعلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيين من ربهملا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهوفى الآخرة من الخاسرين" (4) فالأمة المسلمة هى الأمة المدركة لحقيقةالعهد بين الله ورسله وحقيقة دين الله الواحد ومنهجه فهى تؤمن بجميع الرسالات وتحترمجميع الرسل وترى أن أصحاب الرسالات السماوية كلهم مسلمون فالإسلام بمعناه العام هوخضوع الوجه لله أى توحيد الألوهية وتوحيد القوامة ثم توحيد العبودية وتوحيد الاتجاهوكما نرى فى هذه الآية الكريمة التى تبين موقف الرسل والرسالات على عهد من الله وميثاقهينبنى عليه فسوق من يتولى عن إتباع أخر الرسالات فالمقرر منه إيمان وتسليم بجميع الرسالاتومن ينكر رسالة من هذه الرسالات كاليهود الذين يكرهون رسالة محمد(ص)فإن هذا كفر واضحوفسوق وخروج عن ميثاق الله مع أنبيائه ومن هنا فإن التشريف سيكون للأمة التى آمنت وصدقتبجميع الرسالات وهى الأمة التى بعث إليها محمد(ص).


أما رأى المسيحية فى اليهود فيبرزه الأنبا شنودة فى كتابه"بنى إسرائيل فى رأى المسيحية" أن اليهود يفخرون بهذا وهم واقعون فى أعماقالخطيئة والفساد كما لو كانت هذه البنوة وحدها - بأن اليهود وحدهم أولاد إبراهيم -كافية لخلاص أنفسهم فى اليوم الآخر!! ويضيف إلى قوله أن الإنجيل يقول لهم: "ياأولاد الأفاعى أراكم تهربون من الغضب الآتى فاصنعوا ثمارا تليق بالتوبة .. ولا تفكرواأن تقولوا فى أنفسكم لنا إبراهيم أبا ، لأنى أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذهالحجارة أولادا لإبراهيم" .. هنا أراهم "يوحنا المعمدان" أن بنوتهملإبراهيم بالجسد لا تفيدهم شيئا ، ما لم يتوبوا ويصنعوا ثمارا تليق بالتوبة ، وإلافإن الغضب الآتى يلحقهم !!


والبنوة لإبراهيم كانت موضع نقاش بينهم وبين السيد المسيحكما يروى يوحنا فى إنجيله: "قالوا له: أبونا إبراهيم .. قال لهم يسوع لو كنتمأولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم.. ولكنكم الآن تريدون أن تقتلونى أنتم منأب هو إبليس ، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا"!!(5) وبذلك ينفى السيدالمسيح أنهم أبناء إبراهيم ما داموا لا يعملون أعمال إبراهيم ، وعليه فاليهود ليسواأبناء إبراهيم ما داموا يعملون أعمال إبليس ، وذاك كان قتالا منذ البدء ... إذن فهمأبناء إبليس وهنا تضع لنا المسيحية مبدأ هاما وهو أنه ليس كل المولودين من إبراهيمبالجسد هم أبناء إبراهيم .


هذا الأمر يوضحه لنا بولس الرسول فى كلمات صريحة فى رسالتهإلى أهل رومية قائلا: "لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون ولا لأنهممن نسل إبراهيم هم جميعا أبناء إبراهيم".


ومعنى ذلك واضحا فإن المسيحية تذكر هناك نوعين من البنوةلإبراهيم: بنوة جسدية ، وبنوة روحية .. أما البنوة الجسدية فلا تفيد شيئا لأن اللهقادر أن يقيم من الحجارة أولادا لإبراهيم .. ونحن قوم لا نحيا بالجسد وإنما نحيا بالروح!!


ويضيف الأنبا شنودة بطريرك الأقباط فى مصر أما البنوة الروحيةفهى بنوة الإيمان "الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن" ويقولبولس الرسول فى صراحة ووضوح أعلموا إذن أن الذين هم من الأديان أولئك هم أبناء إبراهيم"إذن الله رب لجميع البشر خلقهم ليعبدوه وليعملوا فى الأرض بنظام يكفل لهم الحياة بماخلقه لهم من نعم فى صور متعددة وسخر لهم كل شئ فى الطبيعة فيعمل الإنسان عقله ويحمدالله ويشكره وجعل لكل عهد من الأنبياء معجزات وآيات بيانات تتفق مع إدراك شعوبهم ومخاطبتهمحتى إذا انتقلوا بتفكيرهم إلى مستوى أعلى أرسل إليهم نبيا بدين يتفق مع ما بلغوا منشأن وجعل لكل نبى آيات بينات لقوله محسوسة تارة ومعقولة مبصرة تارة أخرى لتثبت وجودالله وتؤكد لهم قدرته وتبصرهم بآياته الكبرى وإذا كانت الآيات أنزلت للناس كافة فليسمن المعقول أن يختص قوم بفضل يتوارثونه جيل بعد جيل دون غيرهم مع العلم أن الناس علىمر الزمان يتغيرون ويتبدلون حسب الاندماج والزواج والتفكير(6) .


ولا يمكن أن يساوى الله بين أفراد طائفة بمزايا يتمتع بهاالمحسن والمسئ كما أنه لا يمكن تفسير آياته وكتبه المقدسة بما يدعيه اليهود بأنهم شعبالله المختار وأنه سبحانه وعدهم بأرض يسكنونها وتناسوا أن الله أمر بتشتيتهم بل لعنهمفى جميع الكتب السماوية وذكر مساوئهم حيث أساءوا إلى أنبيائهم قال تعالى: "قلهل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازيروعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل" (7).ومن أهم الأسبابالتى يرتكز عليها اليهود فى اتصالهم بالله وتفضيلهم على البشر هو أن أباهم دون سواهمهو إبراهيم الخليل وقد دحض القرآن ذلك فى آيات كثيرة يقول الله تعالى: "ما كانإبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما"(8) وقال تعالى:"يا أهل الكتاب لم تحاجون فى إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده"(9) فهل بعد ذلك ينتسب هؤلاء القومالمضللون إلى إبراهيم عليه السلام ؟ .


القضية الثانية: الأرض المقدسة والهيكل فى الفكراليهودى


البعد العقائدى فى تلك القضية


تحتل الأرض المقدسة والهيكل منزلة كبيرة فى الفكر اليهودىوفى وجدان اليهود وتراثهم القديم والحديث ، وعلينا نحن المسلمين أن ندرك ذلك البعدالفكرى والاعتقادى لمنزلة الأرض المقدسة والهيكل فهما يمثلان البعد الأساسى لقضية فلسطينبرمتها .


واليهود من أهل الكتاب هم كفار - كما قلنا - لأنهم لم يؤمنوابجميع الرسالات السماوية وكتبها المنزلة ولم يؤمنوا برسالة محمد (ص) ، ولا يصح لإنسانأن يؤمن ببعض الكتب ولا يؤمن ببعضها الآخر كما يفعل اليهود ، يقول الله تعالى:"ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين" سورةآل عمران آية 85 ، من هذا المنطلق فإنهم كافرون ومن ثم المسلمين لم يرضوا بحيازة اليهودللأرض المقدسة وخصوصا الأقصى فإنهم على غير دين التوحيد ومع كفرهم هذا فإنهم يصرونعلى حيازة الأرض المقدسة وإقامة شرائعهم فيها شرائع الشرك بعد أن يقضوا على كل رمزإسلامى موحد فيه وهو المسجد الذى أسرى إليه الرسول (ص) .


وللأسف الشديد إن هذا البعد الدينى الذى تمسك به اليهود رغمعدم توحيدهم هو ما لا يريد العلمانيون العرب أن يفهموه فيتحدثون الآن عن السيادة المشتركةللأقصى من الجانبين الفلسطينى المسلم والإسرائيلى أو كما ترى الأمم المتحدة أن تكونالسيادة متداولة وأن يشرف على المدينة مشرفين دوليين حيث تتوفر حرية العبادة اليهوديةعند حائط البراق -كما يزعم العلمانيون- وإن كان العرب يرددون هذا فإن اليهود لن يقبلوهفليست القضية قضية طقوس دينية تقام فالأمر عند اليهود والنصارى واضح وهو لا تفريط أبدافى المكان الذى يقوم عليه المسجد الأقصى وعندما يقيمون هيكلهم كما يزعمون فى الأرضالمقدسة فإنهم يريدونه خالصا لطقوسهم وشعائرهم . وهذا الإصرار يفسر لنا أسباب تمسكهمبأن تكون دولتهم دينية ويعبرون عنها بالدولة اليهودية وهم الآن يحاولون انتزاع اعترافالعرب بتلك التسمية على وجه الخصوص حتى يتبين للعالم أنها دولة تختلف تماما عن الدولةالفلسطينية ومن حقها أن تهود كل شئ تحت سيطرتها وكذلك من حقها منع اللاجئين الفلسطينيينمن العودة إلى بلادهم لأنهم مواطنين مسلمين .


والهيكل فى تراث اليهود: له أبعاده وصفاته وبعده الدينى أيضاومعنى كلمة هيكل "البيت الكبير" وأصبحت تطلق هذه التسمية على كل مكان كبيريتخذ للعبادة . ولما بنى سليمان المسجد الأقصى على هيئته العظيمة التى بناه عليها وقدأطلق أهل الكتاب على مسجده "هيكل سليمان" ويذكر التاريخ أن سليمان عليه السلاماستغرق فى بنائه ثلاثة عشر عاما ليستكمل به معالم المدينة المقدسة "القدس"ويقال أن هذه المدينة كانت موجودة قبل سليمان وكان المسجد الأقصى قائما فيها قبل مرحلتهالتى كان عليها فى عهد سليمان . إلا أن المدينة والمسجد قد شهد عصرهما الزاهر فى زمانه– سليمان عليه السلام -. والأرض المقدسة تلك كانت مهادا اكتنفت كل دعوات أنبياء بنىإسرائيل عليهم صلوات الله وسلامه إلا أن يد التحريف التى نالت من كتب هؤلاء الأنبياءقد بالغت فى الكلام عن المدينة وعن بيت المقدس . والمتصفح لكتاب التوراة وخاصة الأسفارالخمسة الأولى منهم يجد حديثا متنوعا متلونا مطولا عن الأرض والمعبد فى مجال الشرائعوالشعائر والأحكام والطقوس إلخ .


وإن هيام اليهود فى هذه الأيام بالأرض والهيكل قد لخصوه فىالمقولة الآتية: "لا قيمة لإسرائيل بدون القدس" قالها بن جوريون ورددها فىمناسبات عدة "مناحم بيجين" ولا أكون مبالغا إذا قلت أن الهيكل ملك على اليهودحياتهم ووجدانهم حتى اتخذوا منه رمزا منقوشا على العلم الإسرائيلى فى شكل النجمة السداسيةلداود هذه النجمة نراها تتوسط العلم الإسرائيلى ونراها مطبوعة على هام الجند اليهودىفى الخوذات والكابات ويحملونها على أكتافهم وينقشونها على دباباتهم وتطير مع طائراتهموتنطلق مع صواريخهم ولم يخجل اليهود من اتخاذ هذا الرمز الدينى شعارا لدولتهم المتقدمةليذكرهم بأول من بنى دولة باسم إسرائيل وهو داود عليه السلام . ونحن فى بلادنا نكبلرجال الدين ونزج بالجماعات الدينية فى غياهب السجون والمعتقلات ونجرم من يدعو إلى أسلمةالدولة وأفكارها العلمانية ونمنع قيام أحزاب مرجعيتها الدين فلم يخجل هؤلاء اليهودأن يسموا دولتهم إسرائيل نسبة إلى إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام وإنى لأدعوك أيهاالقارئ الكريم أن تتأمل حجم وقيمة المشاعر الدينية عند اليهود والنصارى من حيث الأرضالمقدسة والهيكل سواء كانت موغلة فى القدم أو فى العصور الحديثة فسوف يتضح لك هذا البعدواضحا:


إن الحديث عن الأرض والمعبد استغرق مساحة كبيرة فى التوراةفإن أول سفر فيها وهو سفر التكوين يبدأ الحديث عن الوعد الإلهى بمنح الأرض المقدسةلإبراهيم عليه السلام وذريته ولعل القارئ يدرك قول ذريته لأن اليهود يتجاهلون أن هناكأمة أخرى غيرهم من ذرية إبراهيم وهى أمة إسماعيل عليه السلام وهى أمة موعودة أيضا فىالتوراة ، بالتمكين والكثرة وقد جاء فى التوراة "لا يقدح فى عينيك من أجل الغلامومن أجل جاريتك فى كل ما تقول لك سارة أسمع لقولها ، لأنه بإسحاق يدعى لك نسل ، وابنالجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك" (10)


وتذكر التوراة بتفصيل موسع صفة التابوت وخيمة الاجتماع فعندهاكانت تتنزل التوراة كانت فيها تفصيلات أخرى عن الشعائر التعبدية من ذبائح وملابس ومآكلومشارب(11) ويمكننا أن نعطى وصفا عن الهيكل الذى بناه سليمان فى صفته وهيئتهاللائقة بالنبى الملك الذى أوتى من كل شئ "فبنى سليمان البيت وأكمله ، وبنى حيطانالبيت من داخل بأضلاع أرز من أرض البيت إلى حيطان السقف وغشاه من داخل بخشب وفرش أرضالبيت بأخشاب سرو وبنى عشرين ذراعا من مؤخر البيت بأضلاع أرز من الأرض إلى الحيطانوبنى داخله لأجل المحراب أى قدس الأقداس ، وأربعون ذراعا كانت البيت أى الهيكل الذىأقام ، وأرز البيت من داخل كان منقورا على شكل قشا وبراعم وزهور ، الجميع أرز لم يكنيرى حجر وهيأ محرابا فى وسط البيت من داخل ليضع هناك تابوت عهد الرب ، المحراب عشرونذراعا طولا ، وعشرون عرضا وعشرون ذراعا سمكا وغشاه بالذهب الخالص وغشى المذبح بأرزوغشى سليمان البيت من داخل بذهب خالص ، وسد بسلاسل ذهب قدام المحراب ، وغشاه بالذهبوجميع البيت غشاه بذهب إلى تمام كل البيت، وكل المذبح الذى للمحراب غشاه بذهب وعمل فى المحراب كروبين من خشب الزيتون علو الواحدعشرة أذرع وخمسة أذرع جناح الكروم الواحد وخمسة أذرع جناح الكروم الآخر ، عشرة أذرعمن طرف جناحه إلى طرف جناحه وعشرة أذرع الكروم الآخر قياس واحد وشكل واحد للكروبين"وتتابع الصفحات فى وصف هيكل سليمان الذى استغرق بناؤه حسب قول التوراة سبع سنين .


ثم تتحدث التوراة عن نقل تابوت العهد .."حينئذ جمع سليمانشيوخ إسرائيل وكل رؤوس الأسباط رؤساء الآباء من بنى إسرائيل إلى الملك سليمان فى أورشليملإصعاد عهد الرب من مدينة داود ، وهى صهيون .. وجاء جميع شيوخ إسرائيل ، وحمل الكهنةالتابوت ، أصعدوا تابوت الرب وخيمة الاجتماع مع جميع آنية القدس التى فى الخيمة ، فأصعدهاالكهنة واللاويون والملك سليمان وكل جماعة إسرائيل المجتمعين إليه معه ، أمام التابوتكانوا يذبحون من الغنم والبقر ما لا يحصى ولا يعد من الكثرة وأدخل الكهنة تابوت عهدالرب إلى مكانه فى محراب البيت فى قدس الأقداس إلى تحت جناحى الكروبين" (12)


وتقول التوراة وبعد أن أتم سليمان بناء الهيكل تذكر التوراةعلى لسانه ابتهالا أخذ اليهود منه معتقدهم فى الرجل الذى لابد أن يخرج من نسل داودفيحكم العالم من كرسى إسرائيل: "ووقف سليمان أمام مذبح الرب تجاه كل جماعة إسرائيل، وبسط يديه إلى السماء وقال: "أيها الرب إله إسرائيل ليس إله مسلم فى السماءمن فوق ولا على الأرض بالأسفل ، حافظ العهد والراحة لعبيدك السائرين أمامك بكل قلوبهمالذى قد حفظت لعبدك داود أبى ما كلمته به فتكلمت بفمك وأكملت بيدك كهذا اليوم . والآنأيها الرب إله إسرائيل احفظ لعبدك داود أبى ما كلمته به قائلا : "لا يُعدم لكأمامى رجل يجلس على كرسى إسرائيل إن كان بنوك إنما يحفظون طرقهم حتى يسيروا أمامى كماسرت أنت أمامى" (13)


أما التلمود: فهو شروح للتوراة يتناول أحاديث التوراة عنالأرض المقدسة والهيكل بالشرح وبالتالى فهو يحتوى على كم كبير من الحكايات عنهما إلاأن التلمود يتميز بأسلوبه الخيالى المنحرف عن الواقع فى سرد الوقائع وعرض العقائد يقولالتلمود: "تربة فلسطين طاهرة لابد من دفن المتقين من موتى بنى إسرائيل فيها وإنلم يتيسر ذلك يوضع مع الكفن شئ من التراب المجلوب منها" - ويقول التلمود أيضا: "لما دخل طيطس الهيكل ، وبهزة من سيفه مزق ستار الهيكل فسال الدم من الستار، فأرسلت باعوضه لعقابه ، ودخلت مخه ، وأخذت تكبر حتى صارت مثل الحمامة ، وحين فتحتجمجمته وجدوا أن البعوضة لها فم من نحاس ومخالب حديدية" -وهذا مثال على الخيالالجامح- ومن أقوال التلمود أيضا "دمر نبختنصر بلاد إسرائيل وحطم الهيكل المقدسونهب مجوهراته وتركه فريسة للنيران الملتهبة(14) ويقول التلمود: ومن بعدتدمير الهيكل إلى الآن فإن الله لم ينقطع عن البكاء والنحيب لأنه ارتكب خطيئة ثقيلةوهذه الخطيئة قد أبهضت ضمير الله حتى أنه يطوى ثلاثة أرباع الليل منكمشا على ذاته مالئاالدنيا زئيرا كالأسد ثم يصرخ الويل لى لأنى تركت بيتى ينهب وهيكلى يحرق وأولادى يتشتتون"أليس بعد هذه الخرافات خرافات أخرى يقبلها عقل المؤمن . تعالى الله عما يقولون علواكبيرا (15).


وكذلك الصهيونية فهى: "حركة يهودية دينية سياسية تتطلعإلى إعادة بناء هيكل سليمان وإعادة مجد إسرائيل ، بإقامة دولة يهودية فى فلسطين ، فإذاتم لها الاستيلاء على القدس أقامت موضع المسجد الأقصى هيكل سليمان ، ويكون على رأسهذه الدولة التى تعمل على بسط سيادتها شرقا وغربا ملك اليهود من نسل داود ، والذى ينتهىإليه حكم العالم ، ومن ثم مزجت الحركة الصهيونية بين السياسة والدين ، واتخذت الدينركيزة تقوم عليها الدعوة السياسية" (16)


حتى فى تفسير معنى الصهيونية يوجد مثل هذا المعنىفقد قالت دائرة المعارف البريطانية:


- "إناليهود يتطلعون إلى افتداء إسرائيل ، واجتماع الشعب فى فلسطين ، واستعادة الدولة اليهودية، وإعادة بناء هيكل سليمان ، وإقامة عرش داود فى القدس ، وعليه أمير من نسل داود"(17) .


- وجاءفى دائرة المعارف البريطانية أيضا ما يلى:"كلمة صهيون(zion) كانت فى الأصل تطلق على جبل اليبوسيين فى القسمالجنوبى من المقدس ، وحينما احتلها الملك داود فكر فى بناء بيت الرب "الهيكل"فى ذلك المكان ، وجاء من بعده الملك سليمان فأنجز المهمة وصار الاسم (zion)يطلق عل المنطقة كلها" ، والصهيونية كما تقول دائرة المعارف البريطانية هى التىحفزت يهود السبى البابلى تحت قيادة "زوبَّابل" إلى إعادة بناء الهيكل(18)


- أما تفسير كلمة صهيونية فى دائرة المعارف اليهودية فقدجاء فيها: "يبغى اليهود أن يجمعوا أمرهم ، وأن يقدموا إلى القدس ويتغلبوا علىقوة الأعداء ، وأن يعيدوا العبادة إلى الهيكل "مكان المسجد الأقصى" ويقيمواأملاكهم هناك" .


يتضح لنا من خلال ما جاء فى دوائر المعارف البريطانية واليهوديةمن نصوص أن حركة الصهيونية هى حركة سياسية فى المقام الأول ولكنها تتخذ من الهيكل وساحتهالمقدسة اسما لها ورمزا تكافح من أجله وتعتبر نفسها مسئولة عن إعادة مجد إسرائيل وبناءهيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى ، ومن ثم تتم لهم السيطرة على العالم وإدارة دفةحكمه من القدس على يد ملك اليهود وهو المسيح المنتظر فى زعمهم .


ومن هنا تعد الصهيونية هى الأداة التنفيذية التى قامت علىرعاية مشروع الدولة اليهودية حتى برزت للوجود وهى ما تزال إلى الآن تسعى لإقامة الهيكل ، وقد تمخضت حركة "هرتزل" عن المؤتمراتالصهيونية السنوية التى صاغت بروتوكولات حكماء صهيون .


وقد اختارت الحركة الصهيونية فلسطين ، وكانت فلسطين هى الاختيارالأول لمكان الدولة ، ولكن عندما تبين أن السلطان العثمانى عبد الحميد الثانى لا يعطفعلى هذه الحركة بأن منعت حكومته عمليات تملك الأرض فى فلسطين - التى كانت تمثل إحدىولايات الشام العثمانية - اتجهت أنظار بعض زعماء الحركة ولو بشكل مؤقت إلى أنحاء أخرىمن العالم ، شملت أماكن فى أفريقيا وأمريكا الجنوبية ، ووعدت بريطانيا بإقطاع مستعمرة أوغندا لإقامة هذا الوطن ، ولكن الاقتراحفشل ، كما تعثرت محاولة إقامة هذه الدولة على أرض سيناء 1906م حتى مع ممارسة ضغط بريطانىعلى الحكومة المصرية ، لهذا عادت أنظار الصهيونية مرة أخرى حول فلسطين .


واشتد سعى الصهيونية لتنفيذ مخططها وجدوا فى ذلك كثيرا منذالحرب العالمية الأولى . وقد ساعدتهم فى ذلك كل من بريطانيا والولايات المتحدة حيثأعلنت بريطانيا حمايتها لفلسطين وفى 2 نوفمبر سنة 1917م أصدرت بريطانيا وعد بلفور بإقامةوطن يهودى فى فلسطين ثم انسحبت بعد ذلك بقواتها بعدما مكنت اليهود من حكم البلاد والسيطرةعليها بالسلاح ومما ينبغى للمسلم معرفته أن حركة الصهيونية وخاصة المنسوبة إلى صهيونليست مقصورة على اليهود بل هناك نصارى يعتنقون الصهيونية ويفتخرون بانتسابهم إليهاولعل مبررات هذا العمل أو هذا الانتساب يرجع كما فى ظنهم إلى أن الإنجيل هو امتدادللتوراة وأن إعادة بناء الهيكل ستعجل بمجئ المسيح عيسى بن مريم للمرة الثانية فكل يهودىصهيونى وليس كل صهيونى بالضرورة أن يكون يهوديا ، بل يمكن أن يكون نصرانيا وربما شيوعيا، فهناك الكثير من الشخصيات البارزة المعاصرة صهيونيون وإن لم يكونوا يهودا من هؤلاء"بلفور - وتشرشل - وإيدن - وترومان - وإيزنهاور - وكيندى - وجونسون - وكارتر- وريجان - وبوش - وكلينتون" (19) فهذه الشخصيات قد أبدت فى ممارستهاالسياسية ما يدل على انتمائهم إلى الحركة الصهيونية السياسية ومن أمثلة ذلك : قول الرئيسالأمريكى الأسبق "جيمى كارتر": "لقد آمن وأظهر سبعة من رؤساء الجمهوريةأن علاقة أمريكا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة وهىعلاقة لا يمكن تقويضها لأنها متأصلة فى وجدان الشعب الأمريكى نفسه وأخلاقه وديانته"(20) ويقول بجين فى كتابه الثورة "منذ أيام التوراة وأرض إسرائيل تعدأرض الأمم لأبناء إسرائيل وقد سميت هذه الأرض فيما بعد فلسطين وكانت تشمل دوما ضفتىنهر الأردن ولبنان الجنوبى وجنوب غرب سوريا : إن تقسيم الوطن عملية غير مشروعة وسوفتعود أرض إسرائيل إلى شعب إسرائيل بتمامها إلى الأبد" (21)


أما الماسونية: فلها النصيب الأكبر فى الدعوة لإعادة بناءالهيكل وهى إحدى مفرزات الصهيونية اليهودية وهى مأخوذة من كلمة "freemason" ومعناها البناؤون الأحرار وهى إحدى الجمعياتالتى تعمل فى خفاء وهدفهم هو إعادة بناء الهيكل حيث يعد رمز عزة إسرائيل ومجدها وقدانطوت تحتها العديد من الجمعيات ذات مسميات مختلفة مثل الروتارى - الليونز - البنيبرث- الاتحاد والترقى - شهود يهوه - البهائية إلى غير ذلك من منظمات سرية تهدف جميعهاإلى إعادة الهيكل الذى هو الرمز التاريخى والحيوى لإسرائيل .


والماسونية فى طبيعتها حركة تعادى الأديان المخالفة لليهوديةوبذلك تعتبر من أكبر الحركات المساندة للصهيونية فى تحقيق مخططاتها فإذا كانت الصهيونيةتوجه أغلب طاقاتها نحو اليهود فإن الماسونية تستثمر جهود غير اليهود وذلك لتحقيق الأهدافاليهودية فمن الملاحظ أن أعضاء النوادى التى تستثمرها الماسونية توجه أنشطة العديدمن المسئولين فى الدولة من وزراء ورجال أعمال وقادة إلى الغايات اليهودية الكبرى"إن مبدأ هذه الفرقة وتعاليمها ودرجاتها وغايتها ترمى إلى احترام الدين اليهودىوالعمل على تجديد المملكة اليهودية فى فلسطين جسم الوطن القومى لليهود" (22)


والقضية المهمة التى يجب أن نبرزها للقارئ المسلم الكريمونلفت نظره إليها هى تلك العلاقة القوية التى تربط بين الماسونية المنتشرة فى العالمبجمعياتها وبين هدف اليهود الأساسى والأصيل فى العودة للأرض وإعادة الهيكل .


ولعل هذا واضح تماما حيث نرى الهيكل كرمز يسيطر على كثيرمن عبارات وشعارات ودرجات الماسونيين.


وقد جاء فى بروتوكولات حكماء صهيون ما يدل على أن الماسونيةأداة صهيونية "نحن جيش مشتت عن الوصول إلى أغراضه بالطرق المستقيمة فالمراوغةفحسب هى الوسيلة الصحيحة وهى الأصل فى تنظيمنا للماسونية التى لا يفهمها أولئك الخنازيرمن الأمميين" (23) وجاء فى البروتوكول الخامس عشر "وإلى أن يأتىالوقت الذى نصل فيه إلى السلطة سنحاول أن ننشئ ونضاعف خلايا الماسونيين الأحرار فىجميع أنحاء العالم وسنجذب إليها كل من يصير أو يكون معروفا بأنه ذو روح عامة ويقولإدريس راغب وهو أحد الماسونيين العرب "إن الاعتقاد بوجوب إقامة الهيكل يقوى إيماننابالوعود المذكورة بالكتاب" (24)


وتستخدم الماسونية بعض الرموز وهم يسمون المكان الذى يجتمعونفيه محفلا أو هيكلا رمزا للكون الذى هو هيكل الله أو هيكل سليمان ، ويوجد فى بعض المحافلالماسونية رسم للتوراة يرتكز عليه سلم معروف بسلم يعقوب يرمز إلى الحلم الذى رآه يعقوبعليه السلام فى منامه وكانت الملائكة صاعدة ونازلة عليه وذلك فى المنام الذى بنى فيهيعقوب المعبد للمرة الأولى ، ومما يدل على حرص الماسونية على هيكل سليمان قولهم:"إن المحافل يجب أن تبنى على مثال هيكل سليمان وذلك الهيكل بنى على شكل خيمة الشهادةالتى أوصى الله بها موسى" (25) ومن الأدعية التى يقرأها جميع الحاضرينمن الدرجة 33 فى المحافل الماسونية "سنعود إلى عهد سليمان بن داود ونبنى الهيكلالأقدس ونقرأ فى التلمود وننفذ كل ما جاء فى الوصايا والعهود وفى سبيل مجد إسرائيلنبذل كل مجهود الويل الويل للغاصبين المستعمرين سنجعلهم قطعا فى أفواه الأسود ، الانتقامالانتقام طال المكوس فى الظلام أنعم علينا يا رب أنوار القدس الذى تجلت موآب"ويعتقد اليهود الماسونيين أنه لم يبق إلا القليل حتى يهدم الأقصى والصخرة وكنيسة القيامةوحينذاك يقام الهيكل حيث حلت الغمامة وينتصب العمودان على يمين بابه ويساره(26).


وقد جاء فى إنجيل متى ما يدل على الحرص الشديد لإعادة الهيكلوأن عيسى عليه السلام اتخذ من الهيكل منبرا لدعوته ومقرا لتعليم مريديه وتلاميذه وإنهكان دائما يحذرهم بأن زمان زوال الهيكل قد اقترب بسبب ظلم أهله وإفسادهم وعدم الرعايةالتامة لهم: "ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكى يروه أبنية الهيكلفقال لهم يسوع ما تنظرون؟ الحق أقول لكم إنه ليترك ها هنا حجر على حجر لا ينقض"(27)


وذكر أن الهيكل الذى هدم بعد نحو أربعين سنة من رفع عيسىعليه السلام ظلت ذكراه مرتبطة عند النصارى بعيسى عليه السلام على اعتبار أن الذين كفروابه من بنى إسرائيل لم يعد لهم أى ارتباط به وظلوا مرتبطين بالهيكل المهدوم ، ولما جاءالإسلام وأشرق نوره انتقلت إلى أهله وراثة الأرض المقدسة وبنى المسجد الأقصى على الصيغةالإسلامية التوحيدية عاد النصارى إلى الهيكل طامعين فى إعادته إلى الصبغة النصرانيةالتى تؤمن بالتثليث ولهذا فقد تعاون النصارى فى العالم كله لانتزاع هذا المسجد من المسلمينمن خلال حروب طويلة عرفت بالحروب الصليبية


ويؤمن اليهود أن المسيح المنتظر أوشك على الخروج لذا نراهميسعون بكل همة لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث مكانه وظل هذا حلما يراودهملتهيئة الظروف لخروج مسيحهم المنتظر وسوف يكون على يده خلاص اليهود وهو الذى سيتوجملكا عليهم ويحكم العالم من خلال أورشليم القدس بيت الرب "الهيكل الثالث"ويؤمن اليهود أيضا بأن هذا المنتظر سيأتى من نسل داود قبل قيام الساعة وسوف يحارب أعداءإسرائيل ويتخذ مدينة القدس عاصمة لمملكته ويعيد بناء الهيكل على الوصفة اليهودية ويبدأمع عودته الفردوس الأرضى الذى يبقى ألف عام ومن هذا المنطلق ظهرت العقيدة الألفية التىهى فى الأصل عقيدة يهودية ويؤمن اليهود والنصارى أن المسيح إذا خرج سوف يحكم العالممن أورشليم ومن الهيكل الثالث على حين تعتقد بعض النصارى بأن بناء الهيكل الثالث سيؤدىإلى ظهور المسيح للمرة الثانية ، والخلاف بينهما أن اليهود تعتقد بأن بناء الهيكل سيؤدىإلى مجئ المسيح للمرة الأولى بينما المسيحيين يقولون بمجيئه للمرة الثانية ، هذا وقدرسم اليهود الصورة التى تخيلوها للمسيح المنتظر ، فذكروا أن الناس فى ظله لن يعيشواوحدهم فى العالم الجديد فى سلام وسعادة ؛ بل يشاركهم فى ذلك كل أنواع الحيوانات ويرفعرايته - أى المسيح - للأمم ويجمع منفى بنى إسرائيل ، ويضم مشتى يهوذا من أربعة أطراف الأرض .


وفى التلمود توجد الصفات التى يعدها اليهود خاصة بـ"المسيح الحقيقى" المسيح اليهودى ، فجاء فيه: {سيأتى المسيح الحقيقى ، ويحصلالنصر المنتظر ، ويقبل المسيح وقتئذ هدايا كل الشعوب ، ويرفض هدايا المسيحيين ، وتكونالأمة اليهودية إذ ذاك فى غاية الثروة لأنها تكون قد حصلت على جميع أموال العالم}.


ويتحدث التلمود عن الحرب التى ستشتعل قرب مجئ المسيح: {وقبلأن يحكم اليهود نهائيا ، يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق ، ويهلك ثلثا العالم ، وسيأتىالمسيح الحقيقى ويحقق النصر القريب} (28)


وعقيدة المسيح المنتظر تلك قد استغلها البعض ممن ادعوا أنهالمسيح المنتظر واتضح للعالم كذب هؤلاء الدجالين ، ولعل هذه الظاهرة كانت موجودة عبرالأجيال المتتابعة تنفس بها الشعوب المكبوتة عن نفسها .










المبحث الثانى:الحفريات ومزاعم اليهود



القضية الأولى دور الحفريات فى تعرية مزاعم اليهود


1- الحفريات تثبت عروبة القدس لحما ودما


تحدثنا فيما سبق عن الهيكل الذى يتشدق به اليهود ويعتبرونهشعار عزتهم وسؤدد مجدهم وبدونه لم يقم لليهود ذكر أو عقيدة تذكر حيث أصبح اليوم أملهمالمنشود ، وانطلقوا يبحثون عنه فى حفريات ضخمة قاموا بها سرا تحت المسجد الأقصى إذيدعون أن هذا المسجد قد أقيم على هيكل سليمان ويريدون إثبات أى أثر لهذا الهيكل الذىزعموا أنه موجود تحت المسجد الأقصى ، ويؤكد المؤرخون وخبراء الآثار أن إسرائيل ليستلها آثار فى الأرض المحتلة كما تزعم بل إن تلك الآثار آثار عربية قديمة وإسلامية بحكمالتاريخ والموقع وهو ما تؤكده أيضا المصادر التاريخية والوثائق الأثرية القديمة ، وسوف نعالج قضية الحفريات كوثيقة من أهمالوثائق المعاصرة التى تدل على صدق ما نقول من خلال النقاط التالية:


هل توجد آثار لليهود فى فلسطين


يؤكد الدكتور "رمضان عبده" أستاذ الآثار بجامعةالقاهرة أن الحفائر الغربية والصهيونية فى الأرض المحتلة اتخذت اتجاهين: الاتجاه الأولحفائر فى جميع أنحاء فلسطين والمناطق الأثرية بها وبدأ فى عام 1891م حتى عام 1952موجاءت خلال هذه الفترة حوالى 42 بعثة أجنبية وكانت الحفائر خلال هذه الفترة لخدمة غرضسياسى حيث انتشرت فى أكثر من25 موقعاً .


أما الاتجاه الثانى كان حول مدينة القدس بحثاً عن آثار غيرعربية ولكن الجهود باءت بالفشل .


ويقول إنه فى الوقت الذى كانت فيه هذه البعثات تنقب عن الآثارفى فلسطين كان آخرون يقومون بالحفائر حول المسجد الأقصى وزادت هذه الحفائر بعد زرع"إسرائيل" فى عام 1948م وتصاعدت بعد 1967م حينما احتل الإسرائيليون القدسالشرقية فجندوا لذلك كل بعثات الحفر اليهودية والبعثات التى تساند باستمرار الفكر الصهيونىطمعاً فى إثبات آثار لهم .


ويؤكد الدكتور رمضان أن هؤلاء يركزون فى القسم الشمالى منالهضبة الشرقية فى القدس أى الذى يقع شمال حصن صهيون لبناء الهيكل المزعوم وفيه يعرفهذا الاسم بجبل "المرايا" ، وأن سيدنا سليمان عليه السلام قام باختيار هذاالموقع لبناء الهيكل .


ويقول علماء عديدون للدراسات الشرقية فى أوروبا أنهم قاموابالبحث عن صحة ما ورد فى التوراة من أسماء مدن فلسطينية فى محاولة للعثور على أى شئيدل على دورهم فى تاريخ فلسطين أو بحثاً عن آثار عبرانية فى فلسطين وقد انتهت المحاولاتكلها بالفشل الذريع .


ويقول الباحث الأثرى الدكتور "خالد عزب" إن مدينةالقدس القديمة تبلغ مساحتها ضمن الأسوار كيلو متر واحد ويشغل الحرم الأقصى الشريف مايقارب 300 -500 متر من الناحية الجنوبية وهذه المساحة هى البؤرة الرئيسية للمدينة ويحيطبالمدينة سور حجرى مرتفع يشمل خمسة أبواب مفتوحة هى باب الزاهرة وباب الأسباط وبابالعامد والباب الجديد وباب الخليل وباب النبى داود عليه السلام وأربعة أبواب مغلقةهى الباب المغرب والباب المزدوج والباب الثلاثى والباب الذهبى .


ويصف المدينة بأن بعضها مغطى ببائكات معقودة والبعض الآخرمفتوحاً ومبنى بها مساكن ومدارس وزوايا وسبل للسقاية على جانبى الطريق ومثل هذه النوعيةمن الطرق - كما يقول - توفر الظلال المريحة للمشاة وتخفف من حرارة الجو وتمنع سقوطأشعة الشمس مباشرة على المارة وخصوصاً فى الصيف(29) .


أما الدكتور "حسنين ربيع" أستاذ التاريخ الإسلامىبجامعة القاهرة فيقول: إن المصادر التاريخية القديمة تؤكد أن مدينة القدس مدينة عربيةوإسلامية خالصة فى ضوء المصادر التاريخية والأثرية القديمة رغم الأساليب الملتوية التىتلجأ إليها "إسرائيل" فى محاولة تزييف وتشويه هذه الحقائق التاريخية وهىكلها أساليب يائسة لتدعيم أباطيلها .


ويقول الدكتور "ربيع" أيضا: إن القدس مدينة عربيةأنشأها الكنعانيون العرب منذ آلاف السنين ومنذ خروج بنى "إسرائيل" من مصرقاصدين أرض فلسطين فى عهد الملك «ميررنتاح» واستيطان اليبوسيين العرب مدينة أورشليمإذ لم يبق منها حجر واحد . وبعد وقوع القدس تحت السيطرة الرومانية وما ترتب عليه منثورات انتهت بحرمان اليهود من دخول المدينة وما تلا ذلك من حوادث تاريخية بعد انتشارالمسيحية .


ويشير إلى وجود أكثر من ألف وثيقة تبرهن على عروبة القدسوهى تكشف عن ادعاءات اليهود الباطلة فى تزييف التاريخ وتشويه الحقائق أهمها كشف أثرىعن حفائر كل من مريدخ فى سوريا ومجموعة نصوص من القرن التاسع عشر قبل الميلاد أطلقعليها علماء المصرية القديمة اسم نصوص اللعنة وترجع هذه النصوص إلى أيام الملك سنوسرتالثالث إضافة إلى ما ورد فى سفر التكوين عن أبى الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، وماورد في مدينة أورشليم فى رسائل العمارنة من القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، إضافة لماورد من إشارات فى التوراة إلى أن اليهود لم تكن لهم أدنى علاقة بنشأة القدس ، وأنهمكانوا يرون أنفسهم غرباء عنها(30) .


2- عروبة القدس تتضح من خلال السَّكة


وللنقود المسكوكة دور مهم وجاد لإثبات عروبة القدس ولذلكيؤكد الدكتور "رأفت النبراوى" عميد كلية الآثار بجامعة القاهرة أن النقودالتى تم سكها خلال العصور الإسلامية تثبت وتبرهن على عروبة القدس باعتبارها من الوثائق الرسمية ، وأن هذه النقود سواء كانت من العملاتالذهبية أو الفضية أو النحاسية أو البرونزية وثائق رسمية لا يمكن الطعن فى قيمتها التاريخيةأو فيما يرد عليها من كتابات وزخارف آدمية أو حيوانية أو هندسية أو نباتية ، وهذه النقوشكان يسجل عليها اسم إيلياء وهو الاسم الذى أطلقه الإمبراطور الرومانى «مادريان» علىمدينة القدس بعد حرقها وهدم بقايا هيكل سليمان ويقول: إن القدس ظل يطلق عليها هذا الاسمحتى ضمها الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه سنة 17 هجرية وكانت أقدم النقود التىوصلتنا والتى ضربت بإيلياء فلسطين تلك التى تحمل صورة الخليفة الأموى عبد الملك بنمروان فى العام "65-86" هجرية وسكت فى عهده وتحمل حرف M كما حملت بعض الكتابات العربية وكان أشهرها العبارة الكريمة «محمد رسولالله» «بسم الله» «لا إله إلا الله وحده»(31) .


3- فشل الأثريين اليهود فى العثور على ما يدلعلى ملك سليمان


وقد صاحب التنقيب عن بقايا الملك سليمان فى فلسطين وخاصةالهيكل جدل كبير قد ساهم فى صعوبة العثور على ذلك الهيكل ، فقد اختلف رجال الآثار حولالزمان والمكان اللذين عاش فيهما الملك سليمان "ابن داود" ، فبينما تقولالقصة التوراتية إنه عاش فى بداية القرن العاشر قبل الميلاد ، تبين أن الاستحكاماتوالبنايات التى نسبت إليه ترجع إلى تاريخ آخر .


بينما حاول بعض الباحثين الذين اجتمعوا فى المتحف البريطانىبلندن فى 29 حزيران "يونيو"2002م ، التعرف على طرق قوافل البخور فى جزيرةالعرب ، وتحديد عصر ملكة سبأ ليتفق مع عصر سليمان منذ ثلاثة آلاف سنة ، نفى آخرون وجودسليمان فى تلك الفترة .


والقرآن الكريم ، لم يذكر شيئاً عن الزمان الذي عاش فيه الملكسليمان ، الذى وردت قصته فى سور "الأنبياء" و"النمل" و"سبأ"و"ص" ، ولا عن حجم مملكته أو مكانها ، لكن الروايات التوراتية تذهب إلى أنسليمان عاش خلال النصف الأول من القرن العاشر قبل الميلاد . و بحسب ما جاء فى سفر الملوكالأول التوراتى ، فإن سليمان كان "متسلطاً على جميع الممالك من النهر "الفرات"إلى أرض فلسطين و إلى تخوم مصر ، حيث كانوا يقدّمون الهدايا و يخدمون سليمان كل أيامحياته" .


وخلال الملتقى المنعقد فى المتحف البريطانى ، فاجأ"جوناثان طاب" ، رئيس قسم آثار الشرق الأدنى فى المتحف ، المؤتمرين بقوله:"لما كان العرف قد جرى على اعتبار حكم سليمان فى القرن العاشر قبل الميلاد ، فقدجرى تحديد تاريخ ملكة سبأ فى نفس ذلك الوقت . والآن يحاول الباحثون الذين يقبلون بتحديدوقت معين لحكم سليمان ، البحث عن حكم "مملكة" سبأ التوراتية ، والعثور على مملكة مناسبة فى اليمنتصلح "لهذا الغرض" فى القرن العاشر..إلا أن آثار بلاد الشام خلال السنواتالعشرين الماضية تقريبا ، لم تتوقف عند الشك فى تاريخية سليمان نفسه كحاكم مهم فى بدايةتاريخ "إسرائيل" ، بل إنها تتعارض مع حقيقة وجود مملكة "إسرائيل"المتحدة نفسها ، بالشكل الذى قدم فى الرواية التوراتية" .


وتحدث "جوناثان طاب" عن البقايا الأثرية التى تنسبعادة إلى سليمان ، وهى عبارة عن" مجموعة من البنايات الأثرية ، بنايات عامة أوقصور فى مجدّو ، أبرزها أربع بوابات ضخمة مدعمة تتبعها أسوار محصنة للمدينة ، عثر عليهافى مجدّو ، وحازورة ، وجيزر . ولمجرد أن هذه الآثار حُدّد لها تاريخ في القرن العاشر، اعتبرت كما لو كانت شاهداً على برنامج سليمان الواسع فى البناء..وعندما تمت أعمالالكشف فى تل جرزيل الذى قامت به جامعة تل أبيب والمدرسة البريطانية لعلم الآثار فىالقدس فى تسعينيات القرن العشرين ، أخرج هذا الموقع الذى شيدته عائلة عمرى خلال القرنالتاسع عشر .. فخاراً مماثلاً للفخار الذى عثر عليه فى المستويات السليمانية فى مجدّووحازورة .. مما أدى فى السنوات الأخيرة ، إلى إعادة فحص ما يسمى بالمعمار السليمانى"


وعن مملكة داود وسليمان حسب الرواية التوراتية ، فإن داودبن يسى من قبيلة يهودا ، كان يرعى الأغنام ويحسن العزف على العود ، وجاء ليعيش عندشاؤول ، وهو الذى خلفه فى قيادة قبائل بنى "إسرائيل" . وتتضمن الرواية التوراتيةمعلومات متناقضة عن هذا الملك . فنحن نجد داود ومعه جيش مكون من 600 رجل يحاربون فىصراع داخلى بين القبائل الإسرائيلية أو مع الفلسطينيين ، وفجأة نجد تفاصيل معارك كبيرةتخوضها جيوش منظمة فى مواقع محصنة عديدة من أرض الهلال الخصيب .


لم يكن صدق الرواية التاريخية يهم الكهنة فى شئ ، إذ كانهدف الرواة الأساسى من ادعاء هذه الانتصارات الجبارة هو حثّ "بنى إسرائيل"على ترك عبادة الأصنام والعودة إلى ديانة موسى ، لكى ينصرهم ربهم على أعدائهم . وبحسبهذه الرواية ، مات داود تاركاً لخليفته سليمان إمبراطورية تمتد حدودها ما بين النيلوالفرات ، دون أن يعرف أحد من أين جاءت هذه الإمبراطورية ؟(32)


4- الحفريات الحديثة تناقض التوراة


وحتى هذه اللحظة ، لم يتمكن الأثريون من العثور على أى دليليشير من قريب أو بعيد إلى مملكة داود وسليمان - عليهما السلام - فى فلسطين .


وبينما تقول رواية سفر صموئيل الثانى ، وسفر الملوك الأول"إن الملك داود أقام إمبراطورية تمتد بين النيل والفرات ، أورثها لسليمان بعدموته" فإن رجال الآثار لم يتمكنوا من العثور على ذكر واحد لأى من الملكين الإسرائيليينرغم وجود 300 موقع بأرض فلسطين تُجرى فيها البعثات الأثرية أعمال الحفر ، سواء فى "إسرائيل" أو الضفة والقطاع. وأدى عدم ظهور أدلة أثرية تتفق مع قصص التوراة ، إلى الاعتقاد بأنها روايات أسطوريةلا تعبّر عن الأحداث التاريخية . إذ يقول "توماس تومسون" أستاذ دراسات العهدالقديم بجامعة كوبنهاغن الدنمركية ، إن الاعتقاد الذى كان سائداً حتى القرن التاسععشر ذهب إلى اعتبار أن القصص التوراتية تمثل أحداثاً تاريخية حقيقية ، ثم تغير هذاالموقف تماماً الآن ، بعدما أظهرت نتائج الاكتشافات الأثرية عدم وجود أى أدلة تؤيدما جاء فى هذه القصص من أحداث وتواريخ" (33)


إذن ليس هناك دليل من الآثار على وجود مملكة إسرائيلية متحدةأيام شاؤول وداود وسليمان ، كما لم ترد أية إشارة لهؤلاء الملوك فى المصادر التاريخية"(34) .


ويعتقد تومسون أن قصص التوراة تضمنت أحداثاً تاريخية قديمةلشعوب وممالك أخرى فى الشرق الأوسط ، جرى اقتباسها لتكون جزءاً من تاريخ مملكة بنى"إسرائيل" ، بل إنه يذهب إلى أن دولة يهودا التوراتية لم تظهر إلا منذ القرنالخامس قبل الميلاد ، فى زمن الحكم الفارسى ، ولم يكن لهذه الدولة أية علاقة بدولة"إسرائيل" التى قامت حول السامرة قبل ذلك بأربعة قرون ودمّرها الآشوريونعام 722 ق. م ، ونقلوا سكانها إلى مناطق أخرى ، وأحلوا أقواماً عربية مكانهم(35)


تحكى لنا قصة سليمان - ويدعى "شلما" و"شلومو"فى العبرية - أنه جلس "على كرسى داود أبيه وتثبت ملكه جداً .. وصاهر سليمان فرعونملك مصر وأخذ بنت فرعون ، وأتى بها إلى مدينة داود إلى أن أكمل بناء بيته وبيت الربوسور أورشليم حواليها" .


وبينما فشل الأثريون فى العثور على أية بقايا للبنايات التىورد ذكرها فى قصة سليمان ضمن طبقات الأرض التى ترجع إلى القرن العاشر قبل الميلاد ،فإنهم عثروا على بقايا هذه البنايات نفسها فى الشرائح التابعة لعصر أمنحتب الثالث قبلذلك بأربعة قرون(36) .


ومن مظاهر التحريف اليهودى على ما يبدو أن كتبة الرواية التوراتيةاستعاروا بعض القصص المتعلقة بالإمبراطورية المصرية بين النيل والفرات - قبل عصر سليمانبخمسة قرون - ونسبوها إلى ملكهم . ويلاحظ وجود تشابه بين هذه الروايات ، خصوصاً معما نعرفه عن تاريخ أمنحتب الثالث والد أخناتون . فقد كان أمنحتب الثالث يسيطر على معظمأجزاء العالم المعروف فى زمانه ، وامتدت حدوده شمالاً عبر نهر الفرات فى جنوب آسياالصغرى ، وجنوباً عند شلال النيل الرابع وسط السودان فى أعماق أفريقيا ، رغم أنه لميخض معركة حربية واحدة فى حياته ، لأن أجداده من ملوك الأسرة 18 أسسوا تلك الإمبراطورية. وعندما توفى تحتمس الرابع ، والد أمنحتب الثالث ، كانت الأمور قد استقرت للملك الصغيرالذى تولى الحكم وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره ، فلجأ إلى الدبلوماسية فى علاقاتهمع ملوك الإمبراطورية . وعمد أمنحتب الثالث إلى الزواج من أميرات ممالك الإمبراطوريةوتبادل الهدايا مع الملوك ، خصوصاً الذهب الذى كانت مصر تحصل عليه بكثرة من مناجم أفريقيا، لبناء علاقات صداقة مع الدول التابعة له .


وعندما جلس أمنحتب الثالث على عرش مصر ، كان الثراء قد وصلإلى درجة لم يصل إليها من قبل ، ولا هو وصل إليها فى أى عصر لاحق ، واستطاع الملك الذىساد السلام فى عصره ، أن يستخدم هذا الثراء فى البناء والمعمار سواء فى مصر أو فى بلادسورية وكنعان ، حيث شيّد المعابد والقصور والمدن المحصنة ، وكان لوجود عدد كبير منأسرى الحروب فى ذلك الزمان أثر فعال فى ازدياد القوى العاملة التى استخدمت فى أعمالقطع الحجارة والبناء(37) .


أما مدينة القدس فتقول قصة العهد القديم ، إن داود بعدماصار ملكاً على قبائل "يهودا وإسرائيل" ، استولى على مدينة القدس عندما"ذهب الملك ورجاله إلى أورشليم إلى اليبوسيين سكان الأرض .. وأخذ داود حصن صهيون، وهى مدينة داود .. وأقام داود فى الحصن وسماه مدينة داود" . ولم نحصل على تفاصيلهذه القصة المنسوبة إلى داود فى أى مصدر تاريخى ولم ترد الإشارة إلى داود نفسه فى المصادرالمصرية أو البابلية ، فكان من الطبيعى أن يحاول الأثريون فى العصر الحديث العثور علىالأدلة للتأكد من صحة هذا الجزء من القصة تاريخياً ، كما وردت عنه فى سفر صموئيل الثانىمن كتب العهد القديم(38).


ومع أن عمليات البحث عن البقايا الأثرية القديمة فى القدسازدادت بشكل ملحوظ منذ وقوع هذه المدينة فى أيدى السلطات الصهيونية فى حزيران"يونيو" 1967م ، إلا أنه تبين أن لا وجود لمدينة ولا أسوار فى الفترة التىتقول الرواية التوراتية بأن القدس كانت فيها عاصمة لداود وسليمان .


وكانت بعض المصادر التاريخية التى جاء بها ذكر أورشليم قدأوحت من قبل بوجود مدينة القدس المحصنة ، على الأقل منذ القرن الرابع عشر السابق للميلاد. فهناك ستة خطابات من بين رسائل العمارنة التى وجدت فى مصر قبل نهاية القرن الماضى، كتبها "عبدى خيبة" إلى الملوك المصريين والذى وصف نفسه بأنه كان"حاكم متاتى "أرض أورشليم" . واستناداً إلى هذه الرسائل ، قال المؤرخونبوجود مدينة كبيرة فى منطقة القدس خلال حكم الملك إخناتون وأمنحتب الثالث ، فى القرنالرابع عشر قبل الميلاد . وجاءت نتائج الكشف الأثرى الأخير ، متعارضة تماماً مع هذاالاعتقاد ، ولم يعثر على بقايا أية مدينة قديمة فى موقع القدس ترجع إلى تلك الفترةالزمنية . ويبدو الآن أن أورشليم هذه لم تكن مدينة سكنية ، وإنما كانت مزرعة أقيمتعندها نقطة للحراسة العسكرية لتأمين الطريق المؤدى إلى بيت شان "بيسان" فىالشمال . وبحسب ما ذهب إليه العالم الدنمركى "تومسون" ، فإن عدد سكان منطقةأورشليم فى عصر داود كان أقل من خمسة آلاف نسمة ، مما يصعب معه القول إنها كانت عاصمةلإمبراطورية كبيرة ، و هو يرى أن علاقة اليهود بالقدس لم تبدأ إلا منذ القرن الرابعقبل الميلاد فقط .

القضية الثانية:عمارة القدس ذات طابع عربى إسلامى



1- عمارة القدس عربية إسلامية عبر العصور


ومما يثبت هوية القدس العربية الإسلامية هو فشل الإسرائيليينفى العصور على أى أثر مما يجعلنا نقول أن القدس مدينة عربية لحما ودما ، ومما يؤكدذلك ما أطلقه اليبوسيون بعد الكنعانيين على هذه المدينة "مدينة السلام ، أورشليم"وكان العرب يسمونها باسمها الرومانى البيزنطى "إيلياء" وقد ورد هذا الاسمفى وثيقة الأمان التى كتبها عمر بن الخطاب لأهل هذه المدينة حيث ذكر اسمها إيلياء ثماشترط فى عقد الأمان الذى أعطاه إلى أهلها ألا يسكن معهم اليهود ، ثم أطلق عليها العربفيما بعد اسم بيت المقدس والقدس وإذا كانت هذه المدينة قد وقعت تحت الاستعمار الإسرائيلىواعتبرها الإسرائيليون من مناطق الاستيطان اليهودى ثم بدأوا فى بداية القرن العشرينالبحث عن معالمهم الأثرية التوراتية فى هذه المدينة وعلى عادة الإسرائيليين فى التحريفوالتبديل فقد كانت بعثاتهم الأثرية مقتصرة أخيرا على الإسرائيليين جادة فى البحث والتنقيبولكن دون جدوى أو إحراز أى اكتشاف يؤكد التاريخ اليهودى فى القدس(39)


ويثبت الدكتور البهنسى فشل المنقبين الإسرائيليين "مازار"إفيغاد ، بروسحى ويادين وشيلوح وبركاى وقد أعلن هؤلاء المنقبون اليهود نتائج حفرياتهمفى دورية المصنفات فى عام 1994م ، وكان أبعد ما توصلوا إليه هو العصر الرومانى ، دونأية دلالة على الوجود الإسرائيلى عبر تاريخ القدس ، ولم يتضح لهؤلاء أى مؤشر على وجودمدينة داود ذات الأسوار أو على أثر لهيكل سليمان الذى وصفته التوراة بمبالغة (40) .


ثم يتابع الدكتور البهنسى أثار القدس فى العهود الإسلاميةفبدأ بعهد عمر بن الخطاب الذى حافظ على منشآتها الدينية وقد أمر ببناء مسجد فى مكانصلاته حينما حضر إليها لإعطاء أهلها عقد أمان وكان يطلق عليه اسم مسجد عمر وأمر بإنشاءمظلة من الخشب على الصخرة المشرفة ، والمراد بالمسجد الذى زاره عمر هو المكان المقدسالذى يسجد فيه لله تعالى وهو المكان المسمى "الحرم الشريف" وهى أرض واسعةتحيط بها الأسوار بطول يصل إلى 492م من الغرب وإلى 462م من الشرق وعرضه فى الشمال310م وفى الجنوب 281م ، وله عدد من المداخل الرمزية مؤلفة من أقواس وأعمدة أطلق عليهااسم الميازين ، فى هذه الساحة منشآت إسلامية تعود إلى مختلف العهود الإسلامية ، هىمدارس ومساجد وقباب وأهمها قبة الصخرة والمسجد الأقصى . وكان العرب الذين يزورون القدسيتبركون بهذا الحرم ويطلقون عليه المسجد الأقصى .


وفى عهد الأمويين وخاصة فى عهد عبد الملك بن مروان الذى اعتنىبالمسجد الأقصى اعتناءا كبيرا فأمر بإنشاء قبة الصخرة سنة 72ھ-691م ، وابتدأ بإنشاءالمسجد الأقصى الذى أتمه فيما بعد ابنه الوليد سنة 97ھ-715م ، ولقد أنفق عبد الملكمالاً وفيراً فى القدس لإنشاء هذين الصرحين للدلالة على قوة الإسلام وانتصاره ، وأمربتعبيد الطرق بين الشام والقدس ، لتسهيل سبل الزيارة الدينية المقدسة للحرم القدسى.


وفى قبة الصخرة وبعد إنجازها ، تقبل الوليد بن عبد الملكبيعة المؤمنين ، خليفة على المسلمين ، بينما كان أخوه سليمان ينشئ مدينة الرملة ومافيها من مسجد وقصر ، وداراً للصناعيين ، ثم جاء أخوه هشام ليبنى قصر المفجر فى أريحا. وهو أضخم قصور الأمويين .


كما يذكر للخليفة المهدى العباسى أنه أعاد بناء المسجد الأقصىسنة 158ﻫ بعد زلزال أتى عليه وقد شقيت القدس فى عهد الاحتلال الصليبى إذ جعلوا قبةالصخرة كنيسة رفعوا عليها الصليب وهدموا أطراف الأقصى وجعلوه مقرا لفرسان الإسبتاريةوظل هكذا إلى أن حرره صلاح الدين الأيوبى سنة 583ﻫ


وقام بتجديد المحراب وأعاد ترميم مسجد قبة الصخرة وقد قامالأيوبيون بمجموعة من الإعمار والإنشاء حيث قام صلاح الدين بإعادة بناء سور القدس وقامأولاده بحفر خندق حول الأسوار وأنشأ العادل أخو صلاح الدين الجامع العمرى سنة 589 وبنىسقاية لحفظ الماء وتموين القدس وتم بناء المدرسة الأفضلية وأنشأت قبة المعراج وقبةسليمان والزاوية الجراحية والمدرسة الناصرية .


وتابع المماليك البناء وأصبحت القدس أكثر ازدهاراً فى عهدهم، وخلال حكم الملك الناصر محمد بن قلاوون المملوكى ، الذى امتد ثلاثة وأربعين عاماًحفلت القدس بالعمائر المملوكية التى كانت نموذجاً رائعاً لتطور العمارة الإسلامية. ولقد قام الملك بإنشاء أروقة المسجد الأقصى التى تمتد من باب الحرم حتى باب الغوانمة ، وعمّر السور القبلى عند محراب داود وقامبترخيم صدر المسجد الأقصى إلى حائط المسجد الجنوبى ، وجدد تذهيب قبة المسجد الأقصى، وقبة الصخرة سنة 720ھ -1320م ، وعمّر الميازين مقابل باب حطة ومقابل باب شرف الأنبياء، وجدد عمارة باب القطانين وعمر قناة السبيل عند بركة السلطان ، وهى القناة الداخلةللقدس من عين الغروب ، وأنشأ جامع القلعة 710ھ -1310م ويتكون من حرم ذى محراب جميل.


وفى عهد السلطان الأشراف قايتباى تم إنشاء الأشرفية وسبيلقايتباى فى الحرم الشريف ، والمدرسة المزهرية ، وأنشأ السلطان برقوق المدرسة الجهاركيةوبركة السلطان وخان السلطان ودار السبت .


وقد شهدت القدس فى عهد العثمانيين نهضة عمرانية كبرى ابتدأتبأعمال الترميم التى قام بها السلطان سليمان القانونى فى سور القدس وأقام برج اللقلقوبرج الكبريت ، وأبراجاً أخرى ، كما جدد أبواب القدس ، مثل باب العامود ، باب دمشق، وباب الساهرة 946ھ – 1537م ، وباب ستى مريم وباب الخليل وباب النبى داود 940ھ -1540م ، وباب المغاربة وباب الخليل 947ھ - 1538م.


وأنشأ عدداً من السبلان فى الطرق المؤدية للحرم القدسى .منها سبيل بركة السلطان ، وسبيل باب العتم ، وسبيل سليمان ، وسبيل باب الناظر ، وسبيلباب الأسباط .


وكان سليمان القانونى قد اهتم بتوسعة هامة فى الحرم المكىفى مكة المكرمة ، كذلك قام فى القدس باستبدال الزخارف الفسيفسائية التالفة فى واجهةقبة الصخرة وأمر بتغطيتها بألواح القيشانى التى ما زالت قائمة تحمل اسمه وتاريخ الترميم.


إن المبانى الإسلامية التى أنشئت خلال العهود المختلفة تؤكدالشخصية الإسلامية التى تتمتع بها القدس القديمة التى ما زالت محافظة على طابعها التقليدى ، رغم انتهاكات اليهود وتغييراتهم الواسعةالتى يمارسونها كل يوم لتهويد القدس وذلك لإقامة المبانى اليهودية الجديدة والمستعمراتوتغيير مسار الشوارع وبعض الأماكن ليضفوا على المدينة طابعا يهوديا نقول وعلى الرغممن ذلك فإن المبانى الإسلامية التى أنشئت خلال العهود الإسلامية السابقة ما زالت حتىاليوم محافظة على طابعها الإسلامى(41) .


تبلغ مساحة القدس ضمن الأسوار كيلومتراً مربعاً ويقع الحرمالشريف فى الناحية الشرقية من المدينة وأسوارها . وتقسم المدينة إلى حارات أو خطط ،وفى هذه الأحياء أسواق محلية صغيرة استقلت عن الأسواق الرئيسة ، وكانت الأحياء تضممجموعات سكانية منسجمة فى بيئتها الاجتماعية والدينية ، وطرق المدينة القديمة متعرجة، غطى بعضها بعقود ، وقد تقوم منشآت أو امتدادات عالية للبيوت


ومن أهم هذه المنشآت المساجد والمآذن والمدارس ، وإذا استثنيناقبة الصخرة والمسجد الأقصى ، فإن أكثر المساجد والمآذن فى القدس تعود إلى العصر المملوكى، نذكر منها المئذنة الفخرية 677ھ - 1278م ، وهى مربعة وفوقها شرفة تحمل بيت المؤذنوفوقه رقبة مثمنة ثم قبة صغيرة ، ومئذنة باب الغوانمة 730ھ - 1329م ، ومئذنة باب الأسباط769ھ - 1367م


ومن المساجد نذكر مسجد القلعة 710ﻫ -1310م والمسجد القيمرى674ﻫ-1276م وجامع الخانقاه الصلاحية ، وتعود مئذنته إلى عام 798ھ - 1395م .


ومن المساجد العثمانية مسجد النبى داود الذى أنشأه سليمانالقانونى وهو مجمع معمارى ، ولقد حوّله الإسرائيليون إلى كنيس وأزيلت الكتابات القرآنيةمنه واستبدلت بكتابة عبرية ، وجامع المولولة 995ھ - 1587م والمسجد القيمرى .


وبتحليل مساقط ومقاطع هذه المآذن تبين لنا مدى ارتباطها بالأصولالمعمارية الإسلامية التى سنتحدث عنها .


2- ارتباط عمارة القدس بأحوال العمارة الإسلامية


إن أغلب المبانى الإسلامية التى أقيمت فى القدس هى المدارسالتعليمية . وقد كان عدد المدارس والزوايا خلال القرن الحادى عشر الهجرى 630 مدرسة، ومن أقدم المدارس المدرسة المنصورية التى أنشأها الملك المنصور قلاوون ، وهي أكثرالمدارس الإسلامية الباقية من العهد المملوكى الذى امتد حتى عام 923ھ - 1517م ، وقداهتم المماليك بتأكيد المذهب السنى بمذاهبه الأربعة وبخاصة المذهب الشافعى ، ولذلكفإن بناء المدرسة يتضمن أربعة أواوين لتدريس الفقه حسب المذهب الحنفى والشافعى والحنبلىوالمالكى ، وكان الإيوان القبلى هو حرم للصلاة ومدرسة لتدريس المذهب الشافعى .


وتمتاز عمارة المدارس بالفناء ذى البركة تشرف عليه الأواوينوالغرف ، أما الواجهة الجميلة التى تدخل منها إلى المدرسة من خلال دركاه ، فهى من ميزاتالعمارة المملوكية ، وإذا كانت المدارس المملوكية فى القدس لم ترق إلى مستوى المدارسفى القاهرة التى تميزت بالاتساع والفخامة كمدرسة السلطان حسن ، فإنها مع ذلك تتمتعبالأناقة والبساطة والوحدة ، ومن أهم المدارس المملوكية الباقية حتى اليوم :


المدرسة السلامية 1300م وهى مؤلفة من طابقين وصحن وإيوانكبير ، ومدخل جميل ، المدرسة الجاؤلية 1320م واستعملت داراً لنيابة السلطنة ثم أصبحتداراً للحكم العثمانى وأضيف إليها طابق ثالث . المدرسة التنكزية 1329م وكان فيها خانقاهودار للأيتام ودار للحديث ، المدرسة الأمينية 1330م وتتداخل مع المدرسة الفارسية ،المدرسة الملكية 1340م . المدرسة الفارسية 153م وتقع فوق الحرم الشريف الشمالى . المدرسةالأرغونية 1356 وفيها ضريح الحسين بن على والمدرسة القشتمرية 1358م مؤلفة من طبقة واحدةوفيها مسجد ذو محراب جميل المدرسة المحدثية 1360م ، المدرسة المنجيكة 1360م ، ولهاقاعة ضخمة تشرف على الحرم القدسى ، المدرسة الطشتمرية 1384م وتتألف من مدرسة وتربةوكتّاب وسبيل .


وتعود أهمية القدس إلى وجود الحرم الشريف والأبنية القائمةعليه ، وبخاصة المسجد الأقصى وقبة الصخرة .


إن المساجد التى أشرف على بنائها الوليد بن عبد الملك ، وهىالأقصى فى القدس والأموى فى دمشق ومسجد حلب ومسجد الرسول فى المدينة ، كانت متشابهة، وكان مصدر مخططها مسجد الرسول الأول فى المدينة المنورة والمؤلف من حرم وصحن .


ولم يبق من المسجد الأقصى الذى أقامه الأمويون إلا بعض العناصر، كما أن المؤرخين لم يقدموا وصفاً شافياً لعمارة هذا المسجد الأولى(42).


3- وصف عمارة المسجد الأقصى فى عصور الإسلام


لقد تغيرت معالم المسجد الأقصى بعد الزلزال الذى حدث فى عام130ھ-748م وأعاده الخليفة المنصور العباسى 154ھ - 770م إثر زلزال آخر عام 158ھ-774م فأعاد بناءه الخليفة المهدى عام 163ھ - 780م حيث انقص من طوله وزيد فى عرضه ،ولم تكن له قبة بل كان غنياً بالرخاميات والفسيفساء ، وكان له ستة وعشرون باباً فىواجهة الحرم تتصل بأجنحة متجهة نحو جدار القبلة ، ثم رمم المسجد فى عهد الخليفة الفاطمىالظاهر إثر زلزال عام 406ھ - 1015م . ولقد وصف كريزويل المسجد فى ذلك العهد ، وبعدتحرير القدس سنة 583ھ - 1187م "جدد صلاح الدين المحراب القائم حتى اليوم وزينهبالفسيفساء ، واستحضر من حلب المنبر الخشبى الذى أحرقه اليهود فى آب 1969" .


أ- وصف الحرم الشريف


إن أهم ما يميز مدينة القدس ويؤكد طابعها الإسلامى المقدسهو الحرم الشريف الذى تقوم فيه روائع العمارة الإسلامية وبخاصة قبة الصخرة ، والحرمهو أولى القبلتين وثالث الحرمين ، فهو صرح لحماية الصخرة المقدسة وعليها همّ إبراهيمالخليل بالتضحية بابنه ، كما أن الرسول عرجمنها إلى السماء ، والحرم الشريف وهذه الصخرة كانت قبلة المسلمين فى صلاتهم الأولى،ثم نزلت الآية الكريمة {ومن حيث خرجت فوّل وجهك شطر المسجد الحرام} (43)فتحول المصلون إلى الكعبة حيث الحجر الأسود أيضاً .


ولا بد من الوقوف طويلاً أمام قبة الصخرة ، هذه الآية الرائعةالتى قال عنها المؤرخ بوركهارت "إن إشادة بناء بهذا المستوى من الكمال والإتقان الفنى ، يعتبر عملاً خارقاً فى دولة الإسلام التىلم يكن قد مضى على ظهورها قرن واحد" .


ب- وصف لقبة الصخرة


ولقد أفاضت الرواية التاريخية الحديثة فى وصف العمارة الإسلاميةوذكر تفاصيل خاصة بهذه القبة بمخطط الثمانى الذى قامت عليه ، فهل جاء هذا التخطيط من وحى وإبداع المهندسين المسلمين أماستلهموا مصدر آخر غير مسلم فى هذا التخطيط الثمانى؟ لأن هذا التخطيط جاء متفردا ومخالفالشروط مسجد الرسول الأول فى المدينة المنورة .


وقد تعود المؤرخون مقارنة بناء قبة الصخرة المثمن بأبنيةمماثلة كانت قائمة قبل هذه القبة . ولقد اهتم "كريزويل" بمقارنة هذا المخططالقائم على قبة قطرها 20.40م مع مخطط كنيسة القيامة فى القدس التى تقوم فوقها قبة قطرها20.44م .


ويقوم إيكوشار بمقارنة بين قبة الصخرة وقبة كنيسة القديسةهيلانة فى رافينا - إيطاليا ، كما يقارنهامع كاتدرائية بصرى 512م ، وكنيسة القديس سمعان العمودى - سوريا .


وليس من شك فى أن العمارة الثمانية كانت موجودة آنذاك ومستمرة، ولكن ما يهمنا هو معرفة السبب الذى دعا المعماريْن ، "رجاء بن حياة الكندى ويزيدبن سلام" ، إلى اختيار هذا الشكل الثمانى لبناء آبدة تكريمية تحتضن الصخرة المقدسةأو هى بناء تعبدى ، مسجد أو قبلة للصلاة .


لقد وصلت قبة الصخرة إلى أقصى حدود الكمال المعمارى كما يشهدبذلك ماكس فان برشيم الذى درس القبة دراسة متعمقة ، وكما تشهد ابنته مارغريت على روعةالزخارف الفسيفسائية فى هذا القبة .


ولكن أهمية هذه القبة وقد أصبحت رمزاً إسلامياً بعد الكعبةتبدو فى احتوائها على معان قدسية رسخت أسس الفكر المعمارى الإسلامى ، وكانت أصلاً يقتدىبه فى العمارة اللاحقة .


وفى بيوت الصلاة أو فى المآذن يتم الانتقال تصاعدياً تعبيراًعن الابتهال ، ولكن فى الأضرحة وقباب التكريم فإن الانتقال يتم من القبة إلى القاعدةتعبيراً عن الرعاية والحماية والتكريم ، كما هى قبة الصخرة .


وهذا يعنى أن هدف بناء قبة الصخرة لم يكن لمضاهاة كنيسة القيامة، ولم يكن لمجرد تقليدها كما يدعى كريزويل ، بل كان هدفاً رمزياً لتحديد علاقة رعايةوحماية


وابتدأت التجربة لتحقيق هذا الهدف بتصميم قبة السلسلة لتكوننموذجاً أولياً لقبة الصخرة ، وأرادها المعماريان المصممان أن تعبر فى مقاسها وتشكيلاتهاعن رموز وحدانية(44) .


4- أصالة القبة ورمزيتها لعقيدة التوحيد


ويقول الدكتور عفيف البهنسى أن جميع الأبنية الإسلامية علىامتداد الأرض قد تميزها تلك القبة ومن هنا نجد القباب قد انتشرت على كل المبانى الإسلاميةنراه واضحا جليا فى منشآت مدينة القدس على اختلاف وظائفها سواء أكانت سبيلا أو كانتمدفنا أو كانت قبة مسجد أو قبة تكريمية أو قوسا أو عقدا مما يضفى الطابع الإسلامى علىمدينة القدس كلها ويؤكد أصالة العمارة فيها وتبقى قبة الصخرة منطلق الأصالة المعماريةالإسلامية ، فالنجمة الثمانية التى تعبر عن مفهوم الكون وخالق الكون فى الفكر الإسلامى، والتى تتألف من مربعين متقابلين بمركز واحد . مربع يمثل الجهات الأربع كما هو مربعالكعبة المشرفة ومربع آخر يمثل عناصر الطبيعة الأربعة - الماء والهواء والنار والتراب.


ومرة أخرى نحن لا ننكر أن عمارة القبة لها نظائرها فى العمائرالثمانية السابقة للإسلام ، نراها في قلعة سمعان "قرب حلب" وفى كاتدرائيةبصرى "حوران" وقد درس إيكوشار هذه العلاقة بدقة ، ولا ننكر أن كثيراً منالرموز الرياضية المألوفة فى الثقافة الإغريقية عند أفلاطون وفيثاغورث كانت معروفةعند علماء المسلمين ، ولكن الشئ الجديد فى قبة الصخرة ، هو تحول الشكل المربع الذىيرمز إلى جغرافية الأرض بأبعادها الأربعة ، إلى شكل ثمانى مؤلف من مربعين متقابلينفى قبة الصخرة يشكلان نجمة ثمانية هى إشعاع القبة، هذا الشكل الكروى المعبر عن قبةالكون ، والذى يمثل العناية السماوية على الصخرة المشرفة .


إن المتأمل لقبة الصخرة يجد فيه أسسا جمالية منها ما هو رياضىومنها ما هو صوفى إلى غير ذلك من جماليات تحتويها تلك القبة وغاية القول الذى يمكنأن نقوله أن جميع القباب التذكارية تقوم على مبادئ قبة الصخرة ذاتها فقد انتقل الشكلالمضلع الثمانى إلى أبنية لاحقة إسلامية مثل قبة الصليبية فى سامراء ومدرسة كابى أغافى آماسى فى تركيا . وبقيت محافظة على مفهوم النجمة الثمانية .


إن عدداً من القباب التى أنشئت فى منطقة الحرم الشريف ، كانتتذكارية ، ولذلك فإن الرمز الوحيد الذى تتضمنه هو القبة ذاتها وهو الرمز السماوى المعروفوالمعبر عن العناية الإلهية ، وتحمل هذه القباب أقواس على أعمدة من واجهاتها الست كماهو قبة السلسلة ، أو الواجهات الأربعة كما فى قبة يوسف التى أنشأها صلاح الدين يوسفالأيوبى ، أو فى قبة يوسف أغا والقبة النحوية وقبة موسى ، أما قبة النبى 945ھ - 1538م ، وقبةسليمان وقبة الأرواح فإنها جميعا تقوم على ثمانية وجوه .


وإذا انتقلنا إلى الزخارف الهندسية التى تبدو محفورة علىواجهات المبانى أو على أبوابها ، نراها ترجع إلى المنطق نفسه ، كأنها مرتسم التحولاتالمعمارية اللولبية على سطح ذى بعدين.


ويجب التمييز فى الرقش العربى بين الرقش النباتى والرقش الهندسى، فالزخارف الفسيفسائية نباتية المنشأ ، وعندما درست "فان برشيم" ، و"دولوره"زخارف فسيفساء قبة الصخرة النباتية ، كان لا بد من ربطها بتقاليد الزخارف السابقة للإسلام، لاستمرارية التقاليد المعمارية والفنية في المراحل الأولى لتشكل الفن الإسلامى ،ولكن دراسة الزخارف الهندسية ، تبقى مستمدة من الفكر الجمالى الإسلامى .


إن النجمة الثمانية فى الزخرفة والمخطط الثمانى فى العمارةالذى إلتزمه معماريو قبة الصخرة علامة إسلامية مميزة ، ولا ينفى أن المسدس والنجمةالسداسية أو المخمس والنجمة الخماسية هى من التقاليد الفنية الإسلامية أيضاً لها تأويلهاومعناها ، فالنجمة السداسية مؤلفة من مثلثين ، واحد يمثل الأرض ورأسه إلى أعلى تعبيراًعن الإيمان ، وآخر يمثل السماء ورأسه إلى أسفل تعبيراً عن عناية الله ، والنجمة الخماسيةهى إدماج للمثلين .


لقد كان الفكر الوحدانى الإسلامى المحور الذى نشأ عليه الفنالإسلامى والعمارة الإسلامية وكانت تجارب المنشئين الأوائل فى القدس من معماريين ومزخرفينوخطاطين ، محاولات تأسيسية لفن جديد ، تتضح منطلقاته النظرية بتحاشى التشبيه لعدم مضاهاةالله فى مقدرته على الخلق ، أو فيما يتعلق بالتعبير عن المطلق عوضاً عن المشخص من خلالالشكل الهندسى المجرد ، ففى ذلك يتحقق الانتماء إلى العقيدة التوحيدية من خلال الفن.


وإذا كانت ولادة الرقش العربى قد بدأت من هذه المنطلقات ،فإن ولادة الخط العربى كعمل إبداعى ، تولدت من تجويد كتابة القرآن تعبيراً عن التكريم والتعظيم ، ويجب أن نذكر هنا أن أقدم شكل من أشكالالخط العربى البديع نراه على جدران قبة الصخرة ، فثمة شريط طوله 240 متراً ، يقع فىالقسم العلوى من المثمن الداخلى بقبة الصخرة يتضمن كتابة منفذة بفصوص الفسيفساء المذهبةعلى خلفية زرقاء ، هى آيات قرآنية من سورة النساء وسورة آل عمران ، وثمة كتابة أخرىتتضمن تاريخ بناء قبة الصخرة .


وكذا فإن الزخارف الإسلامية بأشكالها وأنواعها المختلفة والقبابالإسلامية القائمة على أغلب المنشآت المعمارية فى بيت المقدس لتدل دلالات كبيرة علىأن القدس مدينة عربية إسلامية لحما ودما وقد أكدت هذه الحقيقة الحفريات التى سبق أنذكرناها والتى أثبتت عدم وجود أى أثر يهودى فى فلسطين كلها وليس فى بيت المقدس فقط(45).









المبحث الثالث: سياسة التطبيع بين العرب وإسرائيل



ما هو التطبيع


يعرف الجميع أنّ الحركة الصهيونية و الكيان الصهيوني ارتكبجرائم لا تحصى في حق العرب و المسلمين ، قد بلغت درجة الجرائم ضد الأنسانية ، و المعضلةالتي ينتفض الأحرار ضدها هي الجهود التي تبذلها الصهيونية و تطلب من العرب و المسلمينالقبول بتلك الجرائم و أن يتم التعامل معها و كأنّها لم ترتكب أيّ جريمة ، فالتطبيعمع الكيان الصهيوني أو ما يسمى بكيان اسرائيل ، هو بناء علاقات رسمية و غير رسمية ،سياسية و اقتصادية و ثقافية و علمية و استخباراتية مع الكيان الصهيوني .


والتطبيع هو تسليمللكيان الصهيوني بحقه في الأرض العربية بفلسطين ، وبحقه في بناء المستوطنات و حقه فيتهجير الفلسطينيين و حقه في تدمير القرى و المدن العربية ، و هكذا يكون التطبيع هوالاستسلام و الرضا بأبشع مراتب المذلة و الهوان و التنازل عن الكرامة و عن الحقوق ،و من كبار المطبعين نجد الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس محمد أنور السادات و الملك الأردنيالحسين و الملك المغربي الحسن الثاني ، و قائمة طويلة من العرب المستعدين دوما لبيعكل شيء في سبيل الحفاظ على الملك العقيم ومن هذا المنطلق فهل يعد التطبيع حلالاً ومشروعاًيستفيد منه العرب والمسلمون ام انه يجرم لما يناله العرب من جرائم كثيرة ومتعددة؟ وتعوداسباب تجريم اسباب التطبيع مع العدو الصهيونى الى مايلى :-


أ- وجود اسرائيلذاته جريمة في حقنا .


ب- لم تتوقف الصهيونيةطيلة قرن من الزمان عن ارتكاب الجرائم : مجازر، تهجير ، تدمير القرى و المدن ، شنّالحروب على البلدان المجاورة ، تخريب الواقع العربي و العمل على إثارة الفتن داخل كلقطر عربي و مسلم


ج- كل انسان من حقهالدفاع عن نفسه و أرضه و ماله ،و الحركة الصهيونية عدوان على أرضنا و عرضنا و مالنا.


د- تونس عانت منالعدوان الصهيوني ، و استشهد تونسيون إثر الغارة الجوية الصهيونية على حمام الشط في01-10-1985 و كذلك اغتيال عدد من القيادات الفلسطينية في بلادنا، و مازلنا إلى اليومنسمع أخبارا عن الموساد في تونس ، و لن يكون دورهم غير التخريب ،


هـ- لا يمكن لأحدأن ينكر الواجب التونسي و العربي و الانساني تجاه المقاومة الفلسطينية و اللبنانية،فهي تخوض المعركة ضد كيان صهيوني ذي طبيعة عنصرية أبشع من عنصرية جنوب افريقيا ، وذي تاريخ دموي و ذي طبيعة عدوانية وظيفة تخريبية ،و نصرة المقاومة لا تتمّ إلاّ منخلال تجريم التطبيع .وقد يتساءل الانسان عن مخاطر التطبيع مع الكيانى الصهيوني ويمكنالحديث عنها من خلال النقاط التالية :-


أ‌- المساهمة في بناءالشرق الأوسط الكبير الذي يقوده الكيان الصهيوني، وهو الهدف الذي تسعى إليه الولاياتالمتحدة الأمريكية و الصهيونية منذ بدايات التطبيع (كامب دافيد ،أوسلو)


ب‌- التسليم بالتفوقالاستراتيجي للكيان الصهيوني اقتصاديا و عسكريا و محاصرة أي محاولة لمنافسة الكيانالصهيوني ،بل إنّ المنافسة تصبح جريمة في منظور المطبعين كما هو الشأن مع الحالة الايرانيةو ملفها النووي .


جـ ‌- الإمضاء على وثيقةالموت الطوعي للمشروع العربي و لمشروع التحرر و الاستنهاض ، إنّ التطبيع هو استباقللمستقبل و قتل لأي أفق مستقبلي يمكن أن تتغير فيه موازين القوى و يصبح العرب أقوياءو أحرارا، وبذلك فهو تعبير عن حالة اليأس المطلق.


د ‌- التطبيع هو تنازلعن المعنى الانساني عند العرب و البشر ، ومن العجيب هذا التناقض القاتل عند بعض الغربيينبين وقوفهم ضد الهولوكست و قبولهم بمجازر الصهيونية ضد العرب السؤال الكبير الذي يطرح على كل انسان : الصهيونية حركة عنصرية باعتراف الأمم المتحدةفكيف نقبل بوجودها بيننا ؟


إن الكيان الصهيوني قام على القتل و السرقة و يستمر بهذاالأسلوب فكيف نقبل بوجوده ؟ فإذا قبلنا و خاصة نحن العرب فكـأننا نضع أمننا و استقلالناو اقتصادنا و ثوارتنا في طبق نقدمها هدية إلى عدونا .


التطبيع قبول بتخريب الكيان الصهيوني لوطننا و قد ظهر هذاالتخريب في تقسيم السودان و في مصر و في لبنان و في العراق و في سوريا .والاستعداد الى تجزئة الكبير ، ثم القضاء على الثورات التى تطلع فيها الشعوبالعربية الى الحرية والديمقراطية لكى تنمو وتنهض .


لم يبقي امامنا الا خياراً واحدً لبث الرعب فى قلوب الصهاينةوتكبيدهم هزائم متتالية دفع الكثير منهم الى التفكير فى ان يغادر فلسطين بعد ان حررجزءا من الارض وان شاء الله يمكنه ان يحرر ما تبقي هذا هو خيار المقاومة ، مقاومة الفسادو الاستبداد و الصهيونية ،وهو كذلك خيار الديمقراطية و الوحدة الوطنية .


إذا كنا أمام هذه الفرصة التاريخية فلماذا نتنازل عن حقنافي الانتصار؟؟ لماذا نقبل الهزيمة و الإذلال ؟ لماذا ننقذ العدو الصهيوني من النتيجةالحتمية لجرائمه ؟ لماذا لا نشارك في أشرف معركة تخوضها الأمة و البشرية ، معركة زوالالصهيونية .

اختلاف المسلمينوالعرب حول قضية التطبيع مع اليهود



أولا : مقدمة في بيان معنى الصلح الشرعي ، والفرقبينه وبين التطبيع العصري :


لا بد للمسلم أن يعتني بمعرفة حقائق الأمور ، وإدراك ذلكيساعد على معرفة حكم الله على الحقيقة ويساعد في مسألة تحقيق المناط ، وحسن تنزيل الوقائععلى الأعيان والمعاني تنزيلا صحيحا . وأن لا يغتر المسلم بالألفاظ البراقة الخادعةالتي هي بخلاف حقيقتها ، فكم سُمي الشرك تعظيما للأولياء ، وسمى الربا بغير اسمه ،وسمي الخمر بمشروبات روحية وهكذا ، ويجب أن لا ننظر للأسماء فقط مع مخالفة الحقيقةونحكم بمجرد ذلك . قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله في منهاج التأسيسص12 ( وكم هلك بسبب قصور العلم وعدم معرفة الحدود والحقائق من أمة وكم وقع بذلك منغلط وريب وغمة اهـ ) .


ومن ذلك ما يجري اليوم مع اليهود حيث يُسمي صلحا ، ومصالحة، وفي حقيقة الأمر هو استسلام وتبديل وإلغاء لبعض الأحكام الشرعية وموالاة الكافرين،والاتفاق على شروط باطلة . على ما سوف نوضحه إن شاء الله , لأن مصطلح الصلح اليوم تغيّرعن المعنى القديم الموجود في القرون المفضلة وفي عرف العلماء والفقهاء ، وأصبح يعنياليوم أمورا أخرى ، وعليه يجب أن نفهم الصلح حسب عرف من يتكلم به وحسب المفهوم المعاصرلكي نعرف الحكم الشرعي الصحيح ولكي نصل إلى تحقيق المناط الصحيح وأيضا لكي نفهم اللعبة.


وبعد ذلك نقول ماذا يعني التطبيع في عرف اليهود والأمريكانوالساسة العرب , وهل هو منطبق على معنى الصلح الشرعي ؟ وما معناه من خلال واقع ثلاثمعاهدات تمت مع اليهود ( مع السلطة الفلسطينية و مصر و الأردن ) إذا عرفنا ذلك أمكنتصور معالم هذا التطبيع الجديد , والصلح العصري والتطبيع يعني تمكين اليهود من أرضإسلامية ، وعلى رقاب شعب مسلم ، ووجود سفارات وبعثات دبلوماسية ــ ولا يخفى أن هذهتتحول إلى أوكار للجاسوسية ــ ، ووجود شركات اقتصادية وملاحق عسكرية وثقافية وفنانين، وتعني تطبيعا سياحيا لاستجلاب اليهود يؤدي إلى إنشاء فنادق ومطاعم وبنوك ومراقص ومسارحو فن. وزيارة اليهود للمدينة لإقامة مهرجانات أعيادهم وزيارتهم لآثار أجدادهم وهذاهو الذي ينادون به وهو الذي حصل في الدول التي قبلت التطبيع المزعوم مع اليهود ، فاسألبه خبيرا ، واسأل شعوبها ماذا حصل ؟ ففيهم لنا عبرة فاعتبروا يا أولى الأبصار .


ويؤدي إلى ضياع المناهج التعليمية مع التطبيع ، و ضياع عقيدةالبراءة في تلك المناهج من الكفار عموما و من اليهود خصوصا .


ويقصدون بالتطبيع الكامل إقامة علاقات تجارية وسياحية ودبلوماسيةوثقافية وتاريخية طبق قرارات هيئة الأمم المتحدة ، وليس طبق قرارات القرآن والسنة. هذا هو معنى الصلح عندهم . وبذلك نعرف أنه يعني الاستسلام للكفار وعلو شأنهم وإضاعةللدين وللأراضي الإسلامية .


أما معنى الصلح الشرعي المجمع عليه فهو : الصلح مع الكفارإن دعت المصلحة على وضع الحرب مدة معلومة إن كان عقدا لازما ، أو مدة مطلقة إن كانعقدا جائزا ممكن الفسخ وقت الحاجة , هذا هو حدود الصلح الشرعي بالإجماع , أما المصالحةالمتضمنة تنازلات عقدية وإلغاء لأحكام شرعية فهذا صلح باطل شرعا بالإجماع ولا يجوز، و ليس هو صلحا مسموحا به شرعا بل حقيقته استسلام ونكوص عن الشريعة وتخل عن بعض أحكامهاوشرائعها ، وهذا لم يحصل من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن اعتقد أن ذلك حدث من الرسولصلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتد .


ثانيا : أدلة التحريم والمنع من الكتاب والسنةوالإجماع وباعتبار المفاسد والمآل .


إذا عرفنا ذلك فإن التطبيع مع اليهود محرم شرعا ، ولا يجوزلأحد كائنا من كان أن يعقده بتلك الصورة ، وإذا وقع كذلك فإنه يقع صلحا باطلا . أماالأدلة على ذلك :


1 ـ قال تعالى ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليومالآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتىيعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) وهذا التطبيع يعطل هذه الآية .


2 ـ ويضاد قوله تعالى ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل اللهوالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمأهلها ) وإذا كان الله أوجب القتال لإنقاذ المستضعفين فكيف نصالحهم صلحا يمكنهم منالمستضعفين من المسلمين وهذا مما يتضمنه التطبيع .


3 ـ قال تعالى ( فإن نقضوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فيدينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ) فأمر بمقاتلة الناقض والطاعن في الدين، فكيف نعقد معهم ما يسمونه صلحا في الوقت الذي يحرم عقده كما في الآيات السابقة .


4 ـ قال تعالى ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدينوأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) .


5 ـ ويضاد مقاصد الجهاد الشرعي الثابت في الكتاب والسنة والإجماع.


6 ـ وهو صلح باطل لما فيه من الشروط الباطلة المضادة للإسلام، وقد جاء في حديث عائشة مرفوعا ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كانمائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ) متفق عليه . ففيه من الشروط الاعتراف بالكياناليهودي ، وإلغاء الجهاد وأمثال ذلك .


7 ـ ويضاد الأحاديث الصحيحة التي تأمر بإخراج اليهود والنصارىمن جزيرة العرب وبالصلح المزعوم اليوم أدخلوا اليهود والنصارى إلى جزيرة العرب .


8 ـ ويضاد حديث ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) رواهالشيخان من حديث عائشة واللفظ لمسلم ، وهذا الصلح المذموم ليس عليه أمر الرسول صلىالله عليه وسلم بل هو مضاد له .


9 ـ ويضاد الأصول المجمع عليها في الجهاد والولاء والبراءوأصل عدم تمكين اليهود من جزيرة العرب .


ثالثا : مناقشة من أجاز التطبيع العصري بناءعلى صلح الحديبية ونحوه :


وقبل مناقشة هؤلاء يُقال لهم وهل الحكام أصلا عند قراراتهمالسياسية يبحثون عن الدليل الشرعي حتى نحاول التطوع بالتسويغ الشرعي لهم ، أم أن آخرما يفكرون به الناحية الشرعية , هذا إذا فكروا .


ويتضح الكلام في مسألة التطبيع المحرم لو أننا فرضنا أموراتمت في صلح الرسول صلى الله عليه وسلم ( وحاشاه ) مع الكفار لأنه بضدها تتبين الأشياءكما قال الشاعر :


الضد يظهر حسنه الضد ............ وبضدها تتبين الأشياء


صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم صالح الكفار سواء مع قريشأو يهود المدينة أو بعض قبائل العرب ولكن : ليس بتنازلات عقدية وشروط تضاد الإسلام. وهنا نسأل من استدل بذلك :


هل صالح الرسول صلى الله عليه وسلم الكفار على إبقائهم فيبلادهم دائما ومطلقا ؟ وهل صالحهم على إلغاء الجهاد ؟ وهل صالحهم على إنهاء حالة البغضاءو العداوة معهم . وهل صالحهم على تمكينهم من أراض إسلامية اغتصبوها ؟ وهل صالحهم علىسيطرتهم على رقاب المسلمين ؟ .


وهل صالحهم على عدم تعرضه لديانة الكفار وآلهتهم ، وإذا كانلم يقبل ذلك منهم والدعوة في بدايتها في مكة ( كما صح ذلك في السيرة ) لما عرضت عليهقريش أن يترك سب دينها وآلهتها مقابل أن يعطوه السيادة أو الملك أو المال ومع ذلك لميقبل وهو في أمس الحاجة لمهادنتهم ، فكيف يقبل ذلك وهو في دولة ذات شوكة وقوة ! . وهلصالحهم على أن لهم حق حكم المسلمين المستضعفين في مكة بشريعة الكفار ، أو أن تبقى زمامالكعبة بأيديهم كيف شاؤا ، ولو كانت قريش تخطط لقتل المسلمين هل كان يصالحهم ؟ وهوالذي بايع الصحابة في الحديبية تحت الشجرة لما قيل إن عثمان رضي الله عنه قُتل ، فأصبحالقتل مانعا من المصالحة . ولو كانت قريش تنتهك أعراض المسلمين ، وتخطط لهدم الكعبةوبناء أصنام العزى وهبل ومناة الثالثة الأخرى هل كان يصالحهم ؟ .


وهل يصح صلح يمكّن اليهود من المقام في جزيرة العرب باسمالسياحة أو إدارة اقتصادهم وأموالهم وشركاتهم وتمكينهم من إقامة معابد لهم ؟ .


إن من تأمل الإجابة على هذه الأسئلة يدرك بعين البصيرة شناعةما يُسمى بالصلح والتطبيع مع اليهود ومضادته المضادة الصريحة للإسلام . ونناقشهم أيضافي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتل قريشا قتال طلب فقد ذهب إليهم في أرضهم ثم صالحهم، فصلحه معهم في حكم جهاد الطلب فهو صلح طلب ، بخلاف قتال اليهود اليوم فهو جهاد دفع، وأحكام جهاد وصلح الطلب يختلف عن جهاد وصلح الدفع فكيف يُقاس هذا على هذا ؟ .


ونناقشهم أيضا ونقول هاتوا دليلا على أن الرسول صلى اللهعليه وسلم أو الخلفاء الراشدين صالحوا كفارا على التنازل لهم عن أرض إسلامية ؟ .


وهاتوا دليلا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الخلفاءالراشدين صالحوا كفارا سيطروا على أرض إسلامية فصالحوهم على أن يأخذ المسلمون جزءامن هذه الأرض التي سيطر عليها الكفار ليقيموا عليها حكما علمانيا ديمقراطيا لا دينيا؟ .


ويقال لهم هل تجوز المصالحة بهدف إقناع الشعب اليهودي أنالعرب لا يرفضونهم ولا يكرهونهم كما جاء في حيثيات إحدى المبادرات . وهل هدف المصالحةالإثبات لليهود أننا نحبهم ، أليس هذا يصادم القرآن والسنة والإجماع لأنه صلح يريدإزالة العداوة والبغضاء بين المسلمين واليهود . ثم ما حكم الصلح لو كان ركونا للدنياوكراهية لجهاد الدفع ؟ وما حكم الصلح لو كان ينتج عنه دولة علمانية لا دينية في الأراضيالتي سوف ينسحب منها يهود إن صدقوا في الانسحاب ؟


وهل من المناسب أن يُفرض التطبيع الآن بعد أن اشتد رعبهموهلعهم وبعد أن قويت شوكة إخواننا المجاهدين وفقهم الله في فلسطين ؟


وما حكم الصلح إذا كان فيه شروط باطلة تخالف أصول العقيدة.


ثم يقولون إن الضرورة أباحت الصلح ! فنقول وهل تبيح الضرورةالكفر والشرك المتعدي وهل تبيح إلغاء أصول الشريعة .


ثم إن مكة وقت صلح الرسول صلى الله عليه وسلم لهم دار كفرأصلي لم تدخل بعد وتتحول إلى دار إسلامية ، وفلسطين دار إسلام في الأصل فتحها المسلمونفكيف يُقاس هذا بهذا ؟


فإن احتجوا بقوله تعالى ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) قلناأكملوا الآيات ! تجدوا أن المخادع الخائن في العهد لا يصالح ، بل يُحرّض المسلمون علىقتاله ، والله ناصرنا عليه وهو حسبنا ( وإن يريدوا أن يخدعوك ــ أي اليهود ــ فإن حسبكالله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ) الآية ، ثم قال بعدها ( يا أيها النبي حرض المؤمنينعلى القتال ) الآيات . فكيف نستدل بأول الآيات ونترك آخرها ؟ . ويدل على هذا المعنىمفهوم المخالفة في قوله تعالى في شأن المعاهدين ( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) فإن لم يستقيموا لنا كما هو حال اليهود الخائنين ، فكيف نصالحهم ؟ مع أن القضية فيحقيقتها تطبيع وليست صلحاً.


رابعا : موقف العلماء المعاصرين من هذا التطبيع


لقد أوجب أهل العلم في العصر الحديث منذ بدأت قضية فلسطينقبل أكثر من خمسين عاما أوجبوا القتال ضد اليهود الغاصبين ، ومنعوا الصلح معهم ، الصلحالذي بمعنى الاستسلام ويعنى مضادة الشريعة وإلغاء بعض أحكامها ، وان سُمي صلحا .


وحسب علمنا فإنه منذ نشأت المشكلة الفلسطينية إلى قبل سنواتقليلة ما كان العلماء يختلفون في حرمة التطبيع مع اليهود ، ووجوب قتالهم .


فمن الفتاوى في ذلك :


1 ـ فتوى علماء وقضاة وخطباء فلسطين الذي انعقد في القدسعام 1355هـ الموافق 1935م وأصدروا فتوى بحرمة بيع الأراضي الفلسطينية على اليهود، لأنهيحقق المقاصد الصهيونية في تهويد أرض فلسطين ، وأن من باع الأرض عالما بنتيجة ذلك راضيابه فهذا يستلزم الكفر والردة ، وأشاروا إلى فتاوى علماء المسلمين في العراق ومصر والهندوالمغرب وسوريا والأقطار الأخرى بأنها أيضا تحرم بيع الأرض في فلسطين لليهود ، ثم ذكرواالأدلة في ذلك .


2 ـ وكذلك فتوى علماء الأزهر عام 1366 هـ وأيضا عام 1367هـ بوجوب الجهاد لإنقاذ فلسطين .


3 ـ وفتوى علماء المؤتمر الدولي الإسلامي المنعقد في باكستانعام1388هـ ، 1968 م .


4 ـ وكذلك فتوى لجنة الفتوى في الأزهر الصادرة عام 1375 هـبتحريم التطبيع مع اليهود .


5 ـ أيضا أصدر مجموعة من العلماء عام1409 هـ ، 1989 م ، بلغعددهم ( 63 ) عالما من ثماني عشرة دولة فتوى بتحريم التنازل عن أي جزء من فلسطين .


6 ـ وأصدر مجموعة كبيرة جدا من علماء اليمن فتوى في تحريمالتطبيع مع اليهود .


7 ـ وفتوى مؤتمر علماء فلسطين المنعقد في 1412 هـ أفتوا بحرمةالمشاركة في مؤتمر مدريد وأفتوا أيضا بحرمة التطبيع مع اليهود ثم ذكروا الأدلة الشرعيةفي ذلك .


8 ـ ثم إن علماء وأهل الجهاد والشوكة من أهل الحل والعقدمن أهل فلسطين لم يرتضوا هذه المبادرات القديم منها والحديث ، وحتى الشعب الفلسطيني، فلماذا يُفتات عليهم ولهم ذمة مستقلة تتيح لهم أن يكونوا أولى الناس بأمورهم ، وقدعارضت حركة حماس الجهادية بقيادة رئيسها الشيخ أحمد ياسين وفقه الله في بيان أعلن فيهرفضه لتلك المبادرات ، وقال : نحن نرفض أي اقتراح يتنازل عن أراضي فلسطين وأعلن أنهمسوف يواصلون الجهاد ضد اليهود .


وأخيرا :


يقال أيهما أولى التطبيع مع اليهود الخائنين والملحدين والغاصبين، أم التطبيع ونفع إخواننا المجاهدين المضطهدين في أفغانستان وفلسطين والشيشان وكشميروالفلبين أو أهل السنة في العراق وغيرهم , أم نبذهم والتخلي عنهم ، بل وأعانوا أعداءهمعليهم .


فان قالوا الحكومات ضعيفة ولا تستطيع بجيوشها قتال اليهودقلنا إذا كانوا لا يستطيعون فليسلّحوا الشعوب المسلمة ويتركوها تقاتل عنهم ، بل ليفتحواحدودهم فقط للمجاهدين وهذا يكفي ، بل ليسلّحوا الشعب الفلسطيني الشهم المجاهد ويدعموهليقوم بأعباء الجهاد عنهم ، وما ضاع حق وراءه مطالب ، قال تعالى ( كم من فئة قليلةغلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) .


ونقول لإخواننا المجاهدين في فلسطين المباركة إلى مزيد منالعمليات الاستشهادية الجهادية ، فإنها اليوم من أعظم الجهاد ومن أقوى النكاية في اليهود.


وندعوا إلى المقاطعة الاقتصادية لليهود والأمريكان وللدولوالشركات التي تساعدهم ، وكذلك ننصح إخواننا العلماء وطلبة العلم والدعاة والمعلمينوالأغنياء والخطباء والأئمة أن يقوموا بما أوجب الله عليهم من تبيين قضية البراء منالكافرين وتبيين حكم هذا الاستسلام لليهود ، وأن يساعدوا إخواننا المجاهدين الذين يجاهدونلإعلاء كلمة الله من الفلسطينيين كل بما يستطيع ، قال صلى الله عليه وسلم ( جاهدواالمشركين بأنفسكم وأموالكم وأيديكم وألسنتكم ) رواه أحمد وأهل السنن من حديث أنس ,ولابد من الدعاء والقنوت لهم في هذه النازلة التي ألمت بهم .


وننصح الحكام العرب أن يتقوا الله ، ويراجعوا دينهم ، ويبتعدواعن هذا التطبيع المحرم مع اليهود قبل أن يحل عليهم غضب الله ونقمته .


ولا يعني حديثنا عن اليهود قاتلهم الله أننا نهوّن الأمرمع غيرهم من الكفار من نصارى وغيرهم فإن الكفر ملة واحدة , وحكمنا في هؤلاء مثل حكمنافي أولئك .


نقول هذا إبراء للذمة ونصحا للأمة وبيانا للحق ودفعا للالتباسوالتضليل والله أعلم





التطبيع من منظور اسرائيلى صهيونى :


1. مصطلح"التطبيع" كما جرت العادة من استعماله في الآونة الأخيرة ، يحمل معاني كثيرةمتباينة ومتشابكة، واكتسب من المدلولات العاطفية ما جعله يثير الحساسية بشكل يخلق ضبابيةحول فهمه فهماً دقيقاً، وفهم المعاني القريبة منه، حتى أصبح المصطلح متشابهاً في استعمالاته،وحاجباً للمعنى بدلاً من أن يكون أداة دقيقة للتعبير عنه


2. بالنسبة للعلاقاتبين الدول العربية وإسرائيل، يعني التطبيع قيام هذه الدول أو مؤسساتها أو أشخاصها فيتنفيذ مشاريع تعاونية ومبادلات تجارية واقتصادية، في غياب استتباب السلام العادل، وذلكإخلالاً بالموقف السياسي التاريخي لتلك الدول والقائل بأن مقاطعة الدول العربية لإسرائيليجب أن تستمر حتى يتحقق ذلك السلام العادل، بل وكوسيلة ضغط لتحقيقه. والتطبيع في هذهالحالة أصبح يعني ليس فقط السماح بتطوير علاقات طبيعية بين المعتدي والمعتدَى عليهفي غياب العدالة، أي في وضع غير طبيعي، بل والسماح أيضاً بالأضرار في تلك الأداة التيهي إحدى أدوات تحقيق تلك العدالة المنشودة


3. يختلف الأمر"بطبيعة الحال" بالنسبة للشعب الفلسطيني ومؤسساته وأشخاصه المتواجدين علىأرض فلسطين، سواء أولئك منهم الذين بقوا داخل ما أصبح دولة إسرائيل، أو أولئك الذينيتواجدون في مناطق السلطة (الضفة الغربية وغزة) أو في مدينة القدس التي تم ضمها عام1967، حيث أن وجود المؤسسة الإسرائيلية بشكل أو آخر في كافة هذه المناطق قسرياً فرضحقائق ووقائع بأشكال مختلفة عبر الأزمنة والمراحل المختلفة كان لا بد من التعامل معهابأساليب وأشكال مختلفة أيضاً من أجل الحفاظ على البقاء وتوفير أسباب الصمود على الأرض


4. يتضح مما سبقأنه بينما يمكن القول أن القاسم المشترك لكافة أشكال التعاطي مع المؤسسة الإسرائيليةمن قبل فئات الشعب الفلسطيني مهما اختلفت كان ضيق الهامش المتوفر لمقاطعة إسرائيل وأجهزتهاوأنظمتها وقوانينها وتعليماتها، فان العنصر المميز بينها جميعاً من جهة وبين الوضعلدى الدول والشعوب العربية غير الواقعة تحت السيطرة المباشرة الإسرائيلية هو توفر هذاالهامش لدى تلك الدول والشعوب والتي لم تضطر إلى التعاطي مع المؤسسة الإسرائيلية منأجل الصمود أو التطور


5. فلقد اضطر الشعبالفلسطيني مثلاً داخل إسرائيل عبر خمسين عاماً للانخراط في أجهزة الدولة إلى حد ما.ولا يمكن اعتبار هذا الانخراط القسري تطبيعاً، وإنما جاء كتطور ضروري من أجل تحقيقمصلحة البقاء لهذا الجزء من الشعب، الذي لم يمكن له التنفس إلا من خلال الأجهزة الرئويةللمؤسسة الإسرائيلية، اقتصادياً وسياسياً


6. أما في مناطقالضفة وغزة، والتي تقع بعضها الآن تحت سيطرة السلطة النسبية، فلقد كانت هذه المناطقمنذ عام 1967 وحتى العام 1993، أي حتى قيام السلطة، أيضاً منخرطة وإلى حد كبير في أجهزةالدولة الإسرائيلية المحتلة، وكان هامش المقاطعة لأبناء الشعب الفلسطيني في هذه المناطقمن فلسطين أيضاً محدوداً، وكان الانخراط حاجة قسرية طال الجوانب الحياتية المختلفة،الاقتصادية منها والمدنية


7. اعتمد الفلسطينيونفي الضفة والقطاع في تلك الفترة في أكثر من 90% من استهلاكهم للخدمات والمنتجات علىإسرائيل، وكذلك في مداخيلهم، لكن هذه الشبكة من العلاقات المتنفذة إن تميزت بشيء فلقدتميزت بكونها شبكة تم تسخيرها بشكل محكم لخدمة الاقتصاد الإسرائيلي، وذلك على حسابالاقتصاد الفلسطيني الذي منع من تطوير ذاته بشكل يخدم حاجة المجتمع الفلسطيني كمجتمعمستقل، بالرغم من أن المردود في المجتمع الفلسطيني كان هو زيادة معدّل دخل الفرد فيالفترة نفسها، أكان الفرد موضع البحث عاملاً أو تاجراً أو وكيلاً لشركة إسرائيلي


8. عند قيام السلطةالفلسطينية عام 1993 وذلك نتيجة المفاوضات وعملية السلام، حاولت هذه السلطة جاهدة تغييرمعادلة الاعتماد غير المتكافئ، وذلك في بعض المجالات الممكنة والمفيدة، وهدفت السلطةلإعادة تصميم هذه الشبكة من العلاقات بشكل أكثر إنصافاً للشعب الفلسطيني، لكن السلطةلم تنطلق من نقطة قرار لمقاطعة إسرائيل أو لتحطيم شبكة العلاقات معها من حيث المبدأ،أكان ذلك لأسباب أو لضرورات جغرافية وديموغرافية واقتصادية. بل هي تحرّت بأن تعيد تصميممعادلة شبكة العلاقات بشكل يوفّر ولأول مرة الفرصة للمجتمع الفلسطيني لأن يتطور ككتلةاقتصادية متميزة ومتجانسة، تخدم أهدافه السياسية الجماعية، بدلاً من خدمة الأهداف الاقتصاديةوالسياسية لمجتمع آخر، هو المجتمع الإسرائيلي


9. نستنتج مما سبقأن ضرورات التحليل الموضوعي تتطلب إبراز محورين أساسيين للبحث، أحدهما التمييز بينشبكة العلاقات ما بين الدول العربية وإسرائيل من جهة، وشبكة العلاقات ما بين فئات الشعبالفلسطيني المتواجدة على أرض فلسطين وإسرائيل من جهة أخرى، مع ما يتبع هذا التمييزمن ضرورات في استعمال مقاييس ومصطلحات وصفية متمايزة. وأما المحور الثاني، فهو التمييزفي شبكة العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية ما بين تلك التي تخدم المجتمع/الاقتصاد الإسرائيليعلى حساب نظيره الفلسطيني (مع الاعتراف بزيادة دخل الأفراد في المجتمع الأخير، وإنكان بدرجات متفاوتة)، وتلك العلاقات التي تخدم المجتمع/الاقتصاد الفلسطيني (مع الإدراكبإمكانية رفع مستوى معيشة الفرد كنتيجة لرفع فعالية الاقتصاد الجماعي الذي ينتمي إليهذلك الفرد)


10. بالنسبة للمحورالأول، فكما سبق وقيل فإن استعمال مصطلح "التطبيع" كوصف للعلاقات بين إسرائيلوجاراتها العرب يختلف نوعياً عنه كوصف للعلاقات بين إسرائيل وفئات أو أفراد الشعب الفلسطينيالمتواجد على أرض فلسطين. أما بالنسبة للمحور الثاني فمع أن مصطلح "التطبيع"لا يبدو ملائماً في وصف العلاقات القسرية بدءاً، فجدير بنا أن نبرز بعض الملاحظات المتعلقةبالتمييز بين المردود الفردي للعلاقة، أية كانت، والمردود الجماعي لتلك العلاقة أولغيرها. وسوف أخص بالذكر هنا نموذجين، هما العلم من جهة واستهلاك البضائع والمنتجاتالإسرائيلية من جهة أخرى، حيث أن من الجلّي أن أحدهما أكثر عرضة للتساؤل من الناحيةالوطنية من الآخر، حتى ولو لم يكن مصطلح "التطبيع" ملائماً في وصف كلاهما


11. من الواضحأن وكيل المبيعات لمنتج إسرائيلي (في الصناعة النباتية مثلاً) إنما يحقق مصلحة فردية(أي لنفسه) بالأساس، خاصة عندما تتوفر الإمكانية، ولو استراتيجياً، لتصنيع هذه المنتجاتمحلياً، كما أن من الواضح أن المصلحة الجماعية تكمن، عندما تتوفر الإمكانية الإستراتيجيةلذلك، تحديداً في تطوير القدرة على هذا التصنيع المحلي وفي المقابل، فان من الواضحأيضاً أن الباحث العلمي الفلسطيني في سياق تعاونه البحثي مع نظيره الإسرائيلي في مجالتحديد عناصر الإنتاج (كالبذور مثلاً في الصناعة النباتية)، إنما يساهم بالأساس، ليسفي تحقيق الدخل الفردي أو المصلحة الذاتية فحسب، وإنما في العملية الإستراتيجية الهادفةإلى تطوير قدرة مجتمعه على التصنيع في هذا المجال. فالعلم الذي ينهله هذا الباحث يرشحمنه لزملائه ولطلابه ومجتمعه ويرفع من المستوى والاستعداد العلمي – البحثي الجماعي،والذي هو من باب المصلحة العامة. وأذكر هنا بأننا نتكلم بالأساس عن حلقة علاقات قسريةبالأساس


12. يُستنتج مماسبق أننا إذا أردنا التمييز بين نوعين من الاتصالات في شبكة العلاقات الفلسطينية –الإسرائيلية، لتحديد أيهما أكثر منفعة للجانب الفلسطيني، فإننا نجد بسهولة أن الاتصالاتالقائمة على مستوى التعاون البحثي أو العلمي هي الاتصالات الأكثر فائدة للمصلحة العامة،وأما الاتصالات الأخرى، فأنواعها وفوائدها ومنافعها ومضارها متفاوتة، وأترك للقارئمجال تمحيص كل واحدة منها


13. تأسيساً علىما سبق، فإنه من باب المفارقة الملفتة للنظر تعرض الاتصالات الإسرائيلية – الفلسطينيةالعلمية للنقد بمبرر التطبيع، بينما قد تكون هي الوحيدة، من بين كافة الاتصالات والعلاقاتالأخرى، أكان في ظل الاحتلال عموماً، أو في ظل العملية السلمية تحديداً، ذات فائدةعلى مستوى المصلحة العامة


14. بطبيعة الحال،حتى لو أردنا تصور وضع فلسطيني يمكن فيه تنفيذ المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية ما أمكنالتي لها بدائل فلسطينية المنشأ والتصنيع، فإننا مع ذلك قد نرى أن المصلحة تقتضي عدمالمقاطعة للاتصالات العلمية والبحثية، بل تكثيفها، تحديداً لكي نرفع من مستوى القدرةعلى توفير البدائل وتنويعها وتعددها


15. بالرغم مماسبق وقيل، فإن الحصافة تستوجب الاحتراز من الوقوع بالخطأ في كثير من المشاريع البحثيةالمشتركة الممكنة، وخاصة تلك منها الممولة من مصادر أجنبية، كأن يكون الموضوع قيد البحثغير مفيد فلسطينياً، أو أن يكون سطحياً وليس جوهرياً، أو أن يكون بغالبه تظاهرياً أوإعلامياً، أو أن يكون وسيلة لبعثرة الأموال على السفريات والمؤتمرات في الفنادق السياحية،وغيره من الأمور، ولتفادي هذه الأخطاء فإن ثمة مبادئ يمكن الاسترشاد بها، وهي المشاركةالكاملة في تصميم الموضوع المطلوب بحثه، إن لم يكن فلسطيني المنشأ كلياً، والمشاركةالمتساوية الكاملة في ترشيد إدارته والتحكم في مصاريفه، والشفافية الكاملة لكل جزءأو مرحلة أو جانب من جوانبه


16. آخذاً هذهالمبادئ وغيرها في عين الاعتبار، دأبت جامعة القدس في السنوات الأخيرة على تطوير وترشيدشبكة من العلاقات الأكاديمية مع المؤسسات الإسرائيلية، نجحت خلالها في تحقيق مجموعةمن المصالح العامة، وفي تطوير بنيتها التحتية العلمية، البشرية منها والفنية، وهي تفعلذلك ليس من باب التطبيع، كما سبق وتم تفسيره، ولا أيضاً من باب جني الأرباح الفرديةأو الشخصية، بل من باب محاولة تسخير واقع غير مرغوب أصلاً (شبكة العلاقات الاحتلاليةالقسرية، وشبكة العلاقات التجارية ذات الفوائد الفردية) لتحقيق مصلحة عامة


17. بقي القولأن هناك الكثيرين ممَن يرون في التعاون الأكاديمي هذا ضرباً من ضروب التطبيع، بمعنىأنه يجب أن يكون مرهوناً بتحقيق السلام العادل، أو مرهوناً بتحقيق الحريات الكاملةلمؤسسة التعليم العالي الفلسطينية، كما أن هنالك مَن يرى في هذا التعاون مكسباً إسرائيلياً،أو جائزة، لا يجب إعطاؤها للجانب الإسرائيلي على طبق من فضة، بل يمكن إعطاؤها له كثمرةلقيامه على التنازل السياسي، أو كمقابل لإعادة الحق إلى أهله


إنني شخصياً أعتقد بضحالة منطق هذا الموقف، للأسباب المختلفةالتي سبق وذكرتها، وغيرها أيضاً، حيث أن إسقاط مصطلح له معانيه المحدودة في إطار ماعلى إطار آخر يفقده مدلولاته، السياسية وغيرها. ولا تزول هذه الأسباب برأيي، إلا فيحالة واحدة فقط، وهي الحالة التي يتخذ فيها المواطن الفلسطيني في الأرض المحتلة عام1967 موقف المقاطعة الكاملة، بدءاً بالعمالة الفلسطينية، ومروراً بالمصالح التجاريةالمشتركة (الشركات وغيرها) والتعاون الأمني، حتى نصل العلم، وهي آخر قناة يجب المطالبةبقطعها، ولا يُعقل أن تكون الأولى، في ظل الإبقاء على كافة القنوات الأخرى، بما فيهاقناة بطاقات الشخصيات المهمة، والكازينو، وغيره


18. لم أورد فيما سبق أي موقف سياسي، أي تجاه المقاطعةأو الحرب أو السلم أو غيرها، بل أسست كلامي على ما هو قائم فعلاً، وسقت البرهان ضمنما هو قائم على أفضلية التعاون العلمي – البحثي الإسرائيلي/الفلسطيني على التعاون فيالمجالات الأخرى، حيث أنه بما أن الأخيرة قائمة، فبالأحرى أن تكون الأولى كذلك


التطبيع.. خدمة عربية لـ "إسرائيل"ومدخل لتقوية علاقاتها الدولية


تواصل وفود عربية (أفرادًا وجماعات) زياراتها التطبيعية العلنيةوالسرية لدولة الاحتلال، زاعمة أنها تحاول "مدّ" جسور التعاون والحوار معالإسرائيليين، وفتح آفاق لحل الصراع المستمر منذ عشرات السنين.


وأثارت تلك الزيارات ردود فعل مستنكرة، حيث وصفها كثيرونبأنها تحسين لصورة نتنممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.php، وحذّرت فصائل فلسطينية من خطورة أي زيارات أو نشاطات لأيشخصيات أو وفود عربية أو إسلامية تطبيعية مهما كان مبررها بدورها، رأت حركة "حماس"في بيان لها تعقيبًا على ذلك، أن الإتصال بالاحتلال ولقاء قادته، "يعكس خطورة،تسهم في تشكيل مجموعة من المتأثرين بالتطبيع والمروجين له مع الاحتلال".


رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.php، تفاخر في عدة لقائلاتبالعلاقات القائمة بين حكومته ودول عديدة في المنطقة، وقال إن "انقلابًا حدث فيعلاقتنا مع دول عربية مهمة"، مضيفًا أن "هذه الدول العربية صارت تفهم أنإسرائيل ليست عدوًا، وإنما حليف وسند في مواجهة تصاعد أخطار الإسلام المتطرف على شاكلةتنظيم الدولة الإسلامية"، على حد تعبيره.


وزعم نتيناهو أن هذه العلاقات تساهم في تحقيق السلام، متغافلًاالأهداف السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تجنيها تل أبيب من خلف هكذا علاقات.


وأضاف: "التطبيع مع العالم العربي يمكنه أن يساعدنافي حث السلام بيننا وبين الفلسطينيين".


فيما تطرق الإعلام العبري لتفاصيل بعض من هذه الزيارات واللقاءات، فكتب المعلق العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"،أليكس فيشمان، عن ذلك قائلًا "الغرام السري يخرج إلى العلن"، في إشارة منهلتنامي التطبيع.


إدانات لقاءات التطبيع العربي- الإسرائيلي لم تقتصر على الفصائلوالشخصيات السياسية، بل تعدى ذلك ووصل إلى مؤسسات والفعاليات الشعبية والأهلية، ومنهااللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل، والتي أكدت على أن صمت الحكومات العربيةعلى مشاركة ممثليها الرسميين وغير الرسميين في لقاءات التطبيع، "تواطئًا مشينًامن قبل هذه الحكومات في دعم الأجندة الإسرائيلية الساعية لتطبيع العلاقات مع الوطنالعربي لتصفية القضية الفلسطينية، وضرب كل أشكال المقاومة الفلسطينية والعربية لنظامإسرائيل الاحتلالي والاستعماري والعنصري".


ودعت اللجنة في بيان لها، إلى تصعيد الحركات الشعبية لمقاطعةإسرائيل وتكثيف الضغوط على "الحكومات العربية المتواطئة لوقف هذا تطبيعها المشين".كما أدانت اللجنة في بيانها، الدور الذي يلعبه مسؤولونفلسطينيون وما تسمى بـ "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي"، المنبثقة عن"منظمة التحرير الفلسطينية"، في نشر فكر التطبيع وترويج مشاريعه، وبناء جسورتستخدمها بعض الأنظمة العربية كذريعة لتطبيعها.


وشددت على أن "المحاولات اليائسة" من قبل بعض الأنظمةالعربية للتعامل المتدرج مع إسرائيل لا كدولة "طبيعية" وحسب، بل كحليف محتملفي التجاذبات والصراعات الإقليمية، لا تخدم إلا تل أبيب ومشروعها الاستعماري التوسعي،بحسب تعبير اللجنة.


من جانبه، أكد عماد أبوعواد (المختص بالشأن الإسرائيلي)،أن الاحتلال يرى بأي علاقته مع الدول العربية خدمة له من نواحي مختلفة ومنها السياسية،خاصة في ظل تراجع العلاقة السياسية بين الاحتلال ودول على الساحة الأوروبية. وشدد عوادخلال حديث مع "قدس برس"، على أن المدخل العربي مهم لدى الاحتلال الإسرائيليلتقوية العلاقات مع دول أخرى في العالم، "يمكن أن تكسبها دولة الاحتلال لصالحهافي الأمم المتحدة ، وفي محافل دولية أخرى".


وأشار إلى أن هناك مطالبات مستمرة من قبل قيادات أمنية وسياسيةإسرائيلية بضرورة أن تخرج اللقاءات السرية معها إلى العلن ولا تبقى تحت الطاولة.


لافتًا النظر إلى أن كثيرًا من اللقاءات التطبيعية السريةتتم بطلب عربي، منعًا لردود فعل داخلية من قبل جمهورها.


وأضاف: "الإعلام العبري يسعى للكشف عن بعض اللقاءاتالسرية بتوجيه من المستوى السياسي، وتتحدث كثير من المعطيات أن حوالي نصف الدول العربيةلها علاقات بشكل أو بآخر مع الاحتلال وهو ما تحرص غالبية هذه الدول على عدم كشفه".


وبيّن المختص بالشأن الإسرائيلي أن هناك شريحة واسعة في دولةالاحتلال تفضل أن تتم أي مفاوضات مع الفلسطينيين بمشاركة وغطاء عربي، ليكون ذلك وسيلةلحسم المشكلة الفلسطينية وتحميل العرب المسوؤلية، وذلك تحقيقًا لرغبة فلسطينية، بعدالاشتراطات التي أصبح من الصعب التراجع عنها من قبل القيادة الفلسطينية.


ولفت عواد إلى أن هناك مآرب اقتصادية يسعى الاحتلال لتحقيقهامن إقامة علاقات إسرائيلية- عربية، ومن بينها توفير سوق استهلاكي للصناعات الإسرائيلية،بعد أن طرأ تراجع على حجم الصادرات إلى الدول الأوروبية في الآونة الخيرة.


ورأى أن هناك سخط شعبي من مدى تطور علاقات التطبيع بين دولعربية والاحتلال، في ظل جرائم الأخير المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.وفي السياق ذاته،قال المحلل السياسي عدنان أبوعامر، إن علاقات الاحتلال مع الدول المحيطة وطيدة وعمرهايزيد عن 30 عامًا، "إلا أن الجديد هي العلاقات السرية التي بدأت تخرج للسطح مع دول بعيدة عن إسرائيل جغرافيًا، مثل دولالخليج".


وأوضح أبوعامر خلال حديث مع "قدس برس"، أن دولًاعربية مختلفة؛ خاصة الخليجية منها، تسعى لإقامة علاقات مع الاحتلال، لاعتبارات كثيرة،منها المساعدة في مواجهة التنظيمات الجهادية، وكذلك النفوذ الإيراني، ناهيك من أن العلاقةتساهم في تقارب هذه الدول مع الولايات المتحدة عبر دولة الاحتلال.


وبيّن المحاضر الجامعي، أن الاحتلال لا يُخفي أن هناك تقدمًاحقيقيًا وجديًا في علاقاته مع دول عربية، ويُشير (الاحتلال) أن هذه العلاقات أصبحتتحالفًا أقرب مما هي علاقات عابرة.


وذكر أن هناك مكاسب كثيرة يحصدها الاحتلال من وراء توطيدعلاقاته بالمزيد من الدول العربية، فهي ترى (إسرئيل) أنها بعد أن كانت دولة منبوذة،أصبح الاعتراف بها رسميًا، ولم تعد الدولة العدو بالنسبة للعرب.


وتابع: "هذه العلاقات تساهم في تطويع وترويض الذهنيةالعربية على قبول إسرائيل كأي دولة في العالم، وهناك تخوف من أن تغادر فكرة القضاءعلى إسرائيل أذهان الطير من العرب".


وأشار إلى أن الدول العربية بهذا التطبيع تقدم خدمة مجانيةلإسرائيل، مقابل مصالح آنية سياسية وعسكرية، "خاصة أن هناك مخاوف لدى بعض هذهالدول من تهديد أنظمتها السياسية، معتقدة أن ارتباطها بالاحتلال يمد لها أسباب الحياة".


العرب وإسرائيل.. التطبيع من أجل الخلاص


الفرصة سانحة الآن للدول العربية لإقامة تعاون مع إسرائيل،في ظل التهديدات الإيرانية للمنطقة». -بنيامين نتيناهو- قد تتعدد التوصيفات الدالةعلى «ماهية التطبيع» لكن الأقرب هي «دلالة التعايش» ،التعايش بما يتضمّن «رفع أي رمزيةنبذ أو تحقير أو عدائية «لهوية خاصة» ومقابل هذا الرفع المساوي له «احترام هوية» و«المشاركة معها في تشكيل تنمية شاملة وفق مساواة حافظة لكرامة الهوية وحقوقها»،وبذلكيتحقق من هذا الرفع؛ تجاوز آثمية دلالة الآخر للهوية المضافة، الانفتاح الاندماجي معالهوية الغيرية بضمير المشاركة، وحدة المصير والمنجز.


لو تأملنا مسألة التطبيع سنجد أن العرب و إسرائيل كلاهمافي حاجة إلى التطبيع، وهنا سأتوقف عند فائدة الطرفين من التطبيع.


أولا: العرب


لا يخفى على أحد اليوم طبيعة محركات القوى على خارطة المنطقة،فهي تتوزع على محركين ؛ إيران، وإسرائيل، والدول العربية تقع بين هاتين القوتين وعليهاأن تختار نهاية المطاف مع من تصطف مع إيران المدعومة من روسيا وطموحاتها الاستحواذية،أو إسرائيل المدعومة بلا قيد ولا شرط من أمريكا،والتي أيضا لها طموحات استحواذية منالنيل إلى الفرات، وبذا تظل الدول العربية بين سندان إيران ومطرقة إسرائيل، واختيارالعرب لإحدى القوتين لمساندتها ضد الأخرى تعتمد على أي القوتين أقل ضرراً للعرب وأكثرفائدة، والكفة فيما أعتقد ستكون نهاية الأمر لإسرائيل؛ فالتحالف مع إسرائيل سيحقق المسودةالعربية للتفاوض الأرض مقابل السلام حتى لو كان هذا التفعيل في أدنى مستوياته أي؛ أنالفائدة من التحالف مع إسرائيل أفضل حالاً من التحالف مع إيران، كما أن التحالف الإسرائيليالعربي سيكون درع حماية للعرب من الأطماع الاستحواذية لإيران، وبذلك لن تُصبح إيرانحليفا مسانداً للعرب؛ لأنها تراهم عرقاً من الدرجة الثانية غير مساوين لها في الوزنوالقوة.


وهكذا يُصبح الوضع السياسي للمنطقة من أهم الأسباب التي تدفعالدول العربية إلى التطبيع مع إسرائيل سواء على مهل أو عجلة.


ويمكننا إيجاز ضرورة التطبيع العربي الإسرائيلي فيما يأتي.


*التطبيع مقابل السلام؛ فالعرب تستخدم التطبيع «كورقة ضغط»على إسرائيل لحلحلة مفاوضات السلام أولا، واستغلال رغبة إسرائيل في فتح أبواب الدولالعربية أمامها ثانياً.


*التطبيع من أجل التحالف العربي الإسرائيلي ضد إيران.


*الحصول على الدعم الأمريكي الدائم باعتبار إسرائيل الطفلالمدلل لأمريكا وأحبابها هم أحباب أمريكا بالضرورة.


ثانيا:إسرائيل


لا شك أن التطبيع من أهم المسائل عند الإسرائيليين لأنه يحّللها تعقيدات الاعتراف العربي بوجودها ويسهل لها تخفيض فاتورة السلام، كما يفتح أمامهاأبواب الدول العربية، ويمكن تحديد أهمية التطبيع مع العرب لإسرائيل كالآتي:


*سدّ حاجتها من الأيدي العاملة العربية لنمو اقتصادها، والتطبيعيضمن انتقالاً سهلاً و سلساً وخالياً من التعقيدات العرقية أو المساءلة التاريخية للعمالةالعربية إلى إسرائيل.


*استثمار رؤوس الأموال العربية وخاصة الخليجية لبناء كونفدراليةاقتصادية تستعمر العالم على غرار نظام الرأسمالي الأمريكي.


*استثمار الأسواق العربية لما تنتجه الشركات الإسرائيليةوهو ما يقلل عليها تكلفة تصدير إنتاجها إلى أمريكا وأوروبا.


*تغيير المنهج الفكري للذهنية العربية من خلال انتقال «الهويةالإسرائيلية» من «كائن مغتصِب» إلى «فاعل مشارك في تنمية المنطقة» وهو فوز تاريخي للهويةللإسرائيلية.


لكن يجب ألَّا نغفل مسألة مهمة هنا وهي أن قرار»التطبيع العربيالإسرائيلي» ليس مجرد قرار حكومي للدول العربية فهو أيضا قرار شعبي. والقرار الشعبيقد يراه البعض صعب المنال نظراً للطبيعة الذهنية الشعبية العربية المتوارثة، وهي ذهنيةقد تعيق إتمام أي علاقة شعبية للتطبيع شاملة، وهو أمر تجاوزه يحتاج إلى «ثورة على المفاهيمالقديمة» تقوده الثقافة والفن.


في حين يرى البعض أن الذهنية العربية الشعبية قد تغيّرت وفقالضغوط السياسية والاقتصادية التي تعرضت لها منذ هزيمة 67 وحتى اليوم، فتلك الضغوططهرّتها من جذورها الوجدانية وقربتها إلى العقلانية كما طوّرت مفهومها للنفعية، فإذاقُدمت لها إسرائيل كمخلّص اقتصادي لأزماتها لن تتردد في مصافحتها،كما أن العولمة غيّرتحسابات الشباب العربي فقد أتاحت الانفتاح الفكري على الجميع وقبوله والتفاعل معه، وهوما قد يجعل عدو الأمس زميلا مشاركا في التنمية التي سيستفيد منها الطرفان، فالتشاركفي المنفعة هي التي تغلب آخر المطاف، مما يجعل «الهوية الثقافية العربية ظلاًّ لا سلطانا».وهكذا يصبح التطبيع مصدر خلاص للجميع.


لماذا تعتبر فرص التطبيع ضعيفة؟


التقاء المصالح المتزايد والتقارب الاستراتيجي والتعاون السريبين إسرائيل وبين الكثير من الدول العربية يعتبر واقعًا، إسرائيل أصبحت بعيدة عن رأسسلم الأولويات الأمني كعدو بالنسبة للقادة العرب الذين يتقاسمون معها المخاوف العميقةفيما يخص إيران والإسلام المتطرف وعدم الاستقرار الإقليمي. من وراء الأبواب المغلقةيعترف هؤلاء الزعماء بأن إسرائيل لا تهددهم، وأن هناك مزايا استراتيجية واقتصادية تكمنفي التعاون الخفي معها. وحسب ما قاله لي مسؤول رسمي كبير في الخليج “نحن وإسرائيل ننظرإلى المنطقة من منظور متشابهٍ للغاية، الإسرائيليون لا يقتلون شعبنا، إيران والدولةالاسلامية يقومان بذلك”، وحتى الملك السعودي سلمان – الذي لا يعترف بوجود إسرائيل بشكلرسمي – يعترف بأن إسرائيل هي “حقيقة قائمة” وإلى ذلك، ما تزال هناك عقبات سياسية كبرىأمام التقارب العلني بين الدول العربية وإسرائيل، فالحكومات العربية في الدول الرائدة– وسيما في الرياض – تواجه مجموعة كبيرة من التهديدات التي تهدد أمنها، بل وحتى جوهروجودها، وهي تشهد تهديدات أمنية من جانب إيران واليمن وسوريا والتنظيمات الإسلاميةالمتطرفة، بمن فيهم الاخوان المسلمين والقاعدة و”الدولة الإسلامية”، وتواجه تهديداتعلى استقرارها السياسي من جانب تجمعات سكانية فائرة وكبيرة، وتضطر إلى مواجهة التغيراتالاجتماعية والتقنية المتسارعة والتراجع الاقتصادي الذي مصدره أسعار النفط المتدنية.


في ظل هذه الظروف لا يستطيع زعماء المنطقة أن يسمحوا لأنفسهمبإنفاق رأس مال سياسي نفيس في الدفاع عن التقارب العلني مع إسرائيل، الخطوة التي سيعتبرهامعظم مواطنيهم خيانة للكفاح الفلسطيني الذي ما يزال يحظى بدعم الشعب. زعماء عرب سابقونممّن وافقوا على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل (أنور السادات في مصر وحسين ملكالأردن) كانوا زعماء أقوياء ومستبدين، شعروا بأنهم قادرون (بالخطأ في حالة السادات)على القيام بالمخاطرة السياسية في التطبيع مع إسرائيل دون تعرض حكمهم للخطر. غالبيةالزعماء العرب الحاليين لا يريدون ان يروا أنفسهم ذوي قدرة على مثل هذه المخاطرة السياسيةدون مقابل معقول وأكيد.


كما ان هناك معيار إقليمي مهم آخر: في حقبة التنافس السياسيالمر مع إيران، العربية السعودية على وجه الخصوص لن ترغب بالتنازل عن القضية الفلسطينيةلصالح خصومها في طهران، والذين من المؤكد أنهم سيشجبون الرياض في أي تقارب علني معإسرائيل. الإيرانيون في هذه الحالة سيزعمون بأنهم هم المدافعين الحقيقيين عن الحقوقالإسلامية في القدس، وسيسعون إلى تقديم العربية السعودية – حتى في عيون مواطنيها –على انها “دمية” في يد الولايات المتحدة وإسرائيل، إنها مخاطرة لا يستطيع القادة السعوديونالقيام بها.


واضحٌ ان السؤال “ما هو الممكن وغير الممكن؟” مختلف إلى حدكبير بين مختلف الدول العربية، فمصر والأردن لهما الآن علاقات دبلوماسية وأمنية معإسرائيل، تُعتبر أقرب من أي وقت مضى من عدة نواحٍ (وإن لم تحظَ بالعلانية بعد)، موريتانيااعترفت بإسرائيل في 1999، وإن كانت قد جمّدت هذه العلاقات فيما بعد، في الماضي قاممسؤولون كبار من قطر وعُمان والمغرب بزيارة نظرائهم الإسرائيليين، وسمحوا لإسرائيلبفتح ممثليات تجارية في بلدانهم، غير ان هذه المكاتب اضطرت إلى إغلاق أبوابها مع اندلاعجولات الحرب بين إسرائيل والفلسطينيين (عمان أغلقت الممثلية عام 2000 بعد اندلاع الانتفاضةالثانية، وقطر فعلت ذلك بعد عملية “الرصاص المصبوب” في غزة عام 2009)، الامارات المتحدةتستضيف وفدًا إسرائيليًا تابعًا للوكالة الدولية للطاقة المقيمة في أبو ظبي، يمكنهاعلى ما يبدو ان توسع بأناة علاقاتها مع إسرائيل، لكنها لن ترغب بالمخاطرة والتعرض للانتقادمن قبل أعدائها في حماس والاخوان المسلمين، العربية السعودية لديها مساحة مناورة أقلبسبب مكانتها الخاصة في العالم الإسلامي، الهشاشة النسبية في نظامها السياسي وشدة منافستهاالإقليمية مع إيران وحكومات كل من العراق ولبنان وسوريا واليمن متأثرة للغاية بإيران،بحيث ان أي تقارب مع إسرائيل لن يكون واردًا بالحسبان؛ الأمر الذي يوحد جميع الدولالعربية المختلفة هذه هو عدم الرغبة في دفع الثمن السياسي للتقارب العلني مع إسرائيلفي ظل غياب أمر حقيقي ما يبدو انه مقابل.


حتى الخطوات الجزئية نحو التطبيع، والتي كثيرًا ما نوقشت(مثل: العلاقات في الاتصالات السلكية واللاسلكية بين الدول العربية وإسرائيل، وإعطاءحق المرور للطائرات الإسرائيلية، واستصدار تصاريح لرجال الأعمال الإسرائيليين للعملفي الخليج، وتبادل البعثات الرياضية أو الثقافية أو اقامة اتصال مع دبلوماسيين إسرائيليينخلال اللقاءات الدولية) ستحتاج على ما يبدو إلى خطوات كبيرة من جانب إسرائيل، أكثرمما يعتقده الكثيرون من الإسرائيليين.


وكذلك مثل هذه الخطوات المعتدلة ستكلف الزعماء العرب ثمنًاباهظًا في حال ضبطوا يقومون بها على خلاف رغبة الفلسطينيين، الذين يتمسكون بالخوف منان التطبيع الاقتصادي والدبلوماسي سيكون على حساب تطلعاتهم السياسية، ويظنون ان الوقتيعمل لصالحهم. على سيل المثال: اللفتات الاقتصادية التي أعلنت عنها إسرائيل خلال زيارةالرئيس ترامب في مايو 2017 – بما في ذلك تسهيل دخول العمال الفلسطينيين إلى إسرائيل،وزيادة ساعات فتح معبر اللنبي إلى الأردن، والسماح بتوسيع المنطقة الصناعية في ترقومياإلى داخل المنطقة (ج)، وإعطاء التراخيص لألاف البيوت الفلسطينية في أجزاء المنطقة(ج) – لم يكن لها سوى القليل من التأثير. رغم الخلاف الكبير الذي أثارته هذه الخطواتفي الكابينت الإسرائيلي؛ إلا انها بدت في نظر العرب أشكالًا مكررة لما كان قد وُعدبه الكثير من المرات في الماضي. وبشكل غير مفاجئ، التقارير الواردة في الصحف التي أكدتان دول الخليج العربية بلورت مقترحًا، وكانت على قريبة من صفقة تطبيع مع إسرائيل عشيةرحلة ترامب في المنطقة؛ اتضح أنها كانت مبكرة للغاية.


الدول العربية، وبتحذير من الفلسطينيين، كانت حذرة أيضًامن القيام بخطوات ستفسر على أنها “دائمة” أو “شرعية” تجاه إسرائيل مقابل خطوت إسرائيلية“شرعية” بأنها ستكون عكسية. على سبيل المثال: الاعتراف الرسمي بإسرائيل على أنها دولةيهودية أو الموافقة على إبقاء التواجد الإسرائيلي في التجمعات الاستيطانية الكبرى مقابلتوسيع حرية حركة الفلسطينيين أو الحكم الذاتي، والذي يمكن إلغائها في المستقبل بكلسهولة. بهذا الخصوص تجدر الإشارة إلى ان الجامعة العربية في بيانها الأخير، والذي صادقتفيه على التزامها بالمبادرة العربية للسلام، والتي تقترح الاعتراف بإسرائيل مقابل السلامالشامل مع الفلسطينيين وتعهد الزعماء العرب بالتطبيع فقط بعد إتمام سحب القوات الإسرائيليةبالكامل من المناطق الفلسطينية، فهم يخشون من ان أي ترتيب آخر من شأنه ان يقود إلىالاعتراف بإسرائيل مقابل انسحاب لا يتم في وقته المحدد.


وخلاصة القول: ان هناك فرق بنيوي كبير في الطريقة التي تنظرفيها كل إسرائيل والعرب إلى الخطوات باتجاه التطبيع؛ إسرائيل ترى فوائد عظيمة في تسليطالضوء على التعاون الاستخباري والعسكري والاقتصادي الذي سيدفع بالفعل باتجاه قبولهافي المنطقة ويقلل الجهود الدولية المبذولة في عزلها ويحرر جزءًا من الضغوطات الممارسةعليها من أجل القيام بتنازلات أخرى لصالح الفلسطينيين، إسرائيل ستوسع شرعيتها الدوليةمن خلال إقامة علاقات رسمية مع الدول العربية الكبرى، وستجد الأعمال الإسرائيلية فرصًاجديدة في الأسواق العربية إذا أمكنها العمل هناك علانية. لدى العرب في المقابل الديناميكامعكوسة، فتحويل التعاون من السرية إلى العلن سيجبي منهم ثمنًا باهظًا، ولأن الدول العربيةتحصل من إسرائيل على أغلب ما تريده بطريقة سرية فليس لديها دافع كبير لتوسيع العلاقاتالعلنية معها دون ان يكون لذلك سبب مهم. حتى مصر والأردن – واللتان لهما علاقات دبلوماسيةمع إسرائيل وتعاون أمني واستخباري موسع معها – من وراء الكواليس ترفض ان تبدو متصالحةجدًا على الملأ طالما ان مواطنيها تعتبر تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين بكل هذه السلبية.


كتاب جديد عن التطبيع| وأديب إسرائيلي يحكي عن«لقائه الملهم» بنجيب محفوظ


"غصن الزيتون" - اسم الكتاب الإسرائيلي الذي صدرمؤخرًا بتل أبيب، ويحكي فيه سفير تل أبيب السابق بالقاهرة، شمعون شامير، قصة إنشاءالمركز الأكاديمي الإسرائيلي بمصر، وفقًا لما أوردته صحيفة هآرتس العبرية في مقال للأديبوالكاتب الإسرائيلي، إيلي عامير؛ وهو الكتاب الذي يظهر على غلافه صورة شامير جالسًامع الرئيس الأسبق أنور السادت. وبعنوان "عودة إلى السنوات الجميلة في العلاقاتبين القاهرة وتل أبيب"، لفت عامير إلى أن "غصن الزيتون" يصف محاولاتاختراق الحواجز البيروقراطية والإدارية بين الشعبين المصري والإسرائيلي، مضيفًا أنهفي اليوم الذي أعلن فيه الرئيس السادات في مجلس الشعب المصري - نيته زيارة القدس، بدأشامير في كتابة يوميات كانت العمود الفقرى لكتاب (غصن الزيتون). أشار عامير، إلى أنالكتاب ملئ بحوارات رائعة مع كتاب وأكاديميين وطلاب ومثقفين مصريين، كما يتضمن تحليلاتوملاحظات سياسية واجتماعية وثقافية تتعلق بكل من الشعبين المصري والإسرائيلي، موضحًاأن الكتاب يعد تحليلًا رائعًا ومفيدًا كُتب بقلم باحث عن السلام ويطمح في التقريب بينالشعبين. أوضح عامير، أن "غصن الزيتون" يعطي فرصة للوقوف على اتجاهات صائغيالرأي العام، وكشف مواقف العديد من الشخصيات غير المعروفة للجمهور الإسرائيلي، مستدركًا:"شامير من أبرز الخبراء بالشأن المصري، وأقام المركز الأكاديمي الإسرائيلي وأدارهعلى مدار عامين، بعدها عمل كسفير لتل أبيب بالقاهرة، لكنه يرى أن أفضل أنجاز قام بههو إقامته للمركز، كما أن المهمة لم تكن بالسهلة، فقد كان هناك عراقيل وحواجز بيروقراطيةمرهقة وتصيب بالإحباط واليأس، كما كان هناك حواجز من نوع آخر تتمثل في العقليات والمخاوفالمتعددة لدى الجانب المصري". أشار عامير، إلى أن السفير يصف في مؤلفه الحواريالقاهرية والنخبة المصرية وحتى الإنسان العادي في الشارع والسوق، كما يتحدث عن النيلوالمدينة الرائعة، مردفًا: "إقامة المركز الأكاديمي الإسرائيلي جاءت بموافقة مصركما هو مفهوم، لكن لكي يتم إنشاء الأخير كان لابد من عمل دبلوماسي معقد وممارسة ضغوطقام به شامير وأنصاره، كما أن المركز أقيم عام 1982، واهتم شامير وزوجته دانيلا بالاهتمامبكل التفاصيل؛ بداية من تأجير المكان مرورا بتزويده بالأثاث وحتى إنشاء مكتبة للبحثوالقراءة، وقاعدة للأحداث والفعاليات وغيرها". شاهد أيضا مستشار بيجن يحكي كواليسكامب ديفيد: لماذا شحب وجه مبارك؟ خالد النبوي ينشر فيديو لأبطال «كامب ديفيد» وهميحاولون نطق اسمه هاشتاج «كامب ديفيد» يتصدر «تويتر» بالصور.. عائلة «السادات» تشاهدمسرحية كامب ديفيد بالصور| أسرة السادات تشاهد عرض «كامب ديفيد» لخالد النبوي نتنممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.php:نرفض مبادرة فرنسا والسلام مع الفلسطينيين سيتحقق مثل «كامب ديفيد» «أحرونوت»: بعد تنازل مصر عن «تيران وصنافير» للسعودية..«كامب ديفيد» قد تتغير «من اتفاقية 1906 حتى معاهدة كامب ديفيد».. لغز «تيران وصنافير»بين مصر والسعودية السادات: على من أسقط عضوية «عكاشة» المطالبة بإلغاء «كامب ديفيد»مدير مركز يافا: إسقاط عضوية عكاشة من البرلمان مقدمة لإلغاء «كامب ديفيد» وقال إن"المركز هو قاعدة بحثية هدفها مساعدة الباحثين المصريين والإسرائليين، وقد تضمنمن ضمن فعالياته دعوة باحثين وأكاديميين في كل المجالات، وكتّاب ومفكرين لإلقاء محاضراتهناك والالتقاء بطلاب وباحثين مصريين، لقد حللت ضيفًا على المركز عدة مرات وكنت شاهدًاعلى ما يقوم به رؤساء الأخير الذين فتحوا لي نافذة على الأكاديميين والمفكرين والكتابالمصريين، على مدار السنوات وسعت من دائرة معارفي المصرية، وبعد صدور روايتي (ياسمين)في مصر، حظيت بمقابلة كبير الأدباء المصريين، نجيب محفوظ، وخضنا في حديث طويل وملهم".وأوضح أن "المركز يعمل تحت رعاية الأكاديمية الوطنية للعلوم في إسرائيل، والتيدعمته حتى في فترات الأزمات والتدهور في العلاقات بين القاهرة وتل أبيب"، لافتًاإلى أن "المركز ورؤساءه لا يهتمون بالقضايا السياسية، كما يمتنعون عن اتخاذ أيخطوة من شأنها أن تفسير كانحراف عن مهامهم الأكاديمية". ولفت إلى أنه "بطبيعةالحال يخضع المركز للرصد والمتابعة من قبل السلطات المصرية، في الوقت الذي يشوه فيهمعارضو السلام والتطبيع المصريون سمعة المركز ويطالبون بإيقاف نشاطاته، ويرون فيه بعثةللتجسس و العمالة لصالح تل أبيب، وكان رؤوساء المركز والسفير مضطرين إلى صد هذه الهجمات،التي ليس لها أي أساس من الصحة". وختم: "كل تغيير في العلاقات المصرية الإسرائيليةيؤثر على نشاطات المركز وبالتأكيد على عدد زائريه؛ مع إكمال تل أبيب انسحابها من سيناءسادت روح طيبة وازدهار في العلاقات مع القاهرة، خاصة فيما يتعلق بتبادل المعارض والسائحين،كما قل تصوير إسرائيل بشكل شيطاني، وزاد عدد مؤيدي السلام، اليوم لم يعد هناك شيئاباقيا من هذه الروح، السلام مستمر، سواء كان باردا أم دافئًا، المهم أنه قائم.. كِتابغصن الزيتون هو شهادة بقلم مصدر أول وموثوق، وليس من فراغ قال شامير وزوجته أن سنواتهمفي المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة هي أجمل أعوام قضاها الاثنان في حياتيهما،لقد كانت هذه السنوات أيضا الأجمل في علاقات مصر وإسرائيل".


















































مراجع الباب الثالث


1- سورة الحجراتآية 13 2- سورة آل عمران آية 110


3- سورة البقرة آية 143 4- سورة آل عمران 85


5- انظر اليهود المغضوب عليهم . لمحمد عبد العزيز منصور دارالاعتصام ص27-28 6-المصدر السابق ص29


7- سورة المائدة آية 60 8-سورة آل عمران آية 67


9- سورة آل عمران آية 65


10- سفر التكوين الإصحاح 17 ، 21


11- سفر الخروج الإصحاح 29 ، 30 ، 31


12- سفر الملوكالأول- الإصحاح 8


13- سفر الملوك الأول . الإصحاح 8


14- انظر التلمود تاريخه وتعاليمه ص76، 77، 84 لظفر الدينخان نقلا عن كتاب قبل الكارثة نذير ونفير ص155


15- انظر التلمود تاريخه وتعاليمه ص66 ، 72 ، 84 ظفر الدينخان دار النفائس نقلا عن عبد العزيز بن مصطفى كامل فى كتابه قبل الكارثة نذير ونفيرص154 ، 155


16- انظر"القاموس السياسى" أحمد عطية الله ص917


17- دائرة المعارفالبريطانية ، طبعة 1964م


18- دائرة المعارفالبريطانية ، طبعة 1926 ، ج27 ، 28 / 986 ، 987


19- قبل الكارثةنذير ونفير . مرجع سابق ص167


20- قال ذلك فىخطاب أمام الكنيست الإسرائيلى فى مارس 1979م نقلا عن المصدر السابق ص167


21- كتاب الثورةلمناحم ريجين ص325 نقلا عن المصدر السابق


22- انظر يوسف الحاج"هيكل سليمان أو الوطن القومى لليهود" ص35 نقلا عن المرجع السابق .


23- انظر البروتوكولالحادى عشر من بروتوكولات حكماء صهيون .


24- الماسونية فىالعراء ص105


25- من كتاب البنايةالحرة ص150 نقلا عن كتاب قبل الكارثة نذير ونفير ص176 26- انظر الماسونية فى العراء ص150


27- إنجيل متى 24 /1 28- انظر "التلمودوتعاليمه" ، ص661 .


29- أثريون يؤكدون عروبة القدس بألف وثيقة القاهرة - محمدالصادق صحيفة البيان الإماراتية 5/3/2003* القدس العربى 27/12/1997م


30- انظر مقال محمد الصادق صحيفة البيان الإماراتية 5/ 3/ 2003


31- انظر المقال السابق


32- أحمد عثمان - الشرق الأوسط العدد 8636 –21/7/2002 بتصرف


33- انظر مقال أحمد عثمان بعنوان فشل رجال الآثار فى العثورعلى بقايا الملك سليمان فى فلسطين جريدة الشرق الأوسط العدد 8636 فى 21/7/2002م


34- انظر المقال السابق 35-انظر المقال السابق


36- المقال السابق 37-المقال السابق


38- انظر فشل رجال الآثار فى العثور على بقايا الملك سليمانفى فلسطين مقال فى جريدة الشرق الأوسط سبق ذكره .


39- الدكتور عفيف البهنسى المصدر:يوم القدس: أبحاث الندوةالسادسة "هوية القدس العربية والإسلامية" 2-5 تشرين الأول 1995م - عمان


40- المقال السابق .


41- الدكتور عفيف البهنسى المصدر:يوم القدس: أبحاث الندوةالسادسة "هوية القدس العربية والإسلامية" 2-5 تشرين الأول 1995م – عمان


42- المقال السابق . 43-سورة البقرة آية150


44- المقال السابق


45- للمزيد يرجع البحث السابق الدكتور عفيف البهنسى المصدر:يوم القدس: أبحاث الندوة السادسة "هوية القدس العربية والإسلامية" 2-5 تشرينالأول 1995م – عمان




__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09-08-2021, 06:36 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي


الباب الرابع


من أضاليل اليهودفى تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف


المبحث الأول:


من أضاليل اليهودفى القرآن الكريم


المبحث الثانى:


الإسرائيليات فىالقرآن الكريم


المبحث الثالث:


من أضاليل اليهودفى الحديث الشريف


المبحث الرابع:


التأثير والتأثربين الإسلام واليهودية


ويتناول النقاطالتالية


اولا: بين الاسلامواليهودية


ثانياً:الاخلاقفى سفر اللاويين ومقارنتها بالاخلاق فى الشريعة الاسلامية


ثالثاً:من مظاهرالتأثير والتأثر بين السبت والجمعة















الباب الرابع


من أضاليل اليهودفى تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف


المبحث الاول


من أضاليل اليهودفى القرآن الكريم



يتعرض القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة اليوم لمحاولاتعديدة من خصوم الإسلام بهدف تشويههما وتحريفهما ، وليست تلك المحاولات وليدة اليومفقط وإنما هى قديمة ، ممتدة فى التاريخ الإسلامىمواكبةً الدعوة منذ إشراقتها الأولى ، حمل لواءها أعداء الإسلام من يهود ووثنيين ونصارىأجيالا بعد أجيال إلى يومنا هذا وقد عبر القرآن الكريم عن تلك الظاهرة التى كان يقومبها أهل الكتاب تجاه القرآن الكريم بقوله: "وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتابلتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولونعلى الله الكذب وهم يعلمون" (1) فالآية الكريمة هنا تعبر عن نموذجللمضللين من رجال الدين اليهود والنصارى فهم يؤلون نصوص الكتاب لتوافق أهواءهم ومصالحهموأهواء الكنيسة وأهواء الحكام وهذه هى آفة رجال الدين فى ذلك العصر وفى كل عصر فهمأيان يفسدوا يصبحوا أداة طيعة لتزييف الحقائق تحت اسم رجال الدين وهذه الحالة التىيذكرها القرآن عن أهل الكتاب نعرفها جيدا فى زماننا هذا فهم يلوون ألسنتهم بالنصوصليصلوا منها إلى مقررات معينة يزعمون أنها مدلول هذه النصوص وأنها تمثل ما أراده اللهمنها بينما هذه المقررات تصادم حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية وبين تلكالمقررات المفتعلة المكذوبه التى يُلجأون إليها النصوص إلجاءا ويلوون معها النص إلتواء(2)


وإذا كانت حملات التشويه قد استهدفت القرآن الكريم عبر العصورفنحن نتساءل لماذ القرآن الكريم على وجه الخصوص هو الذى يلاقى تلك التهم وتلك المزاعمالخبيثة؟!


لقد عرف أعداء الإسلام أهمية كتاب الله تعالى فى نفوس المسلمينوعرفوا مدى تعلقهم به كما عرفوا أيضا أنه هو الباعث على نهضة المسلمين ومُحى همتهموموحد كلمتهم وباختصار هو سبب نجاح المسلمين فى كل اتجاه وهو منهج المسلمين الأعم والأشملوقد أدرك ذلك أعداء الإسلام .


يقول الحاخام الأكبر لإسرائيل سابقا مردخاى إلممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.php ، مخاطبامجموعة على وشك الالتحاق بالجيش الإسرائيلى: (هذا الكتاب الذى يسمونه القرآن هو عدوناالأكبر والأوحد ، هذا العدو لا تستطيع وسائلنا العسكرية مواجهته ، كيف يمكن تحقيق السلامفى وقت يقدس العرب والمسلمون فيه كتابا يتحدث عنا بكل هذه السلبية؟! على حكام العربأن يختاروا ؛ إما القرآن أو السلام معنا) (3)


ويقول وليم جيفورد: (متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلادالعرب ، يمكننا حينئذ أن نرى العربى يتدرج في طريق الحضارة الغربية بعيدا عن محمد وكتابه)(4)


ويقول اللورد كرومر فى مصر: (جئت لأمحو ثلاثا: القرآن والكعبةوالأزهر) (5)


يقول جون تاكلى: (يجب أن نستخدم القرآن - وهو أمضى سلاح- ضد الإسلام نفسه ، بأن نعلم هؤلاء الناس- يعنى المسلمين - أن الصحيح فى القرآن ليس جديدا ، وأن الجديد ليس صحيحا) (6)


الشبهه الاولى الطعن فى القرآن الكريم


لقد وجد أعداء الإسلام أن سبب قوة المسلمين ووحدتهم هو القرآنالكريم فهو الذى يبعث فيهم الحياة ويحضهم على الشهادة فيحبون الموت كما يحبون الحياةومن ثم توجه هؤلاء الأعداء إلى الطعن فى القرآن الكريم حتى ينتزعوا منه قدسيته ويثبتواأنه ليس من عند الله بل من عند محمد ومن هذا المنطلق يتم لهم إيجاد ثغرة كبيرة وهوةعميقة بالطعن فى القرآن الذى هو مصدر توحيدهم وسر قوتهم وقد كان الهدف من هذا الطعنهو فتح باب النزاع والشقاق بين المسلمين على مصراعيه وقد نوه إلى ذلك القرآن فيقولتعالى: "ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق ، وإن الذين اختلفوا فى الكتاب لفى شقاقبعيد" (7) .


كما كان هدفهم زرع الفتن بين المسلمين عن طريق القرآن الكريموذلك بالحديث عن الآيات المحكمات والمتشابهات يقول الله تعالى: "هو الذى أنزلعليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين فى قلوبهم زيغفيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخونفى العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب"(8)


ومن هذا المنطلق أيضا فإن من جملة أهداف العدو من الطعن فىالقرآن الكريم هو هدم القرآن كلية فقد روى عن الشعبة عن زياد بن حذير قال . قال لىعمر هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت لا . قال: يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتابوحكم الأئمة المضللين(9) وإذا ما تحقق هذا - لا قدر الله - فيتحقق لهؤلاءالأعداء ما يريدون ويصبح المسلمون صيدا سهلا لا هم لهم إلا أن يسيروا فى ركاب أعدائهمالمضللين واتباع ملتهم يقول تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبعملتهم"(10) وللأسف الشديد فقد تحقق لهم من هذه الأهداف الكثير فى هذهالأيام فقد بوعد بين المسلمين وبين كتابهم فاستبدلوا بأحكامه الغراء قوانين وضعية منالغرب وعزل القرآن الكريم عن التحكيم بين الناس وصدق رسول الله كما روى عن معاذ بن جبل رضىالله عنه أنه قال: سمعت رسول الله يقول "خذوا العطاء مادام العطاء لله فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه ، يمنعكم الفقر والحاجة، ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار ، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقانفلا تفارقوا الكتاب ، ألا أنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم ، فإذا عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا يا رسول الله كيف نصنع ؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى بن مريم نشروا بالمناشيروحملوا على الخشب . موت فى طاعة الله خير منحياة فى معصية الله (11)


والمطاعن فى القرآن الكريم كثيرة ولكنها تنبع من معين واحدويمكننا أن نوجزها فى أربعة أصول يتفرع من بعضها فروع أخرى وهذه الأصول هى :


1- نفى نسبة القرآن لله تعالى ويتضمن هذا النفى أن القرآنمن صنع محمد ومن تأليفه وأنه مقتبس من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل(12)وأصحاب هذا الطعن يقولون أن القرآن الكريم من عند الله تعالى وليس من عند محمد (ص)ولكنه ليس مقدسا بل يمكن نقده . وفى هذا الطعن مرمى خبيث حيث طالما نقد القرآن فى نظرهمفهو معرض للصواب والخطأ ومن هنا تزول قدسيته من النفوس .


2- يرى أصحاب هذا الطعن أن القرآن من عند الله جل جلاله. ولكن يدعون عدم حفظه فبذلك يكون القرآن قد تعرض للتغيير والتبديل .أما الأصل فلاوجود له(13)


3- اتهام القرآن بالتناقض حيث تتناقض الآيات بعضها مع بعض.


4- اتهام القرآن بمعارضة الحقائق الشرعية ومعارضة الحقائقالتاريخية وكذلك معارضة الحقائق الكونية وحقائق العلم التجريبى الحديث(14)


وسوف نوضح فيما بعد أمثلة من تلك الطعونات ولكن من الملفتللنظر أن هذه المطاعن منها مطاعن واضحه صريحه كما هو فى طعون المستشرقين غالبا وطعونغامضه وملتوية وغير مباشرة كما فى طعون العلمانيين واليهود وغيرهم .


من أمثلة الشبهات التى يذكرها الطاعنون :


أ- قوله تعالى فى خلق أدم أنه من تراب كما جاء فى الآية59 من سورة آل عمران ومرة أخرى يقول من حمأ مسنون كما جاء فى سورة الحجر 26 ومرة ثالثةيقول من طين لاذب" سورة الصافات آية 11 ومرة رابعة يقول من صلصال كالفخار"سورة الرحمن آية 14 وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها فى أحوال مختلفة .


ب- قوله عن عصى موسى فإذا هى ثعبان مبين سورة الشعراء آية32 ، وفى موضع أخر تهتز كأنها جان" سورة القصص آية 31


ج- تقوى الله حيث يقول تعالى: " اتقوا الله حق تقاته"آل عمران أية 102 ، ثم يقول فى موضع آخر "فاتقوا الله ما استطعتم" سورة التغابنآية 16 .


د- ومثل تعدد الزوجات حيث يقول تعالى فإن خفتم ألا تعدلوافواحدة سورة النساء آية 3 ثم يقول فى آخر السورة " ولن تستطيعوا أن تعدلوا بينالنساء ولو حرصتم" النساء آية 129


ھ- قوله تعالى "إن الله لا يأمر بالفحشاء" سورةالأعراف آية 28 ، ثم يقول فى مكان آخر "إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيهاففسقوا فيها" سورة الإسراء آية 16


وهكذا نجد من هذه الأمثلة الكثير والكثير وهذا راجع إلى قصورفى فهم هؤلاء الناس لمقاصد القرآن الكريم وعدم فهمهم لأساليب اللغة العربية وجهلهمبالناسخ والمنسوخ وموقف سلف الأمة فى تفسيرهم للقرآن الكريم وتنزيههم كلام الله عنتلك المطاعن والخرافات . وقد قيض الله للقرآن الكريم من دافع عنه ضد تلك المطاعن والشبهاتوأبانوا عن قدسيته وسلامته من تلك الطعونات وما أكثر هؤلاء المتعنتين الذين يسألونعن بعض آيات القرآن الكريم سؤال التعنت لا سؤال التعلم وقد روى عن عامر بن وائله أنابن الكواء سأل عليا رضى الله عنه فقال يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا قال ويلكسل تفقها ولا تسأل تعنتا(15)


وكما فعل عمر مع صبيغ فعل مع رجل آخر فعن السائب بن يزيدأن رجلا قال لعمر رضى الله عنه إنى مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن وقال عمر اللهمأمكنى منه ، فدخل الرجل على عمر يوما وهو لابس ثيابا وعمامة ، وعمر يقرأ القرآن فلمافرغ قام إليه الرجل فقال يا أمير المؤمنين ما الذاريات ذروا؟ فقام عمر فحصر عن ذراعيهوجعل يجلده ثم قال ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب وأبلغوا به حيه ، ثم ليقم خطيبا فليقل:"إن صبيغا طلب العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا فى قومه بعد أن كان سيدا فيهم"(16) .


وإذا كنا سنتحدث عن تلك الحملات فسوف نقصر الحديث فى هذهالعجاله على تلك الحملات التى يواجهها القرآن الكريم فى عصرنا الحاضر حيث تناوله المستشرقونبالدس والتحريف ثم نعقب ذلك الحديث بمجموعة من الأمثلة لبعض التفاسير القرآنية التىغصت بها الإسرائيليات فى القرآن الكريم منذ القرن الهجرى الأول والثانى والثالث لنثبتأن إسرائيليات اليوم التى جاءت على ألسنة بعض المستشرقين واليهود وغيرهم ما هى إلاامتداد لفكر تلك الإسرائيليات التى واجهها القرآن الكريم من أهل الكتاب من قبل ، وقدوقع اختيارنا عند الحديث عن المستشرقين المعاصرين أن نتحدث عن أخطر هؤلاء المستشرقينالذين تناولوا القرآن الكريم بالدس والتحريف والتشويه ، ومن أخطر هؤلاء المستشرقينالمستشرق اليهودى الأمريكى "ماكدونالد" وكذلك المستشرق اليهودى "جولدزيهر" والمستشرق الإنجليزى "جب" فهؤلاء هم أكثر المستشرقين حقدا وخطرا على الإسلام .


وليس هدفنا هنا أن نتتبع كل محاولات حملات التشويه للقرآنالكريم ، وإنما نحاول أن نتحدث عنها فى الإطار الزمنى الذى حددناه لهذا البحث وهو قرنانأو قرن ونصف قرن من قبل وقتنا الحاضر . ومن أخطر المصادر التى حاولت العبث بالقرآنالكريم وتعمدت تشويهه كتاب "دائرة المعارف الإسلامية" وبخاصة من كتب منهمفى التعريف بكلمة "الله" سبحانه وتعالى ، ونذكر منهم المستشرق الحاقد شديدالخطر "ماكدونالد" D.B.Macdonald حيث أساء هذا المستشرق وأخطأ وتخبط وأضر بنفسه وبالحقيقه العلمية أكثر مماأضر بالإسلام أو بالقرآن الكريم أو بالرسول محمد (ص) .


إن المتأمل فيما كتبه فى"دائرة المعارف الإسلامية"(17)يستطيع أن يرى ما تخبط فيه ذلك الكاتب ، وما قال فيه من غير علم أو تعقل وما ينم عنجهل بالعقائد الدينية وتاريخها ، وبأصول اللغة العربية . فقد فضح نفسه بتعصبه الأعمىالبعيد عن الحق وهذا هو شأن أغلب المستشرقين المتعصبين يقول "ماكدونالد"فى حديثه عن القرآن الكريم بأنه من صنع محمد (ص) وليس من عند الله وهى تلك الأضلولةالتى طالما رمى بها القرآن منه ومن غيره ومن أمثلة أباطيله وجهله عن الملائكة".. كما أنه من المحقق أن أهل مكة جعلوا بينهم وبين الجنة نسبا .. وجعلوهم شركاءلله وقرابين لله وكانوا يعيذون بهم ولسنا نعلم علم اليقين هل كانت قد وجدت لديهم فكرةعن الملائكة أو أنهم جعلوهم شركاء لله وربما كان هذا تفسيرا من عند محمد(18)(.


فالخطير فى كلامه هنا أنه يدعى أن القرآن الكريم من عند محمد(ص) ، ثم يتبين جهله الشديد فى حديثه عن الملائكة فهو يتساءل بغباء هل الجاهليون كانوايعرفون الملائكة فلو قرأ ماكدونالد حياة العرب قبل الإسلام لعرف أن لفظة ملائكة هىلفظة عربية أصيلة عرفها الجاهليون فى أشعارهم وفى كلامهم وقد جاء القرآن الكريم بلغةالعرب وقد تحدث عن الملائكة فى أكثر من موضع يقول الله تعالى :"الله يصطفى منالملائكة رسلا ومن الناس" (19) وقال فى موضع أخر : "الحمد للهفاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا" (20) ولفظة الملائكة التىمفردها ملك هى لفظة مشتقة من الألوكه وفعله لاك أى أرسل والألوكه والمألكه الرسالةفالآيات القرآنية التى جاءت فيها لفظة ملائكة تدل على أنه جنس نورانى لطيف من عند اللهوأن القرآن الكريم قد استخدمه بمعنى الرسالة فلو قرأ مكدونالد تاريخ العرب فى الجاهليةلعرف تلك اللفظة وعرف أن بعض الجاهليين كان يعتقد أن الملائكة بنات الله فقد تخيلواأن الله أصهر إلى الجن وأن الملائكة هم بناته منه وأن من العرب من كانوا يتقربون إلىالله بالملائكة يطلبون منه الشفاعة لأنهم بناته والآيات القرآنية التى تؤكد معرفة العربللملائكة واعتقادهم فيها آيات كثيرة يمكن الرجوع إليها فى المصحف الشريف .


ثم يكرر المستشرق هذا القول فى مواضع أخرى يثبت من خلالهاأن القرآن الكريم من خيال محمد(ص) وأنه يزيد أو ينقص فيه حسب ضرورات السجع فى الكلامويأتى بدليل فيقول: "وقد عَّرف محمد الله جل وعلا "بأنه الملك المنتقم الغيوروأنه سيحاسب الناس بغير شك ويعاقبهم فى اليوم الآخر وبها تحولت الفكرة الغامضة عن اللهإلى ذات لها خطر عظيم وينبغى لنا أن نتبسط فى الكلام على هذه الذات كما تصورها محمدرسول الله (ص)" ثم يقول: "ومن حسن التوفيق أن لوازم السجع حملته على وصفالله بعدة صفات يتردد ذكرها كثيرا فى القرآن .. وتبين شغف محمد بهذه الصفات وشدة تمسكهبها وكانت الفطرة السليمة هى التى دفعت المسلمين بعد محمد إلى جمع هذه الصفات وتقديسها، وهذه الصفات تعبر عن حقيقة إله محمد أحسن مما تعبر عنها الصفات التى ذكرها علماءالكلام فى القرون الوسطى وهى تعيننا كثيرا فى فهم وتحديد عبارات محمد المبعثرة المتناقضةثم يحاول ماكدونالد مرة أخرى أن يؤكد زعمه الباطل بأن القرآن الكريم ليس منزلا من عندالله ويوهم القارئ أنه من صنع محمد وأنه كان من السهل عليه أن يزيد أو ينقص منه وكانشعراء العرب من قبل قد أظهروا مقدرة فائقة فى استعمال الصفات(21)


ثم يحاول ماكدونالد أن يكثف اتهامه بأن محمد قد تأثر فى ذكرأسماء الله بالنصارى فيقول ومن أسمائه - يعنى الله سبحانه - السلام وهذه الصفة لم تردإلا فى الآية 23 من سورة الحشر(22) ومعناها شديد الغموض ونكاد نقطع بأنهالا تعنى السلم ويرى المفسرون أن معناها السلامة أى البراءة من النقائص والعيوب وهوتفسير محتمل ثم يقول مؤكدا لتهمته فى خبث ودهاء وقد تكون هذه الصفة كلمة بقيت فى ذاكرةمحمد من العبارات التى تتلى فى صلاة النصارى(23)


وإذا استعرضنا مستشرقا أخر من المستشرقين الخطرين على الإسلاملنتبين ماذا يقول عن ذلك المصدر الربانى المنزل من السماء على رسولنا الكريم يقول المستشرقﻫ.ج ويلز(24) كلاما ينم عن جهل شديد ثم يزعم بأن القرآن ليس بكلام اللهوإنما هو من كلام محمد وقد تأثر فيه بمؤثرات مسيحية ويهودية انظر إليه يقول:"وحدث فى مكة قرابة سنة 570م أن ولد محمد مؤسس الإسلام وولد له أطفال عديدون كاناسم أحدهم "عبد مناف" أى خادم الرب المكى "مناف" وذلك يدل علىأن محمدا لم يكن قد توصل فى ذلك الوقت إلى أية اكتشافات دينية ويحتمل أنه رأى كنائسمسيحية فى سوريا ويكاد يكون محققا أنه كان يعرف الكثير عن اليهود وديانتهم وأنه استمعإلى سخريتهم من ذلك الحجر الأسود والكعبة حيث كانت له سيادة على الأرباب القبلية الثلاثمائةمن بلاد العرب ورأى جماهير الحجيج ولحظ أمارات الختن وعدم الإخلاص والخرافات المتجليةفى وثنية البلدة فضاق بذلك ذرعا وربما كان اليهود قد هدوه إلى الاعتقاد بالرب الواحدالحق دون أن يدرك ما حدث لهم وجاء بآيات معينة أعلن أنها قد أوحيت إليه عن طريق ملكمن السماء(25)


وهذا الكلام الذى أفاض به المستشرق ويلز فيه من الخطأ والتجنىوالتحامل على القرآن وعلى نبى المسلمين ما لا يحتمله أحد فمن أين عرف ذلك المستشرقبأن النبى كان له ولد اسمه عبد مناف مع أن أولاد الرسول معروفة أسماؤهم وهم "عبدالله والقاسم وإبراهيم" من هنا ظهر هذا التجنى وذلك الكذب حينما ادعى أن عبد منافبن محمد . فهذا تزوير وتحريف فى التاريخ لا ينبغى أن يكون أما التجنى الآخر والزعمالغير مقبول هو قوله بأن الرسول (ص) تأثر بالكنائس المسيحية فى سوريا ولو كان مؤرخامنصفا لعرف أنه ذهب إلى سوريا وهو حدث صغير السن مع عمه أبى طالب فى رحلة تجارية لمتجاوز "بصرى" وفى مكان أخر فى كتابه يقول "فلما انتشرت التعاليم الجديدةوتكيفت فى قالبها الخاص اضطرت أن تعمل على أسس ظلت على الدوام أبعد ما تكون عن المجانسةبطبيعتها والتزمت أن تنمو فى تربة أخرجتها عن سبيلها السوى وحولتها عن طريقها القويموكان مرجعها الوحيد هو القرآن ، وهذا الكتاب كان يبدو للعقول التى لم تتذوق نغمات اللغةالعربية -كما يبدو لكثير من العقول الأوروبية - اليوم خليطا من البلاغة الرائعة يمازجها- ولنقلها بصراحة مقنعة غامضه لا كيف لها وقد غاب مغزاها الحق عن عدد لا يحصى من المسلمينالجدد غيابا تاما(26) .


من خلال الكلام السابق تدل اتهامات ويلز على أنه رجل مضللوخداع لمن يقرأ من غير الناطقين للعربية ونقول ذلك لأن القراء المسلمين لم ينخدعوابأقواله لأنهم يعرفون أن الرسول(ص) ليس بشاعر ولا ينبغى له أن يكون بذلك فحينما يصفويلز الرسول (ص) بأنه شاعر غير نجيب فهو إدعاء باطل وواضح بطلانه ولا ينبغى الرد عليهأما قوله :"أن الرسول (ص) يمتلك قوة تصويريه هائلة وإن كانت عرجونية على طريقةالعرب ولها أغلب مزايا البدوى وأهم نقائصه فهذه ألفاظ تنم عن نفس حاقدة تقطر مرارةوسما وإن حكمه على العرب قاطبة بما فيهم الرسول (ص) الذى ينتسب إليهم لتدل دلالة كبيرةعلى حقده الشديد وحنقه على الإسلام فهل يتصف ذلك الباحث بموضوعية أو عقلانية فى كتاباتهوبحوثه؟!


ونترك المستشرق "ﻫ.ج. ويلز" لنقرأ لمستشرق أخروهو "جب" (27) الذى يدعى أن القرآن الكريم قد ألفه محمد وجاءاستجابة لمؤثرات البيئة المحيطة بهم وإذا كان بين محمد وبين أهل مكة معارضات فهى لم تكن من أجل الدعوةواستجابته للدعوة وإنما عارضته قريش من أجل المنافسة على الزعامة ولا شك أن هذه دعاوىمتهافته لا يستثيغها عقل إنسان أوتى شئ من التفكير ولو كان هذا المستشرق المضلل قارئاللتاريخ الإسلامى لأدرك مدى تفاهة أفكاره لأن أهل مكة أرادوا أن يبعدوا الرسول عن الدعوةالجديدة التى تناهض آلهتهم فعرضوا على الرسول المال والجاه وإن كان يريدهما الجاه والرياسةجعلوه ملكا عليهم فيرفض كل هذه العروض قائلا لعمه: "والله يا عم لو وضعوا الشمسفى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركته" .


واليوم تقوم إسرائيل بهجمة شرسة لتشويه الإسلام وتحريف القرآنفقد شنت جمعية "يد لاحيم" اليهودية حملة شعواء لتشويه صورة الإسلام عبر محاولاتحثيثة للتشكيك بالدين الإسلامى وأصوله ، تعمد من خلالها إدخال تفاسير محرفة لآيات القرآنالكريم وأحاديث ملفقة للرسول محمد (ص) ولعلماء وفقهاء مسلمين كبار من أمثال أبى حنيفةوالشافعى والزهرى وغيرهم .


وتنشر الجمعية المذكورة والممولة من حركة "شاس"الدينية المتطرفة مؤلفا من 222 صفحة باللغة العبرية على الإنترنت وتصدر أشرطة فيديووكاسيت تتضمن تمثيلا يسئ للمرأة المسلمة ومعاملتها فى الإسلام . ولهذا الغرض أنشأتالجمعية اليهودية لها مركزين رئيسيين فى تل أبيب والجزء الغربى من مدينة القدس المحتلةووضعت هاتفا مجانيا لمن يريد التعرف على ما أسمته "القرآن الجديد". وزعمرئيس الجمعية راب ليفسيك أنه مستعد لإيصال ما أسماها "رسالة الإسلام الجديدة"لمن يريد التعرف على الأحاديث والآيات القرآنية "بالشكل الصحيح" . وبحجةتوعية المجتمع الإسرائيلى على مفاهيم الإسلام ، تعمد هذه الجمعية المشبوهة إلى تحريفأقوال الرسول (ص) وتحريف معانى ونصوص القرآن الكريم بزعم أنه ليس من عند الله وليسمنزلا من السماء وإنما هو من عند النبى حسب افترائها .


وتزعم الجمعية أنها بذلك تسدى للمسلمين خدمة لأنهم – أى المسلمين- حسب ادعائها يفهمون القرآن والأحاديث بصورة خاطئة وأن الجمعية تعمل على إزالة ماأسمته بالأفكار المسمومة المبثوثة فى المجتمع الإسلامى حسب ادعائها.


ودأبت "يد لاحيم" على هذه خطوة خطيرة وهى نشر صورمحرفة وكريهة عن الإسلام فى المجتمع الإسرائيلى بكميات كبيرة باللغة العبرية . كماتعمل على نشرها لاحقا فى المجتمعات الغربية بهدف التحريض على المسلمين وإحداث حروبوقلاقل مستمرة بين العالمين الغربى والإسلامى .


وأخطر ما تقوم به هذه الجمعية العنصرية هو تلقين هذه الأفكارالحاقدة والأكاذيب للأطفال اليهود بل ولبعض الأطفال العرب فى المدارس اليهودية المختلطةبغية تنشئتهم على كراهية المسلمين وتشكيكهم فى دينهم بزعمها بهتانا وزورا أن الدينالإسلامى ملىء بالتسمم الفكرى ويؤدى إلى الهلاك .


وتعتبر هذه الخطوة من الجمعية اليهودية جزءا من السياسة المتبعةلدى الأحزاب المعادية والحاقدة على الإسلام والمسلمين.


وقد فند مفتى القدس والأراضى المقدسة الشيخ عكرمة صبرى محاولات"جمعية يد لاحيم" المس بالقرآن الكريم وتحريفه وأكد للجزيرة نت أن هذه المحاولاتليست جديدة على هؤلاء ومآلها الفشل كسابقاتها. وأوضح المفتى أن الله تعالى قد أخذ علىنفسه عهدا بحفظ القرآن الكريم من التحريف ، كما جاء في الذكر الحكيم:"إنا نحننزلنا الذكر وإنا له لحافظون" سورة الحجر آية 9


إن شبهات أعداء الإسلام من المستشرقين اليهودوغيرهم كثيرة ولكننا سنقصر الحديث على شبهتين اثنتين يمكننا عرضهما ثم تحليلهما والردعليهما وهما: أن القرآن الكريم به بعض الأخطاء التاريخية التى يجبألا يقع فيها – والثانية أن القرآن الكريم مقتبس من الكتب السماوية السابقة وعلى الأخصمن التوراة والإنجيل . وإليك تفصيل هاتين الشبهتين :-


اولا : أن القرآن به أخطاء تاريخية


ومن أمثلة ذلك:


1 - يقول القرآنإن أبا إبراهيم اسمه آزر كما جاء فى "سورة الأنعام آية74" ويزعمون أن اسمهتارح .





الرد على الأخطاء المزعومة فى القرآن الكريم


الزعم الأول: أن أبا إبراهيم اسمه آزر


سمى القرآن أبا إبراهيم آزر واسمه فى التوراة تارح فقد ذكرالقرطبى وغيره من المفسرين أكثر من عشرة أقوال فى اسم آزر أشهرها أن والد إبراهيم لهاسمان: آزر و تارح ، مثل إسرائيل ويعقوب .ولا يخفى أن أقوال المفسرين إنما هى للتوفيق بين رواية التوراة ورواية القرآن بافتراضصحة ما ورد فى التوراة ، والواقع أنه لا يصح التعويل على التوراة فى ذلك ، وخاصة إذاخالفت القرآن والسنة ، فقد ورد فيهما التصريح باسم آزر وذكر المؤرخ يوسيفوس أن اسموالد إبراهيم "آثر" ، وهو قريب جدا من آزر ، وبعيد جدا من تارح .





2 - يقول القرآنأن أخا مريم العذراء هو هارون كما جاء فى "سورة مريم 28" مع أنّ هارون سابقللعذراء ب 1600 سنة .


الزعم الثانى أن هارون أخو مريم العذراء:


إن المقصود بهارون فى الآية الكريمة إمّا هارون أخو موسى، والأخوة المذكورة ليست أخوة حقيقية ، لأن بين هارون ومريم مئات السنين بالفعل وإنماهى أخوة مجازية ، فمعنى أنها أخت هارون أنها من نسله وذريته ، كما يقال للتميمى ياأخا تميم؟ وللقرشى: يا أخا قريش ! فمعنى قولهم: يا أخت هارون ، أى يا من أنت من ذريةذلك النبى الصالح ، كيف فعلت هذه الفعلة؟ وحتى لو لم تكن من نسله وذريته فإنها تنتسبإليه بخدمتها للهيكل وانقطاعها للعبادة فيه . فقد كانت خدمة الهيكل موقوفة على ذريةهارون. فمعنى: يا أخت هارون ! يا من تنتسبينإلى هذا النبى الصالح بالخدمة والعبادة والانقطاع للهيكل . والأصح أن المراد بهارونفى الآية هو رجلا صالحا من قومها فى ذلك الحين… كانت تتأسى به مريم…وتتشبه به فى الزهدوالطاعة والعبادة ، فنسبت إليه ، فقالوا لها: يا من تتشبهين وتقتدين بذلك الرجل الصالح، ما كان أبوك بالفاجر ، ولا أمك بالبغى فمن أين لك هذا الولد؟ وقد روى أحمد ومسلموالترمذى والنسائى وغيرهم عن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه قال: بعثنى رسول الله (ص)إلى أهل نجران -وكانوا نصارى- فقالوا: أرأيت ما تقرؤون: يا أخت هارون؟ وموسى قبل عيسىبكذا وكذا؟ يعترضون على المغيرة .. قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله (ص) فقال النبي(ص) : "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم؟" وهذا التفسيرالنبوى يبين أن هارون المذكور فى الآية ليس من اللازم أن يكون هارون المذكور هو أخاموسى كما فهم أهل نجران ، وإنما هو هارون معاصر لمريم … فقد كان قومها يسمون بأسماءالأنبياء والصالحين منهم . والله تعالى أعلم .





3 - يقول القرآنإن هامان وزير فرعون "القصص 6 و8" مع أنّ هامان كان في بابل ، وجاء بعد فرعونبنحو ألف سنة "الرازى فى تفسير غافر36 ,37


الزعم الثالث أن هامان وزير فرعون:


اسم هامان مذكور فى القرآن فى ستة أماكن مختلفة كأحد المقربينإلى فرعون بينما تذكر لنا التوراة أن هامان لم يُذكر فى حياة موسى عليه السلام علىالإطلاق وأن هامان كان وزيراً وخليلا لأحشوريش ملك الفرس الذى يدعوه اليونان زركيس ، وإذا كان هناك البعض من الذين يريدون أنيطعنوا فى القرآن ويدعون وجود أخطاء تاريخية فيه ومن بينها علاقة هامان بفرعون موسىفسوف يتضح لهم سخافة هذه الإدعاءات بعدما تم فك طلاسم الأبجدية الهيروغليفية المصريةقبل 200سنة تقريباً واسم هامان قد أكتشف فى المخطوطات القديمة وقبل هذه الاكتشافاتلم يكن شئ معروفا عن التاريخ الفرعونى ، ولغز الهيروغليفية تم حله سنة 1799م بأكتشافحجر رشيد الذى يعود إلى 196 قبل الميلاد وتعود أهمية هذا الحجر لأنه كتب بثلاث لغات:اللغة الهيروغليفية والديموقيطية واليونانية وبمساعدة اليونانية تم فك لغز الهيروغليفيةمن قبل شامبليون وبعدها تم معرفة الكثير حول تاريخ الفراعنة وخلال ترجمة نقش من النقوشالمصرية القديمة تم الكشف عن اسم "هامان" وهذا الاسم أشير إليه فى لوح أثرىفى متحف هوف فى فينا وفى مجموعة من النقوش كشفت لنا أن هامان كان فى زمن تواجد موسىفى مصر قد رُقى إلى أن أصبح مديراً لمشاريع الملك الأثرية وها هى النقوش تكشف لنا حقيقةهامان بعكس ما ذكرته التوراة ورداً على الزعم الخاطئ لمعارضى القرآن . هامان الذى تتحدثعنه الأثار المصرية التى أوردها كتاب :


Pharaoh Triumphant thelife and times of Ramesses II K.A. Kitchen(28)


كان الشاب آمن "= هامن/ هامان" أم أينت Amen em inet فى مثل سن الأمير "رمسيسالثانى" ورفيق صباه ، فلما أصبح رمسيس نائبا للملك ووريثا للعرش أصبح الفتى بالتبعيةرفيقه وتابعه ففتح له الطريق لمستقبل زاهر وهو ما تحقق فعلا . وكان لآمن أم أينت Amen em inet "هامان" أقارب ذوو نفوذ منهم عمه[ لعله مِنموسى ، Minmose] كبير كهنة الإله مين والإلهة ايزيس بقفط "شمال طيبة" وقائد Commandant فيالق النوبة - أى الساعد الأيمنلنائب الملك فى النوبة . ومنهم الفتى باكن خنسو [ والده باسر وزير الجنوب وابن عم آمنام اينت Amen em inet"هامان"] (29) ، مدرب الخيول الملكية الذى التحق بعد ذلك بالسلك الكهنوتىالمستديم فى خدمة آمون بطيبة [أصبح كبير كهنة آمون ](30) .


رقّى الملك رفيق طفولته آمن ام اينت Amen em inet "هامان" إلى وظيفة قائد المركبات الملكيةRoyal Charioteer وناظر للخيل Super Intendent of Horse(31) .


"وَنُرِى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُممَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ" سورة القصص آية6


آمن ام اينت Amenem inet "هامان" رفيق الفرعون القديم قد رقىإلى منصب رسول الملك لكل البلاد الأجنبية ويقول الرجل بهذه المناسبة موضحا طبيعة عملهالجديد: أرفع له "الفرعون" تقارير عن أحوال البلاد الأجنبية كلها(32).


وكانت أرقى وظائف الدولة هى وظيفة السفير "رسول الملكإلى كل البلاد الأجنبية" وكانت الترقية إليها قاصرة على كبار ضباط سلاح العرباتالحربية(33)


واختار الملك للمنصب "كبير كهنة آمون" الشاغر وننفرWennofer "مات سنة27" وهو والد رفيق طفولة رمسيس الثانى آمن ام اينت "هامان" . وكان هاماننفسه قد نقل من وظيفته العسكرية إلى الرمسيوم ليصبح مديراً لمشاريع الملك الأثرية هناكChief of Works of All Royal Monument- ولا يزيد البعد بينه وبين أبيه كبير الكهنة بالكرنك عن عبور النهر إلى الضفة الأخرىمن النيل(34)


فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّىصَرْحًا لَّعَلِّى أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى سورة القصص آية 38


ذكر كتاب AnIntroduction to Ancient Egypt ، أن أقدم استعمال للطين الموقودبمصر كان معروفاً منذ الدولة الوسطى .


ويرجع الفضل فى صعودنجم باسر paser ، وزير للجنوب بطيبة viceroy ،عم باسر كان قائد الفرق بالنوبةوبعده ابنه نخت مين "ابن عم باسر" واختياره نائبا للملك "فى النوبة"إلى عراقة أسرته ، فابن عمه آمن ام اينت "هامان" هو رفيق طفولة رمسيس الثانى(35)وكان من علية القوم من اتخذ من الخدمة العسكرية ذريعة للوثوب إلى الوظائف المدنية العليا، وقد تعرفنا من هؤلاء على آمن ام اينت "هامان" القائد بسلاح المركبات ثمميليشيات المدجاى Chief ofMedjay-Militia ، بعدها عين مديرا للمصانع"وزير صناعة" (36) امنحتب .. لكنه كان ينتمى لأسرة ذات نفوذ هى أسرة آمنام اينت "هامان" قائد ميليشيات المدجاى الشهيرة(37). حيث يحتل مين مس آخرمنصب كبير كهنة مين وآيزيس والذى يمت هو الآخر بصلة قرابة إلى آمن أم أينت(38) .


4- يقول الله لموسىكما جاء فى القرآن: “قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِىُّ؛ كما ورد فى "سورة طه 85" ويقصد أنّ السامرى صنع العجل الذهبى لبنى إسرائيل، ولكن السامريين لم يجيئوا إلا بعد سبى بابل كما ورد فى سفر "ملوك 16:24".


الزعم الرابع أن السامرى قد فتن قوم موسى وأضلهم بصنع العجلالذهبى ولكن السامريين لم يظهروا إلا بعد سبى بابل


إن القرآن الكريم ذكر أن الذى صنع العجل لبنى إسرائيل هوالسامرى ، وهذا فى ظنهم خطأ تاريخى! لأن مدينة السامرة المنسوب إليها السامرى لم تكنموجودة آنذاك ، بل هى بعد موسى بمئات السنين . وهذا الوهم قائم على أساس أن اسم السامرىلم يكن معروفا إلا بعد بناء مدينة السامرة ، وأنه منسوب إليها


والواقع أن اسم سامر كان معروفا قبل بناء مدينة السامرة ،وقد اشترى عمرى أحد ملوك بنى إسرائيل مكان هذه المدينة بوزنتين من الفضة من شخص اسمهسامر ، ولم يكن اسمها معروفا ، ولمجد بناء هذه المدينة سماها الملك: السامرة ، باسممن اشتراها منه ، ثم جعلها عاصمة مملكة إسرائيل . ولهذا تكون الياء فى كلمة "السامرى"من أصل الكلمة وملحقة بها ؟ لأن نقل الأسماء من لغة إلى لغة أخرى لا يسلم من مثل هذاالتصرف ، فالسامرة منسوبة لسامر وليس العكس ، ولا يصح للمنصرين أن يقولوا: إن هذا الاسملم يعرف إلا بعد بناء مدينة السامرة ، ولا أن يقولوا: إنه منسوب إليها . ولعل الذىدعاهم لهذا التأويل الفاضح إصرارهم على صدق ما فى التوراة من أن الذى ارتد وصنع العجللبنى إسرائيل وعبده معهم هو هارون عليه السلام.


5- يقول فى سورةالبقرة 249 : “فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْبِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىإِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ “فقد عزا إلى طالوت "وهو شاؤل"ما فعله جدعون "القضاة 7: 5-7".


الزعم الخامس بأن طالوت هو الذى فصل بالجنودكما تقول سورة البقرة ولكن الذى فعل ذلك هو جدعون سفرالقضاة 7: 5-7


إن سفر القضاة سفر تاريخى ، وسفر صموئيل الأول الذى أوردقصة طالوت وداود سفر تاريخى أيضا . فأى مانع يمنع من خطأ المؤرخ فى نقل جزء من قصةإلى قصة أخرى مشابهة لها . خاصة وأنه ليس معصوماً كالنبيين والمرسلين الحقيقيين؟


ولهذا أمثلة كثيرة منها أن هذا النص مذكور مرتين: مرة فىسفر الخروج ، ومرة فى سفر التثنية من التوراة السامرية . ومذكور مرة واحدة فى سفر التثنيةمن التوراة العبرانية واليونانية.


6 - يقول القرآن عن الإسكندر الأكبر ذى القرنين إنهبلغ قوماً لا يفقهون ، وإنه بنى سداً من زُبر الحديد "الكهف 83-97". وقدفسّروا معنى ذى القرنين بأنه طاف قرنى الدنيا شرقها وغربها ، وقيل لأنه انقرض فى أيامهقرنان من الناس ، وقيل كان له قرنان لشجاعته. وقال القرآن إن ذا القرنين بلغ مغرب الشمس فوجدها تغرب فى عينٍ حمِئة ، أى ذات طينأسود مبتل بالماء "الكهف 86" . ولم يكن ذو القرنين نبياً بل كان من عُبّادالأصنام ، ادّعى أنه ابن آمون إله مصر . ولا الشمس تغرب فى عين حمئة ، ولا عمَّر ذوالقرنين قرنين من الزمن ، بل مات وعمره 33 سنة .


الزعم السادس بأن ذا القرنين بلغ مغرب الشمسووجدها تغرب فى عين حمئه ولم يكن ذو القرنين نبيا بل كان منعباد الأصنام ، ولا الشمس كانت تغرب فى عين حمئه ولا عمر ذى القرنين قرنان كما يقولالقرآن بل مات وعمره 33 سنة


فى القرآن الكريم - الكهف: 83-98 حكاية ذى القرنين:"ويسألونك عن ذى القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرًا * إنا مَكّنَّا له فى الأرضوآتيناه من كل شىء سببًا" (39) إلى آخر الآيات.


وخلال هذه الآيات يتبدى عدل "ذى القرنين" فيقول:(قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يُرد إلى ربه فيعذبه عذابًا نكرا * وأما من آمن وعملصالحًا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا) (40). تلك هى تسمية القرآن الكريملهذا الملك "ذو القرنين" .


أما أن ذا القرنين هذا هو الإسكندر الأكبر المقدونى[356-324ق.م] فذلك قصص لم يخضع لتحقيق تاريخى.. بل إن المفسرين الذين أوردوا هذا القصصقد شككوا فى صدقه وصحته.. فابن إسحاق [151ھ - 768م] - مثلاً - يروى عن "من يسوقالأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم ذى القرنين" أنه كان من أهل مصر ، وأناسمه "مرزبان بن مردية اليونانى" .


أما الذى سماه "الإسكندر" فهو ابن هشام [213ھ- 828م] - الذى لخص وحفظ "السيرة" - لابن إسحاق - .. وهو يحدد أنه الإسكندرالذى بنى مدينة الإسكندرية ، فنسبت إليه .


وكذلك جاءت الروايات القائلة إن "ذو القرنين" هوالإسكندر المقدونى عن "وهب بن مُنبِّه" [34-114ھ ـ 654-732م] وهو مصدر لروايةالكثير من الإسرائيليات والقصص الخرافى . ولقد شكك ابن إسحاق - وهو الذى تميز بوعىملحوظ فى تدوين ونقد القصص التاريخى - شكك فيما روى من هذا القصص - الذى دار حول تسميةذى القرنين بالإسكندر ، أو غيره من الأسماء .. وشكك أيضًا فى صدق ما نسب للرسول (ص)حول هذا الموضوع .. وذلك عندما قال ابن إسحاق: "فالله أعلم أى ذلك كان ؟.. أقالرسول الله (ص) ذلك أم لا؟".


ويثنى القرطبى على شك وتشكيك ابن إسحاق هذا ، عندما يورده، ثم يقول: "والحق ما قال" .. أى أن الحق هو شك وتشكيك ابن إسحاق فى هذاالقصص ، الذى لم يخضع للتحقيق والتمحيص وإن يكن موقف ابن إسحاق هذا ، وكذلك القرطبى، هو لون من التحقيق والتمحيص. فليس هناك ، إذًا ما يشهد على أن الإسكندر الأكبر المقدونى- الملك الوثنى- هو ذو القرنين ، العادل ، والموحد لله.


7- يحكى القرآن عن إسراء محمد (ص) إلى المسجد الأقصى، أى هيكل سليمان ، وكيف صلّى فيه مع الأنبياءعليهم السلام ، ووصف أبوابه ونوافذه مع أن هيكل سليمان كان قد خُرِّب قبل الإسراء ب550 سنة "سورة الإسراء 1" وبُنى بعد موت محمد بنحو مئة سنة .


الزعم السابع يحكى القرآن عن إسراء محمد إلىالمسجد الأقصى أى هيكل سليمان وأنه صلى فيه مع الأنبياءمع أن الهيكل كان قد خرب قبل إسراء النبى (ص) بخمسمائة وخمسين سنة وبنى بعد موت محمدبمائة سنة. قال تعالى فى كتابه الكريم: "سبحان الذى أسرى بعبده ليلاً من المسجدالحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير"(41) .


هذه الحقيقة القرآنية إبطال قوى لحجج ومزاعم اليهود حول حقهم فى القدس وحرصهم على إعادة بناءهيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى بحجة أن المسلمين هم المعتدون على الهيكل ببنائهمالأقصى مكانه . فقد وُجد الأقصى قبل بعثة محمدٍ (ص) وقبل بناء الأقصى الحالى بآلافالسنين بل وقبل أن خلق الله بنى إسرائيل .


روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى ذر الغفارى -رضى الله عنه-قال: قلت: يا رسول الله: أى مسجد وُضع فى الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام".قلت: ثم أى؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال "أربعون سنة، وأينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد" (42)


وورد فى مقدمة ابن خلدون أن الصابئة بنوا منذ آلاف السنين"هيكل الزهرة" مكان الأقصى لمعرفتهم بقدسية المكان وكانوا يقربون إليه الزيتفيما يقربونه ويصبونه على الصخرة التى هناك.


لقد اختُلِف فيمن أقام بناءه الأول ، فقيل يجوز أن يكون أحدأبناء آدم ، وقيل يجوز أن الملائكة قد بنته بعد بناء المسجد الحرام . وقد تعاهده أغلبالأنبياء فقد رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام الكعبة فى مكة المكرمة بناء على أوامرالله ثم عاد إبراهيم عليه السلام إلى موطنه فى بيت المقدس وجدد بناء المسجد الأقصى، فقد هاجر من العراق إلى بيت المقدس عام 1850ق.م وقابل ملك القدس الكنعانى الموحد"ملكى صادق". ومعلوم تاريخياً أن بين إبراهيم وسليمان عليهما السلام مئاتالسنين فإن كتب التاريخ تقدر حكم سليمان عليه السلام لبيت المقدس فى الفترة970-931 ق.م. كما جدد يعقوب بناءه وقد أرادداود عليه السلام تجديده ولكنه توفى فجدده ابنه سليمان بما يسمى هيكل سليمان ، وقددُمر الهيكل وسبى اليهود على يد نبختونصر البابلى عام 587 ق.م. وما الأقصى الحالى إلاتجديد للأقصى القديم .


لقد بنى المسجد وهدم عدة مرات وأخبر المسيح عليه السلام اليهودأن بناء الهيكل سيهدم فى إنجيل متى الإصحاح 24 : 2 وفى إنجيل مرقص الإصحاح 13 : 2 وفى إنجيل لوقا الإصحاح 21 : 6 وقد أعادالفاروق عمر بن الخطاب - رضى الله عنه وأرضاه - بناءه ، وحوله الصليبيون إلى كنيس وإصطبلومخزن لذخائرهم عام 1099م إلى أن أذن الله بتحريره على يد القائد المسلم صلاح الدينالأيوبى عام 1187م وطهره من رجس النصارى وأعاد بناءه وما زال الأقصى الشريف يحتفظ بلمساتالبناء الأيوبية .


إن رسالة كل نبى هى الإسلام وقد حكم فلسطين كل من داود ومنبعده ابنه سليمان عليهما السلام حكماً إسلامياً وكانت حروبهما جهادية إسلامية لنشرالإسلام وليست حروباً يهودية عنصرية كريهة لسيادة الجنس اليهودى . لقد بنى سليمان عليهالسلام هيكله مسجداً لعبادة الله وحده ولا حق ليهود هذا الزمان فى سليمان ولا فى فترةحكمه ولا فى هيكله بل إن المسلمين هم وحدهم الوارثون لسليمان ولسائر أنبياء الله .


لم يكن بناء الأقصى وقت إسراء رسولنا الكريم -عليه صلوات الله وسلامه- قائماً متكاملاَ ولكن كانتأساساته موجودة ، وبعض أعمدته وأطلاله باقية ومنها تلك الحلقة التى ربط بها رسول اللهالبراق ، وهى نفس الحلقة التى كان أنبياء الله يربطون دوابهم بها حين ذهابهم للصلاةفى الأقصى ، حيث أتاه إبراهيم وإسحق ويعقوب وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى وغيرهمعليهم الصلاة والسلام . لقد سمى الله هذه الأطلال والأعمدة والأساسات مسجداً فى الآيةالكريمة على اعتبار ما كان وما سيكون ، فإن أمة محمد هى وارثة الحنيفية السمحة دينإبراهيم عليه السلام وأولى الناس به وبدينه وبأرضه وبمسجديه المسجد الحرام والمسجدالأقصى وهذا هو سر الربط بين المسجدين والله تعالى أعلم !! كما أن الله قد جمع الأنبياءوالرسل السابقين لمحمد ليلة الإسراء فى المسجد الأقصى ومنهم أنبياء ورسل بنى إسرائيل وصلى بهمإماماً وصلوا هم خلفه مأمومين وسلموه مفاتيح الأرض المقدسة ، وهذا دليل آخر على هذهالوراثة وعلى أصالة هذا المسجد وعلى تخصيصه للصلاة ولعبادة الله سبحانه وتعالى .


ومن فضائل الأقصى إضافة لكونه أولى القبلتين ومسرى رسول الله(ص) قوله :"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، مسجدى هذا والمسجد الحرام والمسجدالأقصى" (43) .


وقال عليه الصلاة والسلام: "الصلاة فى المسجد الحرامبمائة ألف صلاة والصلاة فى مسجدى بألف صلاة والصلاة فى بيت المقدس بخمسمائة صلاة"(44)


وقال عليه الصلاةوالسلام أيضاً:"إن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس ، سأل الله عز وجل خلالاثلاثة: سأل الله حكما يصادف حكمه ، فأوتيه ، وسأل الله ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، فأوتيه ، وسأل الله حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاةفيه ، أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه ، أما اثنتان فقد أعطيهما ، وأرجو أن يكونقد أعطى الثالثه"(45)


8 - فى سورة مريم 23 يقول إن المسيح وُلد تحت نخلة ،مع أنه وُلد فى مذود. ويقول إنه تكلم فى المهد "آل عمران 46 والمائدة 110 ومريم29". وإنه خلق من الطين طيراً وهو صبى "آل عمران 49 والمائدة 110".ولكن أول معجزة أجراها المسيح كانت فى عُرس قانا الجليل وهو فى الثلاثين من عمره .


الزعم الثامن يقول القرآن أن المسيح ولد تحتنخلة مع أنه ولد فى مزود ويقول القرآن أنه تكلم فى المهد وأنهخلق من الطين طيرا وهو صبى ولكن أول معجزة أجراها المسيح كانت فى عرس قانا الجليل وهوفى الثلاثين من عمره


إن هذه المعجزة وردت فى إنجيل توما. فإنه قد صنع من الطينهيئة اثنى عشر عصفوراً ، وأمرهم أن يطيروا ؛ فطاروا والناس ينظرون إليهم .


ثانيا : أن القرآن مقتبس من الكتب السماوية السابقة


إن الرسالة الإسلامية الخاتمة التى جاء بها سيدنا محمد نبىالله ورسوله لهى آخر الرسالات إذ اشتملت على خلاصة الكتب والرسالات المنزلة والتى يجبأن نؤمن بها جميعا ومن ينكر منها جزءا أو كتابا كما فعل اليهود , فيعد من الكافرين,ومن هذا المنطلق فإن الإسلام جاء ناسخا لكل الشرائع السابقة ويلزم الجميع العمل بهومع ذلك فإن القرآن الكريم لم يقطع صلته مطلقا بالتوراة والإنجيل وقد ثبت باليقين أنأصحاب الكتب السماوية قد حرفوا فى أصولها وهذا أمر معروف لدى كل الباحثين بينما القرآنالكريم فقد تولى الله حفظه إلى أن تقوم الساعة وكم من محاولات قد تمت لتشويهه ولكنهاكانت سرعان ما تبوء بالفشل .


ولما كان القرآن الكريم منزل من السماء عن طريق الوحى وهونفس المنبع الذى تنزلت منه الرسالات السماوية السابقة كان من المعقول أن تتشابه بعضآيات القرآن الكريم ببعض مما جاء فى كتب النصارى واليهود وقد يختلفان والاختلاف واضحبين وما اختلف فيه فإنما هو من باب العدل والرحمة والمثل العليا التى تنادى بها رسالاتالسماء فهل يعقل أن تأتى بعض الكتب السماوية فتتهم بعض الأنبياء بالزنى أو ما شابهذلك من الكبائر؟!فليس من المنطق أن ينزل الله رسالته على هؤلاء الخبثاء ويترك الصالحينففى الاختلاف هنا رحمة ورفع من قدر الأنبياء الذين ظلمهم أهل الكتاب هذا على سبيل المثال، ومما يؤكد الاختلاف والتباين بين القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية أن النصارىواليهود اقتبسوا من الأديان الوثنية الكثير والكثير فالمؤرخ الشهير ديورنت يقول(46)"إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنتها ، ذلك أن العقل اليونانى المحتضر عادإلى الحياة فى صورة جديدة فى لاهوت الكنيسة وطقوسها...ثم يقول فجاءت من مصر آراء الثالوثالمقدس ومنها جاءت عبادة أم الطفل..ومن فيريجينيا جاءت عبادة الأم العظمى ومن سورياأخذت عقيدة بعث أوتيس ومن بلاد الفرس عقيدة رجوع المسيح وحكمه الأرض ألف عام ... وهكذافإن الديانه المسيحية كانت أخر شئ عظيم ابتدعه العالم الوثنى القديم" ، ومن هنافإن المتصفح لكل من القرآن والتوراة والأنجيل وخاصة فى قصص الأنبياء يجد ذلك التناقضفى موقف النصارى فعندما يذكر مثلا سيدنا نوح يقولون هذا اقتباس من التوراة وحين يذكرالقرآن سيدنا صالح وهو ليس عندهم فيقولون هذا لا سند له عندنا فينكرونه إذن التشابهالذى بين القرآن والإنجيل لابد أن يرد فهذا شئ طبيعى ولكن ليس فيه اقتباس للقرآن منالكتب الأخرى وسوف نذكر بعض الأمثلة التى وقع فيها التشابه بين القرآن الكريم والتوراةوالإنجيل ونفندها حتى يتبين لهم أنه لا اقتباس مطلقا للقرآن من الكتب الآخرى .


وهناك أسس يقوم عليها الاقتباس ويجب تطبيقها على كل موضعفيه تشابه من القرآن وكتب أهل الكتاب ثم يحق لنا أن نسأل متى يكون القرآن مقتبسا منالتوراة أو الإنجيل؟ ومتى يكون بريئا من تلك التهمة؟


1- إذا نقل القرآن الفكرة كلها أو اقتصر على نقل جزء منهاويكون دائرا فى فلك القرآن حينئذ نقول أن القرآن معظمه مقتبس من التوراة .


2- ويمتنع أن يكونالقرآن مقتبسا إذا تحقق ما يأتى.





أ- عرض القرآنالوقائع عرضاً يختلف عن عرض التوراة لها.


ب- أضاف القرآنجديداً لم تعرفه التوراة فى المواضع المشتركة بينهما.


ج- صحح القرآنأخطاء "خطيرة" وردت فى التوراة فى مواضع متعددة.


د- انفرد بذكر"مادة" خاصة به ليس لها مصدر سواه.


ﻫ- فى حالة اختلافهمع التوراة حول واقعة يكون الصحيح هو ما ذكره القرآن. والباطل ما جاء فى التوراة بشهادة العقل والعلم


مما سبق يتضح أنه إذا كان الاحتمال الأول هو الواقع فالقرآنمقتبس من التوراة أما إذا كان الواقع هو الاحتمال الثانى فدعوى الاقتباس باطلة ويكونللقرآن فى هذه الحالة سلطانه الخاص به فى استيفاء الحقائق ، وعرضها فلا اقتباس لا منتوراة ولا من إنجيل ولا من غيرهما.





وينبغى أن يراعى القارئ المسلم أن القضية ليست قضية اختلاففى الرآى ولكن القضية أخطر من ذلك فالمسألة هنا مسألة مصير أبدى لأنها تفضى إلى عقيدةصحيحة توجب النجاة لصاحبها يوم الحساب أو قد تكون عقيدة فاسدة يضيع معها الإنسان فىدنياه وأخرته وهذا هو البوار ولا حول ولا قوة إلا بالله.




بعض مواضع التشابهبين القرآن والتوراة





موضع التشابه الأول: حول "آدم عليه السلام"


أ‌- تقول التوراةفى السطر السابع والعشرين من سفر التكوين الإصحاح الأول: "وقال الله نعمل الإنسانعلى صورتنا كشبهنا"… فمن سياق التوراة نجد أن الله خلق الإنسان كشبهه.. كشبه من؟!كشبه الله..على صورة الله…دلالة هذا الكلام أن الإنسان لو نظر إلى صورته عرف صورة الله…فأينالتمييز بين المخلوق والخالق؟! بل من أين تأتى الخشية ناحية الخالق إن كان خلق الخالقكالخالق نفسه؟! ثم أضف إلى هذا ما هو أشد خطورة . إذ أن للإنسان أعضاء يخجل من ذكراسمها فهل نتخيل وجودها فى الله- حاشاه سبحان وتعالى .


إن القاعدة الإسلامية عند أهل السنة والجماعة فى تصورهم للذاتالإلهية هو أن الله سبحانه وتعالى لا نظير له إذ قال عن نفسه "ليس كمثله شئ"ومن هنا فإن الله نفى أن يشابهه أحد أو يماثله مخلوق فى أية صفة من الصفات ومن هذاالتصور يتضح الفارق الكبير بين الخالق سبحانه وتعالى وبين الإنسان الذى هو عبده فلاثمة تشابه بينهما وقد خلق الناس جميعا لعبادته "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"وهذه الآية تضع حدا بين العابد والمعبود وهنا يبدو الاختلاف بين القرآن والتوراة فالثانيةتقول بتشابه سيدنا أدم مع الله فى الخلق اقرأسفر التكوين "فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل الأرض وعلى جميعالدبابات التى تدب على الأرض" .


وهذه نقطة تتشابه مع العقيدة الإسلامية التى جاءت فى القرآنالكريم "ألم تروا أن الله سخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض وأسبغ عليكم نعمهظاهرة وباطنة" (47)


ب - فى الإصحاح الثالث بنفس السفر "فدعا آدم بأسماءجميع البهائم وطيور السماء وجميع حيونات البرية" من هذا النص يتضح لنا أن سيدناأدم قد اقتصر تعليمه على أسماء البهائم والطيور وحيونات البرية جميعها فهل هذه النظرةتتشابه مع نظرة الإسلام؟ قطعا لا لأن النظرة الإسلامية تتميز بالشمول والاتساع والتوازنيقول تعالى:"(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِفَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)(48). وتتضح الشمولية فى قوله "كلها" وقد شملت آية القرآن الكريم تعلم أدم كلالأسماء وليس كما فعلت التوراة فقد تعلم أدم أسماء الملائكة والجن وهذا تكريم لسيدناأدم لم نجد له شبها فى التوراة .


ج- تقول التوراة فى السطر 25 من نفس الإصحاح: "وكاناكلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان" ثم لما فعلا المعصية: نقرأ فى السطرالسابع من الإصحاح 3 "فافتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان .. فخاطا أوراق تينوصنعا لأنفسهما مآزر"


بينما يقول القرآن مبينا نظرته لأدم يقول تعالى: "(يَابَنِى آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِيَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَوَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَلِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)(49)


فالفارق هنا كبير وجوهرى جدا.. فسيدنا آدم والسيدة حواء كاناأصلا مستورين ولكن الشيطان عراهما بالمعصية فسقطت ملابسهما من عليهما . ثم سارعا فىالبحث عن الستر الذى كان يسترهما: "فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" .إذنالأصل فى المسلم الموحد الستر والأصل عند أهل التوراة العرى .. وزد على هذا أن آدمكان جاهلا فى التوراة برغم علمه بأسماء الحيوانات والمخلوقات التى ذكرت فى النص التوراتىأنه كان عريانا .. إذن الأصل فيه الجهل بنفسه .. وفى القرآن الأصل فيه العلم والستر..وفىالتوراة جاء العلم الأهم مع المعصية وفي القرآن جاء العقاب مع المعصية..


د- أما توبة سيدنا آدم فإن القرآن يذكرها على الفور بعكسالتوراة التى لم تذكر له توبة على الإطلاق .. يقول تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِكَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)(50) والفاءللسرعة والتعقيب…


ﻫ- وتميز القرآن بذكر أن الإنسان خليفة الله فى الأرض (وَإِذْقَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُفِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَوَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)(51) بينماالتوراة لم تذكر تلك الخلافة التى أولاها الله للإنسان ، فخلافة الله فى الأرض أفضلمن أن يكون الإنسان متسلط على المخلوقات فقط وهو السيد فى البيت وهو الذى يتحمل عبءالمسئولية (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَارَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)(52) فقد قدمه سبحانه على زوجته لكى يبين لنا أن المسئول الأول هنا هو آدمولا تختلط الأمور فيحدث التفكك الأسرى كما نراه اليوم . ومما زاد آدم تشريفا كما وردفى القرآن أن الله أمر الملائكة بأن تسجد له على حين أن التوراة لا تأتى بهذا أبداولعلك تدرك أيها القارئ الكريم الفرق بين تصور القرآن لآدم عليه السلام وتصور التوراةفهل يكون التشابه هنا اقتباسا كما يدعى هؤلاء.


كما أن القرآن الكريم يذكر عصيان آدم لربه بفعل الشيطان الذىأغواه والذى أغواهما بأن يأكلا من الشجرة وأن الله قد غفر لآدم خطيئته ولم ينسبها القرآنلزوجته كما تقول الكتب السماوية الأخرى ثم أمرهما بالنزول إلى الأرض لتكون لهما قراراوأرزاقا وآجالا إلى حين ثم بين القرآن أن الله خلق أدم على صورته وعلى الهيئة التىخلقه عليها فلم ينتقل فى المنشأة أطوارا فى الأرحام كذريته بل خلقه الله رجلا كاملاسويا من أول ما نفخ فيه الروح . .








موضع التشابه الثانى قصة سيدنا يوسف


سوف نتناول فى هذه القصة بعض المواقف المتشابهه ثم نحللهاونبرز الجديد الذى جاء به القرآن وكذلك نصحح الأخطاء التى وردت فى التوراة .





أ- قصة يوسف فى التوراة





"وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينها إلىيوسف وقالت: اضطجع معى ، فأبى وقال لامرأة سيده: هو ذا سيدى لا يعرف معى ما فى البيتوكل ما له قد دفعه إلى يدى ، ليس هو فى هذا البيت أعظم منى. ولم يمسك عنى شيئا غيرك لأنك امرأته . فكيف أصنعهذا الشر العظيم ، وأخطئ إلى الله ، وكانت إذ كلمت يوسف يومًا فيوما أنه لم يسمع لهاأن يضطجع بجانبها ليكون معها.


ثم حدث نحو هذا الوقت أنه دخل البيت ليعمل عمله ولم يكن إنسانمن أهل البيت هناك فى البيت فأمسكته بثوبه قائلة اضطجع معى فترك ثوبه فى يدها وخرجإلى خارج ، وكان لما رأت أنه ترك ثوبه فى يدها ، وهرب إلى خارج أنها نادت أهل بيتهاوكلمتهم قائلة:


"انظروا قد جاء إلينا برجل عبرانى ليداعبنا دخل إلىّليضطجع معى فصرخت بصوت عظيم ، وكان لما سمع أنى رفعت صوتى وصرخت أنه ترك ثوبه بجانبىوهرب وخرج إلى خارج. فَوَضَعَتْ ثوبه بجانبها حتى جاء سيده إلى بيته فكلمته بمثل هذاالكلام قائلة دخل إلىَّ العبد العبرانى الذى جئت به إلينا ليداعبنى وكان لما رفعت صوتىوصرخت أنه ترك ثوبه بجانبى وهرب إلى خارج فكان لما سمع سيده كلام امرأته الذى كلمتهبه قائلة بحسب هذا الكلام صنع بى عبدك أن غضبه حمى .


فأخذ سيدُه يوسف ووضعه فى بيت السجن المكان الذى كان أسرىالملك محبوسين فيه ".





ب- قصة يوسف فى القرآن الكريم


"وَرَاوَدَتْهُ التى هوَ فى بيتها عن نفسه وغلّقتِ الأبوابَوقالتْ هيت لك قال معاذ الله إنهُ ربى أحسنَ مثواى إنهُ لايُفلحُ الظالمون *ولقد هَمَّتْبه وَهَمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاء إنه من عبادناالمخلَصين * واستبقا الباب وقدت قميصه من دُبرٍ وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاءُمن أراد بأهلكَ سوءًا إلا أن يُسجن أو عذابُ أليم * قال هى راودتنى عن نفسى وشهد شاهدٌمن أهلها إن كان قميصَه قُد من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُد من دُبرٍفكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قُد من دُبرٍ قال إنه من كيدكُنَّ إن كيدكنعظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبكِ إنك كنتِ من الخاطئين ... ثم بدا لهم من بعدمارأوا الآيات لَيَسْجنُنَّهُ حتى حين"(53) .


أولا مواضع التشابه


تبدأ المشابهة منذ بدأت امرأة العزيز تراود يوسف عن نفسهليفعل الفحشاء فيها وتنتهى بوقوف العزيز على هذا الأمر وقراره بوضع يوسف فى السجن كذلكتشابه فى الحديث عن قميص يوسف والتشابه فى مجرد الذكر.


ثانيا: أوجه الاختلاف


لقد كانت أوجه الاختلاف مركزه فى ستة فروع بين ما أورده القرآنالكريم وما ذكرته التوراة .


1- المراودة:


التوراة: المراودة حدثت مرارًا ونُصح يوسف لامرأة سيده كانقبل المرة الأخيرة .


القرآن الكريم: المراودة حدثت مرة واحدة اقترنت بعزم المرأةعلى يوسف لينفذ رغبتها.


2- تغليق الأبواب وثوب يوسف:


التوراة: خلت من الإشارة إلى تغليق الأبواب وتقول إن يوسفترك ثوبه بجانبها وهرب وانتظرت هى قدوم زوجها وقصت عليه القصة بعد أن أعلمت بها أهلبيتها.


القرآن الكريم: يشير إلى تغليق الأبواب وأن يوسف هم بالخروجفَقَدَّتْ ثوبه من الخلف وحين وصلا إلى الباب فوجئا بالعزيز يدخل عليهما فبادرت المرأةبالشكوى فى الحال.


3- موقف يوسف وقت دخول العزيز عليهما :


التوراة: لم يكن يوسف موجوداً حين دخل العزيز ولم يدافع يوسفعن نفسه لدى العزيز.


القرآن الكريم: يوسف كان موجوداً حين قدم العزيز ، وقد دافععن نفسه بعد وشاية المرأة ، وقال هى راودتنى عن نفسى.


4- شهادة الشاهد


التوراة: تخلو من حديث الشاهد وتقول إن العزيز حمى غضبه علىيوسف بعد سماع المرأة


القرآن الكريم: يذكر تفصيلاً شهادة الشاهد كما يذكر اقتناعالعزيز بتلك الشهادة ولومه لامرأته وتذكيرها بخطئها . وتثبيت يوسف على العفة والطهارة.


5- قرار سجن يوسف


التوراة: تقول إن العزيز فى الحال أمر بوضع يوسف فى السجنولم يعرض أمره على رجال حاشيته.


القرآن الكريم: يشير إلى أن القرار بسجن يوسف كان بعد مداولةبين العزيز وحاشيته.


6- حديث النسوة


التوراة: تخلو من حديث النسوة اللاتى لُمْنَ امرأة العزيزعلى مراودتها فتاها عن نفسه ، وهى فجوة هائلة فى نص التوراة.


القرآن الكريم: يذكر حديث النسوة بالتفصيل كما يذكر موقفامرأة العزيز منهن ودعوتها إياهن ملتمسة أعذارها لديهن ومصرة على أن ينفذ رغبتها.


من المقارنة السابقة يتضح الاختلاف الواضح البين بين القرآنوالتوراة فى قصة سيدنا يوسف فهما لم يتفقا إلا فى وقوع الواقعة من حيث هى واقعة وكفىوكذلك متفقان حول عفة يوسف وإعراضه عن الفحشاء بينما أضاف القرآن إضافات جديدة لهامغزاها العقدى ولكن الجديد فى القرآن والذى تفرد به:


أ‌- حديث النسوة وموقف المرأة منهن .


ب‌- شهادة الشاهد الذى هو من أهل امرأة العزيز كما صحح القرآنبعض الأخطاء التى وقعت فيها التوراة كما قلنا .


ج‌- لم يترك يوسف ثوبه لدى المرأة بل كان لابساً إياه ولكنهاقطعته من الخلف عند هروبه إلى الباب .


د- غياب يوسف حين حضر العزيز وإسقاط التوراة دفاعه عن نفسه.


وقد يتساءل الإنسان عن أفضل الروايتين والتى تليق بعفة يوسفأيترك ثوبه كله ويهرب أم يُخرق ثوبه من الخلف فإذا ما قلنا برواية التوراة فيكون يوسفعليه السلام ليس عفيفا والمرأة على حق فى دعواها لأن يوسف لا يخلع ثوبه كله ويليقيههكذا إلا إذا كان هو الراغب ولا يقال إن المرأة هى التى أخلعته الثوب لأن يوسف رجلوهى امرأة فكيف تتغلب عليه وتخلع ثوبه بسهولة هكذا إذا امتنع عنها ولما امتنع عنهااحتفظت بالثوب كدليل مادى على جنايته فهل خرج يوسف عريانا وترك ثوبه لدى غريمته؟! والمتأملفى رواية التوراة لا يملك إلا أن يدين يوسف إدانة صريحة وهذا يتنافى مع العفة التىوصفه بها القرآن الكريم لكونه نبى . أما رواية القرآن ففيها إدانة صريحة لامرأة العزيزوبراءة كاملة ليوسف عليه السلام والدليل هو قطع القميص من الخلف . ولنا أن نتساءل بعدهذا كله فهل كان القرآن مقتبسا من التوراة فى قصة سيدنا يوسف؟!! .





























































موضع التشابه الثالثفى قصة "ابنى أدم قابيل وهابيل"



أ‌- قصة هابيل وقابيل فى التوراة


"حدث من بعد أيام أن قابيل قدم من أثمار الأرض قرباناللرب ، وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ، ومن سمانها ، فنظر الرب إلى هابيل وقربانهولكن إلى قابيل . وقربانه لم ينظر. فاغتاظقابيل جداً وسقط وجهه . فقال الرب لقابيل لماذا اغتظت ولماذا سقط وجهك ؟ إن أحسنت أفلارفع ؟. وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها ، وأنت تسود عليها. وكلمقابين هابيل أخاه. وحدث إذ كانا فى الحقل أن قابين قام على هابيل أخيه وقتله . فقالالرب لقابين أين هابيل أخوك فقال لا أعلم أحارس أنا لأخى ؟ فقال ماذا فعلت ؟ صوت دمأخيك صارخ إلىَّ من الأرض . فالآن ملعون أنت من الأرض التى فتحت فاها لتقبل دم أخيكمن يدك متى عملت الأرض ؟ تعود تعطيك قوتها . تائهاً وهارباً تكون فى الأرض فقال قابينللرب: ذنبى أعظم من أن يحتمل أنك قد طردتنىاليوم على وجه الأرض ، ومن وجهك أختفى وأكون تائهاً وهارباً فى الأرض فيكون كل من وجدنىيقتلنى فقال له الرب: لذلك كل من قتل قابين فسبعة أضعاف ينتقم منه. وجعل الرب لقابينعلامة لكى لا يقتله كل من وجده. فخرج قابين من لدن الرب وسكن فى أرض نود شرقى عدن"


ب- قصة هابيل وقابيل فى القرآن الكريم :


"واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبلمن أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبلُ الله من المتقين * لئن بسطتإلىَّ يدك لتقتلنى ما أنا بباسطٍ يدى إليك لأقتلك إنى أخافُ الله ربَّ العالمين * إنىأريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين* فطوعت له نفسهُقتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابًا يبحث فى الأرض ليُرِيَهُ كيفيوارى سوءة أخيه * قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارىَ سوءة أخى فأصبحمن النادمين * من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍفى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ولقد جاءتهمرسلنا بالبينات ثم إن كثيراً منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون"(54)


أوجه التشابه: اتفق المصدران حول نقطتين هما


1-اتفقا فى: مسألة القربان .


2- اتفقا أيضا فى قتل أحد الأخوين للآخر. أما فيما عدا هاتينالنقطتين فإن ما ورد فى القرآن يختلف تماماً عما ورد فى التوراة ، وذلك على النحو الآتى:


أوجه الاختلاف


1- تسمية الأخوين


- التوراة: تسمى أحد الأخوين بقابين وهو " القاتل" والثانى " هابيل " كما تصف القربانين وتحدد نوعهما


- القرآن الكريم: لايسميهما ويكتفى ببنوتهما لآدم كما اكتفىبذكر القربانين ولم يحددهما.


ب- ذكر حوار بين القاتل والرب


- التوراة: تروى حواراً بين قابين والرب بعد قتله أخاه ،وتعلن غضب الرب على قابين وطرده من وجه الرب إلى أرض بعيدة.


- القرآن الكريم: لا يذكر حواراً حدث بين القاتل وبين الله، ولا يذكر أن القاتل طرده الله من وجهه إلى أرض بعيدة ، إذ ليس على الله بعيد.


ج- ذكر الحوار بين الأخوين


- التوراة: تخلو من أى حوار بين الأخوين.


- القرآن الكريم: يذكر الحديث الذى دار بين ابنى آدم ويفصلالقول عما صدر من القتيل قبل قتله وتهديده لأخيه بأنه سيكون من أصحاب النار إذا قتلهظلماً.


د- الغراب وجثة القتيل


- التوراة: لا مقابل فى التوراة لهذه الرواية ولمْ تبين مصيرجثة القتيل ؟!


-القرآن الكريم: يذكر مسألة الغراب ، الذى بعثه الله لٍِيُرىالقاتل كيف يتصرف فى جثة أخيه ، ويوارى عورته.


ھ- ندم القاتل


- التوراة: تنسب الندم إلى "قابين" القاتل لماهدده الله بحرمانه من خيرات الأرض ، ولا تجعلهيشعر بشناعة ذنبه.


- القرآن الكريم: يصرح بندم "القاتل" بعد دفنهأخيه وإدراكه فداحة جريمته.


من المقارنة السابقة يتضح أن القرآن قد تفرد بعدة أشياء فىغاية الأهمية منها:


1-أنه يجعل من هذه القصة هدفاً تربوياً قوامه القصاص العادلبين الناس ففى القصاص حياة للمجتمعات . هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نرى فى هذه القصةلوما لبنى إسرائيل على إفسادهم فى الأرض بعد مجىء رسل الله إليهم أما التوراة فقد ذكرتهذه القصة لمجرد التأريخ والعلم فقط ولا روح فيها ولا مجالا للتربية والتوجيه .


2-نلمح فى التوراة انعدام الجانب الخلقى أحيانا ويتضح ذلكمن سوء مخاطبة قابين للرب فتأمل معى قوله لربه: "أحارس أنا لأخى" فهذا لفظفيه فظاظة وحمق لا يليق بمخاطبة الرب سبحانه وتعالى وهكذا ترى عدم الاحترام لقدر الربفى أغلب أسفار التوراة ونلمح ذلك أيضا فى مكان آخر من التوراة مثل الحوار الذى داربين الرب ويعقوب وكيف يصرع يعقوب ربه ويجبره ؟ فهل هذا حديث يليق بالأنبياء فى محاطبتهمللرب؟ وكذلك نذكر التوراة فى موضع أخر أن موسى أبى ربه بأن يرجع عن غضبه على بنى إسرائيلوهدده فى ذلك بأنه سيستقيل من النبوة إذ لم يستجب .


وخلاصة: ما سبق أن رواية القرآن الكريم لابنى أدم هى الروايةالحقة التى تليق بالقرآن الكريم فى هدفها ومغزاها وأسلوبها فهل ترى فى هذه الروايةأن القرآن الكريم قد اقتبس أحداث ابنى آدم من التوراة ومما يؤيد صدق رواية القرآن الكريموبعدها عن الاقتباس هو أن القرآن ذكر كلام الشقيق الذى قتل مع أخيه وهذا غير موجودفى نص التوراة كما أن قصة الغراب التى أتى بها القرآن ليعلم الإنسان كيف يوارى سوءةأخيه وهى غير واردة أيضا فى التوراة وهكذا نرى الفرق الهائل بين القرآن الكريم الذىاستمد مصدره من السماء وبين التوراة المزورة والمحرفة وإن تشابهت معه فى أصل الواقعة.


موضع التشابه الرابع "المحرمات من النساء"


وفى هذه القضية نقارنبين بعض المسائل التشريعية فى المصدرين لأنهم يدعون أن الأحكام التشريعية فى القرآنالكريم إنما هى من أحكام التوراة وقد وقع الاختيار فى المقارنة حول المحرمات من النساءلنرى حكم ذلك فى القرآن والتوراة .


أ- المحرمات من النساء فى التوراة :


"عورة أبيك وعورة أمك لا تكشف. إنها أمك لا تكشف عورتها.عورة امرأة أبيك لا تكشف. إنها عورة أبيك. عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودةفى البيت ، أو المولودة خارجاً لا تكشف عورتها. عورة ابنة ابنك أو ابنة بنتك لا تكشفعورتها إنها عورتك. عورة بنت امرأة أبيك المولودة من أبيك لا تكشف عورتها إنها أختك.عورة أخت أبيك لا تكشف إنها قريبة أبيك. عورة أخت أمك لا تكشف إنها قريبة أمك عورةأخى أبيك لا تكشف ، إلى امرأته لا تقرب إنها عمتك. عورة كنتك لا تكشف. إنها امرأة ابنكلا تكشف عورتها.


عورة امرأة أخيك لا تكشف إنها عورة أخيك. عورة امرأة ، وبنتهالا تكشف ، ولا تأخذ ابنة ابنتها أو ابنة بنتها لتكشف عورتها إنهما قريبتاها. إنه رذيلة.ولا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها معها فى حياتها.


ب- المحرمات من النساء فى القرآن الكريم:


"ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ماقد سلف إنهكان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا * حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكموبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكموربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلاجناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلفإن الله كان غفوراً رحيما والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم "(55)


أهم الفروق بين المصدرين


1- النسب من الرضاعة


التوراة : لا تقيم شأنًا للنسب من جهة الرضاعة.


القرآن الكريم: يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.


2- امرأة العم


التوراة: تحرم نكاح امرأة العم وتدعوها عمة.


القرآن الكريم: لا يحرم نكاح امرأة العم ولا يدعوها عمة.


3-امرأة الأخ لأخيه


التوراة: تحرم نكاح امرأة الأخ لأخيه.


القرآن الكريم : لا يحرم نكاح امرأة الأخ لأخيه إذا طلقهاأو مات عنها أخوه


4-حرمة النساء المتزوجات من رجال آخرين


التوراة: لا تذكر حرمة النساء المتزوجات من رجال آخرين زواجهمقائم.


القرآن الكريم: يحرم نكاح المتزوجات فعلاً من آخرين زواجاًقائماً ويطلق عليهن وصف المحصنات من النساء.


5- التحريم لقرابة من جهة غير الزوج


التوراة: تجعل التحريم غالباً للقرابة من جهة غير الزوج مثلقرابة الأب الأم العم .. وهكذا.


القرآن الكريم: يجعل التحريم لقرابة الزوج ممن حرمت عليه.أو قرابة زوجته أحياناً.


من المقارنة بين البنود السابقة والتى اتضح منها التباينبين القرآن الكريم والتوراة نستنبط أن ما ورد فى التوراة لا يمكن أن يكون أصلا للنصالقرآنى وذلك بموجب العقل والعلم فللنص القرآنى سلطانه الخاص ومصدره المتميز الذى لمتعبث به أيدى البشر وهذا بخلاف النصوص التى وردت فى التوراة .


موضع التشابه الخامس "بشارة زكريا بيحيىعليهما السلام".


هذه القضية تحدث بها الإنجيل والقرآن الكريمفى سورة آل عمران ومريم


أ- بشارة زكريا فى الإنجيل


" لم يكن لهما يعنى زكريا وامرأته ولد . إذ كانت"اليصابات يعنى امرأة زكريا عاقراً. وكان كلاهما متقدمين فى أيامهما فبينما هويكهن فى نوبة غرفته أمام الله حسب عادة الكهنوت أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الربويبخر ، وكان كل جمهور الشعب يصلى خارجاً وقت البخور. فظهر له ملاك الرب واقفاً عنيمين مذبح البخور . فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك: لاتخف يازكريا ؛ لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك "اليصابات" ستلد لك ولداً وتسميه يوحنا، ويكون لك فرح وابتهاج . وكثيرون سيفخرون بولادته ؛ لأنه يكون عظيماً أمام الرب. وخمراًومسكراً لا يشرب ، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس ويرد كثيرين من بنى إسرائيل إلى الربإلههم ، ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء. والعصاة إلىفكر الأبرار ، لكى يهئ للرب شعباً مستعدًّا. فقال زكريا للملاك: كيف أعلم هذا وأناشيخ وامرأتى متقدمة فى أيامها..؟!


فأجاب الملاك وقال: أنا جبرائيل الواقف قدام الله. وأرسلتلأكلمك وأبشرك بهذا. وها أنت تكون صامتاً ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذى يكون فيههذا لأنك لم تصدق كلامى الذى سيتم فى وقته. وكان الشعب منتظرين زكريا ومتعجبين من إبطائهفى الهيكل. فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم ففهموا أنه قد رأى رؤيا فى الهيكل. فكان يومئإليهم. وبقى صامتاً.." (56)


ب- بشارة زكريا فى القرآن الكريم


(1) سورة آل عمران:


"هنالِكَ دعازكريا ربَّهُ قال رب هب لى من لدُنك ذريةً طيبةً إنك سميعُ الدعاء * فنادته الملائكةوهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يُبشرك بيحيى مصدقاً بكلمةٍ من الله وسيداً وحصوراًونبيًّا من الصالحين * قال رب أنى يكون لى غلامٌ وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر قالكذلِكَ الله يفعلُ ما يشاء * قال ربِّ اجعل لى آية قال آيتك ألا تُكلم الناسَ ثلاثةَأيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشى والإبكار"(57)


(2) سورة مريم:


"ذكر رحمة ربك عبده زكريا * إذ نادى ربَّه نداءً خفيًّا* قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيباً ولم أكن بدعائك ربِّ شقيًّا * وإنىخفت الموالى من ورائى وكانت امرأتى عاقراً فهب لى من لدنك وليًّا * يرثنى ويرث من آليعقوب واجعله ربِّ رضيًّا * يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبلسميًّا * قال رب أًنَّى يكون لى غلام وكانتً امرأتى عاقراً وقد بلغت من الكبر عتيًّا* قال كذلكَ قال ربكَ هو علىَّ هينٌ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا * قال رب اجعل لىآية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويًّا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهمأن سبحوا بكرة وعشيًّا * يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيًّا * وحناناً منلدنَّا وزكاةً وكان تقيًّا * وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصيًّا * وسلام عليه يومولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًّا) (58)


بالمقارنة بين النصين يتضح لنا أمران الأول أن هناك أخطاءفى النص الإنجيلى قد صححها القرآن الكريم والثانى انفراد القرآن بمعان دقيقة لا وجودلها فى الإنجيل وسوف نوضح هذين الأمرين:


أولا: الأخطاء التى صححها القرآن


1- يفسر النصالإنجيلى الصمت الذى قام به زكريا عقوبة له من الملاك على حين أن القرآن الكريم قدذكر هذه الواقعة وجعل الصمت استجابة لدعاء زكريا ربه "قال ربى اجعل لى آية قالأيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا" (59) ، وقال فى موضع أخر"ربى اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا"(60)فالصمت هنا يعد تكريما من الله لزكريا عليه السلام وليس عقوبة من الملاك كما يقول الإنجيل. ومما يؤسف له أن بعض مفسرى القرآن الكريم قد انساقوا وراء هذا التحريف وقالوا أنالصمت كان عقوبة لزكريا ولكن من الله لا من الملائكة وهذا التفسير تفسير خاطئ لأن زكريالم يرتكب ذنبا حتى يعاقب من الله أو من الملاك فهل يعد إقرار زكريا بكبر سنه وعقر امرإتههو الذنب؟! إنه لا يعد ذنبا لأن هذا الأمر قد وقع من سيدنا إبراهيم عليه السلام أيضاحين بشر بإسحاق ووقع من سارة أيضا حين بشرت به فلم يعاقب الله منهما أحدا كما وقع منمريم عليها السلام حين بشرت بعيسى المسيح ولم يعاقبها الله عليه فلماذا أنزل العقاببزكريا دون الآخرين كما أن النص القرآنى لم يذكر ذلك عقابا فالصمت الذى حل بزكريا بالنسبةلتكليم الناس ومع ذلك فقد ظل لسان زكريا يلهج بحمد الله وتسبيحه فى العشى والإبكار.


2-النص الإنجيلى يحدد مدة الصمت بخروج زكريا من الهيكل إلىيوم أن ولد يحيى وهذا خطأ آخر صححه القرآن الكريم فجعل مدته ثلاثة أيام بلياليهن بعدالخروج من المحراب .


ج- النص الإنجيلى يجعل التسمية بيحيى "يوحنا" مناختيار زكريا إلا أن الملاك قد تنبأ بها وهذا خطأ ثالث صححه القرآن إذ جعل التسميةمن وحى الله إلى زكريا حيث يقول ".. اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا" (61)


د- النص الإنجيلى يقول أن زكريا قد خاف واضطرب حين جاءه الملاكبالبشرى بينما النص القرآنى قد خلا من هذا وهذا دليل على عدم وقوع الخوف والاضطراب.


ﻫ- النص الإنجيلى يجعل البشارة على لسان ملاك واحد بينماالقرآن الكريم يجعله على لسان جمع من الملائكة فيقول القرآن "فنادته الملائكةوهو قائم يصلى فى المحراب" (62) ويقول فى موضع آخر "يا زكرياإنا نبشرك بغلام" وهذا خطأ خامس .





ثانيا: ما تفرد به القرآن على الإنجيل


أ‌- سبق قصةالبشارة قصة نذر امرأة عمران ما فى بطنها لله ليعمل فى الهيكل وهذا لم يرد فى الإنجيليقول القرآن "إذ قالت امرأة عمران ربى إنى نذرت لك ما فى بطنى محررا فتقبل منى"(63)


ب‌- إخبار القرآنلإمرأة عمران أنها ولدت أنثى وقد سمتها مريم وكانت ترجو أن يكون المولود ذكرا وهذاما خلا منه النص الإنجيلى


ج- يذكر النص القرآنى كفالة زكريا لمريم والنقاش والجدالالذى دار بينهما أيهم يكفل مريم كذلك ذكر القرآن أن الله كان يرزق مريم دون أن يعرفأحد من البشر مصدر ذلك الرزق حيث يقول القرآن "وكلما دخل عليها زكريا المحرابوجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا" (64)


د- القرآن يربط بين الدعوتين دعوة امرأة عمران بمولودها مريموبين دعوة زكريا وابنه يحيى وهو ربط قوى يدلل على ارتباط هؤلاء القوم بالله سبحانهوتعالى وأن مشيئة الله وقدرته مطلقه .


ﻫ- أن القرآن قد تفرد بذكر دعاء زكريا كما جاء فى سورة آلعمران "هنالك دعا زكريا ربه قال ربى هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء".


و- دعاء زكريا ربه أن يهبه غلاما يرثه ويرث من آل يعقوب حتىتستمر سلسلة الأنبياء متواصلة وهذا المعنى لم يرد فى الإنجيل يقول الله تعالى:"فهب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله ربى رضيا"(65)انفرد القرآن الكريم أيضا بالسبب الذى جعل زكريا يدعو ربه أن يهبه غلاما هو خوفه الموالىمن ورائه .


ز- اثنى القرآن الكريم على المولود "يحيى" فقالعنه أنه بار بوالديه وعليه سلام الله يوم ولادته ويوم موته ويوم يبعث حيا ويقول اللهتعالى: "...وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوميبعث حيا"(66)


وهكذا نرى أن القرآن الكريم ليس فيه اقتباس من الإنجيل لسببينهو أن القرآن الكريم قد انفرد بمعانى دقيقة لها دلالتها فى عقيدة التوحيد وتتناسب أيضامع تكريم الله لأنبيائه هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد صحح القرآن فى هذه الواقعة خمسةأخطاء وهذا دليل أكيد على أن القرآن الكريم لم يقتبس من الإنجيل مطلقا .

































































مراجع المبحث الأول





1- سورة آل عمران آية 78 2- ظلال القرآن ج1 ص419


3- مجلة البيان عدد 159 بتاريخ 1421ﻫ


4- "قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله". لجلال العالم ص31


5- الخنجر المسموم.للأستاذ أنور الجندى ص29


6- مجلة الفقهالإسلامي ص329 7- سورةالبقرة آية 176


8- آل عمران آية 7


9- أخرجه الدارمى "المقدمة باب فى كراهية أخذ الرأىرقم 214


10- سورة البقرة آية 120


11- أخرجه الطبرانى فى الصغير " 2 / 42 " ، والكبير"20 / 90" وفى مسند الشاميين "1 / 379" تخريج جديد .


12- انظر كتاب الدكتور شوقى أبو خليل . الإسقاط فى مناهجالمستشرفين ص47 دار الفكر المعاصر بيروت طبعة أولى وانظر أيضا تاريخ الدولة العربيةليوليوس فلهاوزن ص8 ترجمه عن الألمانية محمد أبو ريده .


13- انظر دائرة المعارف الإسلامية الإستشراقية . لإبراهيمعوض ص7


14- انظر كتاب شلبى رد مفتريات على الإسلام ص38 على لسانالمجلس الملى القبطى الأرزوذكثى بالإسكندرية ودائرة المعارف البريطانية ص22 وكتاب العقادحقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص276


15- الجامع لأحكام القرآن للقرطبى " 17 / 21 "


16- المرجع السابق ونفس الصفحات .


17- 4 / 244 ط دار الشعب بالقاهرة


18- انظر دائرة المعارف الإسلامية ج4 ص245 طبعة دار الشعبالقاهرة


19- سورة الحج آية 75 20-سورة فاطر آية 1


21- انظر دائرة المعارف الإسلامية ج4 ص246 ، 247


22- يقول الله تعالى: "هو الله الذى لا إله إلا هو الملكالقدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون"


23- المصدر السابق ج4 ص248


24- هو عالم من علماء الغرب تخصص فى علوم الشرق لغته وديانتهوفلسفته وتاريخه ومن أشهر كتبه معالم تاريخ الإنسانية .


25- انظر كتاب ويلز . معالم تاريخ الإنسانية ج3 ص626وما بعدها


26- معالم تاريخ الإنسانية ج3 ص657


27- من أكبر مستشرقىإنجلترا المعاصرين ، كان عضوا بالمجمع اللغوى فى مصر وأستاذ الدراسات الإسلامية والعربيةفى جامعة هارفرد الأمريكية ، من كبار محررى وناشرى "دائرة المعارف الإسلامية" له كتابات كثيرة فيها عمق وخطورة ، وهذا هو سر خطورته. ومن كتبه :


- "طريق الإسلام" ألفه بالاشتراك مع آخرين ، وترجممن الإنجليزية إلى العربية تحت العنوان المذكور .


- "الاتجاهات الحديثة فى الإسلام" صدر فى عام1947 وأعيد طبعه وترجم إلى العربية تحت العنوان المذكور


- "المذهب المحمدى" صدر عام 1947 وأعيد طبعه


- "الإسلام والمجتمع الغربى" يصدر فى أجزاء وقداشترك معه آخرون فى التأليف ، وله مقالات أخرى متفرقة .


28- ونسخته العربية "رمسيس الثانى ، فرعون المجد والانتصار،ترجمة د.أحمد زهير أمين" ص55


29- المصدر السابق ص242 30- المصدر السابق ونفس الصفحة


31- المصدر السابق ص73 32-المصدر السابق ص97


33- المصدر السابق ص199 34-المصدر السابق ص179


35- المصدر السابق ص192 36-المصدر السابق ص199


37- المصدر السابق ص240 38- المصدر السابق ص242


39- سورة الكهف آية 83 ، 84 40- سورة الكهف آية 87 ، 88


41- سورة الإسراء آية 1


42- صحيح – تخريج فقه السيرة 82 . وأخرجه البخارى ومسلم- صحيح سنن ابن ماجة باختصار السند . الألبانى ص125


43- رواه البخارى . صحيح الإرواء . صحيح ابن ماجة ص237


44- رواه أبو الدرداء - إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما:المصدر الترغيب الصفحة 2/205


45- رواه عبداللهبن عمرو بن العاص - صحيح -الألبانى -صحيح الجامع - الصفحةأو الرقم 2090


46- قصة الحضارةالمجلد 11 ص265 47-سورة لقمان آية 20


48- سورة البقرة آية 31 49- سورة الأعراف آية 27


50- سورة البقرة آية 37 51-سورة البقرة آية 30


52- سورة البقرة آية35 53-سورة يوسف آية23: 35


54- سورة المائدة آية27 : 32 55- سورة النساء آية22: 24


56- إنجيل لوقا الإصحاح الأول 7 – 22 57- سورة آل عمران38–41


58- سورة مريم 2 : 15 59-سورة آل عمران آية 41


60- سورة مريم آية 10 61-سورة مريم آية 7


62- سورة آل عمران آية 39 63- سورة آلعمران آية 35


64- سورة آل عمران آية 37 65- سورة مريمآية 6


66- سورة مريم آية 14

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 09-08-2021, 06:39 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي


المبحث الثانى


الإسرائيليات فىالقرآن الكريم



إن ما شاع اليوم من إسرائيليات فى القرآن الكريم ، إنما هومن وليد الأمس إذ غصت بعض تفاسير القرآن الكريم بالعديد من تلك الإسرائيليات القديمةوالتى سمعها المفسرون المسلمون القدامى من أهل الكتاب وبخاصة اليهود ، ولإتمام الفائدةفى هذا الباب رأيت أن أذكر بعض الأمثلة من الإسرائيليات القديمة التى وردت فى بعض تفاسيرالقرآن الكريم حتى يدرك القارئ أن ما نعانيه اليوم إنما هو صنيع الأمس وأن الأمر يتطلبأن نقوم قومة رجل واحد لتنقية تفاسير القرآن الكريم من هذه الإسرائيليات ويكون سبيلناإلى ذلك هو المنهج العلمى الصحيح والمقارنة الدقيقة والتمحيص الجاد . وهذا أمر قد قامبه مشكورين بعض العلماء المخلصين لكن ما زال أمامنا الكثير فى هذا المجال .


والإسرائيليات: جمع إسرائيلية، وهى قصة أو أسطورة تروى عن مصدر إسرائيلى ، سواء أكان عن كتاب أو شخص ، تنتهى اليهسلسلة إسناد القصة .


والنسبة فيها إلى إسرائيل ، وهو لقب يعقوب النبى ، وإليهتنسب اليهود ، فيقال: بنوإسرائيل ، سواء أكانوامنسوبين اليه بالنسب ، أو بالإيمان فكل من آمن باليهودية فهو إسرائيلى ، سواء أكانمنتسبا إلى أحد الأسباط أم لم يكن(1) واللفظة عبرية تعطى معنى: الغلبة علىاللّه ، حيث القصة الأسطورية فى مصارعة يعقوبمع اللّه ليلة كاملة ، وغلبته عليه عند الصباح(2).


وكلمة إسرائيل مكونة من "إسرا" بمعنى الغلبة ،و"ئيل" بمعنى القدرة الكاملة، لقب الإله ، وتلقب به الأصنام أيضا(3) فمعنى "إسرائيل": الغالب على القدرة الكاملة ، وهو اللّه تعالى - فى زعمهم- ، وقد أصبحلقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، لأنه صارع مع اللّه وغلب عليه .


ولفظ "إسرائيليات" وإن كان بظاهره يدل على القصصالذى يروى أصلا عن مصادر يهودية ، يستعمله علماء التفسير والحديث ، ويطلقونه على ماهو أوسع وأشمل من القصص اليهودية فهو فى اصطلاحهم يدل على كل ما تطرق إلى التفسير والحديثوالتاريخ من أساطير قديمة ، منسوبة فى أصل روايتها الى مصدر يهودى أو نصرانى أو غيرهما، بل توسع بعض المفسرين والمحدثين فعدوا من الإسرائيليات ما دسه أعداء الإسلام من اليهودوغيرهم على التفسير والحديث ، من أخبار لا أصل لها حتى فى مصدر قديم وإنما هى من صنعأعداء الإسلام ، صنعوها بخبث نية وسؤ طوية، ثم دسوها على التفسير والحديث ليفسدوا بها عقائد المسلمين .


وقد أطلق لفظ الإسرائيليات على كل ذلك ، من باب التغليب للوناليهودى على غيره ، لأن غالب ما يروى من هذه الخرافات والأباطيل ، يرجع فى أصله إلىمصدر يهودى ، ولأنهم الفئة التى كانت العرب الأوائل وكذا المسلمون فى العهدالأول يرجعونإليها فى الأغلب الأكثر ، واليهود قوم بهت ، وهـم أشد الناس عداوة وبغضا للاسلام والمسلمين، كما قال سبحانه: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا"(4) واليهود كانوا أكثر أهل الكتاب صلة بالمسلمين وثقافتهم كانت أوسع منثقافات غيرهم ، وحيلهم التى يصلون بها إلى تشويه جمال الإسلام كانت ماكرة خادعة ، وكانلهم نصيب كبير فى هذا الرصيد المركوم من الإسرائيليات الدخيلة فمن أجل هذا كله ، غلباللون اليهودى على غيره من ألوان الدخيل على التفسير والحديث ، وأطلق عليه كله لفظ"الإسرائيليات".


الموضوعات فى القرآن والحديث


الموضوعات : هى جمع موضوع "اسم مفعول مأخوذ من وضع الشئيضعه وضعا إذا حطه وأسقطه أو من وضعت المرأة ولدها إذا ولدته (5) أما الموضوعمصطلحا . فهو الحديث المختلق المصنوع المكذوب على رسول الله (ص)أو على من بعدهمن الصحابة والتابعين ، وإذا ما أطلق ينصرف المصطلح على الرسول (ص) أما الموضوع علىغير النبى (ص) فلابد من إضافة فمثلا يقال موضوع على ابن عباس أو على مجاهد.


أنواع الحديث الموضوع من حيث المادة والنصوينقسم إلى:


1- أن يضع الواضع كلاما من عند نفسه ثم ينسبه إلى النبى (ص) أو إلى الصحابةأو إلى التابعين .


2- أن يأخذ الواضع كلاما لبعض الصحابة أو التابعين أو الحكماءوالصوفية أو ما يروى فى الإسرائيليات فينسبه إلى رسول الله(ص) ليروج وينال القبولومثال ذلك حديث: "أحبب حبيبك هونا ما ، عسى أن يكون بغيضك يوما ما وأبغض بغيضكهونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما" فهذا قول لعلى كرم الله وجهه وقد أسند إلىالنبى (ص) فهذا مثال للحديث الموضوع من قول الصحابة وكذلك حديث:"المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء" فهو من قول الحارس بن كلده طبيبالعرب ، ومثال ما هو من كلام المتصوفة: "كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أُعرف فخلقتالخلق فعرفتهم فعرفونى" وهذا مثال فى حديث موضوع عن المتصوفة .


ومن أمثلة الإسرائيليات: "ما وسعنى سمائى ولا أرضى ولكنوسعنى قلب عبدى المؤمن "قال الإمام بن تيمية هو من الإسرائليات وليس له أصل معروفعن النبى )(6) .


ما حكم من يروى الإسرائيليات أو الموضوعات ؟


أجمع العلماء على أنه لا يحل رواية الحديث الموضوع فى أىباب من الأبواب إلا مقترنا ببيان أنه موضوع مكذوب سواء فى ذلك ما يتعلق بالحلال والحرامأو الفضائل أو الترغيب والترهيب أو القصص والتواريخ (7) ومن رواه من غيربيان وضعه فقد باء بالإثم العظيم وحشر نفسه فى عداد الكذابين والأصل فى ذلك ما رواهالإمام مسلم فى صحيحه بسنده سنن ابن ماجه ص13 أن رسول الله (ص) قال : "منحدث عنى بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" وفى حكم الموضوعات الإسرائيلياتالتى ألصقت بالنبى كذبا وكان من أثر اتساع رقعة الإسلام دخول كثير من أبناء الأمم المغلوبةفيه ومنهم الفارسى ومنهم الرومى ومنهم المصرى ومنهم المخلص للإسلام ومنهم المنافق الذىيكره الإسلام ويحقد عليه ومنهم الذنديق الذى يسعى بشتى الوسائل لإفساده وتشكيك الناسفيه ومنهم اليهودى الذى لا يزال مشدودا إلى يهوديته ومنهم النصرانى الذى لا يزال يحنإلى نصرانيته وقد انتهز أعداء الإسلام الذين أشرنا إليهم سابقا سماحة الخليفة عثمانابن عفان ودماثة خلقه فبذروا البذور الأولى للفتنة فكان ابن سبأ اليهودى الخبيث يطوففى الأقاليم ويؤلب عليه الناس وقد أخفى هذه السموم التى كان ينفثها تحت ستار التشيع


وسوف نذكر نبذ بسيطة لهؤلاء الوضاعين من بنى إسرائيل والتىكانت رواية أغلب الإسرائيليات تصدر عنهم إن لم تكن كلها:


1- عبد الله بن سلام: هو أبو يوسف عبدالله بن سلام بن الحارث من بنى قينقاع وهو من ذرية يوسف الصديق وكان اسم عبد الله بن سلام فى الجاهلية "الحصين"فسماه النبى (ًص)"بعبد الله" وكان من حلفاء الخزرج من الأنصار.


وقد روى الحديث عن النبى )ص) وروى عنه ابناه يوسف ومحمد، وكذلك أبو هريرة ، وأبو برده بن أبى موسى الأشعرى ، وعطاء بن يسار ، وشهد مع سيدناعمر فتح المقدس والجابية وقد عده بعضهم فى البدريين وأما ابن سعد ذكره فى الطبقة الثالثةممن شهد الخندق وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين من الهجرة(8) ويقول فيه الدكتورمحمد أبو شهبه أنه كان من أعلم اليهود بشهادتهم وأنه كان من علماء الصحابة بعد إسلامهوبحسبه فضل شهادة النبى (ص) بأنه من أهل الجنة فهل يجوز لعقل إنسان أن يشهدالنبى بالجنة لرجل يصدر منه الكذب وفى أى شئ فى الحديث ! ثم هو صحابى وكلهم عدول فمنالمستبعد جدا أن يكذب فى الرواية ولم يخدشه أحد من علماء الجرح والتعديل إلا من الكتابالمتأخرين الذين تأثروا بكلام المستشرقين وأتباعهم ونوايا المستشرقين ولاسيما اليهودمنهم نحو الإسلام والنبى والصحابة موسومة بالخبث والعداوة وسوء الظن . ثم يتعجب الدكتورأبو شهبه قائلا كيف نعدل عن كلام الأئمة الأثبات ونأخذ بكلام المستشرقين ونحن لا ننفىأن عبد الله بن سلام روى بعض ما علمه من معارف أهل الكتاب وثقافتهم وقد رويت عنه ،ولكن الذى ننفيه أن يكون ألصق هذه المرويات بالنبى ونسبها إليه زورا ، وأنه كان وضاعا كذابا ، ومن يرى خلاف ذلك فنحن نطالبه بالحجة والبرهانوكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين للهجرة .


2- كعب الأحبار: هو كعب بن ماتعبن عمرو بن قيس من آل ذى رعين وقيل ذى الكلاع الحميرى ويكنى أبو إسحاق وقد كان فى حياةالنبى رجلا يهوديا عالما بكتبهم حتى يقال كعبالحبر وكعب الأحبار وكان إسلامه فى خلافة سيدنا عمر وقيل فى خلافة الصديق وقد سكن المدينةوغزا وشارك فى غزو الروم فى خلافة عمر ثم رحل إلى الشام وسكنها ثم مات سنة اثنتين وثلاثينوقد روى كعب الأحبار عن النبى ولكنه مرسل لأنهلم يلق النبى ولم يسمع منه وروى عن عمر وصهيبوالسيدة عائشة وروى عنه الصحابة معاوية وأبو هريرة وابن عباس وعطاء بن أبى رباح وغيرهمن التابعين .


وعلماء الجرح والتعديل لم يتهموه بالوضع والاختلاق والجمهورعلى توثيقه ، ولم نجد له ذكرا فى كتب الضعفاءوالمتروكين وقد ترجم له الإمام الذهبى ترجمة قصيرة فى "تذكرة الحفاظ" وتوسعابن عساكر فى ترجمته فى "تاريخ دمشق" ، وتكاد تتفق كلمة النقاد على توثيقهاولكن سيدنا معاوية بن أبى سفيان قد اتهمه بالكذب وهذا ما ورد إذ روى البخارى فى صحيحهبسنده عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية وهو يحدث رهطا من قريش بالمدينة - يعنىلما حج فى خلافته - وذكر كعب الأحبار وقال: "إن كان من أصدق . وفى رواية لمن أصدقأهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب ولقد حسن العلماء الظن بكعب فحملوا هذهالكلمة على محمل حسن ويرى الدكتور أبو شهبه أنه مهما يكن من شئ فقد تبين له أن كعبالأحبار ما كان وضاعا يعتمد الكذب وأن الإسرائيليات التى يراها إن كان وقع فيها كذبوأباطيل فذلك يرجع إلى من نقل عنهم من أسلافه الذين حرفوا وبدلوا وإلى بعض كتب اليهودالتى حشيت بالأكاذيب والخرافات وإما إلى خطئه فى التأويل كما فى قصة ذى القرنين(9).


3- وهب بن منبه: هو وهب بن منبهالصنعانى اليمنى وجد فى أخر خلافة عثمان رضى الله عنه روى عن أبى هريرة وأبى سعيد الخضرىوعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهما وروى عن عمر ابن دينار المكى وعوف ابنأبى جميلة العبدرى وأخرج له البخارى ومسلم وأبو داوود والترمذى والنسائى سنة عشر ومائةووثق به الجمهور بينما خالف الفلاس فقال كان ضعيفا وكانت شهرته فى هذا أنه كان يتهمبالقول بالقدر أى أنه يخلق أفعال نفسه الاختيارية (10)


ويرى الدكتور أبو شهبه أنه لم يطعن فيه أحد بالوضع أو الاختلاقأو الكذب إلا ما قاله بعض المتأخرين وكان كثير النقل عن أهل الكتاب وقد ذكر عنه ابنكثير فى بداياته حكما صائبة ومواعظ كثيرة وقصصا استغرقت بضعا وعشرين صحيفة وليس مايستنكر إلا القليل وكذلك نقل عنه فى التفسير روايات كثيرة من الإسرائيليات ويرى دكتورأبو شبهة أنه بسببه دخل فى كتب التفسير إسرائيليات وقصص بواطل ولكنه هو الذى وضع ذلكواختلقه من عند نفسه ومع ذلك فلن نخليه من التبعة (11)

أقسام الإسرائيليات



أخبار بنى إسرائيل وأقاويلهم ثلاثة أقسام هى:


القسم الأول: ما علمنا صحتهمما بأيدينا من القرآن والسنة هو الشاهد على الكتب السماوية فما وافقه فهو حق وصدقيقول تعالى: "وأنزلنا الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليهفاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهمعما جائك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"(12) وهذا القسم صحيح ولا غنى عنه ، ولكن يجوز ذكره ورواياته للاستشهادبه ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم وذلك مثل ما ذكر فى صاحب موسى عليه السلام وأنه الخضرومثل ما يتعلق ببشارة الرسول ص .


وفى هذا القسم ورد قوله (ص): "بلغواعنى ولو آية ، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده منالنار" ، قال الحافظ فى الفتح أى لا ضيق عليكم فى الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه(ص) الزجر عن الأخذعنه ، ثم حصل التوسع فى ذلك ، وكان النهى وقع قبل استقرار الأحوال الإسلامية والقواعدالدينية خشية الفتنة ثم لما وقع المحظور وقع الإذن فى ذلك لما فى سماع الأخبار التىكانت فى زمانهم من الاعتبار .


القسم الثانى: وهو ما علمناكذبه مما عندنا مما يخالفه وذلك مثل ما ذكروه فى قصص الأنبياء من أخبار تطعن فى عصمةالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كقصة يوسف وداود وسليمان ومثل ما ذكروه فى توراتهم منأن الذبيح إسحاق لا إسماعيل فهذا لا يجوز روايته وذكره إلا مقترنا ببيان كذبه وأنهمما حرفوه وبدلوه قال تعالى: "يحرفون الكلم من بعض مواضعه" وفى هذا القسمورد النهى من النبى للصحابة عن روايته ، والزجر عن أخذه عنهم وسؤالهم عنه قال الإماممالك رحمه الله فى حديث "حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج" المراد جواز التحدثعنهم بما كان من أمر حسن ؛ أما ما علم كذبه فلا(13)


ولعل هذا هو المراد من قوله (ص) : "يا معشرالمسلمين: كيف تسألون أهل الكتاب ، وكتابكمالذى أنزل على نبيه – (ص) أحدث(14) تقرءونه لم يشب(15).، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله ، وغيروه ، وكتبوا بأيدهم الكتاب ،وقالوا: هو من عند الله ، ليشتروا به ثمنا قليلا ، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عنمسألتهم ، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذى أنزل عليكم" (16)


القسم الثالث: هو المسكوت عنه، لا من هذا ، ولا من ذاك ، فلا نؤمن به ، ولا نكذبه ، لاحتمال أن يكون حقا فنكذبه، أو باطلا فنصدقه ، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن فى الرواية عنهم . ولعل هذا القسمهو المراد بما رواه أبو هريرة ، قال: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله (ص) : "لا تصدقواأهل الكتاب ، ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله ، وما أنزل إلينا ، وما أنزل إليكم"(17) ، ومع هذا: فالأولى عدم ذكره ، وأن لا نضيع الوقت فى الاشتغال به ،وفى هذا المعنى: ورد حديث أخرجه الإمام أحمد ، وابن أبى شيبة والبزار: من حديث جابرأن عمر أتى النبى (ص) بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب ، فقرأه عليه فغضب ، وقال(ص) : "لقد جئتكمبها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شئ فيخبروكم بحق ، فتكذبوا به ، أو بباطل فتصدقوا به، والذى نفسى بيده ، لو أن موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعنى": ورجاله موثوقون:إلا أن فى مجالد - أحد رواته - ضعفا ، وأخرج البزار أيضا ، من طريق عبد الله بن ثابتالأنصارى: أن عمر نسخ صحيفة من التوراة ، فقال رسول الله (ص): "لا تسألواأهل الكتاب عن شئ" ، وفى سنده جابر الجعفى ، وهو ضعيف ، قال الحافظ فى الفتح:واستعمله "يعنى البخارى" فى الترجمة: يعنى عنوان الباب ؛ لورود ما يشهد بصحتهمن الحديث الصحيح


قال ابن بطال عن المهلب: "هذا النهى فى سؤالهم عما لاينص فيه ، لأن شرعنا مكتف بنفسه ، فإذا لم يوجد فيه نص ، ففى النظر والاستدلال غنىعن سؤالهم ، ولا يدخل فى النهى سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا ، والأخبار عن الأممالسالفة(18)


إن تشديد سيدنا عمر على من كان يكتب شيئا من كتب اليهود راجعإلى غضب النبى من عمر لكتابته شيئا من التوراة وقد كان هذا درسا من الرسول تعلم منه سيدنا عمر ومنهجا أخذ الناس به فقد روىالحافظ أبو يعلى بسنده عن خالد بن عرفطه قال: كنت جالسا عند عمر إذ أتى برجل من عبدالقيس مسكنه بالسوس وقال له عمر: "أنت فلان بن فلان العبدى ؟ قال نعم قال: وأنتالنازل بالسوس؟ قال نعم فضربه بقناة معه وقال الرجل مالى يا أمير المؤمنين ؟ فقال لهعمر أجلس فجلس فقرأ عليه بسم الله الرحمن الرحيم "ألر تلك آيات الكتاب المبينإنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذاالقرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين"(19) فقرأها عليه ثلاثا وضربهثلاثا فقال الرجل مالى يا أمير المؤمنين ؟ قال أنت الذى نسخت كتاب دانيال قال مرنىبأمرك أتبعه قال انطلق فامحه بالحميم(20) والصوف الأبيض ، ثم لا تقرأه ،ولا تُقرأه أحدا من الناس فلإن بلغنى عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنكعقوبة فقال له أجلس فجلس بين يديه فقال انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب ثمجئت به فى أديم(21) فقال لى رسول الله (ص) ما هذا فى يدكيا عمر قلت يا رسول كتاب نسخته لنزداد به علما فغضب رسول الله (ص) حتى أحمرت وجنتاهثم نودى بالصلاة جامعة فقالت الأنصار: "أغضب نبيكم ؟ السلاح السلاح فجاءوا حتىأحدقوا بمنبر رسول الله (ص) فقال: "يا أيها الناس إنى قد أوتيت جوامعالكلم وخواتيمه واختصر لى اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تهوكوا ولا يغرنكمالمتهوكون" (22) قال عمر: فقمت فقلت "رضيت بالله ربا وبالإسلامدينا وبك رسولا"(32) وقد قال الإمام الشافعى رحمه الله فى حديث:"حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج"


من المعلوم أن النبى (ص) لا يجيز التحدثبالكذب فالمعنى حدثوا عن بنى إسرائيل بما لا تعلمون كذبه وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكمفى التحدث عنهم وهو نظير قوله "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهمولا يزد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه"(24)




من أمثلة الإسرائيلياتفى القرآن الكريم



الإسرائيليات فى قصص الأنبياء والأمم السابقة


وقد جاء فى كتب التفسير - على اختلاف مناهجها - إسرائيلياتالكذب ، ومرويات يكتنفها الباطل ، لايحصيها العد ، وذلك فيما يتعلق بقصص الأنبياء والمرسلينوالأمم والأقوام السابقين وقد رويت عن بعض الصحابة ، والتابعين وتابعيهم ، وورد بعضهامرفوعا إلى النبى (ص) كذبا ، وزورا .


وهذه المرويات والحكايات لا تمت إلى الإسلام بصلة ، وإنماهى من خرافات بنى إسرائيل وأكاذيبهم ، وافتراءاتهم على اللّه ، وعلى رسله ، رواها عنأهل الكتاب الذين أسلموا ، أو أخذها من كتبهم بعض الصحابة والتابعين ، أو دست عليهم، بل فيها ما حرفوا لأجله التوراة ، وذلك مثل ما فعلوا فى قصة إسحاق بن إبراهيم ، وأنههو الذبيح ، كما سيأتى .


ولا يمكن استقصاء كل ما ورد من الإسرائيليات ، وإلا لاقتضىهذا مجلدات كبارا ، ولكنى سأكتفى ببعض الأمثلة من قصص الأنبياء ظاهرة البطلان ، ولايتفق وسنن اللّه فى الأكوان ، وما يخل بالعقيدةالصحيحة فى أنبياء اللّه ورسله التى يدل عليها العقل السليم ، والنقل الصحيح .


المثال الأول: ما ورد فى قصة آدم وابنيه :


"فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه"(25). فمن تلك الإسرائيليات ما رواه ابن جرير(26) فى تفسيره بسنده عن وهب بنمنبه قال: لما أسكن اللّه آدم وذريته أو زوجته - الشك من أبى جعفر ، وهو فى أصل كتابه"وذريته"- ونهاه عن الشجرة ، وكانت شجرة غصونها متشعبة بعضها فى بعض ، وكانلها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم(27) ، وهى الثمرة التى نهى اللّه آدم عنها وزوجته ، فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل فى جوفالحية ، وكان للحية أربعة قوائم ، كأنها بختية(28) من أحسن دابة خلقها اللّهفلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس ، فأخذ من الشجرة التى نهى اللّه عنها آدموزوجته ، فجاء بها إلى حواء ، فقال: انظرى إلى هذه الشجرة ، ما أطيب ريحها ، وأطيبطعمها ، وأحسن لونها فأخذت حواء فأكلت منها ثم ذهبت إلى أدم فقالت له مثل ذلك حتى أكلمنها فبدت لهم سوءتهما فدخل آدم فى جوف الشجرة ، فناداه ربه: يا آدم أين أنت ؟ قال:أنا هنا يا رب قال: ألا تخرج ؟ قال:استحيى منك يا رب قال: ملعونة الأرض التى خلقت منها، لعنة يتحول ثمرها شوكا ثم قال: يا حواء ، أنت التى غررت عبدى ، فإنك لا تحملين حملاإلا حملتيه كرها ، فإذا أردت أن تضعى ما فى بطنك أشرفت على الموت مرارا وقال للحية:أنت التى دخل الملعون فى جوفك حتى غر عبدى ، ملعونة أنت لعنة تتحول قوائمك فى بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب ، أنت عدوة بنى آدم ، وهم أعداؤك قال عمرو: قيل لوهب:وما كانت الملائكة تأكل(29) قال ابن جرير: و روى ابن عباس نحو هذه القصة.


ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس ، وعن ابن مسعود ، وعنناس من الصحابة نحو هذا الكلام(30) ، وفى السند أسباط عن السدى ، وعليهماتدور الروايات .


وكذلك ذكر السيوطى فى "الدر المنثور" ما رواه ابنجرير وغيره فى هذا ، مما روى عن ابن عباس ، وابن مسعود ، ولكنه لم يذكر الرواية عنوهب بن منبه(31) ، وأغلب كتب التفسير بالرأى ذكرت هذا أيضا وكل هذا من قصصبنى إسرائيل الذى تزيدوا فيه ، وخلطوا حقا بباطل ، ثم حمله عنهم الضعفاء من الصحابةوالتابعين ، وفسروا به القرآن الكريم .


ولقد أحسن ابن جرير ، فقد أشار بذكره الرواية عن وهب إلىأن ما يرويه عن ابن عباس ، وابن مسعود ، إنما مرجعه إلى وهب وغيره من مسلمة أهل الكتاب، وياليته لم ينقل شيئا من هذا ، وياليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عنمثل هذا وفى رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب وغيره كانوا يشكونفيما يروونه لهم ، فقد جاء فى آخرها: "قال عمر(32): قيل لوهب: وماكانت الملائكة تأكل ؟! قال: "يفعل اللّه ما يشأ" فهم قد استشكلوا عليه ،كيف أن الملائكة تأكل ؟ وسوسة إبليس لأدم لا تتوقف على دخوله فى بطن الحية ، إذ الوسوسةلا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة ، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه والحية خلقهااللّه يوم خلقها على هذا ، ولم تكن لها قوائم كالبختى ، ولا شئ من هذا(33).





ما نسب إلى ابنى آدم لما قتل أحدهما الأخر


ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين كابن جرير الطبرى فى تفسيره، السيوطى فى تفسيره "الدر المنثور" فى قصة ابنى آدم: قابيل ، وهابيل ، وقتلأولهما الأخر ، ما روى عن كعب: أن الدم الذى على جبل قاسيون هو دم ابن آدم ، وعن وهب:أن الأرض نشفت دم ابن آدم المقتول ، فلعن ابـن آدم الأرض ، فمن أجل ذلك لا تنشف الأرضدما بعد دم هابيل إلى يوم القيامة وأن قابيل حمل هابيل سنة فى جراب على عنقه ، حتىانتن وتغير ، فبعث اللّه الغرابين ، قتل أحديهما الأخر ، فحفر له ، ودفنه برجليه ومنقاره، فعلم كيف يصنع بأخيه مع أن القرآن عبر بالفاء التى تدل على الترتيب والتعقيب من غيرتراخ قال تعالى: "فبعث اللّه غرابا يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوأة أخيه"(34).


وروى أيضا: أنه لما قتله أسود جسده ، وكان أبيض ، فسأله آدمعن أخيه ، فقال: ما كنت عليه وكيلا قال: بل قتلته فلذلك أسود جسدك ، إلى نحو ذلك .


فكل هذا وأمثاله - عدا ما جاء فى القرآن - من إسرائيلياتبنى إسرائيل ، وقد جاءت بعض الروايات صريحة عن كعب ، ووهب وما جاء عن ابن عباس ومجاهدوغيرهما ، فمرجعه إلى أهل الكتاب الذين أسلموا(35)


المثال الثانى: الاسرائيليات المتعلقة بموسى


أ- (سؤال موسى ربه الرؤية)


ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى:(ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ، قال رب أرنى أنظر إليك قال لن ترانى ، ولكن انظرإلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ترانى ، فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ، وخر موسى صعقافلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)(36) ، فقد ذكر الثعلبى، والبغوى ، وغيرهما عن وهب بن منبه ، وابن اسحاق ، قالا: (لما سأل موسى ربه الرؤيةأرسل اللّه الدواب ، والصواعق ، والظلمة ، والرعد ، والبرق وأحاط بالجبل الذى عليهموسى أربعة فراسخ من كل جانب ، وأمر اللّه ملائكة السموات أن يعترضوا على موسى ، فمرتبه ملائكة السماء الدنيا كثيران(37) البقر ، تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديسبأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ، ثم أمر اللّه ملائكة السماء الثانية أن أهبطوا على موسى ، فأعترضوا عليه فهبطوا عليه أمثال الأسود، لهم لجب(38) بالتسبيح والتقديس ، ففزع العبد الضعيف "ابن عمران"مما رأى ، وسمع ، وأقشعرت كل شعرة فى رأسه وجسده ، ثم قال: لقد ندمت على مسألتى ، فهلينجينى من مكانى الذى أنا فيه ؟.


فقال له خير الملائكة(39) ورأسهم: يا موسى أصبرلما سألت ، فقليل من كثير ما رأيت ، ثم أمر ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه فهبطوا أمثال النسور ، لهم قصف ، ورجف ، ولجب شديد ، وأفواههم تنبعبالتسبيح ، والتقديس كجلب الجيش العظيم ، ألوانهم كلهب النار ففزع موسى ، واشتد فزعه، وأيس من الحياة ، فقال له خير الملائكة: مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه .


ثم أمر اللّه ملائكة السماء الرابعة أن أهبطوا ، فاعترضواعلى موسى بن عمران فهبطوا عليه ، لا يشبههم شئ من الذين مروا به قبلهم ، ألوانهم كلهب النار ، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض ، أصواتهم عاليةبالتقديس والتسبيح ، لايقاربهم شئ من أصوات الذين مروا به من قبلهم ، فاصطكت ركبتاه، وأرتعد قلبه ، واشتد بكاؤه ، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران أصبر لماسألت ، فقليل من كثير ما رأيت .


ثم أمر اللّه ملائكة السماء الخامسة أن أهبطوا ، فاعترضواعلى موسى فهبطواعليه ، لهم سبعة ألوان ، فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ، لم ير مثلهم، ولم يسمع مثل أصواتهم ، فامتلأ جوفه خوفا ، واشتد حزنه ، وكثر بكاؤه ، فقال له خيرالملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك ، حتى ترى بعض ما لاتصبر عليه .


ثم أمر اللّه ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضواعليه فهبطوا عليه فى يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة نارا أشد ضؤا من الشمس ، ولباسهم كلهب النار، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهممن كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم ، يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس ، رب الملائكةوالروح ، رب العزة أبدا لا يموت وفى رأس كل ملك منهم أربعة أوجه فلما رآهم موسى رفعصوته ، يسبح معهم حين سبحوا ، وهو يبكى ويقول: رب اذكرنى ولا تنس عبدك ، لا أدرى أأنفلتمما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت , وإن مكثت مت ، فقال له كبير الملائكة ورأسهم:قد أوشكت(40) يا ابن عمران أن يشتد خوفك ، وينخلع قلبك ، فأصبر للذى سألت.


ثم أمر اللّه أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة ، فلمابدأ نور العرش ، انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعا، يقولون: سبحان الملك القدوس ، رب العزة أبدا لا يموت ، بشدة أصواتهم فارتج الجبل، واندكت كل شجرة كانت فيه ، وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ، ليس معه روحه ،فأرسل اللّه برحمته الروح ، فتغشاه ، وقلب عليه الحجر الذى كان عليه موسى ، وجعله كهيئةالقبة ، لئلا يحترق موسى(41) ، فأقام موسى يسبح اللّه ، ويقول: آمنت بكربى ، وصدقت أنه لا يراك أحد ، فيحيا ، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه ، فما أعظمكوأعظم ملائكتك ، أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك ، ولا يعدلك شئ ، ولا يقوملك شئ ، رب تبت إليك ، الحمد للّه لا شريك لك ، ما أعظمك ، وما أجلك رب العالمين ،فذلك قوله تعالى: "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا" ، وبعد أن ذكر الأقوالالكثيرة فيما تبدى من نور اللّه ، قال: ووقع فى بعض التفاسير: طارت لعظمته ستة أجبل، وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد ، وودقان ، ورضوى ، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور ، وثبير ، وحراء"(42)


إن هذه المرويات وأمثالها مما لا شك فيه أيها القارئ الكريممن إسرائيليات بنى إسرائيل ، وكذبهم على اللّه ، وعلى الأنبياء ، وعلى الملائكة ، فلاتلق إليه بالا وليس تفسير الآية فى حاجة إلى هذه المرويات ، والآية ظاهرة واضحة .


ومن ذلك أيضا: ما ذكره الثعلبى ، والبغوى ، والزمخشرى فىتفاسيرهم عند قوله تعالى: "وخر موسى صعقا" أى مغشيا عليه ، وليس المراد ميتاكما قال قتادة .


فقد قال البغوى ، فى بعض الكتب: إن ملائكة السموات أتوا موسىوهو مغشى عليه ، فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن نساء الحيض أطمعت فى رؤيةرب العزة ؟(43) وذكر مثل هذا الزمخشرى فى تفسيره(44).


وقد أدخلها لأنها تساعده على إثبات مذهبه الفاسد وجماعتهوهو استحالة رؤية الله فى الدنيا والآخرة وهذاوأمثاله مما لا نشك إنه من الإسرائيليات المكذوبة ، وموقف بنى إسرائيل من موسى ، ومنجميع أنبياء اللّه معروف ، فهم يحاولون تنقيصهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.





وقال الألوسى فى تفسيره: "ونقل بعض القصاصين ، إن الملائكةكانت تمر عليه حينئذ ، فيلكزونه بأرجلهم ، ويقولون: يا ابن النساء الحيض ، أطمعت فىرؤية رب العزة ؟" وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه ، فإن الملائكة (ع) مما يجبتبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل ، والغمص فى الخطاب(45)





ب- الإسرائيليات فى ألواح التوراة


ومن الإسرائيليات ما ذكره الثعلبى والبغوى ، والزمخشرى ،والقرطبى والألوسى وغيرهم ، عند تفسير قوله تعالى: "وكتبنا له فى الألواح من كلشى موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة ، وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دارالفاسقين"(46) .


فقد ذكر فى الألواح مم هى؟ وما عددها؟ أقوالا كثيرة عن بعضالصحابة والتابعين ، وعن كعب ووهب ، مـن أهل الكتاب الذين أسلموا ، مما يشير إلى منبعهذه الروايات ، وأنها من إسرائيليات بنى إسرائيل ، وفيها من المرويات ما يخالف المعقولوالمنقول ، وإليك ما ذكره البغوى فى هذا ، قال: قوله تعالى: "وكتبنا له"يعنى لموسى "فى الألواح": قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة ، وفى الحديث:"كانت من سدر الجنة ، طول اللوح اثنا عشر ذراعا" وجاء فى الحديث: "خلقالله أدم بيده ، وكتب التوراة بيده ، وغرس شجرة طوبى بيده"(47)


وقال الحسن: كانت الألواح من خشب ، وقال الكلبى: كانت منزبرجدة خضراء


وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر ، وقال الربيع: كانتالألواح من برد(48) .


وقال ابن جريج: كانت من زمرد ، أمر اللّه جبريل حتى جاء بهامن عدن ، وكتبها بالقلم الذى كتب به الذكر ، واستمد من نهر النور!! وقال وهب: أمر اللّهبقطع الألواح من صخرة صماء ، لينها اللّه له ، فقطعها بيده ، ثم شققها بيده ، وسمعموسى صرير القلم بالكلمات العشر ، وكان ذلك فى أول يوم من ذى القعدة ، وكانت الألواحعشرة أذرع ، على طول موسى وقال مقاتل ووهب: "وكتبنا له فى الألواح": كنقشالخاتم .


وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهى سبعون وقر بعير ، يقرأالجزء منه فى سنة ، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ، ويوشع ، وعزير ، وعيسى(49).


فكل هذه الروايات المتضاربة التى يرد بعضها بعضا مما يستحيلأن يكون مرجعها المعصوم وإنما هى من إسرائيلياتبنى إسرائيل ، حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية ، وليس تفسير الآية متوقفاعلى كل هذا الذى رووه ومن ذلك: ما يذكره بعض المفسرين فى قوله تعالى: "من كل شئموعظة وتفصيلا لكل شئ" ، فقد جعلوا التوراة مشتملة على كل ما كان وكل ما يكون، وهذا مما لا يعقل ، ولا يصدق ، فمن ذلك: ما ذكره الألوسى فى تفسيره ، قال: وما أخرجهالطبرانى ، والبيهقى فى "الدلائل" عن محمد بن يزيد الثقفى ، قال: اصطحب قيسبن خرشة ، وكعب الأحبار حتى اذا بلغا صفين ، وقف كعب ، ثم نظر ساعة ، ثم قال: ليهرقنَّبهذه البقعة من دماء المسلمين شئ لا يراق ببقعة من الأرض مثله .


فقال قيس: ما يدريك ؟ فإن هذا من الغيب الذى استأثر اللّهتعالى به ؟ فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب فى التوراة التى أنزل اللّه تعالىعلى موسى ، ما يكون عليه ، وما يخرج منه إلىيوم القيامة!. وهذا من المبالغات التى روى أمثالها عن كعب ولا نصدق ذلك ، ولعلها منالكذب الذى لاحظه عليه ، معاوية بن أبى سفيان على ما أسلفنا سابقا ، ولا يعقل قط أنيكون فى التوراة كل أحداث الدنيا إلى يوم القيامة .


والمحققون من المفسرين سلفا وخلفا ، على أن المراد أن فيهاتفصيلا لكل شئ ، مما يحتاجون إليه فى الحلال والحرام ، والمحاسن والقبائح مما يلائمشريعة موسى وعصره ، إلا فقد جاء القرآن الكريم باحكام وآداب ، وأخلاق ، لا توجد فىالتوراة قط .


وقد ساق الألوسى هذا الخبر ، للإستدلال به لمن يقول: أن كلشئ عام ، وكأنه استشعر بعده ، فقال عقبه: "ولعل ذكرذلك من باب الرمز ، كما ندعيهفى القرآن"(50)


ولابد أن نقول للألوسى ومن لف لفه: أن هذا مردود وغير مقبول، ونحن لا نسلم بأن فى القرآن رموزا ، وإشارات لأحداث ، وإن قاله البعض ، والحق أحقأن يتبع .


ومن الإسرائيليات ما رواه ابن جرير فى تفسيره ، والبغوى فىتفسيره ، وغيرهما ، فى سبب غضب سيدنا موسى عليه السلام حتى ألقى الألواحمن يديه ، وذلك فى قوله تعالى: "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسماخلفتمونى من بعدى أعجلتم أمر ربكم ؟ وألقى الألواح(51) وأخذ برأس أخيه يجرهإليه قال ابن أم إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى فلا تشمت بى الأعدء ولا تجعلنىمع القوم الظالمين"(52).


فقد روى عن قتادة أنه قال: نظر موسى فى التوراة ، فقال: ربإنى أجد فى الألواح أمة خير أمة أخـرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ،اجعلهم أمتى قال: تلك أمة أحمد ، قال: رب إنى أجد فى الألواح أمة هم الآخرون- آى آخرونفى الخلق - سابقون فى دخول الجنة ، رب اجعلهم أمتى ، قـال: تلك أمة أحمد ، قال: ربإنى أجد فى الألواح أمة أناجيلهم فى صدورهم ، يقرؤونها ، وكان من قبلهم يقرؤون كتابهمنظراء ، حتى إذا رفعوها ، لم يحفظوا شيئا ، ولم يعرفوه ، وأن اللّه أعطاهم من الحفظشيئا لم يعطه أحدا من الأمم ، قال: رب اجعلهم أمتى ، قال: تلك أمة أحمد ، قال: رب إنىأجد فى الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول ، وبالكتاب الآخر ، ويقاتلون فصول الضلالة، حتى ليقاتلو الأعور الكذاب ، فاجعلهم أمتى ، قال: تلك أمة أحمد ، قال: رب إنى أجدفى الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها فى بطونهم ويؤجرون عليها ، وكان من قبلهم إذا تصدقبصدقة ، فقبلت منه بعث اللّه نارا فأكلتها ، وإن ردت عليه تركت ، فتأكلها السباع والطير، وأن اللّه اخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم ، قال: رب فاجعلهم أمتى ، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إنى أجد فى الألواح أمة ، إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ، رب اجعلهم أمتى ، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إنى أجد فى الألواح أمة هم المشفعون ، والمشفوع لهم ، فاجعلهم أمتى ، قال:تلك أمة أحمد.


قال قتادة: فذكر لنا أن نبى اللّه موسى نبذ الألواح ، وقال:اللهم اجعلنى من أمة محمد.


بلا ريب أن آثار الوضع والاختلاق بادية عليه ، والسند مطعونفيه ، وهى أمور مأخوذة من القرآن ، والأحاديث ، ثم صيغت هذه الصياغة المريبة ، وجعلتعلى لسان موسى عليه السلام والظاهر المتعين أن إلقاء سيدنا موسى بالألواح إنما كانغضبا وحمية لدين اللّه ، وغيرة لانتهاك حرمة توحيد اللّه تبارك وتعالى . وأما ما ذكرهقتادة فغير مقبول .


وإليك ما قاله ابن كثير فى تفسيره(53) ، قال:ثم ظاهر السياق أنه - أى سيدنا موسى - ألقى الألواح غضبا على قومه ، وهذا قول جمهورالعلماء سلفا وخلفا وروى ابن جرير عن قتادة فى هذا قولا غريبا ، لا يصح إسناده إلىحكاية قتادة وقد رده ابن عطية ، وغير واحد من العلماء ، وهو جدير بالرد ، وكأنه تلقاهالناقل عن بعض أهل الكتاب ، وفيهم كذابون ، ووضاعون ، وأفاكون ، وزنادقة .


وصدق ابن كثير فيما قال ، ويرجح أن يكون من وضع زنادقتهمكى يظهروا الأنبياء بمظهر المتحاسدين ، لا بمظهر الإخوان المتحابين .


وقال الإمام القرطبى عند تفسير قوله تعالى: "وألقى الألواح"أى مما اعتراه من الغضب والأسف ، حين أشرف على قومه ، وهم عاكفون على عبادة العجل ، وعلى أخيه فى إهمال أمرهم ، قاله سعيد بنجبير ، ولذا قيل: "ليس الخبر كالمعاينة" ، ولا إلتفات لما روى عن قتادة أنصح ، ولا يصح ، أن إلقائه الألواح إنما كان لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد (ص) ولم يكن ذلك لأمته، وهذا قول ردئ لاينبغى ان يضاف إلى موسى (54).


ومما يؤيد أنه من وضع بعض الإسرائيليين الدهاة: أن نحوا منهذا المروى عن قتادة قد رواه الـثعلبى وتلميذه البغوى عن كعب الأحبار ، ولا خلاف إلافي تقديم بعض الفضائل وتأخير البعض الأخر إلا أنه لم يذكر إلقاء الألواح فى آخره:


"فلما عجب موسى من الخير الذى أعطى اللّه محمدا وأمتهقال: يا ليتنى من أصحاب محمد" ، فأوحى اللّه إليه ثلاث آيات يرضيه بهن:"يا موسى إنى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى" إلى قوله: "دار الفاسقين":"ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"(55) قال: فرضى موسىكل الرضا .








المثال الثالث: الاسرائيليات فى سفينة نوح


ومن الإسرائيليات التى اشتملت عليها بعض كتب التفسير ، كتفسيرابن جرير ، و"الدر المنثور" ، وغيرهما ما روى فى سفينة نوح عليه السلام فقد أحاطوها بهالةمن العجائب والغرائب ، من أى خشب صنعت؟ وما طولها؟ وما عرضها؟ وما ارتفاعها؟ ، وكيفكانت طبقاتها؟ وذكروا خرافات فى خلقة بعض الحيوانات من الأخرى ، وقد بلغ ببعض الرواةأنهم نسبوا بعض هذا إلى النبى ، قال صاحب "الدر":وأخرج أبو الشيخ ، وابن مردويه ، عن ابن عباس "عن النبى قال: "كانت سفينة نوح لهاأجنحة ، وتحت الأجنحة إيوان" ، يقول الدكتور أبو شهبه: قبح اللّه من نسب مثل هذاإلى النبى ((56.


وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب أن رسول اللّه (ص) قال: "سامأبوالعرب ، وحام أبوالحبش ويافث أبو الروم" وذكر: أن طول السفينة كان ثلاثمائةذراع ، وعرضها خمسون ذراعا ، وطولها فى السماء ثلاثون ذراعا ، وبابها فى عرضها ، ثمذكر عن ابن عباس مثل ذلك: فى طولها ، وارتفاعها(57) ثم قال: وأخرج اسحاقبن بشر ، وابن عساكر ، عن ابن عباس: (أن نوحا لما أمر أن يصنع الفلك ، قال: يا رب ،وأين الخشب؟ ، قال: اغرس الشجر ، فغرس الساج عشرين سنة ، إلى أن قال: فجعل السفينةستمائة ذراع طولها وستين ذراعا فى الأرض - يعنى عمقها - ، وعرضها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون(58)وأمر أن يطليها بالقار - الزفت - ، ولم يكن فى الأرض قار ، ففجر اللّه له عين القار، حيث تنحت السفينة ، تغلى غليانا ، حتى طلاها ، فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب، وأطبقها ، وحمل فيها السباع ، والدواب ،فألقى اللّه على الأسد الحمى ، وشغله بنفسه عن الدواب ، وجعل الوحش والطير فى البابالثانى ، ثم أطبق عليهما .


وأخرج ابن جرير ، وأبو الشيخ عن الحسن ، قال: "كان طولسفينة نوح ألف ذراع ومئتى ذراع ، وعرضها ستمائةذراع" وإليك ما ذكره بعد هذا من العجب العجاب ، قال:


وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى بنمريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة ، فحدثنا عنها فانطلق بهم ، حتى انتهى إلى كثيبمن تراب ، فأخذ كفا من ذلك التراب ، قال: أتدرون ما هذا ؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال:هذا كعب حام بن نوح ، فضرب الكثيب بعصاه ، قال: قم بإذن اللّه ، فإذا هو قائمينفض التراب عن رأسه ، قد شاب ، قال له عيسى عليه السلام : هكذا هلكت ؟قال: لا ، مت وأنا شاب ، ولكننى ظننت أنها الساعة قامت ، فمن ثم شبت ، قال: حدثنا عن سفينة نوح ،قال: كان طولها ألف ذراع ، ومئتى ذراع ، وعرضهاستمائة ذراع ، كانت ثلاث طبقات ، فطبقة فيها الدواب والوحش ، وطبقة فيها الإنس ، وطبقةفيها الطير فلما كثر أرواث الدواب أوحى اللّه إلى نوح: أن أغمز ذنب الفيل ، فغمزه ،فوقع منه خنزير وخنزيرة ، الفأر جعل يخرب السفينة بقرضه أوحى اللّه إلى نوح: أن أضرببين عينى الأسد ، فخرج من منخره سنور وسنورة ، فأقبلا على الفأر فأكلاه .


وفى رواية أخرى: أن الأسد عطس ، فخرج من منخره سنوران ، ذكروأنثى ، فأكلا الفأر ، وأن الفيل عطس ، فخرج من منخره خنزيران ، ذكر وأنثى ، فأكلاأذى السفينة وأنه لما أراد الحمار أن يدخل السفينة أخذ نوح بأذنى الحمار ، وأخذ إبليسبذنبه ، فجعل نوح يجذبه ، وجعل إبليس يجذبه، فقال نوح: أدخل شيطان -ويريد به الحمار- فدخل الحمار ، ودخل معه إبليس فلما سارتالسفينة جلس إبليس فى أذنابها يتغنى ، فقال له نوح :ويلك من أذن لك ؟ قال:أنت قلت للحمار: أدخل يا شيطان ، فدخلت بإذنك(59) . إلى غير ذلك ، مما ذكرهابن جرير ، وابن أبى حاتم ، وغيرهما ، من قصص عجيب غريب فى "بختنصر" هذا ، وما خرب من البلاد وما قتل من العباد.


الكذب على رسول اللّه (ص) بنسبة هذه الإسرائيلياتإليه


ولو أن هذه الإسرائيليات والأباطيل وقف بها عند رواتها منأهل الكتاب الذين أسلموا ، أو عند من رواها عنهم من الصحابة والتابعين لهان الأمر ،ولكن عظم الإثم أن تنسب هذه الإسرائيليات إلى المعصوم صراحة ، ولا أشك أن هذا الدسمن عمل زنادقة اليهود وأضرابهم على توالى العصور.


روى ابن جرير فى تفسيره ، قال: حدثنا عصام بن داود بن الجراح، قال: حدثنا أبى ، قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثورى ، قال: حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعى بن حراش ، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول اللّه :


وزعموا أيضا: أن الماعز لما استصعبت على نوح أن تدخل السفينةفدفعها في ذنبها ، فمن ثم انكسر ، وبدا حياها ، ومضت النعجة فدخلت من غير معاكسة ،فمسح على ذنبها ، فستر اللّه حياها - يعنى فرجها- وزعموا أيضا: أن سفينة نوح طافت بالبيت أسبوعا ، بل رووا عن عبد الرحمن بنزيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبى: "أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا ،وصلت عند المقام ركعتين" وهذا من تفاهات عبد الرحمن هذا ، وقد ثبت عنه من طرقأخرى ، نقلها صاحب التهذيب "ج6 ، ص179" عن الساجى ، عن الربيع ، عن الشافعى، قال: (قيل لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : حدثك أبوك عن جدك ، أن رسول اللّه قال: "إن سفينة نوح طافت بالبيت ، وصلت خلفالمقام ركعتين ؟" قال الشافعى فيما نقل فى "التهذيب" أيضا: "ذكررجل لمالك حديثا منقطعا ، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه ، عن نوح" وأن لما رست السفينة على الجودىوكان يوم عاشوراء صام نوح ، وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرا للّه ،إلى غير ذلك من التخريفات والأباطيل(60) التى لا نزال نسمعها ، وأمثالهامن العوام والعجائز ، وهذا لا يمكن أن يمت إلى الإسلام بصلة ، وأنا لننزه المعصوم من أن يصدر عنه ما نسبوه إليه ، وإنما هى أحاديثخرافة اختلقها اليهود وأضرابهم على توالى العصور ، وكانت شائعة مشهورة فى الجاهلية، فلما جاء الإسلام نشرها أهل الكتاب الذين أسلموا بين المسلمين ، وأوغل زنادقة اليهودوأمثالهم فى الكيد للإسلام ونبيه ، فزوروا بعضها على النبى وما كنا نحب لابن جرير ولا للسيوطى ، ولا لغيرهماأن يسودوا صحائف كتبهم بهذه الخرافات والأباطيل فاحذر منها أيها القارئ المسلم فى أىكتاب من كتب التفسير وجدتها ، سواء أكانت تلك الخرافات قديمة أم حديثة من أهواء أهلالفرق والملل كالبهائية والقاديانية وغيرها المجافية لروح الإسلام .








المثال الرابع: الإسرائيليات فى قصة يوسف


وقد وردت فى قصة يوسف إسرائيليات ومرويات مختلقة مكذوبة ،فمن ذلك ما أخرجه ابن جرير فى تفسيره ، والسيوطى فى "الدر المنثور" وغيرهما، فى قوله تعالى:


أ- الإسرائيليات فى قوله تعالى


"اذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمسوالقمر رأيتهم لى ساجدين"(61).


قال السيوطى: وأخرج سعيد بن منصور ، والبزار ، وأبو يعلى، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والعقيلى وابن حبان فى "الضعفاء"، وأبو الشيخ ، والحاكم وصححه(62) ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، والبيهقىمعا فى "الدلائل" ، عن جابر بن عبداللّه قال: (جاء بستانى يهودى إلى النبى فقال: يا محمد أخبرنى عن الكواكب التى رآها يوسف ساجدة له ، ما أسماؤها ؟ فسكت النبى فلم يجبه بشئ ، فنزل جبريل وأخبره بأسمائها ، فبعث رسول اللّه إلى البستانى اليهودى ، فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال: نعم ، قال: جربان، والطارق ، والذيال ، وذوالكفتان ، وقابس ، ووثاب ، وعمودان ، والفليق ، والمصبح ،والضروح ، وذوالفرغ ، والضياء ، والنور(63) ، رآها فى أفق السماء ساجدةله فلما قص يوسف على يعقوب ، قال: هذا أمر مشتت يجمعه اللّه من بعد" ، قال اليهودى أى واللّه إنها لأسماؤها)(64).


والذى يظهر لى أنه من الإسرائيليات ، وألصقت بالنبى زورا، ثم إن سيدنا يوسف رأى كواكب بصورها لا بأسمائها، ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤيا ؟ ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير ،وقد ضعفه الأئمة ، وتركه الأكثرون ، وقال الجوزجانى:ساقط(65).


وقال الإمام الذهبى فى "ميزان الاعتدال"(66):قال ابن معين: ليس بثقة ، وقال مرة: ليس بشئ ، وقال البخارى: منكر الحديث ، وقال مرة:تركوه ، ولعله لروايته حديث: "إذا رأيتم معاوية على منبرى فاقتلوه"


ب- الإسرائيليات فى قوله تعالى


"ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه"(67).ومن الإسرائيليات المكذوبة التى لا توافق عقلا ولا نقلا ما ذكر ابن جرير فى تفسيره، وصاحب "الدر المنثور" وغيرهما من المفسرين ، فى قوله تعالى: "ولقدهمت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه" فقد ذكروا فى هم يوسف عليه السلام ما ينافى عصمةالأنبياء وما يخجل القلم من تسطيره , لولا أن المقام مقام بيان وتحذير من الكذب علىاللّه وعلى رسله ، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم .


فقد رووا عن ابن عباس أنه سئل عن هم يوسف ما بلغ ؟ قال: حلالهميان - يعنى السراويل - وجلس منها مجلس الخائن ، فصيح به ، يا يوسف لا تكن كالطيرله ريش ، فإذا زنى قعد ليس له ريش ورووا مثل هذا عن على وعن مجاهد ، وعن سعيد بن جبير.


ورووا أيضا فى البرهان الذى رآه ، ولولاه لوقع فى الفاحشةبأنه نودى: أنت مكتوب فى الأنبياء ، وتعمل عمل السفهاء ، وقيل: رأى صورة أبيه يعقوبفى الحائط ، وقيل: فى سقف الحجرة ، وأنه رآه عاضا على إبهامه ، وإنـه لم يتعظ بالنداء، حتى رأى أباه على هذه الحال بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليات الباطلة ، فزعموا أنه لما لم يرعو من رؤية صورةأبيه عاضا على أصابعه ، ضربه أبوه يعقوب ، فخرجت شهوته من أنامله ولأجل أن يؤيد هؤلاءالذين افتروا على الله نبيه يوسف هذا الإفتراءيزعمون أيضا: أن كل أبناء يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا ما عدا يوسف ، فإنه نقص بتلكالشهوة التى خرجت من أنامله ولدا ، فلم يولدله غير أحد عشر ولدا بل زعموا أيضا فى تفسير البرهان ، فيما روى عن ابن عباس: أنه رأىثلاث آيات من كتاب اللّه: قوله تعالى: "وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين"(68)، وقوله تعالى: "وما تكون فى شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلاكنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه"(69) ، وقوله تعالى: "أفمن هوقائم على كل نفس بما كسبت"(70)، وقيل: رأى "ولا تقربوا الزناإنه كان فاحشة وساء سبيلا" ، ومن البدهى أن هذه الآيات بهذا اللفظ العربى لم تنزلعلى أحد قبل نبينا محمد وإن كان الذين افتروا هذا لا يعدمون جوابا ، بأن يقولوا: رأىما يدل على معانى هذه الآيات بلغتهم التى يعرفونها ، بل قيل فى البرهان: إنه أرى تمثالالملك ، وهو العزيز ، وقيل: خياله(71)وكل ذلك مرجعه إلى أخبار بنى إسرائيل وأكاذيبهم التى افتجروها على اللّه ، وعلى رسله، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين: كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وأمثالهما.


وليس أدل على هذا ، مما روى عن وهب بن منبه قال: (لما خلايوسف وامرأة العزيز ، خرجت كف بلا جسد بينهما ، مكتوب عليها بالعبرانية: "أفمنهو قائم على كل نفس بما كسبت" ، ثم انصرفت الكف ، وقاما مقامهما ، ثم رجعت الكفبينهما ، مكتوب عليها بالعبرانية "إن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون", ثم انصرفت الكف , وقاما مقامهما , فعادت الكف الثالثة مكتوب عليها: "ولا تقربواالزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا" وانصرفت الكف , وقاما مقامهما فعادت الكف الرابعةمكتوب عليها بالعبرانية: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لا يظلمون"(72) , فولى يوسف هاربا(73).


وقد كان وهب أو من نقل عنه وهب ذكيا بارعا , حينما زعم أنذلك كان مكتوبا بالعبرانية , وبذلك أجاب عما استشكلناه , ولكن مع هذا لن يجوز هذا الكذبإلا على الأغرار والسذج من أهل الحديث ولا ندرى أى معنى يبقى للعصمة بعد أن جلس بينفخذيها , وخلع سرواله ؟ على مروياتهم المفتراة إلا وهو مقهور مغلوب؟ ولو أن عربيدارأى صورة أبيه بعد مماته تحذره من معصية لكف عنها , وانزجر, فأى فضل ليوسف إذا , وهونبى من سلالة أنبياء؟ بل أى فضل له فى عدم مقارفته الفاحشة , بعد ما خرجت شهوته منأنامل قدميه ؟ إلا قسرى جبرى ثم ما هذا الاضطراب الفاحش فى الروايات ؟ من العلل التىرد المحدثون بسببها الكثير من المرويات ؟ ثم كيف يتفق ما حيك حول نبى اللّه يوسف وقولالحق تبارك وتعالى عقب ذكر الهم: "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادناالمخلصين"(74) , فهل يستحق هذا الثناء من حل التكة , وخلع السروال, وجلس بين رجليها؟ ولا ندرى أنصدق الله تبارك وتعالى . أم نصدق كذبة بنى إسرائيل ومخرفيهم؟ بل كيف يتفق ما روى هو وما حكاه اللّه عن زليخا بطلة المراودة , حيث قالت:"أنا راودته عن نفسه , وإنه لمن الصادقين"(75) وهو اعتراف صريحمن البطلة التى أعيتها الحيل عن طريق التزين حينا, والتودد إليه بمعسول القول حيناآخر , والإرهاب والتخويف حينا ثالثا , فلم تفلح: "لئن لم يفعل ما آمره ليسجننوليكونا من الصاغرين"(76).


وانظر ماذا كان جواب السيد العفيف , الكريم ابن الكريم: يوسفبن يعقوب , بن اسحاق , بن ابراهيم :"قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليهوإلا تصرف عنى كيدهن أصبو إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنههو السميع العليم"(77) وقصده بقوله: "وإلا تصرف عنى كيدهن": تبرؤ من الحول والطول , وإن الحولوالقوة إنما هما من اللّه , وسؤال منه لربه , واستعانة به على أن يصرف عنه كيدهن ,وهكذا شأن الأنبياء.


بل قد شهد الشيطان نفسه ليوسف فى ضمن قوله, كما حكاه اللّهسبحانه عنه بقوله: "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"(78), ويوسف بشهادة الحق السالفة من المخلصين.


وكذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها(79), فقال:"إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبتوهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم"(80), وقد أسفر التحقيق عن براءة يوسف وإدانة زليخا , امرأة العزيز.


فكيف تتفق كل هذه الشهادات الناصعة الصادقة , وتلك الرواياتالمزورة ؟ وقد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير والطبرى , والثعلبى , والبغوى, وابن كثير, والسيوطى , وقد مر بها ابن كثير بعد أن نقلها حاكيا دون أن ينبه إلى زيفها, وهذا غريب ومن العجيب حقا أن ابن جرير يحاول أن يضعف فى تفسيره مذهب الخلف الذينينفون هذا الزور والبهتان , ويفسرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة وقواعد الشرع, وما جاء فى القرآن والسنة الصحيحة الثابتة , ويعتبر هذه المرويات التى سقنا لك زورامنها آنفا , هى قول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين يؤخذ عنهم(81) ,وكذلك تابعه على مقالته تلك الثعلبى والبغوى فى تفسيرهما(82). وهذه المروياتالغثة المكذوبة التى يأباها النظم الكريم , ويجزم العقل والنقل باستحالتها على الأنبياءعليهم السلام هى التى اعتبرها الطبرى ومن تبعه "أقوال السلف" بل يسير فىخط اعتبار هذه المرويات , فيورد على نفسه سؤالا , فيقول: فإن قال قائل: وكيف يجوز أنيوصف يوسف بمثل هذا وهو للّه نبى ؟ ثم أجاب بما لا طائل تحته ولا يليق بمقام الأنبياء(83)قاله الواحدى فى تفسيره "البسيط".


وأعجب من ذلك ما ذهب إليه الواحدى فى "البسيط"قال: قال المفسرون الموثوق بعلمهم , المرجوع إلى روايتهم , الآخذون للتأويل , عمن شاهدواالتنزيل: هم يوسف بهذه المرأة هما صحيحا ,وجلس منها مجلس الرجل من المرأة , فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة منه.وهى غفلة شديدة من هؤلاالأئمة لا نرضاها , ولولا أننا ننزه لساننا وقلمنا عن الهجر من القول , وأنهم خلطوافى مؤلفاتهم عملا صالحا وآخر سيئا لقسونا عليهم , و حق لنا هذا , والعصمة للّه.


وهذه الأقوال التى أسرف فى ذكرها هؤلا المفسرون: إما إسرائيلياتوخرافات , وضعها زنادقة أهل الكتاب القدماء , الذين أرادوا بها النيل من الأنبياء والمرسلين, ثم حملها معهم أهل الكتاب الذين أسلموا , وتلقاها عنهم بعض الصحابة , والتابعين.


وإما أن تكون مدسوسة على هؤلا الأئمة , دسها عليهم أعداءالأديان , كى تروج تحت هذا الستار , وبذلك يصلون إلى ما يريدون من إفساد العقائد ,وتعكير صفو الثقافة الإسلامية الأصيلة الصحيحة .


الفرية على المعصوم فى قول اللّه تعالى: "ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب"(84).


ولكى يؤيدوا باطلهم الذى ذكرناه آنفا, رووا عن الصحابة والتابعينما لا يليق بمقام الأنبياء , واختلقوا على النبى زورا , وقولوه ما لم يقله , قال صاحب "الدر": وأخرج الفريابى , وابنجرير, وابن المنذر , وابن أبى حاتم , وأبو الشيخ , والبيهقى فى "شعب الإيمان"عن ابن عباس - رضوان اللّه عليه - قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: أنتن راودتنيوسف عن نفسه ؟ قلن: "حاش للّه ماعلمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحصالحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين"(85), قال يوسف:"ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب" , فغمزه جبريل فقال: ولا حين هممت بها؟ فقال:"وما ابرئ نفسى أن النفس لأمارة بالسوء"(86) .


قال: وأخرج ابن جرير عن مجاهد , وقتادة , والضحاك , وابنزيد , والسدى مثله , وأخرج الحاكم فى تاريخه , وابن مردويه والديلمى عن أنس: أن رسولاللّه قرأ هذه الآية: "ذلك ليعلم أنىلم أخنه بالغيب" قال: لما قال يوسف ذلك قال له جبريل: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: "وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء" , قال: وأخرج ابن جرير عنعكرمة مثله .


وأخرج سعيد بن منصور, وابن أبى حاتم عن حكيم بن جابر فى قوله:"ذلك ليعلم انى لم أخنه بالغيب" قال جبريل: ولا حين حللت السراويل ؟ إلىغير ذلك من المرويات المكذوبة , والإسرائيليات الباطلة , التى خرجها بعض المفسرين الذينكان منهجهم ذكر المرويات , وجمع أكبر قدر منها , سواء منها ما صح وما لم يصح والإخباريونالذين لا تحقيق عندهم للمرويات , وليس أدل على ذلك من أنها لم يخرجها أحد من أهل الكتبالصحيحة , ولا أصحاب الكتب المعتمدة الذين يرجع إليهم فى مثل هذا.


القرآن يرد على هذه الأكاذيب :


وقد فات هؤلا الدساسين الكذابين أن قوله تعالى: "ذلكليعلم أنى لم أخنه بالغيب" الآيتين(87) , ليس من مقالةسيدنا يوسف وإنما هو من مقالة امرأة العزيز, وهو ما يتفق وسياق الآية , ذلك: ان العزيز لما أرسل رسوله الى يوسف لإحضاره من السجن, قال له: ارجع إلى ربك , فأساله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن؟ فأحضر النسوة, وسألهن , وشهدن ببراءة يوسف , فلم تجد امرأة العزيز بدا من الإعتراف , فقالت:"الآن حصحص الحق" إلى قوله: "وما أبرئ نفسى أن النفس لأمارة بالسوء"فكل ذلك من قولها , ولم يكن يوسف حاضرا , بل كان فى السجن , فكيف يعقل أن يصدر منهذلك فى مجلس التحقيق الذى عقده العزيز؟.


وقد انتصر لهذا الرأى الذى يوائم السياق والسباق الإمام الشيخمحمد عبده , فى تفسير "المنار" وهو آخر ما رقمه فى تفسير القرآن .


وهكذا قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره "ذلك ليعلم أنىلم أخنه بالغيب":


تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسى , ليعلم زوجى أنى لم أخنهبالغيب فى نفس الأمر, و لا وقع المحذور الأكبر وإنما راودت هذا الشاب مراودة , فامتنع, فلهذا أعترفت ليعلم أنى بريئة , "وأن اللّه لا ليهدى كيد الخائنين وما أبرئنفسى" تقول المرأة: ولست ابرئ نفسى , فإن النفس تتحدث , وتتمنى , ولهذا راودته, لأن "النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى" أى إلا من عصمه اللّه تعالى"إن ربى غفور رحيم".


قال: وهذا القول هو الاشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعانىالكلام , وقد حكاه الماوردى فى تفسيره , وجعله أول الوجهين فى تفسير الآية .


وبعد أن ذكر بعض ما ذكره ابن جرير الذى ذكرناه آنفا عن ابنعباس , وتلاميذه , وغيره قال: والقول الأول أقوى وأظهر , لأن سياق الكلام كله من كلامامرأة العزيز بحضرة الملك , ولم يكن يوسف عندهم , بل بعد ذلك أحضره الملك(88).


أما التفسير الصحيح لقوله تعالى: "ولقد همت به وهم بها". قال أبو شهبة: والصحيح فى تفسير قوله تعالى: "ولقد همت به وهم بها لولا أن رأىبرهان ربه" إن الكلام تم عند قوله تعالى: "ولقد همت به" وليس من شكفى أن همها كان بقصد الفاحشة , "وهم بها لولا أن رأى برهان ربه".


الكلام من قبيل التقديم والتأخير , والتقدير: ولولا أن رأىبرهان ربه لهم بها , فقوله تعالى: "وهم بها" , جواب "لولا" مقدمعليها , ومعروف فى العربية أن "لولا" حرف امتناع لوجود , أى امتناع الجوابلوجود الشرط , فيكون "الهم" ممتنعا , لوجود البرهان الذى ركزه اللّه فى فطرتهوالمقدم أما الجواب , أو دليله , على الخلاف فى هذا بين النحويين , والمراد بالبرهان:هو حجة اللّه الباهرة الدالة على قبح الزنى , وهو شئ مركوز فى فطر الأنبياء ومعرفةذلك عندهم وصل إلى عين اليقين , وهو ما نعبر عنه بالعصمة , وهى التى تحول بين الأنبياءوالمرسلين , وبين وقوعهم فى المعصية .


ويرحم اللّه الإمام جعفر بن محمد الصادق حيث قال: البرهان:النبوة التى أودعها اللّه فى صدره , حالت بينه وبين ما يسخط اللّه .


وهذا هو القول الصادق الذى يوافق ما دل عليه العقل من عصمةالأنبياء , ويدعو إليه السابق واللاحق وإما كون جواب "لولا" لا يجوز أن يتقدمعليها , فهذا أمر ليس بالخطير , حتى نعدل عن هـذا الرأى الصواب , إلى التفسيرات الأخرىالباطلة , لهم يوسف ، والقرآن هو أصل اللغة , فورود أى أسلوب فى القرآن يكفى فى كونهأسلوبا عربيا فصيحا , وفى تأصيل أى قاعدة من القواعد النحوية , فلا يجوز لأجل الأخذبقاعدة نحوية , أن نقع فى محظور لايليق بالأنبياء كهذا والصحيح أن الجواب محذوف بقرينةالمذكور , وهو ما تقدم على "لولا" , ليكون ذلك قرينة على الجواب المحذوف.


وقيل: أن ما حصل من "هم يوسف" كان خطرة , وحديثنفس بمقتضى الفطرة البشرية , ولم يستقر , ولم يظهر له أثره قال البغوى فى تفسيره:(قال بعض أهل الحقائق: الهم همان: هم ثابت , وهو إذا كان معه عزم , وعقد , ورضا , مثلهم امرأة العزيز , والعبد مأخوذ به وهم عارض , وهو الخطرة , وحديث النفس من غير اختيارولا عزم , مثل هم يوسف والعبد غير مأخوذ به , ما لميـتكلم به أو يعمل)(89)


وقيل: همت به هم شهوة وقصد للفاحشة , وهم هو بضربها ولا أدرىكيف يتفق هذا القول , وقوله تعالى: "لولا أن رأى برهان ربه".


والقول الحق هو ما ذكرناه أولا , وصرحت به الرواية الصحيحةعن الإمام أبى عبد اللّه جعفر بن محمدالصادق والسر فى إظهاره فى هذا الأسلوب - واللّهأعلم -: تصوير المشهد المثير المغرى العرم , الذى هيأته امرأة العزيز لنبى اللّه يوسف,وأنه لولا عصمة اللّه له , وفطرته النبوية الزكية , لكانت الاستجابة لها , والهم بهاأمرا محققا وفى هذا تكريم ليوسف , وشهادة لهبالعفة البالغة , والطهارة الفائقة(90) .


ج- الاسرائيليات فى سبب لبث يوسف فى السجن


ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين فى مدة سجن يوسفوفى سبب لبثه فى السجن بضع سنين , وذلك عند تفسير قوله تعالى: "وقال للذى ظن أنهناج منهما أذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث فى السجن بضع سنين"(91).


فقد ذكر ابن جرير , والثعلبى , والبغوى , وغيرهم أقوالا كثيرة فى هذا , فقد قال وهب بنمنبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين , وترك يوسف فى السجن سبع سنين , وعذب بختنصر فحولفى السباع سبع سنين(92).


وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقى: اذكرنى عند ربكقيل له: يا يوسف اتخذت من دونى وكيلا , لأطيلن حبسك , فبكى يوسف , وقال: يا رب أنسىقلبى كثرة البلوى , فقلت كلمة , ولن أعود.


وقال الحسن البصرى: دخل جبريل على يوسف فى السجن , فلما رآهيوسف عرفه , فقال له جبريل: يا أخا المنذرين , أنى أراك بين الخاطئين؟! فقال له جبريليا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين , ويقول لك: أما استحيت منىأن استشفعت بالآدميين ؟ فوعزتى وجلالى لألبثنك فى السجن بضع سنين , فقال يوسف: وهوفى ذلك عنى راض؟ , قال: نعم , قال: إذا لا أبالى .


وقال كعب الأحبار: قال جبريل ليوسف: إن اللّه تعالى يقول:من خلقك ؟ قال: اللّه عز وجل . قال: فمن حببك إلى أبيك ؟ قال: اللّه . قال: فمن نجاكمن كرب البئر؟ قال: اللّه , قال فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال اللّه . قـال: فمن صرفعنك السؤ , والفحشاء ؟ قـال: اللّه. قال: فكيف استشفعت بأدمى مثلك؟(93)فلما انقضت سبع سنين - قال الكلبى: وهذه السبع سوى الخمسة(94) التى قبلذلك - جاءه الفرج من اللّه , فرأى الملك ما رأى من الرؤيا العجيبة , وعجز الملأ عنتفسيرها , تذكر الساقى يوسف , وصدق تعبيره للرؤى , فذهب إلى يوسف , فعبرها له خير تعبير, فكان ذلك سبب نجاته من السجن , وقول امرأة العزيز: "الآن حصحص الحق أنا راودتهعن نفسه وإنه لمن الصادقين".


ويرى الدكتور أبو شهبه إن هذا من الإسرائيليات , فقد صورتسجن يوسف على أنه عقوبة من اللّه لأجل الكلمة التى قالها , مع إنه لم يقل هجرا , ولامنكرا , فالأخذ فى أسباب النجاة العادية , وفى أسباب إظهار البراءة والحق , لا ينافىقط التوكل على اللّه تعالى ، والبلاء للأنبياء ليس عقوبة , وإنما هو لرفع درجاتهم, وليكونوا أسوة وقدوة لغيرهم , فى باب الإبتلاء وفى الحديث الصحيح عن النبى:(أشد الناسبلاء الأنبياء , ثم الأمثل فالأمثل ).


وقد روى ابن جرير هاهنا حديثا مرفوعا , فقال: حدثنا ابن وكيعقال: حدثنا عمرو بن محمد , عن إبراهيم بن يزيد , عن عمرو بن دينار , عن عكرمة , عنابن عباس مرفوعا, قال: قال النبى: لو لم يقل - يعنى يوسف - الكلمة التى قالها , مالبثفى السجن طول مالبث , حيث يبتغى الفرج من عند غير اللّه).


ولو أن هذا الحديث كان صحيحا أو حسنا , لكان للمتمسكين بمثلهذه الإسرائيليات التى أظهرت سـيدنا يوسف بمظهرالرجل المذنب المدان , ولكن الحديث شديدالضعف , لا يجوز الاحتجاج به أبدا.


قال الحافظ ابن كثير: (وهذا الحديث ضعيف جدا(95), لأن سفيان بن وكيع - الراوى عنه ابن جرير - ضعيف , وإبراهيم بن يزيد أضعف منه أيضا, وقد روى عن الحسن وقتادة مرسلا عن كـل منهما , وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل(96),و لو قبل المرسل من حيث هو فى غير هذا الموطن , واللّه أعلم) وقد تكلف بعض المفسرينللإجابة عما يدل عليه هذاالحديث وحاله كما سمعت بل تكلف بعضهم , فجعل الضمير فى (فأنساه)ليوسف , وهو غير صحيح , لأن الضمير يعود إلى الذى نجا منهما , بدليل قوله تعالى بعدذلك: "وادكر بعد أمة" فالذى تذكر هو الذى أنساه الشيطان , والذى يجب أن نعتقدهأن يوسف مكث فى السجن - كما قال اللّه تعالى ـ بضع سنين .


والبضع: من الثلاث إلى التسع , أو إلى العشر , من غير تحديدللمدة , فجائز أن تكون سبعا , وجائز أن تكون تسعا , وجائز أن تكون خمسا , ما دام ليسهناك نقل صحيح عن المعصوم , وكذلك نعتقد انه لم يكن عقوبة على كلمة , وإنما هو بلاءورفعة درجة .


المثال الخامس: الاسرائيليات فى قصة بلقيس ملكةسبأ


ومن الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين , عند تفسير قولهتعالى: "قيل لها أدخلى الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرحممرد من قوارير قالت رب إنى ظلمت نفسى وأسلمت مع سليمان للّه رب العالمين"(97).


فقد ذكر ابن جرير , والثعلبى , والبغوى , والخازن , وغيرهم(أن سليمان أراد أن يتزوجها , فقيل له: أن رجليها كحافر الحمار , وهى شعراء الساقين, فأمرهم , فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة , فلما رأته حسبته لجة , وكشفت عن ساقيهالتخوضه , فنظر سليمان , فإذا هى أحسن الناس قدما وساقا, إلا أنها كانت شعراء الساقين, فكره ذلك , فسأل الإنس , ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى(98) , فقالت بلقيس:لم تمسنى حديدة قط , وكره سليمان ذلك , خشية أن تقطع ساقيها , فسأل الجن , فقالوا:لا ندرى , ثم سأل الشياطين فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء , فاتخذوالها النورة(99) والحمام , فكانت النورة والحمام من يومئذ)(100).


وقد روى هذا عن ابن عباس - رضوان اللّه عليه - ومجاهد , وعكرمة, ومحمد بن كعب القرظى , والسدى , وابن جريج وغيرهم .


وروا أيضا أنها سألت سيدنا سليمان عن أمرين , قالت له: أريدماءً ليس من أرض ولا من سماء! فسأل سليمان الإنس , ثم الجن , ثم الشياطين , فقالت الشياطين:هذا هين , إجر الخيل , ثم خذ عرقها , ثم إملأ منه الأنية , فأمر بالخيل فأجريت , ثمأخذ العرق , فملأ منه الآنية وسألته عن لون اللّه فوثب سليمان عن سريره , وفزع من السؤال, وقال: لقد سألتنى يا رب عن أمر , إنه ليتعاظم فى قلبى أن أذكره لك , ولكن اللّه أنساه, وأنساهم ما سألته عنه .


وأن الشياطين خافوا لو تزوجها سليمان , وجاءت بولد , أن يبقوافى عبوديته , فصنعوا له هذا الصرح الممرد(101) , فظنته ماء فكشفت عن ساقيهالتعبره , فاذا هى شعراء , فاستشارهم سليمان , ما يذهبه؟ فجعلت له الشياطين النورة(102).


قال ابن كثير فى تفسيره , بعد أن ذكر بعض المرويات : والأقربفى مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب , مما وجد فى صحفهم , كرواية كعب ,ووهب , فيما نقلاه إلى هذه الأمة من إخبار بنى إسرائيل من الأوابد(103), والغرائب , والعجائب مما كان , وما لم يكن, ومما حرف , وبدل , ونسخ وقد أغنانا اللّه عن ذلك بما هو أصح منه , وأنفع , وأوضح, وأبلغ , وللّه الحمد والمنة


والحق أن سليمان أراد ببنائه الصرح أن يريها عظمة ملكه , وسلطانه , وأن اللّه - سبحانه وتعالى- أعطاه من الملك , ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطها , فضلا عن النبوة التىهى فوق الملك , والتى دونها أية نعمة , وحاشا لسليمان وهو الذى سأل اللّه أن يعطيهحكما يوافق حكمه -أى اللّه- , فأوتيه أن يتحايل هذا التحايل , حتى ينظر إلى ما حرماللّه عليه , وهما ساقاها , وهو أجل من ذلك وأسمى .


ولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين ,والخلق الرفيع , لما أذعنت إليه لما دعاها إلى اللّه الواحد الحق , ولما ندمت على مافرط منها من عبادة الكواكب والشمس , وأسلمت مع سليمان للّه رب العالمين .


أ- الإسرائيليات فى هدية ملكة سبأ لسيدنا سليمان


ومن الإسرائيليات ما ذكره كثير من المفسرين , كابن جرير, والثعلبى , والبغوى , وصاحب "الدر" , فى الهدية التى أرسلتها بلقيس إلىسيدنا سليمان, وإليك ما ذكره البغوى فى تفسيره , وذلك عند تفسير قوله تعالى:"وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون"(104) .


قال البغوى: فأهدت إليه وصفاء ووصائف قال ابن عباس: ألبستهملباسا واحدا كى لا يعرف الذكر من الأنثى وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجوارى , وألبسالجوارى ألبسة الغلمان واختلفوا فى عددهم , فقال ابن عباس: مائة وصيف , ومائة وصيفة(105)وقال مجاهد ومقاتل: مئتا غلام , ومئتا جارية وقال قتادة وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلتإليه بلبنة من ذهب فى حرير , وديباج .


وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام , وخمسمائةجارية , فألبست الغلمان لباس الجوارى , وجعلت فى سواعدهم أساور من ذهب , وفى أعناقهمأطواقا من ذهب , وفى آذانهم أقراطا , وشتوفا مرصعات بأنواع الجواهر وألبست الجوارىلباس الغلمان: الأقبية والمناطق , وحملت الجوارى على خمسمائة رمكة(106),والغلمان على خمسمائة برذون(107), على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر, وغواشيها من الديباج الملون وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة, وتاجا مكللا بالدر والياقوت وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود, وعمدت إلى حقة , فجعلتفيها درة ثمينة غير مثقوبة , وخرزة مثقوبة معوجة الثقب وأرسلت مع الهدية رجالا من عقلاءقومها, وكتبت معهم كتابا إلى سليمان بالهدية وقالت: إن كنت نبيا فميز لى بين الوصائفوالوصفاء , وأخبرنى بما فى الحقة قبل أن تفتحها , وأثقب الدر ثقبا مستويا, وأدخل خيطافى الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جن .


ورووا أيضا: إن سليمان أمر الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة , ففعلوا , ثم أمرهم أن يفرشواالطريق من موضعه الذى هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا , بلبنات الذهب والفضة وأنيعدوا فى الميدان أعجب دواب البر والبحر , فأعدوها ثم قعد على سريره , وأمر الشياطينأن يصطفوا صفوفا فراسخ , وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ , وأمرالوحوش والسباع والهوام والطير,فاصطفوا فراسخ عن يمينه وعن يساره , فلما دنا القوم من الميدان , ونظروا إلى ملك سليمان, ورأوا الدواب التى لم تر أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة , تقاصرت أنفسهم, ورموا بما معهم من الهدايا ثم كان أن استعان سليمان بجبريل والشياطين , والأرضة فىالإجابة عما سألته عنه(108) .


ومعظم ذلك مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة(109), وأى ملك فى الدنيا يتسع لفرش تسعة فراسخ بلبنات الذهب والفضة ؟ وفى رواية وهب مايدل على الأصل الذى جاءت منه هذه المرويات وإذا كان قد رواها بعض من السلف فإنما أخذهعن مسلمة أهل الكتاب وما كان أجدر بكتب التفسير ان تنزه عن مثل هذا اللغو والخرافاتالتى تدسست إلى الرواية الإسلامية فأسات إليها.


ب- الاسرائيليات فى قصة سليمان


ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى:"ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب"(110) .


وقد ذكر الكثير منها فى تفاسيرهم , ابن جرير , وابن أبى حاتم, والثعلبى , والبغوى , وغيرهم وذكر كل ما روى من ذلك من غير تمييز بين الصحيح والضعيف, والغث والسمين , السيوطى , فى "الدر المنثور" وليته إذ فعل نقد كل رواية, وبين منزلتها من القبول والرد , وما هو من الإسرائيليات , وما ليس منها قال السيوطىفى "الدر": أخرج النسائى , وابن جرير , وابن أبى حاتم , بسند قوى عن ابنعباس قال:


أراد سليمان أن يدخل الخلاء(111) , فأعطى الجرادةخاتمه , وكانت جرادة امرأته , وكانت أحب نسائه إليه , فجاء الشيطان فى صورة سليمان, فقال لها: هاتى خاتمى , فأعطته , فلما لبسه , دانت له الجن , والإنس , والشياطين, فلما خرج سليمان من الخلاء , قال لها: هاتىخاتمى , فقالت: قـد أعطيته سليمان , قال: أنا سليمان , قالت: كذبت , لست سليمان , فجعللا يأتى أحدا يقول له: أنا سليمان إلا كذبه , حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة , فلمارأى ذلك عرف أنه من أمر اللّه وقام الشيطان يحكم بين الناس , فلما أراد اللّه تعالىان يرد على سليمان سلطانه ألقى الله فى قلوبالناس إنكار ذلك الشيطان , فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن: أيكون من سليمان شئ ؟ قلن: نعم , إنه يأتينا(112)ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك ، فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع, فكتبوا كتبا فيها سحر, ومكر , فدفنوها تحت كرسى سليمان , ثم أثاروهـا(113), وقرأوها على الناس , قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس , ويغلبهم فأكفر الناسسليمان , فلم يزالوا يكفرونه , وبعث ذلك الشيطان بالخاتم , فطرحه فى البحر, فتلقتهسمكة , فأخذته , وكان سليمان يعمل على شط البحربالأجر فجاء رجل , فاشترى سمكا , فيه تلك السمكة التى فى بطنها الخاتم , فدعا سليمان فقال له: تحمل لى هذا السمك , ثم انطلق إلى منزله, فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التى فى بطنها الخاتم , فأخذها سليمان, فشق بطنها , فإذا الخاتم فى جوفها , فأخذه , فلبسه , فلما لبسه دانت له الإنس والجنوالشياطين , وعاد إلى حاله , وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر , فأرسل سليمان فى طلبه , وكان شيطانا مريدا يطلبونه ولا يقدرونعليه حتى وجدوه يوما نائما , فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصـاص , فاستيقظ , فوثب, فجعل لا يثبت فى مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص , فأخذوه , وأوثقوه , وجاؤابه إلى سليمان , فأمر به , فنقر له فى رخام, ثم أدخل فى جوفه , ثم سد بالنحاس , ثم أمر به , فطرح فى البحر , فذلك قوله:"ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا" , يعنى الشيطان الذى كان تسلطعليه .


وقد روى السيوطى فى "الدر" روايات أخرى , عن ابنعباس وقتادة , فى إن هذا الشيطان كان يسمى صخرا وروى عن مجاهد: ان اسمه آصف , وأن سليمانسأله: كيف تفتنون الناس ؟ فقال الشيطان: أرنى خاتمك أخبرك , فلما أعطاه إياه نبذه آصففى البحر , فساح سليمان , وذهب ملكه , وقعد آصف على كرسيه , حتى كان ما كان من أمرالسمكة , والعثور على الخاتم , ورجوع ملك سليمان إليه .


غير أن فى رواية قتادة , ومجاهد أن الشيطان لم يسلط على نساءسليمان , ومنعهن اللّه منه , فلم يقربهن , ولم يقربنه(114) .


ونحن لا نشك فى أن هذه الخرافات من أكاذيب بنى إسرائيل ,وأباطيلهم , وما نسب إلى ابن عباس وغيره إنما تلقوها عن مسلمة أهل الكتاب وليس أدلعلى هذا مما ذكره السيوطى فى "الدر" بالإسناد إلى ابن عباس قال: أربع آياتمن كتاب اللّه لم أدر ما هى ؟ , حتى سألت عنهن كعب الأحبار - وحاشاه أن يسأله - وذكرمنها: وسألته عن قوله تعالى: "وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب" قال: الشيطانأخذ خاتم سليمان الذى فيه ملكه , فقذف به فى البحر , فوقع فى بطن سمكة , فانطلق سليمانيطوف إذ تصدق عليه بتلك السمكة فاشتواها , فأكلها , فإذا فيها خاتمه , فرجع إليه ملكه(115).


وكذا ذكرها مطولة جدا: البغوى فى تفسيره , عن محمد بن اسحاق- وحاشاه - عن وهب بن منبه(116).


قال الإمام القاضى عياض فى "الشفا": "ولايصحما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به , وتسلطه على ملكه , وتصرفه فى أمته بالجورفى حكمه , لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا , وقد عصم الأنبياء من مثله"(117)وكذلك الحافظ ابن كثير فى تفسيره(118) , قال بعد أن ذكر الكثير منها :


وهذه كلها من الإسرائيليات , ومن أنكرها ما قال ابن أبى حاتم:حدثنا على بن الحسين , قال: حدثنا محمد بن العلاء , وعثمان بن أبى شيبة , وعلى بن محمد, قالوا: حدثنا أبو معاوية قال: أخبرنا الأعمش , عن المنهال بن عمرو , عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس فى قوله تعالى: "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب"قال: أراد سليمان أن يدخل الخلاء ثم ذكر الروايةالتى ذكرناها أولا , قال: لكنه حديث مفترى والظاهر أنه من افتراءات أهل الكتاب , وفيهمطائفة لا يعتقدون نبوة سليمان , فالظاهر أنهميكذبون عليه , ولهذا كان فى هذا السياق منكرات , من أشدها ذكر النساء فإن المشهورعنمجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجنى لم يسلط على نساء سليمان , بل عصمهن اللّهمنه , تشريفا , وتكريما لنبيه وقد رويت هذهالقصة مطولة عـن جـماعة من السلف كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم , وجماعة آخرين , وكلهامتلقاة عن أهل الكتاب , واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .


قال أبوشهبة: وهذه الأحاديث كلها أكاذيب , وتلفيقات ولكنبعض الكذبة من بنى إسرائيل كان أحرص , وأبعد غورا من البعض الأخر , فلم يتورط فيماتورط فيه البعض , من ذكر تسلط الشيطان على نساء داود وذلك حتى يكون لما لفقه , وافتراه , بعض القبولعند الناس أما البعض الأخر فكان ساذجا فى كذبه , مغفلا فى تلفيقه , فترك آثار الجريمةبينة واضحة , وبذلك اشتمل ما لفقه على دليل كذبه .


ومن العجيب أن الإمام السيوطى نبه فى كتابه "تخريج أحاديثالشفاء" إنها إسرائيليات , تلقاها أهل الحديث عن أهل الكتاب وليته نبه إلى ذلكفى التفسير.


والحق أن نسج القصة مهلهل , عليه أثر الصنعة والإختلاق ,ويصادم العقل السليم , والنقل الصحيح فى هذا.


وإذا جاز للشيطان أن يتمثل برسول اللّه سليمان, فأى ثقة بالشرائعتبقى بعد هذا؟ يسلط اللّه الشيطان على نساء نبيه سليمان , وهو أكرم على اللّه من ذلك؟ وأى ملك أو نبوة يتوقف أمرهما على خاتم يدومان بدوامه , ويزولان بزواله؟ وما عهدنافى التاريخ البشرى شيئا من ذلك .


وإذا كان خاتم سليمان بهذه المثابة , فكيف يغفل اللّه شأنه فى كتابه الشاهد على الكتب السماوية ,ولم يذكره بكلمة؟ وهل غيّره الله فى لحظة واحدة حتى أنكرته أعرف الناس به , وهى زوجتهجرادة ؟ الحق أن نسج القصة مهلهل , لا يصمد امام النقد , وأن آثار الكذب والإختلاقبادية عليها.


نسبة بعض هذه الأكاذيب إلى رسول اللّه (ص)


وقد تجرأ بعض الرواة ، أو أخطأ ، فرفع بعض هذه الإسرائيلياتإلى رسول اللّه, قال السيوطى فى "الدر المنثور" , وأخرج الطبرانى فى"الأوسط"(119) , وابن مردويه بسند ضعيف , عن أبى هريرة قال: قالرسول اللّه: (ولد لسليمان ولد , فقال للشيطان: تواريه من الموت , قالوا: نذهب به إلىالمشرق , فقال: يصل إليه الموت , قالوا: فإلى المغرب , قال: يصل إليه الموت , قالوا:إلى البحار , قال: يصل إليه الموت , قالوا: نضعه بين السماء والأرض , قال: نعم , ونزلعليه ملك الموت , فقال: إنى أمرت بقبض نسمة طلبتها فى البحار , وطلبتها فى تخوم الأرضفلم أصبها , فبينا أنا قاعد أصبتها , فقبضتها , وجاء جسده , حتى وقع على كرسى سليمان, فهو قول اللّه: "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب".


وهذا الحديث موضوع على رسول اللّه , وقد يكون ذلك من عمل بعض الزنادقة , أو غلط بعضالرواة , وقد نبه على وضعه الحافظ أبو الفرج ابن الجوزى , وقال: يحيى - يعنى ابن كثير-يروى عن الثقات ما ليس من حديثهم , ولا ينسب إلى نبى اللّه سليمان ذلك , ووافقه السيوطىعلى وضعه(120) , ولايشك فى وضع هذا إلا من يشك فى عصمة الأنبياء عن مثله, ومثل هذا الحديث مختلق على نبينا , وعلىنبى اللّه سليمان , وهو من إسرائيليات بنىإسرائيل وأكاذيبهم .


والصحيح المتعين فى تفسير الفتنة هو ما جاء فى الصحيحين واللفظللبخارى عن أبى هريرة عن النبى قال: "أن سليمان قال يوما لأصحابه: لأطوفن الليلة على نسائى لتلدكل واحدة غلاما يضرب بالسيف فى سبيل اللّه قال ذلك قاطعا بالأمر , فقد تمنى ما لم يكنفى استطاعته إلا أن يشاء اللّه فأراد اللّه تنبيهه على بادرته تلك ، فطاف عليهن كلهنلم تحمل منهن سوى واحدة ، وجاءت بسقط ميت"(121) وفى رواية أخرى قالالنبى لو قالها – إن شاء الله – لجاهدوا جميعافى سبيل الله .


إن أخطر ما فى هذه الإسرائيليات هو نسبة هذه الإسرائيلياتكذبا إلى رسول الله فلو وقف بهذه الإسرائيلياتوالأباطيل عند رواتها من أهل الكتاب الذين أسلموا أو عند من رواها من الصحابة والتابعينلهان الأمر ولكن الإثم كان عظيما لا يغتفر حينما نسبت هذه الإسرائيليات إلى المعصوموهذا بلا شك يعد من أنواع الدس التى قام بها الزنادقة من اليهود أو الشعوبيين الكارهينللإسلام .


أما عن الاخبار الإسرائيلية والتى قرأنها فى قصص الأنبياءفيها ما يحتمل الصدق والكذب ولكن الأولى عدم الأشتغال به ، ويجب ألا نفسر القرآن بهوأن نقف عند ما قصه الله علينا من غير أن نفسد جمال القرآن وجلاله بمثل هذه الإسرائيليات*.


























































مراجع المبحث الثانى


1- صرح بهذا التعميم جيمس هاكس فى قاموس الكتاب المقدس ,ص53.


2-راجع: سفر التكوين , إصحاح 32 , عدد 25


3-قاموس الكتاب المقدس , ص 53 ، 142. 4- سورة المائدة آية 82.


5- المصباح المنير مادة "وضع"


6- الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير د/محمد أبو شهبهص14،15


7- علوم الحديث لابن صلاح ص109 ، والتدريب للسيوطى ص98 نقلاعن المصدر السابق


8- انظر الإسرائيليات والموضوعات ص99،100


9- الإسرائيليات والموضوعات ص100


10- المصدر السابق 105 ، وانظر مقدمة فتح البارى ج2 ص171طبعةمنير


11- المرجع السابق ص105 12-سورة المائدة آية 48


13- فتح البارى ج6 ص388 ، ومحمد أبو شهبة ص107


14- أحدث: أخر الكتب السماوية نزولا من عند الله


15- لم يخلط بغيره قط ، لأنه محفوظ من التبديل ، والزيادة.


16- صحيح البخارى كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، باب قول النبى : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ".


17- المرجع السابق ، وكتاب التفسير سورة البقرة ، باب:"وقولوا آمنا بالله ، وما أنزل إلينا الآية والآية التى أشار إليها فى سورة العنكبوتآية 46 .


18- فتح البارى ج13 ص284 ، 285 . 19- يوسف من1-3


20- الماء الحار


21- جلد


22- المتهوك المتحير الشاك انظر القاموس المحيط


23- الإسرائيليات والموضوعات ص108 ، 109


24- انظر فتح البارى ج6 ص138 25- سورة البقرة آية 36.


26- هذا ابن جرير , وقد شك فى اللفظ الذى سمعه ممن أخذ عنه:أهو ذريته أم زوجته ؟


27- وكيف والملائكة لا تأكل ولا تشرب ؟.


28- وهى الأنثى من الجمال البخت والذكر البختى , وهى جمالطوال الأعناق .


29- هذا تهرب من الجواب , وعجز عن تصحيح هذا الكذب الظاهر.


30- تفسير الطبرى , ج1 , ص186 ، 187.


31- الدر المنثور, ج1 , ص53 .


32- هو عمرو بن عبد الرحمن بن مهرب , الراوى عن وهب .


33- انظر التوراة - سفر التكوين - الإصحاح الثالث لتزداديقينا إنه من الإسرائيليات .


34- سورة المائدةآية 31 .


35- تفسير الطبرى , ج6 , ص118 , عند قوله تعالى فى سورة المائدة:"واتل عليهم نبأ ابنى أدم" .


36- سورة الاعراف آية 143.


37- جمع ثور , وهذا من سوء أدب بنى إسرائيل مع الملائكة.


38- اللجب: تزاحم الأصوات ويقال لصهيل الفرس أيضا.


39- هو جبريل .


40- لا أدرى كيف يتفق هذا وما ذكر من قبل من شدة خوفه وفزعهفى المرات الخمس وهذا من إمارات التهافت .


41- وهذا تهافت آخر, وإمارة من إمارات الاختلاق , أليس اللّهبقادر على حمايته من غير الروح والحجر .


42- انظر الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير مرجع سابقص200


43- المصدر السابق ص201


44- تفسير الكشاف عند تفسير قوله تعالى: "وخر موسى صعقا", ج2 , ص155.


45- تفسير الألوسى ج9 , ص46, ط منير. 46- سورة الأعراف آية 145


47- لم يخرج البغوى - كما هى عادته - الحديثين ولم يبرز سندهما, وقد ذكر الألوسى أن الحديث الأول رواه ابن أبى حاتم واختار القول به إن صح السندإليه .


48- الظاهر أنها بضم الباء وسكون الراء: الثوب المختط , وإلافلو كانت من برد - بفتح الباء والراء - حبات الثلج فكيف يكتب عليها .


49- يقول الدكتور محمد أبو شهبة "لا أدرى كيف يقبل عقلأنها حمل سبعين بعيرا , وإذا لم يقرأها إلاأربعة , فلماذا أنزلها اللّه؟"


50- تفسير الألوسى , ج7 , ص56 ، 57 , ط منير.


51- طرحها وألقى بها أرضا . 52- سورة الأعراف آية 150.


53- مختصر تفسير ابن كثير, ج2 , ص51 : 52 .


54- تفسير القرطبى , ج7 , ص288.


55- سورة الأعراف آية 144 ، 145 ، 159.


56- الإسرائليات والموضوعات ص216


57- هذه دلالة على أن ذلك من رواية بن عباس عن أهل الكتابوأن من رفعه عن النبى فقد أخطأ .


58- لا ندرى بأى رواية نصدق , أبرواية ابن عباس هذه , أمبالسابقة , وهذا الاضطراب دلالة على الاختلاق مما وضعوها أولا وحمله عنهم ابن عباسوغيره .


59- الإسرائيليات والموضوعات ، مرجع سابق ص217


60- تفسير الطبرى , ج12 ص21 - 29, والدر المنثور , ج3 ص327- 335


61- سورة يوسف آية 4. 62-تصحيح الحاكم على شرط الشيخين.


63- وهناك بعض الاختلاف فى الأسماء وقد جاءت ثلاثة عشر ,والضياء والنور هما الشمس والقمر .


64- تفسير الطبرى , ج12 , ص90 ، 91 والدر المنثور , ج4 ,ص4.


65- تفسير ابن كثير , ج2 , ص468 ، 469.


66- ميزان الاعتدال , ج1 , ص268, ط السعادة .


67- سورة يوسف آية 24. 68-سورة الانفطار آية 10 ، 11.


69- سورة يونس آية61. 70- سورة الرعد آية33.


71- تفسير الطبرى ج12 , ص108 - 114 والدر المنثور ج4 , ص13، 14


72- سورة البقرةآية 281. 73-الدر المنثور , ج4 , ص14.


74- سورة يوسف آية 24 ، قرئ فى السبع بضم الميم و فتح اللام, أى الذين اصطفاهم واختارهم لنبوته ورسالته ، وقرئ بكسر اللام أى .. الذين أخلصوالله التوحيد والعبادة ، والمعنى الثانى لازم للأول ، فمن اصطفاه الله لابد أن يكونمخلصا .


75- سورة يوسف آية 51.


76- سورة يوسف آية 32. 77-سورة يوسف آية 33 ، 34.


78- سورة ص آية82 ، 83.


79- قيل: كان رجلاعاقلا حكيما مجربا من خاصة الملك , وكان من أهلها , وقيل: كان صبيا فى المهد وهذا إرهاصابين يدى نبوة يوسف ، إكراما له .


80- سورة يوسف آية26-28 81- تفسير الطبرى ج12ص110


82- تفسير البغوى على هامش تفسير ابن كثير ج4 ص43


83- تفسير الطبرى, ج12 , ص109 ، 110.


84- سورة يوسف آية52.


85- سورة يوسف آية51 86- سورة يوسف آية 53.


87- يوسف آية 52 ، 53 88-مختصر تفسير ابن كثير ج2 ص252


89- انظر الإسرائيلياتوالموضوعات . مرجع سابق ص228.


90- المصدر السابق 91- سورةيوسف آية 42


92- لا ندرى ماالمناسبة بين نبى اللّه , وبختنصر الذى أذل اليهود وسباهم؟


93- تفسير البغوى, ج2 , ص 428 نقلا عن المصدر السابق ص230


94- بعض المفسرينلا يكتفى بالسبع بل يضم إليها خمسا قبل ذلك ولا أدرى ما مستنده فى هذا ؟ و ظاهر القرآنلايشهد له ولو كان كذلك لصرح به القرآن , أو لأشار إليه .


95- الضعيف جدالايحتج به لا فى الأحكام ولا فى الفضائل , فما بالك فى مثل هذا ؟.


96- لأن المرسلاحتج به بعض المحدثين اذا تضافر اما في مثل هذا الذي فيه إدانة بعض الأنبياء , وإلقاءاللوم عليه فلا يحتج به .


97- النمل /44. 98- المراد : الموسى التي تزيلالشعر.


99- مادة يزال بها الشعر.


100- فى هذا الكلام كذب ظاهر, كان النورة والحمام لم يكوناإلا لها , وكأن سليمان لم يكن له هم إلا إزالة شعرساقيها , وهو تجن صارخ على الأنبياء , وإظهارهمبمظهر المتهالك على النسا ومحاسنهن , فقبح اللّه اليهود.ً


101- الصرح: هو القصر المشيد المحكم البناء , المرتفع فىالسماء , والممرد: الناعم الأملس القوارير : الزجاج الشديد الصفا.


102- مختصر تفسير ابن كثير, ج2, ص573 ، 574 .


103- جمع آبدة , وهى الأمور المشكلة البعيدة المعانى , وأصلالآبدة: النافرة من الوحش التى يستعصى أخذها, ثم شبه بها الكلام المشكل العويص المعانى.


104- النمل / 35. 105-أى خادم , وخادمة .


106- أنثى البغال . 107-البغل .


108- تفسير البغوى , ج3 , ص 417 ، 418.


109- الإسرائيليات والموضوعات ص252 . 110- سورة ص آية 34.


111- المرحاض . 112-يباشرنا.


113- أخرجوها.


114- الدر المنثور ج5 ص309- 311 ، نقلا عن الإسرائيليات


115- المرجع السابق ، ونفس الصفحات .


116- تفسير البغوى , ج4 , ص 61 ـ 64.


117- الشفا , للإمام القاضى عياض . طبعة استانبول ج2 , ص162.


118- ابن كثير ج4 , ص 35 - 36. 119- يعنى فى كتابه المعجم الوسيط


120- اللالئ المصنوعة في الاحاديث الموضوعة , ج2 , ص221.


121- مجمع البيان , ج8 , ص 475.


* استعنا فى توضيح الأمثلة السابقة من الإسرائيليات فى تفاسيرالقرآن الكريم من كتاب "الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير" للشيخ محمدأبو شهبه . "بتصرف" . ومن يريد المزيد فليرجع إلى كتابه هذا فقد بذل فيه- رحمه الله - جهدا عظيما فى تنقية القرآن الكريم من الإسرائيليات وقد استعان بكثيرمن كتب التفاسير التى غصت بمثل هذه الإسرائيليات ثم أبان وجه الحق فيها فجزاه اللهخيرا عن الإسلام والمسلمين .

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 09-08-2021, 06:41 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي


المبحث الثالث


أضاليل اليهودفى الحديث الشريف



أولا: السنة النبوية فى عيون الغرب


تعرضت السنة النبوية المشرفة فى القديم لهجمات بعض الفرقالإسلامية الخارجة على سنن الحق لإثبات حجيتها وإثبات مشروعيتها مما أدى إلى تحريفهاعلى أيدى الشيعة والخوارج والمعتزلة وكذلك تعرضت إلى نفر من أبناء المسلمين ينكرونحجيتها فى القديم والحديث ، كما تواجه السنة فى عصرنا الحاضر هجمات بعض المستشرقينالمتعصبين من اليهود ودعاة التبشير والاستعمار بهدف الفتنة وزلزلة هذا الركن الركينمن التشريع الإسلامى ، ومما يؤسف له أنه قد تابعهم فى هذا المجال نفر من أبناء أمتنامغررين بأقوال هؤلاء المستشرقين وقد وجدت جمعيات المستشرقين التى تتألف من رجال الدينالمسيحى أو اليهودى فى مجال السنة النبوية زادا كبيرا للطعن فى الإسلام ولغزو المسلمينغزوا فكريا قائما على تحريف مبادئ الإسلام وتشويه جماله فقاموا بعدة دراسات وأخذواينشرونها فى المحيط الإسلامى وقد اتسمت أبحاثهم بسمات الحقد والكراهية والبعد عن المنهجالعلمى الصحيح مما ينبغى الإحاطة بها جيدا ومن أمثلة ذلك:


1-سوء الظن والفهم لكل ما يتصل بالإسلام فى أهدافه ومقاصدهكما شمل سوء الظن رجال المسلمين وعظمائهم إذ تناولوهم بالتشويه والتقليل من شأنهم.


2-تصوير الحضارة الإسلامية تصويرا دون واقعها محاولين التهوينمن شأنها واحتقار آثارها بإظهار النعرات الطائفية من فرعونية وبابلية وآشورية وفينيقيةوذلك بهدف إبعاد الأنظار عن الحضارة الإسلامية .


3-الجهل بطبيعة المجتمع الإسلامى على حقيقته والحكم عليهمن خلال نظرتهم الحاقدة للإسلام ومن هنا فهم يحكمون بمعيار لا يناسب طبيعة المجتمعالمسلم ولا أصوله ولا عاداته ولا تقاليده .


4-إخضاع النصوص للفكرة التى يفرضونها وفق أهوائهم وإلواءالنص بطريقة تتناسب مع ميولهم وأهوائهم .


5- تحريفهم للنصوص والإساءة فى فهم العبارات حينما يجدونمجالا للتحريف .


6-تحكمهم فى المصادر التى ينقلون عنها إذ أن أغلب المخطوطاتالمهمة تقع تحت أيديهم فى مكتبات ودور الكتب الأوروبية الكبرى .


بهذه الروح المتعصبة تناول المستشرقون اليهود ومن سار علىدربهم السنة المشرفة تناولا خبيثا مغررين بالمثقفين العرب حيث انخدع بهم البعض ووثقوافى مقدرتهم العلمية وإخلاصهم للحق -كما يدعون- فأخذوا يقلدونهم وينقلون آراءهم دونتمحيص أو تدقيق بل منهم من أخذ يفاخر بالنقل عنهم والأخذ من بحوثهم واعتناق أفكارهم.

التدليس فى الحديثالشريف وأسبابه



كان للخلاف بين على ومعاوية أثاره فى انقسام المسلمين إلىطوائف ، ومن هذه الطوائف من بالغ فى التعصب لما ذهب إليه وحاول أن يدعوه بالقرآن والسنةفإن لم يجد هذا صريحا أوّل القرآن على غير حقيقته أو حمل نصوص السنة ما لا تتحمله فإذاعز عليه ذلك نسب إلى رسول الله (ص) ما لم يقله كالذى وضعه الشيعة فى على رضى اللهعنه "من أراد أن ينظر إلى أدم فى علمه وإلى نوح فى تقواه وإلى إبراهيم فى حلمهوإلى موسى فى هيبته وإلى عيسى فى عبادته فلينظر إلى على" فقابلهم المتعصبون لمعاويةبقولهم "الأمناء ثلاثة: أنا وجبريل ومعاوية" .


وبهذا بدأ الوضع فى الحديث ثم أخذ الدس على السنة يزداد شيئافشيئا فهب العلماء لدرء هذا الشر وحماية حديث رسول الله منذ بداية عصر صغار الصحابة وكبار التابعين وعنوابالبحث فى إسناد الحديث وفحص أحوال الرواة قال مجاهد: "جاء بشير العدوى إلى ابنعباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله، قال رسول الله فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثهولا ينظر إليه "أى لا يستمع" فقال يا ابن عباس مالى لا أراك تسمع لحديثى؟أحدثك عن رسول الله ولا تسمع؟ فقال بن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قالرسول الله ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والزلول - أىسلك الناس كل مسلك مما يحمد ويذم لم نأخذ من الناس ، وعن محمد بن سيرين قال "لميكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سمو لنا رجالكم فينظر إلى حديث أهلالسنة فيأخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم فنشأ بهذا علم ميزان الرجالالجرح والتعديل وأصبح علم الحديث يشمل موضوعين رئيسيين: 1- علم الحديث رواية. 2- وعلم الحديثدراية.


وموضوع علم الحديث رواية هو "أقوال الرسول وأفعاله وتقريراتهوصفاته من حيث نقلها نقلا دقيقا" أما علم الحديث دراية فيراد بها مجموعة"القواعد والمسائل التى يعرف بها حال الراوى والمروى من حيث القبول والرد وموضوعه"السند والمتن" من حيث أحوال كل منهما .


البواعث التى أدت إلى التدليس والوضع فى الحديث


1- القصص والوعظفإن القصاصين يعنيهم أن يستميلوا قلوب العامة بما يرغب فى المعروف ويحذر من المنكرولا يبالون أن يضعوا فى ذلك أخبارا ينسبونها إلى رسول الله بقصد التكسب والارتزاق وتقربا للعامة بغرائب الروايات ومن ذلك "منقال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان ومن هؤلاءميسرة بن عبد ربه فقد سئل من أين جئت بهذه الأحاديث فقال وضعتها أرغب الناس .


2- الانتصار للمذهبولاسيما مذاهب الفرق السياسية بعد ظهور الفتنة وأكثرهم كذبا الرافضة فقد سئل عنه الإماممالك فقال لا تكلمهم ولا تروى عنهم فإنهم يكذبون ، ومن أمثلة تلك الأحاديث الموضوعة"أنا ميزان العلم وعلى كفتاه والحسن والحسين خيوطه وفاطمة علاقته والأئمة مناعمود توزن فيه أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا" .


3- الزندقة فقدخضع أصحاب الزعامة والرئاسة والجاه لأهل البلاد المفتوحة لسلطان الإسلام ولكنهم ظلوايحملون فى صدورهم الحقد عليه ولا يستطيعون المجاهرة بعدائه فوضعوا أحاديث طابعها السخفوالسخرية ليفسدوا بها الدين مثل "خلق الله الملائكة من شعر ذراعيه وصدره"ومن الزنادقة عبد الكريم بن أبى العوجاء قتله محمد بن سليمان العباسى أمير البصرة وقالعبد الكريم عند قتله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث احرم فيها الحلال وأحلل الحرام.


4- التقرب إلىالحكام بما يوافق أهواءهم مثل قصة غياث بن إبراهيم النخعى مع أمير المؤمنين المهدىحين دخل عليه وهو يلعب بالحمام فساق بسنده على التوالى عن النبى أنه قال "لا سبقإلا فى نصل أو خف أو حافر أو جناح " فزاد كلمة "أو جناح" إرضاء للمهدىفمنحه المهدى عشرة آلاف درهم ثم قال بعد أن ولى: "أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسولالله (ص) .


وعلى الرغم من هذا الجو الملئ بالتدليس والتحريف حسبنا أننقول أن أمتنا الإسلامية هى الأمة الوحيدة بين أمم الأرض التى اهتمت بحديث نبيها اهتمامابالغا باذلة فى ذلك أقصى الجهد فى حفظ أسانيد الأحاديث ما لم تعنى به أمة من قبل لقدحفظوا القرآن ونقلوه متواترا آية أية وكلمة كلمة وحرفا حرفا ثبت ذلك فى صدورهم حفظاومشافهة وبالكتابة فى المصاحف وكانت لهم أوجه للقراءة بسبع لهجات أو طرق ، وحفظ المسلمونأيضا عن نبيهم كل أقواله وأفعاله وأحواله فهو المبلغ عن ربه وما ينطق عن الهوى والموضحلشريعته ؛ فقد جاءت كل أقواله وأفعاله موضحة للقرآن أو مفسرة له أو ذاكرة لشئ سكت عنه، وهو الرسول المعصوم والقدوة الحسنة يقول الله تعالى "وما ينطق عن الهوى إن هوإلا وحى يوحى"(1) وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل شئ يسمعهعن رسول الله فسأل الرسول أيكتب عنه فقال أكتب فوالذى نفسى بيده ما خرج منىإلا الحق" ، ومن هنا حرص المسلمون على سنة نبيهم واتسمت الرواية بالأمانة التامةوالحذر الشديد فى رواية الأحاديث عن النبى فجاء بعضها متواتر لفظا ومعنى أو معنى فقط وعُرف بعضها بالأحاديث الصحيحة وبعضهابالحديث الحسن .


ولما كانت السنة النبوية المطهرة هى المفتاح الحقيقى الوحيدلفهم القرآن الكريم بل هى مفتاح الحضارة الإسلامية منذ أن أرسى رسول الله أسس هذه الحضارة لأن العمل بالسنة النبوية المشرفةهو فى حقيقته محافظة على كيان الإسلام نفسه وإحياء لحضارته التى جاءت متنوعة شاملةلكل دروب الحياة أقول إن كانت للسنة النبوية هذه المكانة فقد حرص أعداء الإسلام منيهود ومستشرقين ومبشرين وغيرهم على تشويه مصدرى الإسلام الأساسيين القرآن الكريم والسنةالنبوية فى آن واحد وهما النوران اللذان تركهما الرسول لأمته حيث يقول: "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهلن تضلوا من بعدى كتاب الله وسنتى" أخرجه الحاكم وصححه عن أبى هريرة .


وإذا كان محور البحث هنا حول تأثير اليهود فى السنة فإنناسوف نتناول موقف المستشرقين وخاصة اليهود وشبههم التى أثاروها حول سنة النبى والتى تأثر بها كثير من الكتاب المسلمين ، وسوفنقصر الحديث هنا على مستشرقين اثنين خطيرين كان لهما خطرهما الشديد فى مجال الدراساتالإسلامية وهما "ماكدونالد" ذلك المستشرق الأمريكى والمستشرق اليهودى"جولد تسيهر" اللذان لا تزال كتبهما وبحوثهما مراجع خصبة للمستشرقين فى هذاالعصر وهما اللذان طعنا فى السنة طعنا شديدا لولا أن قيض الله للسنة من أبنائها المخلصينمن دافعوا عنها وصححوا التحريف الذى بثه هذان المستشرقان الخطران فى كتب السنة .





أولا: ماكدونالد ومحاولة تشويه الحديث الشريف


ومما يؤسف له حقا أنه هناك ظاهرة خطيرة وقع فيها الكثير من أبناء أمتنا العربية ألا وهى ظاهرة دوائر المعارفالعالمية وقد اعتبروها مراجع هامة بعدما ترجمت إلى العربية ، وهى مجحفة للسنة النبويةإجحافا شديدا ، وسوف نؤكد ذلك ببعض الأمثلة التى وردت فى دائرة المعارف الإسلامية وفيهاتطاول على السنة النبوية المشرفة حفظها الله . ومن هذه الأمثلة:


1- يقول ماكدونالدالمستشرق الأمريكى والذى يعد من أكبر المتعصبين ضد الإسلام والمسلمين ومن محررى دائرةالمعارف الإسلامية: "يجدر بنا الآن أن نتكلم عن الآراء التى أسندها الحديث إلىمحمد على أننا إذا حاولنا أن نجد فى الحديث ما نستطيع أن نقطع بصحة نسبه إليه من الوجهةالتاريخية فإن عملنا هذا يكون لا غناء فيه على الإطلاق فمن الواضح أن هناك أحاديث كثيرةلا يمكن أن تكون قد صدرت عنه كما أننا لن نستطيع أن نعرف أبدا الأحاديث التى صدرت عنهحقا"(2) والعجيب أن هذا الرجل يستشهد بالمستشرق اليهودى جولد زيهر ويستشهد بكلامه فى تشكيكه أن تلك الأحاديث قد صدرت عن الرسول(ص) انظر إلى هذاالخلط العجيب وهذا التشكيك المريب الذى أتى به على لسان جولد زيهر الذى بين لنا"أن الأحاديث ليست فى الواقع إلا سجلا للجدل الدينى فى القرون الأولى ومن ثم كانتقيمتها التاريخية ، لكن هذا السجل مضطرب ، كثير الأغلاط التاريخية وفيه معلومات مضللةلم تؤخذ من مصادرها الأولى حتى أنه أصبح لا يصلح إلا لتكملة المصادر الأولى الأخرىوتوضيحها لهذا ينبغى أن نوجز الكلام فى الأحاديث باعتبار أنها تعبر عن آراء محمد أوآراء المسلمين فى صدر الإسلام ولا يقتصر الأمر على هذا فإن الأحاديث التى نجد فيهامشابهة لما ورد فى القرآن مشكوك فيها كذلك"(3) إن هذا المستشرق يدعىأن هناك أحاديث كثيرة لا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبى ومحاولة إثبات شئ من الحديث الصحيح إلى النبى أمرلا يمكن القطع به ولا بصحته وإذا أردنا أن نبحث عن ذلك فسوف تكون محاولات فاشلة .


2- يقول ماكدونالدأيضا "من الواضح أننا نلمح هنا أثر الجدل الذى ثار بين الفرق فى وقت متأخر ويبدولنا هذا الأثر أشد وضوحا فى القول لأن الأمة الناجية ستكون ممن يقطنون الشام ولا شكفى أن المقصود بهذا بنو أمية..." ثم يختم ماكدونالد كلامه عن الأحاديث النبويةبقوله "ونستخلص مما تقدم أنه لا شك فى أن الأحاديث فى ذاتها لا تعتبر أساسا يمكنناأن نبنى عليه الحقائق التاريخية(4) فإن هذا المستشرق يدعى أن الفرق الإسلاميةبعدما انشقت عن الإسلام واختلفت فى الآراء والمفاهيم أخذت كل منها تضع لنفسها الأحاديثالتى تؤيد بها رأيها ومعتقدها .


3- ثم يدعى ماكدونالدأن الحديث النبوى ملئ بالأساطير والتعقيد والخرافات وكذلك فيه زيادات أدت إلى التناقضالشديد وخاصة فى صفات الله انظر إليه وهو يقول فى دائرة المعارف الإسلامية عن الحديثالنبوى "ثم دخل على الحديث فيما بعد زيادات وتغييرات ، وأول هذه الزيادات ما كانخاصا بالأساطير ثم جعلت الأحاديث صفات الله أكثر وضوحا وكثر الكلام فى صلته بالملائكةوالجن وقد اتسع الكلام فى الاعتقاد بالجن وأصبح فعل الله معقدا نجد هذا كثيرا فى صحيحالبخارى وبخاصة فى كتاب التوحيد وبدأ الخلق ونجد فيه كذلك الكلام عن وجه الله وعن عرشهوعن خلق السماوات والأرض ، وجاء فيه أيضا أن الله يتنزل من السماء الدنيا فيقول منيدعونى فأستجيب له ، من يستغفرنى فأغفر له ، وتجد كذلك قصة آخر من يدخل الجنة من أهلالنار وكيف يضحك الله منه وفى الآخرة يمسك الله الأرض على إصبع والسماوات على إصبعثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض. وورد الكلام عن عينيه فى القرآن تارة بالمفرد فىسورة الفرقان الآية 40 وتارة بالجمع . كما ورد فى الحديث أنه ليس كالمسيح الدجال وقداتسم الحديث بالزيادات التى أدت إلى التناقض الشديد فى صفات الله ولهذا نجد ذلك يكثروروده "إن رحمتى تغلب غضبى أو تسبقه" وتجد أيضا ذلك الحديث المخيف"هؤلاء للجنة ولا أبالى وهؤلاء للنار ولا أبالى" وقد ورد ذلك فى إحياء علومالدين للغزالى 7/ 308 ، ثم يتابع حديثه قائلاإن الأحاديث التى تتكلم عن مسائل الغفران بالذات يبدوا فيها التناقض واضحا جليا فمنناحية نجد أن النطق بالشهادتين وقليلا من العمل الصالح يكفل للعبد الغفران ، ونجد منناحية أخرى أن تسعة وتسعين وتسعمائة وألف سيذهبون إلى النار ثم ينهى حديثه فى هذا الصددمازحا بقوله : إن قول "أن التسعة وتسعين وتسعمائة سيكونون من يأجوج ومأجوج"كما ورد فى البخارى ج3 ص143 ثم يختم ماكدونالد كلامه عن الأحاديث النبوية بقوله نستخلصمما تقدم أنه لا شك فى أن الأحاديث فى ذاتها لا تعتبر أساسا يمكننا أن نبنى عليه الحقائقالتاريخية"(5)





ثانيا: جولد زيهر اليهودى ومحاولة تشويه الحديثالشريف

تفنيد أضاليل زيهروالرد عليها



لقد كثرت الاحاديث الموضوعة عن النبى او عن الصحابه رضوان الله عليهم وخاصة العصر الأموي فقد كان ملئ بالاحداث والفتوحات وقد كثرتالفرق وانشق الكثير منها عن الاسلام فى ذلك العصر وسوف نكتفى هنا بأربعة مزاعم نفندها للقارئالكريم


الزعم الأول:


هو ظهور علم الحديث نتيجة تطور الدولة السياسى والاجتماعىفى القرن الأول والثانى: يقول الدكتور مصطفى السباعى رحمه الله أن "جولد تسيهر"يرى أن القسم الأكبر من الحديث ما هو إلا نتيجةللتطور الدينى والسياسى والاجتماعى للإسلام فى القرنين الأول والثانى "وهذه دعوةباطلة لأن الرسول لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقد وضع الأسس الكاملة لبنيان الإسلامكما هو واضح فى القرآن الكريم وفى سنته المشرفة إذ يقول الرسول: "تركت فيكم أمرينلن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتى" وكان آخر ما نزل من القرآن الكريم علىالرسول الكريم(ص) "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكمالإسلام دينا" سورة المائدة آية 3 فما توفى رسول الله إلا وقد كان الإسلام ناضجاتاما لا كما يدعى هذا المستشرق اليهودى إذا لم يكن هكذا لما استطاع عمر بن الخطاب أنيسيطر ويسوس مملكتى كسرى وقيصر وهما من الممالك ذات الحضارات العريقة فلو كان الإسلامطفلا لم ينضج - كما يدعى - لما نهض الفاروق عمر بهذا العبء ولما نعمت البلاد بالأمنوالسعادة وإذا كان المسلمون فى البلاد المفتوحة فد واجهوا من المشاكل ما لها سند فىالقرآن والسنة إلا أنهم اعتمدوا على الاجتهاد والقياس ما قارب بين المسلمون فى بقاعالأرض فى عبادتهم وتعاملهم بأحكام واحدة وهذا يدل على صدق الإسلام وحيويته وبقاءه حياإلى أن تقوم الساعة.








الزعم الثانى: (الأمويون ساعدواعلى وضع الحديث لتثبيت ملكهم)


وهو ما أثاره حول موقف الأمويين من الدين وتثبيت ملكهم الدنيوىوتدعيم سياستهم حيث أتهمهم بوضع الأحاديث التى تدعم سياستهم ضد العلويين وقد اتهم الإمامالزهرى فى وضع أحاديث تساند ملكهم .


ومما لا شك فيه أن هذا المستشرق أقام نظريته على الخلاف الذىزعم أنه كان قائما بين الأمويين من جهة والعلماء الأتقياء من جهة أخرى ، وقد صور لناالأمويين على أنهم جماعة دنيوية ليس لهم هم إلا الفتح والاستعمار ، وأنهم كانوا فىحياتهم العادية جاهلين لا يمتون إلى تعاليم الدين الإسلامى وآدابه بصلة وهذه بلا شكدعوى باطلة فالتاريخ يذكر بكثير من الإعجاب فتوحات الأمويين حتى إن رقعة الإسلام بالعصرالعباسى لم تزد كثيرا عما كانت عليه فى العصر الأموى والفضل فى ذلك يرجع للأمويين حيثكان أبناء خلفائهم على رأس الجيوش الفاتحة الغازية فى سبيل إعلاء كلمة الله ونشر شريعتهفهل كان هؤلاء دنيويون؟ وهل كانوا لا يفهمون الإسلام وهم يتفانون فى سبيله ؟ ومما يدللعلى كذب هذا المستشرق تلك النصوص التى تثبت تقوى الأمويين وعدم انحرافهم عن الإسلامويروى بن سعد فى طبقاته عن نسك "عبد الملك" وتقواه قبل الخلافة ما جعل الناسيلقبونه "بحمامة المسجد" ، وقد سئل بن عمر أرأيت إذ تفانى أصحاب رسول اللهمن نسأل فأجابهم سلوا هذا الفتى وأشار إلى عبد الملك وقد قال عبد الملك للزهرى يرشدهإلى تتبع السنن والآثار إذ كان يومئذ شابا فقال له: "أئتى الأنصار فإنك تجد عندهمعلما كثيرا" كما كان الوليد بن عبد الملك متدينا حقا فقد أنشأت فى عصره أكثر المساجدالمعروفة اليوم وهكذا معظم خلفاء بنى أمية .


والسبب فى وقوع هذا المستشرق فى هذا القول بأن الأمويين كانوادنيويين هو التدوين فى العصر العباسى وكان عصرا مشبعا بالعداوة لبنى أمية ومن هنا كثرتالروايات والأخبار تهون من شأنهم ولعبت الشائعات التى أثارتها صنائع العباسيين عن الأموييندورا شديدا ومن هنا كثرت الشائعات التى تناقلها المؤرخون ولاكتها الألسن دون تحقيقبجانب صنائع العثمانيين - الموالين لعثمان بن عفان - وولاة الشيعة والروافض لذا فإنالروايات التى تتعلق بالأمويين فى حاجة إلى التدقيق والتمحيص .


أما ما ادعاه هذا المستشرق اليهودى من وضع فى الحديث بسبباشتداد العداوة بين الأمويين والعلماء الأتقياء فهو أمر لا أساس له من الصحة لأن العداءكان بين الأمويين وبين زعماء الخوارج والعلويين وليس بين هؤلاء العلماء الذين نهضوالجمع الحديث وتدوينه وروايته ونقله أمثال "سعيد بن المسيب" وأبى بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومى وسليمان بن يسار والإمام الزهرى وعطاء والشعبى وعلقمهوالحسن البصرى وغيرهم من علماء الحديث الأتقياء .


مما سبق يتضح تهافت هذا الزعم وبطلانه وإن كانت هناك خصومةبين الأمويين والعلماء فإنها بين الأمويين وزعماء الخوارج والعلويين ولا علاقة لهذهالخصومة بالعلماء الذين دأبوا على نشر السنة وحفظها .





الزعم الثالث: (علماء المدينةهم البادئون بالوضع فى الحديث)


يدعى هذا المستشرق اليهودى كما جاء فى كتابيه دراسات إسلامية، والعقيدة والشريعة فى الإسلام إن العداء كان بين الأمويين وعلماء المدينة وأن علماءالمدينة هم الذين بدءوا بحركة الوضع فى الحديث ليقاوموا بها الأمويين وهذا الادعاءكاذب وفيه من البهتان والافتراء ما يدل على ذلك فإن علماء المدينة لو كانوا فعلوا ذلكووضعوا أحاديث لعرفها علماء الأمصار الأخرى وقد كان هذا العصر زاخرا بالعلماء فى مكةودمشق والكوفة والبصرة ومصر وأمصار الإسلام الأخرى وفيها من الصحابة والتابعين والعلماءالكم الكثير فهل شارك علماء الإسلام إبان العصر الأموى علماء المدينة فى الوضع ؟ فلمنسمع فى التاريخ أن أحدا من العلماء أنكر على أهل المدينة أحاديثهم بل إن علماء الأمصارجميعا يعترفون بأن حديث الحجاز أصح حديث وأقواه ، ثم رأينا الخليفة عبد الملك يعترفلعلماء المدينة بصحة الحديث حين أشار على الزهرى أن يأتى إلى دور الأنصار فيتعلم منهم.


من هنا يتضح تهافت قول هذا المستشرق :"أن المدينة كانتدار ضرب الحديث وابتكاره ووضعه للناس" .


الزعم الرابع: (وضع الحديث ترغيباودفاعا عن الدين)


يدعى ذلك المستشرق أن علماء المسلمين أجازوا الكذب دفاعاعن الدين حيث يقول "جولد زيهر"ونظرا لأن ما وقع فى أيديهم - أى العلماء –من ذلك لم يكن ليسعفه فى تحقيق أغراضهم أخذوا يخترعون من عندهم أحاديث رأوها مرغوبافيها ولا تنافى الروح الإسلامية وبرروا ذلك لأنهم إنما يفعلون هذا فى سبيل محاربة الطغيانوالإلحاد والبعد عن سنن الدين لعل هذا القول من المستشرق اليهودى يثبت عدم إدراكه لطبيعةعلماء الحديث الذين ترفعوا عن الكذب فى حياتهم العادية فما بالك لو كذبوا على الرسولفهم يعدون الكذب على النبى جريمة لا تغتفر بل أنهم كفروا من يفعل ذلك وأوجبوا قتلهوعدم قبول توبته فإن هذا اليهودى الذى تعود الكذب ظن أن كل الناس كذابين مثله أما ادعائهبأن سعيد بن المسيب قد وضع الحديث فى المدينة فهى تهمة لا دليل لها من التاريخ فكيفله أن يدعى ذلك وهذا العالم الكبير الذى تعرض للضرب والإهانة والتنكيل حتى لا يبايعبيعتين فى وقت واحد فيخالف سنة الرسول فهل يستبيح لنفسه بعد ذلك أن يكذب ليدافع عنسنة رسول الله (6)








مراجع المبحث الثالث


1- النجم 3 ،4


2- دائرة المعارفالإسلامية طبعة 4 ص255 طبعة دار الشعب القاهرة


3- المصدر السابقونفس الصفحة


4- دائرة المعارفالإسلامية طبعة 4 ص256 ، 257


5- دائرة المعارفالإسلامية طبعة 4 ص256 ، 257


6-للاستزادة يرجعالى كتاب السنه ومكانتها فى التشريع الاسلامى مرجع سابق


7- انظر مباحثفى علوم الحديث مكتبة وهبه الطبعة الأولى 1987م ص20


8- ومن أراد الاستزادةفليرجع إلى كتابه السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى ص275 وما بعدها .

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 09-08-2021, 06:44 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي


المبحث الرابعالتأثير والتأثر بين الإسلام واليهودية





اولا: بين الاسلامواليهودية



1- ماالمراد بالتوراة ؟


التوراة لفظة عبرانية معناها الشريعة او الناموس (1)وهى مكونة من خمسة اجزاء ويسميها اليهود ناموس موسي عليه السلام وإذا استخدمها النصارىفتكون مجموع العهد القديم .(2)


وفى الاسلام هى كلام الله المنزل على عبده موسي عليه السلام لهداية البشر .


وتتكون التوراه من خمس اسفار على النحو التالى:


السفر الاول : (التكوين) وهويخص تاريخ العالم ويتناول تكوين السموات والارض الى استقرار اولاد يعقوب فى ارض مصرمع تفصيل فى قصص ادم وحواء والطوفان .


السفر الثانى : (الخروج )وهىيحكي قصة حياة موسي النبي عليه السلام واختيار الله له ليقود اليهود ويخرجهم من ارضمصر ويشتمل ايضاً على وصف رحلة اليهود بزعامة موسي فى صحراء سيناء وتسليم الله له احكامالشريعة لموسي ، وإقامة خيمة الاختماع ، وما صنعه موسي من المعجزات .


السفر الثالث : (اللاويين) وهىألوان من الذبائح والتقديمات والقرابين وطقوسها ومسح هاروون وبنيه وتكريسهم لخدمة الكهنوتوشريعة التطهير ومراسيم متنوعة .


السفر الرابع : (العدد) وقد شغلمعظمه بأحصائيات من قبائل بنى اسرائيل وجيوشهم واموالهم وقد سمى سفر العدد لانه يتكلمعن الاحصائيات ويتناول ايضاً بعض العبادات والمعاملات .(3)


السفر الخامس : (التثنية ) وهومعناه الاعادة والتكرار لتثبيت التشريعات والتعاليم (4) وهو عبارة عن تكرارلسرد الاحداث التى وقعت لليهود فى صحراء سيناء والمعجزات التى صنعها الله امامهم والاحكامالتى انزلها عليهم ويشتمل ايضأ على بيان بعض الشرائع الجديدة واقامة يشوع خليفة لموسىوتسليم التوراة لحاملى تابوت عهد الرب ثم خبر وفاته .


2- نسخ التوراةلا توجد مقطوعة قديمة او نقطة خاصة لاسفار موسي الخمسة واهم هذة النقطة :


أ‌- النقطة السامرية (5) وهي غيرالتى بأيدي اليهود ويزعمون انها المنزلة ويقطعون ان التى بأيدي اليهود محرمه .


ب‌- النسخة العبرانية وهى المعتمدة عند اليهودوجموع العلماء البروتستانت (6) وتتكون هذة النقطة من 39 صفراً.


ج‌- النسخة اليونانية وتحتوى على 39 صفراٌ وهىبمثابة ترجمة مأخوذة عن الاصل .


د‌- الاصل العبرى وهى معتبرة حتى الان عندنصارى الارثوذكس . وهذة هي اشهر نسخ التوراة على الرغم ان مخطوطة الترجمة الاولى مفقودة.(7)





يحتل سفر اللاويين مكانة بين أسفار التوراة (8)فلماذا ؟


ان لسفر اللاويين اهمية عظيمة بين اسفار التوراة لاحتوائةعلى كتير من التشريعات التى تتعلق بالكفارات والندور والقرابين والتوبة والحلال والحراموالبيع والشراء وغير ذلك مما يتعلق بأمور الناس وان كان بعض الباحثين لا يعطونه اهتماماًالا انه سفر مقدس وهو محل اتفاق عند جميع فرق اليهود وطوائفها وكذلك النصرانية . واللاويينالذين جعل السفر بأسمهم هم ابناء (لاوي) احد ابناء يعقوب المشار إليه فى اكثر من موضعفى القرآن الكريم بأسم الاسباط ويرى كثير من المفسرين إن الاسباط هم حفدة يعقوب اوابناءه الاثنى عشر .





وهل يمكن ان نعتبر لاوي نبياً ؟


ان سفر العدد وقد احتوى على احصاء ما يتعلق بجماعة إسرائيلينص على ان سبط لا يحسب ضمن الاسباط ولا يكون مستقلاً بل تناط بهم خدمة الدين ويوزعونبين الاسباط وقد قال بعض الباحثين لا يمكن الجزم بنبوه لاوى من عدمها الا لتحقيق مسألةنبوه الاسباط .وقد جاء فى سفر التثنية ما ينص على ان موسي هو كاتب الاسفار الخمسة وفيهااللوي وقد كتب موسي هذة التوراة وسلمها للكهنة فى بنى لاوى .





ما اللغات التى كتب بها السفر؟


يتفق علماء اهل الكتاب يهوداً ونصارى على ان السفر اللاويينقد كتب باللغة العبرية شأنها فى ذلك شأن اسرار العهد القديم (9) ومن العبريةترجم سفر اللاويين مع اسفار العهد القديم الى عديد من اللغات اهمها :


1-الترجمة اليونانية او السبعينية 2 -الترجمة السريانية


3-الترجمة اللاتينية


4-الترجمة العربية توجد ترجمات متعددة للكتاب المقدس _كاملاً_الى اللغة العربية ، اخذت لغات عديدة ، يرجع تاريخها الى مابعد انتشار الاسلام .(10)


ويهمنا هنا الاشارة الى ان هناك ترجمة خاصة للعهد القديممن العبرية الى العربية ، اعدها سعيد جاوون او سعيد الفيومى (892-942 ). (11)


وهناك ترجمة اخرى الى العربية تعرف بالترجمة العربية الحديثةدعى اليها القس عالى سيمث المرسل الامريكي فى عام 1837م ،وعاونه فى ذلك المعلم بطرسالبستانى صاحب دائرة المعارف .





الوحى بين العهد القديم والقرآن الكريم


إن الوحى فى العهد القديم هو اعلان الله عن ذاته المقدسةوارادتة وغايتة وكشف اسراره لانبيائه واستعلان مجده (12). وقد تكون هذةالاعلانات الالهية موجهه للشعب ككل من الملوك والقادة والكهنة وكل فرد من الشعب وقدتكون موجهه للملوك فقط او الملوك والقادة فقط او الكهنة فقط و الاصل فى تحديد هذا المفهوماستعمال الوحي الالهى فى العهد القديم للفعل العبري (جالا) والذى يعني (يعلن – يستعلن– يكشف ) (13) فمثلاً فى سفر عاموس " ان السيد الرب لا يصنع امراًوهو يعلن سره لعبيده الانبياء ".(14)


بل ان سفر الخروج– الذي يروى قصة موسي النبى لاول وحى- ليخبرنا ان الرب قد نزل على جبل طور نزولا حقيقياًوليعلن لموسي عن ذاته وارادته ، والادهى من ذلك ان الرب كان يخشى عند نزوله ، ان يتجرأالشعب ؛ فيقتحم المكان . لذلك جعل يأمر موسيان ينزل الى الشعب فيحذره الاقتحام ، ويقول السفر : "ونزل الرب على جبل سيناءالي رأس الجبل ، ودعا الله موسي الي رأس الجبل فصعد موسي ، فقال الرب لموسي : انحدرحذر الشعب لئلا يقتحموا الى الرب ، لينظروا فيسقط منهم كثيرون، فانحدر موسي الى الشعبوقال لهم (15) ، ثم تكلم الله بجميع هذة الكلمات قائلاً......" (16).


وبهذا ترى ان الوحىعندهم لا يقف عند حدود الملك الذي يقوم بتبليغ الانبياء والرسل بل يتعداه في اكثر الاحوالحيث يتصورون مجيئ الرب بذاته فى صور رجال واشكال مائية وهيئات جسمية ، تكلم الله معالاباء من أدم إلى يعقوب ثم موسي النبي ، فيعقوب يبقى وحده وصارعه انسان حتى طلوع الفجرولما رأي انه لن يقدر عليه ضرب حق فخذه فأنخلع وقال فأطلقني لانه قد طلع الفجر ، فقاللا اتركك ان لم تباركنى ، وقال له ما اسمك ، فقال يعقوب فقال لا يدعى اسمك فيما بعديعقوب بل اسرائيل لانك جاهدت مع الله والناس . فهم يجسمون الإلهه شخصاً ويتحدثون معه.





ما انواع الوحي فى العهد القديم ؟


يذكر الشراح ان وحي الله إلى الانبياء كان يتمبوسائل اهمها :


أ-المخاطبة المباشرة :


1 -منها ظهورالله ، وهل ظهور ادم وحديثة معه كما فى صفة تكوين.


2 -مثل ظهور الله لنوح وحديثه معه فى شئن الطوفان واهلاكالمفسدين فى الارض .


3-ظهور الله لابراهيماكثر من مرة.


4-ظهور الرب ليعقوب وتلقي الوحي وهو يصارع الرب .


5ـ- ظهور الرب للصبى صوئيل حيث لم يعرفه فى المرة الاولىفلم يوحي اليه.


ب-الرؤيا فى يقظة الارض :


1-رؤيا اشعيا بن اموص التي رأها على يهوذا واورشيلم .


2-فتأمل الكلام وافهم الرؤيا.


3-رؤيا عوبديا هكذا قال الرب عند ادوم .


4-فأجابني الرب وقال اكتب الرؤيا وانقشها على الالواح .


5-فحسب جميع هذا الكلام وحسب كل هذه الرؤيا كلم ناثان داوود.


6-وصار كلام الرب الي ابرام فى الرؤيا .


ج-الحلم اثناء الليل :


1-قال الله فى الحلم .


2-وقال لى ملاك الله فى الحلم يايعقوب .


3-وأتى الله الى لابان الارامي فى حلم الليل وقال له ...


4-تراءي الرب لسليمان فى حلم وقال له ...


د-عنطريق الملاك :


1-فجاء الملكان الى سدوم مساء وكان لوط جالساً.


2-وفى سفر دانيال.


3-وفى سفر زكريا - (فقال لى الملاك الذي كلمنى).


4-وفى سفر زكريا – ايضا (فقلت للملاك الذي كلمنى).


هـ- حلول روح القدس على الانبياء والرسل: (17)


1-قول داوود النبي (روح الرب تكلم بي وكلمته على لسانى).


2-ويحكي سفر القضاة (فحل عليه روح الرب).


3-وفى سفر صوئيل الاول (فحل عليه روح الرب فتنبأ).


4- وفيه - ايضا – وحل روح الرب على داوود.


ومما تدجر الاشارةاليه ان العهد القديم كان خليطاً من كل انواع الوحي كما يرى علماؤهم رؤي الليل ورؤياليقظه ومشافهه الربط وحلول روح القدس وهذا بالطبع يفقد الثقة بقداسة هذا العهد ومنالعجب العجاب انه يذكر فى وحي رؤي الليل رؤي للمشركين والوثنين امثال فرعون ولا بآنالأرامي .


مفهوم الوحى فى القرآن :


الوحى فى اللغة هو الاعلام فى خفاء اما فى الشرع هو اعلامالله انبياءه ورسله بما يريد ان يبلغه إليهم من شرع او كتاب بواسطة او غير واسطة .(18)


ما انواع الوحى فى القرآن ؟


ان انواع الوحي التى تتعلق برسالات السماء والتى وردت فىالاية التالية "وما كان لبشر ان يكلمه الله إلا وحيا او من ورآي حجاب او يرسلرسولا فيوحي بإذنه ما يشاء انه عليم حكيم"(19) .


وانطلاقاً من الأية فإن الوحي ينقسم الي قسمين :

  • وحي بواسطة . 2- وحي بغير واسطة.
    والنوع الاول وهو الذي يكونبواسطة امين الوحى جبريل عليه السلام وهو اشهر انواع الوحي وهو المصطلح عليه بالوحيالجليل (20) .
    اما النوع الثاني فيشتمل علىانواع ثلاث :
    أ-الوحىتكليما كالذي حدث مع موسي حيث كلمه الله ، ولمحمد فى ليلة الاسراءوالمعراج (21) .
    ب-الوحي ألهاماً يقذف الله فى قلب من اصطفاه على وجه العلم الضرورىالذي لا شك فيه فأن هذا وحي من الله سبحانه وتعالي (22) مثل حديث"ان روح القدس نفث فى روع لن تموت نفساً حتى تستكمل رزقها " .(23)
    ج-الوحىعن طريق الرؤيا الصادقة وذلك مثل رؤيا ابراهيم عليه السلام انه يذبحولده ، وكرؤي النبى انه يدخل المسجد الحرام .(24)
    من اى هذه الانواع كان وحي القرآن الكريم ؟
    رأينا فى وحى العهد القديم انه لم يحدد من اى انواع الوحىهو، حتى شراحه لم يستطيعوا ان يستنتجوا هذا ، فهم يخلطون بين رؤي النوم واليقظه ، والمخاطبةالمباشرة كما اسلفنا .
    اما القرآن الكريم فإنه برغم انه أورد للوحى اكثر من معنىإلا انه جاي يحمل تحديدا لنوع الوحى القرآنى ، إذ يقول تعالي عن القرآن الكريم :" وانه لتنزيل رب العالمين ، نزل به الروح الامين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين ، وانه لفى زبر الاولين". (25)
    وهذا يعني إن القرآن كان من الوحي الجليل ويقول الدكتور/محمد بحيرى إبراهيم :" اتفق جمهور العلماء على ان وحي القرآن الكريم من قبيل الوحيالجليل ، وهو ما كان عن طريق إرسال امين الوحي جبريل الي محمد (ص) ليوحي إليه قرآناعربيآ فى اليقظة لا فى المنام وبالكلام لا بالإبهام". (26)
    1- ما مظاهر الوحى بين العهد القديم والقرآن الكريم؟
    الواقع ان مظاهر الوحى لا يحددها الا نبي اوحي اليه فيخبربصدق ويخبرنا النبي محمد (ص) عن مظاهر الوحي حين سُئل قال احيانا مثل صلصلة الجرس وهواشد علي ، واحيانا يتمثل لى الملك رجلاً فيكلمنى فأعى ما يقول ، وقد اخبرت ام المؤمنينعائشة حين قالت ولقد رأيته اي (رسول الله) ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيصلعنه وان جليله ليتفصد عرقاً ، وهذا يدل على ان الوحى كله شديد يتطلب حاله روحية عاليةمن الاستعداد ليتلقى من كلام رب العالمين . اضف الي ضلك ان من ينزل عليه الوحي لابدان يعى ما ينزل عليه ويتفهمه حتى يفهمه للناس . اما الوحي فى العهد القديم فلا يلمحفيه شئ من هذه المظاهر من الشدة والاستعداد الروحي لما ينزل من الوحى بل ربما نزل الوحى والنبي فى حالة لعب او لهو اوسماعللعود او الموسيقي .
    يذكر سفر الملوك الثانى ان اليشع النبي كان حينما يقف فىمناجاه مع الرب وينتظر الوحى كان يطلب عواداً وعندما يضرب العواد تكون عليه يد الربيقول السفر : " فقال اليشع حي هو رب الملوك الذي انا واقف امامه انظر اليك ولااراك والأن فأتونى بعواد ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب " .
    وفى سفر صومئيل الاول يذكر ان الرب قال لصومئيل ان يذهب اليجبعة الله وعندها سيجد مجموعة من الانبياء منتظرين الوحى معهم دف ورباب وناى وعود فيتنبأمعهم ويحل عليه روح الرب .
    "تأتى الي جبعة الله حيث أنصاب الفلسطينيين ، وبكونعند مجيئك إلى هناك الى المدينة انك تصادف زمرة من الانبياء نازلين من المرتفعة وامامهمرباب ودف وناى وعود يتنبأون فيحل عليك روح الرب فيتنبأ معهم وتتحول الى رجل اخر"
    إن هذا بالطبع لا يوحى باستعداد لتلقى الوحي الإلهى.
    إن اكثر ما يمكن ان يقال على هذا النوع من الوحى ان فرقةفنون شعبية تستعد لعزف بعض الالحان وترديد بعض المواويل الشعبية للضحك على العامة والسذج.
  • واذا ما تكلمنا عن نقطة اخرى من مظاهر الوحى فى العهد القديموجدت عجباً فنجد ان النبي يمكن ان يتلقى وحياً لا يعيه ولا يدرك معناه ، فقد يأتي الوحىلتبليغ رسالة والنبي مجرد وسيط ولا يكون له اى دخل فى صياغتها حتى ليحدث انه هو ذاتهليكون مدركاً لمعناها ولاسيما اذا كانت الرسالة تتضمن عبارات لفظية او نبؤات عن المستقبلالبعيد كما حدث لدنيال بعد ان تلقى وحي من الله فى نبؤه زاخرة بالرموز الغامضة اذ تملكتهحيرة عظيمة فى تفسيراها .
    وما اكثر الوحى الغير مفهوم فى الكتاب المقدس بأثره وكأنهطلاس تحار فيها العقول ويأن من حملها الضمير ولكن القاعدة عند عامتهم الغاء العقل عندالتعارض مع النص .
    انقطاع الصلة بين سفر اللاويين ووحى السماء
    يرى بعض الباحثين ان سفر اللاويين موضوع وليس له صله بالسماءوقد استدلوا على ذلك بما يلى :
    1-التكرار العابث : قد يضطر المتحدثفى بعض كلامه الي تكرار وذلك كأن يكون لبعض الاوامر والنواهي لزيادة التأكيد عليهمولكن لابد ان يأتى التكرار فى معني جديد وإلا كان عبساً وغالباً ما يكون التكرار تلخيصفى كلام السابق هذا فى كلام البشر، فكيف بكلام الله المنزه عن العبث؟! فالاصحاح الثامن من سفر اللاويين يحكي مراسم مسحهارون وبنيه للكهانه والمتأمل لهذا الاصحاح يجده تحصيل حاصل للاصحاح التاسع والعشرين من سفر الخروج والذي يحكي نفس هذاالامر ، كل ما هنالك ان كتاب سفر اللاويين جعل يغير صيغ الافعال من الامر الى الماضى.
    من الطبيعي والمعقولان الكلام الذي ينسب لله سبحانه وتعالي لابد ان يكون قد خلا من التناقض والاختلاف لانالتناقض فى الكلام يجعل اجزاءه غير مأتلفة يكذب بعضها بعضاً مما يصيب الانسان بالحيرةوربما يضرفى النهاية الى نبذ التصديق بالكلام كله وصدق الله العظيم إذ يقول عن كلامه: " افلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً". والتناقض يأتى على اقسام ثلاثة : أ-مناقضة السفر لنفسه ، ب-مناقضة السفر لغيره منالاسفار ، ج-مناقضة السفر للحقائق العلمية .
    وسنضرب الامثلة على ذلك :
    1-فى الاصحاح التاسع عشر واذا نزل عليك غريب فى ارضك فلاتظلموه كالوطني منكم ، يقول لكم الغريب النازل عندكم وتحبه كنفسك فهذا امراً صحيح بعدمظلم الغرباء او التفرقة بين معاملتهم ومعاملة الاسرائليين ثم يأتى السفر فيناقض السفرنفسه فالاصحاح الثانى والعشرين حيث يأمر الا يطعم الغريب او الاجنبى من اقداسهم وقرابينهمحتى ولو كان نزيل كاهن او اجيره لان مجرد اكل الغريب من اقداس بنى اسرائيل بدنسها.
    2-اما مناقضة السفر غيره من الاسفار مثل في سفر اللاويين" عورة اختك بنت ابيك او بنت امك المولودة فى البيت او المولودة خارجا لاتكشفعورتها " (27) وهذا صريح في تحريم النكاح بالاخوات سواء لاب او لام.
    ويناقضه ماجاء فى سفر التكوين ، يحكي زواج ابراهيم بأختهلأبيه – وبالحقيقة – ايضا – هي اختى ابنه ابي غير انها ليست ابنة امى فصارت لي زوجة"(28)
    وهذا واضح فى الدلالة على الاباحة الزواج بالاخوات فى الشرعالابراهيمي .فالمفروض ان وحى السماء لا يعارض العلم ولا يصادم حقائقه فى اي عصراً منالعصور وذلك لان وحى السماء هو المنهاج الكامل الذي يصل الارض بالسماء ويعلم اهل الارضكل ما يحتاجون اليه لسعادتهم فى الدنيا والاخرة فهو هادى الانسان الى الصراط المستقيم.فيقول الله تعال :" الله لا اله إلا هو الحى القيوم ، نزل عليك الكتاب بالحقمصدقاً لما بين يديه وانزل التوراة والإنجيل ، من قبل هدى للناس وانزل الفرقان إن الذينكفروا بأيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام ، إن الله لا يخفى عليه شئ فىالارض ولا فى السماء (29) " وقال تعالى : " إنا أنزلنا التوراةفيها هدى" .(30)
    البرص أو البهاق
    ومن هذا المنطلق ندرك ان وحي السماء الحق لا يمكن ان يصادمحقائق العلم وسوف نذكر مثالا على معارضة السفر للحقائق العلمية نفاس المرأة يقول الاصحاحالثانى عشر من سفر اللاويين فأنه يتحدث عن نفاس المرأه ومتى ينقطع ويفصل الكلام تفصيلاُيوهن بدقة علمية فإذا كان المولد ذكراً ينقطع دم النفاس بعد مدة اربعين يوماً" اذا حملت امرأة وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة ايام ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوماًفى دم تطهيرها" (31) واذا كان المولود انثي ينقطع دم النفاس بعد مدةثمانين يوميا " وان ولدت انثى تكون نجسة لمدة اسبوعين ثم تقيم من دم تطهيرها" (32) . وهذا يعني ان مدة النفاس او انقطع الدم تتحدد بنوع المولودوهذا كلام غير صحيح علمياً . اذا الثابت علمياً فى كتب ومراجع طب النساء انه لا تختلفمدة استمرار الدم بعد الولادة بأختلاف نوع المولود بل من الممكن ان تختلف من امرأهلامرأة وكذلك ممكن ان تختلف مع امرأة واحدة حسب مرات الولادة ، وانه من الثابت طبياًان متوسط الفترة التى يتم فيها انقطاع الدم وعملية التغيرات الارتبادية لجسم الرحماربعة اسابيع اي كان نوع المولود .
    ومثال اخر على كذب سفر اللاويين يمكن ايجاذه على النحو التاليوكلم الرب موسي وهارون : ان كان انسان فى جلد جسمه لاتئ او كوباء او لمعه تصير فى جلدجسده ضربه برص يؤتي بها الى الكاهن فإن كان الضربة فى جلد الجسد وفيها شعر ابيض وعميقةفهى ضربه برص والعجيب تصرف الكاهن مع هذا الانسان المريض او المضغوب يحجزه الكاهن سبعةايام فإذا رأه الكاهن بعد ذلك وان الضربة لاتؤثر فى الجلد يحجزة سبعة ايام ثانية فإذا رأه مرة ثالثة فى اليوم السابع وان الضربةكامده اللون ولم تمتد فى الجلد يحكم الكاهن بطهارته ولكن إذا كانت القوباء فى الجلدبعد عرضه على الكاهن انها برص وقد يكون برصاً قد افرك فى الكبد .
    ومن هذا يتضح ان الحالات التى استقرت انها برصهى كما يلى :
    1-ظهور القوباء او ناتئ (انتفاخ او ورم ) فيه شعر ابيض .
    2-اثر الدمامل التى برئت وصار في موضعها بقع بيضاء مائلهالى الحمرة وقد ابيض فيها الشعر .
    3-اثر الكى او الحرق النار الذي تظهر فيه بقع بيضاء مائلةالى الحمرة .
    4-ظهور البقع البيضاء المائلة الى الحمرة فى القرعة او الصلعة.
    من هذا العرض لهذا السفر يقرر ان المرض معدٍ ويوجب ان ينعزلالابرص وان يقيم وحدة خارج المدينة . وهذة التقارير الجغرافية تفتقر الى الدقة العلميةكما ان البرص غير معدٍ تماماً وهذا الكلام فى جملته وتفصيله غير صحيح علمياً بالمرة.
    وذلك لان ابسط اصول علم الطب تنفى هذا –تماماً- إذ مرض البرصلايصيب الجمادات لانها لا تحتوى على خلايا حية ، وقد اثبت هذا كثيرون من علماء اوروبا(33) فى ابحاثهم الطبية ، وعلى رأسهم العالم الطبيب هوويتز فى عام 1977م(34).
    حتى ان الاطباء فى تعريفهم لمرض البرص يقولون " هو مايصيبجلد الانسان نتيجة لنقص صبغة الميلانين التى تفرزها بعض الخلايا الموجودة فى الجلدوتسمي ميلانوسيت ويسمى الان طبياً مرض البهاق" ويكفينا هذين المثالين كدليل علىان سفر اللاوين يعارض الحقائق العلمية إذاً هو ليس من عند الله.
    ثانياً:
    الاخلاق فى سفراللاويين ومقارنتها بالاخلاق فى الشريعة الاسلامية
    أولاً: فى بر الوالدين
    الاخلاق لغة وهى جمع خلق وهي الفطرة والطبع واصطلاحاً هىحالة من النفس راسخة تصدر عنها الافعال فطرية او مكتسبة ذات آثار فى السلوك محمودةاو مذمومة .
    وهكذا يتضح ان الاخلاق جزء من الفطرة التى فطر الناس جميعاعليها بمعنى ان ما يمكن ان تقره جماعة انسانية على انه خلق حميد او زميم – اى كان اساسمعرفتهم بيه – الفطرة او الوحى لا يجوز لجماعة اخرى ان تنكره وقد تكون الاشياء نسبيةبمعنى ان الخلق محمود او زميم يخاص بنسبة اقرار الجماعة له ، فربما اتفق الجماعة علىان الكذب فضيلة او ان الغدر سياسة حكيمة او ان الغطرسة والظلم دليل القوة .
    وقد حدد سفر اللاويين الاخلاق نستعرض جزءا منها فيما يلى:
    لقد نص السفر على وجوب بر الوالدين واحترامهما إذ جاء فيه:" تهابون كل انسان امه واباه"(35) وقد سبق أن نصت التوراة فىسفر الخروج فى الوصية الخامسة من الوصايا العشر :" أكرم اباك وامك لكى تطول أيامكعلى الارض" (36).
    وقد يفهم من هذا النص ان اكرام الوالدين يملأ العمر بركةوان عقوق الوالدين قد يكون سبباً فى قصر العمر حيث حكمت التوراة فى سفر اللويين بالقتلعلى من يسب ابويه جاء فى " كل انساناً سب اباه او امه فأنه يقتل " (37). وقد كان التقليد السائد عند اليهود فى حالة عقوق الابناء ان يأتى الوالدان او احدهماالى شيوخ المدينة ويخبران بأن ولده معاند وسكير فيسجن .
    ولكن دراسة وضوح النصوص التى تقضى بقتل الولد العاق فإن علماءاليهود لهم تأويل غريب وقد قال احد علماء اليهود ان السبق الذي يستوجب القتل هو المقترنبأسم الرب مثل ممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpممنوع وضع روابط لمواقع اخرى http://www.alnssabon.com/index.phpه العظيم كأن يسب الابناحد والديه مقسماً بأسم الرب كأن يقول ان احد والديه ملعوناً من الرب اما من يسب والديهسباً مجرداً من اسم الرب او مقترن بصفة من صفاته دون ذكر اسمه كان عقابه الضرب بالسياط.
    ولم يقف الامر عند هكذا بل ان حاخامات اليهود كتبو فى التلمود:" من رأى ان يجامع والدته فسيؤتى الحكمه ، ومن رأى ان يجامع اخته ومن نصيبه نورالعقل " ولعل الحاخام الذي اثبت هذه الفقرة كان ذا نفساً حيوانياً شهوانياً .ولقد عجب المسيح عليه السلام من ما رأى من عقوق الوالدين عند اليهود ووبقهم ( لماذاتتعدون وصية الله بسبب تقليدكم فإن الله اوصي قائلاً اكرم اباك وامك ومن يشتم اباًواماً فليمت موتاً وقد كان اليهود يعق والديه ويقرب قرباناً مفترضاً ان الفائدة الروحيةمما قرب تعود على الوالدين وقد تمسك به الكثيرون من الابناء العاقيين .
    كما يلاحظ ان فلاسفة اليهود ذائعي الصيت أمثال (فولتير(38)وروسو(39)) قد اسهموا بجهد كبير فى الدعوة الى عقوق الوالدين والى تفتيتالروابط الاسرية " وأن الاسرة ليست من طبيعة المجتمع ، وأن عرى الجسد حرية لهصحة وسعادة .وأن معرفة الجميل ليست واجباً لازماً على البنين لوالديهم وليست السلطةالابوية بأمر دائم او لازم ، وأنه من الضرورى تحرير المرأة ونزعها من قيود الدين والاسرةإلى المحافل والمراقص والاجتماعات المختلطة " (40).
    ويذكر ان الملك لويس الثالث عشر رأى فى سجنه بعض مؤلفات فولتيروروسو وقال : " هذان الرجلان قوضا دعائم فرنسا .(41)
    ثانيا: الاخلاق فى القرآن الكريم :
    لقد احاط القرآن الكريم هذة المسألة احاطة بليغة بين فيهاان بر الوالدين ليس امراً مندوباً او مباحاً بل هو واجب قليل وقريب لعباده الله تعاليويقول تعالي : " واعبدوا الله ولا تشركوا به وبالوالدين احساناً " (42)،وقال ايضاً " وقضى ربكم ألا تعبدو الا اياه وبالوالدين احسانا " ثم بين فضلالام فى اكثر من أية ورسم الاسلام منهجاً لمعاملة الوالدين وحسن معاشرتهما واشتدد علىالتوصية بهما فى حالة الكبر وعند الضعف وأن نخفض لهما جناح الذل وان ندعو لهما بالرحمة.
    والاحسان الى الوالدين ليس فقط فى وقت حياتهما بل بعد مماتهمفقد جاء رجلاً الى النبي (ص) فقال رسول الله : " هل بقي على من بر ابواى شئ بعدموتهما أبرهما به ؟ قال : نعم خصال اربع : الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ، وإنفاذعهدهما ، وإكرام صديقهما ، وصله الرحم التى لا رحم لك إلا من قبلهما ، فهو الذي بقيعليك من برهما بعد موتهما " (43)
    كما بين القرآن قبح سب الوالدين وذكر انهما من اكبر الكبائريقول الرسول (ص) : " ان من اكبر الكبائر ان يلعن الرجل والديه قيل : يا رسول اللهوكيف يلعن الرجل والديه ، قال: يسب الرجل ابو الرجل فسيب ابواه ويسب امه " وعلىالرغم من قبح هذا الفعل الا انه لم يحكم بالقتل كما جاء فى سفر اللويين .
    وقد زاد القرآن ميزة اخرى انه فتح باب التوبة لمن يقع فىعقوق الوالدين كما قال رسول الله (ص) : " رحم الله والداً اعان ولده على بره" ، وهناك مزايا اخرى كثيرة تفوق الوصف تخص بر الوالدين يقول الرسول (ص) :" من سره أن يمد له فى عمره ويزاد له فى رزقه فليبر والديه وليصل رحمه ". (44)
    الصدق والوفاء
    اولا : فى بر الوالدين :
    لقد حث اليهود على التزام الصدق والوفاء كأخلاق فاضلة جاءفيه :"ولا تكذبوا ولا يغد أحدكم بصاحبه" .(45)
    ولا يخفى ما فى هذا السياق من الدلالة على الالتزام تلك الاخلاقمع اليهودى فقط الذي تفيده كلمة (بصاحبه) .
    وقد جاء فى التلمودما يبيح لليهودى الكذب والغدر والخيانة وهو يعامل الاخرين " يجوز لليهودي أن يحلفمائة يمين كاذبة عند معاملته لباقى الشعوب إذ أن اليمين جعل لحسم النزاع بين الناس،أما لغير اليهود من الحيوانات فلا اعتبار لها ، ويجوز لليهودى أن يشهد زوراً وان يقسمعلى ذلك حسب ماتقتضه مصلحته مع غير اليهودى" (46).
    كما يحق لليهودى ان يغش الكفار ومحظور عليه أن يحيي غير اليهودبالسلام مالم يغشي ضرره والنفاق فى هذه الحالة واجب .
    ويتضح من هذا ان الشخصية اليهودية ابعد ما تكون عن الصدقوالوفاء وتاريخهم مليئ بالكذب والغدر والخيانة ونقد العهود والمواثيق ولك ايها القارئالكريم ان تقارن بين الاخلاق فى القرآن الكريم والاخلاق فى التوراة لتقف على سوء احوالواخلاق اليهود .
    ثانيا: الصدق والوفاء فى القرآن الكريم:
    وهما من ابرز الاخلاق الاسلامية وقد اعتبره القرآن فضيلةاساسية مروية للاجتماع الانساني ولولاها ما قامت شريعة ولا استنارت سبل الهدايا وقدامتدح الاسلام الصدق والصادقين يقول الله تعالى : "ياايها اللذين امنوا اتقوا الله وكونو مع الصادقين" ، اذا لا حياةبدون الصدق فهى معدومة والقرآن دائما يربط الصدق بالجزاء فى اليوم الاخر يقول سبحانه: " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ، لهم جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيهاابدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم " . (47)
    وقد اعتبر القرآن الكريم ان الكذب اقبح المنكرات فيقول سبحانهوتعالي :" ومن اظلم ممن افترى على الله كذباً او كذب بأياته انه لا يفلح الظالمون" .(48)
    بل يرى القرآن الكريم ان الكذب قرين الكفر : " انمايفترى الكذب اللذين لا يؤمنون بأيات الله وأولئك هم الكاذبون". (49)
    وان الكذاب لا يهتدى فى حياته الى خير ، وحذر الاسلام من الكذب فى البيع والشراء وانهماحق للبركة كما حذر النبى من الكذب عليه فى التبليغ عنه اذ قال : " من كذب علىمتعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (50) وهذة صورة منزلة لاعلان الاسلاملمرض الكذب وتوجيهه نحو الصدق كخلق حميد وقيمة وفضيلة .
    الرحمة بالعجزة والضعفاء :
    اولا : فى التوراة (سفر اللاويين) :
    جاء فى سفر اللاويين ما يحث على الرحمة بالضعفاء والعجزةواصحاب العاهات جاء فيه " لاتشتم الأصم ، وقدام الاعمي لاتجعل معثرة بل اخش إلهم". " من أمام الاشيب تقوم وتحترم الشيخ وتخشى إلهك" (51).
    فأصحاب العاهات والضعفاء يستحقون العطف والمساعدة والذي يقرأتعاليم التلمود يرى ان الرحمة بالضعفاء والعجزة ليست خلقاً اصيلاً من اخلاقهم وانماالضعفاء هم ضعفاء اليهود والعجزة هم عجزتهم لا غير وقد جاء فى التلمود الشفقة ممنوعةللاجنبى فإذا رأيته واقعاً فى نهر او مهدداً بخطر فيحرم على اليهود انقاذه ويحرم علىاليهودى ان ينجي احداً من الاجانب من الهلاك او يخرجه من حفرة وقع فيها بل عليه انيسد تلك الحفرة .
    فالواقع ان كل هذا يحدث على الرغم من وجود العدد الهائل منالكتابات والتقارير والمنظمات الدولية من اجل حقوق الانسان فى اسرائيل وتتكشف الحقائقالبشعة وراء أقنعة الديمقراطية واحترام القانون التى يتغنى بها حكام اسرائيل . وفىجريدة هآرتس الاسرائيلية بتاريخ 1/11/2000 تحت عنوان مرآه امام اعيننا كتبت الصحيفةالاسرائيلية "عميراهيس" كم هو طبيعى أن يتعرض 40الف إانسان لأكثر من شهرفى بلدة الخليل القديمة لحظر تجول كامل، وذلك من اجل رفاهية وسلامة 500 يهودى.
    ثانيا فى القرآن الكريم :
    وقد شمل القرآن العجزة والضعفاء بظروف من الرعاية والاحسانوقد خفف عنهم من التكاليف ما قد يشق عليهم كالجهاد وغيره قال تعالى : " ليس علىالضعفاء ولا على المرضي ولا على اللذين لايجدون ما ينفقون حرج " (52). ورفع الحرج عنهم فى ان يأكلو من بيوت اخوانهم المؤمنين قال سبحانه وتعالي :" ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على انفسكم انتأكلو من بيوتكم او بيوت أبائكم " .
    وقد بين الاسلامان معاونة الاعمى والاصم والكبير وعموم الضعفاء سبب فى سعة الرزق وجذب النصر قال رسولالله (ص) : " انما تنصرون وترزقون بضعفائكم " (53) . ومن هنااضحي المجتمع المسلم يتنافس على خدمة ورعاية ذوى العاهات ، وشمل الاسلام ايضا فى عطفهالمرضي والعجائز اهل الكتاب وقد رأى عمر بن الخطاب شيخاً يهودياً يسأل الناس فسألهعن ذلك فعرف ان الشيخوخة والحاجة الجأته الى ذلك ، فأخذ وذهب به الى خازن بيت مال المسلمين، وأمره أن يفرض له ولأمثاله فى بيت المال ما يكفيهم ويصلح شأنهم ، وقال " ماانصفناه إذا أخذ من الجزية شاباً ثم نخذله عند الهرم" . (54)
    من هنا بدأ بيت المال يضع لاهل الذمة حقوقهم فى حالة الضعفوالشيخوخه .
    يتضح مما سبق ان الرحمة بالعجزة و الضعفاء فى ظل الاسلاممبدأ عام يشمل المسلمين وغير المسلمين .
    العدل والمساواة :
    اولا فى التوراة ( سفر اللاويين )
    ومن الاخلاق التى وردت فى سفر اللاويين خلق العدل والمساواهوهما ضد الظلم والجور والمحاباة " لا ترتكبوا جوراً فى القضاء ، ولا تأخذوا بوجهمسكين ، ولا تحترم وجه كبير"(55).
    وهذا يعني ان يكون الانسان عادلا فى احكامه فلا يجورفيها،ولا يفرق بين فقير ولا غنى ولا يحابي ولا يجامل ، وفى نفس الوقت لا تأخذة الشفقة بالمسكينالمذنب فيحكم لصالحه بدون حق لأن هذا يجعله يتمادى فى الاجرام .
    كذلك لا يحابى الغنى او الكبير فيحكم له بدون حق لان هذايجعل الغني او الكبير يتمادى فى اثمه .
    والحقيقة ان هذا العدل وتلك المساواة مقصورة فقط على اليهوداما غيرهم فلا " بالعدل تحكم لقريبك" ، كما جاء فى التلمود يأمر اليهودى: "إذا جاء الاجنبي والاسرائيلى امامك بدعوى فاستعمل الغش والخداع حتى تجعل الحقلليهودى".
    كما يأمر التلمود بعدم المساواه بين اليهودى وغيره من الامميينويصفهم بأنهم خنازير نجسة ، وقد جاء: الخارجون عن دين اليهود خنازير نجسة وقد خلق اللهالاجنبي على هيئة انسان ليكون لائقاً لخدمة اليهود اللذين خلقو فى الدنيا من اجلهم، وهكذا ترى التناقض والازدواجية والمعايير المختلفة كلها سمات تسيطر على تصرفات المجتمعالاسرائيلى المدني.
    ثانيا فى القرآن الكريم :
    الاسلام دين يقر العدل والمساواه فى كل شئ ويأبى الظلم وقدحث الله تعالي المؤمنين على الترام العدل قال تعالى : " ان الله يأمر بالعدل والاحسانوإيتائ ذى القربى " وقال سبحانه وتعالى : " وإذا قلتم فأعدلوا ولو كان ذاقربي " (56).
    والعدل فى الاسلام خلق عام يشمل العدل مع المسلم وغير المسلميقول الله تعالى : "يا ايها اللذين امنوا كونوا قوامين بالله شهداء بالقسط ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى " (57).
    فينبغى ان نكون عادلين مع اى انسان صديقاً كان ام عدواً ،وقد امر الاسلام ان نعدل مع اليهود فى بعض الايات الا انهم حاولوا ان يصرفوا المسلمينعن ذلك العدل برغم انهم يعرفون ان السماوات والارض قامتا بالعدل ، وقد حاول بعض أحباراليهود ان يفتنوا الرسول (ص) وأخذوا يشرطون عليه ولكنه أبى عليهم ما يطلبون فأنزل اللهسبحانه وتعالى : " وان أحكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم واحذرهم انيفتنوك عن بعض ماانزل الله إليك " (58) .
    وقد جاء فى التوراة : لا ترتكبوا جوراً فى القضاء ، لا تأخذوابوجه مسكين ، ولا تحترم بوجه كبير . أما القرآن الكريم فيقول : " إن يكن غنيااو فقيرا فالله اولى بهما " . والتاريخ الاسلامي يحكى لنا كيف التزم القضاء الاسلامىالعدل مع غير المسلمين لابعد الحدود . فمن ذلك ما يروى : " أن عليَا بن ابى طالباختصم هو ويهودى الى عمر بن الخطاب ، فلما مثلا بين يديه كان عمر ينادى عليا بيا اباالحسن – اى يكنيه – وينادي اليهودى بيا يهودى ، فغضب على من ذلك ، حتى سأله : ما اغضبك؟ قال يا أمير المؤمنين : كنيتني وجردته " (59) .
    ويمتدح بعض من الكتاب الغربيين القضاه فى الاسلام فيصفهمبالعدل ولا يستغرق الحكم وقتاً طويلاً فتكون الاحكام بصفة عامة بسيطة مع تلك الطرقالتى لا يفارقها العدل ويقول نظمى لوكا الدكتور المصرى : ما أروع شريعة ادعى للانصاف، ولا شريعة اتقى للاجحاف والعصبية من شريعةتقول : "ولا يجرمنكم شنئان قوم على الا تعدلوا اعدلوا ".
    التحذير من البغضاء والحقد وحب الانتقام :
    اولا فى التوراة (سفر اللاويين) :
    وقد دعا سفر اللاويين كذلك الى الحب والتسامح محذراً اليهودمن البغضاء والحقد وحب الانتقام ، يقول : " لا تبغض اخوك فى قلبك : لا تنتقم ولاتحقد على ابناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك " (60) وهذه الاخلاق الذيدعا اليها سفر اللاوين قد تبدو انها اخلاق محموده ولكن ينقصها النظرة الشمولية وهويحذر من البغضاء ولكن ليست بغضاء كل الناس وانما بغضاء اليهودي وينهى عن الانتقام ولكنليس الانتقام من كل الناس ولا الحقد على كل الناس والبغضاء والحقد وحب الانتقام تعتبرمن اكثر الامراض الاخلاقية والاجتماعية انتشاراً بين اليهود .
    ولم يكف اليهود البغضاء يوماً بين فرقهم المختلفة وتكفيركل فرقة لأخرى فإبن حزم والشهرستاني مثلاُيقرران ان اليهود كانوا يبغضون بعضهم بعضا وتكفر كل فرقة منها اختها . وجدير بالذكرأن النكبات والازمات التى مرت باليهود تنمي فيهم روح العداء وحب الانتقام .
    ثانيا فى القرآن الكريم:
    هذة الخصال قد ركز عليها القرآن لتكون محموده الاثر عميقةالنقوس فكم للحب من تأثيراً فى قلوب الناس فالنفس المعمورة بالحب ترى التراب ذهباًوالالم شقاءاً والسن روضاً بل هو الذي يلين الحديد ويزيب الاحجار ولقد دعا الاسلامللحب وكره البغض وجعله اساساً للايمان حتى جعله شرطاً لصحة الايمان يقول الرسول (ص): " لايؤمن احدكم حتي يحب لأخيه كما يحب لنفسه " وقد امر القرآن الانسانان يحب الناس جميعاً لانهم اخوته فى الادمية وشركاؤه فى العبودية لله كما امرته الايؤمن بعنصرية او نعرات قومية كما نهى القرآن عن الكره والبغض والحقد وهي كلها امراضنفسية بينما دعا الى صفاء السريرة وتنقيتها من الضغائن يقول الرسول (ص) :" لاتباغضوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله اخواناً " (61)والحقد والبغض خصال ذميمه تقود الانسان الى الانتقام وكراهيه الخير للناس وتمنى زوالالنعمة .
    وفضائح بني اسرائيل كثيرة وقد كشف القرآن للمسلمين طويتهمالحاقدة فى اية : " ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفاراً حسداًمن عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق". يقول ابن كثير رحمه الله وقوليه سبحانهوتعالي :" لا تتخذو بطانة من دونكم " اي من غيرك من اهل الاديان لانه قدلاح على صفحات وجوههم ومن فلتات ألسنتهم مع ماهم مشتملون عليه فى صدورهم من بغضاء للاسلامواهله ، ومما تميزت به تعاريف القرآن ان دائرة البغض والكره فى ظل تعاليم الاسلام قدضاقت جدا وحصرت فى نطاق ان يكون البغض والكره لله وفى الله وهذا ما يميز دائرة الحبوالكره فى الاسلام عن الدائرة نفسها فى التوراة .
    وقد امتدح الله سبحانه وتعالي أهل العفو فقال : " والكاظمينالغيظ والعافيين عن الناس والله يحب المحسنين " . ومن ثم امر الاسلام اتباعه بالعفووالصفح والتسامح .
    وهذه وغيرها صفات جليلة واثرها عميق فى حياة المسلم قد دفعتهالى ان يستقيم فى حياته ويهتدي بنور شريعته ويأخذ العفو ويأمر بالصفح والاعراض عن الجاهليةفهل فى سفر اللاويين امثال ذلك ؟! لا اعتقد .
    النهى عن الوشاية :
    اولا فى التوراة (سفر اللاويين )
    لقد جاء فى دعوة السفر الاخلاقية النهى عن الوشاية بأعتبارها خلق زميم والوشاية هيالسعاية بالكذب للوقيعة ويعد الوشاية مرض خلقىكان الحكماء يضربون مثلا بأن السباع القوية اذا دخل عليها ثعلب الرواغ على ضعفه اهلكهاودمرها . وفى الملوك الحصفاء يدخل بينهم الوشاية فى صورة الناصحين حتى يفسدو نيتهمعلى وزرائهم المبالغين فى نصيحتهم .
    وتاريخ اليهود فى الوشاية والسعاية وتدبير المؤامرات حافلجداً ، يعجز المقتصى لاطرافه أن يحيط به ، ولكن يكفى ان نعلم – اجمالا – ان اكبر الثوراتالعالمية كالثورة الفرنسية (62) او الثورة الشوعية (63) ، اوالحربين العالمتين الاولى والثانية (64) ، وكثير من الانقلابات العسكريةالتى تحدث فى العالم إنما هى من صنع اليهود وسعيهم بالوشاية ، تارة بضرب الحكومات بعضهاببعض ، وتارة بضرب الحكومات بشعوبها ، فالثورة الفرنسية مثلا كانت تستمد مبادئها منكتابات اليهود ، فكتاب روسو " العقد الاجتماعي" كان يطلق عليه الفرنسيونإبان الثورة " إنجيل الثورة الفرنسية وكذلك كتاب روح القدس" لمونتسكيو ،ومن هذين استلهم زعماء الثورة الفرنسية ومبادئهم واقتباساتهم (65) .
    ولقد أصاب وليم كار فى كتابه " احجار على رقعة شترنج" حيث ذكر ان اليهود أقاموا الحرب العالمية الاولى للقضاء على الدولة العثمانيةتمهيداً لانشاء الدولة اليهودية ، والحرب العالمية الثانية من اجل إنشاء الدولة بالفعل.(66)
    فى القرآن الكريم :
    القرآن الكريم ذم الوشاية واعتبرها مرضاً خلقياً فقال الرسول(ص) : " لا يدخل الجنة نمام " ، ويقول (ص) :" الساعي بالناس الى الناسلغير رشده " ونظرة الاسلام للوشاية هنا نظرة عامه ليست فيها قيد مثل سفر اللاويين( لا تسعى بالوشاية بين شعبك ) وانما الاسلام يحرم الوشاية حتى لو كانت بالايقاع بيهودى.
    بل ونجد أن أتباع الإسلام يرفضون الوشاية بكل طريق ، فقددخل رجل على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ليسعي برجل عندة فقال له عمر : إن شئتنظرنا فى امرك فإن كنت كاذباً فإنت من أهل هذة الأية " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذة الأية : هماز مشاء بنميم: وإن شئت عفونا عنك ، فقال:العفو يا امير المؤمنين ولا أعود إليه أبدا(67).
    ثالثاً:
    من مظاهرالتأثير والتأثر بين اليهودية والاسلام
    السبت –الجمعه
    كانت ليلة الجمعة احدى اهتمامات المسلمين الاوائل حتى يومناهذا ,وقد كتب فى هذا الموضوع كثيرا من الكتاب والمفسرين للقرآن الكريم ومن هؤلاء تحدثالدكتور محمد الهوارى فى كتابه الثانى مقارنة الاديان عن يومي السبت عند اليهود والجمعةعند المسلمين وهما يومان مقدسان فى الشريعتين (68) .
    فما هو ذلك اليوموما قيمته وكيف شرعته التوراة وهذا ما سنوضحه فيما يلى ...
    السبت فى اللغة والاصطلاح:
    السبت معناه الراحة والسكن ويقال سبت اليهود اى تركوا العملفى سبتهم ويقال اليهود دخلوا فى السبت اي يوم المعروف من ايام الاسبوع وهو للراحه ،واليهود قامت بأمر سبتها ، وهو انقطاعهم عن المعيشة والاكتساب . (69)
    والسبت من ايام الاسبوع وقد سمى اليوم السابع من ايام الاسبوعسبتاً لان الله تعالى ابتدأ الخلق فيه ويقال : امر فيه بنو اسرائيل بقطع الاعمال وتركها.
    ويقال ان السبت هو الهدوء والسكون ، يقول الله تعالي:" وجعلنا نومكم سباتا" (70)، اى راحه لاجسامك وقيل انه سمى سباتاً لان الله فرغ يوم الجمعه وهو اليوم الذي قبلهخلق جميع خلقه ، ومن هنا سمى سبتاً لان ابتداء الخلق كان من يوم الاحد الى يوم الجمعه، وقيل ايضاً سمى ذلك لان اليهود كانوا ينقطعون فيه عن العمل والتصرف(71).
    وليوم السبت قداسه خاصه عند اليهود، ويقع فى اليوم السابعحسب ترتيبهم الخاص لايام الاسبوع ، ويحتفلون به اسبوعياً على مدار العام ، إحياء لذكرىاليوم السابع ، حيث اتم الرب خلق العالم فى ستة ايام ثم استرح فى اليوم السابع وفقالما ورد فى المقرا .
    ويوم السبت عند اليهود هو عيدهم الاسبوعي وهم يقدسون هذااليوم لاعتقادهم ان الرب استراح فيه بعد خلق العالم ويبدأون الاحتفال به من غروب شمسيوم الجمعه حتى غروب يوم السبت .
    ما اسباب تقديس السبت عند اليهود ؟
    يعتقد اليهود اعتقادأ راسخأ ان الرب منح شعبه المختار يومالسبت الذي احتل مكانتاً خاصة ومقدسة عند بنى اسرائيل ، ويشير الفكر المسيحي الى انالاباء الاولين- فى الغالب – قدسوا اليوم السابع ليذكروا فيه اعمال الرب فى ايام الخليقة. وقدرته وعنايته (72) . والارجح ان بعض الشعوب الوثنية قد اخذت هذا الامرعند الاباء بطرق الوراثة والتفنيد . فالاشوريون – مثلاً – كانوا يقدسون اليوم السابعوالرابع عشر والحادى والعشرين والثامن من كل شهر (73) وكان البابليون يتطلعونالى اليوم السابع كيوم عيد لإثنين من آلهتهم ، فكانوا يتوقفون عن العمل والسفر ويتمنعونعن الكلام وفى المساء يقدم الملك التقدمات للإلهين (74) .
    هل يوجد تشابه بين السبت وسابع ايام الخليقه؟
    يرى اصحاب الفكر المسيحي ان التشابه موجود من حيث ان كل منهماخلواً من العمل وان الراحه هي السمة المشتركة التى تميزهما ، ومع ذلك فإن اليوم السابعيختلف عن يوم السبت اليهودى او أن السبت اليهودي هو نفسه السابع من الخليقه .
    واهم اوجه الاختلاف بين السبت اليهودى والسابع من الخليقهكما جاء فى الفكر المسيحي :
    1-لم يذكر الكتاب المقدس ان سابع ايام الخليقه هو ذاته يومالسبت اليهودي .
    2-يوجد فرق كبير بين مدة السبت اليهودى وسابع يوم الخلق وقدتوصل علماء العصر الحديث الي أن مدة اليوم الآن تختلف عن مدة يوم الخليقه .
    3-تاريخ وجودهما ويختلفان ايضاً حيث ورد اليوم السابع للمرةالاولى فى الكتاب المقدس انه كان مرتبطاً بأسماء اخرى اما ارتباط هذا اليوم بأسم السبتفقد ظهر لاول مرة فى حادثة نزول المن والسلوى وهناك اوجه اختلاف اخرى ذكرها المؤرخون(75) .
    ما الاعمال المحرمة على اليهود مزاولتها يوم السبت؟
    تقول الوصية الرابعة من الوصايا العشر :" اذكر يوم السبتلتقدسه . ستة ايام تعمل وتصنع جميع عملك . واما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك لاتصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وامتك ولبهيمتك ونزيلك الذي داخل ابوابك" (76) .
    ان العهد القديم لم يذكر بالتفصيل كل انواع الاعمال المحرمه يوم السبت وانما نص صراحاً على اربعة انواع هي:
    1-التقاط المن فى البرية (خر16) .
    2-الفلاحه والحصاد .
    3-إيقاد النار داخل المساكن .
    4-الاحتطاب.
    وقد ورد فى اسفار الانبياء ايضاً بعض الاعمال المحرمة يومالسبت :
    1-رفع الاحمال او نقلها لمكان الى اخر .
    2-التجارة وما تشابه من بيع وشراء .
    اما الاعمال الرئيسة المحزورة وتفريعاتها وهى تسعة وتلاثونعملاً ويتفرع منهم بعض التفريعات :
    اولاً: الاعمال المتعلقة بإعداد الخبز وصناعته:
    1-بذر الحبوب او زراعتها .
    2-حرث الحقل او شق التربة .
    3-حصد المحصول .
    4-تذرية المحصول فى الهواء لفصل الحبوب عن القش .
    5-تنظيف المحصول وتنقيته .
    ثانياً :الاعمال المتعلقة بصناعة الملابس :
    1-عملية جـــز الصوف .
    2-تنظيف الصوف وتلميعه او غسله بالماء .
    3-تنفيض الصوف او ندفه لفصل خيوطه او شعيراته المتشابكه.
    4-صباغة الصوف .
    5-شد خيوط الداة وتوتيرها على الة النسيج.
    ثالثاً :الاعمال الخاصة بالكتابة :
    1-الصيد ، حيث كان يصنع من جلد الحيوان ، والرق الذي استخدمهالقدماء فكتبوا عليه ، كالورق فى العصور المتأخره .
    2-ذبح الحيوان ، و دباغة الجلود .
    3-وضع التصميمات وعمل التخطيطات والتصوير بالرسم .
    4-عملية الكتابة ذاتها ، ومحو ماهو مكتوب وازالته .
    رابعاً :الاعمال الخاصة بالبناء :
    1-عملية البناء والتشييد التى يقوم بها البانى .
    2-هدم ماهو قائم من ابنية لإقامة مبان اخرى .
    3-الضرب بالمطرقة وهو عمل النجار والحداد .
    خامساً :تقييد حرية الإنتقال من مكان الي اخر:
    قيدت التشريعات اليهودية حرية الخروج من ملكيه الي اخرى بإعتبارهعملاً من الاعمال المحظورة يوم السبت ، فمنعت إخراج أية أداه او أمتعة والانتقال بهامن ملكية فردية الى ملكية جماعية .
    مائدة السبت
    متي تقام وماذا عليها من طعام؟
    تقام هذه المائدة بعد الانتهاء من اداء طقوس المعبد مساءالسبت حيث يعود اليهود الي بيوتهم للاحتفال ببدأ السبت حيث يلتف اهل البيت وضيوفهمحول المائدة لتناول الوجبه الاولى للسبت ويحرص اليهود مساء كل سبت على ان تكون المائدةمرتبة ومعدة ويوضع على المائدة قبيل غروب الشمس اى قبل دخول السبت القدوش وهو دعاءيتلى على كأساً من الخمرة وادوات الطعام وترتب هذه الادوات على مفرش ويوضع على رأسالمائدة خبز السبت المضفر الذي صنع خصيصاً للسبت ويغطى هذا الخبر بمنديل المائدة ويحرصاليهود على وضع رغيفين اثنين من هذا الخبز المضفر ويعلل اصحاب الفكر اليهودى العدداثنين فهما يقابلان صيغتين الامر الخاصتين بالسبت : اذكر- احفظ.
    ويرى بعضهم بإن وضع رغيفين اثنين هو تذكار للمن الذي اعطىلبني اسرائيل في البرية ذلك انه فى اليوم السادس اعطي لهم مقدار مضاعف (77).
    وترمز فكرة تغطيه الخبز بمنديل المائدة للمن عندما سقط فىالبرية فغطاه الندى من أعلاه .
    أما الوجبه الثانية للسبت فيتناولها اليهود في منتصف النهار– اي في وقت الظهر – حيث تتجمع جميع الاسرةفى البيت بعد الانتهاء من أداء الطقوس الصباحية التي تتم فى المعبد . وتجدر الإشارةالى أن التقاليد الإرثوذوكسية تدعو اليهودى إلى العودة لاداء طقوس تعبدية يؤديها فىالبيت بعد الظهر ، ثم يتبع ذلك دراسة فى الكتاب المقدس والتلمود .
    وتمتد مظاهر الفرح والبهجة فى يوم السبت الى وقت متأخر منالنهار . فقد إعتاد (الحاسيديم)– وفقا لتقليد قديم جدا – أن يتناولوا وجبه ثالثة ،يحتفلون بها فى المعبد (السيناجوج) ويصاحبها صلوات خاصة وأغان ، ويتم ذلك بالتحديدعند انتهاء نهار السبت وبداية اسبوع جديد (78) .
    كيف يودع اليهود السبت ؟
    يودع اليهود السبت بمراسم خاصة تناسب مكانة هذا اليوم وبعدغياب شمس يوم السبت وحلول الظلام وظهور النجوم فى السماء تغنى الأم مرحبه بأستقبالاسبوع جديد وتمدح الرب وتحمده على افضاله ونعمه التى يفيضها عليهم ثم في المساء تحضرعلبه من الطين تنبعث منها روائح عطرية جميلة ، ثم يأتى بكأس مملوء حتى حافته من نبيذوتتلي فى هذه المناسبة بركة على الشمعة ، والشمعة المستخدمة يوم السبت تعرف بأسم بـ(شمعة الهـفدالاه) ، وهى ذات فتائل كثيرة مجدولة فى ضفيرة واحدة وتنتهى المراسم عندماينشد رب الاسرة قائلاً : مبارك انت يارب ، إلهنا ، ملك العالم الذي تميز بيننا بينالنور والظلمة وبين المقدس والمدنس وبين السبت وغيره من ايام الاسبوع ثم يقلب النبيذعلى الشمعة وعند انطفاء الشمعة يكون السبت قد انتهى .
    ثانيا الجمعة فيالاسلام :
    الجمعه سمي ذلك لانه يوم يجمع الناس فهو لفظ مأخوذ من الاجتماعإذ يجتمع الناس فيه .(79)
    ولكن ما اسباب تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة ؟
    يقال سمى يوم الجمعه لان قريشاً كانت تجتمع الى قصي فى دارالندوه وقيل لان كعب ابن لؤي ابن غالب كان يجمع قومه فيه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرمويأمرهم بأنه سيبعث منهم نبى فهو اول من سماها الجمعه وقيل لان الله تعالى جمع فيهاخلق ادم وكان يسمي ذلك اليوم بالعروبة ويقال أن اول تسميته حين اجتمع الانصار فإن اسعدابن زراره ابو امامه رضي الله عنه صلي بهم وذكرهم وسموه الجمعه حيث اجتمع الناس للصلاةفى هذا اليوم ، وفى ذلك يقول ابن حسب انه اسم إسلامي لم يكن فى الجاهلية وانما كانيسمى العروبة ، ويرى ثعلب ان اول من سمى الجمعة هو كعب ابن لؤي جد الرسول صلي اللهعليه وسلم ،فكانت قريش تجتمع اليه فى ذلك اليوم فكان يخطبهم ويأمرهم بصلة الرحم (80).
    الجمعه الاولى فى الاسلام :
    اختلف فى اول من جمع فى المدينة المنورة قيل هو اسعد ابنزرارة المعروف بأبى امامه ومعرف إن أول من جمع هو مصعب ابن عمير وهو اول من قدم المدينةمن المهاجرين . قال الانصار لليهود يوم تجتمعون فيه كل سبعة ايام وهو السبت والنصارىالاحد فالنجعل يوماً لنا نجتمع فيه ونذكر الله ونصلي وقالوا يوم الجمعه وهو يوم العروبةوقد اجتمعوا الى ابي امامه فصلي بهم يوميذ ركعتين وذكرهم فسموا الجمعه فأنزل الله حينذاكفى ذلك : " إذا نودى للصلاة من يوم الجمعه فإسعوا الى ذكر الله " وتعتبر هذه اول جمعه فى الاسلام ، وفى الحديث عنمحمد ابن ابي امامه قال : " كنت قائد أب حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به الى الجمعهفسمع الاذآن إستغفر لابي امامه ، أسعد بن زرارة دعا له . فمكثت حيناً إن ذا لعجز .إنى اسمعه كلما سمع آذان الجمعه يستغفر لابى امامه ويصلي عليه ، ولا أسأله عن ذلك لمهو ؟ فخرجت به كما كنت اخرج به الى الجمعه . فلما سمع الاذآن استغفر كما كان يفعل.فقلت له : يا ابتاه ! ارأيتك صلاتك على اسعد ابن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعه قبلمقدم رسول الله (ص)من مكة ، فى نقيع الخصمات ، فى هزم من حرة بنى بياضه . قلت : كمكنتم يومئذ ؟ قال: اربعين رجلا (81) .
    واما اول جمعه جمعها النبى (ص) بأصحابه فكانت عقبه دخولهمالمدينة فقد دخلها يوم الاثنين لأثنتي عشرا ليلا خلت من شهر ربيع الاول فأقام بقباءالي يوم الخميس واسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعه الي المدينة فأدركته الجمعه فى بني سالمابن عوف وقد اتخذ القوم فى ذلك الموضوع مسجداً فجمع بهم وخطب وتعد هذه اول خطبة خطبهافى المدينة .
    ما منزلة الجمعة فى الشريعة الاسلامية ؟
    صلاة الجمعة واجبه بقول الله سبحانه وتعالي :" ياأيهاالذين أمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فإسعوا الى ذكر الله وذرو البيع ذلكم خيراًلكم ان كنتم تعلمون " ، فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم وليست كما يقول الشافعيةانها فرض على الكفاية وقد ذكر عن مالك قولا يحتاج الى تدقيق انها سنة وعلى العموم وقدذهب الجمهور الى انها فرض على الاعيان ، لقوله تعالي : " إذا نودى للصلاة فى يومالجمعة فإسعوا الى ذكر الله وذرو البيع " ، وهناك من الشواهد الواضحه المنقولةعن رسول الله والتى تؤكد وجوب الجمعة وفرضيتها حيث قال : لينتهين اقوام عن وضعهم الجمعاتاو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ".
    وفى سنن ابن ماجه عن الرسول (ص) انه قال :" من ترك الجمعهثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه" (82) .
    وقد استدل البخارى بأية سورة الجمعة من 9-11 على فرضيه الجمعهوكذلك فعل الشافعى فى كتابه الأم وحديث ابى هريرة فى التنزيل يدلان على ايجابية اذقيل ان الامر بالسعي تدل علي الوجوب الا يجب السعى الي واجب ,والاذآن من خواص الفرائضبالاضافة الى ذلك النهى عن البيع لانه لا ينهى عن المباح – نهى تحريرى – الا اذا افضيالي ترك واجب .
    وقد اختلف العلماء فى وقت فرضيتها فأكثرهم يذهب الى انهافرضت بالمدينة مستندين فى ذلك الى ان فرضها بدأ بيأيات سورة الجمعة وهى ايات مدنية، ولم تفرض الجمعه على المسلمين فقط بل فرضت من قبلهم على اليهود والنصارى ايضاً ولكنالاخرين اختلفوا فيه وضلو ولكن المسلمين هداهم الله . وعن ابى هريرة قال ، قال رسولالله (ص) " نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَنَحْنُأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَاخْتَلَفُوا فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوافِيهِ مِنَ الْحَقِّ ، فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا اللَّهُلَهُ " ، قَالَ : " يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَالْيَوْمَ لَنَا ، وَغَدًا لِلْيَهُودِ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى " .
    فضل الجمعة :
    يعتبر المسلمون يوم الجمعة خير أيام الاسبوع وفى الحديث عنابى هريرة ان النبي (ص) قال:" خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعه ، فيه خلق ادم، وفيه ادخل الجنة ، وفيه اخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة " (83).
    ويقول القاضي عياض : الظاهر ان هذه القضايا المعدودة ليستبذكر فضيله لان الاخراج من الجنة وقيام الساعة لا يعدان فضيله وانما هو لبيان ما وقعفيه من الامور العظام (51) ، وقال كعب إن الله عز وجل فضل من البلدان مكة، ومن الشهور رمضان ، ومن الايام الجمعة ، ومن الليالي ليلة القدر ، ويقال إن الطيروالهوام يلقى بعضها بعضا فى يوم الجمعة فتقول : سلام سلام ، يوم صالح (84)، وقال صلي الله عليه وسلم :" من مات يوم الجمعة وليلة الجمعة ، كتب له أجر شهيد، ووقى فتنة القبر : (85) .
    وفى حديث عن ابى هريرة ، أن الرسول (ص) قال :"الجمعةالى الجمعة كفارة ما بينهما ، مالم تغدى الكبائر " (86) .
    ومن فضائل يوم الجمعة انه به ساعة يستجاب فيها الدعاء وقداختلف اهل العلم من الصحابة والتابعيين فى هذه الساعة هل هي باقية ام انها رفعت ؟ واذاكانت باقية فهل هى فى كل جمعة ام انها فى جمعة واحدة من كل سنة ؟ وهل هي فى وقت معينمن اليوم ام ان وقتها غير محدد؟ اراء كثيرة واقوال متعددة واستند العلماء فى تعيينالساعة التى يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة إلى ما نسب للرسول (ص) من أحاديث شريفةوذهبوا إلى أنها عند أخر ساعة فى يوم الجمعة فعن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال:قلت – يا رسول الله (ص) إنا لنجد فى كتاب الله تعالي فى يوم الجمعة ساعة لا يوافقهاعبد مؤمن يصلى يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا قضى له حاجته . قال عبدالله ، فأشارإلى رسول الله (ص)او بعد ساعة ، فقلت صدقت ،او بعض ساعة ، قلت اي ساعة هى ؟ قال:" آخر ساعة من ساعات النهار " ، قلت : إنها ليست ساعة صلاة ، قال:"بلي إن العبد المؤمن اذا صلي ثم جلس لايجله إلا الصلاة ، فهو فى صلاة " (87) .وروي سعيد بن منصور بإسناد صحيح الي ابى سلمة بنعبدالرحمن أن ناساً من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم اقتربوا فلم يختلفواانها اخر ساعة من يوم الجمعة ورجحه كثير من الآثمة (88) .وورد فى الحديثانها بعد العصر ، فعن ابى سعيد وابى هريرة رضي الله عنهما ان النبي (ص) قال:" إن فى الجمعة ساعة لا يوافقها بعد مسلم يسأل الله عز وجل فيها خيراً إلا اعطاهإياه وهي بعد العصر (89) . وقيل ان هذه الساعة ترجى بعد العصر الى ان تغربالشمس ، وقيل ايضاً انها توافق وقت صلاة الجمعة وساعة الجمعة هي مابين ان يجلس الإمامعلى المنبر الى ان تقضى الصلاة (90)، وقيل فيها عدة اقوال تصل اثنين واربعين رأياً (91) . وقال (ص):"أن لربكم فى ايام دهركم نفحات ألا فتعرفو لها " ويوم الجمعة من جملة تلكالايام فينبغى ان يكون العبد المسلم فى جميعنهاره متعرضاً لها بإحضار القلب وملازمة الذكر والنزوع عن وساوس الدنيا ، فلعله أنيحظى بشئ من تلك النفحات (92).
    وفى يوم الجمعة يجب ان يكون المسلم فى احسن هيأه لاداء صلاةالجمعة فيجب عليه التطهر والغسل والتزين وان يتطيب بأحسن طيب .
    وإليك لمحه عن كل ما سبق :
    1-الغسل : يستحب الغسل يومالجمعة استحباباً مؤكداً بل ذهب بعض العلماء الى وجوبه وقد روي عن الرسول (ص) حيث قال:" غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " (93) . فقد ورد عن رسولالله (ص) فقال :" إذا جاء أحدكم الجمعة فاليغتسل " ، وغسل يوم الجمعة واجب على الرجال والنساء على حد سواء اذقال (ص) :" من أتى الجمعة من الرجال او النساء فليغتسل ، ومن لم يأتها فليس عليهغُسل ، وفى حديث أبى هريرة قال : بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة ، إذ دخلعثمان بن عفان فعرض به عمر فقال : ما بال رجال بتأخرون بعد النداء ، فقال عثمان : ياامير المؤمنين ، مازدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت ، فقال عمر : والوضوء ايضا، ام تسمعوا رسول الله (ص) يقول إذا جاء احدكم الي الجمعة فليغتسل (94).
    وعلى أية حال ، فإنه من الواضح أن ليوم الجمعة كياناخاصا ، فمن أغتسل للجنابة وجب عليه أن يفض الماء على بدنه مرة أخرى على نية غسل الجمعة، فإن اكتفى بغسل واحد أجزأه وحصل له الفضل وايضا إذا نوى كليهما ، ودخل غسل الجمعة فى غسل الجنابة، وروى انه دخل بعض الصحابة على ولده وقد أغتسل فقال له : أ للجمعة ؟ فقال: بل عندالجنابة ، فقال أعد غسلاً ثانياً(95) .
    2- التزين باللباس الحسن: الزينة مستحبةفى يوم الجمعة وهى تتعلق بالنظافة بشكل عام وتطيب الرائحة ومن المستحب ان يلبس المسلمفى يوم الجمعة الملابس البيضاء الى ان احب الملابس عند الله البيض ولا فضل فى ارتداءالملابس السوداء وعلى المسلم ان يتجمل وكان الرسول (ص) يتطيب ويلبس أحسن ما يجد فىالجمعة والعيد وكان يأمر بالطيب والسواك والدهـــن ، ويستحب وضع العمامة على الرأسفى هذا اليوم وقد روي ان رسول الله (ص) قال:" ان الله وملائكه يصلون على اصحاب العمائم يوم الجمعة " (96)، واذا شعر المسلم بكرب او ضيق بمجرد وضعه على رأسه فلا بأس ان يخلعها قبل الصلاة اوبعدها ولكن لن تنزع فى وقت السعى من المنزل للجمعة ولا فى وقت الصلاة ولا فى وقت صعودالإمام للمنبر ولا فى خطبته (97) .
    3- تطيب الرائحة : يحرص المسلم علىالطهارة بصفة دائمة فهى شرط واجب من شروط صحة صلاته ويحرص ايضاً على تنظيف جسده منالاوساخ التى يصدر عنها رائحة كريهة،ثم يتطيب قال الشافعى رضي الله عنه:" من نظفثوبه قل همه ، ومن طاب ريحه زاد عقله"(66). وقال النبي (ص):" من اغتسل يوم الجمعه ولبس احسن ثيابه من طيب بيته – إن كان عنده – ثم أتى الجمعةفلم يتخط اعناق الناس ثم صلي ماكتب له ثم انصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته ، كانتكفارة لما بينهما وبين جمعة التى قبلها " (98) .
    ومما لاشك فيه أن مس الطيب مستحب لمن قدرعليه فى يوم الجمعةوالعيدين .
    4-النظافة العامة وخصال الفطرة : يستحب لمن يشهد الجمعةان يتفقد فطرة جسده من قص شاربه وتقليل أظفارة ونتف شعر إبطه . وتتعلق خصال الفطرةجميعها بالنظافة وحسن الهيأه عن عائشة قالت : قال رسول الله (ص) :" عشر من الفطرة: قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، السواك ، والاستنشاق بالهاء ، وقص الاظفار ، وغسل البراجمـ ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتفاض بالماء " يعني الإستنجاء بالماء ، قال زكريا: قال مصعب : ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (100) .
    وعن عبدالله بن عمر أن رسول الله (ص) قال ان الفطرة قص الشاربوالظفر وحلق العنانة ، وعن ابى هريرة عن الرسول (ص) انه قال الفطرة خمس الإختتان والاستحدادوقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط (101) .
    الجمعة والسبت من منطلق إسلامى
    1-من القراءه المتأنية ليومي الجمعة والسبت نلمس فروقاً كبيرةبين الشريعتين وإن كان قد اتفقا فقد اتفقا فى قليل بينما اختلف فى كثير وسنأخذ مثاليينلنوضح الفروق بينهما :
    أ-والقرآن الكريممملؤ بمثل هذه الامور ونأخذ مثالاً واحداً قال الله تعالى :" وَاسْأَلْهُمْ عَنِالْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْتَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَاتَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ "
    ب-ويقول ابن كثير فى شرحه للأية هَذَا السِّيَاق هُوَ بَسْطلِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِيالسَّبْت " الْآيَة . يَقُول تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامهعَلَيْهِ " وَاسْأَلْهُمْ " أَيْ وَاسْأَلْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَبِحَضْرَتِك عَنْ قِصَّة أَصْحَابهمْ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْر اللَّه فَفَاجَأَتْهُمْنِقْمَته عَلَى صَنِيعهمْ وَاعْتِدَائِهِمْ وَاحْتِيَالهمْ فِي الْمُخَالَفَة وَحَذَّرَهَؤُلَاءِ مِنْ كِتْمَان صِفَتك الَّتِي يَجِدُونَهَا فِي كُتُبهمْ لِئَلَّا يَحِلّبِهِمْ مَا حَلَّ بِإِخْوَانِهِمْ وَسَلَفهمْ وَهَذِهِ الْقَرْيَة هِيَ أَيْلَة وَهِيَعَلَى شَاطِئ بَحْر الْقُلْزُم قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ دَاوُدَ بْن الْحُصَيْنعَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " وَاسْأَلْهُمْ عَنْالْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر " قَالَ هِيَ قَرْيَة يُقَال لَهَاأَيْلَة بَيْن مَدْيَن وَالطُّور وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّوَقَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير الْقَارِي سَمِعْنَا أَنَّهَا أَيْلَة وَقِيلَ هِيَمَدْيَن وَهُىَ رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ اِبْن زَيْد هِيَ قَرْيَة يُقَاللَهَا مَعْتَا بَيْن مَدْيَن وَعَيْنُونَا وَقَوْله " إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْت"أَيْ يَعْتَدُونَ فِيهِ وَمُخَالِفُونَ أَمْر اللَّه فِيهِ لَهُمْ بِالْوَصَاةِ بِهِإِذْ ذَاكَ " إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا " قَالَالضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْ ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْاِبْن عَبَّاس ظَاهِرَة مِنْ كُلّ مَكَان قَالَ اِبْن جَرِير وَقَوْله " وَيَوْملَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ " أَيْ نَخْتَبِرهُمْ بِإِظْهَارِالسَّمَك لَهُمْ عَلَى ظَهْر الْمَاء فِي الْيَوْم الْمُحَرَّم عَلَيْهِمْ صَيْده وَإِخْفَائِهَاعَنْهُمْ فِي الْيَوْم الْحَلَال لَهُمْ صَيْده " كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ"نَخْتَبِرهُمْ " بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " يَقُول بِفِسْقِهِمْ عَنْ طَاعَةاللَّه وَخُرُوجهمْ عَنْهَا وَهَؤُلَاءِ قَوْم اِحْتَالُوا عَلَى اِنْتَهَاك مَحَارِماللَّه بِمَا تَعَاطَوْا مِنْ الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة الَّتِي مَعْنَاهَا فِي الْبَاطِنتَعَاطِي الْحَرَام وروى عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِوَسَلَّمَ قَالَ " لَا تَرْتَكِبُوا مَا اِرْتَكَبَتْ الْيَهُود فَتَسْتَحِلُّوامَحَارِم اللَّه بِأَدْنَى الْحِيَل " وَهَذَا إِسْنَاد جَيِّد فَإِنَّ أَحْمَدبْن مُحَمَّد بْن سَلْم هَذَا ذَكَرَهُ الْخَطِيب فِي تَارِيخه وَوَثَّقَهُ وَبَاقِيرِجَاله مَشْهُورُونَ ثِقَات وَيُصَحِّح التِّرْمِذِيّ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادكَثِيرًا .
    ومما قيل فى قصص هذه الاية ان ابليس اوحى الى اهل القريةمن بنى اسرائيل فقال انما نهيتكم عن صيد الحيتان فأتخذوا الحياض فكانوا يسيقون الحيتاناليها يوم الجمعة فتبقى فيها فلا يمكننا الخروج لقلة الماء فيأخذونها يوم الأحد ، وقيلايضاً ان الرجل منهم كان يأخذ خيطاً يضع فيه وهقه اى ان الحبل فى طرفيه انشوقه تطرحفى عنق الدابة اذا اخذ فى احد طرفيها انفتحت ثم يقوم بألقاءها فى ذنب الحوت ويثبت وتدنفى الطرف الاخر ويتركه الى يوم الاحد .
    وهكذا نلاحظ فى الحالتين محاولة بنى اسرائيل ان يحيدوا عنالخط الذي رسمه الله لهم سبحانة وتعالي واستهتارهم بأوامرة ونواهيه وحاول الناهيينمن اهل القرية ينصحونهم ولم يستجيبوا لهم ولما ازدادا الفاسقون فى غيهم قسموا القريةبجدار فأصبحت الناهون ذات يوماً فى مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا : إناللناس لشأناً فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفتالقردة اجسامها من الانس ولم يعرف الأنس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتى نسبهامن الأنس فتشم ثيابهم وتأتى فيقول الم ننهكم فتقول برأسها نعم قال قتاتة صار الشبانقردة والشيوخ خنازير فما نجى الا الذين نهوا وهلك سائرهم فعلى هذا القول ان بنى اسرائيللم يفترقوا الا فرقتين . وعلى اي حال استمر الفاسفون فى لهوهم وكثرة اموالهم وتغالوافى فسقهم حتى ضاق بهم نبى الله داوود فأتجه الى ربه يستنصر به ويطلب اللعنه له فأجابالله سؤاله فزلزلت قريتهم زلزالاً عميقاً ففزع المسلمون من ذلك وخرجوا من بيوتهم ،يقول الله تعالي :" فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذناالذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون " .
    وفى عهد رسول الله (ص) كان يسكن المدينة جماعات من يهود بنىاسرائيل ضلوا على دينهم وقد بعدوا عن موسي كثيراً وانكروا نبوه محمد (ص) فلم يؤمنوابه فحذرهم الله سبحانه وتعالى وضرب لهم مثلاً بما حل بأسلافهم اصحاب السبت ومن المسخ والرجف والصعق عندما عصوا ربهم واعتدوا فى السبت، قال الله تعالي :"ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم فى السبت فقلنا لهم كونوا قردةخاسئيين " .
    ج_ويقول الطبرى فى تفسيره للاية " يَا أَيُّهَا الَّذِينَآمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِاللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"
    يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من عباده: يا أيها الذين صدقواالله ورسوله ( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) وذلك هو النداء،ينادي بالدعاء إلى صلاة الجمعة عند قعود الإمام على المنبر للخطبة ؛ ومعنى الكلام:إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ( فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ) يقول: فامضوا إلىذكر الله، واعملوا له؛ وأصل السعي في هذا الموضع العمل، وقد ذكرنا الشواهد على ذلكفيما مضى قبل. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله:( إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) قال: إذا سمعتم الداعي الأوّل، فأجيبوا إلى ذلك وأسرعوا ولا تبطئوا؛ قال: ولم يكنفي زمان النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أذان إلا أذانان: أذان حين يجلس علىالمنبر ، وأذان حين يُقام الصلاة؛ قال: وهذا الآخر شيء أحدثه الناس بعد؛ قال: لا يحلّله البيع إذا سمع النداء الذي يكون بين يدي الإمام إذا قعد على المنبر وقرأ ( فَاسْعَوْاإِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) قال : ولم يأمرهم يذرون شيئًا غيره، حرمالبيع ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا من الصلاة، قال: والسعي أن يُسرع إليها، أن يُقبِلإليها.
    2- لم تلد فى التلمود او العهد القديم اى إشارة عن يوم الجمعةوربما يرجع ذلك الى ان اسم الجمعة لم يطلق على هذا اليوم الا فى فترة متأخرة تسبق ظهورالاسلام بزمن قصير وكان هذا اليوم كان يعرف فى الجاهلية بالعروبة وعرفنا ان اول منجمع الجاهلية وخطب وذكر وبشر بمبعث النبي هو كعب ابن لؤي واول من جمع فى الاسلام هوابو امامه الذي جمع اول جمعة فى التاريخ .
    علمنا ان كتبت العهد القديم قد دونوا نصوصه فى فترة تسبقظهور الجمعه فى التاريخ .
    3-على النقيض تماماً اهتم القرآن الكريم بيوم الجمعة لمافيها من فضل فنزلت فيها سورة الجمعة كما افاض الرسول (ص) فى آداب ذلك اليوم وما علىالمؤمن عمله قبل ان يذهب لأداء يوم الجمعة .
    4-ومن الملاحظ أن اصحاب الديانات السماوية الثلاث ( اليهوديةوالمسيحية والاسلام) قد اختلفوا حول تحديد اليوم الاول الذي يبدأ به كل اسبوع وهذاالاختلاف نتيجة طبيعية لعدم اتفاقهم فى تحديد يومهم المقدس وترتيبه بين ايام الاسبوع.
    وعلى ما يبدوا ان ايام الاسبوع كان له اسماؤها فى اللغة القديمة: شيار وأول وأهون وجبار ودبار ومؤنس والعروبة . ولم يذكر سبحانه وتعالى فى القرآنالكريم هذه الايام بأسمائها المشتقة من العدد ، بل ذكر سبحانه فقط الجمعة والسبت ،وكلاهما من الاسماء المشتقة من العدد ولم يسمها رسول الله (ص) بالاحد والاثنين إلاحاكياً للغة قومه لامبتدئا بتسميتها ، ويبدو أن قومه قد أخذوا معانى هذه الاسماء مناهل الكتاب المجاوريين لهم ، فأطلقوا عليها هذه الاسماء إتباعهم لهم .(102)
    وقد حافظ يهود جزيرة العرب على حرمة السبت ، فكان هذا اليومعندهم من الايام المقدسة التى يجب مراعاة حرمتها مراعاه تامة ، فلا يجوز ليهودى الإشتغالفيه ، ويجب أن يكرسه للعبادة ، ومن خالف حرمة هذا اليوم ودنه بالإشتغال فيه يكون قدارتكب جرماً عظيماً (103) .
    وكان من اسباب إختيار اليهود ليوم السبت كيوم للراحة والعبادة، هو اعتقادهم أنه اليوم السابع الذي إستراح فيه الرب . قد ورد احاديث كثيرة تشير الىالجمعة كما بين القرآن الكريم مكانة هذا اليوموفضله ونزلت سورة الجمعة توضح اهمية هذا اليوم بين ايام الاسبوع قال تعالى : {يا أيهاالذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خيراًلكم ان كنتم تعلمون }.. الأية تأمرهم بأن يتركوا البيع والشراء فوراً بعد سماع الآذانوترغيبهم فى ترك شؤون الحياة الدنيا ليتفرغ لفكر الله فقد اوجب الله السعى مطلقاً الىالجمعة .
    أما السبت فقد أدركنا مدي اهميته فى الفكر اليهودى من خلالما ورد فى الوصية الرابعة من الوصايا العشر بصفة خاصة وما ورد من فقرات متفرقة فى العهدالقديم تؤكد على اهميته وضروريته ومما لا شك فيه ان من بيع موسي عليه السلام ان ينقطعقومه بنو اسرائيل عن اعمالهم يوماً من كل اسبوع يتفرغون فيه لعبادة ربهم ويمتنعون فيهعن مزاوله أى عمل دنيوي يصرفهم عن دينهم وعن خالقهم ، والأرجح حسب الفقة الديني الأسلامىأن يوم الجمعة هو اليوم الذي أمروا أن يعبدوا الله فيه ولكنهم رغبوا أن يكون يوم السبتالذي أنتهى فيه خلق السماوات والارض .
    ومرت الأيام وبنو إسرائيل على عادتهم يقدسون يوم السبت ويتقربونبه إلى الله وقد ورد فى أسباب أختيار اليهود يوم السبت :
    1-وقد ورد فى سبب الاختلاف على لسان أبن عباس إن موسي أمرهمبالجمعة وقال :" تفرغوا لله من كل سبعة أيام يوماً واحداً وهو يوم الجمعة" .
    2-أما عن السبت قال تعالى :" إنما جعل السبت على اللذيناختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " ، وقداختلف العلماء فى تحديد ما وقع فيه من اختلاف قيل إن موسي عليه السلام امرهم بيوم الجمعةوعينه له وناظروه أن السبت افضل وقال الله له دعهم وما اختاروه بأنفسهم (104).
    3-قيل إن الله تعالى لم يعينه له وأنما أمره بتعظيم يوم الجمعةفأختلف اجتهادهم فى تعينه فعينته اليهود السبت لان الله تعالى فرغ فى هذا اليوم منالخلق ، ويرى الفكر الديني الاسلامى أن اختلاف اليهود للسبت كان اختلافاً على نبيهموسي حيث أمرهم بالجمعة فإختاروا السبت ، أما عن فضل يوم الجمعة فى الفكر الاسلامىهو أفضل من يوم السبت فإن الفكر الاسلامي بنظر الى هذه المسألة بنفس الزاوية التى ينظرإليها الفكر اليهودى والفكر المسيحي وهى عملية الخلق وقد اتفق أهل الملل على ان اللهخلق العالم فى ستة ايام وبدأ سبحانه بالخلق والتكوين فى يوم الأحد وأكتمل الخلق فىيوم الجمعة
    مراجع المبحث الرابع
    1- -بطرس البستانى : دائرة المعارف 6/264 ط دار المعرفة بيروت1882.
    2-انظر دائرة المعارف ، البستانى6/264 .
    3-د/ وافى الأسفار ، المقدسة ،ص14 .
    4-د/ حسن ظاظا : الفكر الدينى اليهودى ص16 ط دار القلم- دمشق– الطبعة الثالثة 1995 .
    5-تنسب هذه النسخة الى فرقة السامرية التى نشأت فى اقليمفي شمال فلسطين بعد لبسبي اليابلى ، وقد تمتعت بأزدهار فكرى حتى القرن الرابع الميلادى، ثم ذاقت ألوان الاضطهاد على يد جستنيان الرومانى وهى اقل فوق اليهود انحرافا ، وقداوشكت على الانقراض . انظر د/عبد الوهاب المسيرى : موسوعة اليهود واليهودية 5/319،320ط دار الشروق القاهرة –الطبعة الاولى 1999م .
    6-رحمت الله الهندى: إظهار الحق2/429 تحقيق د/ خليل ملكاوىط دار الحديث –القاهرة 1992 م.
    7-انظر قاموس الكتاب المقدس ص768 ط دار الثقافة الاتفاق معرابطة الإنجيلين بالقاهرة _ط العاشرة 1995 م.
    8-نشير هنا الى ان ذكر مكانة السفر عند اهل الكتاب ، اقامةالحجة على من يؤمنون به ،إذا ما اعان الله على تشريحه وتوضيح مابه من خلل وفساد فىجميع النواحى .
    9-انظر : نجيب جرجس : تفسير سفر اللاويين ص8 ، المجتمع اليهودىص285 ، وانظر د/ وافى : اليهودية واليهود ص14 ط دار نهضة مصر- القاهرة .
    10-انظر : مقدمات العهد القديم 1/33 .
    11-انظر : قاموس الكتاب المقدس ص771 .
    12-انظر :عبدالمسيح بسيط ابو الخبير : الإعلان الإلهى وكيفكلم الله الإنسا ص11 مطبعه المصريين القاهرة 1997م . وانظر: زكى شنودة : المجتمع ص75.
    13-انظر :الإعلان الإلهى ص11.
    14-عاموس7:3 .
    15-الخروج 19: 25:20 . 16-الخروج1:20 .
    17-انظر : المجتمع اليهودى ص78 .
    18-انظر : ابن حجر : فتح البارى1/11 طبعة دار الحديث –القاهرة– الطبعة الاولى 1998م.
    العينى : عمدة القارئ 1/14 ط دار الفكر-بيروت- 1978م .
    د/ محمد محمد ابو شبهة : المدخل لدراسة القرآن الكريم ص84.
    د/ رؤوف شلبي : الوحى في الاسلام ص30 مطبعه حسان- القاهرة1978م.
    19-سورة الشورى الأية (51) .
    20-انظر د/ محمد بحيرى ابراهيم : القرآن المبين وكيف نزلبه الروح الامين 1/46 دار الطباعة المحمدية – القاهرة – الطبعة الثانية 1984م .
    21-الشيخ / عبدالعظيم الزرقانى : مناهل العرفان فى علوم القرآن1/64ط عيسي البابي الحلبي 22–القاهرة .
    23-ابن عبدالبر : التمهيد 1/284ط مطبعة فضالة المحمدية –القاهرة– وصححه الألباني ى صحيح الجامع برقم (2085).
    24-السيوطى: الإتقان فى علوم القرآن 1/44ط المشهد الحسيني–القاهرة- الطبعة الاولى 1967 .
    25-سورة الشعراء الايات (192-196).
    26-القرآن المبين وكيف نزل به الروح الامين 1/47 ، وانظرالإتقان 1/44 ، مناهل العرفان 1/64 .
    27-اللاويين 15:19 .
    28:التكوين 12:20 .
    29-سورة آل عمران الايات (2-4) .
    30-سورة المائدة الاية (44) .
    31-اللاويين 12 :4:2 .
    32-اللاويين 12:5 .
    33-إن علماء المسلمين قد اثبتوا مثل هذه النتائج من زمن بعيد، لكن الهدف من ذكر علماء اوروبا هو الاستشهاد بكلام علماء يؤمنون بسفر اللويين علىانه وحى منزل . ليكون ابلغ فى الحجة واقامة الدليل .
    34-انظر د/ضياء الدين عبدالرحيم: علم الامراض الجلدية ص86 .
    35-اللاويين 3:19 .
    36-الخروج 12:20 .
    37-تفسير سفر اللاويينص251 .
    38-فولتير هو : من مواليد1694م . ولد فى فرنسا قوم رجال السلطة الدينية والمدنية وتزعم حركة الفلسفة الماديةله كتب فى التاريخ والشعر والسرح والفلسفة . انظر : قاموس المنجد في اللغة والاعلامص533 ط دار المشرق –بيروت – 1973 ط الحادية والعشرين .
    39-روسوهو: جان جاك روسوكاتب فرنسي ولد في جنيف 1712 له تآليف فلسفية واجتماعية منها العقد الاجتماعى كان لمبادئهتأثير في نشأة الثورة الفرنسية . انظر السابق ص 312 .
    40-الاستاذ / انور الجندى:المخططات التلمودية ص47ط ،دار الاعتصام –القاهرة1977م .
    41-المخططات التلموديةص47 .
    42-سورة النساء الاية(36) .
    43-سورة الاسراء الاية(23) .
    44-مسند الامام احمد3/497 وهو مالك بن ربيعة الساعدى .
    45-الطبرانى: المعجم الكبيربرقم-1882 11/307 ، وراه :المستدرك 4/160 وصححه ووافقه الذهبي .
    46-اللاويين 11:19 .
    47-المسيح المنتظر وتعاليمالتلمود ص160 ، واسرائيل والتلمود ص70 .
    48-سورة مريم الاية 50.
    49-سورة الانعام الاية21.
    50-سورة النحل الاية105 .
    51-البخارى بشرح ابن حجر:107 ك العلم ، باب إثم كذب على النبي (ص) 253/1 .
    52-سورة التوبة الاية91.
    53-عبدالقادر بدران : تهذيبتاريخ دمشق الكبير 5/438 ط دار المسيرى- بيروت 1979 وله شاهد في الصحيح .
    54-المرجع السابق ص126 .
    55-اللاويين 15:19 .
    56-سورة النحل الاية90 .
    57-سورة المائدة الاية8 .
    58- سورة المائدة الاية49 .
    59-انظر الالبانى : إرواءالغليل 1/242 (ضعيف) .
    60-اللاويين 19 : 17،18.
    61-البخارى بشرح ابن حجر: 6065 ك الادب ، باب من اثنى على اخيه بما يعلم 583/10 .
    62-كانت الثورة الفرنسيةبداية من 5/5/1789 وحتى 4/8/1789 .انظر المستشار / حسن جلال الثورة الفرنسية ص79 طلجنة التأليف والترجمة والنشر – القاهرة 1960 .
    63-قامت الثورة الشيوعيةفي روسيا في عام 1917 .
    64-قامت الحرب العالميةالاولى في 1914 واستمرت حتى عام 1918 . وقامت الحرب العالمية الثانية في 1939 .
    65- انظر : وباء العلمانيةوهل له مبرر فى العالم الاسلامى ص43 ط مكتبة منارة العلماء- القاهرة الطبعة الاولى1406هـ ، وهو مختصر من رسالة ماجستير للدكتور / سفر الحوالى بعنوان "العلمانيةونشأتها وتطورها وأثارها في الحياة الاسلامية المعاصرة " . قدمت في جامعة ام القرىبالسعودية .
    66-انظر وليم كار: احجارعلى رقعة الشترنج ، ص20 ترجمة سعيد جزائرى د/ دار النفائس –بيروت1979 .
    67-إحياء علوم الدين للغزالى 3/222 بتصرف يسير .
    68-د/ محمد الهوارى كتابالجمعة والسبت فى اليهودية والاسلام ، الطبعة الاولى 1408هـ ، دار الهانى للطباعة والنشر.
    69-المعجم الوجيز مادة سَبَتَ .
    70-سورة النبأ الاية 9 .
    71-انظر القرطبى ج7 ص305 .
    72-جرجس (نجيب ، الارشيدياكون) تفسير الكتاب المقدس ، ج2–شرح سفر الخروج ، القاهرة د.ت ، ص206 .
    73-المرجع السابق ، ص206 ؛ وقارن :ديورانت ،ص373 .
    74-ملطى ،ص50 .
    75-انظر مرجع سابق ، ص33:36 .
    76-انظر مرجع سابق ص86 .
    77-كتاب السبت والجمعة فى اليهودية والاسلام ، مرجع سابق،ص135 .
    78-المرجع السابق ، ص71 .
    79-انظر المعجم الوجيز مادة جمع .
    80-كتاب السبت والجمعه فى اليهودية والاسلام : مرجع سابق،ص143 .
    81-ابن ماجه ( الحافظ ابو عبدالله محمد يزيد القزويني ، سفنابن ماجه ، حقق نصوصه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي ، ج1 ، دار الفكر ، بيروت ، ص343:344؛ (نقيع الخصمات) : موضع بنواحي المدينة ، (هزم) : هو المطمئن من الارض .
    82-إسناده صحيح .انظر : البيهقي ص 172:247 ، ابن العربي ص287 .
    83-حديث حسن صحيح رواه مسلم وابو داوود ،والنسائي والترمذى.
    84-المنتقى – شرح موطاً الإمام مالك ، ج 1 ،دار الكتاب العربيببيروت .
    85-الغزالى ،ص120.
    86-المرجع السابق ،ص130 .
    87-ابن ماجه ،ص345 .
    88-رواه ابن ماجه ، انظر : سابق ص250 .
    89-المياركفورى ص616 .
    90-رواه احمد ، قال العراقي انه صحيح انظر سابق ص250 .
    91-انظر السبت والجمعة بين اليهودية والاسلام ، مرجع سابقص169 .
    92-انظر السبت والجمعة بين اليهودية والاسلام ، مرجع سابقص170 :175 .
    93-الغزالي ،ص143 .
    94-انظر ابى داوود . سنن ابى داوود راجعه وعلق عليه محمدمحى الدين عبدالحميد .
    95-النووى ص131 ، ابن مسلم ، ص3 ، المناوى ص324 .
    96-العقلانى ،ص358 .
    97-مرجع سابق ص 193 .
    98-مرجع سابق ص198 .
    99-عاشور ، ص111 ، الغزالى ، ص134 .
    100-عاشور ،ص111 ، وانظر القسطلانى ص162 .
    101-ابو داوود ، ص 14 . _الراجم : جمع برجمة –واصل البراجمالعقد التى تكون على ظهور الاصابع ، والمراد بها هنا المواضع التى يجتمع فيها الوسخ) .
    102-البيهقى ، ص244 .
    103-السهيلي ،ص198 .
    104- على (جواد ) ، المفصل فى تاريخ العرب قبل الاسلام ،دار العلم للملايين ، بيروت .
    104- القرطبى ج10 ، ص199 .

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 09-08-2021, 06:46 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي


الخاتمة



كثر فى هذهالايام التهجم على الاسلام من حيث فروعة المختلفة ؛ العقيدة والشريعة والقرآن الكريموالتاريخ الاسلامى والحضارة الاسلامية لقد شكل أعداء الاسلام حقدهم على كل ما يتصفبالاسلام وللاسف الشديد انهم استخدموا ابناء المسلمين انفسهم انذاك لاطفاء نور الله.نعم انهم حاولوا قبل ذلك وفشلوا ليقظة المسلمين اذ كانوا يدرون بما يخطط حولهم سراوعلانية


واليوم نحنفى حاجة الى هبه وفزعة قوية لابناء امتنا الاسلامية فقد استغل اعداء الاسلام ضعف تلكالامة واخذوا يطعنون فى الاسلام شكلا ومضمونا ,مما ادى الى بعض مأفوني العقول من المسلمين قاموا بحرق المصحف,ومنهم من مزقة وجعله مناشف للايدى والارجل ومنهم من قام من الفتيات العاريات ومعهنالمصحف يلهون به بين ارجلهم حاشا لله تعالىوالغريب ان من يقوم بذلك هم ابناء المسلمين


والاعجب منذلك ان بعض ملوك و رؤساء العرب قد سايروا اعداء الاسلام فى ركبهم فانقلبوا على القرآنوعلى الشريعة الغراء يعزلونها فى جانب ويحطون من قدرها ويشيدون بالعلمانية التى تفصلالدين عن الدولة وقد تم لهم اعتقال رجالات الجماعات الاسلامية ومحاكمتهم محاكمات جائرة


لقد ادى استهتارنابالدين الى ضعف الامة العربية الاسلامية وقد كان هذا الضعف سببا فى تكالب امم الغربلنهب ثروات البلاد وفرض جزية ضخمة تعد بالمليارات لتثبيت عروشهم التى سوف يزلزلها اللهليظهر الحق من الباطل. ولم يكتفى بما حصلة من اموال بل راح يعبث باقتصاد العرب وبمايمتلكون من ثروات طائلة كالبترول والغاز وهم يعبرون عن ذلك جهرا فإن العرب جرزان لاينبغى ان يتمتعوا بتلك الثروات


والادهى منذلك هو تغير عقيدة المسلمين فى القتال فبعدما كانت اسرائيل والصهيونية هى العدو الاولاصبحت اليوم هى الصديق والحبيب ووجهة المدافعلقتل اخواننا المسلمين بحجة الارهاب وكل من يخالف السياسة العليا او كان له راي حر


كذلك ينبغىان نتمسك بحضارتنا الاسلامية تلك الحضارة التى انارت بالعلم والمعرفة شعوب الارض قاطبةًوانقذتهم من جهل احاط بهم قرون وقرون .واليوم ياتى حاقد يشوه تلك الحضارة التى تخلفناعنها ويدعونا الى نبزها وعدم الرجوع اليها.والحقيقة غير ذلك فالحضارة الاسلامية حضارة قوية ذات قدرة وقيمة ولكنها اليوم تخلفتبسبب تخلف ابنائها فعلى المفكرون والنقاد ومحبى التاريخ الاسلامى وحضارتة الاسلاميةان يألفوا فيه بحوثا قيمة وان يصلوا الى درجات علمية فى الجامعات المصرية وغير المصريةمنحازين الى حضارتهم ورافعين لواءها .


وقد حاولتاسرائيل القيام بحفريات حول المسجد الاقصى زاعمين وجود هيكل النبى سليمان ولكن كل الحفريات بلا استثناء لم تصل الى هدفهم ولم يظهراى اثر من اثار دولتهم القديمة كما يدعون. فالقدس ذات طابع عربى اسلامى وهى عمارة مخصصة ذات طابع اسلامى عربى .


اما عن اضاليلاليهود حول القرآن والسنه فهى اضاليل قد اثبتنا كذبها وشيوعها فى بعض الاماكن المختلفةمثل قصة سيدنا يوسف تجدها غاصة بالاسرائيليات التى نقلها بعض رجالات تفسير القرآن القدماءوكتاب التاريخ ايضا فقد كانوا يرون عن بنى اسرائيل ما يسمعونة دون تدقيقمن امثلة الاسرائيليات ايضا الحديث عنادم وخروجه من الجنة, وابنى ادم قابيل وهابيل ,وقصة ملكة سبأ وسليمان وغير ذلك من قصصحيكت حولها الاسرائيليات كذبا وزورا لذا يجب علينا وعلى المعاهد العلمية ان تنقى بعضكتب التفاسير والحديث النبوى الشريف من تلك الاسرائليات وهذا هدف علمى نبيل فى حد ذاتة


كما تحدث الكتابعن محاولة التطبيع التى تسري الان بين ابناء الامة العربية والحقيقة ان هذا التطبيعستستفيد منه اسرائيل دون العرب وهناك نتائج اخرى منبثة فى الكتاب يمكن الرجوع إليها. هذا وندعوا الله ان يجعل هذا العمل خالصا لوجهة الكريم وهو نعم المولى ونعم النصير.



__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 09-08-2021, 06:47 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي


قائمة المصادروالمراجع








أولا:أهمالمصادر





القرآن الكريم


1- سيد قطب - ظلال القرآن


2 - القرطبى - الجامع لأحكام القرآن


3- تفسير بن كثير


4- صحيح البخاري


5- صحيح مسلم


6- سنن النسائي


7- ابى داوود - سنن ابى داوود راجعه وعلق عليه محمد محى الدينعبدالحميد .


8- سنن الترمذي


9- سنن ابن ماجه


10- فتح الباري شرحصحيح البخاري- بن حَجَر العسقلاني - دار المعرفة، بيروت


11- الشيخ / عبدالعظيم الزرقانى - مناهل العرفان فى علومالقرآن - ط عيسي البابي الحلبي


12- جرجس (نجيب ، الارشيدياكون) تفسير الكتاب المقدس ، شرحسفر الخروج ، القاهرة د.ت .


13- قاموس الكتاب المقدس - ط دار الثقافة الاتفاق مع رابطة الإنجيلين بالقاهرة_ط العاشرة 1995 م.


14- إنجيل لوقا الإصحاح الأول 7 – 22


15- فيكتور مالكا - مناحم بيجن التوراة والبندقية


16- نجيب جرجس - تفسير سفر اللاويين ، المجتمع اليهودى


17- عبدالمسيح بسيط ابو الخبير- الإعلان الإلهى وكيف كلم الله الإنسان - مطبعه المصريين القاهرة 1997م .


18- ابن الأثير الكامل - طبعة ليدن .


19-ابن خلدون - المقدمة – تاريخ ابن خلدون


20- مؤلف مجهول كتاب " الاستبصار فى عجائب الأمصار" الإسكندرية 1958م


21- ابن خلكان فى كتابه - وفيات الأعيان وأنباء الزمان- المطبعة الميمنية مصر 1310هـ


23- الامام الغزالى - إحياء علوم الدين


35 ـ أبو عبد الله محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي المعافرياليماني - كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة - مكتبة الساعي – الرياض - 2012 م





ثانيا: أهم المراجع




22- أحمد شلبى . موسوعة التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية، الجزء الأول ، مكتبة النهضة المصرية . القاهرة ط الحادية عشر 1984م .


24- مصطفى الشكعة ، مناهج التأليف عند العلماء العرب . دارالعلم للملايين، بيروت 1974م.


25- عفت محمد الشرقاوى ، أدب التاريخ عند العرب ، دار العودة، بيروت بدون تاريخ .


26- مناع القطان - مباحث فى علوم الحديث - مكتبة وهبة , القاهرةط أولى - 1987 م


27- دكتور نعمانعبد الرزاق السامرائى - أضواء على تفسير التاريخ- مكتبة المعارف - الرياض – السعودية – ط الأولى – 1984م


28- محمود الشرقاوى ، التفسير الدينى للتاريخ - الناشر:كتابالشعب


29 ـ بروتوكولات حكماء صهيون ترجمة محمد خليفة التونسى .


30- محمود ثابت الشاذلى-الماسونية عقدة المولد وعار النهاية– مكتبةوهبة للطباعة والنشر- 1990م


31- الدكتور محمد حرب عبد الحميد كتاب " مذكرات السلطانعبد الحميد " دار الأنصار القاهرة .


32 ـ الشيخ عبد الله بن زيد كتابه سابق الذكر "لا مهدىينتظر بعد الرسول محمد خير البشر" الطبعةالثانية عام1980م .


33 ـ أحمد أمين - المهدي والمهدوية-مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة – ٢٠١٢و كتاب" ظهر الإسلام " المجلد الثانى دار الكتاب العربى بيروت الطبعة الخامسة1969م


34- الإمام القاضى عياض- الشفا - طبعة استانبول .


36- عباس محمود العقاد - حقائق الإسلام وأباطيل خصومه - مؤسسةهنداوي للتعليم والثقافة-2012


37- محمود عباس العقاد- الشيوعية والإنسانية فى شريعة الإسلام - طبعة دار الكتاب العربى


38- عبد الرحمن على الحجى نظرات فى التاريخ الإسلامى- دارالعصام . القاهرة.


39- الدكتور محمد عبود- منهجية الاستشراق فى دراسة التاريخ الإسلامى - المنظمة العربية للتربية والثقافةوالعلوم


40- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْمازالذهبي - ميزان الاعتدال في نقد الرجال - دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت– لبنان- ط 1963 م


41- عبد الرحمن السيوطيجلال الدين - اللالئ المصنوعة في الاحاديث الموضوعة – ط2-دار المعرفة- 1975م


42- ابن حجر العسقلاني - فتح الباري - طبعة دار الحديث –القاهرة – الطبعة الاولى 1998م.


43- أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابىالحنفى بدر الدين العينى - عمدة القاري شرح صحيح البخاري - ط دار الفكر- بيروت-1978م .


44-السيوطى - الإتقان فى علوم القرآن - ط المشهد الحسيني –القاهرة- الطبعة الاولى1967


45- قاموس المنجد في اللغة والاعلام – ط , دار المشرق –بيروت– 1973 ط الحادية والعشرين .


46- ابن ماجه ( الحافظ ابو عبدالله محمد يزيد القزويني ،سفن ابن ماجه ، حقق نصوصه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الفكر ، بيروت


47- أبو الوليد الباجي – المنتقى شرح الموطإ - مطبعة السعادة- بجوار محافظة مصر- ط الأولى، 1332 هـ


48- محمد فرج- المدرسة العسكرية الإسلامية- دار الفكر العربىالقاهرة .


49- عبد الرحمن الحجي-نظرات فى دراسة التاريخ الإسلامى – مكتبة الصحوة-ط3منقحة1979م


50- أنور الجندي - المخططات التلمودية اليهودية الصهيونية– دار الأعتصام - ط2 1977م


51- دكتور محمد زغروت كتاب دور يهود الدنمة فى اسقاط الخلافة العثمانية- وكتاب أثر الفكر اليهودى فى كتابة التاريخ الإسلامى-دار الطباعة والنشر الإسلامية القاهرة مدينة نصر .





52- الدكتور عفيف البهنسى المصدر:يوم القدس: أبحاث الندوةالسادسة "هوية القدس العربية والإسلامية" 2-5 تشرين الأول 1995م – عمان


53- جلال العالم - قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدواأهله


54- الأستاذ أنور الجندى - الخنجر المسموم الذى طعن به المسلمون- دار الاعتصام للطباعة والنشر والتوزيع, 1979


55- الدكتور شوقىأبو خليل - الإسقاط فى مناهج المستشرفين - دار الفكر المعاصر بيروت طبعة أولى


56- د/محمد أبو شهبه - الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير- مكتبة السنة - 1408


57- إبراهيم عوض - دائرة المعارف الإسلامية الإستشراقية


58- ويليام جيمسديورَانت - قصة الحضارة - دار الجيل، بيروت- لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس - 1988 م


59- عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي- الدر المنثور - دار الفكر – بيروت- 2010 م


60- د. خالد عبدالقادر - ابن تيمية (رد مفتريات ومناقشة شبهات) - ، مكتبة الرشد ، السعودية ، ط 1 ،2011 م


61 - المستشار / حسن جلال - الثورة الفرنسية - ط لجنة التأليفوالترجمة والنشر – القاهرة 1960 .


62 - الدكتور / سفر الحوالى - العلمانية - رسالة ماجستير- قدمت في جامعة ام القرى بالسعودية


63- محمد أبو زهرة - العلاقات الدولية فى الإسلام - دار الفكرالعربى - ط الأولى


64- إحسان حقى- آراء فى محاضرات- مؤسسة الرسالة طبعة أولى1985م .


65- محمد عبد العزيزمنصور -اليهود المغضوب عليهم - دار الاعتصام


66- ظفر الدين خان- التلمود تاريخه وتعاليمه نقلا عن كتابقبل الكارثة نذير ونفير


67- " أحمدعطية الله - القاموس السياسى


68- يوسف الحاج هيكل سليمان أو الوطن القومى لليهود


69- محمد علي الزعبي- الماسونية فى العراء- ط الأولى -الناشرمعتوق إخوان -1972م


70- وليم كار- احجارعلى رقعة الشترنج ، ترجمة سعيد جزائرى د/ دارالنفائس –بيروت1979 .





71- هـ. ج. ويلز - معالم تاريخ الإنسانية – الهيئة المصرية العامة للكتاب - ط الثالثة


72- مصطفى بن حسني السباعي- السنة ومكانتها فى التشريع الإسلامى- المكتب الإسلامي - دار الوراق للنشر والتوزيع- ط الأولى، سنة 2000 م


73-د/ علي عبد الواحد وافي - الاسفار المقدسة في الاديانالسابقة للإسلام – مكتبة نهضة مصر بالفجالة 18 شارع كامل صدقى – ط الأولى 1964م


74-د/ حسن ظاظا- الفكر الدينى اليهودى طبعة القلم- دمشق– الطبعة الثالثة 1995 .


75-د/عبد الوهاب المسيرى - موسوعة اليهود واليهودية5/319، 320طبعة الشروق القاهرة –الطبعة الاولى 1999م .


76-رحمت الله الهندي - إظهار الحق- الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاءوالدعوة والإرشاد – السعودية- ط الأولى، 1989 م


77- د/ وافى - اليهودية واليهود - ط دار نهضة مصر- القاهرة.


78- د/ محمد محمد ابو شهبة : المدخل لدراسة القرآن الكريم.


79- د/ رؤوف شلبي : الوحى في الاسلام - مطبعه حسان- القاهرة1978م .


80- د/ محمد بحيرى ابراهيم - القرآن المبين وكيف نزل به الروح الامين 1/46 -دار الطباعة المحمدية – القاهرة – الطبعة الثانية 1984م .


81-د/ محمد الهوارى - كتاب الجمعة والسبت فى اليهودية والاسلام- الطبعة الاولى 1408هـ ، دار الهانى للطباعةوالنشر .


82- الدكتور جواد علي - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام- دار الساقي - طالرابعة 2001م





الدوريات





84-دائرة المعارف الإسلامية – طبعة4 - دارالشعب القاهرة


85- -بطرس البستانى - دائرة المعارف- طبعة المعرفة بيروت1882.


86-دائرة المعارف البريطانية ، طبعة 1964م


87- مقال محمد الصادق صحيفة البيان الإماراتية 5/ 3 /2003


89- مقال أحمد عثمان بعنوان فشل رجال الآثار فى العثور علىبقايا الملك سليمان فى فلسطين جريدة الشرق الأوسط - العدد 8636 فى 21/7/2002م





91- محمد الصادق - أثريون يؤكدون عروبة القدس بألف وثيقةالقاهرة - صحيفة البيان الإماراتية 5/3/2003م


92- مجلة البيان عدد 159 بتاريخ 1421ﻫ

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 09-08-2021, 06:47 PM
الصورة الرمزية د ايمن زغروت
د ايمن زغروت غير متواجد حالياً
رئيس مجلس الإدارة
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
الدولة: مصريٌ ذو أصولٍ حجازية ينبعية
المشاركات: 12,101
افتراضي

محتوياتالكتاب
الموضوع الصفحة
المقدمة .................................................. ..............................................3
الباب الاول
تسرب الفكر اليهودىفى التاريخ الإسلامى؟
المبحث الأول:
المراحل الأولى لكتابة التاريخ "منافذ التسريب"
أولا: مرحلة الـرواية الشفهية .................................................. ....................12
ثانيا : مرحلة التدوين التاريخى .................................................. .................15
ثالثا: مـرحلة التـاريـخ العام .................................................. .....................18
المبحث الثانى:
الظروف المواتية لتسرب الفكر اليهود
أولا: تــلاحم البــؤر اليهـوديـة عبـر العصـور .................................................. .22
ثانيا: طــرق انتقـال الفكــر اليـهـودى المبكـر........................................... ..........23
ثالثا: البناء الفكـرى اليهودى فى المجتمعات الإسلامية......................................... .24

الباب الثانى
فكرة التاريخ بينالتصور الإسلامى والعبث اليهودى

المبحث الأول:
فكرة التاريخ عند المسلمين واليهود
أولا: فكرة التاريخ عند المسلمين.......................................... .........................32
ثانيا: فكرة التاريخ عند اليهـود........................................... .........................39

المبحث الثانى:
موقف اليهود من تفسير التاريخ الإسلامى
أولا: التفسير العرقى اليهودى للتاريـخ.......................................... ..................44
ثانيا: التفسير الجبرى اللاهوتى للتاريخ........................................... .................47
ثالثا: التفسير المادى اليهودى للتاريخ........................................... ...................51
رابعا التفسير القومى اليهودى للتاريخ........................................... ..................54


الباب الثالث
أمثلة لأضاليلاليهود فى الفكر الإسلامى
المبحث الاول:
الأرض المقدسة والهيكل فى الفكر اليهودى
القضية الأولى: اليهود وخرافة شعب الله المختار........................................... ......64
القضية الثانية: الأرض المقدسة والهيكل فى الفكر اليهودى......................................66

المبحث الثانى:
الحفريات ومزاعماليهود
القضية الأولى: دور الحفريات فى تعرية مزاعم اليهود..........................................73
القضية الثانية: عمارة القدس ذات طابع عربى إسلامى..........................................78


المبحث الثالث:
سياسة التطبيعبين العرب وإسرائيل
ما هو التطبيع؟.......................................... ...........................................85
اختلاف المسلمين والعرب حول قضيةالتطبيع....................................... ........... 86
التطبيع من منظور اسرائيلى صهيونى............................................ ................92
العرب وإسرائيل.. التطبيع من أجل الخلاص............................................ .........97
لماذا تعتبر فرص التطبيع ضعيفة؟............................................ ....................99


الباب الرابع
من أضاليل اليهودفى تفسير القرآن الكريم والحديث الشريف
المبحث الأول:
من أضاليل اليهودفى القرآن الكريم
المبحث الأول:من أضاليل اليهود فى القرآن الكريم............................................ .107
المبحث الثانى:
الإسرائيليات فىالقرآن الكريم
المبحث الثانى:الإسرائيليات فى القرآن الكريم............................................ .......137
المبحث الثالث:
أضاليل اليهودفى الحديث الشريف
المبحث الثالث: أضاليل اليهود فى الحديث الشريف............................................ 168
المبحث الرابع:
التأثير والتأثربين الإسلام واليهودية
اولا: بين الاسلام واليهودية......................................... .............................177
ثانياً:الاخلاق فى سفر اللاويين ومقارنتها بالاخلاق فى الشريعةالاسلامية...................186
ثالثاً:من مظاهر التأثير والتأثر بين السبت والجمعة........................................... ..193

__________________
" تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ " القصص/83.
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حركة التاريخ بين قدر الاستبداد وحرية الاختيار الارشيف مجلس فلسفة التاريخ و حركة التاريخ و تأريخ التاريخ 0 15-02-2020 03:57 PM
اثر النسابين في تدوين التاريخ العربي الإسلامي ايلاف مجلس علم الانساب و قواعده 0 12-08-2019 02:34 PM
عبد الله ابن سبأ اليهودي مؤسس التشيع السيد حسين بامالك الهاشمي موسوعة الفرق و المذاهب ( الملل والنحل ) 5 05-04-2017 10:08 PM
فلسفة التاريخ الإسلامي.. من الخلافة إلى النظام العالمي د ايمن زغروت مجلس فلسفة التاريخ و حركة التاريخ و تأريخ التاريخ 5 30-06-2016 07:36 AM
قصة الحضارة الإسلامية محمد محمود فكرى الدراوى مجلس التاريخ الوسيط 0 13-02-2010 10:05 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 03:13 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه