..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - قراءة معاصرة في تاريخ عرب الهولة - بقلم جلال الانصاري
عرض مشاركة واحدة
  #25  
قديم 08-11-2012, 04:11 PM
الصورة الرمزية القلقشندي
القلقشندي غير متواجد حالياً
كاتب و محقق أنساب
 
تاريخ التسجيل: 01-10-2009
المشاركات: 1,968
افتراضي

ما بين السندباد البحري والبدوي ابن الصحراء
الهولة «الحلقة الخامسة والعشرون»

الوقت - جلال الأنصاري- قسم الدراسات والتطوير:
لكل منطقة في العالم ظروفها الخاصة، ففي أميركا مثلا استطاعت (هوليوود) القضاء على هوية الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين، في حين لا يزال عرب الأحواز يقاتلون في منطقة الجنوب الإيراني سعيا في الحفاظ على هويتهم العربية، وأعتقد بأن منطقة حوض الخليج العربي هي الأخرى في صراع من أجل الحفاظ على الهوية ولكن بشكل آخر مختلف عن الأمثلة السابقة. في العادة يقاتل الناس من أجل الحفاظ على الهوية، ولكن في منطقة حوض الخليج يقاتل الناس لإبدال تلك الهوية! فقد مرت منطقة حوض الخليج العربي بظروف سياسية صعبة تنازع فيها العرب والفرس، ويمكننا القول إن ذلك الصراع مر بمرحلتين أساسين: المرحلة الأولى اتصفت بروح القوميات فاشتد الصراع حول تسمية الخليج هل هو عربي أم فارسي، وكان ذلك زمن الشاه الأب رضا بهلوي والشاه الابن محمد رضا بهلوي، الذين أطلقوا في الخليج عبارة (بحرين مال مو) ... أي (البحرين لنا)، وخلال هذه الفترة اتصف العرب بالوحدة القومية سنة وشيعة ودروز ونصارى ....الخ. وأما المرحلة الثانية فكانت ذات طابع ديني، وهي الفترة التي تبدأ باعلان الثورة الاسلامية الايرانية أو الثورة الخمينية، ومن أشهر صفات هذه الفترة انقسام الصف العربي إلى سنة وشيعة، ومع ارتفاع وتيرة الحرب الدينية تطورت إلى سني وشيعي ومسلم ونصراني.
وخلال المرحلة الأولى (الصراع القومي) اشتد الصراع الإعلامي بين دول الخليج العربي وإيران، ومن النماذج على حدة الصراع في تلك الفترة ننقل النص التالي عن صحيفة صوت البحرين:
بعثت إيران باحتجاج رسمي إلى باكستان لأنها اعتزمت فتح مكتب تجاري باكستاني لها في البحرين دون أن تحصل على الترخيص اللازم وتقول إيران في احتجاجها بأنها تعتبر البحرين جزءا لا يتجزأ منها(1).
من المعلوم أن فترة منتصف القرن الرابع عشر الهجري شهدت أحداثاً مهمة في منطقة حوض الخليج العربي ومن أهم هذه الأحداث، أعلن الملك عبدالعزيز قيام المملكة العربية السعودية وذلك بعد أن ضم الحجاز وعسير إليها، وفي المقابل أعلن الشاه رضا بهلوي في الفترة ذاتها قيام الامبراطورية الشاهنشاهيه الإيرانية، وذلك بعد إسقاط دولة (قاجار) وضم الامارات العربية في السواحل الايرانية وعلى رأسها الأحواز. في حين أن بقية دول الخليج الأخرى كالكويت والبحرين وقطر، تم إعلان قيامها كدول ذات سيادة ولكن بقيت لفترة تحت الحماية البريطانية حتى العام 1360هـ تقريبا، وفي هذا الفترة أعلنت الكويت الاستقلال وواجهت مشكلة مطالبة العراق بأحقيتها في الكويت، مما أدى إلى تدخل الملك سعود، وحال دون ذلك بإرسال قوة عربية سعودية مصرية سودانية إلى الكويت (2). في حين أن البحرين وباقي امارات الخليج التسع فكروا في اتحاد تساعي يضم الجميع. ولكن وبمجرد تفكير البحرين بالاستقلال ظهرت مطالب إيران في البحرين وأدى ذلك إلى تخوف باقي الإمارات من الوقوع في مشكله مع إيران وخصوصاً وأن إيران تطالب ببعض الجزر التابعة للشارقة ورأس الخيمة. وكنتيجة لهذه الأوضاع هاجمت الصحافة البحرينية رأس الخيمة ودبي، وأشارت البحرين عبر الصحافة إلى أن دبي ذات أغلبية إيرانية وكذلك رأس الخيمة، وفي -اعتقادي- بأن هذه الأسباب مجتمعه كانت بداية إعلان الكراهية للجاليات الايرانية (بالجملة)، مما نتج عنه لاحقا مشاكل عديدة غفل عنها حكام الامارات الخليجية والإعلاميين وهي تداخل المجتمع العربي في الساحلين العربي والإيراني ممثلا في مئات السنين من التنقل والتصاهر بين هذه القبائل، وانتهى الأمر إلى (فقد ثقة المواطنين) في انفسهم فزادت وتيرة تبادل التهم (انت هولي سمعت ذلك من زمن؟) لا أنت ايراني؟ وهكذا.
عروبة الخليج
وفي هذه الفترة -على ما اعتقد- تطورت لدى المجتمع الخليجي البسيط أمثال يحاربون بها ادعاءات الشاه في البحرين بطريقتهم الخاصة، والتي منها (العجم امهات الكداوة والبصل) وما إلى ذلك من العبارات المعبرة عن كراهية العجم، بطريقة شعبية.
وفي الجانب الآخر ركز الاعلام الخليجي إلى التأكيد على عروبة سكان الخليج بربط انتمائهم إلى أصول القبائل العربية في بطن الجزيرة وان استيطان تلك القبائل للسواحل والجزر الخليجية كان طارئاً، إلى أن انتهى الأمر بزياد وتيرة الصراع العربي الفارسي بتأسيس ''مجلس التعاون الخليجي'' حماية للمصالح العربية الخليجية المشتركة التي تهددها إيران ممثلة بالثورة الإسلامية الإيرانية، وخلال هذه الفترة أفرز لنا الصراع العربي الإيراني إفرازات اجتماعية عديدة، أكثر تعقيداً قسمت المجتمع إلى جماعات وطوائف، وباندماج المرحلتين القومية والدينية لاحقاً ظهرت لنا نماذج عديدة بديلة أسميتها ''بالنماذج القدوة''.
تطور النموذج «القدوة»
أفرزت لنا تلك الفترة من الصراع العربي الفارسي إفرازات هامشية لكنها خطيرة، أثرت سلباً في أفراد المجتمع فتطور عن ذلك، ما نستطيع أن نطلق عليه ظاهرة النموذج (القدوة) وهو بروز جماعة أو طائفة ما في وقت وظروف موائمة، تتيح لتلك الجماعة أو الطائفة أن تعرض وتسوق لمميزاتها وثقافتها، مما يجعل الجماعات الآخرى الفاقدة لهويتها، تنبهر وتنقاد لها وتقلدها. وهذه النماذج (القدوة) متعددة وتجعل الإنسان ومجتمعه يتصورون بأنها تمثل الكمال. ولا شك أن هذه النماذج (القدوة) تحتاج إلى الدعم المالي والاعلامي بأنواعه سواء كان شعرا يردد أصناف المدائح أو من خلال الصحف والوسائل الأخرى الحديثة.
وهذا النموذج (القدوة) يتبدل حاله بمرور الزمن فيهرم ويموت بنهاية الظروف التي أوجدته، في حين تتهيأ الظروف لظهور نموذج (قدوة) آخر جديد يشغل الفراغ. وعادة ما يواكب هذا التغير والتحول والنبذ والتبرؤ من النموذج القدوة (الهرم) والعمل على كتم أنفاسه الأخيرة، وقد يصادف أن نجد عدة نماذج (قدوة) في فتره وزمن واحد في صراع، كل يروج ويغني لكسب المعجبين ومثال تلك النماذج، النموذج (السني والشيعي) في هذه الفترة.
والشاهد من الموضوع بأن منطقه الخليج العربي شهدت أعداداً كبيرة من هذه النماذج القدوة، والنموذج (القدوة) الهرم في فترة هذا البحث هو الشخصية الخليجية ممثلة في (السندباد البحري) الذي لم يترك موضعا أو جزيرة في حوض الخليج العربي إلا وله فيها أثر، وهذا النموذج (القدوة) في شبابه كان يفاخر بأنه نموذج فريد من نوعه هو النموذج الأكثر انفتاحا على شعوب العالم من الهنود والإيرانيين والأوربيين والأفارقة وغيرهم، كان نموذجا متعددا للغات، (تاجر). ولكن وكما ذكرنا بأن النموذج القدوة مقيد بدورة حياة ينتهي بنهايتها، فقد لفظ أنفاسه الاخيرة بظهور النموذج القدوة (العربي ابن الصحراء) الفتى الذي ظهر في وقت القوميات والثورة العربية ضد الأتراك. جاء في ظل هذه الشعارات من بطن الجزيرة العربية كنموذج قدوة جديد مفاخر بنقاء العروبة في لغتها وأصالتها وعدم تأثرها بقوميات أخرى، وهيأت الظروف لولادة هذا النموذج الجديد أثناء الحرب ضد الأتراك في الأحساء والحجاز والأردن وسوريا.
ومع تفجر الذهب الأسود استغنى الناس عن السفر لكسب الرزق، فزادت قوة هذا النموذج، وأصبح النموذج القدوة الهرم (السندباد البحري) يفتقد لهذه المواصفات فهو النموذج الذي خالط مختلف الأعراق والقوميات وأصبح تشوبه بعض صفاتهم، فشاءت الظروف الإجهاز عليه بالتركيز على مثالبه إعلاميا. فانهالت عليه سياط الصحافة والاعلام الخليجي ومن امثلة ذلك النص التالي نقلا عن صحيفة صوت البحرين لعبدالله الزايد:
الجوازات البحرانية. أفضى إلي شاب غيور قدم حديثا من المناطق الشمالية من المملكة العربية السعودية النائية أن بعض الأجانب.. وغيرهم ممن يحملون الجنسية البحرانية يخجلوننا أمام السعوديين، فهم.. لا يحسنون نطق اللغة العربية (3).
هذا الموضوع الساخر الذي نشرته مجلة صوت البحرين العام 1372هـ ولم تشر المجلة إلى اسم كاتب الموضوع، كان عبارة عن غيض من فيض وجزء بسيط من إفرازات الحرب الإعلامية التي دارت في تلك الفترة بين العرب والعجم، وكانت هذه الحرب لها مبرراتها في تلك الفترة ولكنها أثرت على الهوية الخليجية أقصد نموذج (السندباد) الذي أصبح مشبوهاً، وخصوصاً إذا ما تم مراعاة الأجواء السياسية في تلك الفترة التي كانت ترفع لواء ''القوميات'' لحشد الجماهير.
إفرازات اجتماعية وشعارات
ولكن الخطأ يكمن في عدم الالتفات إلى الافرازات الاجتماعية الجانبية والاستمرار في إطلاق تلك الشعارات، التي من المفترض أن تكون وقتية مع الالتفات إلى علاج الأضرار الجانبية لها. فالجماهير البسيطة لا تميز ولا ترى ''الأطر الوقتية'' التي تلازم توجه سياسي معين مرتبط بقضية محددة كقضية ادعاء إيران بأحقيتها بدولة البحرين (بحرين مال مو). فالحقيقة أن الخبر المنشور في مجلة صوت البحرين لا يمثل حقيقة الأمر. أمر غريب على (نموذج السندباد) - أي - المجتمع البحريني ولم تكن وليدة اللحظة ولكن حالة عدم الاتزان السياسي والاجتماعي والثقافي في تلك الفترة وخصوصاً بعد سقوط الحكم العثماني في الجزيرة العربية وقيام الدولة الحديثة الفتية وإعلان ولادة إمارات عربية أخرى شكلت نوعا من فرط التوازن في المنطقة فأصبح أهل البحرين على احتكاك بنموذج (قدوة) عربي جديد وقوي ممثل في الدولة السعودية حصن العرب المنيع، والذي هيأت له تلك الأجواء فرض نفسه وبقوة. كيف لا وهو يمثل أصل ونقاء العروبة، في حين أن جزيرة البحرين أخذت تخسر مكانتها في الخليج بنهاية عصر الملاحة واللؤلؤ، فأخذ أبناؤها يبدلون ماضيهم كونه يمثل ''نموذج السندباد''.. التجارة والثراء والثقافة المهدد من إيران وربما من نقاء العروبة أيضا.
تلك الأجواء وهذا الوضع دفع الجميع إلى التنكر إلى نموذج (السندباد).. التنكر لكل صفة من صفاته، فقد كانت صفاته تتنافى وصفات النموذج الجديد (العربي ابن الصحراء). يحق لنا التعجب هنا. في حين أني أرى حاليا في زمننا هذا تبدلا وتغيرا واضحا خصوصا مع ظهور القوة الاقتصادية الكبيرة في دولة الإمارات. فقد أصبح هاجس أبناء هذه الفترة ربط العصابة الإماراتية وترديد القصائد والأغاني الإماراتية وهز الرؤوس والعصي (نموذج جديد).
وخلاصة ذلك يجب الانتباه إلى تأثير الأحداث الوقتية الطارئة وعدم التأثر بها ما أمكن والعمل على مراجعة الآثار المترتبة على ذلك وتنقيتها أولا بأول، ومنها عقدة إيران ونفي أية صلة بسواحلها وجزرها، وفعلا لكل زمان دولة ورجال.
وختاما.. صدق الشاعر اذ يقول في وصف ''عرب فارس'' التالي:
نحنُ أرضٌ ثروة بالخصب روضة
نحنُ شعبٌ عزز التاريخُ مجده
نحنُ والأحواز حصنُ العربي
نحنُ شعبٌ عربيٌ يعربي
''خزرجٌ'' (4) نحنُ ومنا طيها
وبني كعب وعترة الرسول
وبني لام وطرفٌ اهلُها
قد ملأنا البحر حتى طاش منا

هوامش:



1 . مجلة صوت البحرين، مجلة أدبية اجتماعية، المجلد الرابع، إصدار مركز الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة للثقافة والبحوث، ص.61
2 . العلاقات السعودية الإيرانية.
3 .مجلة صوت البحرين - ص .29
4 ينتشر عرب الأنصار الأوس والخزرج هؤلاء في منطقة الأحواز وعلى امتداد شريط ساحل الخليج العربي وصولا إلى مضيق هرمز
رد مع اقتباس