..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - كتاب تاريخ الأردن وعشائره لكاتبه د: أحمد عويدي العبادي
عرض مشاركة واحدة
قديم 25-02-2013, 10:33 PM   رقم المشاركة :[8]
معلومات العضو
باحث في الانساب
 
الصورة الرمزية حسام العامري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة palestine

افتراضي الحلقة الخامسة من كتاب تاريخ الأردن وعشائره للدكتور: أحمد عويدي العبادي

الحلقة الخامسة
من كتاب تاريخ الأردن وعشائره
للدكتور: أحمد عويدي العبادي

الباب الخامس : نور الإسلام Light of Islam

لا أرى أن هذا هو الموضع أو الكتاب الذي يتطلب موضوعه الحديث عن الإسلام والدعوة الإسلامية، ولكن ما يهمنا هنا،هو : دور نور الإسلام في صنع التاريخ السياسي والاجتماعي للأردن، وما ترتب على ذلك من نتائج اثرت على مسير التاريخ الى الابد في الاردن وخارجه .

لقد اعتنق الناس، أو الشعوب دين الإسلام في سوريا ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وبلاد ما بين النهرين حتى ما وراء السند والهند، نتيجة فتوحات قامت على ثلاثة عروض شرعية من القادة المسلمين لأمراء وملوك وقادة تلك البلدان، وهي: اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية، أو السيف، أي القتال. وهذا ما لم يحدث مع الأردنيين إطلاقاً.

1. لقد بدأ الإسلام يصل إلى قبائل الأردن من خلال التعامل التجاري والعشائري والدعوة والغزوات والامتداد العشائري والتداخل العشائري بين قبلئل الاردن وامتداداتها في شمال جزيرة العرب والحجاز ، حيث كانت مضاربها ومراتعها وتحركاتها تمتد من الحجاز إلى الأردن طولا وعرضا , فالغساسنة وجذام وقضاعة وكندة ولخم، وبلي والأنباط، كانوا يمتدون من أواسط الحجاز إلى الجولان وإلى دمشق، وبالتالي كان من يعتنق الإسلام منهم يدعو ابناء عمومته لاعتناق هذا الدين الجديد , على أنه الدين الحنيف وخاتم الأديان الذي بشر به سائر الانبياء والرسل والاديان من قبل ، وفيه عز العرب ووحدتهم. وتحريرهم من ربقة الاستعمار الرومي والفارسي , ومن عبادة الاوثان والرشك برمته , وكان لهذا الامتداد العشائري دور كبير في نشر الإسلام.

2. الغزوات الاسلامية المتتالية زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتي استمرت من السنة السادسة للهجرة إلى السنة الثالثة عشرة للهجرة، والتي كانت بمثابة حرب استنزاف للدولة البيزنطية والضغط النفسي والعسكري والاقتصادي عليها على الجبهة الاردنيةتحديدا ، وبمثابة توعية بالقوة واللطف معا لهذه القبائل , أن هناك دين جديد وحّد بين الأوس والخزرج وسموهم الأنصار، وبين فروع قريش ومع القبائل الأخرى من مكة المكرمة فاسماهم الدين الجدي : المهاجرون. وأن هناك مفهوم جديد لهذه العشائر قائم على الدين اولا , يدل على وحدتهم ونسيان ما بينهم من تارات ، فضلاً عن الاصطلاح الديني أن المهاجرين هاجروا لله ورسوله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدينهم وعقيدتهم، وأن الأنصار نصروا الله ورسوله في دينهم وعقيدتهم , وكانوا الملاذ الامن للرسول والمهاجرين والعقيدة ، وقاسموهم لقمة العيش والبيت والبساتين والنساء.



3. وجود رجال من أبناء القبائل الأردنية مقربين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثل دحية الكلبي من منطقة هان والذي كان رسول الله عليه السلام اوفده إلى هرقل، وكان معه يوم فتح مكة المكرمة، وكذلك زيد بن حارثة الكلبي وهو حبِّ The most beloved رسول الله صلى الله عليه وسلم والقائد الأول لمعركة مؤتة، والصحابي الوحيد الذي ذكره القرآن الكريم بالاسم في سورة الأحزاب ( وإِذْ تقُولُ لِلّذِي أنْعم اللّهُ عليْهِ وأنْعمْت عليْهِ أمْسِكْ عليْك زوْجك واتّقِ اللّه وتُخْفِي فِي نفْسِك ما اللّهُ مُبْدِيهِ وتخْشى النّاس واللّهُ أحقُّ أنْ تخْشاهُ فلمّا قضى زيْدٌ مِنْها وطرًا زوّجْناكها لِكيْ لا يكُون على الْمُؤْمِنِين حرجٌ فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إِذا قضوْا مِنْهُنّ وطرًا وكان أمْرُ اللّهِ مفْعُولًا (37) ) الأحزاب:37 .

كما أن القبائل الأردنية قد ساهمت في القتال مع القوات الإسلامية، وشارك منها حوالي 1800 فرد في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة المكرمة. ليس هذا فحسب بل إن العشائر الاردنية التي بقيت على دين النصرانية آزرت الجيش الإسلامي ضد الروم. فقد قام رجال نصارى من الغساسنة من أهالي قرية مؤتة وفتحوا أبوابها للجيش الإسلامي بكل ترحيب ومحبة , وقدّموا الطعام لهم والشراب، واعتنق أحدهما الإسلام، وبقي الآخر على نصرانيته.

ومع هذا فإن عملهم هذا كان له أبلغ الأثر في نفس رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وأمر ألا يؤخذ منهما ولا من أعقابهما جزية ولا خراج، وسماهم العزيزات، وهو الاسم الذي لا زال ملازماً لأعقابهم الكرام إلى يومنا هذا، وهم يعتزون بهذه التسمية النبوية الشريفة ، ويعتبرونها شرفاً عظيماً لهم. وببركة رسول الله عليه الصلاة والسلام لم تؤخذ من العزيزات جزية ولا خراج طيلة العصور الاسلامية حتى عام 1911 عندما قامت ثورة الكرك ضد الاحتلال التركي ، وصار هم الأتراك جمع المال من كل الرعايا من مسلمين ونصارى نهبا وسلبا وظلما وعدوانا . وقد اندرج هذا القانون الاسلامي على جميع نصارى الاردن حيث عوملوا معاملة المسلمين منذ ذلك الرضى النبوي الشريف على تصرفاتهم السامية الى يومنا هذا الذي نحن فيه . وبقيت العلاقة الوطيدة وصلة الرحم والمحبة بين الاردنيين من مسلمين ونصارى قائمة والحمد لله الى يومنا هذا . فهم يعودون لأصول واحدة وهم أبناء عمومة. وقد تغيّرت العقيدة، إلا أن صلة الرحم، والقرابة بقيت قائمة إلى الآن( التفاصيل في كتابنا التاريخ السياسي للعشائر الاردنية باللغة الانجليزية )

وكان من نتيجة ذلك أن التقسيم العشائري في الأردن قائم على الأحلاف العشائرية وليس على الدين . فهناك بالكرك الشراقا ( الشرق ) والغرابا ( الغرب ) ويتكون كل حلف من المسلمين والنصارى قبالة المسلمين والنصارى في الحلف الآخر. والأمر نفسه ينطبق على نصارى السلط : حارة واكراد , ونصارى قرى إربد حيث الانتساب العشائري للنواحي بغض النظر عن الدين ، وعجلون ايضا ( القصبة وقرى خيط اللبن وفي كل منهما مسلمين ونصارى يشكل كل منهم حلفا مع من يليه بغض النظر عن دينه ) ، فالتقسيم بالاردن هو تقسيم عشائري وليس تقسيما دينيا , وكل طرف يحترم دين الاخر , ولا يجروء احد شتم الاسلام امام النصارى ولا شتم النصرانية امام المسلمين . هكذا نحن في الاردن نحب بعضنا وتجد في العشيرة الواحدة، مسلمين ونصارى يتحدون معاً في الملمات والانتخابات والأفراح والعزاء والمصائب.فمثلا لو ان مشكلة حدثت بين الغرابا والشراقا او الحارة والاكراد , فان التجمع يكون على اساس عشائري وليس على اساس ديني .

4. الدروس والعبر: فقد سبق وقلنا أن النصرانية انتشرت في الأردن أكثر مما كانت عليه في الأقطار الأخرى مثل فلسطين وسوريا وأوروبا مثلاً. والسبب واضح جداً ـ كما قلنا ـ أن الأردنيين يرون في كل ركن وزاوية ما حلّ من غضب الله سبحانه بمن كفر من الأردنيين السابقين في العصور الغابرة، مثل قوم صالح وقوم ثمود، وقوم شعيب وقوم مدين، ثم قومه من أصحاب الأيكة، وقوم لوط، ( المؤتفكات ) وهذه كافية لإلقاء الرعب في قلوب من يريدون الكفر، لذلك استجاب الأردنيون لدين التوحيد الذي جاء به سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام ثم لما جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

وهناك سبب اخر هو ان الاردنيين القدامى يعتبرون سيدنا عيسى المسيح صلى الله عليه وسلم مولودا بالاردن في منطقة المغطس / وادي الخرار وان اختلفت الروايات في ذلك وذكرت بيت لحم والناصرة , وانه جاء برسالة التوحيد التي جاء بها اخوته من الانبياء : صالح وشعيب ولوط ويحيا وغيرهم , وانه بشر بسدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك مااشار اليه القران الكريم ( وإِذْ قال عِيسى ابْنُ مرْيم يا بنِي إِسْرائِيل إِنِّي رسُولُ اللّهِ إِليْكُمْ مُصدِّقًا لِما بيْن يديّ مِن التّوْراةِ ومُبشِّرًا بِرسُولٍ يأْتِي مِنْ بعْدِي اسْمُهُ أحْمدُ فلمّا جاءهُمْ بِالْبيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) / سورة الصف ).

وقد ذكرت كتب الرحالة والحغرافيين المسلمين ان الحواريين رضي الله عنهم ( اصحاب المسيح ) كانوا من غور الاردن , وهذا مايعزز النظرية التي ترى ان المسيح ولد وتربى بالاردن . لذلك نجد اقدم كنيسة بالعالم تم اكتشافها الى الان موجودة بالاردن وان اكثر شعب اعتنق النصرانية بعد ظهورها كان الشعب الاردني لان من الاسباب الرئيسة ان النبي ابن بلادهم بالولادة / التربية . وان الاردن كانت مركز اشعاع نور المسيحية التوحيدية في بواكيرها , كما كانت منطلق الجيوش الاربعة للفتوحات الاسلامية لنور التوحيد ايضا .وهذا سر من اسرار مباركة الله سبحانه للاردن , من جملة الاسرار الكثيرة .

بقيت الأحداث الغابرة والعقاب الإلهي في الذاكرة الجماعية للأردنيين، وكلما حاولوا نسيانها راوا اطلالها وركامها بأم أعينهم في غور الأردن، ووادي شعيب ومدين والكرك، ورأوا الحجارة السوداء التي هي مخرجات البراكين واحتراق الارض ، وأنهم معرّضون في أية لحظة كفر أن يصيبهم ما أصاب أجدادهم الأوائل.

5. التطلع للتحرر من الاحتلال البيزنطي الذي استمر حوالي ستمائة سنة، وهو الذي أنهى دولتهم العربية وهي دولة الأنباط، وبالتالي فإن الأردنيين كانوا يختزنون في الذاكرة الجماعية ما حلّ بالبتراء وهم يرونها خاوية على عروشها، وما حلّ بربة مؤاب والكرك وعمون وأم قيس وجدارا، حيث تم إبعاد الأردنيين منها، وأن اليونان والرومان ساهموا في القضاء على الممالك الأردنية من مؤاب حتى عمون وقضوا على المشروع الوطني الاردني في توحيد البلاد واقامة ادارة مركزية لها .

إذن كان هناك ثأر تاريخي ضد رياح السموم الغربية برمتها لا بد من أخذه، ولا مناص من الاستعانة بالقوة الجديدة وهي القوة الاسلامية ، التي هي من عقليتهم ونوعيتهم وجنسهم وعرقهم ودمائهم، وأن المبادئ التي جاء بها الإسلام هي التي يحتاجها الأردني في ذلك الحين وفي كل حين ايضا وهي: الحرية، العدالة، التحرر من عبودية البشر لعبادة ربِّ البشر، ونبذ الأصنام والطواغيت، ورفض الخضوع للاستعمار والاحتلال. وقد كانت معاناة الأردنيين من الاحتلال البيزنطي بحاجة إلى من يدعوهم للثورة والتحرر وهذا ما حدث. لذلك تظاهر الأردنيون بالوقوف مع الرومان حتى أخذوا منهم المخصصات المالية التي كسرت ميزانية الدولة البيزنطية ثم أشرعوا سيوفهم في وجه الاحتلال مع سيوف المسلمين.

وهكذا حسب الرومان أن السيوف الأردنية معهم ضد العرب المسلمين، وأغدقوا عليهم المال، وأمر هرقل بدفع المخصصات المعهودة ( للعشائر الاردنية ) التي لم تدفع سابقاً، وما يستحقونه عام مؤتة وبعدها بعام( اي دفع مخصصات ثلاث سنوات الحالية وما قبلها وما بعدها ) مما ساهم في انهيار ميزانية الدولة البيزنطية . وعند اللحظة الحرجة، ورغم استمرار معركة مؤتة عدة أيام لم يقتل من المسلمين سوى القادة الثلاثة ومعهم خمسة من الشهداء. هل يعقل أن معركة تستمر أسبوعاً أو أقل وقوام جيش النصارى الأردنيين مائة ألف فارس، ومثلهم من الروم، بينما جيش المسلمين لا يتعدى بضعة آلاف؟ أقول هل يعقل أن يقتل ثلاثون ألفا من الروم، مقابل ثمانية وربما ستة من المسلمين؟. نعم هذا ماحدث , ولكن لماذا حدث هذا ؟

فقد سلك الاردنيون تكتيك : جيتك جيتك ببراعة هائلة Jietak , Jietak : وهو ان يتظاهر الفارس الاردني انه جاء ليساند الرومي ويقوم بحركات بهلوانية وصيحات حربية يغري الرومي انه معه ويحسب الرومي ان هذا الاردني سيبيد اخوته العرب المسلمين , لكن هذا الفارس الاردني يغيب وسط الغبار ولا يقتل عربيا ولا مسلما وانما يفسح المجال للمسلمين ان يعملوا قتلا بالروم ويغري الروم ان يتقدموا الى اتون المعركة . وهكذا وقع الروم ضحية تكتيك : جيتك جيتك , مثلما وقع الكثير من المرشحين للنواب وغيرها في العصر الحديث ضحايا لتكتيك : جيتك جيتك , ولكنه لايجد احدا في اللحظة الحرجة . وباستثناء صدقهم مع الامويين في هذا التكتيك فان سياسة جيتك جيتك بقيت الاف السنين تكتيكا للعشائر الاردنية والعجيب انها نجحت ولا زالت تنجح عبر عشرات القرون الى الان .

إن الخلل واضح، وهو أن هؤلاء النصارى العرب الأردنيين الذين أخذوا مخصصاتهم من روما، جاءوا للاستعراض، وأن المسلمين القادمين ومنهم الكثير من القبائل الاردنية قد فهموا عليهم، ولا بد أن نمطاً من الاتصالات السرية جرت بين العرب المسلمين والعرب النصارى الأردنيين اتفقوا فيها على قتل الروم وكسر شوكتهم وأن يقتصر عمل الأردنيين النصارى على الاستعراض فقط ضمن تكتيك : جيتك جيتك , وضلحت روما بكلمتين هما : جيتك جيتك .

كان لإسلام أبي فروة الجذامي رضي الله عنه أهمية كبيرة في مسيرة الإسلام بالأردن، ذلك أنه كان زعيماً لجذام وأميراً للبلقاء الممتدة من أيلة وينبع والعلا ومدائن صالح وتيماء والجوف ، ومحاذاة تبوك جنوباً إلى الجولان شمالاً، وبالتالي كان إسلامه واستشهاده حديث الناس في حينه، وفتح المجال لمناقشة أوضاع بيزنطة ومنعهم لحرية الدين، وأن الدين المفروض بالقوة مرفوض، وأن الإسلام عنده كان عن عقيدة وليس مفروضاً، ذلك ان القادة المسلمين يعرضون : الإسلام أو الجزية أو السيف. أما الرومان فيفرضون السيف فوراً والجزية معا وهذا ما جعل الناس يتربصون فرصة للإيقاع بالروم.

كان لإسلام دحية الكلبي زعيم قبيلة بني كلب الأردن، وأبو فروة الجذامي زعيم قبيلة جذام الاردنية ضربة مؤذية للرومان وعقيدتهم، فهما زعيمان اردنيان لقبيلتين اردنيتين كبيرتين , وبالتالي يدل على نشر فكر الإسلام بين قبائل الأردن قبل أن يعلنوا إسلامهم. ونجد أن الحروب في الأراضي الأردنية لم تكن بين المسلمين والأردنيين، وإنما بين المسلمين والروم وأتباع الروم، وحتى في مؤتة واليرموك فإن العرب النصارى الاردنيين لم يقاتلوا إلى جانب الروم، بل إنهم ساندوا الجيش الإسلامي عن طريق التهرب من المعركة، ووضع الروم درعاً بشرياً بينهم وبين المسلمين واتباع تكتيك : جيتك جيتك في اليرموك مثلما فعلوا في مؤتة .

وعندما سقطت الجبهة الأردنية بأيدي القوات الإسلامية بعد عدة سنوات من الغزوات والمعارك، سقطت بعدها سوريا بسرعة غير متوقعة وتحولت الأردن إلى جند، وهو اصطلاح إسلامي جديد لم يكن موجودا من قبل.

6. مصالحة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل أذرح وأهل الجرباء على ربع ثمارهم وإنتاجهم، وبذلك نجد أن غياب سلطة الدولة البيزطية قد جعل كل مجموعة تعقد ما تراه مناسباً من العهود لحماية أنفسهم بسبب غياب الدولة عن حمايتهم، فما يسمى الآن: فراغ السلطة وغياب المرجعية وتلاشي هيبة الدولة . وقد ذكرت وثيقة صلح الرسول عليه السلام مع أهل أذرح والجرباء، أقول ذكرت بني حبيبة وهم الآن في الوقت المعاصر فخذ من عشيرة المراعية من المطالقة من الحويطات ، وهم قليلوا العدد الآن، ويسمّونهم الحبيِّب Al-Hbayyib .

7. اتبع المسلمون في تحركهم العسكري تكتيكاً يعتمد على:

‌أ. تجاوز القلاع حيث يتركون القلعة إن استعصت عليهم ويتوجهون إلى القلعة التي تليها، فإن سقطت هذه سقطت تلك.

‌ب. قطع الإمدادات على العدو ليقاتل دونما تزويد بالمؤونة والسلاح , وحينها يصبح القضاء على هذا العدو أكثر سهولة.

‌ج. ضرب الرأس قبل الذنب لأن الداء والبلاء والقوة هي في الرأس، وأما الذنب فيتحرك بتحرك الرأس وبقية الجسم.

8. الحرب الرومية الفارسية التي أنهكت الدولتين كليهما وجعلتهما خصماً أقلّ عناداً أمام قوة الإسلام، كما أن العداوات بين الفرس والروم حالت دون التحالف ضد الإسلام الجديد. وقد انشغلت بيزنطة عن تحصين الأردن أمام قوة العرب المسلمين، ولم يكن لديهم متّسعاً أو إمكانات لإجراء مثل هذا التحصين إذ أن الأحداث داهمتهم وفرضت نفسها عليهم , واموالهم راحت عطايا للقبائل الاردنية التي لم تفعل للروم شيئا سوى : جيتك جيتك .

9. في الحقيقة أن الأردنيين رحبوا بالحكم الإسلامي الجديد، لبساطته، واتفاقه مع الفطرة السليمة. كما أنه تحققت لهم الحرية والعدالة والإدارة الرشيدة بدلاً من الظلم والتعسُّف الذي كانت تمارسه السلطة البيزنطية, وهو باللغة العربية لغتهم ونبي عربي من سادة العرب وهم بني هاشم , والقران عربي يفهمونه , والهدف هو تحرير العرب من احتلال الاستعمار والشرك وبناء دولة العرب وعزهم جميعا . لذا رغب الاردنيون بالمساهمة في بناء عز العرب لكي لايخضعوا لاستعمار اجنبي جديد ,ووجدوا هذه الانفة والاهداف بالدين الجديد وهو الاسلام الحنيف .

10. رحب الأردنيون أن تكون بلادهم قاعدة انطلاق وتعبئة وتزويد للجيوش الإسلامية. ولم يتحدث التاريخ عن أي اعتداء اردني حقيقي على هذا الجيش الإسلامي غدراً أو هجوماً أو ثأراً. . لأن كل عربي أردني نأى بنفسه عن ساحة مقاومة المسلمين , طالما انه لم يجد من يعكِّر عليه صفو حياته.بل وجدها الاردنيون فرصة للانخراط في الجيش الجديد والقتال على سائر الجبهات في سبيل الله سبحانه وتعالى .

11. إن الأموال التي تجبيها الدولة الإسلامية تعيدها خدمات وأعطيات للناس، وهو نمط من إعادة توزيع الثروة redistribution of wealth ، وذلك بعكس النمط البيزنطي الذي كان يأخذ الكثير ولا يعيد إلا القليل.

12. لقد كان انهماك أباطرة الروم في حروبها ضد فارس قد أدت إلى إهمال الجبهة الأردنية، وأهملت تحصينها، وأهملت العناية بأهلها, واهملت اعطياتها , بينما ركزت الدولة الإسلامية الفتية على الجبهة الأردنية بالغزوات المتتالية،وتوزيع الغنائم عند النصر بالمعركة ,. واستقطاب نسبة عالية من أهل الاردن باعتناق الإسلام، والاتفاقيات التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع أهل أذرح والجرباء وأيلة حيث إن هذه كانت حواضر ما يحيطها من ضياع وقرى وسكان، وبالتالي كان الأمان لهم جميعاً، وليس فقط لأهل الحجر منهم.

13. وتغيرت الأردن من إمارة غسانية، إلى مصطلح جديد لم يكن موجوداً من قبل، حيث أن الدولة الإسلامية قد دخلت ومعها عقيدة التوحيد، وأسلوبها الخاص في الإدارة، واصطلاحاتها الخاصّة بها التي تتفق وعقيدتها وأغراضها، وحاجاتها. فليس هذا الوقت وقتاً للممالك والإمارات، حيث ألغيت كلمة مملكة الغساسنة، في الأردن وسوريا، وألغيت مملكة المناذرة في الحيرة والرافدين، والتحق العرب في هذه إما بالعرب المسلمين، أو بالفرس أو الروم وصار الأمر واضحاً بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا مكان للنفاق واللعب على الحبلين. فإما مسلم لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم، وإما أن تبقى على دينك أو أن تقاتل، ولا خيار الا واحدا من هذه الخيارات الثلاثة .

كانت الصلات الإسلامية والقرشية من قبل وبعد مع أهل الأردن قوية وواضحة، وبالتالي نجد أن النسبة العليا من الأردنيين اعتنقوا الإسلام والتحقوا بالركب الإسلامي وصاروا عدة وجنود الفتح الإسلامي. وكان المبدأ الإسلامي قد وحّد العرب بطريقة لم يسبق لها مثيل. فالإنسان حالما يسلم يصبح له حقوق تساوي حقوق أي مسلم آخر، وعليه واجبات لا تنقص عما هو مفروض على سائر المسلمين. وبذلك تحول المجتمع إلى مجتمع تكافؤ وعدالة ولا فرق بين شخص وآخر إلا بالتقوى.

كان الروم يحملون في احتلالهم مشروعا لخدمة روما والقسطنطينية وهو تقوية الدولة ومواردها وجيشها وسيطرتها هناك ، وليس لتقوية العرب والاردن في بلاد العرب . وحتى مشاريع الطرق والمدن التي أنشأوها في بلادنا كانت لغايات خدمة الدولة وتسهيل مهمة سيطرتها على البلاد والسكان. بل إن الازدهار الناتج عن الاستقرار لم يكن لخدمة الناس في بلادهم، بل لجمع مزيد من الأموال والإنتاج لتقوية موارد الدولة البيزنطية . أما الدولة الإسلامية فإنها تحمل مشروعاً ولا يقتصر على نشر العقيدة الإسلامية القائمة على التوحيد فحسب، بل وأيضاً لخدمة الإنسان وتحريره من العبودية للإنسان، ولتحرير الأرض لتكون لعبادة الله وليس لعبادة الأصنام والطواغيت، وأيضاً لتطبيق التكافل والتضامن بين الناس.

في الدولة البيزنطية كان المال الذي يذهب إلى المركز يسمى مال الدولة أو خزينة الدولة أو مال الإمبراطور يتصرف به كما يشاء. أما في الدين الجديد، فإن المال يذهب إلى الخزينة المسماة: بيت مال المسلمين، حيث يصبح لكل مسلم الحق في هذا المال، وبالتالي ليس من حق أحد أن يتصرف به كما يشاء حتى الخليفة نفسه الا في اوجه الصرف الشرعية التي حددها القران الكريم : للفقراء والمساكين والعاملين عليها وفي الرقاب وابن السبيل وفي سبيل الله والغارمين . أي أن قسماً منها يخصص للمجهود الحربي وتجهيز الجيوش (في سبيل الله)، كما أن لكل فقير في الدولة بما فيهم غير المسلمين أن يأخذ حاجته التي تجعله عنصراً إيجابياً في المجتمع لكي لا يتحول إلى لص أو قاطع طريق او اداة خلخلة للمجتمع وامن االمجتمع . وهذه مباديء جديدة استهوت الاردنيين كثيرا الذين يحبون ان يكون العنف والقتال ضمن مشروعية الدولة وعقيدتها

وقد اصبح ذلك جزءا من ثقافة الاردنين انهم يستجيبون للساطة في التجمع والقتال , ولكن اذا كان لهم راي مخالف لما هو راي السلطة فان طريقتهم هي : جيتك جيتك وهو اخطر تكتيك يستخدمه الاردنيون مع الدولة عبر التاريخ منذ الاشوريين والبابليين والفرس واليونان والرومان الى يومنا هذا. لانه وسيلة هامة تبين للسلطة ان الناس معها فيتقون شر تلك السلطة , وهم في حقيقتهم يسلمون من الاذى ضمن طريقتهم في صراع البقاء . تكتيك : جيتك جيتك قديم منذ الاف السنين ولا زال حاضرا بقوة . وفي اللغة الرسمية هو قول المرؤس لمسؤله : كل شيء تمام وهي خراب . جيتك جيتك ابشر ابشر حياك الله , وقلبه يقول لاحياك ولا بياك .

كما ان من اوجه الصرف من المال العام المساكين، وعابر السبيل الذي لا مال معه، ولا حيلة له في التجاوز والعبور، فيعطى من بيت مال المسلمين ما يحقق له غايته كي لا يتحول إلى عنصر هدم وتخريب، ولأنه إنسان يجب احترام إنسانيته، وسواء أكان مسلماً أو غير مسلم، لأن الإسلام يحمل رسالة إنسانية عظيمة لأبناء البشرية جمعاء. وقد وجدت هذه المبادئ قبولاً عظيماً لدى الناس بعامة والاردنيين بخاصة .وصار كل واحد يجني ثروته وليس عليها للدولة الا الزكاة فقط . واما النصارى فصاروا يجنون ثروتهم وهم لايدفعون الجزية كسائر نصارى الدولة الاسلامية , لذلك يقي كثير منهم على دينهم دون ان يلحقهم اذى او اضطهاد وبقي ابناء العشيرة الواحدة في تواد وتراحم رغم تباين الدين بين مسلم ونصراني . وهذه خصوصية يجب ان يفهمها العالم عنا في الاردن عبر اربعة عشر قرنا والى ان يرث الله الارض وما عليها .

كانت بلاد الشام بلاد الخيرات والثمرات، ورغم تعاقب الحضارتين اليونانية والرومانية، إلا أن ذلك الارث الثقيل زمخلفاته المنافية لعروبتنا تحطم كله خلال سنوات، وعاد العرب إلى عروبتهم، وإذا بالثقافة الغربية الاحتلالية، لم تكن تتجاوز الطبقة السطحية والمصلحية، ولمن تكن تدخل إلى أعماق الناس، ولم تكن إلا كالثوب الخلق الذي يخلعه صاحبه، ليرتدي ثوباً جديداً، بلون جديد، ومادة جديدة. لقد ثبت للناس ان الحكم اليواناني والروماني لم يكن الا اكذوبة كبيرة . وشعر العرب في الأردن وسوريا أن الدولة الجديدة ( العربية الاسلامية ) هي دولتهم( بغض النظر عن دينهم من الاسلام او النصرانية او الوثنية ) وأنها تتفق مع عقليتهم وثقافتهم الحقيقية.

وشعر الأردنيون أيضاً أن هذه الدولة قد جاءت لتستقر وتستمر ، وأنها وُجدت لتبقى، وأنها لن تدوم أقل من ستة قرون كما كان شأن الرومان من قبل ، وبالتالي فإن من الحماقة مقاومة هذه الدولة العربية الجديدة ، وأن دخولهم البلاد لا يسمى احتلالاً أو اجتياحاً كما كان يسميه الرومان والفرس واليونان، وإنما يسمى الفتح الإسلامي، والفتح كلمة طيبة، تعني فيما تعنيه، فتح صفحة جديدة للناس، وحياة جديدة وخيرا جديدا واستخدام العقل بحرية , وتعني الانتقال من الظلمات والجهل إلى النور والعلم، ومن السيطرة الأجنبية إلى الدولة العربية الإسلامية، التي تنشر العدل والحرية والمساواة وحقوق الانسان وتكافؤ الفرص . دولة تحترم وتحمي رعاياها جميعا وحتى اليهود الذين وجدوا صنوف الاذى والضطهاد زمن الرومان وجدوا الحماية والرعاية والحرية الدينية في زمن الدولة الجديدة

دولة امر الخليفة ابو بكر رضي الله عنه الا يتعرض الجيش الى راهب في صومعة في توجه يسمو على مايتشدق به ادعياء الديموقراطية , وهو حرية الدين والعبادة , وفيه نص القران ( لااكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ( تعالوا الى كلمة سواء بننا وبينكم الا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ) , دولة جديدة محرم فيها قتل النساء والاطفال والشيوخ والاشجار والحيوانات ( الا لمأكلة ) ويمنع فيها هدم الصوامع والكنائس يومنع فيها اجبار الناس على تغيير دينهم , ولا يقاتلون الا من يقاتلهم او يقوامهم او يرفض دينهم بالقوة . انها دولة تاسرت قلوب الاردنيين حقا و فصاروا عدتها في فتوح بلاد الشام وشمال افؤيقيا والاندلس

لقد احتاجت الأجيال السابقة إلى سنوات طويلة لبدء التفاهم مع الفرس واليونان والرومان ، قبل الانسجام الوهمي مع الاحتلال ذلك الانسجام الذي كان من اجل البقاء واستخدام تكتيك : جيتك جيتك . أما في الدولة الإسلامية، فإن مجرد تحول الشخص إلى الإسلام يصبح سلطان زمانه، ويرتاح من كل ما يعكّر صفو حياته ويصبح امنا على ماله وعرضه وحياته وحريته . من هنا لم نجد مرتدين بين الأردنيين، لأن الإسلام بالنسبة لهم مشروع ديني قومي وطني انساني دنيوي واخروي ، وأنهم اكتووا بنيران الاحتلال، وأن الردة قد تعيد إليهم الاحتلال الروماني أو الفارسي الذي سيعمل فيهم المجازر والإبادة، والنهب والسبي . لذا حافظوا على الإسلام حيث لا حياة لهم بدونه، وحيث أعاد إليهم كرامتهم وانسانيتهم وحريتهم والعدالة التي افتقدوها على مدى الف عام ونيف .

ليس هذا المكان الذي نتحدث فيه عن الفتوحات الإسلامية بشكل عام ولا عن المعارك التي وقعت في الأردن بين المسلمين والروم واتباعهم، لأننا غطينا ذلك بالتفاصيل في جزء: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية ( بالانجليزية ) وهو أحد أجزاء هذه السلسلة، وإنما نقفز إلى نتيجة الفتح المبين، وكيفية إنشاء الإدارة في الأردن.

جند الأردن وجند الشراة
Military Zone of Jordan, and that of Sharah

يتحدث المؤرخون أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وبعد أن اكتمل فتح سوريا والأردن وفلسطين قد قّسم هذه البلاد الممتدة من البحر المتوسط غرباً إلى نهر الفرات شرقاً، ومن حدود الروم شمالاً إلى صحراء سيناء والوجه وتبوك والعلا جنوباً، أقول أنه قسّمها خمسة أجناد هي: جند دمشق، وجند حمص، وجند قنسرين، وجند فلسطين، وجند الأردن.

كان جند فلسطين يمتد من رفح إلى اللجون في شمال فلسطين (حيث يوجد اللجون في فلسطين/ شمالاً، واللجون في الأردن/ وادي الموجب/ الكرك). ومن يافا غرباً على البحر إلى نهر الأردن، وإن كان البعض يرى أنه كان يشمل عمان ( ربة عمون ) وزغر ( في جنوب البحر الميت ) . وكانت بيت المقدس هي عاصمة جند فلسطين .

أما جند الأردن، فكانت عاصمته طبريا في بيسان ومن مدنه صور وعكا وبيسان وإربد وأذرعات (أي درعا). إلا أن هذا التقسيم يهمل منطقة البلقاء برمتها , الممتدة من نهر اليرموك إلى الوجه وينبع وتبوك، وهي بلاد خصبة، كان عدد سكانها يربو على خمسة ملايين نسمة، أتى الطاعون على حوالي ثلثي السكان، وقضى على غالبية الجيوش الإسلامية وقادتها ومنهم أبو عبيدة عامر بن الجراح، وشرحبيل بن أبي حسنة، وضرار بن الأزور، ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهم جميعاً.

وبذلك فإن البشاري في كتابه: أحسن التقاسيم في معركة الأقاليم، قد غطّى هذا النقص في كتب المؤرخين وقال أن بلاد الشام كانت ستة أجناد، منها الخمسة المذكورة أعلاه، وأما الجند السادس فهو جند الشراة : فيشمل بقية أجزاء الأردن أو أجزاء البلقاء التي كانت متعارفا عليها قبيل الفتح الإسلامي المبين. والتي كانت تاريخياً من ممتلكات الأنباط الوريث التاريخي والسياسي لمملكتي مديان وأدوم. أما هذا الجند الذي يغطي بقية مناطق البلقاء أو الأردن أو مملكة الأنباط، , سمِّه ما شئت , فهو جند الشراة، وكانت عاصمته زغر جنوب البحر الميت/ غور الصافي الحاليةمحافظة الكرك الحالية , وهذا الذي نميل إليه، وبالتالي ينفي ما قاله البعض أن زغر كانت من جند فلسطين. ويشمل جند الشراة الديار التالية: مؤاب، ومعان، وتبوك، وأذرح وأيلة، ومدين ( الكرك والطفيلة ) ، ومديان ( أي حسما ورم وتبوك والعلا والوجه وينبع وساحل البحر الأحمر حتى ايلة ) .

ويموت هؤلاء الصحابة العمالقة الكرام بمرض الطاعون، ومنهم يزيد بن أبي سفيان عامل جند الأردن، آلت الولاية الى معاوية بن أبي سفيان الذي صار فيما بعد وسريعاً والياً لبلاد الشام برمتها بما فيها الاردن .

قسّم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بلاد الشام إلى أجناد كما قلنا , أي قطاعات عسكرية لكل قطاع جيشه الخاص به للدفاع عنه ( اي حاميته العسكرية ) ، وللتعامل مع أية حالات ردّة أو ثورات داخلية، فإذا عجزت حامية الجند عن تحقيق استتاب الامر فيه استنجدت باقرب الحاميات، وبالتالي كان كل جند شبه مستقل ( مايشبه الادارة المحلية الواسعة الصلاحيات / حكم ذاتي ) لكنه لا يتوانى عن مساعدة الجند الآخر وطلب مساعدته في الان نفسه .

كان لا بد من فرض هيبة الدولة الجديدة، وهذا لا يكون إلا بوجود جيش منظم جاهز لأداء مهماته، كقوات تدخل سريع، وردع سريع، وحرس حدود , وبديل او شبيه للحاميات الرومانية في بصرى واللجون وأذرح وأيلة مع الفارق في مفاهيم الشرعية والهدف والعقيدة. وبالفعل كان وجود هذه الحاميات ضروريّاً، مما يجعلنا نميل إلى حدّ التوكيد أن الشراة كان لها جندها وحاميتها، إذ لا يعقل أن تتبع معان وحسما ومؤاب إلى بيت المقدس او طبرية , حيث أن السيطرة عليها من هناك في الظروف الطبيعية أمر متعذر، فكيف بها في الظروف الطارئة , وبالتالي كان لها جندها الخاص بها.

كان يتعذر على الشعب الاردني الذي عاش تحت القوة والاحتلال لأكثر من خمسة عشر قرناً ( 1500 سنة ) أن يأخذ حريته الكاملة مباشرة، دون أن يشعر أن هناك قوة عسكرية تردعه إذا تجاوز حدوده أو اعتدى على حرية الآخرين. وبالتالي كان لا بد من وجود حامية تفرض هيبة الدولة والدين الجديدين، وتعطي الأمن والأمان للناس، أنهم ليسوا في خطر من بعضهم بعضاً، ولا من أية قوى خارجية . وقد أدى ذلك إلى سير الحياة في الاردن سيرا طبيعياً، واهتم كل واحد بشؤونه، وصارت الناس آمنة على أرواحها وأعراضها وأموالها ومستقبلها .

ولإتمام مهمة الجند، كان لا بد من توفر الموارد الاقتصادية، حيث صار في كل جند عدد من الكور( centers of stores ومفردها كورة( kawrah/ korah حيث أحدثوا كورة أي مخزناً ومجمعاً للإنتاج في كل مدينة هامة محاطة بالأراضي الزراعية التي يؤل انتاجها الفائض زكاة او عشرا الى هذه المخازن . وبذلك صارت كل كورة تكفي من حولها، وتعطي فائضها للكور الأخرى إذا احتاجت تلك ، وما زاد يذهب لبيت مال المسلمين. وبذلك تحقق التكافل الاجتماعي في الدولة العربية الإسلامية الجديدة ولم يعد احد في ضيق من العيش او الامن او الحياة .


الباب السادس : الوفاء الأموي للاردن والاردنيين

لم تكن العلاقة الأردنية الاموية وليدة أيام الفتح الإسلامي بل تمتد بجذورها إلى رحلة الشتاء والصيف التي أشار إليها القرآن الكريم . وقد كانت قريش وقوافلها تعبر الأردن إلى الشام في الصيف، وكانت الأردن أيضاً ممرّاً للقوافل التجارية القادمة من اليمن وبلاد الرافدين منذ أقدم العصور.وسبق وشرحنا كيف انها بلد تقاطع وتلاقي وصراع وتزاوج الحضارات ومنها القوافل التجارية .

وعندما شرعت مكة بممارسة التجارة مع الشام قبل ظهور الاسلام باوقات طويلة ، كان المهيمن الرئيس على هذه التجارة هم بنو أمية، فصارت التجارة جزءاً من ثقافتهم وميراثهم، يحسنون إدارتها، ويعرفون ميزان الربح والخسارة، وقد وطّد الأمويون علاقاتهم مع القبائل والزعامات الأردنية منذ الجاهلية فاتقنوا فن السياسة في التعامل مع الاخرين وكيفية الاستفادة منهم . واشترى أبو سفيان ضيعة له في وادي السلط حيث لا زالت الشجرة التي كان يستظلها ومن بعده معاوية قائمة إلى اليوم، وتحت ظلالها تمت خطبة أمي إلى والدي في نهاية الثلاثينات من القرن العشرين عليهما رحمة الله وبركاته.

وبالقرب من هذه الشجرة جنوبا أراضي إلى الغرب من ماحص مطلة على وادي شعيب تسمى معاوية، نسبة إلى معاوية بن أبي سفيان، وإن كان البعض يرى أن التسمية تعود إلى كثرة عواء الوحوش في غاباتها وهي جبل وعر المسالك والسفوح. وبغض النظر عن دقة نسبة التسمية إلا أن لها نصيبا من التاريخ، وهذه واحدة من البراهين على علاقة الأمويين بهذه الديار.

لقد كان العمل التجاري والسياسي لبني امية قد وضعهم في مصاف العائلة الاولى والاقدر عند العرب في الحكم والتجارة , لايساويهم ولا يبزهم احد من العائلات في هذا المضمار , لدرجة ان زعيم القيسية في الاندلس قال كلمته المشهورة عندما التقاه بدر خادم عبدالرحمن الداخل ومرساله الى الاندلس : ( اتريدون الطاعة لرجل هو من قوم والله لو ان احدهم بال في الجزيرة ( الاندلس ) لاغرقها ) . واستطاع ذلك الرجل ( عبدالرحمن الداخل ) بمفرده ان يؤسس ملكا لبني امية استمر عدة قرون حتى ابادهم منصور بن عامر الذي لم يبقي امويا في الاندلس .واعترف المنصور ( الخليفة العباسي ) ان عبدالرحمن الداخل هو صقر قريش وقال ايضا كلمته المشهورة ( الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه بحرا ) وذلك بعد ان اباد عبدالرحمن الداخل حملة المنصور لاستعادة الاندلس للخلافة في بغداد . ومن اهمية بني امية واعتراف العرب لهم بقدرتهم الفائقة على الحكم ان العرب في الاندلس في فترة ملوك الطوائف والخلافات والمشاحنات وتقدم الفرنجة واحتلالهم للاندلس بلدا بلدا , راحوا ( الاندلسيون ) يبحثون ولو عن طفل من بني امية ليتوحدوا تحت رايته وبالتالي لتوحيد الاندلس ومجابهة الفرنجة ولكن منصور بن ابي عامر سبقهم الى ابادة كل ذكر من بني امية في الجزيرة ( اي الانلس ) وكان عيدالله السفاح سبقهم الى ابادة بني امية في اسيا وافريقيا ابادة كاملة ولم يبقى منهم ذكرا ابدا .

وعندما تم فتح الأردن صار يزيد بن أبي سفيان الأموي عاملاً على جند الأردن ومات بطاعون عمواس في ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وخلفه أخوه معاوية الذي انتقل بعد وقت قصير إلى دمشق ليكون والياً على بلاد الشام ومن ضمنها الأردن. وكان معاوية وطّد علاقاته مع القبائل الأردنية منذ الجاهلية , ومن ثم تزوج السيدة ميسون الكلبية ابنة زعيم قبيلة بني كلب حسان بن بجدل الكلبي الذي صار عاملا على الاردن لمعاوية . لقد كان زواجا سياسيا ذكيا يتضمن مكافاة اهل الاردن على مواقفهم الداعمة للامويين , وفهماعميقا لاهمية الدور الاردني في قابل الايام في تحديد من سيكون في سدة الخلافة فيما بعد . وقد ساعدت هذه العلاقات الاردنية معاوية في التحكيم الذي كان في الاشعري بجانب اذرح شمال معان والذي حضره اعداد كبيرة من الاردنيين مضافا الى اؤلئك الذين كانوا مع جيش معاوية في محاربة علي . كانوا معه ايضا في الحروب اللاحقة ضد سيدنا علي رضي الله عنه ومن ثم ساعدت القبائل الاردنية مروان بن الحكم وولده عبد الملك في حرب الأول مع القيسية والثاني مع الزبيرية والحسين بن علي رضي الله عنه . وكان عمرو بن العاص الاموي / احد دهاة العرب على علاقة مصاهرة مع قبيلة بلي الاردنية .

ولا مكان هنا للحديث عن الفتن التي أودت إلى استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، واستغلال معاوية بدعم من عمرو بن العاص ، وكلاهما أموي هذه الحادثة، ومطالبة معاوية بدم ابن عمه عثمان رضي الله عنهما ، وبذلك عادت الأمور عصبية قبلية، وبرز الصراع بين فرعي قريش الرئيسين ( الاموي والهاشمي ) في معركة كسر عظم قوامها وسببها الحقيقي هو العمل للوصول الى كرسي الخلافة :

اما فرع أمية فهو المطالب بالثأر والخلافة ويراسه معاوية بن ابي سفيان ويدعمه دهاة العرب الباقين : المغيرة بن شعبة , وزياد بن ابيه ( فيما بعد ) وعمرو بن العاص واهل الاردن جميعا ،. واما الفرع الهاشمي فكان يراسه علي بن أبي طالب الذي يرى أن الأمر آل إليه ببيعة صحيحة وشرعية وانه الاولى بها لانه من بني هاشم واقرب الصحابة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزج السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها , وانها وامها خديجة بنت خويلد القرشية من سيدات نساء الجنة الاربعة ومعهما السيدة مريم بنت عمران عليها الصلاة والسلام , والسيدة اسية زوجة فرعون وحفيدة الملك العربي الريان بن الوليد الملك المذكور في سورة سيدنا يوسف عليه السلام . بل ان سيدنا علي كرم الله وجهه كان مصرا وهو صادق انه لا علاقة له بدم عثمان، ولكن معاوية ( الذي كان واليا على الشام بما فيها الاردن ) اتهم علياً بالتواطؤ على قتل عثمان رضي الله عنهم جميعاً.

واضح أن معاوية لم يكن همه المطالبة بالدم، لأن قتل عثمان كان شأناً اسلاميا عاماً وليس أسريّاً أو عشائرياً او قرشيا او ثارا هاشميا من الامويين , وعثمان ( ذو النورين ) زوج ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن ولي الأمر بالقصاص والعقوبة هو أمير المؤمنين وهو هنا علي رضي الله عنه , وهو الذي يجب أن يتولى تطبيق الشريعة في ذلك وليس معاوية . وأن أولياء الدم (وليس أولياء الأمر) هم بنو أمية أصحاب حق بالمطالبة بالدية أو بالقصاص الذي يطبقه ولي الامر وهو امير المؤمنين على كرم الله وجهه , وليس من حق معاوية او بني امية شرعا ان ياخذوا القانون بايديهم . ولكن الامر في راينا هو التطلع الى كرسي الحكم وان قميص عثمان سيوصل الامويين الى ذلك الكرسي حيث كان ابو سفيان اوصاهم قائلا عندما صار عثمان خليفة : ان لا يذهب هذا الامر من ايديهم .

ولكن معاوية اتهم عليّاً بالقتل والتواطوء على ذلك , مما قسّم الناس إلى فئتين: فئة مع براءة عليّ من دم عثمان لامشاركة ولا تواطؤا ولا تقصيرا , وانهم مع مبايعته . وفئة ( ومنهم اهل الاردن ) مع معاوية ومطالبه واتهام علي , وبين المطالبة والمبايعة بون شاسع،ووقائع دموية , إلا أن معاوية استطاع تدريجياً أن يحوِّل مطالبة بالدم إلى مطالبة بالمبايعة له/ اي من ولي للدم الى ولي للامر .

ثم صار التحكيم في الاردن واعلان خلع الخليفة الشرعي الذي جاء ببيعة من المسلمين, وتنصيب بدل منه معاوية بن ابي سفيان وهو الامر الذي رفضه على , واوجد شرخا في المسلمين الى يوم القيامة ( للاسف الشديد ) . وكان الدور الاكبر للاردنيين الذين ازروا معاوية ضد علي رضي الله عنه . فاهل الاردن استمروا في حبهم وموالاتهم لبني امية ضد علي ومدرسته السياسية والعسكرية وضد عبدالله بن الزبير. وعندما جاء العباسيون ثأروا من الاردنيين بسبب ذلك مع جملة اسباب اخرى , ودمروا الاردن وشتتوا اهله , كما سياتي ان شاء الله .

دارت المعارك بين علي ومعاوية وكان أشرسها موقعة الجمل التي شاركت فيها السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى جانب الأمويين ضد عليّ بن أبي طالب، وعندما نبحتها كلاب الحوأب ، تذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوعيد لمن تنبحها كلاب الحوأب، فاعتزلت الحرب ولزمت بيتها. ثم دارت معركة صفين التي وقعت عام 36 هـ (657م) وتقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة حلب. وقد كانت النتائج واضحة في فصل المعركة لصالح أمير المؤمنين عليّ عندما قاد الأشتر النخعي كتيبة استشهادية وكشف الكتائب حتى وصل إلى حظيرة معاوية الذي صار تحت ضربة السيف، وعند نقطة النهاية.

كان معاوية وعمرو بن العاص قد تجهّزوا لهذا الاحتمال، فرفعوا المصاحف على رؤوس الرماح في اللحظة الحرجة. ونادى مناديهم قائلاً: كتاب الله عز وجل بيننا وبينكم. نحتكم إلى كتاب الله. وهنا وقف الناس ينظرون : ماالذي حدث ؟ انها خطةجديدة على العرب , ولكن لم يمض طويل وقت من الدقائق او الساعات حتى انقسم أتباع علي بين مدرك للخديعة ومصرٍّ على مواصلة الحرب وإنهاء الفتنة والقضاء على معاوية ومن والاه , وفئة أخرى ترى إيقاف الحرب والاحتكام إلى كتاب الله سبحانه، وهم الذين انطلت عليهم الحيلة. وكان الانقسام هو غاية ما أراده معاوية وعمرو بن العاص لإجهاض النصر الذي حققه علي وجيشه او الذي كاد يحققه . واذا كان القادة يستثمرون الفوز فان بني امية قد استثمروا الهزيمة وحولوها الى نصر واستثمروا الخذلان وحولوه الى انقسام في صفوف علي كرم الله وجهه .

وهنا أرسل أتباع عليّ إلى الأشتر النخعي لإيقاف القتال، بينما أرسل عليّ رضي الله عنه إلى معاوية يسأله عما يريده , والذي بدوره أجاب : بأنه يطلب رجوع الطرفين إلى ما أمر الله به في كتابه . اذن لم يعد الحديث عن دم عثمان وانما عن ولاية الامر ومن هو الاحق بها ؟ هذا هو التطور والطرح الجديد الذي ترتب على معركة صفين ورفع المصاحف على رؤؤس الرماح , وليس فيه حديث عن دم عثمان ولا تحديد المسؤلية ولا القصاص , وانما المباحثات حول الخلافة وان معاوية صاحب حق فيها . وفي الوقت الذي كان اهل الاردن يدعمون معاوية باخلاص منقطع النظير , فان سيدنا على كان محاطا باعداد وصفهم في خطبه في نهج البلاغة ( يااشباه الرجال ولا رجال ) . وقد ادى هذا الى موافقته ( علي ) على مضض على خطة معاوية المعدة سلفا مع عمرو بن العاص . انها لعبة الدهاة مع المتقين , ولعبة التفكير الجماعي المتفق عليه ( معاوية وصحبه ) مع علي الذي كان محاطا باراء شتى متناحرة متنافرة . ولعبة من يريد الدنيا وهم بنو امية مع من زهد في الدنيا , ولكنها الخلافة لايزهد فيها الا من رحم ربي .

اتفق الفريقان على أن يبعث كل طرف منهم رجلاً وأن يأخذوا عليها المواثيق للعمل بكتاب الله سبحانه، وهو ما رضي به الناس من أتباع علي.وان يكون موقع التحكيم في بلاد جند الاردن ,باعتبار ان الشام والعراق والحجاز هي مراكز الصراع . وصار عمرو بن العاص مندوباً عن معاوية وممثلا له , وصار أبو موسى الأشعري مندوباً عن عليّ وممثلا له , وقد كان ذلك على غير رغبة من علي بن أبي طالب الذي كان يرى في أبي موسى ضعفاً، وأنه قد يضيع أمام الداهية عمرو بن العاص، ورشّح بدلاً منه ابن عمّه عبد الله بن عباس، إلا أن الناس رفضوا عبد الله، وانتخبوا أبا موسى الأشعري , وكما كان عمرو بن العاص ابن عم لمعاوية فان عبدالله بن عباس ابن عم لعلي , وبالنالي سيكون الاحرص والاقدر على فهم الاعيب دهاة العرب . فالهاشميون يفهمون عقليات بني امية ( ابناء عمومتهم ) . كانت الامور واضحة ان ابا موسى الاشعري سينتهي ويقتل سيده ( علي بن ابي طالب ) بدون قتال , بالكلام وليس بالحسام . فموسى ليس من بني هاشم بل من قبائل اليمن . لقد كان المندوب والمكان وهو الاردن كلها مع معاوية وليس مع علي .

كتب الفريقان عقد التحكيم وشهد عليهما أمراء الطرفين، إلا الأشتر النخعي الذي كان فقد لحظة الفوز والنصر بقتل معاوية، والتي كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقيق ، لم يعترف بهذه الإجراءات إطلاقاً، ولم يؤيد هذا العهد، واعتبره باطلاً وخدعة , وكان بذلك اكثر القادة من رجال علي عمقا وحكمة وفهما لدهاء بني امية, بل كان اكثر الرجال من حول علي بعد نظر ورؤى . وبعد هذه المواثيق، ثم بحث مكان التحكيم. فرفض معاوية أن يكون ذلك في العراق والحجاز، حيث كانت قوة علي بن أبي طالب وحين يمكن أن ينقض جيشه على جيش معاوية فيبيدونه عندما يعرف نتيجة المكيدة، ورفض عليّ أن يكون التحكيم بالشام لأنه كان ضمن ولاية معاوية، وبالتالي كادت أن تحدث مذبحة أخرى لتعيين المكان الذي يلتقي فيه أطراف التحكيم ومندوبوهم.

وأخيراً تم اختيار مكان محايد فهو بوابة جزيرة العرب وبوابة الشام وبوابة العراق وبوابة مصر وبوابة فلسطين كلها في آن واحد بعيد عنهما وقريب منهما بمسافة متساوية تقريباً،انه الاردن الذي يقف دائما على مسافة واحدة من الاخرين واذا فقد توازنه في هذا الموقف فقد دوره ورسالته . تم اختيار منطقة أذرح والجرباء في جنوب الأردن ( شمال مدينة معان ببضعة كيلو مترات ) ، حيث تطل على الصحراء شرقاً، وعلى الجبال الوعرة غرباً، وحيث تتوفر المياه للناس مهما كثروا، وحين لا يعتبر هذا شاميّاً ولا حجازيّاً ولا عراقيّاً ولا فلسطينيّاً ولا مصريّاً.انه اردني واردني واردني . وتحركوا جميعاً نحو تلك البقعة الاردنية في جبال الشراة.

واجتمع الناس على رأس جبل لا زال يسمى بالأشعري نسبة إلى أبي موسى الأشعري، ويسمى أيضاً جبل التحكيم، وهو إلى الشرق من مسار الطريق القادمة من الشوبك إلى أذرح ومعان عبر جبال الشراة. ولا زال الجبل عارياً من أي شجر أو بناء. وهنا اجتمع الطرفان، واختلى أبو موسى الأشعري/ مندوب علي، وعمرو بن العاص مندوب معاوية، واتفقوا أن يتحدث أبو موسى أولاً بحجة مقامه وسنه وتكرما من عمرو بتقديم ابي موسى عليه , وأن يخلعا عليّاً ومعاوية لوقف الصراع والدماء والفتنة بين المسلمين , ولوجود من لايقل كفاءة عنهما في تولي امور المسلمين . وعندما وقفا امام الناس خلع ابو موسى صاحبه علي وخلع معاوية , وعندما جاء دور عمرو في الحديث بعد أبي موسى أكد خلعه لعلي، وايضا موافقته على خلع أبي موسى لعلي، وتثبيت معاوية أميراً للمؤمنين. وحدثت الملاحاة بين الرجلين , ولم يعبأ عمروبن العاص بالضربات العديدة من خيزرانة ابي موسى الاشعري لانه ( عمرو ) قد حاز الخلافة لاسرة بني امية . وكان عمرو ومعاوية اتفقا ان يتولى عمرو ولاية مصر وهي التي كان فتحها وكان يحلم بها منذ الجاهلية عندما كانت له تجارة معها . واخيرا وليس اخرا وقع المحذور على ارض الاردن وبين ظهراني الاردنيين ، وهو ماكان حذر منه ويخشاه الأشتر النخعي، وعلي بن أبي طالب أيضاً.

وبذلك تم استئناف القتال بين شرعيتين شرعية كانت تقوم على البيعة الشرعية لعلي , وشرعية اردنية اموية جديدة قامت على خلع علي من مندويه ومن عمرو بن العاص , وتثبيت معاوية من قبل مندوبه ودعم اهل الاردن والشام له . ووقف أهل الأردن مع حلفائهم الأمويين في الحرب ضد علي ، وتحولت مطالبة معاوية من مطالبة بالدم والمحاسبة والقصاص , إلى مرحلة جديدة ومتقدمة وهي المطالبة بالخلافة، بل اعتبر معاوية نفسه بموجب التحكيم أميراً للمؤمنين، واعتبر عليّاً متمرّداً عليه خالعاً لطاعته، ويجب قتله وقتل من معه. وتنحّى كثير من الصحابة الكرام ولزموا بيوتهم بعيداً عن هذه الفتنة. وصار الصراع الحقيقي بين بني هاشم وبني أمية ( ومن ينضم مؤازرا لاي الفريقين ) من اجل السيادة والقيادة ( الخلافة ) وكلاهما أبناء عمومة ويلتقون ا في قريش ، وكل لديه مبرراته التي يقنع فيها فئة من الناس. وكان لذلك كله انعكاس واضح على تجزئة المسلمين إلى طوائف تزداد عدداً وتطرفاً في كل حين من الدهر وبقي الى الان والى يوم القيامة .

حفظ معاوية بن أبي سفيان لأهل الأردن موقفهم المؤيد له بدون تحفظ ضد على وحزبه ، وصارت قبيلة بني كلب أقرب القبائل الأردنية إليه , وعيّن والد زوجته ميسون عاملاً له على الأردن. وصارت جذام هي القبيلة الأردنية الثانية المأثورة عند الأمويين وهذا يعيدنا إلى التذكير بأهمية القبائل الأردنية، وهو أن قضاعة كانت هي المقربة من الرومان من خلال الضجاعمة وبني سليح، ثم جاء الغساسنة وصارت الإمارة لهم على الأردن بدعم قوي من الرومان، وصارت جذام وبني كلب وبني عاملة في الصف الذي يلي الغساسنة. وكان زعيم جذام ( وهو ابو فروة الجذامي ) عاملاً عند الغساسنة على البلقاء. وكان الغساسنة يستقطبون الشعراء وزعماء القبائل، حتى إذا ما سقطت بيزنطة، سقطت مملكة الغساسنة أو إمارتهم، وصار لكل زمان دولة ورجال، وتقدمت بنو كلب على الجميع، وتبعتها جذام ثم قضاعة، ورحلت بنو عاملة الى جبل غربي جبل الشيخ الذي كان جزءا من الاردن التاريخي , وهو الان جبل في جنوب لبنان وسوريا سمي باسمها، ولا زال منها الكثير هناك في جنوب لبنان الحديث.

ورحل من هذه القبائل فرسان مع الفتوحات الاسلامية واستقروا في شمال أفريقيا والأندلس، وظهرت أسماؤهم مرة أخرى هناك مثل بني عباد وهم من جذام، وكان لهم دولة أشبيلية في الأندلس ( مملكة بني عباد ) ، ولهم امتداد لا زال موجوداً حتى الآن في المغرب العربي والجزائر وتونس وليبيا ومصر والسودان وفلسطين.وحيث ان الشيء بالشيء يذكر , فان قبيلة عباد هي اصلا يمنية وهاجرت بعد خراب مارب على دفعتين هما : الاولى ذهبت مع تنوخ الى العراق وشط العرب وصار النسابة والمؤرخون يعتبرونها من لخم ( المناذرة ) وتنوخ ) وهم ليسوا كذلك وانما صاروا منهم

بالحلف والموالاة وهم اصلا من جذام . ومنهم ( عباد ) من تحرك باتجاه الاردن وهم من جذام ايضا وبقوا بالاردن منذ الاف السنين الى الان , ومن عباد العراق وعباد الاردن من ذهب مع الفتوحات الاسلامية الى مصر وشمال افريقيا والاندلس . واما الجزء الثالث فيقي باليمن ولا زالوا يحملون اسم العبادي الى الان في شتىانحاء البلاد اليمنية .

وعندما آلت دولة الأمويين نحو التلاشي بعد تنحي معاوية الثاني عن العرش، ثار القيسية يطالبون بالعرش في دمشق، فتصدى لهم مروان بن الحكم وكان والياً على المدينة (الحجاز) وسار في عشرة آلاف مقاتل جُلّهم من أهل الأردن فانتصر على قيس بن الضحاك الفهري الذي كان في جيش يساوي حوالي أربعة أضعاف جيش مروان بن الحكم الأموي، وهنا حفظ الأمويون للأردنيين هذه المواقف وصارت الأردن ملاذاً آمناً لبني أمية الى اخر يوم لهم في السلطة والحياة .

لقد كانت السيطرة على الحجاز تمد الأمويين بالشرعية الروحية والدينية بوجود الحرمين الشريفين هناك، وكانت العراق ومصر مصدر موارد الدولة لما هي عليه من الخصب والثراء، وكانت دمشق مركز الخلافة، ومع هذا لم يجد الأمويون ملاذاً آمناً لهم يفوق في نظرهم هذه الامتيازات إلا الأردن، حيث صار الملجأ الآمن للأمراء للعيش والصيد والتنزه والراحة والاستجمام والاتصال بالقبائل وحماية الجبهة الجنوبية الاردنية من اي اختراق قد ياتي من الحجاز او بلاد الرافدين .

ولو عدنا إلى العهد القديم وجدنا أن الملاذ الآمن الذي حددته الاتفاقيات بين أسباط بني إسرائيل أن يكون في عبر الأردن أي في أغوار السلط . أما زمن الأمويين فقد جعلوا البادية ملاذاً آمناً لهم، فبنوا الحائر الذي احتار المؤرخون في تفسيره والذي كان نسخة أموية عما ورد في التوراة ( الملاذ الامن ) بل كانت نسخة أخرى عن تحالف المدن العشرة وكان الحائر نقطة استقطاب للقبائل لضمان موالاتهم، ولأن الأمراء لا يجدون الأمن والأمان لا في حاضرة الخلافة، ولا في بلاد الإنتاج العالي في مصر والرافدين، ولا في الحجاز حيث بقيت قريش غاضبة وتطالب بالخلافة. بل كانوا يجدون ذلك في الأردن وأهل الأردن. وكان ذلك وفاء من الأمويين للأردنيين واعترافا لنا بجميلنا عليهم .

وقد شرحنا موضوع الحائر بالتفاصيل والتحليل في الجزء الخاص بـ: التاريخ السياسي للعشائر الأردنية ( بالانجليزية ) . كما قام الأمراء الأمويون ببناء القصور في البادية الأردنية، والتي لا زالت شاهدة على حب الأمويين للاردن والاردنيين , ووفاء الأردنيين للأمويين ايضا . ومن القصور التي لا زالت قائمة ولو اطلالا : عمرة، والحرانة، والمشتى، والعمري، والحلابات، وطوبة والموقر. وفي الوقت الذي كان عبد الملك يقضي ردحا من السنة في غور الأردن بحثاً عن الدفء. فإن ابنه الوليد، وسليمان بن الوليد قد قضيا معظم وقتهما في بلقاء الأردن.

كانت قصورهم بالأردن تجمع بين ميزات المنزل الذي تتوفر فيه سبل الراحة، والقلعة الحصينة التي تتحول إلى معسكر للدفاع عن ذاته وعما يجاوره من الأماكن, ومعسكر للجند وخيولهم ان تطلب الامر ذلك . ولم يتوانى الأمويون من استخدام المهندسين والفنيين من جميع الأعراق التي انضوت تحت لواء دولتهم، وإن قصر العمري في البادية الأردنية الوسطى لدليل على تمازج هذا الخليط، حيث تم اكتشاف صورة لذريق واسمه وهو آخر ملوك الغوط في الأندلس، وكذلك صورة الإمبراطور الفارسي كسرى يزدجر الثالث، ونجاشي الحبشة، ورسوم للطيور والحيوانات والأشجار، وقد ثبت أن قصر العمري هذا كان من قصور الوليد بن عبد الملك الذي حكم ما بين 705م ـ 715م، وأنه بنى في عهده خلال عامي 711 و715م. وسبب هذا الرأي أن صورة لذريق تدل على أنه بني بعد فتح الأندلس.

أما الموقر، التي وردت في أشعار العرب، وبخاصة في العهد الأموي (التفاصيل: انظر كتابنا: الأردن في كتب الرحالة والجغرافيين المسلمين). كما سكن يزيد بن عبد الملك في قرية إلى الشرق من السلط لا تزال تسمى باسمه: اليزيدية، وسكن الموقر إلى الشرق من عمان. ورغم أن أساس القصر حصن تعاقبت عليه الأمم من العمونيين حتى الرومان، إلا أنه رمّمه وأعاد ترتيبه، فصار من القصور البديعة. أما الوليد بن يزيد فقد اختار القسطل والأزرق لينتقل بينهما. وكان همه الأمن والأمان وحرية الحركة والحياة، وهو ما لم يتوفر له في دمشق، وهو هنا بين ظهراني عشائر اردنية مخلصة له وهو مخلص لها.

وهناك حمام الصرح الذي بناه الأمويون بالقرب من قصر الحلابات، وقصر طوبة وهو في منطقة سواقة التي تم إنشاء سجن فيها في الثمانينات من القرن العشرين ، وأنا الآن سجين في هذا السجن أثناء كتابتي لهذا التاريخ وهذه الكلمات، وأسأل الله سبحانه أن يفك أسرنا ويطلق سراحنا. آمين يا ربّ العالمين. ولا شك أن الوليد الثاني اتخذ قصر طوبة، وقصر باير منزلاً، وهذا يدل على أن الأمن للأمويين كان سائداً حتى في أقاصي البادية الأردنية، في أواخر الدولة الأموية. وأن أجيال الأمراء منذ يزيد بن أبي سفيان (والد معاوية) الذي اشترى ضيعة له بوادي السلط، ومروراً بمعاوية الذي تزوج من بني كلب وانتهاءً بأواخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد الذي لجأ الى معان هاربا من القوات العباسية , كانوا يجدون الأردن ملاذاً آمناً لهم، وكان الاتصال مع العشائر الأردنية سياسة استراتيجية للبيت الأموي.

أما قصر المشتى فقد اختلف الأثريون في هويته، وقال ترتسرام في كتابه أرض مؤاب The Land of Moab الذي ترجمناه إلى العربية، وظهر بطبعتين، أن الفرس هم الذين بنوا هذا القصر ولم يكملوه بسبب انسحابهم السريع إلى بلادهم للتصدي لهرقل إمبراطور بيزنطة الذي هاجم فارس في عقر دارها، مما أدى بها للانسحاب قبل إتمام هذا القصر. ومهما تكن هوية القصر، إلا أنه موجود في البادية الأردنية. ولو أنه بناء فارسي أثرى. ولكن الذي لا شك فيه أن موقعه كان محطة للحجاج أو قريباً منها.

ومن الوفاء الأموي للأردن واهله : ما سمحوا به بضرب العملة "صك العملة النقدية" في عمان والكرك. وذلك يعني سهولة توفر السيولة النقدية للأردنيين، وجعلها في متناول الأيدي. وكان هذان المكانان مخصصين لصك العملة النحاسية، وبقيت عاملة طيلة حكم بني أمية. وكانت الربوع الأردنية مسرحاً لتربية وطفولة وشباب الأمراء الأمويين، وسط المخلصين لهم من الأردنيين . وقد أثار هذا حسد أهل الحجاز ومصر والعراق ودمشق، حث كان كل قطر من هذه الأقطار يتطلعون أن يكونوا موضع ثقة الأسرة الاموية الحاكمة إلا أن الدماء التي أريقت في هذه الأقطار جعلت من أماني أهلها أوهاماً، وجعلت من صدق إخلاص أهل الأردن للأمويين برهاناً على استحقاق الثقة، والوفاء الأموي لأهل هذه البلاد. ولكن الأيام دول وتداول بين الناس فهذه سنة الله في الحياة.

لقد تعلّم الأمويون الدروس من التاريخ في التعامل مع الأردن واهله ، ولا شك أنهم كانوا يتطلعون للحكم منذ ما قبل الإسلام، إلى أن وصل أبو سفيان إلى زعامة مكة المكرمة، وزعامة من بقي من قريش على الكفر بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أسلم يوم الفتح المبين. وإن القارئ لما نشرته كتب التاريخ عندما سمع أبو سفيان ما حدث لهند بنت عتبة (أم معاوية فيما بعد) في ايام الجاهلية , بين يدي كاهن اليمن عندما قال لهند: قومي لا باغية ولا زانية وستلدين ملكاً اسمه معاوية فتقدم منها زوجها الذي كان طلقها وأمسك بيديها يريد إعادتها إلى ذمته، فرفضته ودفعته قائلة: إليك عني فوا الله لن يكون منك.

سمع أبو سفيان قول الكاهن لهند : ( قومي لا زانية ولا باغية وستلدين ملكاً اسمه معاوية ) فتقدم منا ووافقت على الزواج منه، وما أن وضعت له مولوداً حتى أسماه معاوية، حتى إذا ما صار عثمان بن عفان أميراً للمؤمنين جلس أبو سفيان وكان ضريراً أو شبه ضرير، وحوله بنو أمية فقال: هل في المجلس من غريب، فقالوا: كلهم بنو أمية. فقال: لقد جاء الأمر إليكم وإياكم أن يذهب منكم ( يعني الخلافة )

وكذلك ما روي من حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تزوج أم المؤمنين ابنة أبي سفيان، ذهب معها الحكم بن العاص الأموي، فحدق فيه رسول الله طويلاً، فقيل: يا رسول الله ما لي أراك تنظر إلى هذا القرشي؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : إذا بلغ أبناء هذا الرجل الثلاثين أو الأربعين ملكوا الأمر من بعدي، وهذا ما حكاه مروان بن الحكم لمعاوية في دمشق ومعاوية أمير المؤمنين، إذ قال له: والله إني لأخو عشرة وأبو عشرة، وعم عشرة، وأن الأمر يكاد أن يكون لي. ثم وبّخ معاوية في حادثة مشهورة مما أثار الأحنف بن قيس سيد تميم الذي كان شاهدا على الواقعة فأخبره معاوية بالحديث، فسكت الأحنف. وعرف أن الأمور ستسير إلى بني مروان بن الحكم بن العاص بن أمية.(وقد فصلنا ذلك في حلقة تلفزيونية تاريخية ضمن مسلسلنا التاريخي : من شعراء العرب )

من هنا، فإن بني أمية عندما كانوا يعملون بالتجارة مع الشام كانوا على علاقات حميمة مع أهل الأردن ودمشق تتعدى العلاقات التجارية، وكل ذلك ساعدهم في حروبهم مع معاوية والأمويين ضد سيدنا علي والزبيريين. بل إن الأردن بقي يدفع ثمن موقفه المؤيد لبني أمية ضد سيدنا علي ابن أبي طالب، وما يعانونه حتى نهاية الحكم العباسي وما بعده .
حسام العامري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس