..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - آل سعدون الأشراف يحاولون الاستقلال بالعراق عام 1787م
عرض مشاركة واحدة
قديم 02-12-2020, 07:26 PM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
كاتب في النسابون العرب
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي ثالثا- محمد بن مانع:

ثالثا- محمد بن مانع:

بعد وفاة الأمير الشريف مغامس بن مانع آل شبيب خلفه في حكم مملكة المنتفق أخوه الأمير الشريف محمد بن مانع آل شبيب (الجد المباشر للأمير ثويني بن عبدالله بن محمد آل شبيب ووالد الأمير سعدون بن محمد الذي عرفت باسمه الأسرة لاحقا)، و من أهم الأمور التي تحسب للأمير محمد بن مانع اتباعه لسياسة تشجيع الهجرة للقبائل العربية من شبه الجزيرة العربية والى مملكة المنتفق وهذه السياسة كانت تهدف الى المحافظة على عروبة العراق في وجه العثمانيين والفرس الذين كانوا يسعون الى تغيير هوية العراق العربية في تلك الفترة وقد شكلت هذه القبائل المهاجرة مع قبائل مملكة المنتفق الأخرى درعا قويا تكسرت عليه الكثير من الحملات العسكرية العثمانية والفارسية ، يذكر الدكتور حميد بن حمد السعدون في كتابه امارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق و المنطقة الأقليمية 1546م – 1918م , ص: 92((( وقد بدأت هذه السياسة منذ الأيام الأولى لامارة – محمد المانع – حيث سعوا لجذب أغلب عشائر نجد العربية نحو العراق، بعد أن تيقنوا مايتعرض له العراق من ضغوط ومن جهتين (العثمانيون والفرس) ، الأمر الذي لايمكن مقارعته والحفاظ على عروبة العراق دون الاكثار من القبائل العربية النسب والأصل ... ولابد ان نضيف أن بادية المنتفق مفتوحة، لذلك كانت أقرب الديار للهجرات الواسعة للقبائل من شبه الجزيرة العربية، لأسباب سياسية أم أقتصادية أم اجتماعية، وعليه نجد صلة القرابة بين قبائل نجد والمنتفق واسعة، لأن أغلب عشائر المنتفق قبائل نجدية أو حجازية. كما أن الجدب والركود الاقتصادي والحياة القاسية سمات طبعت حياة قبائل نجد، يقابلها على أرض العراق، وفرة مائية وأرض زراعية خصبة ومنتوجات تكفل للحياة البشرية ديمومتها ... ان حسن الاستقبال الذي مارسته امارة المنتفق مع القبائل النازحة اليها، واقطاعهم الأراضي الزراعية ومراعي الماشية، قد وازن المعادلة التي كانت المنتفق تخشاها، بازدياد حجم اعدائها من غير العرب ... ومن يدقق في العشائر التي استطاعت امارة المنتفق أن تجعلها تنصهر وتتفاعل في بوتقة اتحادها، تعزيزا لنهجها العربي الساعي للكرامة والاستقلال، لامتلك بين يديه قائمة طويلة بأسماء هذه العشائر، ولاتضح لديه مدى الجهد الذي بذل في تعزيز نفوذ هذه الامارة العربية، والذي لم تبخل فيه عشائرها في تقديم أغلى المهور من أجل طموحها وكرامتها، مما أبقى هذه الامارة لأكثر من (350) عاما، تناطح جميع من أراد ايذاءها، وفي المقدمة منهم (العثمانيون) والذين لم يبذلوا من جهد في كل محاولاتهم وجهودهم لاسقاط الامارات المستقلة، مثلما بذلوه مع امارة المنتفق))). يذكر المؤرخ الشيخ علي الشرقي ، في كتابه ذكرى السعدون ( الصادر عام 1929م ) ، وذلك عند حديثه عن المخلفات الثمينة لفترة حكم آل سعدون ، ص: 29 ((( العروبة بكل مظاهرها حتى انك اذا الغت العراق تجد الكردية غالبة على الموصل والتركية بادية في بغداد والفارسية متمكنة من النجف وكربلاء ولكنك تجد البصرة وبلاد المنتفق عربية بكل مظاهر العربية الصالحة وذلك بسبب تلك الامارة العربية التي تغلبت على كل المظاهر الغير عربية وصبغتها بصبغة العروبة))).

وقد استمرت أسرة السعدون الأشراف (آل شبيب سابقا) في دعم هذه السياسة حتى سقوط مملكة المنتفق في الحرب العالمية الأولى، ومن أبرز حكام مملكة المنتفق في دعم هذه السياسة حفيد الأمير محمد بن مانع آل شبيب، الأمير ثويني بن عبدالله بن محمد آل شبيب (الذي يدور حوله محور هذا البحث) ، يشير عبد الكريم محمد علي في كتابه تاريخ مدينة سوق الشيوخ إلى هذا الجانب وذلك عند حديثه عن التطورات السياسية والأجتماعية التي حدثت في عموم جنوب العراق وفي مرحلة تأسيس الأمير ثويني بن عبدالله لعاصمة مملكة المنتفق سوق الشيوخ وتشجيعه للهجرة الى المنطقة المحيطه بها وهي السياسة التي تابعه بها حكام مملكة المنتفق الذين حكموا بعده، ص: 26 (((حدوث هجرات متتالية، من القبائل العربية من نجد ومن عموم الجزيرة العربية إلى هذه المنطقة الوافرة المياه، والترحيب بهم من قبل شيوخ المنتفك (آل سـعدون) واحلالهم بما يليق بكرامة العربي، واقطاعهم الاراضي على ضفتي الفرات، للزراعة الموسمية والبستنه، ومن بينهم من كان يحسن زراعة النخيل، ممن جاء من جنوب الجزيرة العربية – من الأحساء والقطيف – وهكذا نشأت بساتين النخيل على الضفتين وازدهرت الزراعة))). ولم تقتصر هذه السياسة على تشجعي الهجرة للقبائل الرحل (البدوية) أو القبائل والعشائر التي تمارس الزراعة بل شملت سكان المدن وتتضح آثار هذه السياسة في عهد الأمير ثويني بن عبدالله وذلك بتواجد معظم المهاجرين الى العراق من حواضر نجد في المناطق التابعة لمملكة المنتفق ( اما في العاصمة مدينة سوق الشيوخ أو بلدة الزبير) يذكر أهل نجد المقيمون في العراق في فترة حكم الأمير ثويني بن عبدالله ، المؤرخ والشاعر خالد الفرج المعاصر للملك عبدالعزيز (مؤسس الدولة السعودية الثالثة) ، وذلك عند حديثه عن سليمان باشا والي بغداد (في القرن الثامن عشر) وعن المساعدة التي قدمها له حاكم مملكة المنتفق الأمير الشريف ثويني بن عبدالله ، ويذكر المؤرخ بعض القبائل والحواضر التابعه للأمير ثويني بن عبدالله وهم عرب المنتفق وشمر العراق وأهل نجد المقيمون في العراق والزبير ، كتاب الخبر والعيان في تاريخ نجد ، ص: 203 ((( وساعده على ذلك عرب المنتفق وشمر العراق ، وأهل نجد المقيمون في العراق والزبير ومتولي كبرهم ثويني بن عبدالله بن محمد بن مانع الشبيبي ، وهو هاشمي النسب ، ورئاسة قبائل المنتفق ترجع الى بيتهم من قديم ، لأن المنتفق خليط من قبائل شتى تجمعهم رابطة التحالف والمجاورة والمصاهرات الى أن كونوا قبيلة كبيرة تحكمت في نواحي العراق ، وكادت تستقل بحكمه))). وفي عام 1850م كان معظم سكان عاصمة مملكة المنتفق (مدينة سوق الشيوخ) من المهاجرين من القصيم أو نجد ، كما أن معظم سكان عاصمة مملكة المنتفق منذ عام 1892م (مدينة الخميسية) كانوا من أهل نجد ، يذكر مدن مملكة المنتفق مبتدئا بمدينة سوق الشيوخ ثم الخميسية ثم المدن الأخرى ، المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو ، ج: 3 ، قسم المنتفق، ص: 610 ((( وفي عام 1850م كان معظم سكانها يتألفون من مهاجرين جاؤوا من شبه الجزيرة العربية (قصمان ، ونجادة). أما الخميسية الواقعة جنوب سوق الشيوخ فقد نشأت في حوالي عام 1886م ويتألف معظم سكانها من النجديين أيضا))).

نعود للأحداث في حياة الأمير محمد بن مانع آل شبيب ، ففي عهده شاركت قوات من المنتفق في حصار الأحساء مع أحد أمراء دولة بني خالد (الأمير دجين بن سعدون) والذي خرج على ولد عمه ( الأمير علي بن محمد) وقد شاركت الظفير بهذا الحدث أيضا بقيادة شيخهم ابن سويط ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد،أحداث سنة 1139هـ ، ج:2 ، ص: 370 ((( وفي آخرها سار ابن سويط ومعه دجين بن سعدون بن غرير الحميدي ومعهما المنتفق وقصدوا الأحساء وحصروا علي بن محمد بن غرير في الأحساء وقتل بينهم رجال كثير ، ونهب ابن سويط قرايا الأحساء ، وصارت الغلبة لعلي عليهم وفشلهم . ثم انهم صالحوه ورجعوا))). وفي عام 1147هـ استطاعت الدولة العثمانية التخلص من حاكم مملكة المنتفق الأمير الشريف محمد بن مانع بن شبيب آل شبيب وذلك بعد أن قتل في معركة ضد الدولة العثمانية ، يذكر العالم والمؤرخ والنسابة النجدي إبراهيم بن صالح بن عيسى، ولد عام 1854م وتوفي عام 1925م، وهو أحد أبرز مؤرخين نجد والجزيرة العربية ، في كتابه تاريخ ابن عيسى ، المقتطع من خزانة التواريخ النجدية ، حوادث سنة 1147هـ، ص: 69 (((وفيها قتل الروم محمد المانع بن شبيب القرشي الهاشمي العلوي رئيس بوادي المنتفق))). يذكر هذا النص مقتل حاكم مملكة المنتفق وشيخ مشائخ قبائلها الأمير محمد بن مانع آل شبيب، وهو والد الأمير سعدون بن محمد الذي عرفت باسمه الأسرة لاحقا، وقد عرف المؤرخ تسلسل نسبه بــ القرشي (نسبة لقبيلة قريش) والهاشمي (نسبه لبني هاشم) والعلوي (نسبه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه والذي يعرف نسله بالأشراف).

رابعا- سعدون بن محمد:


بعد مقتل حاكم مملكة المنتفق الأمير الشريف محمد بن مانع بن شبيب آل شبيب انتقل الحكم الى ولد عمه الأمير الشريف منيخر بن ناصر بن صقر آل شبيب (الموالي للعثمانيين) ، لذلك بقيت قبائل المنتفق هادئة طوال فترة بداية حكمه ، وقد كان أبناء الأمير محمد وقت وفاته صغارا ( اثنين من أبنائه حكموا مملكة المنتفق لاحقا وهم الأمير سعدون بن محمد – الذي سميت باسمه الأسرة لاحقا ، والأمير عبدالله بن محمد – والد الأمير ثويني الذي يدور حوله محور هذا البحث ). وعندما بلغ الأمير سعدون بن محمد بن مانع آل شبيب العشرين من عمره بدا يظهر طموحه في الحكم ورغبته في قتال العثمانيين ولذلك استطاع أن يؤسس لنفسه شعبية بين قبائل مملكة المنتفق وخصوصا بين شباب هذه القبائل وسهل مهمته كون الحاكم الرسمي الأمير منيخر بن ناصر آل شبيب كان مواليا للعثمانيين (وهو ماترفضه قبائل المنتفق) وأنه أبقى قبائله هادئة (وهو مالم تعتاد عليه قبائل المنتفق) ، وفي عام 1738م برزت الفرصة للأمير سعدون للظهور بشكل رسمي وذلك عندما دعت ولاية بغداد شيوخ القبائل فيها وفي خارجها الى إجتماع بين العرب والعثمانيين ، وقد حضر الإجتماع حاكم مملكة المنتفق وشيخ مشايخ قبائلها الأمير منيخر بن ناصر آل شبيب ، وقد تفاجأ الحضور بدخول الأمير الشاب سعدون بن محمد للإجتماع متحديا سلطة ولد عمه الأمير منيخر آل شبيب وسلطة العثمانيين وقد عرف بنفسه كحاكم شرعي لمملكة المنتفق ومعلنا بنفس الوقت أمام الشيوخ المجتمعين أن العرب هم الأحق بحكم كامل العراق وهو ماأدى الى اعتقاله من قبل العثمانيين وارساله الى بغداد حيث سجن هناك ، الا ان والي بغداد والذي اعجب بشخصية الأمير الشاب سعدون وجرأته قام باطلاق سراحه لاحقا ، يذكر المؤرخ الإنجليزي ستيفن هيمسلي لونكريك ، في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ، ص: 190 (((وبقيت قبائل المنتفك هادئة نوعا ما منذ عام 1729م حتى ظهور زعيمها العظيم سعدون . وقد عثرنا على اسمه في التواريخ أول مره في 1738م – 39م عند حضوره اجتماعا للشيوخ عقد بدعوة من الكهية في حسكه . فسلم كل من الشيوخ هدية ولطفوا بالحديث ، عدا سعدون الذي اوقف وأخذ مخفورا الى قلعة بغداد جزاء لطموحه العدائي الذي كان يرمي لـ سلطنة العرب))). بعدما فعله الأمير سعدون بن محمد وبعد اطلاق سراحه ، ازدادت شعبيته بشكل كبير وقام بثورة كبيرة على العثمانيين ولم يجد الأمير منيخر بن ناصر بيده أي سلطة ، بل أصبح الأمير سعدون بن محمد هو الحاكم الفعلي لمملكة المنتفق ، ولم يبقى بيد الأمير منيخر سوى لواء السماوة والذي كان هو ووالده يحكمونه بشكل رسمي بتأييد من العثمانيين ، يذكر حمود الساعدي ، في كتابه بحوث عن العراق وعشائره ، ص: 182 ((( ومن بين الأشخاص الذين تصرفوا بلواء السماوة في العهد التركي ، الشيخ ناصر الصقر من حمولة آل شبيب رؤساء المنتفق. فكان الشيخ ناصر هذا ضامنا لهى في سنة 1139هـ (1726م) بـ 4794 قرشا، وانه بقي ضامنا له بمثلي البدل السابق حتى سنة 1145هـ وكان ضامنا لهى في سنة 1165هـ الشيخ منيخر بن الشيخ ناصر الصقر، وفي ايام الشيخ منيخر هذا اجتاز بالسماوة اتو الفرنسي وهو في طريقه من البصرة الى بغداد. وروى لنا في رحلته: انه وصلها في 19 اياري 1743م (ربيع الاول 1156هـ) وذكر ان ضامنا في التاريخ المذكور منيخر، وانه يستوفي رسوما باهضة على السفن المارة بها ليتمكن من ايفاء التزاماته تجاه والي بغداد احمد باشا))).

وقد قام الأمير الشريف سعدون بن محمد بنقل العاصمة الى كتيبان قرب البصرة ، وأصبح يتحرك وبرفقته عشرة آلاف مقاتل ، وسيطر على كامل مناطق مملكة المنتفق من الحلة وحتى الخليج العربي وقام بارسال جيش لمحاصرة مدينة الحلة وجيش أخر لمحاصرة البصرة ، وطالب الدولة العثمانية بدفع الضريبة عن مدينة البصرة والتي كان العثمانيين يدفعونها سابقا لمملكة المنتفق مقابل ترك البصرة للعثمانيين والتي يبدو أن الأمير منيخر بن ناصر آل شبيب لم يستطع المطالبه بها ( وذلك لضعفه وموالته للعثمانيين) ، وهدد بانتزاع بغداد من العثمانيين في حالة عدم الاستجابه لطلباته ، وتلقب بسلطان العرب ، يذكر د. علي الوردي ، في كتابه لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث ، ج:1 ، ص: 116 ((( في عام 1738م ثار الأمير سعدون شيخ المنتفق ومعه عشرة الآف مقاتل ، ونزل موضع بين النجف والكوفة وأخذ يتحكم في الناس قائلا : ( أنا السلطان في هذه الديار . وماشأن أحمد باشا وما السلطان ؟ اني ان شاء الله آخذ بغداد واحكم فيها بالعدل ) . ثم أرسل قوة لمحاصرة الحلة ، و أخرى لمحاصرة البصرة وقال عن البصرة أنها ملكهم وانهم كانوا يأخذون منها الأتاوة كل سنة وليس للروم فيها – أي الترك – أي حق فيها . استمر سعدون في حركته زهاء أربع سنوات واستطاع أن يسيطر على مناطق واسعة من الفرات الأسفل والأوسط ، وفرض الأتاوة على المسافرين فلم يسلم منه حتى وكلاء الشركات الأنكليزية والفرنسية في البصرة))). هذه التطورات الخطيرة أجبرت والي بغداد على ارسال حملة كبيرة لاعادة نفوذ حاكم مملكة المنتفق السابق الموالي للعثمانيين ولمطاردة الأمير سعدون بن محمد ومحاولة أسره ، يذكر الدكتورعويضة الجهني على هامش كتاب تاريخ ابن يوسف ، عند حديثه عن الأمير سعدون بن محمد ، ص: 135 ((( فأعلن ثورة على العثمانيين في بداية عام 1154هـ / 1741م بالتعاون مع شيوخ قبائل جنوب غرب العراق ، وتلقب بسلطان العرب ، وسيطر على المنطقة الواقعة من رأس الخليج العربي الى الحلة . وقد أرسل أحمد باشا ، والي بغداد ، نائبه سليمان بيك في أواخر عام 1154هـ / بداية 1742م على رأس حملة لاحقت الشيخ سعدون))). وبعد معركة كبيرة قرب السماوة ، استطاع العثمانيين قتل الأمير سعدون بن محمد بعد أن طاردوا جيشه ، يذكر العالم والمؤرخ والنسابة النجدي إبراهيم بن صالح بن عيسى ، ولد عام 1854م وتوفي عام 1925م، وهو أحد أبرز مؤرخين نجد والجزيرة العربية ، في كتابه تاريخ بعض الحوادث الواقعه في نجد، ص: 81 ((( وفي سنة 1154 الوقعة المشهورة بين المنتفق وبين عساكر الترك وصارت الهزيمة على المنتفق، وقتل سعدون بن محمد بن مانع آل شبيب رئيس المنتفق))).

فبعد أن اصطدم العثمانيون مع قوات المنتفق قرب السماوة ، اتجه سعدون بقواته الى البادية ، الا أن قائد الجيش العثماني (نائب والي بغداد) أراد مفاجأة قوات المنتفق فقام بمطاردتهم حتى وجد الأمير سعدون بن محمد وحيدا يتفقد مؤخرة الجيش فقاموا بمحاصرته ومحاولة أسره فقاتل أولا برمحه ثم بسيفه ثم بدبوسه ثم بالركاب ثم بزمام فرسه حتى أسر ، ولم يرغب حاكم مملكة المنتفق الأمير الشريف سعدون بن محمد بن مانع آل شبيب بأن يقاد أسيرا لبغداد لذلك قام باستفزاز قائد الجيش العثماني (نائب والي بغداد) والذي كان من المماليك .. حيث عدد الأمير سعدون أسماء كثيره من أجداده وسأل القائد العثماني (الذي كان يجهل اسم ابيه) عن والده وأجداده .. مماأدى بالقائد العثماني الى ان يقطع رأسه وبذلك نال الأمير سعدون بن محمد شرف أن يقتل في أرض المعركة بدلا عن أن يبقى أسيرا ، ويذكر الرحالة نيبور عند مروره بالعراق بعد أكثر من عشرين عام على مقتل الأمير سعدون بن محمد .. وكيف أن قبائل المنتفق مازالوا يفخرون بشجاعة حاكمهم وشيخ مشائخ قبائلهم الأمير سعدون بن محمد، كتاب مشاهدات نيبور في رحلة من البصرة الى الحلة سنة 1765م ، ص: 60 ((( ولايزال العرب للآن يتغنون بالشجاعة التي ابداها شيخهم في هذه المناسبة: كيف دافع عن نفسه بالرمح بادىء ذي بدء ، ثم بسيفه وبعدها بالدبوس (وهو نوع من الهراوات التي تستعمل للضرب ، اعتاد الشرقيون حملها على سروجهم ) ، وأخيرا بالركاب فزمام فرسه. ولكنها جميعا لم تجد نفعا. وكان سليمان قد تلقى أمرا باعادة سعدون أسيرا الى بغداد. وكان الغالب يريد من المغلوب بعض الاحترامات له. ولكن العربي المغتر ، الذي ولد حرا ، لم يشأ أن يتفهم هذا الأمر. فبعد أن عدد أسماء كثيرة من أجداده ، سأل الكهيا ، الذي يجهل حتى والده ( كان الكهيا كرجيا بالأصل ، بيع أسيرا في شبابه) كيف يسوغ له طلب مثل هذا الذل من عربي أصيل ؟ وقد أغضب هذا الأمر سليمان الى حد جعله يأمر بقطع رأسه على الفور ، حيث ارسله الى الباشا اشارة لانتصاره))).

بعد مقتل الأمير سعدون بن محمد ، قدم الى المعسكر العثماني مايقارب العشرين شيخا من قبائل العراق التابعين للأمير سعدون بن محمد وذلك رغبة منهم في حقن الدماء والتفاهم مع القائد العثماني (نائب والي بغداد) وذلك لكون معسكرهم قريب من المعسكر العثماني الا أن سليمان باشا وجدها فرصة يصعب أن تتكرر باجتماع مثل هذا العدد من شيوخ القبائل أمامه ، لذلك أمر بقطع روؤسهم جميعا ، يذكر الرحالة نيبور ، كتاب مشاهدات نيبور في رحلة من البصرة الى الحلة سنة 1765م ، عند حديثه عن شيوخ قبائل المنتفق الذين قدموا الى سليمان باشا ، ص: 61 ((( وأبدوا رغبتهم في التفاهم مع الباشا. الا أن سليمان ، عاد ففكر أنه ليس في استطاعته أن يجمع بسهولة مثل هذا العدد من الشيوخ معا تارة أخرى فأمر بقطع رؤوس هؤلاء أيضا عن أخرهم))). وقد أدى قتل الأمير سعدون بن محمد مع عشرين شيخا من قبائل العراق التابعين له الى حدوث ضجه ودوي كبير في العراق ووسط الجزيرة العربية ، يذكر الدكتورعويضة الجهني ، على هامش كتاب تاريخ ابن يوسف ، عند حديثه عن الأمير سعدون بن محمد ، ص: 135 (((وقد أرسل أحمد باشا ، والي بغداد ، نائبه سليمان بيك في أواخر عام 1154هـ / بداية 1742م على رأس حملة لاحقت الشيخ سعدون حتى تمكنت من قتله صبرا مع حوالي عشرين شيخا من أتباعه ، مما أحدث دويا واسعا في العراق ووسط جزيرة العرب))). يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو , ج:3 ,ص:282 (((فعندما أمر سليمان أبوليلى بقطع رأس الشيخ سعدون (1742م أو 1743م) حدثت ضجة كبيرة لأن عبدا سابقا تجرأ على وضع يده على عربي حر هو زعيم المنتفق))).

كان هذا عرض موجز عن فترة حكم الأمير الشريف سعدون بن محمد بن مانع آل شبيب (الذي سميت الأسرة باسمه لاحقا بعد أن كانت تعرف بـ آل شبيب وهو عم الأمير الشريف ثويني بن عبدالله بن محمد بن مانع آل شبيب الذي يدور حوله محور هذا البحث) ، وسوف يكون هنالك باذن الله بحث مفصل وخاص بفترة حكم الأمير سعدون بن محمد بن مانع آل شبيب لاحقا.

خامسا- عبدالله بن محمد:

بعد مقتل حاكم مملكة المنتفق الأمير سعدون بن محمد ومقتل عشرين شيخا من قبائل العراق التابعين له ، استقل أخوه الأمير عبدالله بن محمد بمشيخة قبائل بادية العراق الممتدة من شمال الأحساء وشمال الجزيرة العربية وحتى شمال السماوة من عام 1742م وحتى عام 1757م ، بينما كان الحكم الرسمي لمملكة المنتفق ومعظم حواضرها في تلك الفترة بيد اثنين من ابناء عمه وبدعم عثماني وهما الأمير منيخر بن ناصر بن صقر آل شبيب ثم تلاه الأمير بندر بن مغامس بن مانع آل شبيب ، وبعد سنتين من مقتل أخيه الأمير سعدون ، حاصر الأمير عبدالله بن محمد البصرة مع حاكم الحويزة ، يذكر المؤرخ النجدي ابن يوسف (المعاصر للأحداث) ، كتاب تاريخ ابن يوسف ، أحداث سنة 1156هـ ، ص: 138 ((( وفيه أيضا حصار البصرة ، يوم يحاصرها راعي الحويزة وولد محمد آل مانع))). وفي عام 1757م وبعد وفاة الأمير بندر بن مغامس آل شبيب فرض الأمير عبدالله بن محمد آل شبيب نفسه على مسرح الأحداث وحكم مملكة المنتفق بأكملها. وقد كان الأمير عبدالله بن محمد آل شبيب (والد الأمير ثويني) وبعد مقتل أخيه الأمير سعدون بن محمد قد احتضن ابن أخيه الأمير ثامر (كل ذرية الأمير سعدون في عصرنا من ابنه ثامر) وتزوج من أرملة أخيه وانجبت له ابنه الأمير ثويني بن عبدالله (كل ذرية الأمير عبدالله بن محمد في عصرنا من ابنه ثويني) ، يذكر يوسف بن حمد البسام ، في كتابه الزبير قبل خمسين عاما مع نبذة تاريخية عن نجد والكويت، وذلك عند حديثه عن الفترة التي كان يحكم بها مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد ( والد الأمير ثويني) ، ص: 159 ((( والأمراء البارزين في ذلك الحين هم (اشراف الحجاز) و(بنو خالد) حكام الأحساء وما والاها من المنطقة الشرقية ، و(آل معمر) في العييينة و (آل سعدون) في العراق و (امام صنعاء) في اليمن، و(السادة) في نجران))).

وفي عام 1761م قام حاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد بنقل مركز الحكم لمملكة المنتفق الى المنطقة التي بنيت فيها مدينة سوق الشيوخ لاحقا من قبل ابنه الأمير ثويني ، حيث قام بتأسيس قرية على شكل حصن كبير في تلك المنطقة ( عرفت بكوت الشيوخ أو قلعة الشيوخ) ، ونقل العاصمة من مدينة العرجا إلى هذا المكان. وقد بنيت هذه القلعة الكبيرة لتكون مركزا للتموين وللذخيرة والسلاح للمعسكر الحربي الرئيسي لحاكم مملكة المنتفق ومركزا يقيم فيه حاشيته الكثيرة – عبيده ومستشاريه – بالأضافة إلى اقامة حاكم مملكة المنتفق و قبائل المنتفق البدوية ومشايخهم حولها لمدة 3 فصول من السنة باستثناء فصل الربيع ، وعند تأسيس مدينة سوق الشيوخ من قبل ابنه الأمير ثويني بن عبدالله - عام 1780م - أصبح هذا الحصن الكبير أحد ضواحيها ومركزا تقيم حوله الكثير من قبائل المنتفق البدوية وأصبحت مدينة سوق الشيوخ العاصمة للأسرة الحاكمة في مملكة المنتفق - نصف العراق الأسفل – أسرة آل شبيب ولاحقا تغير الاسم إلى آل سعدون ، بالإضافة إلى ان مدينة سوق الشيوخ أصبحت أحد أهم المدن التجارية في العراق والجزيرة العربية ومركزا لتجارة أهل نجد والكويت في العراق ، يذكر القنصل الروسي بالبصرة انه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وقبل تأسيس مدينة الناصرية (عام 1869م) كان جميع مشايخ القبائل في اتحاد المنتفق يقيمون فيها ، يذكرها الكسندر أداموف ، القنصل الروسي في البصرة في نهاية القرن التاسع عشر، في كتابه ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها ، ص: 56 ((( وتعتبر كوت الشيوخ أو قلعة الشيوخ ، قرية من القصب من هذا النوع وان كانت أكبر في حجمها ، وهي تقع على بعد عشرة أميال إلى الأعلى من سوق الشيوخ صعودا مع الفرات . وكانت هذه القرية قبل تأسيس الناصرية وبناء قصر آل السعدون الواسع فيها ، مقرا لشيخ المشايخ أو الزعيم الرئيس لعشائر المنتفق وحاشيته الكثيرة العدد والمقربين منه وكذلك لزعماء جميع القبائل الداخلة في هذا الاتحاد القبلي وهكذا كانت كوت الشيوخ تبدو كمعسكر ضخم للبدو))).

ويبدو ان أهمية كوت الشيوخ تزايدت بعدما ضرب الطاعون مدينة سوق الشيوخ عام 1831م ولم يبقي من سكانها سوى اربعة آلاف نسمة ، حيث أصبح مركز الحكم في كوت الشيوخ ، يذكر الكسندر أداموف – القنصل الروسي في البصرة في نهاية القرن التاسع عشر- في كتابه : ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها ، وذلك عند حديثه عن مدينة سوق الشيوخ والطاعون الذي اجتاحها ، ص: 55 ((( ثم أخذت المدينة بالنمو بسرعة فامتدت وأصبح محيطها خمسة أميال وعدد سكانها يزيد على 10,000 نسمة. وعندما اجتاح الطاعون في 1831 العراق بأجمعه وجه أول ضربة لرفاهية هذا المركز التجاري العربي الصرف))).

بقيت مملكة المنتفق على علاقة هادئة مع العثمانيين منذ العام 1757م وحتى عام 1768م وكان يتخلل هذه الفترة مطالبات بدفع ضريبة عن أراضي زراعية في منطقة السماوة وبعض الأراضي المحيطة في مدينة البصرة والتي كان الحاكمين السابقين لمملكة المنتفق الأمير منيخر والأمير عبدالعزيز (المواليين للعثمانيين) قد قبلوا بدفعها ، الا ان الأمير عبدالله بن محمد رفض الألتزام بما كان عليه من سبقه ولم يرى للعثمانيين حق بهذه المطالبه ، وبعد مرور 9 سنوات على هذه المطالبات بدأ التوتر بين الطرفين. وبدأت الدولة العثمانية بالتهديد بالتحرك العسكري ، وهذا أزم الموقف حيث بدأ الأمير عبدالله بن محمد بتهديد مدينة البصرة ونشر قواته حولها ، خصوصا بعد أن تأزمت العلاقة بينه وبين متسلمها (الحاج سليمان آغا نقرة). وعندما أدرك والي بغداد عمر باشا خطورة الموقف قرر محاولة التحالف مع البريطانيين ضد مملكة المنتفق والقيام بعمل عسكري مشترك ، يشمل القيام بضربات عسكرية باستخدام المدفعية وبسفن بريطانية على مدن وقرى مملكة المنتفق على طول نهر الفرات ، الا أن طلب والي بغداد عمر باشا قوبل بالرفض من قبل المستر مور ( الوكيل البريطاني في البصرة) والذي كانت تربطه علاقة جيدة بحاكم مملكة المنتفق والذي صرح باحتمال احتلال المنتفق للبصرة ذاتها وهو مايجبره على البقاء على الحياد حفاظا على مصالح دولته ( وفيما يبدو أنه خاف من أن يقوم الأمير عبدالله بن محمد عند احتلاله للبصرة ، بنفس عمل عمه الأمير مغامس بن مانع ، وهو طرد البضائع الإنجليزية من أسواق البصرة) ، يذكر ج.ج. لوريمر ، في كتابه دليل الخليج ، القسم التاريخي ، ج:4 ، عند حديثه عن طلب والي بغداد ( عام 1769م) مساعدة البريطانيين له ضد حاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد ورد الوكيل البريطاني في مدينة البصرة مستر مور ، ص: 1821 ((( لكن مستر مور – الذي كان يذكر جيدا النتائج السيئة التي تمخض عنها تدخل البريطانيين بين الاتراك وقبيلة بني كعب من قبل والذي كانت علاقته بعبدالله شيخ المنتفق علاقة ودية دائما ، والذي كان أيضا ماتزال له أموال متأخره عند متسلم البصرة – راوغ في اجابة هذا المطلب متعللا بأن السفن البريطانية الكبيرة لاتستطيع أن تقوم بعملها في مجرى الفرات . وذكر الوكيل أيضا أنه كان محتملا أن تستولي المنتفق على مدينة البصرة نفسها ... وكان هذا في ذاته سببا آخر يحمله على زيادة التمسك بالحياد))). لذلك تراجع والي بغداد عمر باشا عن فكرة التحرك العسكري مؤقتا وفتح باب التفاوض بين الطرفين ، وقام بإرسال شيخ قبيلة العبيد عبدالله بك الشاوي - الذي كان يشغل منصب باب العرب في ولاية بغداد ويتمتع باحترام كبير في العراق - للتفاوض مع حاكم مملكة المنتفق ولجمع الأمير عبدالله بن محمد مع متسلم البصرة ، جرى الإجتماع في بلدة الزبير التابعة لحاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد، وتم الإتفاق على التهدئة ثم بعد ذلك تراجع حاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد عن ماتم الأتفاق عليه مع متسلم البصرة ، لذلك قام والي بغداد عمر باشا بقتل شيخ قبيلة العبيد لاحقا واتهامه بتحريض الأمير عبدالله بن محمد ضد العثمانيين ( وهذا الحدث يوضح عن مدى سؤ الحالة التي وصلها والي بغداد في تلك الفترة والتي أجبرته على قتل واحدة من أكبر الشخصيات العربية في ولاية بغداد) ، ويضاف لأسباب التوتر في تلك الفترة بين مملكة المنتفق والعثمانيين هو أنه بعد قيام العثمانيين بحملة كبيرة ضد قبائل الخزاعل وقيام العثمانيين باحراق مدينة لملوم التابعة لشيوخ الخزاعل ، قام الأمير عبدالله بن محمد بقبول إجارة الشيخ حمد الحمود ووالده لديه ورفض تسليمهم الى والي بغداد ، يذكر الدكتور حميد بن حمد السعدون ، في كتابه امارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق و المنطقة الأقليمية 1546م – 1918م ، عند حديثه عن الشيخ حمد الحمود شيخ الخزاعل ، ص: 133 (((والذي لم يجد من يأويه هو وأبيه بعد تدمير الوالي - عمر باشا - لمدينتهم " لملوم " عام 1769م، وطلبه اياهم في كل مكان ، الا أهل المنتفق بعد أن هربا اليهم ، طالبين منهم الحماية والعون ، وقد حصلا عليها ، وجرى أكرامهما وحمايتهما ))).

بدأ والي بغداد عمر باشا التحضير لحملة عسكرية كبيرة ، وسار بها الى البصرة ، وقبل وصولها أدرك حاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد بأن خسارته للحرب سوف تكون نتائجها سيئة عليه وخصوصا وأن مملكة المنتفق قد بدأت توا التعافي من آثار قتل أخيه الأمير سعدون بن محمد مع عشرين شيخا من شيوخ قبائل العراق التابعين له من قبل العثمانيين ، لذلك قرر اللجوء لدولة بني خالد مؤقتا وترك حكم المنتفق لابن عمه الأمير فضل بن ناصر بن صقر آل شبيب وهو من جناح في الأسرة الحاكمة في مملكة المنتفق يعتبر موالي للعثمانيين ، وبقي الأمير عبدالله بن محمد عدة أشهر لدى دولة بني خالد وحكامها آل عريعر قبل أن يعود للحكم وتهدأ الأوضاع مع العثمانيين ( ولا نعرف ماتم الأتفاق عليه بين الطرفين) ، يذكر عبدالكريم المنيف الوهبي في كتابه بنو خالد وعلاقتهم بنجد 1080 - 1208 هـ/ 1669 – 1794م ، وذلك عند نقاشه للجوء حاكم مملكة المنتفق مؤقتا الى دولة بني خالد وأنه لم يكن عملا موجها ضد الدولة العثمانية بل كان باتفاق جميع الأطراف ،ص: 392 ((( وفي سنة 1183 هـ / 1769م يرد لجوء عبدالله بن محمد زعيم المنتفق الى عريعر بن دجين زعيم بني خالد عقب اعتدائه على بعض مقاطعات البصرة وتفاوض والي البصرة الحاج سليمان آغا نقره معه حتى تم التوصل الى اتفاق مقبول ، ولكن عبدالله تراجع عن الاتفاق مماأدى الى مسير القوات العثمانية بقيادة عمر باشا والي بغداد اليه ، فاضطر الى الانسحاب واللجوء الى بني خالد ، فولى أحد أقاربه ويدعى فضل على زعامة المنتفق ، ومن ذلك يتضح أنه على الرغم من كون عبدالله متمردا على السلطة العثمانية الا انها كانت تسعى للتفاهم معه ، وعلى هذا فالأحرى أن يقبل العثمانيون بلجوئه الى الأحساء حقنا للدماء ، ولأن هذا يمكنهم من تعيين زعيم موال لهم على المنتفق ، ومن هذا المنطلق فان قبول بني خالد بلجوء عبدالله عندهم لم يكن عملا موجها ضد العثمانيين))).

بقيت الأوضاع هادئة في المنطقة حتى ظهور الطاعون في البصرة عام 1773م وقد طلبت الدولة العثمانية من حاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد إدارة المدينة التي دبت فيها الفوضى لكنه لم يستطع ادارتها بسبب تدخل بني كعب لذلك اعادها للعثمانيين ، وقد بدأت البصرة منذ تلك اللحظة تواجه خطرا فارسيا وتهديدا بإحتلالها (سوف يذكر مفصلا بالفصل التالي). ثم شهدت السنة التالية مرور الرحالة بارسونز بالعراق عام 1774م ، وننقل هنا وصفا لحلف قبائل المنتفق (أكبر تحالف للقبائل والعشائر مختلفة الأصول شهده العراق تحت مشيخة شيخ مشائخ فعلي واحد ) والذي يشكل القسم الرئيسي من مملكة المنتفق ، كما ننقل وصفا للمعسكر الحربي لحاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد والذي كان فيه كل مواد التموين والإمدادت المطلوبة وأجمل الخيول الأصيلة وكلاب الصيد والصقور بالإضافة لإمتلاك حاكم مملكة المنتفق لحيوانات نادرة مثل زوج من النعام الداجن والمطوقه حول عنقيهما بأطواق حمراء وأجراس نحاسية ، يذكر أ.م.د. رياض الأسدي , في بحثه جذور الفكر السياسي في العراق الحديث ـ1ـ , محاولات الاستقلال المحلّي في العراق 1750ـ 1817 ، زيارة الرحالة بارسونز لأراضي مملكة المنتفق في عهد الأمير عبدالله بن محمد عام 1774م (((وجد أن حلفه القبلي "المنتفق" يغطي مساحة كبيرة من جنوب ووسط العراق، ويضمّ بين جنباته عددا كبيرا من السكان يفوق بالطبع عدد السكان المنضوين في باشوية بغداد أضعافا))). و يذكر ج.ج. لوريمر , في كتابه دليل الخليج , القسم التاريخي , ج 4 وصف الرحالة بارسونز للمعسكر الحربي للأمير عبدالله بن محمد (حاكم مملكة المنتفق وشيخ مشايخ قبائلها) , ص: 1841 ((( كان معسكره من الخيام ويغطي مساحة كبيرة حاويا عدد ضخما من الناس , ومتوفرة فيه كل مواد الامدادات والتموينات المطلوبة . ومن الحيوانات كانت القبيلة وشيوخها يملكون أجمل الخيول الأصيلة . وكلاب الصيد والصقور بل حتى بعض الحيوانات النادرة كزوج من النعام الداجن وقد طوقا بأطواق حمراء وأجراس نحاسية حول عنقيهما))).

هكذا نشأ الأمير ثويني بن عبدالله في فتره من حكم أسرته آل سعدون الأشراف لمملكة المنتفق شهدت صراعا كبيرا مع العثمانيين على النفوذ بالعراق ، وهي الفترة التي بدأت بتصاعد قوة الدولة (مملكة المنتفق) بشكل كبير جدا على يد جده الثاني الأمير مانع بن شبيب آل شبيب والى حكم عم والده الأمير مغامس بن مانع بن شبيب آل شبيب ، ثم توازن القوه بين العثمانيين ومملكة المنتفق في عهد جده الأمير محمد بن مانع آل شبيب والذي قتله العثمانيين، ثم نهوض عمه الأمير سعدون بن محمد بن مانع آل شبيب (الذي سميت لاحقا الأسره باسمه) والذي قتله العثمانيين مع عشرين شيخا من شيوخ قبائل العراق التابعه له ، والى بقاء والده الأمير عبدالله بن محمد بن مانع آل شبيب كشيخ مشايخ لقبائل بادية العراق الممتدة من حدود الأحساء الشمالية وعلى حدود نجد الشمالية والى شمال السماوة ولمدة 15 سنة ، ثم حكم والده لمملكة المنتفق بأكملها وبدء تصاعد القوة لدى مملكة المنتفق . ولم يكن الأمير ثويني بن عبدالله وقتها على علم أنه على موعد مع أحداث وملاحم تاريخيه عظيمه مع الإمبراطورية الفارسيه والعثمانيين وعلى موعد مع أحداث ومعارك شكلت تاريخ الدول الإقليمية العربية المجاورة وأنه أيضا على موعد مع صناعة التاريخ في أهم حدث في تاريخ العراق بالحقبة العثمانية وهو أول إعلان لاستقلال العراق بأكمله وماتبعه من معارك كبيره.



5- الغزو الفارسي الكبير للعراق 1775م – وموقف العثمانيين والدول العربية منه:

من هنا تبدا الأحداث الكبيرة في تاريخ الأمير ثويني بن عبدالله ، حيث كان حاكم الدولة الفارسية ينظر الى الموانئ العربية على الخليج العربي بنظره يملؤها الحسد وخصوصا ميناء البصرة ، لذلك أراد السيطرة على هذه الموانيء وفي حالة عدم القدرة على ذلك سوف يسعى لتدميرها ، وكان هذا الحاكم أيضا كغيره من الحكام الفرس يسعى الى ضم العراق لحكمه وفي حالة عدم القدرة على ذلك سوف يسعى لتدميره ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 145 ((( تعد البصرة مفتاح العراق الجنوبي وميناءه الكبير على الخليج العربي، وكان لذلك الموقع علاقة قوية بالقوى المتصارعه في هذه المنطقة خلال العصور الحديثة، والذي يهمنا في هذا الصدد هو أن البصرة أصبحت مهددة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، بقوة فارس المتزايدة على أيام حاكمها كريم خان الزندي ... أخذ كريم خان ينظر الى ازدهار تجارة البصرة بعين ملؤها الحسد والغيرة، لأنه أراد أن يكون هذا الازدهار من نصيب الموانيء الفارسية على الخليج العربي، واعتقد بأن هذا الأمر لن يتم الا باحتلال البصرة والقضاء على منافستها لموانئ بلاده. وعلى الرغم من الاتصالات التي جرت بين وكلاء شركة الهند الشرقية الانكليزية وكريم خان حول اجراء تعديلات في هذا الموقف لصالحه، الا أنه صرح بأن البصرة قد استأثرت بكل تجارة الهند مع الانكليز، ممايستبعد الموانيء الفارسية عن ذلك، وعلى هذا فانه سينتقم عن طريق تدمير البصرة))).

وقد بدأ كريم خان الزندي بتنفيذ تهديداته في عام 1773م ، حيث قام بالإستيلاء على سفينة إنجليزية خارجه من البصرة واستخدمها كوسيلة ضغط على الإنجليز للعودة الى موانئ فارس تجاريا ، الا ان هذا الأمر لم يحقق له ما أراد ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 147 ((( بدأ كريم خان منذ عام 1773 يعد العدة لوضع تهديداته موضع التنفيذ. وفي العام نفسه انتشر وباء الطاعون في البصرة فغادرها وكلاء شركة الهند الشرقية الانكليزية، ولكنهم وقعوا في الأسر بيد حلفائه، الذين استولوا على سفينة الشركة تايكر tyger ، ونقلوا من كانوا عليها الى شيراز. فقد كانت هذه العملية وسيلة للضغط على الانكليز واجبارهم على اعادة علاقاتهم التجارية مع الموانئ الفارسية، بخاصة ميناء بوشهر، لكن هذا الأمر لم يحقق نتائجه المرجوة. وعلى ذلك، وبعد فشل حجج كريم خان وذرائعه المتعددة، قرر أن يبعث حملة ضد ميناء البصرة))). لذلك قام حاكم الدولة الفارسية (كريم خان الزند) بالتجهيز لحملة ضخمة تستهدف احتلال البصرة وتحويلها كنقطة انطلاق تجاه بقية العراق وشمال وشرق الجزيرة العربية حتى دولة عمان ، ولكي يموه عن هدفه الأساسي قام بأمرين ، الأمر الأول هو مهاجمة موانئ دولة بني خالد بأسطول من دولة بني كعب (حلفاؤه في تلك الفترة) ، يذكر عبدالكريم المنيف الوهبي في كتابه بنو خالد وعلاقتهم بنجد 1080 - 1208 هـ/ 1669 – 1794م ، عند حديثه عن موانئ دولة بني خالد، ص: 370 ((( وقد كانت القطيف تتمتع بحجم لا بأس به من التجارة ، فعندما هاجم بنو كعب القطيف سنة 1188هـ / 1774م ذكر أنهم استولوا على كميات كبيرة من البضائع))). والأمر الأخر هو الهجوم الفارسي على شمال العراق بريا ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 210 ((( كانت مهاجمة الفرس لشمال العراق جزءا من عمليات التمويه والتضليل الفارسية، ذلك لأنه في الوقت الذي جرت فيه تلك العمليات، فان استعدادات كبيرة اتخذت في فارس لغزو البصرة، وعلى ذلك ، لم تكن العمليات الفارسية في شمال العراق الا من باب الاشغال وصرف الأنظار))).

ثم بدأ حاكم الدولة الفارسية بالإنطلاق تجاه البصرة بحملة ضخمة مكونة من خمسين ألف مقاتل ومزوده بالمدافع ، يذكر ج.ج. لوريمر ، في كتابه دليل الخليج , القسم التاريخي , ج4 , ص: 1848 ((( وبعدها بيومين , أي في 15 يناير 1775 , وصلت الأنباء الى الوكالة البريطانية في البصرة , عن طريق بوشهر , بأن جيشا ايرانيا من 50 ألف رجل قد غادر شيراز بالفعل بقيادة صديق خان شقيق الوكيل لمهاجمة البصرة ))). وبدأت طلائع هذه القوات والمقدرة بثلاثين ألف مقاتل بالتمركز على شط العرب من جهة الدولة الفارسية وذلك انتظارا لوصول بقية الجيش مع المدفعية ، وقد وجدت القوات الفارسية في الضفة المقابلة قوات كبيرة لمملكة المنتفق عسكرت منذ عدة أيام بقيادة حاكمها الأمير عبدالله بن محمد والذي تحرك بقواته عندما وصله من العثمانيين خبر تحرك الفرس وذلك في محاولة منه لمنع الفرس من عبور شط العرب ، يذكر ج.ج. لوريمر ، في كتابه دليل الخليج ، الجزء التاريخي ، ج:4 ، ص: 1849 ((( وفي صباح 16 مارس وصلت الأنباء الى البصرة بظهور طليعة الجيش الايراني ومعظم فرقه الأخرى المؤلفة من 30 ألف راكب وراجل الى مصب صويب أحد روافد شط العرب على الضفة اليسرى من النهر الرئيسي ، وعلى مسافة 35 ميلا أعلى البصرة ، وكان منتظرا وصول المؤخرة ، وبها المدفعية والقائد العام ، خلال يومين . وقد وجد الأيرانيين أنفسهم في أول الأمر في مواجهة قوات عربية كبيرة عسكرت منذ أيام على الضفة اليمنى من شط العرب ، لتمنع عبور الغزاة))). ثم شاهدت قوات المنتفق السفن الفارسية المزوده بالمدافع تتجهز لقصف الشاطىء تمهيدا للإنزال البحري فيه لذلك أدركوا استحالة صد الإنزال الفارسي على ضفة النهر الا بتدخل السفن العثمانية ، تبع ذلك قيام أسطول دولة بني كعب بسد مدخل شط العرب مما أجبر قوات المنتفق على ترك هذه الجبهة والإنسحاب الى الداخل ، يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو ، ج:4 ، ص: 89 ((( وعندما عبر الجيش الفارسي ، قادما من الحويزة ، شط العرب تحت القرنه ، قطع أسطول كعب خط سفن الحجز التركية ووضع نفسه تحت تصرف الفرس لنقل المؤن والذخائر))). ويذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 198 ((( وعلى ذلك فقد استطاع كريم خان تجهيز ثلاثين سفينة حربية محمله بالمدافع عند غزوه للبصرة ، وكانت هذه المدافع تستطيع ضرب المدينة من الماء، وتسند محاولات الجنود الذين يقاتلون في البر))). انسحب حاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد من شط العرب بعد اتضاح استحالة منع القوات الفارسية من عبور النهر بدون تواجد قوات بحرية تصد السفن الفارسية المزوده بالمدافع القادرة على قصف الشاطيء ، واتجه برفقة 15 ألف مقاتل من جنوده الى بلدة الزبير التابعة له وعسكر حولها لحمايتها ، وارسل لوالي البصرة العثماني يخبره بتعهد مملكة المنتفق بالدفاع عن مدينة البصرة ، وقد أرسل ابن أخيه الأمير ثامر بن سعدون بقوات الى داخل مدينة البصرة لتدعم القوات التي أرسلت مسبقا للبصرة بقيادة ابنه الأمير ثويني بن عبدالله ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 179 ((( عهد لقبائل المنتفق، بقيادة الامام عبدالله السعدون، أن ترابط على الجانب الغربي في شط العرب، وذلك للحيلولة دون عبور القوات الفارسية النهر. غير ان الامام عبدالله قد انسحب من مواقعه عندما بدأت القوات الفارسية تعبر النهر في السابع عشر من آذار 1775م. وصل الامام عبدالله السعدون في مطلع نيسان بقواته المؤلفة، كمايقول بارسنز، من خمسة عشر ألف رجل، الى الزبير ، التي تبعد 12 ميلا عن البصرة، ووعد بتقديم مساعدته الى الحكومة في الدفاع عن المدينة))). ويذكر المؤرخ الإنجليزي ستيفن هيمسلي لونكريك ، في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث, ص: 228 ((( هذا عدا عن ماحدث من رجوع قسم من شيوخ المنتفك للانجاد كالشيخ ثامر , وقد ابقي في البصرة , والشيخ عبدالله وقد اضطلع بحماية الزبير ))). وقد أسست مملكة المنتفق معسكر قوي كخط دفاعي لها بالزبير وتم تخزين كمية كبيرة جدا من الأمدادات هناك.

ثم بدأت القوات الفارسية بحصار البصرة والتمركز حولها في حصار طويل استمر لاكثر من سنة وشاركت في الدفاع عن البصرة خلال هذه المدة قوات من ثلاث دول عربية أدركت كلها خطورة التحرك الفارسي على وجودها ، وهذه الدول هي دولة عمان ودولة بني خالد ومملكة المنتفق ، يذكر المؤرخ حمد بن لعبون ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، ولد قبل عام 1768م وتوفي 1844م، كتاب تاريخ حمد بن محمد بن لعبون , ص: 512 ((( وفي سنة 1189: حاصر العجم البصرة . سار بهم كريم خان الزندي . واستمر الحصار سنة ونصف , ومتسلمها من جهة الروم سليمان باشا وفيها : ثويني بن عبدالله آل شبيب وغيره من المنتفق والعرب))).

استمرت محاولات إقتحام المدينة طوال فترة الحصار ، ومنها ماحصل في يوم 9 ابريل عندما حاول الإيرانيون اقتحام المدينة الساعة الثانية بعد منتصف الليل الا ان قوات الأمير ثامر بن سعدون آل شبيب قد صدتهم في معركة استمرت ساعتين (في ليلة مظلمه) وقتلت منهم 21 مقاتل وقامت قوات المنتفق بتعليق روؤسهم خارج أسوار البصرة ، يذكر ج.ج. لوريمر ، في كتابه دليل الخليج , القسم التاريخي , ج4 , ص: 1858 ((( وفي حوالي الساعه الثانيه من صباح 9 ابريل ، وكانت الليلة تامة الاظلام بلا قمر ولا نجوم حاولت جماعات من الايرانيين تسلق الأسوار في أماكن مختلفة بين بوابتي الزبير وبغداد ، ودار القتال رجلا لرجل بين المهاجمين والمدافعين واستمر التلاحم أكثر من ساعتين ... وحين انتشر ضياء النهار تبين أن المدافعين عن البصرة استطاعوا صد الهجوم ، ورأى مستر بارسونز بعد ذلك 21 رأسا من رؤوس الايرانيين معلقة على بوابتي الزبير وبغداد ... وظهر أن الفضل الأكبر في صد هجوم الأيرانيين الليلة الماضية كان يرجع للشيخ ثامر ورجاله المحاربين))).

وهذه خريطة توضح البوابتين اللتين حاول الأيرانيون اقتحامها في تلك الليلة:


لقد كان أخر ذكر تاريخي لحاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد في هذه الأحداث ، حيث يرد حدث يدل على وفاته في هذه الأثناء ، فقد وصل لعلم الإيرانيين أن قوات مملكة المنتفق قد انسحبت من معسكرها القريب من الزبير وبشكل مفاجىء وتركت خلفها الكثير من مواد التموين (مايكفي لتموين البصرة لمدة شهرين) ، وعندما اتجهت القوات الفارسية لمكان المعسكر وجدوه خاليا من الجنود والذين تركوا خلفهم مواد التموين، يذكر ج.ج. لوريمر ، في كتابه دليل الخليج , القسم التاريخي , عند تقديره لحجم مواد التموين التي غنمها الفرس من المعسكر الخالي من الجنود ،ج4 , ص: 1858 ((( والتي جاء عنها في أحد التقديرات أنها تكفي تموين البصرة كلها شهرين كاملين))). ويمكننا أن نتستنتج بشكل شبه مؤكد من هذا الحدث وفاة حاكم مملكة المنتفق الأمير عبدالله بن محمد بن مانع آل شبيب في هذه الأثناء وخوف معسكره من وصول الخبر للفرس واستغلالهم لهذا الخبر بالهجوم على معسكر مملكة المنتفق العسكري القريب جدا من معسكر الفرس ... لذا تم الإنسحاب من قبل الجنود بعتادهم العسكري فقط وتركوا المؤن والإمدادات الضخمه خلفهم حتى لاتبطيء انسحابهم وتجعلهم عرضه للهجوم.

استمرت قوات مملكة المنتفق وقبائلها بايصال الإمدادات الى مدينة البصرة المحاصرة وقد قامت قوات دولة بني خالد وقبائلها بنفس الدور أيضا، الا أن قوات المنتفق كانت تعاني من كونها يجب أن تحمي جبهتين الأولى الجبهة الفارسية والثانية شمال مملكة المنتفق وهي جبهة قبائل الخزاعل الذين تعاونوا مع الفرس ، يذكر المؤرخ الإنجليزي ستيفن هيمسلي لونكريك ، في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ، ص: 230 ((( وقد مكنت مؤازرة جماعات من المنتفك وبني خالد ، في خارج المدينة ، القوافل من الوصول الى المدينة المحاصرة بالرغم من تحالف المهاجمين مع الخزاعل واستفادتهم منها في مقابل ذلك))). يتحدث د. طارق نافع الحمداني ، عن متسلم البصرة وعلاقته ببني خالد، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين ، ص: 175 ((( لقد شعر بنو خالد بأن مصالحهم المختلفة، سواء المتعلقة بحماية القوافل التجارية الوافدة الى البصرة ، أو الحصول على المواد الغذائية، بخاصة التمور، سيلحقها الضرر جراء الحصار الفارسي للبصرة واحتلالها، لذلك وقف بنو خالد الى جانب متسلم البصرة في الدفاع عن المدينة ومساندتها. ففي المراحل الأولى من الحصار الفارسي قام بنو خالد، الى جانب المنتفق، بدور كبير في ايصال الامدادات الى المدينة))). ويتحدث، د. طارق نافع الحمداني ، عن متسلم البصرة العثماني وعلاقته بالمنتفق ، حيث كانت مدينة البصرة تقع بداخل أراضي مملكة المنتفق وسلطة المتسلم لاتتجاوز أسوارها ، وذلك في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين ، ص: 177 ((( حرص متسلم البصرة بشكل مستمر على كسب صداقة قبائل المنتفق، وذلك لضخامة قواتها القبلية، والتي كانت تشكل خير دعم له عندما تتعرض مدينة البصرة لخطر أو عدوان خارجي، بخاصة وأن سلطانه لم يكن يتعد أسوار المدينة نفسها))).

وبعد أن ضاق الحصار على البصرة وبدأ ينتشر بها الجوع ، وصل أسطول حاكم عمان في موقف عربي مشرف وهذا الأسطول مكون من أكثر من ثمانين سفينة كبيرة مزوده بالمدافع ، ومن عشرة آلاف مقاتل، ويحمل الكثير من التموينات لأهالي البصرة ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين ، عند حديثه عن أسطول عمان ، ص: 168 ((( كان مؤلفا من سفينة القيادة الرحماني، المصنوعة في بومباي، ومن 34 سفينة حربية، أربع منها بنيت في بومباي تحمل 44 مدفعا، وخمسة سفن من نوع الفرقاطة مزودة بـ (18 – 24) مدفعا، وأعداد كثيرة من السفن الصغيرة التي يتراوح تسليح كل منها مابين 8 الى 14 مدفعا، وقد بنيت الأخيرة في ميناء مسقط وغيره من الموانئ الأخرى. وكما تقدر المصادر العمانية نفسها، فقد كان عدد سفن الأسطول أكثر من ثمانين سفينة، وعلى متنها عشرة آلاف رجل وكميات كبيرة من المؤن الضرورية لمدينة البصرة))). وقد وصل الأسطول العماني كاستجابة من امام عمان الامام أحمد بن سعيد للطلب الموجه اليه من قبل الأمير ثامر بن سعدون آل شبيب والمحاصر في مدينة البصرة ، يذكر د. عماد عبدالسلام رؤوف ، في كتاب رحلة القائد العثماني سيدي علي التركي ، وهو الكتاب المتضمن لعدة أبحاث أخرى عن الجزيرة العربية والعراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، ص: 101 ((( ففي أثناء حصار جيوش كريم خان الزند حاكم ايران مدينة البصرة سنة 1775م ، استجاب الامام أحمد بن سعيد (حكم من 1749م الى 1783م) لطلب من شيخ المنتفق ثامر بن سعدون للمساعدة في فك الحصار))). وقد وجد الأسطول مدخل شط العرب مسدودا بسلسلة كبيرة من قبل الفرس بالاضافة الى تواجد المدفعية على جانبيه لمنع اقتحامه ، وبعد انقطاع السلسلة في ليلة عاصفة دخلت القوات العمانية بسفنها شط العرب تحت قصف عنيف من المدفعية الفارسية والتي فشلت في ايقاف الهجوم العماني ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 169 ((( ولما كان الشط مسدودا بفعل السلاسل الحديدية المنصوبة عليه لعرقلة وصول الامدادات، فضلا عن المدفعية التي وضعها الفرس على طرفي السلسلة من جانبي النهر لغرض نفسه، فقد وقف الأسطول العماني منتظرا الفرصة الى نهاية شهر أيلول ... وفي منتصف شهر تشرين الأول، انقطعت السلسلة الحديدية المنصوبة على شط العرب، وذلك بفعل الرياح العاتية التي تعرضت لها، وقد اندهش رجال الأسطول العماني لهذه الصدفة الغريبة، ولذلك فقد اندفعوا بسرعة في اليوم التالي ودخلوا شط العرب. وعلى الرغم من الرياح الشديدة والقصف المدفعي الكثيف فقد دخل الأسطول العماني في 14 تشرين الأول مع خسائر طفيفة))). يذكر ج.ج. لوريمر في كتابه دليل الخليج , القسم التاريخي , ج4 ، وصول الأسطول العماني, ص: 1865 (((وبعد القضاء على اسطول من السفن الايرانية يقوده الشيخ ناصر شيخ بوشهر وصل أسطول قوي أرسله امام عمان لمساندة الأتراك ، واتخذ الأسطول مواقعه عند مدخل شط العرب ، فأمن السيطرة على هذا النهر فترة ما ، وانتهزت هذه الفرصة لتوصيل الامدادات الى المدينة كي تستطيع الصمود والدفاع ))). ثم بعد مرور مدة على وصول الأسطول العماني الى البصرة بدأ الأسطول يعاني من نقص الامدادت بالإضافة الى وصول تعزيزات فارسية ، لذلك قرر قائد الأسطول العماني الإنسحاب الى بلاده خصوصا بعد انتشار أخبار ان الفرس سوف ينتقمون من دولة عمان بالهجوم عليها ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 172 ((( غير أنه بمضي الوقت أخذت مؤن العمانيين بالتناقص، ولم تصل النجدات لا من جانب السلطان العثماني في القسطنطينية ولا من عند والي بغداد، بينما كانت الامدادات في المؤن والرجال متواصلة للجانب الفارسي من شيراز، ومنها وصول قوة كبيرة يقودها علي محمد خان زند لتنضم الى قوات صادق خان. وبسبب هذه الأوضاع، كما تؤكد المصادر العمانية المحلية، انسحب الأسطول العماني الى بلاده وذلك في أوائل عام 1776م))). ويذكر أيضا عند حديثه عن أسباب انسحاب قائد الأسطول العماني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص:221 (((خشية تأثير النقص الحاصل في المؤن على جنوده، واحتمال قيام كريم خان بالهجوم على عمان مستغلا انشغال الأسطول العماني بمساعدة عرب البصرة))).

بعد انسحاب الأسطول العماني واصلت قوات مملكة المنتفق وقوات دولة بني خالد دعم المدينة المحاصرة وسهلوا وصول القوافل والامدادات اليها ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص:180 ((( والذي يمعن النظر في الدور الذي قامت به قبائل المنتفق، يجد بأن هذا الدور يزداد أهمية منذ انسحاب الأسطول العماني من البصرة في أوائل عام 1776م. ذلك لأن المدينة في هذا الوقت أخذت تعاني من نقص الامدادات بسبب وطأة الحصار الذي فرضه الفرس عليها، وقد مكنت مؤازرة جماعات من قبائل المنتفق وبني خالد في خارج المدينة المحاصرة، القوافل من الوصول اليها))). الا ان الحصار الفارسي أخذ يزداد قسوة ويقفل الطرق المؤدية الى المدينة بشكل أكثر إحكاما، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين ، ص: 175 ((( لقد افتقدت البصرة الكثير من المؤن بعد انسحاب الأسطول العماني منها مطلع عام 1776، وهنا قام بنو خالد باختراق بساتين النخيل بعمليات فدائية لايصال المؤن المطلوبة الى المدينة المحاصرة. من الواضح أن بني خالد الذين كانوا يتجولون على طول الشاطئ العربي مابين البصرة والقطيف، كانوا على علم بالمنطقة ودروبها. اذ كانوا يقددمون سنويا الى البصرة في موسم التمر للحصول على مايحتاجون اليه، ويبدو بأن هذا الأمر كان بموافقة متسلم البصرة أو قبائل المنتفق، التي كان لها النفوذ والسطوة على القبائل العربية المنتشرة في جنوب العراق حتى حدود الكويت. وعلى أية حال، فان انسحاب الأسطول العماني قد مكن صادق خان من تشديد حصاره للبصرة، وزيادة الدوريات الفارسية حولها، وهذا ماكان يعوق نشاطات بني خالد في ايصال التموينات الى المدينة، ومع ذلك فقد تسللت مجموعة صغيرة منهم عبر التحصينات الفارسية، ولكنها اصطدمت بقوة فارسية كبيرة مما اضطرها الى الانسحاب، وهذا ماكان يتماشى مع طريقة الكر والفر التي يقوم بها بنو خالد لاطريقة المجابهة المباشرة مع العدو المتفوق في العدة والسلاح))).

لقد كانت مدة حصار البصرة والتي وصلت الى سنة كاملة كافية الى وصول القوات العثمانية من القسطنطينية أو من بغداد ، لكن يبدو أن السلطان العثماني ووالي بغداد لم يكونوا يرغبون في تقديم مساعدة فعاله للمدينة المحاصرة ، وهذا ماأدى الى أحباط معنويات المدافعين عن المدينة من العرب، يذكر ج.ج. لوريمر ، في كتابه دليل الخليج ،الجزء التاريخي ، ج:4 ، ص: 1804 ((( وكانت مدة السنة التي انقضت بين حصار البصرة وسقوطها كافية لوصول أي عون اليها من بغداد أو حتى القسطنطينية ، لكن يبدو أنه لا الباشا ، وهو (حاكم ضعيف وجشع) ولا السلطان كانا مستعدين لتقديم أي عون فعال للمدينة المحاصرة))). ومازاد الطين بله هو وصول رسالة من والي بغداد تأمر متسلم البصرة (سليمان) بتسليم المدينة للفرس ، وبذلك أيقن العرب تواطؤ والي بغداد مع الدولة الفارسية ضدهم ، لذلك قرر أهالي البصرة إرسال وفد للتفاوض مع الفرس لتسليم المدينة وأباحوا للفرس كل مافيها مقابل تعهد الفرس بسلامة النفوس والأعراض في موقف عصيب يعتبر من المأسي التي واجهها سكان البصرة تاريخيا ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم البصرة ، ص: 321 ((( ثم ظهر للأهالي بأن مصطفى باشا متباطن مع العجم وان كان متجاهرا بالبغض لهم أمام العامة. ثم كتب مصطفى باشا الى متسلم البصرة (سليمان بيك) بأن المدد من الدولة بطيء . فاما تصطلح مع العجم أو تسلم لهم البلدة. وكتب أيضا مصطفى باشا الى الدولة بأن صلحنا مع العجم انتظم وأن جيوشهم تفرقت عن البصرة وعادت الى مقرها. ولما وصل كتاب مصطفى باشا الى سليمان بيك قرأه على أعيان البصرة فعلموا حينئذ بالهلاك والبوار. وخرج جماعه منهم الى قائد العجم طالبين منهم الأمان للنفوس والأعراض))). وعند وصول هذه الأخبار الى قوات بني خالد ، أدركوا خطورة احتلال البصرة من قبل الفرس على دولتهم لذلك انسحبوا الى الأحساء للتجهز للأيام القادمة ، يذكر المؤرخ الإنجليزي ستيفن هيمسلي لونكريك ، في كتابه أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث ، انسحاب بني خالد ، ص: 231 ((( وقد انسحب بنو خالد الى واحاتهم ممعنين نحو الجنوب))). وقد انسحب أمراء المنتفق ( الأمير ثامر والأمير ثويني ) من داخل المدينة مع قواتهم بشكل سري ، قبل تسليمها من قبل واليها وسكانها.

وبعد أن تم تسليم المدينة ارتكب الفرس افعالا شنيعه واذلوا أهلها ، يذكر أفعال الفرس فيها المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص: 84 ((( فخرج جماعة من الأعيان طالبين من صادق خان الامان للنفوس والاعراض وأباحوا له ماسواهما، فدخل البصرة ولم يبق ماثم ومظالم الا ارتكب منها المتون، وعمل من فنون الظلم مالا تتصوره من غيره الظنون، وقبض على سليمان وجماعة من الاعيان فانالله وانا اليه راجعون. فضاق من أهلها ساحة الصبر ولاسيما وعلى المنابر يسب ابوبكر وعمر وعثمان في السر والجهر، ونودي بحي على خير العمل، وهرب العلماء ومن عز انخذل، واضحى كل مسجد دارسا ومواضع العلم بلا معلم ودراس، وامكنة التحديث اتخذت للحدث امكنة ، وامكنة اقامة الخمس لاكارم الصحابة ملعنة ، والاكابر ترسف بالاداهم ، والاعناق مطوقة باطواق المغارم ، وبدل من الانبساط العصي والسياط كم مخدرة تنادي واويلاه وحرة تقول واطول ليلاه حتى ظن ان يد العدل لاترى لها في البصرة بسطة)))).

ثم بدأ الحاكم الفارسي بالتجهيز للخطوة التالية وهي احتلال الساحل العربي بأكمله وصولا الى عمان للسيطرة على كل المؤانيء العربية فيه وقد كانت الخطوة الأولى لتنفيذ ما يسعى اليه هي اخضاع كامل العراق ، يذكر ج.ج. لوريمر ، في كتابه دليل الخليج , القسم التاريخي , ج4 , ص: 1869 , متحدثا عن كريم خان الزندي بعد احتلاله للبصرة ((( كما أمر بأن يقدم اليه وصف تفصيلي وواضح للبلاد الممتدة من البصرة باتجاه مسقط , ومن هذه التعليمات الأخيرة يبدو أن الوكيل لم يكن يهدف لأن يستغل هذا الأقليم ماليا فقط , بل وينوي أيضا اتخاذه قاعدة لفتوحات أخرى))). لقد أراد الحاكم الفارسي أيضا احتلال الدول العربية التي دعمت مدينة البصرة والانتقام منهم وهذه الدول هي مملكة المنتفق ودولة بني خالد ودولة عمان. وكانت أول هذه الدول والتي تمثل خطرا عليه وتقف حجر عثرة في طريقه هي مملكة المنتفق لذلك أصبحت هدفا رئيسيا للفرس منذ تلك اللحظة.

6- مملكة المنتفق تقف وحدها أمام الجيوش الفارسيه وتبيدها بمعركتين ثم تحرر البصرة:


بعد تسليم البصرة للفرس من قبل واليها العثماني سليمان باشا ، وجدت مملكة المنتفق (وحكامها في تلك الفترة الأمير ثامر بن سعدون والأمير ثويني بن عبدالله – أخو ثامر من أمه وولد عمه) أنها تقف وحدها أمام القوات الفارسية ، وقد كان الفرس يدركون الخطورة التي تشكلها عليهم مملكة المنتفق خصوصا وأن الفرس لم يكونوا يسيطرون سوى على مدينة البصرة ذاتها والتي كان سكانها يتطلعون لمساعدة مملكة المنتفق وحكامها وقبائلها لهم ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين ، ص: 181 ((( ظلت مناطق المنتفق وديارها من أكثر المناطق التي تشكل خطرا على الجيش الفارسي ذلك لأن المنتفق ، الذين كانوا يسيطرون على هذه المنطقة المليئة بالأهوار والمستنقعات ، لم يدخلوا في معارك مباشرة مع الفرس حتى الآن ، وهم في الوقت نفسه يعدون عنصر الامداد الأساسي للمدينة المحتلة. والأهم من ذلك ، يبدو أن أهل البصرة ، وبعد أن أصبحت مدينتهم تحت الاحتلال ،أخذوا يتطلعون الى قوة قبائل المنتفق لانقاذهم، لأن الحاكم الفارسي لم يكن بحوزته سوى المدينة نفسها وعدة من البساتين المجاورة. وكان رجال المنتفق في هذه الأثناء بالمرصاد لأي ضعف أو وهن يبديه الفرس من أجل التعرض لهم))).

أدركت الدولة الفارسية صعوبة موقف مملكة المنتفق وإستحالت تلقيها لأي دعم في مواجهة الفرس ، لذلك قرر الفرس فرض شروطهم ووجهوا لحكام مملكة المنتفق طلبا بالخضوع وقد تم رفض هذا الطلب، مماأدى الى أن يقوم الفرس بتجهيز حملة من عشرة آلاف مقاتل ومزوده بالمدافع ويقودها صادق خان الزندي (أخو حاكم الدولة الفارسية) ، واجهت قوات مملكة المنتفق هذا الجيش في منطقة الفضلية واستطاعت أن تبيده بشكل شبه كامل في معركة عرفت بمعركة الفضلية ، ولم ينجو من الجيش الفارسي سوى قائد الجيش وبعض خاصته الذين هربوا للبصرة وهم مذعورين ومصدومين ، حيث أن المعركة كانت سريعة وقام قائد الفرس بوضع نهر الفرات خلف جنوده حتى يتجنب هجوم المنتفق عليهم من الخلف ، الا انه بعد الهزيمة اضطر الجنود الفرس للهرب الى النهر ولحق بهم فرسان المنتفق وقتلوا معظمهم على ضفته ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق، عند حديثه عن الحوادث في زمن الأمير ثويني بن عبدالله ، ص: 402 (((إن من أهم الحوادث في زمنه هي زحف الأعاجم (أهل فارس) نحو المنتفق بعد احتلالهم البصرة سنة (1190هـ 1775م) ... وقد طمعوا في غزو بلاد المنتفق فساق (صادق خان) جنوده نحو عشائر المنتفق فبرز لهم الشيخ ثويني بجموعه والتقى معهم في الموضع المسمى (الفضيلة) قرب ساحل الفرات الغربي. وتصادمت الأبطال في ذلك المكان وحمي وطيس القتال فلم يك إلا برهة من الزمان حتى أدبرت الأعجام مكسورة أمام ضراغمة المنتفق وخسروا أنفساً كثيرة. ومات معظم من سلم من القتل غرقاً في النهر. وذلك لأن قائد العجم استحسن بأن يجعل نهر الفرات خلف جنوده حفظاً لهم من حدوث طارئ يهاجمهم من الخلف لما عرفوه من خفة سرعة خيالة العرب في الالتفاف على العدو (وقطع خط الرجعة عليه) فكان ذلك الرأي هو السبب لدمار جنوده لأنه لما بدأ فيهم الفشل وأرادوا الهزيمة لم يجدوا مفراً سوى العبور في النهر إلى الجانب الآخر. فلحقتهم فرسان العرب تثخنهم ضرباً وطعناً وهم على حافة النهر. ففقدوا معظم قوتهم وذهب من نجا منهم إلى البصرة ودخلوها متقمصين ثوب الفشل والقهر))). ويذكر معركة الفضلية ، د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 182((( وهنالك دارت معركة سريعة بين الطرفين ، أسفرت عن اندحار الفرس وتكبدهم لخسائر فادحة. ويعود سبب ذلك ، كما ترويه المصادر المحلية المعاصرة، لأن الفرس قد وضعوا خلفهم نهر الفرات حتى لايهجم عليهم رجال المنتفق من الخلف، غير أنه لما حلت بهم الهزيمة لم يجدوا مفرا الا النزول في الماء لأجل العبور الى الجانب الآخر، فلحق رجال المنتفق بخيولهم وأوقعوا فيهم الضرب والطعن حتى أجهزوا على معظمهم))). ويذكر دخول صادق خان الزندي للبصرة بعد الهزيمة وهروبه وتركه لجنوده خلفه يواجهون القتل ، المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص: 87 ((( وولى جيش ذلك العلج الادبار وركب من الهزيمة الظهر والقفار، وخلع من بغيه برده، ونجا بنفسه ناسيا جنده، وذلك في موضع يسمى الفضلية قريبا من الفرات على الناحية الغربية، فرد الله كبد ذلك الرافضي في نحره، وجازاه عما فعله في اهل البصرة بكسره، ورجع من معه الى البصرة، والله قد اذاقه ذله وقهره، حتى كاد يموت غما لكون عسكره، اما قتلى واما كلمى))).

لقد كان وقع الخسارة على حاكم الدولة الفارسية كريم خان الزندي شديدا ، وقد توعد باستئصال المنتفق عن بكرة أبيهم ، وقام بإرسال قوات الى أخيه في البصرة وأمر بتجهيز حملة أكبر وأن تكون الحرب حرب استئصال ، وأمر بأن يكون أخوه محمد علي خان الزندي على رأس الحملة وأن يرافقه اثنين من أخوانه ولم يكن يعرف أنه كان يرسل أخوانه لحتفهم بل كان يرسل جيشا كاملا من خمسة عشر ألف مقاتل لحتفه ، يذكر ابن الغملاس ، في كتابه البصرة .. ولاتها ومتسلموها من تأسيسها حتى نهاية الحكم العثماني , ص 78 ((( فلما وصل الخبر الى شيراز غضب كريم خان الزندي فجمع عسكرا ضخما مدهشا وأرسلهم في قيادة محمد علي خان الزندي ليستأصلوا المنتفق عن أخرهم , ولما أخبر رؤساء المنتفق بذلك تهيأوا لهم واستعدوا للموت))). وفيما كانت القوات الفارسية تستعد لحملة ثانية ضد مملكة المنتفق وحكامها ، قام الفرس بالإعتداء على سكان مدينة البصرة الذين أبتهجوا لإنتصار المنتفق ، ثم أراد الفرس الانتقام من حكام مملكة المنتفق ، لذلك قاموا بتحرك عسكري مفاجىء تجاه بلدتين تابعتين لمملكة المنتفق وهما بلدة الزبير وكويبدة (التي كانت عاصمة قديمة للمنتفق أحرقها والي البصرة أفراسياب قبل قرن ونصف من الزمان تقريبا) ، حيث تحرك القائد الفارسي في البصرة بشكل مفاجيء في أحد الليالي وفي وقت متأخر من المساء وقام بإرتكاب مذبحة في الزبير وقتل 700 من سكانها وأحرقها ثم اتجه شمالا الى كويبدة وقتل سكانها وأحرقها وعاد للبصرة ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 182((( لقد أدى انتصار عرب المنتفق الخاطف الى زيادة ضغط الفرس على سكان مدينة البصرة حيث أرادوا الانتقام منهم مقابل خسارتهم. وعلى ذلك قاموا بهجوم مفاجئ على مدينة الزبير، التي كان عدد سكانها آنذاك يبلغ 700 نسمة، فأحرقوا بيوتها وذبحوا عددا كبيرا من أهلها، ثم واصلوا سيرهم نحو قرية كويبدة – على بعد عدة أميال من الزبير على طريق القوافل الى حلب – ففعلوا بها الشيء نفسه ، وقد لاحظ كابر آثار التدمير الوحشية التي قام بها الفرس في هاتين المدينتين عند مروره بهما عام 1778. لقد بقي علي محمد خان يصول ويجول في البصرة، ويذيق أهلها أنواع العذاب والظلم والاستبداد، وبعدها وجه قواته نحو قبائل المنتفق، لأخذ الثأر منها))). و يذكر ج.ج. لوريمر في كتابه دليل الخليج , القسم التاريخي , ج4 , ص: 1874 ((( وكان الحاكم الأيراني ، أو نائب الحاكم ، رجلا فظا قاسيا، حاول في البداية أن يتظاهر بالأعتدال والأنصاف ، لكنه سرعان ما أفسح المجال أمام عواطفه وغرائزه كي تمارس نشاطها ، فلم يصبح أحد من هذه المدينة في مأمن على حياته أو ماله. ولم تكن اعتداءاته ونزواته هذه قاصرة على الأفراد فقط . ففي احدى الليالي وتحت جنح الظلام قام بهجوم مفاجيء من البصرة على الزبير فأحرق بيوتها وذبح عددا كبيرا من أهلها ، ثم واصل السير الى قرى الكويبدة ، التي تبعد عدة أميال عن الزبير على طريق القوافل الى حلب ، ففعل بها الشيء نفسه ، ثم عاد أدراجه الى البصرة))). وعندها كان صادق خان قد رجع الى البصرة برفقته التجهيزات ومتوعدا بالثأر من حكام مملكة المنتفق (الأمير ثامر والأمير ثويني) ومن قبائلهم ، يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص: 88 ((( ثم ان العجمي عزم على غزوهم اخرى قائلا: اخذ الثار بالملوك مثلنا احرى فجمع جنودا تزيد على جنوده الاولى اضعافا، ورجع صادق خان الى البصرة شاهرا صوارم واسيافا، ومادرى انه كالحافر عن حتفه بظلفه، وان الزمان دائر على الباغي بصرفه، فلما تكاملت اجناده، وتخايلت بطرا امداده ، قائلين: سيعلم ثويني وثامر من عليه تدور ان لاقيناهما الدوائر ، فخرجوا من البصرة بزحوف وجنود في اسيافهم يلمع الحتوف ، والمقدم عليهم محمد علي خان وهو في قومه من البسالة في مكان))).



لقد كان تأثير قتل سكان بلدة الزبير وبلدة كويبدة كبيرا على حكام مملكة المنتفق ، لذلك قرروا تلقين الفرس درسا قاسيا وأخذوا بتجهيز خطة عسكرية للأيقاع بالجيش الفارسي الذي كان على وشك التحرك تجاههم ، وكانت الخطة أن يقوم الأمير ثامر بن سعدون بقيادة ألفين من الفرسان والظهور أمام أسوار البصرة ثم الإنسحاب شمالا وذلك لسحب الفرس الى كمين كان معد مسبقا ، حيث ينتظرهم أكثر من 15 ألف مقاتل من المنتفق بقيادة الأمير ثويني بن عبدالله في أرض محاطه بالماء من ثلاث جهات والجهة الرابعة مفتوحه لدخولهم .. بالإضافة الى أن أرض المعركة تم رشها بالماء مسبقا حتى تعيق تحرك المدافع الفارسية، وفعلا نحجت الخطة وتحرك الجيش الفارسي (قوامه 15 ألف مقاتل) متتبعا للقوات التي يقودها الأمير ثامر بن سعدون وذلك لإعتقاد الفرس أن قوات الأمير ثامر كانت عائده لمعسكرها وبالتالي أرادوا مباغتتها ، وما ان دخل الفرس الكمين حتى اغلق فرسان المنتفق بقيادة الأمير ثامر بن سعدون المدخل وهجموا عليهم منه ومن الجهات الأخرى هجمت عليهم قوات الأمير ثويني بن عبدالله (كلها من المشاة) ، فتم ابادة الجيش الفارسي بالكامل بما في ذلك أخوان حاكم الدولة الفارسية أبناء الأسرة الزندية في معركة عرفت بمعركة أبي حلانة ، يذكر ج.ج. لوريمر في كتابه دليل الخليج , القسم التاريخي ، متحدثا عن خطة المنتفق العسكرية في معركة أبي حلانة مع الدولة الفارسية , ج4 , ص: 1874 ((( وبعدها نجح الشيخ ثامر شيخ المنتفق في استدراج قوة ايرانية كبيرة من البصرة الى مساحة من الأرض , يحدها مجرى الماء من الشمال , وشط العرب من الشرق وخليج من الجنوب وهي تبعد حوالي 17 ميلا عن المدينة , وهناك كان عدد ضخم من عرب المنتفق بانتظار وصول القوة الايرانية , حيث أعملوا فيها القتل حتى أبادوها عن أخرها , وكان من بين القتلى علي محمد خان نفسه ومن هذه الحوادث نستطيع أن نفهم أن الأيرانيين لم تكن لهم أي سيطرة خارج أسوار مدينة البصرة ))). ويقدر الرحالة الإنجليزي كابر المعاصر للأحداث والذي زار البصرة في نهاية عام 1778م عدد قوات الحملة الفارسية بـ 15 ألف مقاتل، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ( Capper, op.cit, P.84)، ص: 183 ((( ويقدر كابر القوة الفارسية ضد قبائل المنتفق بحوالي (15 ) ألف رجل))).

لقد كانت الغنائم التي غنمتها قوات مملكة المنتفق كبيرة جدا ، ووفدت الشعراء على حكام مملكة المنتفق الأمير ثامر والأمير ثويني فأعطوهم الجواهر في مقابل قصائدهم ، وفرح سكان بغداد والبصرة بهذا النصر وبقتل أخوان حاكم الدولة الفارسية (أبناء الأسرة الزندية) وبزوال خطر الإحتلال الفارسي الذي كان يعيش أخر أيامه على يد أبطال قبائل المنتفق وحكامها، يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص: 93 ((( وتقاسمت بالكيل الدراهم، واوتدوا البيوت بالصوارم، ووفدت الشعراء على ثويني وثامر، فأجيزوا عن القصائد بالجواهر، واستبشر أهل بغداد والبصرة، بعظيم هذه الدولة والنصرة، وقتل محمد علي خان وسر بقتله أهل الايمان، وممن حضر ذلك اليوم وشكر مشهده من اولئك القوم حمود بن ثامر وهو شب فاوقد الوطيس بصارمه وشب، ومحمد بن عبدالعزيز ابن مغامس، فكر كرة الأسد الدماحس وشبان وشيب من المنتفق والشبيب))).

ونذكر هنا أبيات من قصيدة المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند البصري (المعاصر للأحداث) والتي قالها على لسان حكام مملكة المنتفق الأمير ثامر بن سعدون و الأمير ثويني بن عبدالله بعد هزيمتهم للفرس ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص:90 :

إذا لم ترض إلا السيف منّا
فإنّا المانعون لما حمينا
حماة الجار كم باغٍ لوينا
وكم ضمٍّ بمرهفةٍ أبينا
أترضى أن يغشمرنا معادٍ
ويسقينا ببيض الهند حينا
وفينا العزّ نجنيه ببيضً
وسمرٍ ينحنين وكم حنينا
وغمرة معمعٍ خضنا بخيلٍ
رياحٌ لا تسابق إن جرينا
وكم من كيخمٍ أردت ظبانا
وعزٍّ بالصوارم قد بنينا
سقينا من نحاربه بسجلٍ
إلى أن عاد منقاداً إلينا
وما إن فاتنا ملكٌ بثأرٍ
وما عن سعي مأثرةٍ ونينا
وما إن سامنا الأمراء خسفاً
فإن راموا بنا خسفاً عصينا
أسرّة عزّنا صهوات كمتٍ
تطير بنا متى نحن اشتهينا
تطير بنا إلى أبطال حربٍ
كعقبانٍ على صيدٍ هوينا
فيا علج الأعاجم إنّ بيضاً
نضوناها بقتلك قد وأينا
ورثناهنّ عن آباء صدقٍ
نضوها قبل ما نحن انتضينا
وأوصونا ونوصي وارثينا
بتلك البيض ما حرباً جنينا
ستندم إن تكن لقيتك منّا
فوارس لا يرون القتل شينا
(شبيبيّون) أنجبهم نزارٌ
يرون عليهم الغارات دينا
سنقريك السيوف قرىً جميلاً
ونسقيك الحتوف إذا التقينا

حتى قال:

ولا عذرٌ لنا عن قتل قومٍ
سباب الصحب جرّهمو إلينا
إذا لم نقرهم بالبيض ضرباً
يذيقهم المنون فلا اهتدينا
إذا لم نحم من عجمٍ ذماراً
بسبّهم الصحاب فلا اتقينا
فصبراً يا عدوّ الله صبراً
لأسيافٍ بها العليا ارتقينا
فعنك يضيق رحب الأرض عمّا
قريبٍ، والعلوج تقول إينا

بعد خسارة الفرس الضخمة و إبادة القوات الفارسية في معركة أبي حلانة أصاب الذعر والي البصرة الفارسي لذلك ما ان وصل صادق خان الزندي الى البصرة ومعه قوات اضافية (أربع آلاف مقاتل) لدعم الوالي الفارسي فيها ، حتى أرسل رسولا للتفاوض مع حكام المنتفق في محاولة منه للبقاء في البصرة دون اصطدام مع المنتفق، الا انه تم رفض التفاوض من قبل الأمير ثامر، وحاصرت قوات كبيرة من مملكة المنتفق مدينة البصرة ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، ص: 185 ((( فعلى الرغم من التعزيزات الفارسية الجديدة التي وصلت الى البصرة بعد هذه الهزيمة والتي تقدر بأربعة آلاف رجل ، الا ان صادق خان ، حاول فور وصوله الى المدينة الاتصال بالشيخ ثامر لمفاوضته وعقد الصلح معه ، الا ان الأخير رفض العروض الفارسية رفضا قاطعا))). لذلك انهارت معنويات الفرس بشكل كبير و اضطر قادة الجيش الفارسي الى التفاوض حول خروج الفرس من البصرة فقط ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، وصف الفرس بعد خسارة 15 ألف مقاتل في معركة أبي حلانة ورفض التفاوض مع الجانب الفارسي من قبل مملكة المنتفق، ص: 186 ((( حيث انهارت قواهم العسكرية والمعنوية معا ، ولم يعد لهم خيار غير مغادرة المدينة ، وهذا ماقاموا به حالما ترامت الى مسامعهم وفاة كريم خان الزند عام 1779م. وهكذا تنتهي هذه الصفحة من تاريخ البصرة ، بعد أن شهدت من الأحداث الجسام مالم تشهده من قبل))). وقد تم الإتفاق بين الطرفين بإخلاء سبيل أعيان البصرة الأسرى لدى الفرس مقابل تأمين انسحاب الفرس من المدينة ، وعلى أن تسلم البصرة لحكام مملكة المنتفق ، وقد تم تبادل بعض الأعيان بين الطرفين حتى لايقوم أي طرف بمهاجمة الطرف الأخر أثناء عملية الإنسحاب على أن يطلق كل طرف ماعنده من الأعيان بعد اتمام عملية الانسحاب. وقد كانت معركة أبي حلانة سببا رئيسيا في ايقاف الفرس عن التوغل في العراق ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم البصرة ، ص: 322 (((وكانت وقعة أبي حلانة هي السبب في تقصير همة العجم عن التوغل في العراق. بل أنها الجأتهم الى الانسحاب من البصرة))).

يلخص المعركتين المؤرخ جعفر الخياط ، في كتابه صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة, ج : 1 , ص: 209 ((( وكانت الشخصية العربية الأخرى التي يشار لها بالبنان في العراق حينذاك ثويني العبدالله شيخ مشايخ المنتفك , من آل شبيب , الذي أبلى بلاء حسنا , بالاشتراك مع ابن عمه ثامر المحمد المانع , في قتال الفرس حينما جردوا على عشائر المنتفك من البصرة ( وكانوا قد احتلوها في عهد كريم خان زند) حملات قوية استطاع المنتفكيون تدميرها عن بكرة أبيها في موقعتي الفضلية وأبي حلانة))). ويلخص تفاصيل الاحتلال والمعركتين ونتيجتهما المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، وذلك في كتابه البدو , ج 3 , ص: 599 (((صحيح أن المنتفق كانوا قد فوتوا فرصة منع الفرس من عبور شط العرب , لكنهم شاركوا بشجاعة في الدفاع عن المدينة التي قاومت الحصار سنة ونصف السنة والتي كان المنتفق وبني خالد يزودونها بالمؤن . بعد سقوط البصرة تابع المنتفق الحرب . ونصبوا كمينا للفرس المتقدمين على الفرات عند الفضلية , قرب عرقة , وهزموا عند أبو حلانه جيشا ثانيا يقوده أخو كريم خان.ولذلك حصل المنتفق , بعد انسحاب الفرس عام 1779م ,على السلطة في البصرة))).

وهكذا استطاع هذان الحاكمان (ثويني وثامر) العبور بدولتهم (مملكة المنتفق) الى بر الآمان في واحدة من أخطر الأحداث التي هددت وجودها تهديدا فعليا .. واستطاعا أيضا حماية شرق وشمال الجزيرة العربية من هذا الخطر الفارسي وخصوصا دول الساحل العربية (دولة بني خالد ودولة عمان). ولقد كانت خسائر معركة أبي حلانة هي أكبر خسارة في عدد القتلى يتلقاه الفرس في القرون المتأخره من عرب العراق دون تدخل عثماني سواء كان هذا التدخل عسكريا او ماديا أو حتى معنويا (بل أن موقف العثمانيين من التحرك العسكري الفارسي وإحتلال البصرة أثر بشكل سلبي معنويا على العرب في العراق وخارجه) ، ويليها في حجم الخسائر إبادة القوات الفارسية في معركة الفضلية السابقة لها ، وهي صفحة مشرقة استطاعت مملكة المنتفق (بحكامها آل سعدون الأشراف وقبائلها وعشائرها وحواضرها وبواديها) أن ترسمها كحدث فريد في تاريخ العراق وكدرس قاسي جدا في تاريخ الفرس الذين فقدوا 24 ألف مقاتل وأخوان حاكمهم من الأسرة الزندية.

7- البصرة تعود لحكام مملكة المنتفق:

بعد تحرير البصرة أصبحت المدينة بيد آل سعدون الأشراف حكام مملكة المنتفق ، وقد رفض الأمير ثامر عودة سليمان الكبير (والي البصرة - قبل احتلالها من الفرس) الى البصرة ، وقد كان سليمان يراسل الدولة العثمانية طالبا منهم أن يكون واليا لمدينة البصرة مرة أخرى ، الا أن العثمانيين كانوا غير قادرين على تغيير واقع الحال في المدينة التي كانت تحت سيطرة مملكة المنتفق ، وفي نفس الفترة اندلع خلاف بين مملكة المنتفق وبين قبائل الخزاعل يرى بعض المؤرخين انه بسبب فتنة من ولاة الدولة العثمانية بين الطرفين بسبب موقف حكام مملكة المنتفق من عودة المدينة للحكم العثماني ويرى البعض الأخر أنه بسبب قطع قبائل الخزاعل لحركة السفن التجارية في نهر الفرات بسبب ميل الخزاعل لطرف الدولة الفارسية .

أيا كان السبب فقد تحرك جيش يقوده الأمير ثامر بن سعدون الى شمال السماوة في عام 1779م ، واندلعت معركة كبيرة بين قوات مملكة المنتفق وقبائل الخزاعل استمرت ثلاث أيام وانتهت بانتصار قبائل الخزاعل ومقتل الأمير ثامر بسهم اصابه في رقبته ، ثم تم قطع رأسه والذي قدم كهدية لشيخ الخزاعل (الشيخ حمد الحمود) .. وقد تم أسر ابنه الأمير حمود بن ثامر وكان وقتها شابا صغيرا . وقد كان أكثر من فرح بقتل الأمير ثامر هو سليمان باشا والي البصرة السابق لكون الأمير ثامر رفض اعادته للبصرة ، يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ،عند حديثه عن سليمان باشا، ص: 141 ((( فلم يلبث الا قليلا حتى اناه الفرج، جاءته البشائر فاستيشر وابتهج، وذلك ان ثامرا لما منعه دخوله، وقطع من البصرة مأموله وسوله، غزا عقب المنع الخزاعل، فأصاب سهم المنية منه المقاتل))).

وبعد المعركة قدم الخزاعل للأسرى من المنتفق مائدة عشاء وضعوا عليها رأس الأمير ثامر وقد جزع الأسرى من هول المنظر الا ابنه الأمير حمود الذي أخذ رأس والده ووضعه في حجره وأكل من الطعام وطلب من بقية الأسرى الأكل ، وقد أدرك الخزاعل أن الخطر عليهم من حمود لاحقا ان هو أمتلك الحكم والقوة سوف يكون كبيرا ( وهو ماحصل فعلا ) وكادوا أن يقتلوه الا أن شيمتهم العربية الأصيلة أبت ذلك، وقد كان هذا الحدث له التأثير الأكبر على مجرى الأحداث لاحقا ، وبعد ذلك قام الخزاعل بإطلاق سراح الأسرى ، يذكر المؤرخ الشيخ علي الشرقي، في كتابه ذكرى السعدون (الصادر عام 1929م) ، ص:38 ((( وكانت خزاعة ترهب الشيخ حمود لانها قد شاهدت منهم منظرا رهيبا في حداثة سنه وهو انه في مصادمتهم مع ابيه ثامر تلك المعركة الكبرى التي قتل بها الشيخ ثامر اسروا جماعة من صبية آل سعدون وفي جملتهم الشيخ حمود وقد بالغ الخزاعل في ارضاء حقدهم وشفاء غليلهم من آل سعدون فقدموا لهم عشاء وهو شيء كثير من الارز المطبوخ وعليه رأس الشيخ ثامر وقد لوث بدمائه الرز فكزت نفوس الأسرى من تلك المعاملة الجافية وجزعوا من هول المنظر الا حمود وهو ولد القتيل الشيخ ثامر فانه تقدم الى الطعام برباطة جأش وتعمد فجعل ينحي الرأس ويأكل من الطعام الملوث بالدم فهال الخزاعل امر تلك النفس القوية وتخوفوا من مغبة امر حمود اذا رجع لقومه وناجز الخزاعل باخذ الثار وارادوا قتله فورا وتخلصا من شره في المستقبل ولكن استعصت عاداتهم وابت عليهم تقاليدهم ان يقتل الاسير))). يذكر الدكتور حميد بن حمد السعدون ، في كتابه امارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق و المنطقة الأقليمية 1546م – 1918م ، ص: 133 (((والغريب في هذه المعاملة السيئة للأمير القتيل وللأسرى، أنها جاءت بوجود " حمد الحمود " الشخصية الرزينة والشجاعة، والذي لم يجد من يأويه هو وأبيه بعد تدمير الوالي - عمر باشا - لمدينتهم " لملوم " عام 1769م، وطلبه اياهم في كل مكان ، الا أهل المنتفق بعد أن هربا اليهم ، طالبين منهم الحماية والعون ، وقد حصلا عليها ، وجرى أكرامهما وحمايتهما ))) .

بعد مقتل الأمير ثامر المفاجىء وهزيمة قوات المنتفق رأى الأمير ثويني بن عبدالله أنه يجب عليه أن لا يفتح ثلاث جبهات ويواجه ثلاث أطراف في نفس الوقت (قبائل الخزاعل والدولة الفارسية والدولة العثمانية ) وأنه من الحكمه دعم سليمان باشا وكسبه الى جانبه سياسيا ، وذلك لمابينها من صداقه نشأت عندما اشتركا في الدفاع عن البصرة أثناء حصارها من الفرس لمدة سنة ونصف ، لذلك قام بإعادة مدينة البصرة لدولة العثمانية ولكن فقط من خلال تسليم حكمها لسليمان باشا كدعم من الأمير ثويني لسليمان باشا وبذلك سجل موقف سياسي يحتاج له بمثل هذه الظروف السياسيه التي تمر بها مملكته وهي محاطه بدولتين قويتين (الدولة العثمانية والدولة الفارسية) كلاهما يملكان نفس الطموح للأستيلاء على دولته. يذكر المؤرخ جعفر الخياط ، في كتابه صور من تاريخ العراق في العصور المظلمة ، وذلك عند حديثه عن الأمير ثويني بن عبدالله ، ص: 209 ((( وقد ظلت عيونه ترنو الى البصرة والاستقلال بها في كل الفرص والمناسبات . وتعرف على سليمان الكبير حينما كان متسلما في البصرة , فساعده في الدفاع عنها ضد الأيرانيين خلال مراحل الحصار كلها . وحينما استولى ثويني على البصرة بعد انسحاب الايرانيين منها . كان هو الذي سمح لسليمان الكبير بعد عودته من الأسر بالعودة الى منصبه بعد أن كان ثامر ابن عمه قد رفض اعادته من قبل . ولذلك نشأت بين الشخصيتين مودة خالصة وعلاقة حسنة ))).

8- دور الأمير ثويني في وصول سليمان باشا للحكم في بغداد:




بعد دخول سليمان آغا (سليمان باشا لاحقا) الى البصرة راسل الدولة العثمانية طالبا منها ولاية بغداد وشهرزور بالاضافة لمدينة البصرة مستندا في ذلك الى دعم صديقه الأمير ثويني بن عبدالله حاكم مملكة المنتفق (الذي سلمه المدينة ودعمه عسكريا وسياسيا) والى دعم المستر لاتوش (Latouche) المقيم البريطاني في البصرة. ونتيجة لهذا الدعم الذي يضمن له المحافظة على استقرار الأوضاع في مناطق العراق العثمانية (ولاية بغداد وشهرزور ومدينة البصرة ) فقد وافقت الدولة العثمانية على تعيينه. يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو ، ج:3 ، ص: 284 ((( وعندما عاد سليمان آغا من الأسر وجد البصرة في يد المنتفق. لكن الشيخ ثامر السعدون قتل في حرب قبلية وقام خليفته ثويني بفتح أبواب المدينة له أي لسليمان آغا. وبعد وقت قصير أصبح سليمان الكبير واليا على بغداد وشهرزور(وكانت البصرة قد سلمت له قبل ذلك).))).

وقد خرج سليمان باشا من مدينة البصرة لتسلم منصبه كوالي لبغداد ومعه صديقه حاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله الذي صحبه برفقة رجاله من قبائل المنتفق ومن جنود بلدة الزبير التابعين للأمير ثويني ، وذلك للشد من ازر سليمان باشا ودعمه ، يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، عند حديثه عن سليمان باشا، ص: 147 ((( ازمع السفر، ليبلغ لخلافته المستقر في خميس لامع السنور، صاهل الشياظم الضمر، وقد صاحبه وساعده وشد عضده وساعده، ثويني بن عبدالله بعشائره))). وعند وصولهم الى بلدة العرجا في مملكة المنتفق وجدوا اسماعيل بيك قادما لاستقبالهم ، وعلى الفور أمر سليمان باشا رجاله بقطع رأس اسماعيل بيك لوجود أمور ينقمها عليه ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم البصرة ، ص: 324 (((فتوجه سليمان باشا المذكور من البصرة نحو بغداد وصحبه (ثويني بن عبدالله) مع عشائره وجملة من عسكر (بلدة الزبير) النجديين. فلما وصلوا الى (العرجاء) من أرض المنتفق لاقاهم (اسماعيل بيك كتخدا) مع عسكره ليشد عضدهم فأمر سليمان باشا بقطع رأسه لأمور ينقمها عليه قديما))). ثم بعد ذلك قام سليمان باشا بالإصلاح مابين شيخ قبائل الخزاعل (في ولاية بغداد) وحاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله ، وذلك رغبة منه في استقرار الأوضاع في داخل ولاية بغداد ، وهو الاجراء الذي رفضه أبناء الأمير ثامر الذي قتل في معركة مع الخزاعل ، يذكر الدكتور حميد بن حمد السعدون ، في كتابه امارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق و المنطقة الأقليمية 1546م – 1918م ، عند حديثه عن الأمير ثويني بن عبدالله وموافقته على المصالحة مع قبائل الخزاعل ، ص: 138 (((كان اجراء سليما يستجيب لما يطمح به في ابعاد الأجنبي عن أرض العرب ، هذا غير أنه جنب الطرفين دماء هما بحاجة اليها في المواجهات ضد الأجانب والغرباء))).

وبوصول سليمان باشا الى الحكم في بغداد عادت مدينة البصرة لنفوذ حاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله ، حيث أصبح هو من يعيين ولاتها عليها في الفترة مابين ( 1780م – 1787م ) ، حيث يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث ) وذلك عند حديثه عن صديقه السيد محمود الرديني الهاشمي (والي البصرة المعين من قبل الأمير ثويني بن عبدالله ) ، في كتابه سبائك العسجد في اخبار نجل رزق الاسعد ، ص : 67 ((( قد نشأ في البصرة الرعنا فتسامى الى المعالي فنا ففنا ، وارتفع متون الشرف متنا فمتنا ، وانثالت اليه المحامد من هنا وهنا ، وردت اليه الرياسة فزادها حسنا ، وفتحت به السياسة عينا واذنا ، وحنت اليه السيادة حنين قيس الى لبنى ، ورمقته النجاره اذا صار لها ابنا ، جرت له في بلده احوال لايصبر لها الجبال بل لا الرجال ، فثبت لها ومااضطرب ، حتى انجلت ولله الحمد كما طلب ، وذلك عندما ولاه ثويني بن عبدالله زمام امرها واخدمه عنق عبدها وحرها ، فسار بها اعدل السير ، وبورك له فيها بالورد والصدر ... فهو لازال حاكما بالسويه ، محمودا كاسمه في الرعية ، راجعا اليه امر ذلك المقدم ماضيا حكمه في المؤخر والمقدم ، حاميا لها عن بني كعب بالعزم والحزم والعضب ))). ويظهر أن اتفاق مملكة المنتفق مع العثمانيين لعودة مدينة البصرة الى نفوذ الأمير ثويني بن عبدالله وأن يعين هو ولاتها ، يرجع لكون مملكة المنتفق هي من قامت بتحريرها من الفرس ، ويشمل هذا الاتفاق حماية المدينة بشكل رسمي من قبل مملكة المنتفق ، وذلك مقابل تقاسم النفوذ بين الدولتين في المدينة ، لذلك أقامت مملكة المنتفق معسكر حربي دائم قريب من البصرة وكان على رأس المعسكر الأمير صقر بن عبدالله (أخو الأمير ثويني) وسوف يأتي الحديث عن هذا المعسكر في فصل لاحق من هذا البحث لتعلقه بأحد الأحداث المهمه بالمنطقة عام 1784م.

9- تأسيس مدينة سوق الشيوخ للسيطرة على تجارة المنطقة:

بعد أستقرار الأوضاع للأمير ثويني بن عبدالله بزوال الخطر الفارسي عن العراق وأستقرار حكمه على نصف العراق والصحراء الممتدة على جانب الفرات من شمال السماوة و حتى حدود الأحساء ونجد الشمالية وحدود بادية الشام بالأضافة الى وصول صديقه وحليفه سليمان باشا للحكم في بغداد .. وبعد الوصول الى صيغة تفاهم بين العثمانييين وبين دولته حول مدينة البصرة . فقد بدا التجهيز لبدء عصر جديد في دولته وذلك بإنشاء عاصمة لها (بدلا من عاصمتها القديمة) وأرادها أن تكون مركزا تجاريا يتيح له ولأسرته (آل سعدون ) التحكم في تجارة المنطقة . حيث شهد عام 1780م تأسيس أهم مدينة لمملكة المنتفق على مدى تاريخها وهي مدينة سوق الشيوخ ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق ، ص: 401 (((وكان لما تولى ثويني بن عبد الله رئاسة المنتفق كما تولاها من قبله أبوه وجده وأبو جده. وجه في بادئ الأمر سطوته ونفوذه نحو الأعراب المنبثين من جنوبي بغداد إلى حدود الكويت. وكان يعد من أجود العرب في زمانه وأسخاهم. فاستتب له الأمر كما أراد))). وقد أسس الأمير ثويني بن عبدالله مدينة سوق الشيوخ لسببين رئيسيين:

1. لكي تكون عاصمة جديدة لمملكة المنتفق بدلا عن مدينة العرجاء التي فقدت أهميتها منذ مده.
2. لكي تكون مركزا تجاريا يتيح لأسرته السيطرة على تجارة القبائل في المنطقة ( داخل وخارج مناطق حكمهم).

يذكر المؤرخ والصحفي سليمان بن صالح الدخيل النجدي ، في بحثه الخاص بمدينة سوق الشيوخ ، المنشور في مجلة لغة العرب عام 1912م (قبل الحرب العالمية الأولى) ، وذلك عند حديثه عن مؤسس مدينة سوق الشيوخ (((هو الشيخ ثويني المحمد جد الأسرة السعدونية. وذلك أنه لما كان حاكما كبيرا في العراق، يمتد حكمه من الغراف والبصرة إلى ماقارب الكويت من جهة، ومن الجزيرة إلى ماحواليها من جهة أخرى أصبح نفوذا عظيما على كثير من عشائر العراق ونجد وقبائلهما. وكان معه في غزواته وفتوحاته سوق متنقلة وهي عبارة خيام تجار وباعة... ثم أن أعراب ثويني رغبوا في أن تقام سوق دائمة قريبة من الفرات في الصقع الذي ترى فيه اليوم سوق الشيوخ لطيب مائه وحسن هوائه وكثرة مرعاه فاذن بذلك))). ولكي تكون المدينة مركز تجاريا مؤثرا فقد قام الأمير ثويني بن عبدالله بسياسة مهمه لتحقيق هذا الهدف وذلك بإعطاء التجار في المدينة القروض الكبيرة دعما لهم وتشجيعا للتجار من خارجها أيضا على السكن فيها والإستفادة من هذه القروض ، يذكر المؤرخ والصحفي سليمان بن صالح الدخيل النجدي ، في بحثه الخاص بمدينة سوق الشيوخ ، المنشور في مجلة لغة العرب عام 1912م (قبل الحرب العالمية الأولى) ، وذلك عند حديثه عن الأمير ثويني بن عبدالله (((وكان الشيخ ثويني يعطي تجار الشيوخ مئات من نقود الفضة والذهب بمنزلة قرض يستفيدون من نفعها ويردونها اليه وقت الحاجة حينما يطلبها منهم أو يطلب عوضا منها))).

وقد كانت مدينة سوق الشيوخ أول مدينة أسست لهدف تجاري في المنطقة في القرون المتأخرة ، وهي توضح التطور في الفكر الإقتصادي والسياسي الذي وصل له حكام مملكة المنتفق في تلك الفترة ، بالإضافة الى توضيح امتلاكهم للقدرة السياسية والإقتصادية لإنجاح مثل تلك المدينة. وقد انشأ الأمير ثويني بن عبدالله في المدينة الأسواق والمخازن الكبيرة وجلب لها البضائع من مختلف المناطق من خارج العراق ، ونتيجة لهذه السياسية المالية بالإضافة الى الثقل السياسي والعددي الكبير لمملكة المنتفق ولتميز موقع المدينة، فقد أصبحت مركزا تجاريا كبيرا لقبائل البادية في العراق وشرق وشمال ووسط الجزيرة العربية بالأضافة الى القوافل التجارية لسكان المدن والقرى في هذه المناطق أيضا، وهو ماأدى الى ازدهار التجارة في المدينة بشكل كبير جدا لم تبلغه أي مدينة في جنوب أو وسط العراق في تلك الفترة، يذكر عبدالكريم محمد علي ، في كتابه تاريخ مدينة سوق الشيوخ , ص: 28 ((( ولما كانت المدينة على حافة نجد الشرقية , فقد اصبح سوقها مركزا تجاريا وتموينيا لعرب نجد. فأزدهرت التجارة والتبادل والمقايضة في هذه المدينة ازدهارا عظيما لم تبلغه اية مدينة اخرى في جنوب العراق او وسطه , وبنيت في وسط المدينة الأسواق المسقفة الطويلة المزدحمة بمئات الدكاكين السلعية والحرفية , كما شيدت مباني الخزن والتوزيع الكبيرة الواسعة ( الخانات التجارية) في وسط الأسواق وأطرافها , التي تمتلأ بالخزين من البضائع المستوردة من اسواق البصرة , ومن الهند وتركيا والشام والخليج العربي وايران ))).


مفيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس