..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. - عرض مشاركة واحدة - آل سعدون الأشراف يحاولون الاستقلال بالعراق عام 1787م
عرض مشاركة واحدة
قديم 02-12-2020, 07:30 PM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
كاتب في النسابون العرب
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي

[align=right]
وأما سبب تحرك الأمير ثويني بن عبدالله لإستعادة حكم آل عريعر على الأحساء فهو لأن العلاقة بين آل سعدون الأشراف حكام مملكة المنتفق وآل عريعر حكام دولة بني خالد كانت أكبر من تحالف عسكري ، حيث ان هنالك علاقة مصاهرة تاريخيا ، فالأمير ثامر بن سعدون آل شبيب (أخو الأمير ثويني من أمه وولد عمه) كان متزوج من آل عريعر وهم أخوال ابنه منصور , يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو، أحداث هذه الفترة , ج 3 , ص: 598 ((( وكان هناك خطر أكبر بدأ يهدد العراق منذ عام 1790م من جهة حدوده الصحراوية وهو الخطر الوهابي . وهنا أيضا كان كل شي يتوقف على موقف المنتفق , اذ ان بيت سعدون , الفرع الحاكم من آل شبيب , كانوا متصاهرين مع عريعر وهم الأمراء الوحيدين الذين كانوا أو مازالوا يقاومون الوهابيين في داخل شبه الجزيرة العربية ))). و يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو ،عند حديثه عن الأسرة الحاكمة في مملكة المنتفق آل سعدون الأشراف , ج 3 , ص: 622 ((( وكان أبناء العائلة يزوجون بناتهم دوما فيما بينهم وكانوا يختارون زوجاتهم فيما عدا ذلك فقط من ربيعة , باوية (شيوخ بني خيقان ) , أو عريعر , أو شمر ))). وبعد سقوط دولة بني خالد عاش مجموعة من عشائر بني خالد وحكامهم (آل حميد) في مملكة المنتفق كضيوف على آل سعدون الأشراف ، يذكر عبدالكريم المنيف الوهبي ، في كتابه بنو خالد وعلاقتهم بنجد 1080 - 1208 هـ/ 1669 – 1794م ، ص: 395 ((( ارتبط الفريقين بعلاقة قوية ، اذ عاشت بعض العشائر الخالدية ومن ضمنها بعض آل حميد أنفسهم مع المنتفق وارتبطوا بهم الى عهد قريب ))).


وقد قام والي بغداد بإعطاء الأمير ثويني بن عبدالله خمسين ألف قرش ومائة فرس وغيرها ، ولم يخرج الأمير ثويني من بغداد الا بعد أن وزع كل ماأعطي له على المحتاجين ، يذكر المؤرخ حسين خلف الشيخ خزعل ، في كتابه تاريخ الكويت السياسي ، ج:1 ، ص: 63 ((( اعطاه خمسين الف قرشا ومائة ناقة ومائة فرسا ومائة خلعة فما خرج ثويني من بغداد الا بعد ان فرق جميع مااعطاه الوزير الى من يستحق ذلك))). وتحرك الأمير ثويني بن عبدالله محاطا بموكب من بغداد الى البصرة ، حيث فرح به المهاجرين من الأحساء ومن نجد ، واتته القصائد منهم تحثه على التقدم للأحساء ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج:1 ، ص: 219 ((( فحين قدم البصرة فرح به أهل تلك الأوطان فرحا شديدا ، وقالوا هذا الذي يأخذ الثار ويخرب ذلك الديار ، وأتته منهم القصائد يحضونه ويحرضونه ويعجلونه بالمسير))). وما ان وصل الأمير ثويني بن عبدالله الى البصرة واستعاد حكمه لمملكة المنتفق حتى بدأ بإستنفار رعاياه وقواته من حواضر وبوادي مملكة المنتفق فحشد عشرين ألف مقاتل عربي بالإضافة الى العشرة آلاف جندي التركي المرسلين من قبل والي بغداد ومتسلم البصرة ، ثم اتجه بهم الى الجهراء التي عسكر فيها ثلاثة أشهر وبدأت قبائل بني خالد والظفير وغيرها من البوادي بالتجمع لديه لدعم الحملة ، ثم اتجه الى القطيف بقواته البرية بينما كانت هناك قوات بحرية حملت على سفن أرسلت الى ميناء دولة بني خالد في القطيف ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج:1 ، ص: 225 ((( ولما استقر ثويني في المنتفق والبصرة واستنفر رعاياه فحشد معه عربان المنتفق وأهل الزبير وأهل البصرة ونواحيها ، وحشد جميع عربان الظفير ونزلوا عليه ثم حشد بنو خالد كلهم ماغاب منهم الا المهاشير ، ورئيسهم براك بن عبدالمحسن ، ونزلوا على ثويني وهو نازل على الجهراء ، فأقام عليها نحو ثلاثة أشهر وهو يجمع البوادي والعساكر والمدافع وجميع آلات الحرب من البارود والرصاص والطعام وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر وأركب أيضا عساكر في السفن من البصرة ، ومعهم الميرة تباريه في البحر وقصدوا ناحية القطيف واتفق له قوة هائلة))). يذكر تعداد جيش هذه الحملة الخارج من البصرة بإتجاه الجهراء ، الرحالة الإنجليزي المعروف جاكسون في رحلته للعراق عام 1797م ، كتاب مشاهدات بريطاني عن العراق سنة 1797 ، وقد كان وقتها في عاصمة مملكة المنتفق مدينة سوق الشيوخ في نفس وقت تواجد حاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله في الأحساء (وقد ذكرنا في فصل سابق مقتطفات من رحلته) ، ص: 53 ((( كان جيش الشيخ يبلغ زهاء ثلاثين ألف مقاتل منهم عشرة آلاف جندي تركي وعشرون ألف مجند عربي))).


وما ان تحرك الأمير ثويني بن عبدالله بإتجاه الأحساء حتى بدأ كبير علماء دولة بني خالد والأحساء الشيخ محمد بن عبد الله بن محمد فيروز آل بسام الوهبي التميمي الحنبلي (من العلماء المعروفين في نجد, وقد ولد سنة 1141هـ, وتوفي سنة 1216هـ ، وهو واحد من العلماء المعدودين الذي كانوا يستطيعون مخاطبة الخليفة العثماني مباشرة ) دعم الحملة والتمهيد لقدومها بقصيدة لحاكم مملكة المنتفق الأمير الشريف ثويني بن عبدالله ، نذكر منها هذه الأبيات:


لك الطالع الميمون بالسعد قد وطا
وأقلام أيدي النصر قد كتبت خطا
وألوية الإقبال تخفق بالمنى
وأعلام إعلام الأماني بكم نعطى
تباهت بك الدنيا سروراً, وجندا
قلادة مجدٍ أنت درّتها الوسطى
يبشر بشر الوجه منه بنيل ما
رجونا بكم, والظن بالله ما أخطا


ويكمل فيها واصفا حاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله بتاج الملك وذاكرا لنسبه وطالبا منه أخذ الثأر لدولة بني خالد:


وأملت الأرواح روح المنى وقد
توالت لنا الأفراح وضدنا انحطا
بمقدم تاج الملك (ثاني الذي ثنى)
عناناً لأخذ الثأر أكرم به سبطا
تأرّجت الأحساء طيباً بذكره
وأسكرنا حتى حسبناه اسفنطا
تباشر من ضاقت عليهم رحابها
بنجح وفسح إذ بها جنده حطا
بطلعته أرجو لها الأمن والمنى
وتجديد أفراح بها ندرك البسطا
لتأخذ فينا نخوةً هاشميةً
فنعطف أرحام بتعجيل ما استبطا


بدأت الحملة تدخل الأحساء وترافقها سفن التموين والذخيره ، يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو ، ج:3 ، ص: 203 ((( وفي هذه الأثناء كان ثويني قد بدأ زحفه ترافقه سفن التموين والذخيرة))). وبدأت الحملة الدخول في اشتباكات متقطعة وحققت غنائم تقدر بمائة ألف رأس من الغنم ، يذكر المؤرخ حسين خلف الشيخ خزعل ، في كتابه تاريخ الكويت السياسي ، ج:1 ، ص: 63 ((( واشتبك معهم في بعض المواقف اثناء الطريق وانتصر عليهم وغنم منهم نحو مائة ألف رأس من الغنم))). وقد أمر الأمير ثويني بن عبدالله بإرسالها لمدينة البصرة ، والتي فقد سكانها أغنامهم في الهجمات التي حصلت من قبل قوات الدولة السعودية الأولى على دولة بني خالد وقبائلها المنسحبين الى البصرة والتي أدت الى تعرض مراعي سكان البصرة للهجوم مع قبائل وعشائر بني خالد ، يذكر المؤرخ حامد البازي في كتابه البصرة في الفترة المظلمة ، ص: 120 ((( فجاء ونظم جيشه الممارس للحروب وفي أول هجوم له على الوهابيين غنم منهم مائة ألف رأس من الغنم بعث بها الى البصرة فاستقبلها الناس بالفرح وكانت النساء تزغردن ثم ذبحت الأغنام ليتذوق الناس طعم اللحم بعد أن حرموا منه مدة طويلة))).


وقد كان الأمير براك بن عبدالمحسن المعين كحاكم اسمي للأحساء سابقا من قبل الدولة السعودية الأولى قد انضم للحملة ، ولكنه أرسل للدولة السعودية الأولى سرا بانه سوف يبدل ولاؤه لهم بمجرد ظهور قواتهم، وبذلك أصبحت الأحساء بأكملها تحت سيطرة الأمير ثويني بن عبدالله ، وبدأت قوات الدولة السعودية الأولى اتخاذ مواقع دفاعية عن نجد ، يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو ، ج:3 ، ص: 203 ((( وبعد تعرضه لتهديد قوي تحول براك حاكم الحسا وقائد قواتها اليه ايضا. وقد برر موقفه تجاه الوهابيين بأنه مجرد انحناء أمام العاصفة وأنه عند ظهور الجيش سينتقل فورا الى صفهم. ولم يبق في بني خالد مخلصا للوهابيين سوى المهاشير . وشكل هذا الوضع ضربة قوية لهم لأنهم اضطروا الآن الى جعل خططهم الحربية تقتصر على الدفاع عن المداخل المؤدية الى نجد: طلبوا من قبائل المطير ، وسبيع ، وسهول ، وقحطان ، وعجمان ، الذهاب مع قطعانهم ونسائهم وأطفالهم الى منطقة بني خالد الشتوية واحتلال مواقع المياه في الصمان . وتحت تغطية البدو تقدمت طلائع الجيش الوهابي الى الصمان ، بينما بقي سعود في حفر العتش))). ولم يكن إنضمام الأمير براك للحملة بالإضافة الى الخسائر الأولية هي الهاجس الأكبر للدولة السعودية الأولى ، بل ان الهاجس الأكبر كان انهيار المعنويات بشكل كبير وبدء بعض القبائل بمراسلة الجيش القادم سرا لأخذ الآمان والتعهد بدعم الحملة وبعدم محاولة التصدي فعليا لها. يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، عند حديثه عن حاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله ومراسلة بعض القبائل له سرا، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود , ص: 212 ((( فلما سار بما معه من العشائر والجنود الباسلة والعشائر اضطرب من نجد البادي والحاضر ، وانقاد له من عشائر ابن سعود ماتضيق به الاغوار والنجود ، وانحلت به من الاعداء العزائم وعاهدته من الاعراب الهامات والجرائم))). ويذكر مراسلة بعض القبائل سرا للحملة ، المؤرخ حمد بن لعبون (المعاصر للأحداث) ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، ولد قبل عام 1768م وتوفي 1844م، كتاب تاريخ حمد بن محمد بن لعبون , ص: 586 ((( فانحازت البوادي حين بلغهم اقباله وضعنوا عن قرية . ثم: رحلوا عن الطف , وانحازوا على أم ربيعة وجودة واشتد عليهم الأمر, وساءت الظنون وكثر فيهم التحاور حين ورد ثويني الطف. ثم ظعن منه ونزل الشباك والعربان قد اشتد بهم الأمر ومعهم شوكة من الحضر محدرهم سعود قوة لهم , أميرهم حسن بن مشاري , وثويني متوجها للبلاد , وغالب بدو العارض قد كثر فيهم الخلل , ومنهم من كاتبه وأخذ أمانا خفي نسأل الله العافية))). يذكر المؤرخ الشيخ حسين بن غنام ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى (المعاصر للأحداث ) ، في كتابه تاريخ نجد ( روضة الأفكار والأفهام) ، ص: 199 ((( وظل ثويني بن عبدالله يتحكم في (الأحساء) ويعلن أنه قريب يستولي على بلدان نجد فيتم له النصر))). وقد كانت قوات الدولة السعودية الأولى بقيادة حسن المشاري قد اقتربت كثيرا من قوات الحملة ، وأرسل حسن المشاري كتيبة لتحتك بالحملة في محاولة لإعطاء الفرصة للأمير بارك بن عبدالمحسن الحاكم الأسمي للأحساء سابقا لتنفيذ ماوعد به من تبديل ولاؤه للقوات السعودية ، الا ان الأمير براك لم يستجب لهذه المحاولة ، يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو ، ج:3 ، ص: 203 ((( أرسل كتيبة قوية بقيادة حسن المشاري الى الطف ووضع تحت قيادته القوة الطليعية المتقدمة التي كانت معنوياتها منخفضة الى درجة خطيرة. وما أن وصل مشاري الى الطف حتى تلقى أمرا بأن يتخذ مواقعه في مكان أبعد الى الجنوب قرب جودة وأم ربيعة. وعندما وصل الى هناك أرسل مجموعة قوية لكي تحتك بالعدو وتمكن براك من العودة الى الوهابيين. لكن براك لم يجد الفرصة المناسبة أو أنه لم يكن يريد ايجادها))).


25- إغتيال ثويني وقصائد رثاء قيلت فيه :


وما ان بدأ الجيش حط الرحال في منطقة الشباك حتى توجه مملوك اسمه طعيس من عبيد بني خالد وتابع لقوات الدولة السعودية الأولى الى مكان الأمير ثويني بن عبدالله واتاه من الخلف واغتاله وذلك بعد ان رماه برمح في ظهره ، وعلى الفور جرد الأمير ثويني بن عبدالله سيفه وضرب به المملوك طعيس قبل أن يكمل من كان حوله عليه ، ثم سقط الأمير ثويني مغشيا عليه وحمل الى خيمته وتوفي بعد ذلك بعدة ساعات في واحدة من أقوى عمليات الإغتيال تأثيرا على مجرى الأحداث في تاريخ المنطقة في القرون المتأخرة ، وأجتمع الرأي على محاولة إخفاء خبر موته حتى لاتتأثر معنويات الجنود ، وقالوا بأنه مريض ، وتم تعيين أخوه الأمير ناصر بن عبدالله مكانه ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق، ص: 410 (((وعند حط الرحال قتل الشيخ ثويني غيلة وذلك أنه كان منفرداً عن حاشيته أثناء نصب الخيام فأتاه من خلفه خادم يسمى (طعيسا) وطعنه برمح بين كتفيه فخر شهيداً (فقتل ذلك الخادم في الحال ولم يستنطق عمن عمده على فعلته) وحمل الشيخ ثويني إلى داخل خيمته ميتاً. ثم دفن سراً في (جزيرة العماير) وأراد رؤساء قومه إخفاء موته لئلا تنفل جموعهم وأخبروا بأنه مريض وجعلوا يطلبون له القهوة والماء تظاهراً بأنه حي. وعينوا أخاه (ناصراً) وكيلاً عنه وذلك في 4 محرم عام (1212هـ 1796م))). يذكر المؤرخ خير الدين الزِّرِكْلي المولود عام 1893م، في كتابه الأعلام وهو قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين يقع في ثمانية مجلدات، وذلك عند حديثه عن اغتيال حاكم مملكة المنتفق وشيخ مشائخ قبائلها الأمير ثويني بن عبدالله الملقب بأبو قريحة ، المجلد الثاني ، ص: 102 (((وتحرج موقف الترك (العثمانيين) أمام غزاة نجد، فأعاده سليمان باشا (والي بغداد) إلى منصبه في المنتفق، وانتدبه لقتالهم. وزحف أبو قريحة يريد نجدا، فلم يلبث أن أغتاله عبد اسمه (طعيس) من عبيد جبور بني خالد، من أتباع آل سعود، في مكان يسمى (الشباك) - بتخفيف الباء - من ديرة بني خالد))).


أما كيفية وصول طعيس لمعسكر الحملة فتبدأ عند خروج الأمير براك بن عبدالمحسن مع بعض جنوده من بني خالد لحملة استطلاع حول المعسكر الرئيسي للحملة ، ومن ثم اصطدامهم مع قوات للدولة السعوية الأولى وأسرهم لعدة أسرى كان من بينهم المملوك طعيس ( وطعيس كان أصلا عبدا لبني خالد ومع قوات براك سابقا وانفصل عنه - عندما توجه الأمير براك للانضمام للحملة – ثم التحق طعيس بقوات الدولة السعودية الأولى ) ، وعند وصول الأمير براك بن عبدالمحسن الى معسكر الحملة قام بإطلاق طعيس هناك في تصرف مبهم، وعندها اتجه طعيس مباشرة بحثا عن ثويني حتى وجده واغتاله من خلفه غدرا ، يذكر المؤرخ حمد بن لعبون ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية (المعاصر للأحداث) ، ولد قبل عام 1768م وتوفي 1844م، كتاب تاريخ ابن لعبون المقتطع من خزانة التواريخ النجدية ، عند حديثه عن طعيس، ص: 207 ((( وقد فارق براك يوم اقفا براك قاصدا ثويني ، وصار العبد عند المسلمين ثم غزا مع ركب وأخذوا الركب وصار مع الخوالد الحربيين ، فحين نزلوا الشباك وجلس ثويني عدا عليه معه رميح فيه حربيه رثه وطعنه بين كتفيه))).


ويختلف المؤرخون حول من هو المسؤول عن عملية اغتيال الأمير ثويني بن عبدالله الى أربعة أراء ، الرأي الأول أن طعيس قد تصرف من قبل نفسه ويرى هذا الرأي بعض مؤرخين الدولة السعودية الأولى ، ويرى هذا الرأي أيضا المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو، ج3 ، ص: 203 ((( وهنا أنقذ الوهابيون بمعجرة من خطر أكيد. فقد قام عبد شبه مجنون من عبيد بني خالد بقتل ثويني (نهاية يونيو / حزيران) في شباك على بعد مسيرة 12 يوما جنوب البصرة، ويبدو أن الدافع الى ذلك كان حب الظهور))). الرأي الثاني أن الأمير براك بن عبدالمحسن هو المسؤول عن ذلك ويعلل أصحاب هذا الرأي ذلك ، بكون الأمير براك بن عبدالمحسن رأى أن الأمير ثويني بن عبدالله سوف يعطي حكم الأحساء للأمير محمد آل عريعر لذلك عزم على إفشال الحملة ، يذكر المؤرخ العثماني التركي الشيخ رسول الكركوكلي ، في كتابه دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء ، ص: 204 ((( أما القاتل فقد تجمعوا عليه وقتلوه حالا، ولم يعرف هل هو من اتباع عبدالعزيز الوهابي او انه من جماعة شيوخ بني خالد. أما محمد العريعر والبراك فقد كان كل منهما يطمع بالاستيلاء على الاحساء وجعلها تحت حكمه. وكان الشيخ ثويني يميل الى محمد العريعر ويسانده ويعده باعطاء حاكمية الاحساء اليه، ولذلك اضمر البراك الغدر به ونفذ ما اضمره، هذا مااتجهت الظنون اليه في حينه))). الرأي الثالث أن طعيس مرسل من قبل الدولة السعودية الأولى لإغتيال الأمير ثويني بن عبدالله ، يذكرالمؤرخ حامد البازي ، في كتابه البصرة في الفترة المظلمة ، ص: 121 ((( وكان طعيس قد بايع على قتل ثويني وتبرع على اغتياله باي ثمن كان فضرب المثل المشهور في منطقة البصرة والكويت والزبير ونجد فقيل – باع بيعة اطعيس – ويراد بذلك لمن صمم على عمل شيء ولو كان مصيره الموت حيث قتل طعيس في حينه ))). الرأي الأخير يجمع بين الرأي الثاني والثالث وهو أن العملية نفذت بتنسيق بين الدولة السعودية الأولى والأمير براك بن عبدالمحسن والذي نقل العبد طعيس معه كأسير الى المعسكر ثم قام بإطلاق سراحه هناك لينفذ عملية الإغتيال ، يذكر الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف وسهيلة عبدالمجيد القيسي ، هامش كتاب مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص: 212 ((( ومن المرجح ان قتله كان نتيجة لاتفاق جرى بين احد زعماء بني خالد ، وهو براك بن عبدالمحسن ، وعبدالعزيز آل سعود ، بسبب مابلغ الاول من عزم ثويني اسناد الاحساء الى منافسه من بني خالد أيضا ، هو محمد بن عريعر))).


بعد اغتيال الأمير ثويني بن عبدالله قام الأمير براك بن عبدالمحسن بالإنسحاب بجنوده من الحملة والإنضمام الى قوات حسن بن مشاري ، وهو ماأدى الى إحداث فوضى بين قواتها ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج: 1 ، ص: 228 ((( وكان براك بن عبدالمحسن بينه وبين حسن بن مشاري مكاتبات ومراسلات لأنه ندم على المسير مع ثويني ، وذلك لأنه رأى وجهه واقباله لأولاد عريعر ، فعرف انه ان استولى على الأحساء لايؤثر عليهم أحدا ، فلما قتل ثويني انهزم براك الى حسن بن مشاري فوقع التخاذل والفشل في جنود ثويني))). يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق، ص:411 (((ولكن رغم ذلك التكتم فشا خبر موته فانسل (براك الخالدي) بقومه وانضم إلى حسن بن مشاري. فوقع التخاذل والفشل في بقية الجموع))). لذلك قرر حكام المنتفق الإنفصال عن الحملة بقبائلهم وعشائرهم ، وذلك بعد خيانة الأمير براك بن عبدالمحسن لهم وهم القادمون لإعادة الأحساء الى حكم بني خالد ، وبعد أن بدأت قوات الحملة بالتفكك بسبب ماقام به الأمير عبدالمحسن بن سرداح بدأوا بالإنسحاب وتركوا المدافع العثمانية والجنود العثمانيين حتى لاتبطيء تحركهم ، وقد تلقت القوات العثمانية هجمات قاسية في الصحراء وخسائر كبيرة خصوصا في الذخيرة والمدافع التي فقدت بكاملها تقريبا ، يذكر المؤرخ العثماني التركي الشيخ رسول الكركوكلي ، في كتابه دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء ، ص: 205 (((أما اخوان الشيخ ثويني وعشائر المنتفك فقد القوا ما بأيديهم من المدافع ، واكتفوا بانقاذ عوائلهم وانفسهم وفروا الى ديارهم. وأما العسكر البلوجي فقد وقع الوهابيون به ضربا وأسرا، واستولوا على مامعه من مدافع وعتاد وغير ذلك وذهبوا به غنيمة باردة الى الدرعية))). وقد وصلت أخبار ماحصل الى بغداد وكان تأثيرها شديدا ، يذكر المؤرخ العثماني التركي الشيخ رسول الكركوكلي ، في كتابه دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء ، ص: 205 ((( لقد وصلت أخبار هذه الحادثة الى بغداد سنة اثنتي عشرة ومائتين والف فكان وقعها شديدا))). يذكر عبدالكريم المنيف الوهبي ، في كتابه بنو خالد وعلاقتهم بنجد 1080 - 1208 هـ/ 1669 – 1794م ، عند حديثه عن تنافس حكام دولة بني خالد على الحكم والذي أفشل الحملة وقضى على أمل بني خالد بإستعادة الأحساء ، ص: 351 ((( استمر ذلك التنافس حتى بعد ذلك. إذ كان من أسباب فشل حملة ثويني سنة 1211هـ . أثر مقتله والتي كان يعول عليها بنوخالد بإستعادة الأحساء من الدرعية ))).


وما أن وصل حكام مملكة المنتفق وقبائلهم الى صفوان حتى بدأوا تنظيم قواتهم من جديد ، وأرسل الأمير ناصر بن عبدالله الى والي بغداد يطلب منه أن يأمر الجنود العثمانيين أن يتجمعوا في محاولة من الأمير ناصر بن عبدالله العودة بالحملة من جديد ، ويبدو أنه من خلال هذا الطلب كان يرغب بأن يخلف أخوه الأمير ثويني بن عبدالله وأن لايعود الحكم لولد عمه الأمير حمود بن ثامر ، الا أن سليمان باشا والذي كان يعرف أن الأمير ناصر بن عبدالله يعتبر شخصية غير موالية للعثمانيين والذي كان أيضا قد غضب من ترك الجنود العثمانيين ومن خيانة الأمير براك بن عبدالمحسن الخالدي ، كان قد صرف النظر عن القيام بحمله عثمانية تكون قيادتها عربية ، لذلك قام سليمان باشا بالأعتراف رسميا بحكم الأمير حمود بن ثامر على مملكة المنتفق (الموالي للعثمانيين في تلك الفترة) وذلك كي يقطع الطريق على الأمير ناصر بن عبدالله . يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود , ص: 213 ((( حتى نزلوا سفوان وامل اخوانه الاطمئنان والسيادة بعد ذلك القتيل على ذلك القبيل ،فما تم لهم ذلك التأميل لكون الوزير لما حصل لثويني ماحصل ، ورجع ذلك الفل وانفتل ، انصرف عنهم الى حمود فنصبه حاكما على السائد والمسود))).


ويرثي كبير علماء دولة بني خالد والأحساء الشيخ محمد بن عبد الله بن محمد فيروز آل بسام الوهبي التميمي الحنبلي (وهو من العلماء المعروفين في نجد, وقد ولد سنة 1141هـ, وتوفي سنة 1216هـ ، وهو واحد من العلماء المعدودين الذي كانوا يستطيعون مخاطبة الخليفة العثماني مباشرة ) حاكم مملكة المنتفق الأمير الشريف ثويني بن عبدالله ، بقصيدة نذكر منها هذه الأبيات:


على ما جرى من ربنا يلزم الصبر
وإن كان يبدو في مذاقته الصبر
ولا حول في كل الأمور وقوة
سوى بالذي في كل شيء له الأمر
إلى الله أشكو فادح الكرب إنه
جديرٌ بجبر الكسر إن عظم الكسر
عليه اعتمادي، وهو ذخري وعدتي
إذا ضاق بي عسر أتى منه لي يسر
وكم حمل وزر أعجز الظهر حمله
فحطّ بعفو منه عن وازر وزر
فالله طود المدّ إذ هدّ ركنه
عجبت لطود المجد إذ ضمه قبر
ولله بحر الجود يقذف درّه
فأصبح لا مدٌّ لديه، ولا جزر
ولله شمس الفضل تسمو بأفقها
فغادرها كشفٌ به عظم الأصر
ولله بدر التم في برج سعده
علاه سرار، فاختفى ذلك البدر
ولله نجم في المعالي به الهدى
وكوكب فضلٍ فيضه الجود والوفر
ولله مقدام الكتائب في الوغى
وقائدها في الروع قدامه النصر
ولله جرّار المقانب معلم
وفي الروع بسام، وأعلامه حمر
ولله من لا ينثني عن مرامه
بدون المنى إذ يشبع الذيب والنسر
أيا فارس الأقران في حومة الوغى
ستبكي عليك البيض، والضمر الشقر
وتبكي ظباء من (شبيبٍ) بحرقة
على من لها في الروع يوم الوغى ستر
ستهمي عليك العين وابل دمعها
فإن لم تفض دمعاً، فما إن لها عذر
ستبكي عليك المكرمات بأسرها
وراياتك الغرا وأندية خضر
فسحقاً لقينٍ قد رقى منك مرتقىً
علياً وكم قد صيد بالخرب الصقر
ففي فعل وحشيٍ بحمزة أسوة
كذا بأبي حفصٍ إمام التقى البر
وقد أسقي الملعون من كفك الردى
وسل الغوي النار منها لها سعر
ويوم الجزا يصلى سعيراً بما اجترى
له بلظاها مستقر به نسر


ويصل فيها للقول:


لئن غاب بدر التم منك فإن في
شموس العلا أخوانك النصر والجبر
كذا في (حمودٍ) ذي المحامد والعلا
لنا خلف إذ أنه الماجد البر
أبي تقي لوذعي مهذب
شجاع مطاع فاتك باسل بحر
و(آل شبيبٍ) ذو المفاخر والعلا
ليوث الشرى أرجو بهم يدرك الثأر
ستبكيك منهم عصبة هاشمية
بسمر القنا والبيض أدمعها حمر
وتشفى حزازات النفوس بوقعة
بها يشبع السرحان والأسد والنمر
فقوموا لأخذ الثأر قومة ماجدٍ
بعيد عن العورا غيور ولا غر
بصير بكر الخيل والفر في الوغى
خبير بتدبير الأمور ولا غمر
فأنتم أسود والعدى بقر الفلا
فما إن لها عنكم محيص ولا فر
فما أنتم عزل لدى حومة الوغى
وما باعكم عن نيل ثأر به قصر
ألستم كماة الروع بل أسد الشرى
ليوث الوغى من فعلها الهتك والأسر
ألا فانفروا وانحوا العدى وابذلوا القوى
خفافاً ثقالاً ثبت في اللقا صبر
ألا فاطلبوا ثأراً عزيزاً فإنه
ببيض الظبى والسمر يستدفع الأمر


وينعي حاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله ، المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود , ص: 218 ((( وقتله طعيس شلت في النار منه اليدان ، فقد هد بموته ركن من اركان الاسلام ، وكسفت به شموس السيادة والأعظام ، فبكاه كل شرف وجود ، وشق من جرائه للمروءة البرود ، وندب الناس به الكرم ، وندبت العوالي به معالي الهمم ، فابنه الاكابر ، وعظمت المراثي للمأثر ، وذلك في حكومته الثانية كما سلف قريب في عام أرخه (غريب) سقى الله ثراه من الرخى بشأبيب))). و يوافق مجموع حروف هذه الكلمة سنة ( 1212). ويرثي المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري الأمير ثويني بن عبدالله بقصيدة ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود , ص: 219:


هو الليث وافاه على غرّةٍ سهمُ
فهدّ به للمجد آطامه الشمُّ
فها كلّ قلبٍ فيه من رزئه لظى
وها كلّ طرفٍ فيه من أدمعٍ يمّ
فقدنا به غيثاِ مريعاً وسيّداً
رفيعاً وبدراً نوره الفضل والحلم
وذا راحةٍ يحيى بها الفضل والندى
ويؤدى بها الإقتار والجدب والعدم
فيا قبره واريت من لا سماحه
يوارى ولا أخلاقه يقرب الذم
ضممت شبيبياً نماه إلى العلى
عليٌّ، ولم يوجد كأمٍّ له أم
فحسبك ما أودعت من جسم ماجدٍ
نعته لنا الأسياف والذبّل الصم
بكيناه حتى أسعدتنا على البكا
سيوفٌ بكى من نوحها الكمت والدهم
وبيضٌ عذارى ما فجعن بمثله
فأدمعها سحبٌ وأوجهها قتم
لقد سرّها الدم الخدود لرزء من
لدن مات مات الفضل والنائل الجم
فقد كنّ في ظل الحجال نواعماً
ولمّا هوى في اللحد أبرزها اليتم
وحقّ كميت الخيل منع ظهورها
لفقد فتى يبكيه منه له الحزم
فقد كان خوّاضاً بها كلّ سورةٍ
تقاعس عن دأماتها الباسل القرم
وقد كان مطعاناً عليها ومطعماً
لهنّ إذا ما قلّ في اللزب الطعم
وحقّ لأقوامٍ متى ما تقلّبت
بهم نوبٌ حمٌّ مكارمه أمّوا
بكاءٌ عليه بالدماء فطالما
تدفّق فيهم من مراهبه سلم
فتى لا يمسّ الضيم حارة جاره
ولا يتمشّى حول مخفوره ظلم
حمى ما حماه بالصوارم وائلٌ
وشاد فخاراً بالقنا دونه النجم
معاليه قد أسمت مغازيه حبّذا
معالٍ، وإن كانت بغاراته تسمو
ويا حبّذا منه الندى وأواصرٌ
إلى هاشمٍ تنمى وسؤدده الضخم
وفصلٌ ولا جورٌ، وبذلٌ ولا رئا
ومدٌّ ولا جزرٌ، وجذمٌ ولا وصم
وحلمٌ ولا طيشٌ، وعقلٌ ولا هوى
وقولٌ ولا فحشٌ، وعرضٌ ولا ثلم
لتبك اليتامى والأيامى حلاحلاً
أغرّ شبيبيّاً له أعرق الجذم
تخبّرنا عن فضله الجمّ أعصرٌ
هي الغرّ لولا أنها مذ قضى ذهم
قضى فانقضى الجود الذي عنه حاتمٌ
تقاصر بل معن السمّاح بل اليتم
قضى فانقضت لذّات بدوٍ، وقوّضت
قبابٌ بها للخائف الأمن والشكم
قباب أناسٍ ما شكا قطّ جارهم
ولا نطقوا لا قطّ بخلاً، ولا همّوا
وما نزلوا قطّ الوهاد، وإنما
بيوتهمو بالسمر فوق الربى الشم
ولكنّهم سادوا وذادوا وأفضلوا
إلى أن سموا ما لم يكن غيرهم يسمو
سموا ب (ثويني) كلّ مجدٍ معمّدٍ
ببيضٍ لها في كلّ ما ملكٍ رسم
أميراً فقدناه، فمات الندى به
فما هو إلا الروح والنائل الجسم
فشلت يمينٌ من (طعيسٍ) سطت بمن
تأثّف طلاب الجدى بعده اليتم
فأضحوا ولا خالٌ بخال، ولا ندى
بهالٌ، ولا أمرٌ يقام ولا حكم
جدعت به، يا كلب، عرنين قومه
وأشملهم بذلاً إذا كلح الأزم
وأمضاهم عزماً، وأشهرهم علىً
وأعظمهم صبراً إذا عظم الحطم
فللت حساماً لا كهاماً وإنما
هو الصيرم الأراء والفارس الشهم
خسرتَ ، قتلت السامي القدر والذي
سجيّته التقوى وديدنه الرحم
ومن لا يعيب الناس إلاّ سماحه
ومجداً على توصيفه عكف النظم
قتلتَ (ابن عبد الله) والحاكم الذي
قضاياه عن مشهورها يهرب العقم
ومن هو للإسلام وجهٌ وقبلةٌ
ومن حكمه لم يعر ساحته الظلم
ومن بيته روضٌ، وساحته حمىً
وهمّته عليا، ومظنونه علم
عليه من الرضوان وبلٌ وديمةٌ
يسجّان ما بدرٌ تلألأ أو نجم


هذه صورة توضح التحركات العسكرية داخل الجزيرة العربية لحاكم مملكة المنتفق الأمير الشريف ثويني بن عبدالله وذلك انطلاقا من مملكة المنتفق و توضح أيضا تحركات حكام دولة بني خالد ( آل عريعر) العسكرية انطلاقا من الأحساء:







26- صعود حمود بن ثامر للحكم- وماواجهه في بداية حكمه:


لقد كانت أبرز مشكلة واجهت حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر بعد صعوده للحكم في تلك الفترة ، هي محاولة الدولة العثمانية فصل بلدة الزبير عن مملكة المنتفق ، حيث ذهب الى بغداد الشيخ يحيى الزهير ومعه اتباعه وقاضي الزبير ، طالبين دعم والي بغداد وجعل الزبير تابعه للعثمانيين ، وقد تم الترحيب بالوفد وأجابهم سليمان باشا لطلبهم وأعطى الشيخ يحيى الزهير أموالا طائلة ومدافع وأعترف به شيخا للزبير ، وقد كان سليمان باشا يترقب رد فعل حاكم مملكة المنتفق على هذه الخطوة التي كانت جس نبض من الدولة العثمانية لحكام مملكة المنتفق آل سعدون ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم البصرة ، عند حديثه عن الشيخ يحيى آل زهير ، ص: 225 ((( ذهب الى بغداد وطلب من الحكومة العثمانية المساعدة فأعطته مايريد وبذلت له أموالا طائلة للمحافظة على قصبة الزبير وأمرته ببناء سور (بدن) على الزبير عرضه ستة أذرع. وأعطته أيضا مدافع نارية لتوضع على السور وجملة من الأسلحة))). يذكر يوسف بن حمد البسام ، في كتابه الزبير قبل خمسين عاما مع نبذة تاريخية عن نجد والكويت ، عند حديثه عن الشيخ يحيى بن محمد آل زهير ،ص: 103 ((( غادر الزبير متوجها الى بغداد وفدا من النجديين الذين انحدروا من نجد واستوطنوا الزبير وذلك لمقابلة والي بغداد (سليمان باشا) ، ويرأس هذا الوفد الشيخ ابراهيم بن محمد الجديد ، العالم المشهور في الزبير في ذلك الوقت . وشرح الوفد المذكور للوالي ماعليه الزبير من الأهمية اذا ما مدت لهم الدولة العثمانية يد العون والمساعدة. فأجاب الوالي سليمان باشا طلبهم وقرر تخصيص مبلغ من المال لتحصين المدينة وذلك للمحافظه على سلامة سكانها. واسند الى الشيخ ابراهيم الجديد رئيس الوفد مهمة الاشراف على انشاء سور لحمايتها من الغزو الخارجي وزوده بمدافع نارية ليضعها على السور كما اعطاه كمية كبيرة من الاسلحة لتوزيعها على الاهالي))). وعندما علم حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر بما حصل كان رده حازما وحاسما للموقف ولم يساوم على أراضي دولته ، فقد اتجه الى الزبير وقام بتعيين الشيخ ابراهيم بن ثاقب آل وطبان كشيخا عليها ، ولم تعقب الدولة العثمانية على ذلك ، وأدركت أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذه الخطوة ، يذكر يوسف بن حمد البسام ، في كتابه الزبير قبل خمسين عاما مع نبذة تاريخية عن نجد والكويت ، عند حديثه عن مشيخة ابراهيم الثاقب ،ص: 103 ((( في سنة 1213هـ تولى أمر الزبير ابراهيم بن ثاقب بن وطبان بن ربيعة بن مرخان بن ابراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع بن ربيعة ، بعد ان اسند اليه الشيخ حمود بن ثامر أمير المنتفق مشيخة الزبير ... ظل ابراهيم بن ثاقب شيخا على الزبير الى ان قتل سنة 1237هـ وهو أول قتيل من حكام الزبير))).


ونتحدث هنا عن أسرة آل وطبان الكرام ، فأسرة آل وطبان هي أسرة كريمة النسب وترتبط في نسبها مع آل سعود الأسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية ، وقد هاجر جدهم (وطبان) الى مملكة المنتفق بعد قتله لابن عمه والتجأ لحاكم مملكة المنتفق الأمير مغامس بن مانع آل شبيب ، يذكر عبدالرزاق الصانع وعبدالعزيز العلي ، في كتاب امارة الزبير بين هجرتين بين سنتي 979هـ - 1400هـ ، الجزء الأول ،ص: 76 ((( الثاقب يرجعون الى جدهم وطبان بن ربيعة بن مرخان بن ابراهيم اخو مقرن بن ربيعة. قتل ابن عمه مرخان فهرب من نجد.... ومن ابناء هذه العائلة الذين كان لهم ذكر وتأسيس في تاريخ مشيخة الزبير ابراهيم الثاقب. فان وطبان حين هاجر للزبير التجأ الى امير المنتفق الشيخ مغامس بن مانع في جنوب العراق وبقي هناك حتى توفي فخلفه ابنه ثاقب ثم خلف ثاقب ابراهيم))). وقد تزوج منهم آل سعدون الأشراف حكام مملكة المنتفق ، لذلك حصلت أسرة الوطبان على الدعم في الظفر بمشيخة بلدة الزبير ، يذكر عبدالرزاق الصانع وعبدالعزيز العلي ، في كتاب امارة الزبير بين هجرتين بين سنتي 979هـ - 1400هـ ، الجزء الأول ،ص: 76 ((( وتصاهروا مع آل السعدون فحصل لهم التأييد في الظفر بمشيخة الزبير))). وقد استمرت مشيخة الزبير في آل وطبان بدعم من آل سعدون الأشراف حتى الفترة التي تمكنت فيها الدولة العثمانية من انتزاع بلدة الزبير من مملكة المنتفق ، وقد نافست أسرة الزهير (الممثلة للعثمانيين) آل وطبان لفترات مختلفة تاريخيا.


ومن هذه الأسرة الكريمة (أسرة آل وطبان) أحد أشهر شعراء النبط في الجزيرة العربية في عصره ، الشاعر عبدالله بن ربيعة ، شاعر الأسرة الحاكمة في مملكة المنتفق آل سعدون الأشراف ، وله الكثير من القصائد في كثير من حكام مملكة المنتفق ، يذكر ترجمه له المؤرخ خير الدين الزِّرِكْلي المولود عام 1893م، في كتابه الأعلام ، وهو قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين يقع في ثمانية مجلدات ، ج 4 ، ص: 86 (((عبد الله بن ربيعة بن عبد الله بن وطبان، ويقال له ابن ربيعة: من اشهر نظام الشعر النبطي (العامي) في عصره. أصله من نجد . رحل جده " وطبان " إلى بلدة " الزبير " في العراق . وبها ولد صاحب الترجمة وتوفي . وكان مختصا بآل السعدون أمراء المنتفق))). نذكر هنا بعض الأبيات من قصائده في الأسرة الحاكمة في مملكة المنتفق أسرة آل سعدون الأشراف.


يمدح ابن ربيعة آل محمد من أسرة آل سعدون الأشراف من قصيدة طويلة :


الراية البيضا لاهل نيّة الخير=ما دامت العينين ترعى السمارة
بيت السلف بيت الخلف والمظاهير=بيتٍ عمار المنتفق من عماره
بيت الرعايا و الهفايا المقاصير=بيتٍ سلاطين العرب من حراره
بيتٍ بناشيهم علامة عن الغير=ما لجلجت عينيه بخدار جاره
بيتٍ لهم ورد الرياسة بتصدير=حلوين، علقم للذي به مرارة
بيت الندى بيت الغنى للمعاسير=بيت الرياسة والحكم والوزارة
بيتٍ تقصّده الهلاكا من النير=الله يدمر من سعى في دماره
بيت المحمد من تزبّنته صْغير=ما لي سواهم يعلم الله تجارة


ويمدح ابن ربيعة حاكم مملكة المنتفق وشيخ مشائخ قبائلها (1855م - 1856م) الأمير الشريف صالح بن عيسى السعدون :


با لله يا ركبٍ تقلل هميما=عوجوا رقاب الهجن يا ركب لمقيم
لابن الكرام الهاشمي الكريما=يا ركب روحوا بالتحية وتسليم
سلام من طي الخوافي سليما=ما خاشره نوع الريا التواهيم
عين العديم اليا دهاه المظيما=حامي جوانب ساحته والملازيم
قالوا حراش وقلت شايك صريما=علقم عسل مامون ضاري إلى ضيم
للملتجي ظل ظليل ونعيما=وللمعتدي نيران حربه مضاريم
هذا الفحل واجد افحول الحريما=الفحل من يلقح برايه معاقيم


حتى قال


(صالح) إلى لز الحقب للبريما=حامي جوانب دار (منشا) عن الضيم
بيت الندى وبضاعتي من قديما=بيت الرجا بيت الغنا للمعاديم
بيتٍ لعله للعرب مستقيما=آمين قولوها معي بالخواتيم
ذا قول ضيفٍ بات قدره حشيما=في ضف سلطان العرب طيب الخيم
لا وافدٍ والله بحالي عليما=ولا شاعر يبغي العطا بالمناظيم
اثني على بيت المحمد قديما=سقاه من وبل الحيا هاتف الديم
واهدي على خير البرايا الكريما=نبينا الهادي صلاةٍ وتسليم


ويمدح ابن ربيعة حاكم مملكة المنتفق وشيخ مشائخ قبائلها ( 1826م -1832م) الأمير الشريف عقيل بن محمد السعدون وينسبه الى جده أمير المدينة المنورة في القرن الثامن الهجري (725هـ - 728هـ) الشريف كبش بن منصور آل مهنا:


محيي ل (كبش الهاشمي) سالف رسوم=لا زال كسّاب المعالي بحينه
المدح في غيره خسارة ومذموم=ونشر الثنا يهدى لمن هو يزينه
تلقى على اللومان جثياهم رجوم=ومنداتهم تجذب عليها عطينه
حامي جوانب ساحته من عنا الروم=حاوي خصال الحمد دنيا ودينه
واسلم ودم ما قوطر الركب بيموم=عقب الحجيج لساكنٍ بالمدينة


وسبب تحديد الأمير كبش من بين 12 أمير من أمراء المدينة المنورة من أجداد آل سعدون الأشراف هو القصيدة النبطية لحمزة العامري (حمزة العقيلي) المشهورة في الشريف الأمير كبش بن منصور. والأمير كبش هو:


الأمير كبش (امير المدينة المنورة) بن الأمير منصور (امير المدينة المنورة) بن الأمير جماز (أمير المدينة المنورة + أمير مكة المكرمة 687هـ + أول من سك عمله باسمه في مكة من أمراء المدينة المنورة) بن الأمير شيحة (أمير المدينة المنورة+أمير مكة المكرمة عام 637هـ) بن الأمير هاشم (أمير المدينة المنورة) بن الأمير قاسم (أبو فليته) (امير المدينة المنورة+ امير مكة عام 571هـ) بن الأمير مهنا الاعرج (أمير المدينة المنورة) بن الأمير الحسين (شهاب الدين) (امير المدينة المنورة) بن الأمير مهنا الأكبر (أبو عمارة) (أمير المدينة المنورة) بن الأمير داود (أبو هاشم) (امير المدينة المنورة) بن الأمير القاسم (امير المدينة المنورة) بن الأمير عبيد الله (امير المدينة المنورة+ امير العقيق) بن طاهر بن يحي (النسابة) بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله (الاعرج) بن الحسين (الأصغر) بن علي (زين العابدين) بن الحسين – رضي الله عنه‎ - ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ‎.


وأورد ضامن بن شدقم في (تحفة الأزهار) قصيدة عامية في مدح الشريف كبش بن منصور أمير المدينة المنورة كتبها الأمير حمزة العقيلي، ورجح الباحث سعد الصويان أن يكون هذا الشاعر هو نفس الشاعر النبطي القديم المعروف ب (أبي حمزة العامري)، ومنها:


قلت الشريف ابن الشريف أزوره
ابن الرسول، ابن البتول، ابن الولي
فانحيتُ من حول (العيينة) ضمّراً
يرقلن إرقال النعام الجفّلي
(كبش بن منصور بن جماز) الذي
حاش الثنا، وعذاره لم يكملي
الفاطميّ الهاشميّ، ومن له
شرفٌ أناف على السماك الأعزلي
ذروة قريش كلّها، وخيارها
وسنانها الصعب الذي ما ذلّلي
يا كبش.. إنك والعروق ضواربٍ
من (آل جمّازٍ) معاً، ونحوّلي
أنت الحجا، نعم الحجا لمن التجا
وانت الربيع لذي الزمان الممحلي
وانت الذي تحمل سجايتك العدى
نقم، ولا لسؤال غريب مسملي
يا ابن من لقحت مطيّة ضيفه
واسترّ تابعها، وهو لم يسألي
مانا بأوّل سيّدٍ، وسعت به
النضا إلى ملكٍ نبيل، ويجزلي
يعفن من شدّ الرحال جزاً لما
بلّغن فيك مع السعود المقبلي
وأنا حليف ابصار وجهك راجياً
إنّ النحوس بنور وجهك تنجلي
يا كبش.. جيت بدرّةٍ مصيونةٍ
عمّن سواك بها نشحّ، ونبخلي
ما قلتها يا بن الشريف تحيّلاً
في مالكم.. لو كان صعبه يسهلي


ومن قضاة وعلماء مملكة المنتفق في عاصمتها سوق الشيوخ تلك الفترة ، عالم الأحساء الشيخ مبارك بن علي بن حمد آل مبارك التميمي ، الذي أرسل له حاكم مملكة المنتفق وشيخ مشائخ قبائلها الأمير حمود بن ثامر السعدون سنة 1213هـ (1798م) كتاباً يشكو فيه (فشوّ الجهل، وانتشار البدع بين البوادي في العراق، ويطلب منه الانتقال إليه لنشر العلم، والوقوف في وجه دعاة الضلال)، فقدم إليه الشيخ مبارك بصحبة أولاده، وحل محل الإجلال والتقدير ناشراً كتاب الله، وسنة نبيه، ومشتغلاً بالتأليف حتى توفي سنة 1230هـ (1815م)، ودفن في تل اللحم قرب السوق، وظل أبناؤه على علاقة وطيدة بالمنتفق وحكامها آل سعدون الأشراف وقتاً طويلاً. يذكر ترجمة له ، الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن صالح آل بسام ، في كتابه علماء نجد خلال ثمانية قرون ، ج: 5 ، ص: 427 ((( الشيخ مبارك بن علي بن حمد بن قاسم بن سلطان بن محمد الملقب (هميلان) بن سعود من بني جندب من بني عمرو أحد بطون بني تميم ، تلك القبيلة المشهورة ... حمل معه أهله وأولاده الى العراق ، وصار في ضيافة أمير المنتفق الشيخ حمود بن ثامر السعدون ، وكان كريما جوادا شجاعا ، صاحب علم ووقار ، والشيخ المترجم من العلماء الكبار ومن الدعاة الى الله تعالى ، وقد بقي عند آل سعدون حتى وفاته سنة 1230 هـ . رحمه الله تعالى ... له تلاميذ كثيرون في كل البلدان التي أقام فيها، ولكنهم لم يدونوا ، وهؤلاء بعض من عثرنا عليهم:1- الشيخ العلامة عثمان بن سند النجدي ثم البصري.2- غالب علماء الأحساء من تلاميذه.3- غالب علماء المبرز من تلاميذه ))). وخلفه بالقضاء الشيخ عبدالعزيز بن حمد بن مشرف التميمي ، الذي كان قاضيا في الدرعية في عهد حاكم الدولة السعودية الأولى الإمام سعود ثم ابنه عبدالله ، وبعد إستيلاء ابراهيم باشا عليها ، أصبح الشيخ قاضيا في عنيزه ثم انتقل الى عاصمة مملكة المنتفق مدينة سوق الشيوخ بطلب من حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر السعدون ، وأصبح قاضيا فيها حتى وفاته سنة 1240هـ . يذكر ترجمة له ، الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن صالح آل بسام ، في كتابه علماء نجد خلال ثمانية قرون ، ج: 3 ، ص: 319 ((( الشيخ عبدالعزيز بن حمد بن ابراهيم بن حمد بن عبدالوهاب بن موسى بن عبدالقادر بن رشيد بن بريد بن بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب ، فنسبه من الوهبة أحد أفخاذ بني حنظلة ، الذي هو البطن الكبير الشهير من قبيلة بني تميم المعروفة، والمترجم سبط مجدد الدعوة السلفية الشيخ محمد بن عبدالوهاب فهو ابن ابنته ... وكان مع هذا صاحب عقل راجح ، وفكر ثاقب ، ولسان بليغ ، وذكاء مفرط ، وقد تولى القضاء في الدرعية زمن الامام سعود وابنه عبدالله ، ولمكانته اختاره الامام سعود في سفارة الى امام صنعاء ، فكفى في مهمته ... وبعد هجوم ابراهيم باشا على الدرعية واستيلائه عليها ، ارتحل المترجم الى عنيزة فولي قضاءها ... ثم تحول الى سوق الشيوخ فولاه شيخ المنتفق قضاءها الى أن توفي بها بعد الأربعين والمائتين والألف ))).


وفي عام 1809م احتل الأمير حمود بن ثامر مدينة البصرة وطرد متسلمها ، وذلك بعد طلب رسمي من الدولة العثمانية حيث ساءت العلاقة بين والي بغداد ومتسلم البصرة ، فطلب والي بغداد من الأمير حمود بن ثامر طرد المتسلم عسكريا ، يذكر لطفي جعفر فرج عبدالله ، في كتابه عبدالمحسن السعدون و دوره في تاريخ العراق السياسي المعاصر، ص:20 ((( لم يقتصر التعاون بين آل سعدون والسلطة العثمانية على صد القوى الخارجية بل تعداه أيضا الى أن تعتمد السلطة العثمانية على السعدونيين في القضاء على مشاكلها الداخلية، ففي سنة 1225هـ (1809م) حين ساءت العلاقة بين والي بغداد (سليمان باشا – الصغير) وبين (سليم بك) متسلم البصرة، أرسل والي بغداد الى الشيخ السعدوني (حمود بن ثامر) طالبا منه أن يخرج (سليما) من البصرة ، فكان له ماأراد))). ويذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، عند حديثه عن الأمير حمود بن ثامر ، قسم المنتفق ، ص:414 (((فسار إليها وحاصرها وأتاه أهل الزبير مساعدين له فجعلهم في جهة معينة تحت قيادة ابنه (برغش ابن حمود) وظل الكل مثابرين على حصار البصرة حتى احتلوها))).


27- آل سعدون- بعد دخولهم بغداد عسكريا- يفرضون نفوذهم على كامل العراق مابين 1813م – 1817م:



إن أهم حدث في تاريخ حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر السعدون هو عندما استطاع أن يهزم والي بغداد (الذي قاد حمله عسكريه ضخمه ضد حمود) ، ويشتت جيشه ثم يأسره هو ونائبه ويقودهم الى السجن في عاصمة مملكة المنتفق مدينة سوق الشيوخ مكبلين بالسلاسل في واحدة من أعظم الإنكسارات العثمانية أمام العرب تاريخيا ان لم يكن أعظمها على الإطلاق ، ثم تم قتلهم من قبل أخوه الأمير راشد بن ثامر السعدون ، واتجه الأمير حمود بعدها لبغداد واحتلها عسكريا ، ونصب بالقوة العسكرية سعيد كوالي عليها في أكبر اهانة تلقتها الدولة العثمانية في العراق واضطرت الدولة العثمانية ان تبلع الاهانة وتعترف بسعيد رسميا (كان عمر سعيد وقتها 20 سنة فقط ولم يكن قد تسلم أي منصب رسمي في حياته قبلا وكان دخيلا لدى الأمير حمود) ، ووقتها قام الأمير حمود بن ثامر بفرض نفوذه ونفوذ أسرته آل سعدون الأشراف على كامل العراق في الفترة مابين 1813م وحتى عام 1817م عندما تمكنت الدولة العثمانية من إعدام سعيد باشا والتخلص منه.


تبدأ الأحداث عندما أراد والي بغداد عبدالله باشا وأركان حكومته إعدام سعيد ، فقط لكونه ابن لسليمان باشا (والي بغداد السابق) ولانهم كان يتبعون والده سابقا وبالتالي خافوا أن ينازعهم الحكم لاحقا ، لذلك قرروا إعدام الشاب المسكين سعيد بن سليمان والذي لم يكن حتى لديه أي منصب سياسي أو نفوذ ، يذكر المؤرخ العثماني سليمان فائق بك (وهو عدو للمنتفق و أحد كبار الموظفين العثمانيين في العراق في القرن التاسع عشر) ، في كتابه عشائر المنتفق , ص:27 ((( فقر قرار عبدالله باشا وأعوانه على اعدام سعيد بك المسكين وهو بريء غافل غير أن أراجيف معاون الوالي طاهر أغا وسائر أركان معيته في الولاية حسنوا لعبدالله باشا تلك النية السيئة))).


وما ان أحس سعيد بما يدور حوله حتى هرب الى حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر (صديق والده) ، وقد لحقه أحد مشايخ قبيلة العبيد (قاسم الشاوي) وهرب الى الأمير حمود بن ثامر خوفا من بطش والي بغداد ، فاجار حمود الشخصين وتعهد بحمايتهم ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر (المعاصر للأحداث) ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج:1 ، حوداث سنة 1228هـ ، ص: 336 ((( وفي هذه السنة وقع في بغداد اختلاف . وخاف سعيد ابن سليمان باشا من عبدالله باشا صاحب بغداد ، وهرب الى المنتفق عند حمود بن ثامر، وهرب معه قاسم بيك ))). وما ان علم والي بغداد بما حصل حتى جن جنونه ، وكتب خطابا يطلب تسليم سعيد وقاسم ، وشدد على تسليم سعيد بالذات حيث طلب بأن يرسل الى بغداد مغلول اليدين ، وأن الأمير حمود بن ثامر اذا لم يسلمه يعتبر ناقضا لما بين الدولتين من المعاهدات ، وعندما وصل الخطاب الى حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر احتار في امره وفي صعوبة الموقف خاصة وان طبول الحرب قد بدأت تدق ، لذلك عقد مجلسا كبيرا لشيوخ القبائل والعشائر في مملكة المنتفق ولكبار شخصياتها وأخبرهم بمحتوى الخطاب ثم ألقى خطبة تاريخية بليغه ، يذكر المؤرخ العثماني سليمان فائق بك (وهو عدو للمنتفق و أحد كبار الموظفين العثمانيين في العراق في القرن التاسع عشر ) ، في كتابه عشائر المنتفق، عند حديثه عن والي بغداد عبدالله باشا , ص:28 ((( وعليه أصدر أوامره اللازمة بتسليمه مغلول اليدين واذا لم يسلمه حمود يعد ناقضا للعهود. أما حمود الثامر فانه حينما وصل الأمر القائل بتسليم سعيد بك اليه ، انشغل باله ، وتشتت أفكاره وفي الحال عقد مجلسا كبيرا يحتوي على الأمراء والروساء وعشائر آحاد العربان ، وباشر يقرأ عليهم الأمر الوارد من قبل الولاية . وكان الأمر محررا باللغة العربية ، وبعد أن ختم قراءة الكتاب نهض حمود الثامر بذاته وألقى خطبة بليغة))). يذكر خطاب حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر الذي ألقاه على الروساء والأمراء وشيوخ القبائل في مملكة المنتفق ، المؤرخ العثماني سليمان فائق بك (وهو عدو للمنتفق و أحد كبار الموظفين العثمانيين في العراق في القرن التاسع عشر ) في كتابه عشائر المنتفق , ص:30 (((أيها الأمراء والرؤساء والمشايخ: أخاطبكم اليوم لعلمي أنكم الممثلون للعرب، وأعلم أيضاً أن قد تجسمت فيكم الشهامة والغيرة والحمية، وبما أنكم أمراء ورؤساء القبائل أخاطبكم بخطاب يليق بكم، فليكن معلومكم أيها الأجلاء العظام والسادة الكرام...أن دخيلنا (سعيد بك) لما علم أن حياته بخطر، وأن الداعي كنت المتفق الخاص لوالده التجأ إلينا كي يتمكن من المحافظة على حياته المهددة بالخطر، ووقع دخيلاً عندنا، وها هو هذا: تعرفونه وتعرفون أباه، وتعرفون منزلة أبيه وهو من ذوي البيوت لا من العتقاء والسوقة، وإني قد تعهدت وتكفلت بحمايته حماية مطلقة، وأنه الدخيل عندي، ولم تظهر له أدنى مظاهرة تشغل الحكومة بل ولم يتحرك بحركة مخالفة لرضاء الدولة، وكررت هذه الكيفية للولاية مراراً فلم تفد جميع مراجعاتي واسترحاماتي. ولذا لم يبق للحكومة حق إن خالفتها وعصيتها لأني قد اخترت جواب السلب، وأمرتنا الولاية بهذا الأمر الذي قرأته عليكم بتسليم الدخيل، فإن لم نسلمه تأخذه الحكومة من عندنا قسراً بقوة السلاح، وهذا تهديدهم كما سمعتموه. و قد حاكمت نفسي مراراً بكيفية تسليم الدخيل، فأبت نفسي وشيمتي العربية تسليم الدخيل كتسليم الشاة إلى القصاب، وجزمت وعزمت على أن أقاوم وأدافع الحكومة بكل مجهودي وقوتي لآخر نفس، فإن عجزت عن المقاومة أكون مجبوراً على ترك أولادي وعيالي وآخذ دخيلي، وأهرب به إلى الديار النجدية حفظاً لناموسي وشرفي،فمن كان منكم يكره هذه الحالة فليعتزل إلى جنب، واعتقدوا أني لا أجبر ولا أكره أحداً على أن يكون معي. فكل منكم مختار برأيه حيث أن هذه المسألة خاصة بنفسي، وعائدة علي، ولا شك أن هذا ناموسي وشرفي، ولا أقبل أن يدنس أو يكون فيه العار، وتسليم الدخيل هو أكبر عار علينا، ولهذا لا بد أن أهرق آخر قطرة من دمي للمحافظة على الناموس، واعلموا جميعاً أني لا أكلف أحداً منكم بتكليف لا يطيقه))). و بعد أن ألقى الأمير حمود خطابه ، وجد تأييدا كبيرا لما يعزم على تنفيذه وهو عدم تسليم دخيله ومواجهة الدولة العثمانية عسكريا ، لذلك بدأ التحضير عسكريا للمعركة ، وعلى الطرف الأخر كان والي بغداد عبدالله باشا قد وصله خبر التجهيزات العسكرية في مملكة المنتفق ورفضهم لتسليم الدخيل ، لذلك قرر التجهيز لحملة ضخمة ضد مملكة المنتفق وحاكمها الأمير حمود بن ثامر ، وقد جمع جيشا عثمانيا من ثلاثين ألف مقاتل وجهزه بالمدافع ، يذكر المؤرخ العثماني سليمان فائق بك (وهو عدو للمنتفق و أحد كبار الموظفين العثمانيين في العراق في القرن التاسع عشر ) ، في كتابه عشائر المنتفق، ص:31 ((( ولما وصل الخبر (عن) اعلان العصيان من قبل عشائر المنتفق الى بغداد ، اعتقد عبدالله باشا أنه لايمكنه أخذ سعيد بك كما يروم بسهولة ، ولهذا أمر بتجهيز فيلق من الجنود المعلمه (المدربة) وتمكن من جمع مايتجاوز ثلاثين ألفا من الجنود ، وأكمل مهماتهم وسيرهم ، ومعهم أضخم المدافع فتوجهوا عن طريق الحلة والسماوة))).


ثم أرسل والي بغداد أمرا للقبائل العربية التابعة للعثمانيين في ولاية بغداد بمساندة الجيش العثماني ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر (المعاصر لأحداث) ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج:1 ، عند حديثه عن والي بغداد عبدالله باشا وطلبه لسعيد وقاسم بيك ثم جمعه للقوات العثمانية والقبائل العربية التابعه له، حوداث سنة 1228هـ ، ص: 336 ((( فأرسل عبدالله المذكور الى حمود وطلب منه أن يبعث بهم اليه ، فأبى ذلك ومنعهم ، ثم ان عبدالله جمع العساكر من الروم وعقيل ، ومن بوادي شمر وغيرهم من أهل العراق ورئيس البوادي بنية بن قرينيس الجربا ، ثم جمع حمود بن ثامر جميع المنتفق وجميع أتباعه ))). ولكي يضفي والي بغداد الشرعية على حملته العسكرية وهدفها ضد مملكة المنتفق أرسل طلبا للأمير نجم بن عبدالله (ولد عم الأمير حمود بن ثامر) للحضور الى بغداد ، والأمير نجم بن عبدالله كان جاليا لدى قبيلة زبيد منذ مده ومعه عبيده وفداويته (حرسه الخاص) ، وقد كان الوالي يعرف بأن بينه وبين الأمير حمود بن ثامر خلاف، وعند وصوله الى بغداد أخبره بأن الدولة العثمانية اعترفت به كحاكم للمنتفق وأنه عليه الإستعداد للسفر مع الجيش حيث سوف يتم تنصيبه بالقوة العسكرية بدلا من ولد عمه الأمير حمود بن ثامر ، ولم يرفض هذا الأمر. يذكر الدكتور حميد بن حمد السعدون ، في كتابه امارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق و المنطقة الأقليمية 1546م – 1918م , ص: 160((( الغريب في هذه الحملة الموجهه نحو المنتفق ، أنها اسندت من جميع رؤساء القبائل المهمه في وسط العراق وشماله وبواديه ، فكان مع الجيش قوات عشائر ربيعة يتقدمها الأمير-مشكور- وقوات الخزاعل ومقدمتهم الشيخ – سبتي بن محسن المحمد- وقوات عقيل يتقدمهم شيخهم – ناصر محمد الشبلي- وقوات الجشعم , مضافا اليها قوات اللاوند وأغوات الأكراد والتركمان , هذا غير قوات - نجم العبدالله- المعين من قبل الوالي – التوتنجي - أميرا للمنتفق بدلا من أميرها حمود الثامر . بحيث كان حجم الجيش والعشائر المساندة له في مسيره نحو المنتفق , من أضخم الحملات العسكرية التي شهدها العراق ))).


سار هذا الجيش الضخم الى أراضي مملكة المنتفق وعند دخول الجيش لمنطقة الجزيرة في أراضي مملكة المنتفق انضم اليه شيخ قبائل الربيعة الذي كانت العديد من قبائله تدين بالولاء لمملكة المنتفق ، وتحرك شيخ ربيعة (مشكور) بقواته كطليعة للجيش كونه يعرف المنطقة ، واصطدم مع قوات من خيالة المنتفق يقودها الأمير صالح بن ثامر السعدون والتي تمكنت من قتله وتفريق قواته بعد معركة عنيفة بين الطرفين، لذلك زحف والي بغداد بحشوده بشكل كامل باتجاه معسكر قوات مملكة المنتفق قرب عاصمة دولتهم مدينة سوق الشيوخ ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق ، ص:416 (((وعند وصوله أرض المنتفق عبر من غربي الفرات إلى الجزيرة فانضم إليه شيخ ربيعة (مشكور) وسار بقومه. وكان مشكور هو قائد أول طليعة للجيش فتصادم مع (صالح بن ثامر) وجرت بينهما معركة عنيفة أسفرت عن قتل مشكور وتفرق قومه. فزحف الوزير بالعساكر حتى نزل قريباً من عشائر المنتفق))). وما ان تقابل الجيشين حتى اندلعت معركة عنيفة قرب جدول يعرف بـ غليوين (سميت المعركه عليه) ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر (المعاصر لأحداث) ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج:1 ، حوداث سنة 1228هـ ، ص: 336 ((( فالتقت الجموع والعساكر من الطرفين ، واقتتلوا قتالا شديدا وصبر الفريقان))). واشتد القتال بين الطرفين واصيب الأمير برغش بن حمود ( ولد حاكم مملكة المنتفق) بطعنه قوية سببت له اصابة بليغة ونقل على اثرها الى مخيم قوات المنتفق ، ثم استطاع الأمير علي بن ثامر قتل ولد عمه الأمير نجم بن عبدالله بعد مبارزة بين الطرفين ( والأمير نجم هو الذي كان والي بغداد يرغب في فرضه كحاكم على مملكة المنتفق بدلا للأمير حمود) ، وبعد قتل الأمير نجم بن عبدالله انسحبت قوات آل قشعم من الميدان بعد ان قتل مقدمهم أيضا ، واشتدت شوكة قوات مملكة المنتفق على قوات الدولة العثمانية ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق ، ص:416 (((ثم دارت رحى الحرب بين الفريقين. فطعن (برغش بن حمود بن ثامر) ونُقل جريحاً إلى مخيمة. ثم حمل علي بن ثامر علي نجم بن عبد الله (الرئيس الجديد للمنتفق) فقتله. فانخذل (آل قشعم) الموالون للوزير فقويت شوكة المنتفق))). واشتد القتال حتى استطاعت قوات مملكة المنتفق اقتحام خط المدفعية الخاص بالقوات العثمانية مما حول المعركة الى مذبحة بين الطرفين وبدأت قوات القبائل العربية المرافقة للعثمانيين بتبديل ولاؤها الى قوات مملكة المنتفق خوفا من القتل خصوصا بعد هروب شيوخها من أرض المعركة ، وبدأت القوات العثمانية بالهرب من القتل في ميدان المعركة بإتجاه معسكر مملكة المنتفق طالبة الدخالة من سعيد (وفي تلك الحظة تحول سعيد من طريد يحتاج الى من يجيره الى شخص يطلب منه من كانوا يرغبون قتله أن يجيرهم ، فسبحان من يعز من يشاء ويذل من يشاء) ، وقام والي بغداد ونائبه بالإستسلام بعد انهيار قواته ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق ، ص:415 (((ثم جعلت القبائل تلتحق بهم حتى انضم الى المنتفق غالب العشائر فحمى وطيس القتال على الوزير حتى طلب الآمان لنفسه ولطاهر بيك ولمن معهما من الخواص ))). يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر (المعاصر للأحداث) ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج:1 ، حوداث سنة 1228هـ ، ص: 336 (((ثم ان بوادي شمر وناس من أمراء العسكر وغيرهم من الكرد خانوا لحمود فانهزمت العساكر العراقية وقتل منهم قتلى كثيرة ، وأسر عبدالله باشا المذكور وكيخياه طاهر وناصر الشبلي رئيس عقيل))). وقد طلب سعيد من الأمير حمود بن ثامر أن يعفي عن الجنود العثمانيين المستسلمين ويعطيهم الحماية ، وقد أعطاهم الأمير حمود الحماية على أرواحهم الا ان جنود مملكة المنتفق قاموا بنهب الجنود العثمانيين ولم يبقوا لهم حتى لباسهم ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق ، ص:416 ((( فأعطاهم حمود الآمان (ولكنه لم يف به) لأن أعراب حمود جعلوا ينهبون العساكر ولم يبقوا لأحد منهم مايستر به عورته ولا مايسد به رمقه ، ولامانع لهم))).




لقد كان انتصار قوات مملكة المنتفق كبيرا جدا ، فقد شتت الجيش المقابل لها وأسرت والي بغداد ونائبه وشيخ عقيل ، بالإضافة الى قتل شيخ ربيعة وشيخ الخزاعل ومقدم القشعم ، مضافا الى ذلك هروب مشايخ القبائل الأخرى الموالين للعثمانيين وتركهم لجنودهم في ساحة القتال والذين هرب من استطاع الهرب منهم وقتل من قتل وأسر منهم من أسر وبعضهم بدل ولاؤه للنجاة من القتل ، وقد استسلمت كامل القوات العثمانية التي سلمت من القتل بعد ان سلموا كل اسلحتهم وعتادهم العسكري ، يذكر الدكتور حميد بن حمد السعدون ، في كتابه امارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق و المنطقة الأقليمية 1546م – 1918م , ص: 162((( لقد كان انتصار المنتفق في هذه المعركة كبيرا ، بحيث أنها لم تمكن أحدا من غزاتها من العودة لأرضه سالما ، فبالاضافة لمن قتلوا في المعركة ، فقد غرق شيخ الخزاعل أثناء مطاردة خيالة المنتفق له في نهر "المسرهد" وقتل مقدم القشعم ، واستسلم المتبقون طالبين "الدخالة ". أما بقية الجيش فقد حماهم سعيد بك ، بعد أن جردوا من أسلحتهم ومدافعهم وكافة عددهم))). لقد كانت معركة غليوين واحدة من أعظم الإنكسارات العثمانية أمام العرب تاريخيا ان لم يكن أعظمها على الاطلاق ، حيث تم اقتياد والي بغداد ونائبه مكبلين بالسلاسل الى السجن في عاصمة مملكة المنتفق مدينة سوق الشيوخ ، وبعد سجنهم توفي الأمير برغش بن حمود ، لذلك ذهب عمه الأمير راشد بن ثامر السعدون الى السجن وقتل والي بغداد ونائبه خنقا بالحبال وذلك انتقاما لوفاة ابن أخيه ، وبعد دفنهم رجع الأمير راشد بن ثامر السعدون وأخرجهم وعلق رؤوسهم أمام الناس ، يذكر العالم الشيخ محمد بن العلامة الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني الطائي (كان هو ووالده مدرسين بالمسجد الحرام.. وهو معاصر للحرب العالمية الأولى وسبق له تولي قضاء البصرة)، في كتابه التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية ، قسم المنتفق ، ص:416 (((ولما طلب الأمان الوزير لنفسه ولمن معه وسلم نفسه. أمر حمود باعتقال عبد الله باشا الوزير المذكور ومعه طاهر بيك وشخص ثالث معهما فكبلوا في الحديد. وأرسل بهم على (سوق الشيوخ) حيث سجنوا هناك. ولما مات برغش بن حمود من تلك الطعنة التي طعنها في ميدان القتال. ذهب عمه راشد بن ثامر إلى السجن وقتل الثلاثة المذكورين (عبد الله باشا وطاهر بيك وصاحبهما) خنقاً بالحبال. وبعد أن قبروا أعاد عليهم فنبشهم وقطع رؤوسهم وشهرها ثأراً لابن أخيه برغش))). ويرى ابن بشر المعاصر للأحداث أن سعيد هو من أشار على الأمير راشد بن ثامر السعدون بإعدام والي بغداد ونائبه ، وقد غضب حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر السعدون (كان قد أصيب في العمى قبل تلك الفترة) على قتلهم بعد أن اعطاهم الآمان وسقط عن سريره عندما وصله الخبر ، الا انه لم يعقب على ذلك ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر (المعاصر للأحداث) ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج:1 ، حوداث سنة 1228هـ ، ص: 337 ((( وكان برغش بن حمود قد جرح في تلك الوقعة جرحا شديدا ثم مات منه ، فأسر سعيد بن سليمان المذكور لراشد أخا حمود بن ثامر أن يقتل عبدالله وكيخياه فقتلهم ، فلما بلغ حمود الخبر غضب غضبا شديدا وسقط من سريره لقطع وجهه ولم يعقب ذلك بشيء))).


وننقل هنا وصف لأكبر أبناء حاكم مملكة المنتفق وهو الأمير برغش بن حمود من قبل أحد معاصريه وهو التاجر الحلبي ميخائيل بن يوسف عبود ، هامش كتاب مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص: 279 ((( انه أكبر ابناء حمود ، وانه المشهور في صورته ومنظره العجيب وفروسيته))). وهذه قصيدة الأمير الشريف علي بن ثامر السعدون في رثاء أخيه الأمير الشريف عبدالمحسن بن ثامر السعدون, وذكر انتصارهم في معركة (غليوين) على والي بغداد عبدالله باشا سنة 1813م ، مصدر القصيدة (القاموس العشائري العراقي) ، للشيخ أحمد العامري الناصري، الجزء الأول ، ص:145 :


الورق يلعي فوق عالي قصورها
حمايمٍ، ويطربن الغنا من فجورها
تغنّت بصافي النوح عندي, وانا الذي
من البعد والفرقا أصالي مرورها
أيا أيها الورق الذي أنت ساهر
لك النوح شطرٍ من معالم شطورها
آه وا عضيدي راح.. ما عاد يرجع
باللحد ثاوي في مطاوي قبورها
(أبا براك) زبن الجاذيات ابن ثامر
وان همّلوا عصمان الأيدي سيورها
أيا ليت (أبو براك) بالكون حاضر
به صولةٍ جتنا. كفى الله شرورها
لفتنا: ربيعة وابن جشعم ولامها
معا.. عسكر الدولة، وجملة حضورها
ومعهم عقيلٍ، والقبايل جميعها
واللي بقلبه حسفةٍ.. جا.. يدورها
واشاروا علينا بالقطيعة، وذبحنا
والاطواب تكفي في ملاهي زمورها
دعونا الصبح, واحنا نلملم جموعنا
وحاروا، وداروا.. كيف حالٍ ندورها
و(صالح) نهار الكون زيزوم حربنا
عزنا، وزبن رجالنا عن عقورها
وانا على قبّاً.. قحومٍ وعندلٍ
رفوعٍ، وشعوى لى تمثنت وعورها
ركضنا عليهم ركضةٍ (هاشميّة)
وراحت تناحي بالعوالي صدورها
غدا ذاك مذبوح, والاخر مخلاّ
وهناك حقٍّ للحدا مع نسورها
وليناهم, وطابت بهم نفس لابتي
ليا عاد (ابو برغش) حماها، وسورها
لمن خاب ذاك اليوم منّا، ومنهم
رايات سودٍ تنتشر في نشورها


ثم سار حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر السعدون الى بغداد واحتلها عسكريا ، وقام بفرض تعيين دخيله سعيد كوالي لها ( كان عمر سعيد وقتها 20 سنة ) وبعد فترة وصل فرمان عثماني بالقبول بسعيد كوالي لبغداد وهي أكبر اهانة تلقتها الدولة العثمانية في العراق من العرب ، يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود , القسم المقتطع من خزانة التواريخ النجدية ، مختصر الشيخ أمين الحلواني ، عند حديثه عن دخول الأمير حمود بن ثامر السعدون ومعه سعيد الى بغداد , ص: 304 ((( ثم توجه حمود مع سعيد باشا الى بغداد , ودخلاها بالموكب والأبهة والجاه , وكاتب سعيد باشا الدولة فجاءه الفرمان بأنه والي بغداد والبصرة وشهرزور , فرجع حمود الى المنتفق , لكن سعيد باشا لايبرم صغيره ولا كبيره الا بمشورته))). يذكر المؤرخ والمستشرق الألماني البارون ماكس فرايهير فون أوبنهايم ، في كتابه البدو, ج3 , ص: 285 ((( فدخل حمود الى بغداد مع سعيد الذي كان في حمايته , وكان هذا نصرا لآل سعدون لا مثيل له . لم يكن سعيد مؤهلا لمنصبه , فلم يكن عمره سوى واحد وعشرين عاما ولم تكن لديه أي خبره في ادارة شؤون الدولة ))). يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود (المعاصر للأحداث) ، عند حديثه عن سعيد باشا في بغداد التابع لحاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر ، والمنصب من قبله كوالي على المناطق العثمانية في العراق ، ص: 281 ((( فلما انتظمت اموره رجع حمود منه منعما اليه معظما مع انه وان بعد عنه فهو قلبه ، بل مجنه ودرعه وسنانه وعضبه ، لايصدر امر الا وهو ناظم عقده ، ولاتوارى نار حرب الا بزنده ، ولايولى امير الا باستشارته ، ولايعقد صلح الا وهو المطلع على سفارته))).


وقد فرض آل سعدون نفوذهم على كامل العراق منذ تعيينهم لسعيد باشا (عام 1813م) وحتى إعدام سعيد باشا من قبل العثمانيين (عام 1817م) ، وهو مالم تتمكن أي أسرة أو قبيلة أو امارة في العراق من فعله طوال الحقبة العثمانية ، يذكر فرض الأمير حمود بن ثامر لنفوذه على كامل العراق المؤرخ حمد بن لعبون (المعاصر للأحداث) ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، ولد قبل عام 1768م وتوفي 1844م، كتاب تاريخ حمد بن محمد بن لعبون ، ص:660 ((( وجرح برغش بن حمود . ثم : أنه مات وقتلوا عبدالله باشا وسار حمود وجه اسعد لبغداد , وملك العراق ورجع ))). ويذكر كاظم فنجان الحمامي ، في مقاله : بين الناصريتين .. ناصرية العرب وناصرية العجم (((واستمرت المعركة لعدة أيام, انتهت بالنصر المؤزر لصالح المنتفك, الذين بسطوا نفوذهم السياسي والقومي على العراق كله, من شماله إلى جنوبه))). يذكر عبد الحليم احمد الحصيني ، في مقاله : الناصرية في أروقة الزمن (((والى ايام الفضلية وهي المعركة التي اندحر فيها الفرس عام 1777 عندما توغلوا في اراضي المنتفك وحصلت المواجهة في منطقة الفضلية الواقعة على نهر الفرات على بعد عدة اميال من العرجة وتكبدوا فيها خسائر فادحة من جراء غيهم بعد ان لقنوا درسا بليغا من اهالي المنتفك الذين كانوا لهم بالمرصاد والى ايام ابو حلانه يوم لم يروق للفرس هزيمتهم في معركة الفضلية تقدموا بقواتهم نحو المنتفك والتقو عند ( ابو حلانة) نهاية عام 1778 وعندها ابلى رجال المنتفك بلاء حسنا وابادوا القوات الفارسية ابادة تامة وغنمو خلالها العديد من الاسلحة والمعدات ومن ابو حلانة الى اغليوين (جدول يقع بين الناصرية وسوق الشيوخ) دارت عنده المعركة بين المنتفك والقوات العثمانية اوائل عام 1813م ودارت المعركة سجالا بين الطرفين حيث كانت الغلبة بادئ الامر لصالح قوات الوالي العثماني حيث يفوقون المنتفك عددا وسلاح . ولكن صلابة المنتفك وبسالتهم غيرت من نتائج المعركة واصبحت الكفة لصالح المنتفك وحوصرت قوات الوالي العثماني وقتل اغلبية القادة وهكذا تلقت القوات العثمانية ضربات موجعة لم ينج منها الا نفر قليل ولى هاربا رغم الاستعدادت الكبيرة وثقل القوات المهاجمة وسجلت المنتقك نصرا كبيرا . اثبتت المنتفك من خلاله انها صاحبة القرار بكل ماتريد او لاتريد وفي كل ارجاء العراق من شماله الى جنوبه))).


يذكر تبعات هذا النصر الكبير لحكام مملكة المنتفق أسرة آل سعدون الأشراف ، المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري (المعاصر للأحداث) ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص: 280 ((( ولما حصل لذلك العسكر ماذكرنا قوية شوكة حمود وصلبت قناته ، ولم يبق عنده لوزير ولا امير حرمة ، وحلف من رق دينه انه من اولياء الله ، وانه لاغالب يغلبه ، وصار امر سعيد بيده ، ولهذا أعطاه وأخوانه مافي جنوب البصرة من القرى فضحك لهم الزمان ، ودار بمايشتهون الجديدان ، واطاعهم الحاضر والبادي ، وسالمتهم قهرا الاعادي ، وصار لايضرب مثل شرف الا بهم ولايوجد التبختر الا في شيبهم وشبابهم ، ولاترحل مهرية الا لتناخ في رحابهم ، ولايتسامر في المحافل الا بمدائحهم ، ولا يتنافس الماثل الا بذكر صفائحهم))). ويذكر سليمان فائق بك (وهو عدو للمنتفق و أحد كبار الموظفين العثمانيين في العراق في القرن التاسع عشر ) ، في كتابه عشائر المنتفق , ص:35 ((( وبناء على هذه الوقعة الكبيرة نالت عشائر المنتفق الشهرة العظيمة , وانتشر خبر حمود الثامر في كل الأطراف , وهابته العشائر , ولقبته بسلطان البر . وبدأوا يسمونه سلطان حمود الثامر ))). يذكر المؤرخ خير الدين الزِّرِكْلي المولود عام 1893م، في كتابه الأعلام ، عند حديثه عن حاكم مملكة المنتفق وشيخ مشائخ قبائلها الأمير حمود بن ثامر بعد انتصاره وقتله لوالي بغداد وفرضه لسعيد بالقوة العسكرية كوالي لبغداد ، المجلد الثاني ، ص:281 (((وقصده الشعراء بالمدائح، فكانت جوائزه حديث الناس، أو كما يقول المؤرخ ابن سند: كجوائز بني العباس))).
كان هذا عرض موجز لبعض أبرز الأحداث في فترة حكم الأمير حمود بن ثامر السعدون ، وسوف يكون هنالك ان شاء الله بحث مفصل لاحقا عن فترة حكمه.


28- أمثال شعبية أرتبطت بحاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله:


نسلط الضوء هنا على بعض الأمثال الشعبية التي أرتبطت بحاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله، ونعرض شرح موجز عنها ، وكنا في هذا البحث قد تحدثنا عن جوانب من شخصية الأمير ثويني بن عبدالله كما ذكرها معاصروه وهي تتعلق بقوة حكمه وشجاعته وإقدامه وآثاره العمرانية وتخطيطه العسكري والإقتصادي وثقله السياسي في تاريخ العراق والمنطقة الإقليمية ، بالإضافة الى صناعته لأهم حدث في تاريخ العراق والذي يدور حوله هذا البحث ، الا اننا هنا سوف نتطرق للجانب الأخر من شخصيته وهو ماتعبر عنه بعض الامثال الشعبية التي ارتبطت به.. هذا الجانب يتعلق بكون هذا الحاكم على الرغم من قوة شخصيته وعلى الرغم من كل ماواجهه في حياته من أحداث و معارك كثيره وبعضها كان ضخما إلا انه كان شخصية مرحه تحب المزاح مع شعبه وأبناء القبائل التابعه له.


1-كره ثويني لغضبان:





يضرب لشدة الكراهية التي تتحول لصداقة ، وذكره الرحالة الإنجليزي جيمس باكنغهام ، وقال باكنغهام أن ثويني بن عبد الله بعد هذه الكراهية لجأ إلى غريمه غضبان الكعبي حاكم الحويزة، فقام الأخير بإكرامه كما ولاه شكلياً على أحد المقاطعات التابعه له، وأهداه خاتمه دلالة على ذلك، فحوّل كرم الضيافة، ونبل الأخلاق العربية تلك الكراهية إلى نصرة وصداقة.


2-ردة أولاد واحد:


يضرب لمن يتمادى في غيّه، فيأتي من يردعه، وأصله أن مجموعة صغيرة من قبيلة الشريفات - عزوتهم (أولاد واحد) - خرجوا ذات ليلة باردة للسرقة (الحنشلة)، فلم يوفقوا، فعبروا النهر سباحة، ونزلوا ضيوفاً على حاكم ملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبد الله، وكان محباً للمزاح، فأدرك ماكان يقومون به فأحب أن يردعهم لكن بدون أن يبطش بهم، فطلب منهم أن يصوّروا عملية السباحة على أرضية المجلس، فخجلوا من ذلك، وقالوا: (لا تجوز السباحة إلا في النهر)، واستمراراً فيما بدأ به سار بهم إلى النهر، وأمرهم بالسباحة، ففعلوا، وظل يستزيدهم حتى قاربوا على الهلاك لبرودة المياه، فعبروا النهر إلى الضفة الأخرى، ولاذوا بالفرار، وثويني يناديهم: (ردّوا.. ردّوا.. أولاد واحد) ثم بعث من يأتي بهم، فجاءوه، وكافئهم. وهذا يعكس جانب من شخصية الأمير ثويني بن عبدالله حيث أنه مع إمكانية بطشه بهم لممارستهم السرقة ، الا أنه أراد ردعهم بطريقة أقل حدة.


3-حالف ماأفارق ضيف الله:


يضرب لمن يعكف على مكان لا يفارقه، وقاله ضيف حل على حاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبد الله ليلاً بعد فوات موعد العشاء، ولم يكن الضيف ذا قدر كبير، فاستأذنه الأمير ثويني في تقديم ما تبقى من وليمة العشاء له، فرفض الضيف، وطلب حق ضيافة الوجهاء كاملاً، وإن كان الوقت متأخراً، وعندها أمر الأمير ثويني بتحضير ضيافة الوجهاء بشكل كامل. وكان للأمير ثويني جفنة كبيرة تسمى (ضيف الله) تتسع لكيس رز كبير، وعندما قدم الطعام أصبح الأمير ثويني يقطع اللحم للضيف المتكبر، وقد سل جزءاً من سيفه، ويحث الضيف على الأكل حتى امتلأ، وأراد القيام لكن ثويني شدد عليه أن يستمر في الأكل حتى أوجس الضيف خيفة من هذه الحفاوة الزائدة، فـ (شد وسطه بكوفيته، ولف عباءته على كتفيه، وصار يدور حول الجفنة، ويردد بأسلوب حربي إيقاعي: حالف ما أفارق ضيف الله)، فضحك الأمير ثويني منه، وزاد في إكرامه.


4-بيعة طعيس:


يضرب للرجل الذي يصر على فعل ما، ولو أيقن أن فيه هلاكه، وقيل تذكيراً بفعلة طعيس مملوك بني خالد الذي اغتال الأمير ثويني بن عبد الله عام (1797م) وذلك عندما ضربه بحربه في ظهره غدرا وهو في معسكره.


5-هذا والعذر ياثويني:


مثل أصله كلمة قيلت في موقف بذل فيه المعتذر غاية مجهوده, وهي روحه العزيزة، وقد قالها الأمير نجم بن عبدالله لحظة مقتله في معركة غليوين سنة 1228هـ بعد مشاركته مع جيش والي بغداد عبد الله باشا لمهاجمة المنتفق. وكان الأمير نجم بن عبدالله جالياً مع أسرته وبناته لدى قبيلة زبيد مغاضباً لحاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر حمية منه لأخيه الأمير ثويني بن عبدالله.


29- خاتمه:


سلط هذا البحث الضوء على أحداث تاريخية مهمه صاغتها أسرة آل سعدون الأشراف ، أبرز أسرة عربية ظهرت في تاريخ العراق في العصر الحديث (الأربع قرون التي سبقت الحرب العالمية الأولى) ، وهي الأسرة التي أسست دولة عربية (مملكة المنتفق) والتي لعبت الدور الأبرز في تاريخ العراق ، وكانت معظم وقائع العراق تاريخيا مما يتعلق بها ، وهي الأسرة التي أسست أيضا اتحاد قبائل المنتفق وهو أكبر اتحاد للقبائل والعشائر مختلفة الأصول شهده العراق تحت مشيخة شيخ مشائخ فعلي ، وهذه الأحداث التي شملها البحث هي أحداث فريدة تاريخيا ، وبعضها لم تتمكن أي أسرة في العراق من أن تسبقهم بها أو حتى تكررها ، وهذه بعض الأحداث التي شملها البحث بشكل موجز وهي:


1- تعاون الدولة العثمانية والفارسية (في سابقة تاريخية) ضد الأمير مانع بن شبيب آل شبيب بعد أن عجزت الدولة العثمانية عن هزيمته واخراجه من مدينة البصرة والتي اتخذها عاصمة لمملكة المنتفق.
2- طرد الأمير مغامس بن مانع آل شبيب للبضائع الإنجليزية من البصرة بعد توقيعه لإتفاقية تجارية مع الهولنديين.
3- مواجهة الأمير مغامس بن مانع آل شبيب للدولة العثمانية بأكبر جيش يواجهها تاريخيا في العراق والجزيرة العربية.
4- بدء آل سعدون بتشجيع القبائل والعشائر العربية للهجرة للعراق منذ عهد الأمير محمد بن مانع آل شبيب ، وذلك للمحافظة على عروبة العراق في وجه العثمانيين والفرس ومحاولاتهم لطمس هوية العراق العربية.
5- ثورة الأمير سعدون بن محمد آل شبيب وتلقبه بسلطان العرب.
6- مرحلة حكم الأمير عبدالله بن محمد وتعرض الدولة في عهده لغزو فارسي ضخم وإبادة القوات الفارسية في معركتين (24 ألف مقاتل فارسي) مع بعض أبناء الأسرة الزندية الحاكمة في الدولة الفارسية (أخوان حاكم الدولة الفارسية) ، ثم تحرير البصرة.
7- تأسيس مدينة سوق الشيوخ للسيطرة على تجارة المنطقة.
8- فرض أسرة آل سعدون الأشراف لنفوذهم على كامل العراق في الفترة مابين 1813م -1817م في عهد الأمير حمود بن ثامر.


ولقد ناقش هذا البحث بشكل رئيسي أبرز الأحداث في فترة حكم حاكم مملكة المنتفق الأمير ثويني بن عبدالله وخصوصا أهم حدث في تاريخ العراق في الحقبة لعثمانية وذلك عندما قام الأمير ثويني بن عبدالله أولا بإعلان استقلال العراق بأكمله ومخاطبة الخليفة العثماني بذلك ، بعد جمعه لمعظم عرب العراق في وجه العثمانيين ، ثم ماقام به ثانيا من توحيد العرب والأكراد في توجه موحد لإستقلال العراق بأكمله ، مضحيا بحكمه مرتين في سبيل ماسعى اليه وهو ماشكل سابقتين في تاريخ العراق ، وعلى الرغم من كونه كان يستطيع أن يبقي الوضع على ماهو عليه من حكمه لنصف العراق وتقاسمه للنفوذ على مدينة البصرة مع العثمانيين ، الا انه أختار الطريق الأصعب وصناعة التاريخ بحدث لم يسبقه أحد اليه ولم يكرره أحد بعده. ولقد كان إنشقاق الأمير حمود قد فوت على عمه الأمير ثويني فرصة النجاح بشكل كامل في الإستقلال بالعراق وطرد الاتراك منه حيث انهم لو كانوا متحدين مثل ماحصل في معركة غليوين ، لكان العراق بأكمله عربيا منذ تلك اللحظة. والغريب أنه بعد كل المعارك التي خاضها الأمير ثويني بن عبدالله أمام امبراطوريات كبيرة مثل دولة الخلافة العثمانية والدولة الفارسية أو دول أقليمية أصغر مثل دولة بني خالد أو الدولة السعودية الأولى أو دولة بني كعب وسواء كان يقود قوات ضخمه من دولته أو كان يقود قسم صغير من اتباعه لم يكن مقدرا له أن يقتل في ميدان القتال بل كان قدره أن يتم اغتياله خارج ساحة المعركة.


في الختام نذكر بشكل موجز وفاة بعض أبرز الشخصيات التي ذكرها هذا البحث مرتبه حسب تاريخ الوفاة ، أولا الإمام أحمد بن سعيد حاكم عمان توفي عام 1783م ، يذكر د. طارق نافع الحمداني ، في كتابه الخليج والجزيرة العربية بين القرن السادس عشر والقرن العشرين، عند حديثه عن حاكم عمان الامام أحمد بن سعيد ، ص: 130((( فهو لذلك كله يستحق أن ندرسه ضمن قادتنا البارزين ، الذين حققوا الوحدة لبلادهم ، ووقفوا بوجه الأخطار الأجنبية ، بخاصة الفارسية ، حتى وفاته عام 1783م))). ثانيا الأمير سعدون بن عريعر حاكم دولة بني خالد توفي عام 1791م (1205هـ) ، يذكر عبدالكريم المنيف الوهبي في كتابه بنو خالد وعلاقتهم بنجد 1080 - 1208 هـ/ 1669 – 1794م ، ص: 361 ((( ذكر أنه توفي في الدرعية بعد أكثر من خمس سنوات من لجوئه اليها))). ثالثا الأمير عبدالمحسن بن سرداح حاكم دولة بني خالد قتل عام 1792م (1206هـ) ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، أحداث سنة 1206 هـ ، ج: 1 ، ص: 179 ((( وفيها قتل عبدالمحسن بن سرداح رئيس بني خالد بالقديم ، وذلك أن عبدالمحسن بعد وقعة غزيميل المتقدمة هرب الى المنتفق ، وتولى في بني خالد زيد بن عريعر كما ذكرناه من قبل ، ثم ان زيد المذكور واخوانه أرسلوا الى عبدالمحسن وبذلوا له الصداقة والأمان، ووعدوه ومنوه ، حتى جاء اليهم واجتمع بهم فقتلوه في مجلسهم))). رابعا الأمير براك بن عبدالمحسن حاكم الأحساء الأسمي المعين من قبل الدولة السعودية الأولى قتل عام 1798م (1212هـ) ، يذكر عبدالكريم المنيف الوهبي في كتابه بنو خالد وعلاقتهم بنجد 1080 - 1208 هـ/ 1669 – 1794م ، ص: 364 ((( هو أخر حكام بني خالد ، خلف والده في زعامة المعارضين لأبناء عريعر ، وقد حاول مقاومة الدرعية ولكنه قنع في النهاية بعد هزيمة الشيط وماأعقبها من أحداث بزعامة الأحساء كأحد الأمراء المعينين من قبل الدرعية ، الا أنه كان متقلبا في ولائه للدرعية حتى قتل في احدى غزوات عبدالعزيز بن محمد على قبيلة شمر في العراق سنة 1212هـ / 1797 – 1798 ))). خامسا سليمان باشا والي بغداد توفي عام 1802م (1217هـ)، يذكر المؤرخ العثماني الشيخ عثمان بن سند الوائلي البصري ، في كتابه مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود ، ص: 242 ((( وفي السنة المتممة للثلاثين من ولادة المترجم الرشيد الامين والناصر لدين الله ... توفي الوزير سليمان ابو سعيد)))، هي السنة الثلاثين من ولادة داوود باشا. سادسا الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود حاكم الدولة السعودية الأولى قتل عام 1803م ( 1218هـ) ، يذكر المؤرخ الشيخ عثمان بن بشر ، مؤرخ الدولة السعودية الأولى والثانية ، في كتابه عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج: 1 ، ص: 264 ((( ثم دخلت السنة الثامنة عشر بعد المائتين والألف ، وفي هذه السنة في العشر الاواخر من رجب ، قتل الامام عبدالعزيز بن محمد بن سعود في مسجد الطريف المعروف في الدرعية ، وهو ساجد في أثناء صلاة العصر ، مضى عليه رجل قيل انه كردي من أهل العمادية بلد الاكراد المعروفة عند الموصل اسمه عثمان .... فوثب عليه من الصف الثالث والناس في السجود ، فطعنه في أبهره رحمه الله ، أو في خاصرته أسفل البطن ، بخنجر معه كان قد أخفاه وأعده لذلك))). سابعا سعيد باشا والي بغداد (المنصب من قبل حاكم مملكة المنتفق الأمير حمود بن ثامر) أعدم من قبل العثمانيين في عام 1817م ، يذكر مؤرخ العراق الكبير عباس العزاوي ، في موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين، المجلد السادس، ص: 277 ((( ثم قتله محمد آغا معتمد حالت داخل القلعة يوم الأربعاء 10 من شهر ربيع الآخر. وحكى صاحب تاريخ الكولات تفصيل مأساة قتلته بشكل روائي داع للألم. وبين قسوة داود باشا، وأن آغا الينكجريه وبعض الأعوان الآخرين قد عهد اليهم بقتله فقتلوه. أخذوه من حجر أمه... فانتهت المأساة))). أخيرا الأمير حمود بن ثامر حاكم مملكة المنتفق توفي بالطاعون عام 1831م (1247هـ)، يذكر الدكتور حميد بن حمد السعدون ، في كتابه امارة المنتفق وأثرها في تاريخ العراق و المنطقة الأقليمية 1546م – 1918م ، ص: 178 ((( أصيب بالطاعون ، فتوفى في 13 شعبان 1247هـ الموافق 1831م عن عمر يتجاوز السبعين))). رحمهم الله جميعا.


30-ملحق: السياسات العثمانية تجاه آل سعدون منذ القرن التاسع عشر وسقوط مملكة المنتفق في الحرب العالمية الأولى:


تعاملت الدولة العثمانية مع مملكة المنتفق بعدة سياسات الهدف منها هو القضاء عليها ومن هذه السياسات الحملات العسكرية الضخمه والمتتابعه لعدة قرون والتي لم يتعرض لمثل عددها وحجمها اي امارة او قبيلة في العراق ، يذكر مؤرخ العراق الكبير عباس العزاوي في كتابه عشائر العراق، ج4، قسم امارة المنتفق، وذلك عند حديثه عن مملكة المنتفق (امارة المنتفق) ومحاولات الدولة العثمانية التي لاتحصى للقضاء عليها ، ص: 122 ((( وقائع المنتفق كثيرة ، والتدابير المتخذة للقضاء على الامارة لاتحصى))) ، يذكر مؤرخ العراق الكبير عباس العزاوي ، في كتابه كتاب عشائر العراق ، ج4 ، قسم امارة المنتفق ، ص: 26 ((( ولايهمل ماوقع من تدابير متخذة لامر فل القوة أو جعلها بحالة ضعيفة لاتستطيع مقاومة الحكومة أو الدولة في تدابير القضاء على امارتها باقتطاع أجزاء منها من جهة البصرة، ومن انحاء العمارة، ومن أطراف السماوة لفصل سلطة بعض العشائر. وحوداث ذلك تدعو الى ماينبه على السياسة المتبعه. أو ماتخذته هذه الامارة من تدابير لدرء الخطر الذي شعرت به، وفي كل هذه تدهشنا ناحية مهمة وهي ان العشائر لم تنفصل عن الامارة، وانما ناضلت معها نضال المستميت ودافعت دفاع الابطال))) ، وتخلل هذه المحاولات من الدولة العثمانية فترات توافق سياسي بين الطرفين ، ومنذ العام 1832م بدأت الدولة العثمانية تحرز تقدما بطيئا في التفوق على مملكة المنتفق ، وتنوعت سياساتها وأصبحت على شكل مراحل ، لكل مرحلة ملامح خاصه بها ومده زمنية ، أما العامل المشترك والذي بدأ العثمانيون فيه قديما واستمروا به في كل المراحل التالية هو اللعب على وتر الانشقاق بالأسرة الحاكمة في مملكة المنتفق ( آل شبيب سابقا وآل سعدون لاحقا ) ، تبدأ أول هذه المراحل عندما أستطاع العثمانيون ومنذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر إجبار حكام مملكة المنتفق المتصارعين على الحكم على الإنتظام بدفع الضرائب للعثمانيين منذ عام 1832م – ماعرف بمرحلة الالتزام ، وبدأت هذه المرحلة بعد الطاعون الكبير الذي ضرب العراق والذي أضعف موقف آل سعدون أمام العثمانيين حيث فقدوا معظم السكان في عاصمتهم مدينة سوق الشيوخ والتي انخفض عدد المنازل فيها من 20 ألف منزل قبل الطاعون الى 800 منزل بعده ، والذي أدى الى خسائر اقتصادية أيضا لـ آل سعدون ، يذكر الكسندر أداموف ، القنصل الروسي في البصرة في نهاية القرن التاسع عشر، في كتابه ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها ، وذلك عند حديثه عن مدينة سوق الشيوخ والطاعون الذي اجتاحها ، ص: 55 ((( وعندما اجتاح الطاعون في 1831 العراق بأجمعه وجه أول ضربة لرفاهية هذا المركز التجاري العربي الصرف))) ، وقد كانت أبرز ملامح هذه المرحلة هي إقتناع الدولة العثمانية بعدم جدوى محاولة القضاء على مملكة المنتفق بالحل العسكري فقط ، لذلك اتجهت الى سياسة أخرى بجانبه وهي دعم الطامحين بالحكم من ابناء الأسرة الحاكمه في مملكة المنتفق وإشاعة ذلك بينهم مما ترتب عليه ظهور العديد من المتنافسين من ابناء الأسرة وكل ماكان عليهم القيام به هو الذهاب لبغداد وطلب الدعم للوصول الى الحكم ضد الحاكم الفعلي وتقوم الدولة العثمانية بتوفير الدعم العسكري والمادي والسياسي لهم ، مقابل قيام المتنافسين بخلق انصار لهم بداخل دولتهم من قبائلهم وعشائرهم وتعهدهم بدفع الضرائب للدولة العثمانية.


ثم تبع ذلك المرحلة الأخطر والأكثر تأثيرا وهي مرحلة الإفراز ، والتي بدأت منذ عام 1853م وحتى عام 1881م والتي تعني التنازل عن مناطق بكامل عشائرها وقبائلها للعثمانيين بموجوب وثائق يتم توقيعها وتم خلالها التنازل عن أكثر من نصف مساحة مملكة المنتفق للعثمانيين وتتلخص هذه المرحلة بدعم أحد أفراد الأسرة الحاكمة في مملكة المنتفق (آل سعدون) ضد الحاكم الفعلي من أبناء عمه, وهذا الدعم يكون بالقوات العسكرية العثمانية والسلاح والإعتراف السياسي بحكمه، وذلك مقابل تخلي الحاكم الجديد عن اراضي من دولته بكافة قبائلها وعشائرها للدولة العثمانية، وكان أول إفراز هو إفراز لواء السماوة كاملا بكل عشائره وقبائله والتنازل عنه للدولة العثمانية وذلك عام 1853م من قبل الأمير منصور السعدون. يذكر المؤرخ الشيخ علي الشرقي ، في كتابه ذكرى السعدون (الصادر عام 1929م ) ، مرحلة الإفراز وتدرج العثمانيين باقتطاع أراضي مملكة المنتفق.، ص: 29 (((وتم للعثمانيون ماارادوه في بلاد المنتفق وكانوا يعملون عليه منذ قرون فقد جاؤا على البنيان بالهدم حجارة حجارة حتى اتوا عليه وقد تدرج العثمانيون ينتقصون مملكة المنتفق من السماوة والعمارة ومن أنحاء البصرة))). يذكر العالم والمؤرخ والنسابة النجدي إبراهيم بن صالح بن عيسى ، آثار الصراع على الحكم في مملكة المنتفق ، في كتابه عقد الدرر فيما وقع في نجد من الحوادث في أواخر القرن الثالث عشر وأول القرن الرابع عشر ، ص: 23 ((( وحاصل الأمر ان حكم المنتفق مرج وتغلبت عليهم الدولة ، فكانوا يولون من أرادوا توليته ويعزلون من ارادوا عزله ، وذلك لكثرة خلافهم وتفرقهم )))، ومن السياسات التي بدأت الدولة العثمانية في هذه المرحلة تطبيقها في محاولة لإستمالة آل سعدون ، هي سياسة منحهم ألقاب رسمية عثمانية ، حيث كان الأمير منصور السعدون أول من حصل على لقب (باشا) من آل سعدون ، حيث منح سنة 1276هـ (1860م) رتبة (مدير الإسطبل العامر) مع لقب (بيك) ثم (باشا) بعد ذلك ، و استمرت الدولة العثمانية في هذه السياسه منذ ذلك الوقت ، وأصبح حكام مملكة المنتفق يظهرون بألقاب عثمانية. تخلل هذه المرحلة حدثين مهمين وهما تأسيس لواء المنتفق عام 1869م ثم تأسيس ولاية البصرة الكبرى عام 1874م ،حيث كان الأمير منصور بن راشد السعدون يقيم في بغداد وأحد أعضاء مجلس الحكم فيها وذلك بعد صراعه على الحكم مع أخيه الأمير ناصر السعدون وولد عمه الأمير فهد بن علي السعدون ، وقد أراد الأمير منصور السعدون الوصول للحكم بدعم عثماني و بنفس الوقت إيقاف سياسة الإفراز تجاه مملكة المنتفق لذلك عرض على العثمانيين ضم ماتبقى من مملكة المنتفق الى الدولة العثمانية في حال دعمهم له للوصل الى الحكم ، وان يصبح في منصب متصرف في أراضي المنتفق وبالتالي لايوجد مبرر لطلب التنازل عن أراضي من مملكة المنتفق الى العثمانيين ، يذكر مؤرخ العراق الكبير عباس العزاوي، موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين ، مجلد: 7 ،حوادث سنة 1280هـ - 1863م ،ص: 168 (((وكان الشيخ منصور من أعضاء المجلس الكبير ببغداد وهو منقاد لرأي الحكومة، فأبدى أن لاحاجة الى فصل بعض المواطن، وبين أنه اذا عينته الحكومة قائممقاما (متصرفا) جعل المنتفق كلها تابعة للدولة كسائر البلاد العثمانية))) ،ومنذ ذلك التاريخ بدأت المنتفق تفقد استقلالها ، وأصبحت مرتبطه جزئيا بالدولة العثمانية وبشكل رسمي ، يذكر هارولد ديكسون ، الوكيل السياسي البريطاني والذي عمل كسياسي بالعراق بعد الحرب العالمية الأولى ، عند حديثه عن الأسرة الحاكمة في مملكة المنتفق وأسرة المشيخة لقبائل المنتفق (أسرة السعدون الأشراف)، في كتابه الكويت وجاراتها، ج1، ص: 159 (((وقد هاجروا من الحجاز إلى بلاد ما بين النهرين في أوائل القرن السادس عشر. وفي ظل عائلة السعدون حافظ اتحاد المنتفق على استقلاله من الأتراك حتى سنة 1863))) ، وكان الأمير ناصر السعدون (منافسه على الحكم) قد أدرك خطورة هذه الخطوة في حال تطبيقها فعليا ، لذلك وبعد صراع سياسي بين العثمانيين وحكام المنتفق ، اتفق الأمير ناصر السعدون مع مدحت باشا والي بغداد على تحويل ماتبقى من مملكة المنتفق الى لواء يسمى باسم لواء المنتفق يحكم من قبل آل سعدون ويعترف بالتبعية الأسمية للعثمانيين ويكون حل وسط يرضي جميع الأطراف ويؤدي الى تهدئة المنطقة ، وقد رفع مدحت باشا ذلك للباب العالي وتم الموافقة عليه ولذلك تقرر أن يقوم الأمير ناصر السعدون ببناء عاصمة جديدة في عام 1869م تكون مركزا للواء المنتفق، وكان الأمير ناصر قد حصل سابقا في عام 1867م على رتبة "أمير الأمراء" ولقب "باشا" من قبل الدولة العثمانية . يذكر مؤرخ العراق الكبير عباس العزاوي ، في كتابه عشائر العراق، وذلك عند حديثه عن والي بغداد مدحت باشا، ج:4 ، ص: 119 ((( قرب ناصر باشا وارضاه واستغله لاموره الاخرى .. وان ناصر باشا لم ير بدا من تنفيذ رغبات الوالي فبنى بلد (الناصرية) باسمه سنة 1268هـ - 1869م. وبذلك ألغى فعلا امارة المنتفق بتأسيس هذه المدينة فصارت مركز اللواء ، وكانت مقدمة الاستيلاء على هذه الامارة))).
[/align]

مفيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس