ثانوية المأمون تاريخ وعراقة - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
البحث عن النسب
بقلم : أحمد شاكر العوضي
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: من غيرسبب تهجرذا والله حرام (آخر رد :برقَش)       :: إبراهيم (ع) وحقبات بلاد الرافدين (آخر رد :النوميدي)       :: نسب بني عمر زهران الحقيقي مع الاثبات (التبيان ص 107 ) (آخر رد :الحريري الزهراني)       :: نسب ال زارع بمصر (آخر رد :القاضى المصرى)       :: ميعادك البارد (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: وعجلت اليك رب (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: العين حق (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: تقرب الى ربك واقض حاجاتك بالدعاء (آخر رد :الشريف ابوعمر الدويري)       :: ارجو افادتي عن نسب عائلة شمالي من فلسطين (آخر رد :احمدالعرب)       :: الشيخ عبد المكاشفي الخرطوم السودان (آخر رد :عتيبة)      



مجلس التاريخ الحديث يعنى بالتاريخ من فتح القسطنطينية الى اليوم


إضافة رد
قديم 07-04-2011, 03:28 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
عضو منتظم
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Syria

افتراضي ثانوية المأمون تاريخ وعراقة


بسم الله الرحمن الرحيم


ثانويةالمأمون بين ماضٍ غنيٍّ وحاضرٍ متعثّر

محمود محمد أسد


إذا كانت حلب تزهو بقلعتِها ، وما توحيه من أفكار وأحاديث وذكريات وقراءة فهذا حقُّها . فاسم حلب مقترنٌ بشموخ قلعتِها التي مازالت مصنعَ الإلهامِ والإبداع للفنَّانين والأدباء. والحديثُ عمَّا كُتِبَ عنها يشكِّلُ مادةً غنيَّةً للبحثِ والمتابعةِ على مستوى الشعرِ والروايةِ واللوحاتِ التشكيلية والأعمالَ الفنيّة . وحسبُها اختيارُها عاصمةً للثقافةِ الإسلامية لعام /2006/ وهذا دليلٌ لا يقبل الشكَّ . وحلبُ لا يكفيها الاعتزازُ بالقلعةِ ، فهناك أسواقُها ومساجدها وأحياؤها القديمة وحمَّاماتُها وخاناتُها . وهناك قامات بشرية مشعَّةٌ كسيف الدولة والفارابي والمتنبي وابن العديم والطبّاخِ والأسدي وصباح فخري …
هذا الحبُّ والاعتزازُ بحلبَ دفعني للحديث عن قلعةٍ شامخةٍ أخرى قلعةِ بطولةِ وعلمٍ وأدبٍ وتنوير .
إنها قلعةٌ أنْجبَتِ الكثير من الكبارِ اللامعين النابهينَ . إنَّها قلعةُ الثقافة والنضالِ ، ومعلَمُ حلبَ الثقافيُّ البارزُ الذي فتح صَدْرَهُ ، وأشعلَ جنباتِهِ لإضاءةِ العقولِ في مرحلةٍ كان الظلامُ والجهلُ يلقيان ظلالَهما وبؤسَهما على المجتمع .
هذا البناءُ الذي ما زالَ شامخاً رغمَ عاتياتِ الزمانِ والظروف .
يبقى سجلاً حافلاً ، وسِفراً غنيّاً . وحلبُ تذكر جيداً دورَ المكتبِ السلطاني الذي اُعُتبِرَ أحدَ مصادر الإشعاعِ المعرفي والنضالي لهذا الوطن العزيز . وهذا ما حثَّني للكتابة . فالوفاءُ للمكان تقديرٌ للزمان . والجمعُ بينهما إكرامٌ وتمجيد للرجالِ الذين شيَّدوا هذه القلعةَ بعقولهم وصفائهم . فما علينا إلاَّ أن نَرجعَ إلى البدايات الأولى لهذا الصرحِ . فالبدايةُ تُعْطي ملامحَ المرحلة وتبرز أهميَّةَ إنشائِهِ واستمرارِه منذ عام ألفٍ وثمانمئةٍ واثنين وتسعين . وهي سَنَةُ الاحتفالِ بتدشينه .. هذه الأعوامُ المتتابعةُ تحفُرُ عميقاً في ذاكرةِ الأجيالِ ، وتؤرِّخ لمرحلةٍ هامةٍ ناصعةٍ ما كانت لتَسْتَمِرَّ دونَ جهدِ المدرِّسين والطلاب .
يعرِفُ رجالُ الفكرِ والمعرفةِ في عصرنا الراهنِ الكثيرَ عن ثانوية المأمون ، ويحملون في قلوبهم أرقَّ المشاعر وأنقى أيَّام الدراسةِ والتحصيل والنضال . وما زالتْ ذاكرتُهُم ومذكّراتُهم تعبِّرُ عن أخصبِ أيَّامِ عمرهم وتكوينهم . كما ذَكَرَ الأستاذُ المرحوم فريد جحا والدكتور بشير الكاتب والمرحوم الأستاذ أسعد كوراني في مذكّراته وما أكثرَ الذين تحدَّثوا عنها في الكتاب الماسيّ الصادر بمناسبة مرور خمسةٍ وسبعين عاماً والكتاب المئوي الصادِ بمناسبةِ مرور مئة سنةٍ على إنشائها . وقد وَرَدَ ذكرُها في أغلب الكتبِ التي أرَّخَتْ لحلبَ في مراحلِها الأخيرة ، كتاب ( إعلام النبلاء ) للشيخ راغب الطبّاخ و كتاب نهر الذهب للشيخ كامل الغزِّي و كتاب حلب في مئة عام للمرحوم أسعد عنتابي و الدكتورة نجوى عثمان … و غيرهما كثير .
إن اختيار الموقع الذي بُنِيَتْ عليه المدرسة يدلُّ على حصافة رأي و حسن اختيار و دراية فهو على مقربة من مركز المدينة باتجاه ساعة باب الفرج و على الضفة الغربية القريبة من نهر قويق و على هضبة مرتفعة مفتوحة إلى الجهة الغربية المعروفة بلطف هوائها العليلِ إلى يومنا و كان الفضلُ يعودُ إلى والي حلب جميل حسن باشا و مع هذا المكتب أقامَ الوالي مدرسة سُميَتْ بالرشدية ثمَّ سميَت بالإعدادية العسكرية أو الإعدادية المدنية و موقعها الآن مديرية و الخدمات حول القلعة من الجهة الغربية و كانت مقراً لمديرية التربية في حلب و طرازها المعماريّ رائعٌ بهندسته و حجارته.
البدايات :
في الوقت الذي بدأ يأفل نجم السلطنة العثمانية و تتقطع أجزاؤها برزت فكرة بناء المكتب الإعدادي و هو الاسم الأول للمأمون فقد صدر مرسوم ( فرمان ) من السلطان عبد الحميد الثاني و كانت مدرسة إعدادية في البداية فالدولة العثمانية كانت تُنشئ في مركز كل ولايةٍ ثانوية كاملة تسمِّيها المكتب الإعدادي و يتألف من أحد عشر صفَّاً أو اثني عشر صفاً حسب سنين الدراسة … و يُشاركها في هذه الصفة مكتب عتبر في دمشق من عام ألف وثمانمئة و تسعين إلى عام ألف و تسعمئة و ستة و ثلاثين ثم انتقل المكتب إلى ثانويتي جودة لهاشمي وابن خلدون و كان افتتاح المكتب الاعدادي عام ألف و تسعمئة واثنين و تسعين و قد كلِّفَ بناؤه ثلاثين ألف ليرة عثمانية ذهباً و في بعض الكتب و الروايات عشرون ألف ليرة و قد صمَّم هذا البناء مهتدس معماري فرنسي على شكل ( e ) اللاتيني و أقيم حولها حدائق و ملاعب و سور و بعد الإحداثات و بناء الملحقات المتتابعة بقيت هذه المساحات الواسعة و قد وصفها الدكتور بشير الكاتب في تعقيب له على مقالة نشرتها في صحيفة الجماهير فيقول (( انشِئَتْ في صدر مساحة كبيرة من حيِّ الجميلية على اليمين المدخل الرئيسي الخارجي و فيها مساحةٌ واسعة كانت ملعباً لدروس الرياضة و كرة القدم و عن يمين الملعبِ ساحةٌ فارغة و تدخل إليها من خلال ممرٍّ يبلغ طوله بحدود مئتي متر و على جانبيه شجر الصنوبر و منه إلى الباب الداخلي و المدرسة تشمل طابقين في الطابق الأول جميع الصفوف و المرسم في الزاوية اليمنى ، أنشأه أستاذ الرسم وهبي الحريري و في الزاوية اليسرى يوجد مطعم الطلاب الداخليين و ملاصقةُ المطبخ بالقرب من مسجد المدرسة و الطابق الثاني عبارة عن مهاجع للطلاب الداخليين و فيه غرفة المكتبة و غرفة المدير و مخبرا الفيزياء و الكيمياء و في عام ألف و تسعمئه و ثلاثة و ثلاثين بني ملحق مدرسة ( التطبيقات التاجيّة ) نسبة لتاج الدين الحسيني رئيس الحكومة آنذاك و بعد انتقال مدرسة التطبيقات ودار المعلمين ألحقت بالثانوية لتشمل ست شعبٍ لصفيَّ السادس و السابع و بني فوقها طابق ثان لدار المعلمين الابتدائية و إلى جانبها فسحة خُصِّصت لرياضة كرة الطائرة و كرة السلة و يذكر الشيخ كامل الغزِّي في كتابه ( نهر الذهب في تاريخ حلب ) و في الجزء الثاني ص242 خبر البناء فيقول : ( المكتب الإعدادي الذي أسس فيها سنة ( 1300 هـ ) و انتهت عمارته ( 1316 هـ ) و هو مكتب عظيم لا يضاهيه في البلاد العثمانية غيرُ استانبول بسعته و كثرةِ غرفهِ و حسن هندامه و انتظامه أحاط به من جهاته الثلاث فسحاتٌ عظيمةٌ منها ما هو بُستانٌ يُسْقى من دولاب مُعَدٍّ لزرع الخضر و البقول و منها ما هو ميدان يقيم فيه التلامذة ألعاباً ترييضية. فساحة عرضية تزيد على ستين ألف ذراع مربع و هي محتكرة من وقف المدرسة الرضائية المعروفة بالعثمانية بَلَغَتِ النفقة على بنائِهِ زهاءَ عشرين ألف ليرة ذهبية عثمانية في تلك الأيام ( و الذي يذكره راغب الطباخ في كتاب ( إعلام النبلاء ) الجزء الثالث : ( و الذي علمناه صُرِفَ على هذا المكتب نحو ثلاثين ألف ليرة عثمانية و أنَّهُ اختلس قسمٌ كبيرٌ من هذه النفقات و يذكر أيضاً أن بناءَها بدأ 1304 و اكتمل 1310 التسميات التي تعاقبت عليها :
تغيَّرَ اسم المدرسة عدَّة مرّات في البدء :
1. المكتب الإعدادي 1892 و هذا مع أوّل إنشائها و الذي جرى له احتفال رسميٌّ ذكر تفصيلاته الشيخ راغب الطباخ .
2. مدرسة ( المكتب السلطاني ) عام 1912 و ذلك بعد إعلان الحرية و نشر االدستور ، و إصلاحات المعارف واقتصرت التسمية على المكتب الإعدادي للدراسة المتوسّطة ثمَّ ينتقل الطلاّب من أبناء المثصرفيات إلى المكتب السلطاني وذلك بعد إتمام دراستهم الإعدادية و أغلبهم كانوا في القسم الداخلي و على نفقة الدولة و لا سيَّما الأوائل منهم و الداخليون أغلبهم أتراك من مرعش و عنتاب و أورفة و بعض الأقضية و كانت اللغة الأصلية للدراسة التركية بخلاف دمشق لأن أغلبهم عرب .
3. التجهيز : وذلك عام 1919 مع انتهاء العهد العثماني ثم التجهيز الأولى عام 1933 وذلك بعد انضمام دار المعلمين الابتدائية إليها فسميت بمدرسة التجهيز الأولى ودار المعلمين بحلب .
4. ثانوية المأمون : كانت هذه التسمية عام 1947 واقترحها الأستاذ عبد الغني جودة الذي درَس فيها طالباً ودرَّس بعدَها. ثم جاءَها مديراً متميِّزاً من عام 1945 – 1953 وجاءت التسمية بعد فصل دار المعلمين عنها . وهو أول مدير لها بعد الاستقلال وكان أوَّلُ مدير بعد العهد العثماني الأستاذ توفيق الجابري الذي استمرَّ لمدة خمسة عشر عاماً حتى 1934 . وكانت الثانوية الوحيدةَ الكاملةَ في شمالي القطر إلى عام 1946 . ومازالت تنبض بالحياة تحت هذه التسمية العريقة . والبناءُ الحالي يخضع للترميم ودوام الطلاب مع الجهاز الإداري في مبنى دار المعلِّمات . وبين هذه المراحل اقتطع منها بناء إعدادية الأمين وصالةٌ رياضية ومديرية الامتحانات وفي حديث مع الاستاذ المربي عبد الغني جودة وقد نشر في الكتاب الماسي ذكرَ : كانت الباحةُ الكبيرةُ الشرقيةُ تُفْلَحُ وتُزْرَعُ شعيراً . وكان الماءُ يخرجُ من البئرِ الشمالي بواسطة غرَّاف يديره حيوان عدا عن الصهريجين الكبيريين تحت بناء المدرسة اللذين تُخزَّنُ فيهما مياه الأمطار .
حوادث ومواقف ونشاطات :
منذ افتتاحها عام 1892 لم يتوقفِ التدريسُ فيها سوى ثلاث مرّات :
1. يذكر الأستاذ عبد الغني جودة أنّه عمل مدرِّساً فيها مرتين الأولى عام 1919 عندما انتهت الحرب العالمية الأولى وعدْتُ من الجندية في العراق وايران ، فعيِّنْتُ أستاذاً للتاريخ الطبيعي في دار المعلمين والتجهيز . وكانت المدرسةُ تشغَلُ داراً في البلدة . لأن بناءَها الأساسي الحالي كان مُحْتلاً من قبل الجيش الإنكليزي الفاتح بعد انسحاب الأتراك . وكان على الأساتذة أن يهيئّوا الأمالي للطلبة العرب .

2. والمرة الثانية يذكرها الاستاذ المرحوم فريد جحا : إنَّ المدرسة الوحيدة التي استمرت في أداء دورها على امتدادِ قرن كامل دون انقطاع سوى سنة واحدة /1939 - 1940 / مع الاحتلال الفرنسي وتحويلها إلى ثكنة عسكرية نقلت مع طلابها إلى ثلاثة أبنية : 1. مدرسة العرفان في المحمص – 2 – مدرسة معن بن زائدة في خان العلبية – 3 – قناق آل الكيخيا وموقعه الآن إعدادية عبد الحميد الزهراوي حول القلعة . وأعيد الطلاب إلى المبنى مع حزيران / 1940/ بعد انكسار فرنسا أمام ألمانيا وتعرَّضَتْ حينها للإساءةِ فحفروا الخنادق في الملعب . وحُرِموا على أثرها من ممارسة الرياضة واللعبِ لمدّة سنتين . ولم يلتفتِ الأستاذ فريد جحا إلى المرّة الأولى التي ذكرها الأستاذ عبد الغني جودة .

3. والمرة الثالثة التي رحل عنها طلاّبها نعيشها الآن فمع أوّل العام الدراسي الحالي ايلول / 2005 / صَدَرَ أمرٌ بنقل الثانوية مع أثاثها إلى مبنى دارِ المعلمات الواقعِ غربي الحديقة العامة . لأنَّ الثانوية قُرِّرَ ترميمها وإعادةُ تجهيزها بعد تعرُّضها للوهنِ وبَدَتِ الحاجةُ ماسّةً لإنقاذها . فأسرع رجلٌ كريمٌ غيورٌ متبنيّاً ترميمها وإعادة جوهرِها ورونقها . وهي الآن تنتظر عودة طلاّبها لتدبَّ الحياةُ فيها من جديد ولتعودَ منهلَ علمٍ ومعرفةٍ تخرِّجُ الأجيالَ وترسمُ معالمَ المستقبلِ كما كانت مركز نورٍ ونضالٍ مُشِعَّينِ يذكرهُما الأجيالُ باعتزاز وشموخ والقارىء لمذكرات المفكرين والمربين الذين دَرَسوا أو درَّسوا فيها يجدُ حقيقةَ رسالتها ودورِها العظيم .
المأمون منارة إشعاع حضاري :
قامت المأمون منذ بدايتها بدورها التربوي والتعليمي ، فضمَّت النخبة من المدرِّسين المؤهلين المحبِّين لمهنتهم ، وهذا ما جعلها قبلة المتعلمين وأمنيَّة الدارسين . فكان المدرِّسون يخضعون للانتقاء ويفتخرون بأنّهم درَّسوا فيها وكان المنقول منها يَحْزَنُ ، ويعتبرُ كرامَتَهُ مُسَّتْ بسوءٍ . فقد حوت النخبة من المدرسين ومن أرفعِ المستويات من الأدباءِ والشعراء والفنانينَ والمربينَ المختصينَ ومنهم على سبيل التذكير وليس الحصرِ . فهناك الشيخُ بدرُ الدين النعساني وهو أديبٌ وشاعر وقد ذكره الدكتور فاخر عاقل بمقالة منشورة في الكتاب الماسي وغيرُه من الطلاب الذين ارتقوا أعلى المراتب ومنهم الشاعرُ والعالمُ عمر يحيى والذي ناهض الاحتلال والأستاذ أحمد القادري وتوفيق المنجد وهاشم الفصيح ونظيم موصللي والأديب خليل هنداوي والفنّان الأديب فاتح المدرِّس والشيخ جميل العقاد والاستاذ غالب سالم والأديب سامي الدّهان الذي كان باحثاً وأديباً متمكِّناً ومحققاً في مجال التراث العربي والروائي الرائدُ شكيب الجابري والدكتورُ الفيلسوفُ حميد الأنطاكي والأستاذُ اللغويُّ والعالمُ بالتراث محمد يحيى الهاشمي وفيلسوفُ الفكرِ القومي زكي الأرسوزي والأستاذُ الرسَّامُ محمد وهبي الحريري والأستاذُ بدرُ الدين علاء الدين والشاعرُ سليمان العيسى والشاعر عارفُ الرفاعي الذي توفي على منبر المكتبة الوطنية وهو يلقي قصيدته احتفالاً بالذكرى الثانية للجلاء الوطني والعلاّمة الأستاذ محمود فاخوري والباحث محمد قجه . وهناك الكثيرُ ممّنْ زرعوا وأثبتوا دورهم في إثبات هذه الدررِ من الأجيال فقد زرَعوا خيرَ معارفهم ونشَروا درَرَ خصالهم متسلِّحين بالحبِّ والإخلاصِ والغَيْرة . على أخلاقِهم وعلمِهم تربَّتْ الأجيالُ وتخرَّجَ الطلابُ الذين استلموا أرفع المراتب والوظائف ونالوا أعلى الدرجاتِ العلمية وقدَّموا جُلَّ خدماتِهم لوطنِهم . فهناكَ الوزراءُ والمحافظون والفنانون والشعراء والباحثون والضبّاطُ والأطباءُ البارعون أذكر منهم الدكتور الأديب عبد السلام العجيلي وقد أمضى فيها سبع سنوات بينها ثلاث سنوات منقطعة بسبب مرضه . وسطّر ذلك في ذكرياتِه وانطباعِهِ في الذكرى الماسية للمأمون . ومن طلابها الدكتور بشير الكاتب الذي يحتفظ بذاكرة جميلة وغنيّة عن المأمون وقد شغل عميد كلية الطبِّ لسنوات . وهناك الأديب حسيب كيالي وشقيقُه مواهب والمخرجُ الفنان صلاح دهني والدكتورُ عمرُ الدقاق عميد كلية الآداب سابقاً ، ومجدُ الدين الجابري الذي أكمل دراستَهُ العليا في أمريكا وترأسَ بلدية حلب . وله أيادٍ بيضاء على مدينة حلب . والأستاذُ المربي ابراهيم حلمي الغوري الذي درسَ فيها ودرَّس وأصبح مديراً عام 1962 والدكتورُ عبد الكريم الأشتر مدرسُ الأدب العربي في دمشقَ وحلبَ والروائي الأديب جورج سالم والدكتور أحمد علوظي دارِساً ومدرِّساً والأستاذُ عبد الغني جودة دارساً ومدرِّساً ومديراً . والدكتور سعد الله آغا القلعه وزير السياحة والأستاذ محمد ناجي عطري رئيس مجلس الوزراء والأستاذ المهندس محمد خير الرفاعي والمهندس الشاعر المأمون قباني والأديب مأمون الجابري والدكتور محمد خير فارس والدكتور سلمان قطاية والدكتور صلاح يحياوي وعميد كلية الهندسة سابقاً الدكتور سعيد قباقبجي والدكتور محمد جمال طحان والمهندس الباحث عبد الله حجار والمخرج الفنان هيثم حقي والقاضي الشاعر فوزي الرفاعي والمربي الأستاذ أحمد هلال زين الدين دارساً ومدرّساً والدكتور الأديب أحمد زياد محبّك
لا شكَّ أنَّ السلسلة تطول وتمتدُّ وهي مدعاة للفخر والاعتزاز ولا يقتصر دورُها على هذه الأسماء وما جئتُ بها إلاّ من باب التذكير والتقدير دون إلغاء الآخرين .
سطَّر بعضهم أرقَّ العبارات والمعاني عن ذكرياتهم الجميلة المشعّة في رحاب ثانوية المأمون . فقد حفل الكتابُ الماسي والكتابُ المئوي بالكثيرِ من الذكريات العبقة والمواقفِ الرائعة . وهي كلماتٌ تكشفُ جوانبَ هامةً من مسيرة هذا الصرحِ العلميّ . وما اختياري لبعضِ الكلماتِ إلاَّ لكشفِ هذه الجوانبِ كي تكتملَ الفائدةُ وتتضّحَ الرؤية فالأستاذ فريد جحا نشر في مجلة بناة الأجيال العدد ( 55 ) عام 2005 مقالة عن ذكرياته في المأمون طالباً (( أمضيْتُ فيها سبعَ سنواتٍ أربعاً منها طالباً خارجيّاً وثلاثاً داخليّاً والثانية أحلى وأغلى وهي التي تركت في النفسِ ذكرياتٍ لا تُمْحى . ذكرى الاستيقاظِ صباحاً على أنغامِ طبلها ، وطَرْقاتِ المستخدمِ ( أبي محمد ) على أسِرَّتنا بمفتاح حديدي ضخمٍ مع هتافِهِ وقوله لنا : ( قوموا يا أفنديّة : النهار عَربي بالصلاة على النبي ) .. ذكرى المطالعة الصباحية في ايَّام الشتاءِ البلاد والظلامُ المخيّم . ثمَّ صوتُ الطبلِ يقرعُ بعدَ ساعة معلناً انتهاءَها . وموعد الاتجاه إلى المطعم لتناول طعام الفطور .. وذكرى المطعم .. بدأ الطعام جيِّداً ثمَّ أخذ يسوء كلَّما طالتِ الحربُ العالميةُ الثانية . حتى غدا قليلاً رديئاًَ لا يُسْمِنُ ولا يغني من جوع . ومعها أحد النظّار يحبِّبُ إلينا المجدّرة في المساء وكلُّ ما تحويه من حصى ، ومن زيت لا يكاد يُحسُّ به … ويتابع ذكرياته وهو مدرِّسٌ : (( وعندما تيسَّر ذلك وألقيتُ أوَّل درسٍ لي فيها يوم الاثنين الرابعَ عشر من تشرين الثاني 1957 شَعَرْتُ بسعادة الابن الذي يلقي بنفسه في أحضان أمِّهِ بعد فراق طويل . أمَّا لمَّا غدوتُ مديرها عام / 1958 / ومع قيام دولة الوحدة فقد شعرتُ بشعورِ الكاتب ينهلُ من عذبِ الذكريات وهو على مقاعد الدراسة ( ( هذه الثانوية كانت تُعْتَبَرُ في مقدِّمةِ الثانويات الحكومية والخاصة لا في حلب فحسب بل على مستوى القطر . مدرسةٌ متكاملةٌ تحتوي على مستلزمات التدريسِ . تَتُمُّ فيها دروسُ الرسمِ في المرسمِ ، ودروسُ الفيزياء والكيمياء في المختبر ، ويشاركُ التلامذةُ في إجراءِ التجاربِ العملية الموضحة للدروسِ النظرية . كما تُمارَسُ فيهاكلُّ أنواعِ الرياضيات … )) ثم يتابع معترفاً بفضل المدرسين وإمكاناتهم وطباعِهم … (( أمَّا الأساتذة الذين كانوا يدرسون في مدرسةِ التجهيز الأولى فإن معظمهم كان من الذين أوُْفِدوا من قبل الدولة ، وعلى الغالب إلى فرنسا للدراسة الجامعية وقسم كبيرٌ من هؤلاء الأساتذة أصبحوا أساتذة جامعيين ، لأنهم يحملون درجة الدكتوراة في تخصُّصاتهم . وأذكر على سبيل المثال لا الحصر الأسماء التالية مع حفظ الألقاب : توفيق المنجد – هاشم الفصيح – وجيه السمّان – محمد العالم – حميد الأنطاكي – عبد الوهاب حومد – أسعد محفّل – فاتح الصفّار … ثم يختم مقالته معبِّراً عن أمنيَّاتِهِ (( ودعوة إلى لفت أنظار المسؤولين والمجتمع الحلبي لإحياء هذه المدرسة ، وإرجاعها إلى سابق عهدها وألقها . ومَنْ يزرْ ثانوية المأمون ويرها في وصفها الحالي ، ويذكر ماضيها يشعر بالكثير من الحزن والأسى … ))
ويُطِلُّ شاعر العروبة سليمان العيسى على صفحات مجلة المعرفة السورية عدد كانون الثاني 2006 وكان عدداً خاصاً عن (( حلب عاصمة الثقافة الاسلامية 2006 )) تحت عنوان (( ليالي حلب شريط من الذكريات )) يقول منها (( الشهباءُ مدينتي التي عشْتُ فيها عشرينَ عاماً من خريف 1947 إلى ربيع 1967 . أعود إليها الآن في زيارة شوق وحنين بعد غياب طويل . حلب … الحبّ ، الشعر ، التاريخ ، زهوة العمر ، وعنفوان الشباب ، حلب التي أَمْلَتْ عليَّ نصفَ شِعري وأعْطَتْني أُسْرَتي الصغيرةَ وأولادي الثلاثة . وقبل هذا وذاك .. أعطَتْني رفيقةَ العمر وشريكةَ الكفاح … ويتابع عن المأمون (( في ثانوية المأمون أعرقُ ثانوية في سوريا ، أستقرُّ مدرِّساً للّغة والأدب ، وفيها سأقضي بضعة عشر عاماً بين زملاءَ أحبّاء أوفياء . فيهم الأديب والشاعر والرياضيُّ والموسيقيُّ والرسّامُ وطلابٌ من ذلك الجيل الذي اشتعلَ في الخمسينيّات ، وكادَ يُشْعِلُ الوطنَ العربيَّ كلَّهُ عروبة وأحلاماً وتطلُّعاً إلى غدٍ عربي يعيدُ العربَ إلى مسرح التاريخ بعد أن غابوا طويلاً عن التاريخ وعن الحياة .. الصلة التي قامت بيني وبين طلاّبي كانتْ أكثرَ من صلةِ أستاذٍ بتلميذ كنت واحداً من هؤلاء الشباب ، وكانوا يعدّون أنفسَهم جزءاً منِّي … ))
ونبقى في مجال الذكريات الحلوة والانطباعات الموحية التي تثيرُ فينا الكثير من الأسئلة اللافتةِ والمحرجة وتبعث فينا الأسى والألم .
فهذا الأديب الطبيب عبد السلام العجيلي يمضي أجمل أيَّام حياته وشبابه في المأمون فيذكر في الكتاب المئوي بعنوان (( عرين الأشبال ومصنع الرجال )) ص107
(( كم مرَّةٍ سُئِلْتُ عن أقربِ الذكرياتِ إلى قلبي و أحلاها . فكان جوابي إنَّني لا أنسى لحظاتِ غبطةٍ ، كانت تملأ نفسي حين كان بعضُ أساتذتي في التجهيز ينوِّهون بي من بين رفاقي لإحساني في عملٍ ، وتفوَّقي في جانب من جوانب دراستي )) … ثم يقول : (( من ناحيتي الشخصية كان حظّي الذي نعمت به في تلك الأيام من هذا المعهد متظاهراً في التفوق العلمي (( ولكن ما قيمتُهُ هذا التفوق إذا جرّدْتُهُ من قيمِ الشعورِ الوطني والاعتزازِ القومي والتعلّقِ بتراثِ أمَّتي ومثلِها العليا ؟ إنَّها قيمٌ تلقَّيْتُها ، واكتسبْتُها في أكثرِها من دروسِ أساتذتي وفي جوِّ مدرستي ، وشاركْتُ رفاقي في العمل بِهَدْيها والنضالِ في سبيلها في سِني دراستي وبعد تلك السنين … )) ويذكر الدكتور سعد الله آغا القلعه في الكتاب المئوي (( ثانوية وبيت الطفولة … )) في منتنصف الخمسينات ، سكنْتُ مع أسرتي في بناءٍ جميلٍ تقليدي الطابع . في اليومِ الأوَّل فيهِ . انتبهْتُ إلى أصواتِ لعب وصياح ، وكانت تصل إلينا من باحة كبيرة فيها ملاعب كان البيتُ يُطِلُّ عليها . قالتْ لي أمي : إنها التجهيز الأولى (ثانوية المأمون ) والعقبى لك في دخولها …… ثم يقول متابعاً … كان اسم المجلة (( صوت الطالب )) وقد كانت تصدر عن التجهيز في نهاية الأربعينات وكان أخي رجائي الطالبُ في التجهيز سكرتيرَ تحريرها في تلك الفترة . وهكذا بدأتِ التجهيزُ تحتلُّ مكانةً تحتلُّ مكانةً خاصةً في حياتي اليومية . فبعد أخي الأكبر الذي كان طالباً فيها . جاء دور أخي الثاني عارف الرياضي . كنت أرقبه من شرفة المنزل ، يلعب لعبة كرة السلّة ، وأنا أنتظر اليوم الذي سيُسْمَحُ لي فيه إلى جانبه . منذ اليوم الأول لأخي عارف في المدرسة طلبَ من أمّي حفظها الله ألاَّ توقظَهُ إلاِّ حين يبدأ صاروخان ( الآذن المكلّف بإغلاق باب الثانوية الخارجي ) النقرَ على الباب بالمفتاح مستفيداً من موقع البيت الاستراتيجي أمام المدرسة (( ثمَّ يأتي دورُه فيها فيقول : (( ها هي ذي الصورُ تتزاحَمُ الآن في مُخيّلتي ، وأنا أكتبُ هذه السطور . فهذه صورةُ الأستاذِ عبد الرحمن أبو صالح أستاذِ الفيزياء والكيمياء بسمتُهُ المحبَّبةُ تُجنِّبُنا مصاعبَ هذين العِلمينِ العصيين على الفهم إنْ لم يهيّىء الله لهما أستاذاً قديراً وتلك صورة الأستاذ عمر كردي تّظلُّ في شريط الذكرى ، تظهره مُتعجِّباً من كثرة حصولي على أذونات رسمية لمغادرة المدرسة بقصد المشاركة في الحفلات الموسيقية التي كانت تقيمها مديرية التربية أو المدارسُ الأخرى . ثمَّ إذْ بها لا تؤثِّرُ على نتائجي الامتحانية والأستاذ كردي عاصر المدرسة طالباً ومدرِّساً وإدارياً ليلاً ونهاراً ويسكب الأستاذ محمد ناجي عطري رئيس الوزراء الحالي (( حديث الذكريات )) يذكر أجمل الذكريات والأيام وما فيها من محطَّات ويشيدُ بدور الأساتذةِ اعترافاً بفضلِهم : (( أذكر النشاطات الاجتماعية والكشفية والرياضية التي كنَّا نُمارِسُها في المأمون وفقَ برامجَ زمنية مدروسةٍ . أذكر فوجَ المأمون الكشفِّي وفرقتَهُ الموسيقيةَ والمخيَّماتِ الكشفيةِ الدائمةَ التي يعلوها شعارٌ (( وأعدّوا )) أذكر فرقَ المأمون الرياضية المتفوقَّة في غالبية الألعابِ أذكرُ رحلاتِ المأمونِ مع أساتذتنا لتعريفنا بأنحاءِ وطننا الجميل ، بأوابدنا التاريخية الممثّلة لآثارِ أمجادِ أمَّتنا الغابرة . أذكر رحلَتنا إلى الحمَّة ولقاءنا مع جنودِنا الرابضين على خطِّ النار وهم يُطِلّون على الأرضِ المحتلَّةِ التي أثارَتْ فينا العزيمةَ والتصميمَ لطردِ العدوِّ الغاصبِ المدنّسِ لأرضنا العربية الطاهرة . ))
وللأستاذ الباحثِ محمد قجة رئيسِ جمعية العاديات ذكرياتٌ حلوةٌ ومحطَّاتُ عطاءٍ في ثانوية المأمون عندما كان مديراً لها فقد أشرف على الاحتفالِ بالعيدِ الماسي لثانوية المأمون وذلك بمناسبة مرور خمسٍ وسبعين سنةً على تأسيسها وصدر بهذه المناسبة الكتاب الماسي وله مساعٍ في الكتاب المئوي أيضاً .و بإصدار الأعداد السنوية لثانوية المأمون فيذكر في مقدمة الكتاب الماسي بعنوان ( هذا الكتاب ) في مطلع هذا القرن خاض طلاب هذا المعهد المعركة إلى جانب مفكري شعبهم و أبطاله ضدَّ محاولات التتريك و التطّرف العنصري ، و شهدوا مع شعبهم مجازر السفَّاحين الأتراك ثم يقول : ( و شهدَ كلُّ شبر من أرض (( السلطاني )) و قد سميَّ حينها ( مدرسة التجهيز )) و قفة تحدٍّ للمستعمرين و تمرُّدٍ على زبانيّته و عملائه و لا يزال طلابُ تلك الفترة يذكرون كيف أُهينَ الشيخ تاج الدين الحسيني رئيس الحكومة في حلب في محاولة لاستقرار طلابها و أساتذتها … و يذكر أيضاً الأستاذ محمد قجة في كلمة المديرين السابقين التي ألقاها بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيسها و قد صدرت في الكتاب المئوي ( هذا الصرح التربوي الحضاري أصبحت له مهمةٌ نضالية خلال ربع قرن من احتلال فرنسا البغيض لبلادنا لقد أصبح هذا الصرح مسرحاً للقاء الفكر الوطني و الحسِّ القومي و روح الجهاد ضد الأجنبي و غدا المنارةَ التي تستقطب النبضَ الشعبيَّ و هو يتمرَّدُ ضدَّ مظالم الاحتلال و بطشهِ و اعتدائِهِ على حقوق الناس
أحاديث الذكريات طويلة و غنيَّة لكنَّها وقفاتٌ هامةٌ و هي شاهدة عصرٍ و توحي بالكثير من القضايا النفسية و الأدبية و الاجتماعية و التربوية و النضالية … فهي مادة خصبة تستحق دراسة متفرِّدة و جادّة ، و اخترتُ منها ما يقربنا من الواقع و يحثُّنا على المقاربة و المقارنة .
ثانوية المأمون صرح نضالي :
لم تكن المأمون عبر تاريخها و في مختلف تسمياتها معزولة عن الواقع و النضال بل كانت البؤرة المركزية . فيها التجمّع و منها الانطلاق و على مقاعدها التكوين تتجسَّدُ اللحمة الوطنية و القومية بين أساتذتها و طلاّبها ولذلك واكبت كلَّ قضايا الوطن و الأمة ، و كان لها الموقفُ الفاعلُ الصادق في كلِّ حدث ، و كان يتمُّ ذلك عن طريق لجنة طلاّب المأمون فانطلاق الإضرابات و المظاهرات من المأمون و يكون هذا مع ترديد الأناشيد الوطنية و كثيراً ما كانت تؤدي إلى صدامات مع الأمن و جيش الانتداب و قد قدَّمت شهيدين من أبنائها هما أحمد القدسي و معه عبد العزيز حاووط من الصنائع و قدمت أيضاً الشهيد عبد الحميد بن شعبان زيدي و يذكر الكثيرون في أحاديثهم و مذكراتهم دور المأمون الهام في هذا المجال فالمربي الأستاذ عبد الغني جودة الذي عاصر المأمون فترة طويلة طالباً و مدرساً و مديراً يقول : ( كانت ثانوية المأمون هي الثانوية القائدة بالنسبة لحركات الطلاب أي أنَّ المدارسَ إذا قررت الإضراب و القيام بمظاهرة كان اجتماع طلاب المدارس في التجهيز الأولى و الطلابُ يتفاهمون فيما بينهم عن طريق لجان الطلاب فلكلِّ مدرسة ( لجنة طلاب ) منتخبةٌ من صفوف المدرسة وهناك لجنة تمثل جميع اللجان . كانت تظاهرات الطلاب الوطنية عنيفة ففي 20 / أيار / 1945 قتل أحد الضباط الافرنسيين طالبين اثنين أحدهما من مدرستنا ( أحمد قدسي) و الآخر من مدرسة الصنايع ( عبد العزيز حاووط ) و يذكر أيضاً أن طلاب المدارس قرَّروا الخروج بمظاهرة و لكن القائد العام ( حسني الزعيم ) أمَرَ الجيش المرابط أمام المدرسة بأن يستخدموا السلاح ،و يمنعوا الطلاب من الخروج و لكنَّ رئيس لجنة الطلاب خطب بالطلاَّب مُصِرَّاً على الخروج إلاَّ إذا وقع قتيلا فتحمَّس الطلاب و خرجت المظاهرة و لكنَّها فُرِّقَتْ بعدئذ
و يذكر أيضاً أنَّ صداماً بين الطلاب و الشرطة في إحدى المظاهرات قد وقع فحضرَ مدير الشرطة للمدرسة و طلبَ منّي تسليمَهُ أحدَ الطلاب ، فاعتذرتُ و رجوْتُهُ بأن يلقي القبضَ عليه عند خروجه من المدرسة ، و شرحْتُ له بأن تسليمي للطالب يزعزع مكانتي لدى الطلاب فاحتدَّ و قال بأنَّه لا يفهم ذلك ، و بأنَّه مدير شرطة ، و يريد الطالب ، و عندئذ أجبتهُ بأنني أنا مدير الشرطة داخل المدرسة و لن أسلّمَ الطالب ، فخرج غاضباً و ذهب يشكوني للمحافظ فهدّأه المحافظ و استُدْعي إليه مديرُ المعارف المرحوم بهجت الشهبندر فأخذ الاثنان بناصري و قال له ( إن دور العبادة و دورَ العلم لا يدخلها رجال الأمن إلا بطلب منها ) و في جعبة الأديب الدكتور عبد السلام العجيلي الكثيرُ من هذه المواقف الوطنية عندما كان طالباً في ثانوية المأمون فيقول : كانت مدرسة التجهيز – السلطاني – تقوم شوكة في جنب سلطان الانتداب كانت أعين سلطان الانتداب و عملائها محمَّرة دوماً على هذا المعهد العربي المقلق لراحتها المفسدِ لخططها تحاصره عند كلِّ مناسبة ، و تطارد طلاّبه في كلِّ مظاهرة و تهدِّدُ بإغلاقه بين الحين و الحين … ثم يذكر هذه الحادثة … حين قرَّر الشيخ تاج الدين الحسيني رئيس الوزراء و المتعاون مع الانتداب أثناء زيارته الرسمية لمدينة حلب أن يمدَّ يده إلى حجر العقارب .
و يدخل إلى معقل المقاومة و الشغب و العداء للأجنبي الدخيل و أعوانِهِ أن يزور مدرسة التجهيز .. و يذكر بالتفصيل ظروف الحدث و القلق من قبل المدير الأستاذ توفيق الجابري ، و بدأت مرحلة التحدّي المبطّنة بين المدير و تاج الدين الحسيني ، و بين تاج الدين الحسيني و التلاميذ فيقول و بعد عبوره في الممرِّ و دخوله المدرسة (( و فجأة و الشيخ تاج في منتصف الدرج في صعوده إلى الطابق العلوي ارتفع من عند المدخل صوت هش .. هش ثم تضاعف و عظم حتى ملأ أبهاء المدرسة و صدر من أفواه كلِّ الطلاب صوتٌ موحَّدٌ منغوم هش .. هش .. هش .. ثم يتابع و يقول أمَّا النهاية فكانت حين خروج رئيس الوزراء من القاعة و نزل من الدرج ، ثمَّ مرَّ أثناء مغادرته البناء من تحت الشرفة الرئيسية المعلقة فوق باب المدرسة فقد اندلقت فوق الهامة المدوّرة و العمامة المكورة للزائر الخطير كأسٌ مليئة بالماء ، تلقاها رئيس الوزراء دون أن تطرف له عين ، و إن كانت جعلت في قلبه و في هيبته الأفاعيل و كانت هذه الحادثة سبباً لإصدار قرار بإغلاق مدرستي التجهيز و الصنائع لأجل غير مسمّى ، و كما طُرِدَ أربعة عشرا تلميذاً طرداً مؤبّداً وحرمان أربعة عشرَ طالباً من القسم الليلي المجّاني ، و أقيلَ مدير المعارف و مدير التجهيز السيد توفيق الجابري وعُيِّنَ بعده الأستاذ وهبي الوفائي ، و ألغيت دورة فحص البكالوريا في حلب لطلاّب التجهيز بسبب إغلاقها .. و هذا وارد في كتاب حلب في مئة عام نقلاً عن مجلة الجامعة الاسلامية العدد / 31 / تاريخ 28 / 5 / 1934 و على أثرها دعت المحكمة الأجنبية الزعيم ابراهيم هنانو و الطبيب كيالي للاستجواب عن الحادث ، ومنعت صحف لبنان من نشر حوادث حلب .
هذا الدور الوطني اختصره المحامي الأستاذ ناظم صقال الذي درس في ثانوبة المأمون ثمَّ أصبح مديراً لها بقوله : ( كلًّها ذكريات نضالِ حقيقي ضد المستعمر الأجنبي ، و كلها سنوات دراسة و جدٍّ و تفتح على الحياة بدأتها في عام 1935 ، و انتقلت بهذا العام من المدارس الابتدائية إلى مدراس الرجولة ، و مصانع البطولة ، و لقد كان العامان 1935 – 1936 عامين حاسمين في تربيتنا الوطنية و الخلقية ، و كانا لنا مدرسة عرفنا فيها معنى الوطنيَّة و معنى النضال و معنى الإخلاص ، و مفهوم الدراسة و التفتُّحَ العقليَّ على الحياة ، و معنى العلم … عرفنا بها بطلاً هو ابراهيم هنانوو أذكره في عام 1935 ومواقفه البطولية و رجولته النادرة ، و يوم وداعه إلى مثواه الأخير و أشهدُ بأنَّ البلادَ كلَّها كانت تسيرُ وراءَهُ ….
و جسَّدَ مسلسل خان الحرير دور المأمون الوطني و القومي جيَّداً و في أكثر من مشهد و حدث و هو من تأليف الروائي نهاد سيريس الذي تخرج من المأمون و للأستاذ علي رضا مقالة غنية بعنوان ( ثانوبة المأمون في عهد الانتداب الفرنسي ) نشرها في الكتاب المئوي ، فيها الكثيرُ ممَّا ذكر و لم يذكر ، و يؤكِّدُ هذا المنحى الأستاذُ ابراهيم حلمي الغوري الذي كان مديراً في المأمون و بعنوان ( ثانوية المأمون ) منذ عام 1944 حتى اليوم و يشير الأستاذ عمر كردي وكيل المدرسة الكثير من هذه التفصيلات في العدد الماسي و تبقى المأمون عبر مسيرتها الطويلة مشعل نضالٍ مشعٍّ علماً و خلقاً و نضالا .
أحداث و فعاليات للذكرى :
1. في أيلول عام 1903 أقيم معرض حلب على أرض المكتب السلطاني وقد ورد هذا في الجزء الثاني من كتاب حلب في مئة عام وورد في كتاب إعلام النبلاء للطباخ (( في أيلول 1903 جرى افتتاح معرض حلب في المكتب الإعدادي بمحلة الجميلية كان معرضاً عاماً لتشهير البضائع التجارية والصناعية الوطنية وكان في المهرجان (( موسيقى – لعبُ السيف والترس ، ألعابُ خفة ، مظاهرُ بهلوانيّة فوق الخيل والجمال ، إطلاقُ المناطيد في النهار والأسهم النارية في الليل ، وسحبُ أوراقِ يا نصيب على المصنوعات المعروضة ومشاهدُ سينمائية وتمثيلٌ روائيٌ ، وحوانيتُ خشبيةٌ لبيع أنواعِ المأكولات والمشروبات ، وكانت هناك أجنحةٌ ، فخُصِّصَ الطابقُ السفليُّ للصنائعِ المطرزة ، وخصِّصَ الرواقُ الأخيرُ للمحاصيل الزراعية ، والطابقُ العلويُّ للمنسوجاتِ الحريرية والقطنيةَ والأقمشةِ المصنوعةِ من الديباجِ والمصنوعات اليدوية .وخصِّصَ رواقٌ لمصنوعات (( مرعش –وعنتاب وأنطاكية )) وخصِّص يومُ الأربعاء لزيارة السيِّدات .
2. ورد في كتاب نهر الذهب (( للشيخ كامل الغزي )) وفي الجزء الثالث . في صفر من عام 1310 هـ : أحيت الحكومة في المكتب الإعدادي ليلة طرب وعزف . صرفَتْ مجموعَ دخلها على تجهيز هديَّة لجرحى الجنود العثمانيين في حرب اليونان وأيتام شهداءِ الجنودِ وأراملهم وكانت تلك الليلةُ في منتهى الرونق والبهاء .. ))
3. في عام 1948 أقامت الهيئة التدريسيَّةُ والطلابُ رحلةً إلى مصر الشقيقة وقد استقبلهم رئيس الوزراء ورحَّب بهم
4.وفي عام 1949 أقامت رحلةً إلى لبنان بإشراف المدرس مصطفى الحاج ابراهيم . وقد ذكر الدكتور سعد الله آغا القلعة خبرَ رحلة إلى الحمَّة للِّقاء المقاتلين على خطَّ النار..
5. في عام 1968 احتفلت الثانوية بالذكرى الماسيّة وذلك بمناسبة مرور ( 75 سنة ) وكان احتفالاً لافتاً وترك أثراً حسناً وتوِّج بإصدار كتاب ( المأمون الذكرى الماسيّة ) وهو كتاب توثيقيٌّ غنيٌّ بالمعرفة والذكريات والانطباعاتِ والمقالات المفيدة . وهو ثمرةٌ من جهودِ الأستاذ محمد قجة عندما كان مديراً لثانوية المأمون وقد ذكر تفصيلات هذا الحدثِ الهام في كتاب الذكرى المئوية حيث أقيمَ معرضٌ فنيٌّ وعلميٌّ بمشاركةِ جميعِ المدرسين المختصين والطلابِ ولمدَّةِ عشرة أيام ( جناح للرسم وآخر للتاريخ والنقود والطوابع والمخطوطات وجناحٌ للجغرافيا وآخرُ للتصوير الفوتوغرافي ، وجناحٌ للعلومِ الفيزيائية والكيميائية . وجناحٌ للعلوم الطبيعية وآخر للزخارف والديكور … )
ولهذا المعرض فضل في كشف مواهب فنانين شقّوا طريقهم بثبات وقدرة ( سعد يكن – مأمون صقَّال – عصمت عبدالقادر .. )
وكان هناك احتفالٌ خطابي وفنيٌّ في بهو الثانوية حضره جمهور من نخبة المثقفين والمفكرين حضره ( زكي الأرسوزي و سليمان عيسى وعبد الغني جودة … )) والحفل الفنّي في مسرح رعاية الشباب بحلب لمدّة ثلاثة أيام وصوَّره التلفزيون وعرضه يوم الخميس 23 / أيار 1968 وهذا الحفل قدّم مواهب واعدة شقِّت طريقها : ( الدكتور سعد الله آغا القلعة , الفنان رضوان علاء الدين والممثل مجد قباني والمخرج صقر بدرخان . )
6. في عام 1992 كان الاحتفال الرسمي بمناسبة إحياء الذكرى المئوية وقد كلِّلَ بإصدار الكتاب المئوي التذكاري . وهو كتاب حوى كلماتِ المهرجانِ والمسؤولين وانطباعاتٍ وذكرياتِ المدرسين والمدراءِ والطلابِ السابقين . وحفل بصور تذكاريةٍ جميلة . وقصائدَ تتغنَّى بالمأمون وفضلِها . ويضافُ إلى الكتابين الهامين المذكورين عدّة أعداد من مجلة المأمون وهي أعداد غنية صدرت في 1967 – 1968 ..
ثانوية المأمون ملهمة الشعراء :
للمكان تأثيره في نفسِ الإنسانِ وتكوينه . فكيفَ إذا كان حافلاً بالنشاط والعطاءِ ومملوءاً بالأحداث وعامراً بالمواقف وسير الرجال فهناك قصائد عدة قيلت في مناسبات مختلفة . وكلُّها تجسِّدُ دور المأمون ومكانتها ، وتعكس الحبَّ والوفاء ، وتقترن بالذكريات الدافئة فالشاعر العربي سليمان العيسى خصَّها بالتسمية (( إلى ثانوية المأمون بحلب )) وقدوردت في أعمالِهِ الكاملة وفي ديوان ميسون وقصائد أخرى وفي الكتاب الماسي يقول فيها :
ماذا أعيدُ إلى المأمونِ من غُصَصي
خمسٌ وسبعون لي في صرحها حجرٌ
تباركتْ صخرةً بيضاءَ يابسةً




يا واحةَ الأمسِ لو أرجعْتني لغبا
غنَّى ، وخفنةُ نورٍ من دمي شربا
تُعْطي العباقر سمَّاها الهوى (( حلبا))




وفيها ذكرٌ لذكرياته وأسوارها وأيّام نضاله :
يا واحةَ العمرِ .. أحلى العمرِ ، أرهَقُهُ




لكلِّ لوحٍ عتيقٍ منكِ قد وُهبا




وفي الكتاب المئوي عدّة قصائد تفوح عطراً ونقاءً وتسكب مشاعرَ الحبِّ من أنفاسِ الشعراءِ الذين أمضوا قسماً من حياتهم في جنباتها . فالأستاذ الشاعر عبد القادر مايو كان مديراً للمأمون وله قصيدة مطوّلة منها :
أأذكرها وقد رحل الشبابُ
تمادَتْ في التقادم فاستجدَّتْ
هيَ المأمونُ كعبةُ من بناها
على أسوارها سقطت فرنسا




وبنْتُ الدهرِ غانيةٌ كعابُ
عروسٌ لا تعيبُ ولا تُعاب
لتشمَخَ فوق ساحتها القبابُ
ومُرِّغَ في نهايته انتدابُ




ويتفق الشاعر الأستاذ محمد خطيب عيّان مع قافية ورويَّ قصيدة الأستاذ مايو . وقد درَّسَ في المأمون فترة ليست طويلة يقول :
أفي كلِّ عامٍ جدَّةٌ وشبابُ
أتجهيزَنا الأولى دعتني حمائمٌ




ومنبرُ مجدٍ مورقٌ وكتابُ
مناقيرُها خضرُ اللحونِ رطابُ




ويقول :
أجارةَ ( ابراهيمَ ) عزَّ جوارُهُ
رأى بك حصناً للكرامة صامداً
أرائعةَ المأمونِ يبقى جهادُها




وذا نسبٌ في المكرمات قرابُ
غداةَ جبالٌ قد هوتْ وهضابُ
وينمو ، ويسمو منبرٌ وكتابُ




وللشاعر الأستاذ (( أحمد ديبة )) قصيدةٌ (( صلاة في محراب المأمون )) :
رحمَ الله في حماكِ زماناً
ورفاقٌ تعطَّروا بعبير الـ
وامتطَوا صهوةَ الجهادِ إلى الحلـ
كلُّ دارٍ إلى الفنا غيرَ دارٍ




باسمَ الوردِ ضاحكَ النسرينِ
ـحلمِ يختالُ زاهيَ التلوينِ
ـمِ ولم يمتطَوا جيادَ المجونِ
عمرتْ للبيان والتبيين




ويسترجع الشاعر فاضل ضياء الدين بقصيدته (( طيوف على شاشة الذكريات )) أجمل وأروعَ الذكريات بلغة عذبة شفَّافة :
يا معهداً بدَّلوا مبناه تسميةً
أسماؤكَ الكثرُ ليست عنكَ تخدعني




ثم استعانوا على الساحاتِ فاختزلوا
فالأصلُ أنتَ ، وأنتَ الدربُ والشعلُ




ثم يستذكرُ النظام الداخليَّ وما فيه من لهو ومرح :
سَلْ مطعمَ الأمسِ واستضحِكْ موائده
ما زال في السمعِ من قرنِ الصحونِ صدىً
وللملاعقِ والكاساتِ زغردةٌ




كيفَ الفواكهُ والحلواءُ تهتبلُ
يهفو إليهِ المِعى ، بالجوعِ تعتملُ
ماشَنَّفَ الأذنَ في إيقاعها زجلُ




وتثيرُ وقعة يوم الأحد 9 / آذار / 1941 في مدرسة التجهيز مع الجيش الفرنسي قريحة الأستاذ الشاعر سعد زغلول الكواكبي :
يا معهداً للصِّبا هيَّجْتَ بي شجني
أيَّامَ عهدِ نضالٍ ضدَّ مستعمرٍ
يا يوم تاسعِ آذارٍ شَمَخْتَ بنا
والجابريُّ شكيبٌ كان أستاذَنا
ومصطفى آلُ نعسانِّي من صفِّنا
ألا اذكروا أيُّها الطلابُ أيَّامنا




ذكَّرْتني ما مضى من سالفِ الزمنِ
سعى إلى قهرنا بسائرِ المحنِ
فكيفَ نَنْساكَ والأرواحُ في البدنِ
يرمي الحجارةَ ، في العراكِ لم يهنِ
مشاركٌ في النضالِ والبلا الحسنِ
فقدْ سَطَرْتُ لكم تاريخ يا مشعلَ الوطنِ




ويقدِّر الأستاذ مصطفى كمال ضمامة اللولو الدكتور عمر كردي وقد أحيلَ على التقاعد بتاريخ 25 / 12 / 1979 وقد أقيم له حفلٌ تكريميٌّ :
يا ناشرَ المجدِ في المأمونِ يا عمرُ
أنفقتَ عمركَ في المأمونِ معتلياً
وكنْتَ سيّد أخلاقٍ نمجِّدها
فاروق مدرسةِ المأمون يا كبداً




ما ضاق رحْبُكَ بل نادى بك السفر
هامَ الفضيلةِ ، لم تَعْصِفْ بك الغير
تزدادُ صبراً إذا ما شارفَ الضجرُ
ممَّا رأتْ وترى تأسى وتنفطرُ




هذه المقتطفات من القصائد تعبِّرُ عن أهمية المأمون في نفوسِ أبنائها وترصُدُ تسجيلاً لماضٍ مشرقٍ غنيٍّ ولي قصيدة عن المأمون التي أدرِّسُ فيها منذ ثلاث سنوات . وقد أضحَتْ خاويةً على عروشها تنتظر الترميمَ وإعادة نبض الحياة :
وللمأمونِ أيقظْتُ اليراعا
وكنتِ البوحَ في شفةِ الثريَّا
هي المأمونُ ، والمأمولُ منها
ألم تسألْ عن التّذكار فيها
أماتَ الغيْثُ والأنهارُ حولي ؟




فما للحبِّ إلاْ أن يُطاعا
ونحنُ الأذنُ إن شئتِ استماعا
تجودُ عليك تدعوك ارتجاعا
على الأطلالِ قفْ ، واقرأ تباعا
أنا المأمونُ أنطَقْتُ اليراعا




هذه المأمونُ عبرَ رحلة طويلة حافلة بالعطاء وقد خرَّجَتْ أجيالاً بَصَموا وارتقوَا أعلى المراتب في كلِّ مجالات الحياةِ الغنيّة . وما كان هذا ليكونَ إلاَّ بفضل الجهودِ والمتابعةِ فمكتبتها القديمة عامرةٌ و مخابرها شاهدةٌ عندما كانت تعجُّ بالحياة والتجارب ، والذين كُلّفوا بإدارة مركبها لم يكونوا ضيوفَ شرف بل اعتبروها مهمّةً وطنيَّةً وإنسانيّةً فسهروا وضحّوا وأضافوا إليها من جهدِهم وقلقِهم وحبِّهم .
أمَّا مأمون الحاضر فلها همومُها وشجونها . وله أوجاعُها التي لم تجدْ أذناً صاغيةً وعيناً مبصرة . أتصوَّرُها تئنُّ وتعاتب وتنتظر بفارغ الصبرِ ترميمَها وعودةَ الحياة إليها بعد رعاية أهلِ الحبِّ والضمير الحيِّ لهذه المدينة الذين بادروا بدافع الحبِّ والانتماء . وهذه المقالة عُربونُ تقديرٍ وشكرٍ .. الأرقام تتكلَّمُ عن مأمون الحاضر ، وتعكس ما تعانيه . حالُها يقولُ إنها في بناءٍ مؤقتٍ يحتاج مبناه لرعاية ومتابعة فهي محرومةٌ من المخابر والباحات والتدفئة ومحرومة من ذكرِ لوحة تدلُّ على اسمِها . فيها تسعٌ وعشرون شعبةً موزَّعة على الشكل التالي : تسْعُ شعب للأول الثانوي وثلاث عشرة شعبة للثاني الثانوي منها إحدى عشرة للفرع العلمي واثنتان للقسم الأدبي و سَبْعُ شعبٍ للثالث الثانوي منها شعبةٌ للقسم الأدبي . وتشغل الآن ثلاثة طوابق يشرف على رعايتها وتنظيفها أربعة مستخدمين فقط وعددُ الموجهين المشرفين على أمور الطلاب ستةٌ وهناك مُنشِّطٌ . وعدد الإداريين سبعةٌ لأمانة السرِّ والمكتبة والمخابر . وكلُّ هذا الجهاز يشرف عليه مدير واحدٌ لا غير فتصوّروا . وعدد المدرِّسين ستةٌ وخمسون مدّرساً معيّناً وثلاثةُ مكلَّفين لمادة الرياضيات والفلسفة والديانة . والمكتبةُ الحالية تنتظرُ فرج ربِّها وعينَ الرعاية والمتابعةَ ، فهي غنيَّةٌ بالكتب المنوعّة والقصص والكتب المترجمة والمختارات والدوريات ولكن بعضُها بحاجةٍ إلى استهلاك لقدمها وتلفها من كثرة الاستخدام وبعضُها بحاجة إلى إعادة تجليدها . وعددها كتبِها ثلاثةُ آلافٍ وثمانمئة وثمانيةٌ وخزائنها الخشبَّية أكثرُها دون واجهات زجاجية وهذا يؤدِّي إلى إتلاف الكتب من الغبار ، والمكتبةُ لا تُرْفَدُ بالكتب إلاَّ ما ندرَ وتحتاج إلى إدخالها على الحاسوب وإعادة تبويبها وتعميمها على الطلاب والمدرِّسين . ولن أحدِّثكم عن مصير المخابر التي تئِنُّ من البطالةِ والجمودِ..
إنّي أدعُ المأمونَ وحاضرها وأذكِّرُ بماضيها عسى أن نجدَ مُحرِّضاً للعمل والمتابعة ونجدَّ للبحث عن الحاضر والمستقبل المشرقِ المنتظر …







محمودمحمدأسد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين . ابو الحسن الندوي د سليم الانور مجلس الفكر الاسلامي و الرد على الشبهات 2 04-11-2017 09:30 AM
اهم كتب التاريخ فى مكتبتنا العربية محمد محمود فكرى الدراوى مجلس التاريخ الحديث 17 24-02-2017 04:14 PM
خلافة الأمين والمأمون عبدالمنعم عبده الكناني مجلس التاريخ الوسيط 1 18-03-2016 09:33 PM
مقالات حسن جبريل العباسي الصالون الفكري العربي 82 07-05-2013 02:43 PM
كلما رفعت في أسماء الآباء والنسب وزدت انتفعت بذلك وحصل لك الفرق _ملك العرب _ غردقة الصغير _ معاوية على ابو القاسم مجلس التاريخ الحديث 4 07-09-2011 12:35 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 04:02 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه