منقول - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
ترجمة الامام جعفر الصادق رحمه الله
بقلم : رجب مكى حجازى العقيلى
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: هل تنتهي صلاحية بشرتنا ؟ للنساء ! (آخر رد :رويدا فيلاني)       :: السلالة J-BY48160 (آخر رد :مستفتي)       :: نظرة الى افخاذ نهد الاربعة (آخر رد :نهد بن زيد)       :: جزاء كظم الغيظ و خدمة الناس أجورها عالية (آخر رد :د ايمن زغروت)       :: بيت الاهدل الرضويين مقتطفات من كتاب النور السافر عن أخبار القرن العاشر للمؤلف العيدروس (آخر رد :البراهيم)       :: قبائل ظفارية تنتمي الى قبائل يمنية و سعودية (آخر رد :الجنوبي التميمي)       :: عامر هبان الكثيري (آخر رد :الجنوبي التميمي)       :: مديرية المقاطرة (آخر رد :الجنوبي التميمي)       :: مملكة حضرموت بتونس (آخر رد :الجنوبي التميمي)       :: قبيلة باجندوح الحضرمية (آخر رد :الجنوبي التميمي)      



منتدى السادة الاشراف العام ذرية امير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه


إضافة رد
قديم 10-09-2012, 06:34 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس الادب و التاريخ - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Saudi Arabia

افتراضي منقول

نسب وشجرة قبيلة آل باوزير العباسيه

الجد الأكبر لآل الوزير "باوزير" هو الشريف محمد بن سالم بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي ( الوزير ) بن طراد ( النقيب العباسي الهاشمي ) ، المعروف الآن بمولى عرف لكونه عاش ودفن هناك ، وهو أول مولود عباسي من أسرة آل الوزير ولد بحضرموت، وهو الوارث الوحيد لآل يعقوب بن يوسف العباسي في تلك البلاد إذ أن لا عقب لذرية يعقوب بن يوسف إلا من ولده عبد الله وهو جد محمد بن سالم . وجميع آل باوزير في حضرموت و غيرها من البلدان من ذريته .
النسب الكامل: محمد بن سالم بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي الوزير بن طراد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الله الزينبي بن محمد بن إبراهيم الإمام بن الإمام محمد الكامل بن الإمام علي السجاد بن عبد الله ( حبر الأمة و ترجمان القرآن ) بن العباس ( ذو الرأي و عم النبي صلى الله عليه و سلم ) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
شجرة أسرة آل باوزيرمن كتاب البدر المنير
صفحة 49 - للشيخ مزاحم بن سالم باوزير
مطبعة التقدم العلمية بمصر- 1/6/1329 هـ

العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير أحد الرجال البارزين من أسرة حضرمية كبيرة لها تاريخها المجيد وآثارها الواضحة في ما جريات الأحوال في البلاد الحضرمية في مختلف العهود. ولهذه الأسرة الكبيرة قصة تبتدئ في بغداد عاصمة الخلفاء من بني العباس، وتتوالى وقائعها وحوادثها مسرعة في البصرة والكوفة وبلاد فارس و خرسان و تركستان، ثم في مكة والمدينة المنورة وجدة من أرض الحجاز، حتى إذا كان الجزء الأخير والخاص منها بحضرموت أخذت وقائع القصة وحوادثها تسير في بطء وفي شئ من الإسهاب والتفصيل يصرفنا عنه ضيق المقام.
في نهاية القرن الخامس الهجري أو بداية السادس ولد في بغداد يعقوب بن يوسف بن علي بن طراد، ومات أبوه يوسف وهو طفل لم يبلغ الحلم، فكفله جده علي بن طراد نقيب العباسيين ووزير الخليفتين المسترشد والمقتفي، وأشرف على تربيته وتعليمه حتى نال حظا كبيرا من العلم والمعرفة، وكان من بين أساتذته أبو الفتوح الغزالي أخو حجة الإسلام صاحب الإحياء والإمام السهروردي وأحمد الرفاعي وغيرهم من كبار رجال العلم والتصوف.
ثم أذن له جده في السفر إلى البصرة والكوفة والحجاز فأخذ عن علمائها وعاد إلى العراق مقيما في بغداد الجديدة للتدريس ونشر العلم مبتعدا عن قصور الخلفاء والوزراء، ناقما على ما آلت إليه الخلافة من ضعف وفساد وتزعزع واضطراب، واشتدت نقمته وتضاعف قلقه وتبرمه بالحالة عندما قبض الخليفة المسترشد على جده وأودعه السجن فرحل إلى بغداد القديمة واختفى هناك، ولما عاد جده وقبل وزارة الخليفة المقتفي سنة 531هـ أتى إليه ووعظه وحذره عاقبة الاتصال بالخلفاء المسلوبي الارادة المشتغلين بملذاتهم عن مهام الخلافة وواجباتها، فلم يلتفت إليه فتركه وشأنه ،وقد صح ما توقعه حفيد الوزير الكبير فتغير المقتفي على جده وهم بالقبض عليه فاحتمى منه في دار السلطان مسعود ثم لزم داره إلى أن مات سنة 538هـ.
ضاق يعقوب ذرعا ببغداد بعد وفاة جده ولم يستطع صبرا على الإقامة بها، واتفق مع أبنائه الثلاثة على الرحيل عنها فسار ابنه عمر إلى بخارى من أرض تركستان، وتوجه عبد الله إلى شيراز قصبة فارس حيث تزوج بكريمة أحد العباسيين هناك فأنجبت له ابنه سالما، أما هو فقد سافر إلى خراسان ومعه ابنه الثالث يوسف، ولكنهم عاودهم الحنين إلى العراق بعد سنوات قضوها في بلاد الأعاجم فعادوا إلى وطنهم سنة 549هـ .
ولم تكد تستقر أقدامهم في بغداد حتى أدركوا أنه لن يطيب لهم المقام في بلد اضطرب فيه الأمن واختلت فيه شؤون الحكم وتكاثرت فيه الفتن فصمموا على الهجرة، ويقال بأن بعض أصدقائهم أشار عليهم بالهجرة إلى أطراف اليمن ومن بينهم العلامة الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد كبار رجال التصوف في ذلك العهد، فقد قال لهم: ان أطراف اليمن أسلم للدين وأبعد عن الفتنة وأخف للمعيشة
كذلك كان يعرف أهل هذا البيت بآل الوزير، فقد كان رئيس هذه الأسرة علي بن طراد وزير الخليفتين المسترشد والمقتفي، قال الهمذاني: لم يل الوزارة عباسي سواه، وقال ابن كثير: لا يعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره، وقال الذهبي: كان صدرا مهيبا نبيلا كامل السؤدد، دقيق الفهم، بعيد النظر، ذا رأي وإقدام، فمن أجل ذلك دعيت هذه الأسرة بآل الوزير كما هو ظاهر.

هاجر آل الوزير من بغداد خفية متسترين قاصدين الحجاز لأداء فريضة الحج، فلما قضوا مناسكهم وزاروا المدينة المنورة اتجهوا إلى جدة حيث ركبوا سفينة شراعية كانت مسافرة إلى بلدان المحيط الهندي وبحر العرب، وشعر شيخ الأسرة يعقوب بن يوسف وهو في البحر بانحراف في صحته لازمه واشتد به حتى حاذت السفينة ساحل حضرموت فاختار أن ينزل في المكلا بجانب الكثيب الأبيض، وكانت قرية صغيرة لا توجد بها سوى أكواخ الصيادين المقيمين بها .

وأحس الشيخ بدنو أجله فجمع أبنائه الثلاثة وحفيده سالما وتحدث إليهم طويلا وأوصاهم بالتمسك بالتقوى والزهد والاجتهاد في طلب العلم ونشره والصبر على المشقات في الحياة ولزوم الاستقامة، وحذرهم من الكسل والكبر والعجب وطلب الشهرة، ثم أدركته الوفاة فقضى نحبه سنة 553هـ ودفن في الكثيب المعروف الآن في العاصمة بتربة يعقوب وضريحه مشهور يقصد بالزيارة حتى الآن وعليه قبة مرتفعة.

ولم تكن المكلا في ذلك العهد بدار إقامة لمثل آل الوزير فارتحلوا عنها إلى الشحر، وكانت إذ ذاك أكبر وأصلح مدينة على الساحل،فأقاموا بها واستوطنوها وتصدوا فيها للتدريس ونشر العلم ونفع الناس، فالتف حولهم الأهالي وأكرموا نزلهم لما عرفوا به من كرم الأخلاق وحسن السيرة.

وبينما كان يوسف بن يعقوب في أرض حجر يعلم الناس ويدعوهم إلى الله أدركته المنية فمات وقبر هناك، ومات أخوه عمر بعد برهة وجيزة فدفن بالخور غربي مدينة الشحر، واعتصم أخوهما عبد الله بالصبر لفقدهما ووجد في الانصراف إلى تربية ابنه سالم والاشتغال بتعليمه بعض السلوى عن فراق أخويه وعما كان يشعر به آلام الغربة.
قلنا إن عبد الله بن يعقوب عندما كان بشيراز من أرض فارس تزوج كريمة أحد أبناء عمومته من العباسيين ورزق منها بولد هو سالم بن عبد الله الذي قضت الأقدار بأن يولد في شيراز من عائلة بغدادية ثم يقضي شبابه وبقية حياته لا في العراق ولا في بلاد فارس ولكن في حضرموت موطن عاد وبلاد حمير وكنده .
أتم سالم بن عبد الله تعليمه في الشحر تحت إشراف والده، ثم أخذ ينتقل بإشارة منه بين البادية يعلمهم ويصلح ذات بينهم، وقد دفعه اختلاطه بالبدو إلى أن يتزوج بنت أحد رؤسائهم في قرية (عرف) وهي جميلة بنت أحمد بن علي رئيس قبيلة المسليين التي لم تلبث أن أنجبت له محمد بن سالم الجد الأعلى لآل باوزير المعروف الآن بمولى عرف لأنه عاش ودفن هناك.
ومحمد-مولى عرف- هذا هو الوارث الوحيد في حضرموت لأسرة آل الوزير المهاجرة من العراق والعباسي الأول الذي ولد بحضرموت من هذه العائلة، فقد توفي أخوا جده يوسف وعمر دون عقب وتوفي جده عبد الله بالشحر عن والده سالم فقط الذي مات بالجويب الواقعة بالقرب من حورة ولذلك اعتبر محمد بن سالم الجد الأول لآل باوزير وكان أحد كبار رجال التصوف في القرن السابع الهجري ومن أقران الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي والشيخ سعيد بن عيسى العمودي وله بهما صلة وثيقة، وقد توفي عن ثلاثة من الولد هم أبو بكر وسعيد وعمر وهذا الأخير هو والد الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزير .
وقد رأيت في رسالة خطية قديمة لدى أحد المشايخ في حورة أن من بين أساتذة الشيخ محمد بن سالم مولى عرف العلامة الإمام محمد بن علي صاحب مرباط والشيخ أحمد الهدهدي والشيخ أحمد البطين والعلامة الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي بزبيد في جملة من علماء اليمن، كما أخذ عن والده سالم وجده عبد الله بن يعقوب.
أما من أخذ عن الشيخ محمد بن سالم فقد ذكرت منهم هذه الرسالة: الشيخ علي بن سلم الحضرمي والإمام الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي الحب التريمي والشيخ سعد بن علي الظفاري والفقيه المقدم محمد بن علوي باعلوي والشيخ سفيان اليمني والشيخ أحمد بن الجعد والشيخ سعيد بن عيسى العمودي والشيخ سعيد بن عمر بلحاف والشيخ عبد الله بن محمد باعباد وغيرهم.
وتقول هذه الرسالة أن الشيخ محمد بن سالم تزوج في حورة بنت أستاذه العلامة الشيخ أحمد البطين بامزاحم باجابر فولدت له ابنه أبا بكر، أما ولداه الآخران فهما من زوجة أخرى
ولد ونشأ في حورة بين أخواله آل باجابر ودرس على أبيه محمد بن سالم – مولى عرف - علوم الشريعة والطريقة، ثم سار إلى اليمن واجتمع بمشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد بن حسين البجلي والشيخ محمد بن أبي بكر الحكمى وله معهما الصحبة الأكيدة والأخوة الرشيدة، وذهب إلى مكة ; والمدينة لأداء فريضة الحج والزيارة،ثم لطلب العلم والاجتماع بالعلماء، وقيل انه بقى يتردد بين الحرمين الشريفين للدراسة ما يقارب من أربع وثلاثين سنة حتى أخذ من جميع العلوم بالحظ الأوفى.

ولما عاد إلى وطنه ومسقط رأسه حورة عكف على العبادة ونشر العلم والتدريس والتذكير بالله والدعوة إلى الله، وأقبل الناس على الاستفادة منه حتى تخرج على يديه وانتفع به خلق كثير وكان إلى جانب نشاطه الديني والثقافي ذا بسطة في الجاه والمال استغلهما في الإحسان إلى الفقراء ومساعدة المحتاجين وإكرام الضعيف وصلة الأرحام،وقد اشترى الأطيان الواسعة والنخيل والبيوت وحفر الآبار لينتفع بمائها الناس وبنى مسجده المعروف الذي هو الآن جامع حورة ثم تصدق بجميع ما يملكه من العقار وقفا مؤبدا بعضه على مصالح المسجد والبعض الآخر للضيافة وإصلاح الآبار، فكان كل غريب ينزل بحورة يجد من وقف الشيخ أبي بكر نزولا يأو يه وطعاما يقدم إليه في وجبات محدودة، ولا تزال هذه الأوقاف موجودة حتى الآن وان كانت في حاجة إلى مزيد من الحفظ و****اية.

ولما كلمه أخواله آل باجابر في ذلك قائلين له: كيف تصدقت بجميع مالك؟ أتريد أن تترك ورثتك عالة على الناس, هلا تركت لهم ما يكفيهم. قال: تركت لهم ( نشر المال وفخذ النخل وقسمهم من العطب يكفيهم ستر العورة ) وقال هذا يكفيهم إذا اتقوا الله وصدقوا في معاملته وكان الشيخ أبو بكر يحتفظ بمكتبة كبيرة عامرة بالكتب في مختلف العلوم والفنون، وقد احتفظ بها وزاد عليها ابنه عبد الرحمن وأحفاده من بعده، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر هذا قوى الذاكرة سريع الحفظ، فكان يحفظ المحرر للرافعي وكثيرا من كتب الحديث، وله مشاركة في علوم الأدب والتفسير والمنطق حتى قيل أن والده قال عنه:" لو عاش عبد الرحمن طويلا لكان مجددا للمذهب" فمات رحمه الله في حياة والده وكانت زوجته حاملا فوضعت بعد وفاته ولدا ذكرا سماه والده عبد الرحمن بن عبد الرحمن، وهو والد صاحب الترجمة الذي عقدنا هذا الفصل لذكر جانب من سيرته وتاريخه.

صاحب الترجمة
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سالم. ولد بحورة ولم أقف على تاريخ ولادته ولكن من المؤكد أنه عاش في أول القرن التاسع الهجري وآخر القرن الثامن، فقد ثبت أنه لزم وصحب كثيرا من العلماء كلهم عاشوا في هذين القرنين. بدأ دراسته الدينية واللغوية في حورة على والده وأعمامه، ثم رحل للاستزادة من العلم إلى اليمن والحرمين الشريفين حيث لقي وأخذ عن جماعة كبيرة من مشاهير علماء اليمن والحجاز كما أخذ عن عدد من أقطاب الثقافة الإسلامية في العالم العربي ممن يردون إلى الحجاز أثناء موسم الحج.

وتذكر الرسالة التي اعتمدت عليها في بعض المعلومات هذه الترجمة من أساتذة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في الحجاز الإمام عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني ثم المكي والإمام المربى جمال الدين محمد بن سعيد كبن الطبري القرشي والشيخ محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الوهاب وأخيه عبد الواحد وفقيه المدينة ومحدثها أبو بكر المراغى وحافظ مكة الإمام محمد بن ظهيرة كما تذكر منهم الشهاب ابن العربي وتاج الدين السبكي والجلال البلقيني والجلال الاسنوي وذلك في زمن الحج وكذلك العلامة تقي الدين الحصني شارح أبي شجاع والشمس البرماوي والإمام أحمد بن العماد والشيخ الكازروني عالم المدينة وغير هؤلاء من العلماء الأعلام .

أما من أخذ عنهم من علماء اليمن فمنهم شرف الدين بن الصيف اليمني وشرف الدين المقري صاحب عنوان الشرف وجمال الدين الناشرى والعلامة مسعود بن سعد باشكيل وغيرهم. وللشيخ عبد الله بن عبد الرحمن –صاحب الترجمة- رسالة جمع فيها مشايخه اللذين أخذ عنهم وأسانيد أجارتهم له المتصلة بالإمام الشافعي مشايخه في علم الحديث المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كانت رحلاته الكثيرة إلى الخارج لطلب العلم ولقاء العلماء وقراآته العديدة في مختلف العلوم والفنون وتوفر الكتب لديه في مكتبة أجداده بحورة كل ذلك كان من بين الأسباب لغزارة علمه وتوسيع أفقه الثقافي ومشاركته في علوم الشريعة والأدب والتاريخ واللغة والمنطق وغيرها، وقد ذكرت الرسالة التي أشرت إليها سابقا مجموعة كبيرة من الكتب التي قرأها صاحب الترجمة في مقدمتها كتب الأئمة أبي إسحاق والرافعي والنووي والغزالي والسهروردي في الفقه والتصوف كما ذكرت طائفة أخرى من كتب التفسير والحديث لا حاجة لذكرها هنا.

ولما عاد إلى حورة من رحلاته العلمية تفرغ لنشر العلم والتذكير بالله والاتصال بعلماء القطر الحضرمي وصالحيه، وكانت له زيارات متعددة إلى تريم والشحر وغيل باوزير وغيرها من مدن البلاد الحضرمية وقراها، وكانت له صلة صهارة بالعلامة الكبير السيد عمر المحضار ابن عبد الرحمن السقاف، فقد تزوج المحضار أخت صاحب الترجمة فاطمة بنت عبد الرحمن وعاش معها في تريم، كما كان صاحب الترجمة على صلة وثيقة بالعلامة الإمام عبد الله بن أبي بكر العيدروس وكان كثير الإعجاب به والتقدير له وله في مناقبه كتاب سماه تحفة النفوس في مناقب العيدروس، وقد أشار صاحب المشرع الروى في مناقب السادة آل باعلوي إلى هذه الصلة بين العيدروس والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن فقال ما نصه باحرف الواحد:- وكان الإمام العارف بالله محمد بن علي صاحب عيديد وتاج العابدين سعد بن علي والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير مع الاتفاق على جلالة قدرهم وعلو منصبهم ممن لازم صحبته وأخذ عنه طريقته- انتهى، أما السيد علي بن أبي بكر السكران فقد عدّه من بين مشايخه وذكر اجازته له سنة 843هـ.



وقد ذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في كتابه تحفة النفوس أن الشيخ عبد الله بن أبي بكر العيدروس قدم إلى حورة وهو أي العيدروس إذ ذاك صغير السن ( لان العيدروس ولد سنة 811هـ ) فنزل ضيفا عليه، وقال إن السيد العيدروس قرأ عليه عدة كتب وطلب منه عقد الصحبة و المواخاة على طريقة أهل التصوف من السلف فأجابه إلى ذلك.
-----------------------
ابنه عمر
وقد توفي الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بعد حياة كريمة مليئة بالشرف والفضل وكرم الأخلاق ونشر العلم والإحسان إلى الناس والدعوة إلى الله وترك عدة أولاد أشهرهم وأجلهم ابنه عمر بن عبد الله الذي سماه والده بهذا الاسم بإشارة من السيد عمر المحضار، ونحن ننقل هنا بتصرف من الترجمة التي أوردتها له الرسالة المشار إليها آنفا ما يكفي في التعريف به، قالت:-
ولد بحورة ونشأ بها وتعلم القرآن مع المعلم محمد باصادق، ثم حفظه وأتقنه على القرآت السبع تحت إرشاد والده وجماعة من الصلحاء والحفاظ، حتى كان يقال له المقرئ، ودرس علوم الشريعة على والده وأعمامه وغيرهم من كبار العلماء العارفين.
فقرأ على والده المنهاج للنووي والتنبيه لأبي إسحاق والعمدة لابن النقيب والمحرر للرافعي وجملة رسائل في علم التصوف، كما قرأ على والده أيضا كتاب الأحياء للإمام حجة الإسلام الغزالي وعوارف المعارف للسهروردي وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وقرأ الأحياء أيضا على السيد عبد الرحمن بن أبي بكر العيدروس وعلى السيد عمر المحضار منهاج العابدين للغزالي، والمقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وكيمياء السعادة للغزالي أيضا، وعلى السيد أبي بكر بن عبد الرحمن السقاف بداية الهداية، وقرأ رسالة القشيري على الشيخ فارس باقيس وعلى السيد عبد الله بن أبي بكر العيدروس جملة رسائل في علوم الطريقة والحقيقة، وقد أجازه الجميع في العلوم والاذكار واذنوا له بالتدريس والإفتاء،
وكان كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث، وإن كان جل مطالعته في كتب التصوف والرقائق
وكان الشيخ عمر من أكثر الناس احتمالا وأشدهم صبرا وأحسنهم صفحا وأوسعهم صدرا، إن قطع وصل وإن ظلم عدل وإن نصح فبالتي هي أحسن وإن وعظ أبكى وأحزن، وقد ابتلي بكثير من الحساد فصبر على أذاهم، وفي ذلك يقول تلميذه العلامة الشاعر الصوفي الكبير الشيخ عمر بامخرمة في مطلع قصيدة مثبتة في ديوانه المخطوط:-
باوزير إن جفى جافى وجاء منه أجناف
إلى آخرها
وفي مطلع قصيدة أخرى:-
باوزير إن رماك العوف بالجور واحنف
وفي هاتين القصديتين يشير الشيخ عمر بامخرمة إلى ما لقى الشيخ عمر باوزير من عداوة الحساد وصيره عليهم، وقد عده الشيخ عمر بامخرمة من كبار مشايخه الذين اعتمد عليهم في الطريق إلى الله، وكانوا أربعة من المشهورين بالتقوى والولاية ذكر ثلاثة منهم في إحدى قصائده وقال عن الرابع:-
والرابع هو قال لي لا تظهر اسمي
يعني بذلك الشيخ عمر بن عبد الله باوزير
وكان من أبرز أخلاقه الحميدة الكرم والسخاء، فكان يعطي الجزل ويداوم على البذل وينفق في جميع أوجه البر وخصوصا في الأوقات الفاضلة كرمضان والأعياد الدينية وأوقات المجاعة والإسنات، ويخص الفقراء والأيتام والأرامل والأرحام بمزيد من ****اية، وربما وردت إليه أموال كثيرة فيأتي المساء وليس له منها العشاء.
روى خادمه أحمد بن صالح بازياد قال جئت أنا ووالدي ذات يوم قاصدين الشيخ عمر في وقت مجاعة والحبوب غير موجودة فوجدنا بيته غاصا بالضيوف والزوار وقلت لوالدي الأولى أن نعود فإن بيت الشيخ مزدحم(والوقت حان والطعام غير موجود) وبقيت أحسن لوالدي الرجوع ونحن في أشد الفاقة، فإذا بسيدي عمر يدعونا للدخول ويقول: تعالوا احضروا مجلس المحبين، وما عليكم من باقي الأمور فهي صالحة، فدخلنا عليه وهو يتحدث مع أضيافه فرحا مستبشرا، فقلت في نفسي: سبحان الله، الشيخ في هذه الأوقات الحرجة يضحك وأنا عالم بحاله. فأنشدنا:-
لا يرفع الضيف رأسا في منازلنا إلا إلى الضاحك منا ومبتسم
فقلت زدني يا سيدي. قال: أما سمعت قول الشاعر؟قلت وماذا قال؟ قال سأكتب لك في قرطاس حتى لا يسمع أحد، فكتب:-
أضاحك ضيفي قبل أنزال رحـله ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للاضياف أن تكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
ولم نلبث كثيرا حتى قدم الأكل وهو من البر والذرة والرز واللحم فأكلنا مع الأضياف حتى شبعوا وشبعنا، ثم قلت للشيخ : ليس المحل جديبا، ولكنه خصيب ووجهك أخصب منه، فقال: الحمد لله الذي تفضل على عباده بالنعم وأراد منهم الشكر، ثم تكلم حتى بكى وأبكى. انتهى.
وكان الشيخ عمر ذا جاه واسع لدى كثير من قبائل الجهة الحضرمية، وكلمة نافذة عند عاهل حضرموت الكبير في القرن العاشر الهجري السلطان بدر أبي طويرق الكثيري، وقد حدث سنة 937هـ أن جملة فخائذ من بني هلال في مدينة هينن ومصنعتها المسماة (فرحة) يقال لهم آل النمر وآل الفشر وآل باقار وآل العمري وغيرهم، ومن مذحج ونهد، كانوا ينهبون رعايا السلطان أبى طويرق ويتحرشون به فغزاهم أبو طويرق بجيش كبير قوامه ألف جندي من الخيالة والهجانة والرجالة ودامت الحرب مدة انتهت بهزيمة أعداء السلطان وانكسارهم، فالتجأوا إلى الشيخ عمر بن عبد الله وطلبوا منه أن يتوسط لدى أبي طويرق في عقد معاهدة بينه وبينهم يعلنون فيها طاعتهم له على أن يبقيهم في محلاتهم ومنطقتهم.
واتصل الشيخ عمر بالسلطان فوافق على إعطائهم الأمان، ولكنه رأى أن بقائهم مجتمعين في محل واحد خطر يهدد كيان السلطنة الكثيرية، وعرض على الشيخ عمر أن يقنعهم بوجوب التفرق من هينن إلى محلات أخرى فقبلوا، وتم الصلح على ذلك.
وأراد السلطان أبو طويرق أن يكافئ الشيخ عمر على صنيعه هذا ومجهوداته في هذا السبيل مكافأة مادية فرفض وطلب من السلطان أن يأمر برفع جميع العشرات الحكومية عنه وأن لا تؤخذ منه زكاة، بل يتولى توزيعها هو بنفسه، وان تقبل شفاعته هو وأولاده في كل من يحبس في مصنعة هينن فأجابه السلطان إلى ذلك وكتب له وثيقة بما طلب هذا نصها:-
بسم الله الرحمن الرحيم
{ ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم }. أما بعد فليعلم الواقف على هذه الرقعة المحررة بأن سيدي ومولاي وملاذي وملجأي وعمادي الشيخ الأجل الفاضل الولي الكامل العالم العامل الشيخ عمر ابن الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ابن الشيخ الكبير أبي بكر بن محمد بن سالم باوزير مجللا ومكرما و محشما ومعظما ومجبرا في جميع أملاكنا بحرا وبرا هو وأولاده وذريته من يومنا هذا إلى يوم الدين، ليس عليهم عشر ولا زكاة ولا شئ من القوانين التي للديوان في طالع ونازل من البحر والبر، ولا يفرق عليهم الفارق ولا يحرسهم الحارس ولا يطوف عليهم الطائف، بل مجبرين في جميع أملا كنا بحرا وبرا من كل ما هو للديوان من القوانين والقواعد المعتادة، وكذلك لهم الشفع في كل من حبس في مصنعة هينن شفاعتهم غير مردودة، ومن تعدى أو خالف جميع ما ذكر فلا يلوم إلا نفسه ولا ينال إلا خسره وبخسه. قال ذلك وأملاه وأقر به الفقير إلى الله

بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده
وفي هذه الوثيقة توقيعات سبعة من الشهود هم عمر بن عبد الله بامخرمة وعبد الصمد باكثير وأحمد بن عبد الله باكثير وأحمد بن سهل بن إسحاق ومحسون بن عامر بن إسحاق وعبد الله بن أحمد باجسير وأحمد بن ليث باجابر.
وللشيخ عمر شعر شيق يكتبه باللغة الدارجة القريبة من الفصحى، من هذه الأبيات من قصيدة طويلة قالها بمناسبة تجمع وإلى المخينيق علي بن ظفر وأهل السور والمقاريم والظلفان لمعارضته في عمارة ضمير (الضمير في عرف أهل حضرموت السد يقام في مجرى السيل للتحكم فيه وتحويل الماء إلى الأرض التي يراد سقيها) حورة، وقد انتصر للشيخ عمر أتباعه من نهد ونشبت معركة حربية بين الفريقين انتصر فيها الشيخ عمر وفي ذلك يقول:-
ويوم قمنا في الوادي جاروا علينا في الطغيان
أهل المخانيق وأهل السور بنهب والسلب باللصان
وخوفوا من سكن حورة جميعهم وأرض الشيطان
العدن من بطلهم شارب ونخل حورة بقى عطشان
على بن ظفر قام وأصحابه رماهم الله بالخذلان
إلى أن قال:-
وأولاد عامر معي قاموا بصدق نية بنو قحطان
ثابت ومسعر وبن مسعر وبن مزعزع أبو الحكمان
وآل الطويل الذي طالوا هم وآل عبد الله الغلمان
وأصحابهم آل بن مدرك والرأس ثابت أبو روضان
وآل عجاج قد سعدوا صبيانهم هم ويا الشبان
قاموا معي صدق بالنيه جميعهم بالهنا فرحان
مؤسس غيل باوزير
عرضنا فيما سبق لجانب من تاريخ بعض أحفاد الشيخ أبي بكر بن محمد سكان حورة ونريد أن نذكر في ختام هذا الفصل التاريخي عن آل باوزير موجزا عن تاريخ أخويه سعيد بن محمد وعمر بن محمد وأبنائهما.

توفى الشيخ سعيد بن محمد بحورة عن سبعة أبناء أشهرهم محمد بن سعيد جد أهل النقعة الساحلية وقبره في غيل باوزير،وله ولد يدعى أحمد بن محمد وهو أول من قبر بالنقعة وانتشرت ذريته بها ولهم فيها صدقات وأوقاف للضيافة ومصالح المسجد الجامع الذي بني على طريقة غريبة لم يحتج معها إلى الإستعانة بالأخشاب في سقفه، وتوجد لديهم مخطوطات قديمة بعضها لايزال موجودا حتى الآن.

ومن أشهر أحفاد الشيخ سعيد بن محمد مولى عرف العلامة المحن الكبير الشيخ عبد الرحيم بن عبد الله بن سعيد صاحب ساه و مؤسس المسجد الجامع بها وصاحب الصدقات وأوقاف الضيافة العامة في هذه المنطقة. وله ذرية بساه يقال لهم آل الشيخ .

أما عمر بن محمد فهو الذي بنى الغيل الأسفل سنة 656هـ، والتي تعرف الآن بغيل عمر ومؤسس المسجد فيها، وقد لزم وصحب الأستاذ الكبير عبد الله باعلوي ابن الفقيه المقدم، ويعتبر من أخص مشايخه، وكانت وفاته بالغيل الأسفل سنة 721هـ وهو والد العلامة الإمام الفقيه الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزير المشهورة، والذي كان من أبنائه وأحفاده جماعة كبيرة عرفت بالعلم والفضل والصلاح.

وتقول المصادر التي بين أيدينا أن الشيخ عبد الرحيم بن عمر قدم إلى الساحل سنة 706هـ باحثا عن المنطقة الصالحة للإقامة له ولعقبه من بعده، فوقع اختياره على البقعة التي تدعى الآن بغيل باوزير، وقد بنى بها أول منزل لسكناه غربي مسجده الجامع المشهور، ثم حفر في الناحية الشمالية للمسجد غير بعيد منه اشهر العيون بها والتي كانت ولا تزال تروي مساحات واسعة من النخيل والأراضي المزروعة جنوب مدينة الغيل، وتجمعت لديه ثروة مكنته من أن يشتري عقارات وأطيانا واسعة في الخربة والبقرين وغيرها من ضواحي المكلا تصدق بها جميعا، مع أكثر ما يملك في الغيل كوقف دائم تصرف غلته في مصالح المسجد والضيافة وتوزع منه في مناسبات دينية وأعياد خاصة صدقات على الطريقة التي اشترطها هو، وقد أضاف أبناؤه من بعده أوقافا إلى هذا الوقف حتى أصبح الآن يقدر محصوله بما لا يقل عن خمسة عشر ألف شلن سنويا. ولم يكن نشاطه في الناحية الثقافية بأقل من نشاطه في جانب الإقتصاد، فقد بنى مدرسة لأبنائه وأحفاده وغيرهم من طلاب العلم، واستقدم لها المدرسين الاكفاء، وأرسل أبنائه للاستزادة من العلم، فرحلوا إلى اليمن والحجاز للقاء العلماء والأخذ عنهم حتى عرف كثير من أبنائه وأحفاده بسعة العلم وكثرة الاطلاع وحب الخير والتفاني في منفعة الناس، كما كانوا ألسنة الدعوة والارشاد في مناطق الساحل، ورسل السلام والإصلاح بين القبائل، ومثال الكرم وسماحة النفس إذا نزل بهم طارق أو زائر.

والواقع أن كرم الضيافة وحسن استقبال الغرباء من أشهر الصفات الخلقية الفاضلة التي امتاز بها أفراد هذه الأسرة في ساحل حضرموت وداخلها، فقد أعدوا في أكثر المدن والقرى التي يقيمون بها بيوتا للضيافة يطعم فيها المسافر أياما معلومة وضمنوا استمرارها بأوقاف تصدقوا بها لهذا الغرض، نذكر منها على سبيل المثال بيوت الضيافة في غيل باوزير والنقعة وريدة الجرهيين ورحبة ابن جنيد وفي وادي عدم وساه وحورة ووادي العين وجعيمة وعرف وغيرها.

وانقضت أربعون عاما منذ وضع الشيخ عبد الرحيم بن عمر حجر الأساس لهذه المدينة، كان فيها القانت العابد إذا جن الظلام، والعالم العامل إذا ارتفع النهار، لا يطغى فيها المسجد على المزرعة فيخل بشؤون دنيا، ولا تشغله المزرعة عن المسجد فتفسد عليه أمور دينه، وكان له فيما بين المزرعة والمسجد متسع من الوقت للإشراف على المدرسة ونشر العلم بين العامة واستقبال ضيوفه الذين لا ينقطعون، والإصلاح بين القبائل، إلى غير ذلك من أوجه النشاط الإجتماعي التي كان من بينها الدعاية لاستيطان هذه المنطقة والإفراج عن المياه المخزونة في جوفها بحفر العيون والقنوات لاستخدامها في زراعة تربتها الخصبة، وقد دفع لهذا الغرض ابن عمه محمد بن سعيد فحفر هو وأبناؤه عيون النقعة ووديكة وغيرها حتى صارت هذه المنطقة مروجا خضراء وجنانا عامرة بالنخيل والمزارع.

وهكذا كان للشيخ عبد الرحيم بن عمر في الإرشاد لسان، وفي العلم باع، وفي الإقتصاد يد، وفي العبادة قدم حتى وافاه أجله في منتصف شعبان سنة 747هـ، ودفن خارج مسجده بجانب الجدار الشرقي( داخل المسجد الآن ) ، وترك من الأولاد ثلاثة هم: سعيد وعثمان وأحمد ينتمي عليهم كل أفراد آل باوزير السكان في الغيل.
سيره مباركه راقت لي وان شاء الله تستفيدوا منها



نسب وشجرة قبيلة آل باوزير العباسيه

الجد الأكبر لآل الوزير "باوزير" هو الشريف محمد بن سالم بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي ( الوزير ) بن طراد ( النقيب العباسي الهاشمي ) ، المعروف الآن بمولى عرف لكونه عاش ودفن هناك ، وهو أول مولود عباسي من أسرة آل الوزير ولد بحضرموت، وهو الوارث الوحيد لآل يعقوب بن يوسف العباسي في تلك البلاد إذ أن لا عقب لذرية يعقوب بن يوسف إلا من ولده عبد الله وهو جد محمد بن سالم . وجميع آل باوزير في حضرموت و غيرها من البلدان من ذريته .
النسب الكامل: محمد بن سالم بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي الوزير بن طراد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الله الزينبي بن محمد بن إبراهيم الإمام بن الإمام محمد الكامل بن الإمام علي السجاد بن عبد الله ( حبر الأمة و ترجمان القرآن ) بن العباس ( ذو الرأي و عم النبي صلى الله عليه و سلم ) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
شجرة أسرة آل باوزيرمن كتاب البدر المنير
صفحة 49 - للشيخ مزاحم بن سالم باوزير
مطبعة التقدم العلمية بمصر- 1/6/1329 هـ

العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير أحد الرجال البارزين من أسرة حضرمية كبيرة لها تاريخها المجيد وآثارها الواضحة في ما جريات الأحوال في البلاد الحضرمية في مختلف العهود. ولهذه الأسرة الكبيرة قصة تبتدئ في بغداد عاصمة الخلفاء من بني العباس، وتتوالى وقائعها وحوادثها مسرعة في البصرة والكوفة وبلاد فارس و خرسان و تركستان، ثم في مكة والمدينة المنورة وجدة من أرض الحجاز، حتى إذا كان الجزء الأخير والخاص منها بحضرموت أخذت وقائع القصة وحوادثها تسير في بطء وفي شئ من الإسهاب والتفصيل يصرفنا عنه ضيق المقام.
في نهاية القرن الخامس الهجري أو بداية السادس ولد في بغداد يعقوب بن يوسف بن علي بن طراد، ومات أبوه يوسف وهو طفل لم يبلغ الحلم، فكفله جده علي بن طراد نقيب العباسيين ووزير الخليفتين المسترشد والمقتفي، وأشرف على تربيته وتعليمه حتى نال حظا كبيرا من العلم والمعرفة، وكان من بين أساتذته أبو الفتوح الغزالي أخو حجة الإسلام صاحب الإحياء والإمام السهروردي وأحمد الرفاعي وغيرهم من كبار رجال العلم والتصوف.
ثم أذن له جده في السفر إلى البصرة والكوفة والحجاز فأخذ عن علمائها وعاد إلى العراق مقيما في بغداد الجديدة للتدريس ونشر العلم مبتعدا عن قصور الخلفاء والوزراء، ناقما على ما آلت إليه الخلافة من ضعف وفساد وتزعزع واضطراب، واشتدت نقمته وتضاعف قلقه وتبرمه بالحالة عندما قبض الخليفة المسترشد على جده وأودعه السجن فرحل إلى بغداد القديمة واختفى هناك، ولما عاد جده وقبل وزارة الخليفة المقتفي سنة 531هـ أتى إليه ووعظه وحذره عاقبة الاتصال بالخلفاء المسلوبي الارادة المشتغلين بملذاتهم عن مهام الخلافة وواجباتها، فلم يلتفت إليه فتركه وشأنه ،وقد صح ما توقعه حفيد الوزير الكبير فتغير المقتفي على جده وهم بالقبض عليه فاحتمى منه في دار السلطان مسعود ثم لزم داره إلى أن مات سنة 538هـ.
ضاق يعقوب ذرعا ببغداد بعد وفاة جده ولم يستطع صبرا على الإقامة بها، واتفق مع أبنائه الثلاثة على الرحيل عنها فسار ابنه عمر إلى بخارى من أرض تركستان، وتوجه عبد الله إلى شيراز قصبة فارس حيث تزوج بكريمة أحد العباسيين هناك فأنجبت له ابنه سالما، أما هو فقد سافر إلى خراسان ومعه ابنه الثالث يوسف، ولكنهم عاودهم الحنين إلى العراق بعد سنوات قضوها في بلاد الأعاجم فعادوا إلى وطنهم سنة 549هـ .
ولم تكد تستقر أقدامهم في بغداد حتى أدركوا أنه لن يطيب لهم المقام في بلد اضطرب فيه الأمن واختلت فيه شؤون الحكم وتكاثرت فيه الفتن فصمموا على الهجرة، ويقال بأن بعض أصدقائهم أشار عليهم بالهجرة إلى أطراف اليمن ومن بينهم العلامة الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد كبار رجال التصوف في ذلك العهد، فقد قال لهم: ان أطراف اليمن أسلم للدين وأبعد عن الفتنة وأخف للمعيشة
كذلك كان يعرف أهل هذا البيت بآل الوزير، فقد كان رئيس هذه الأسرة علي بن طراد وزير الخليفتين المسترشد والمقتفي، قال الهمذاني: لم يل الوزارة عباسي سواه، وقال ابن كثير: لا يعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره، وقال الذهبي: كان صدرا مهيبا نبيلا كامل السؤدد، دقيق الفهم، بعيد النظر، ذا رأي وإقدام، فمن أجل ذلك دعيت هذه الأسرة بآل الوزير كما هو ظاهر.

هاجر آل الوزير من بغداد خفية متسترين قاصدين الحجاز لأداء فريضة الحج، فلما قضوا مناسكهم وزاروا المدينة المنورة اتجهوا إلى جدة حيث ركبوا سفينة شراعية كانت مسافرة إلى بلدان المحيط الهندي وبحر العرب، وشعر شيخ الأسرة يعقوب بن يوسف وهو في البحر بانحراف في صحته لازمه واشتد به حتى حاذت السفينة ساحل حضرموت فاختار أن ينزل في المكلا بجانب الكثيب الأبيض، وكانت قرية صغيرة لا توجد بها سوى أكواخ الصيادين المقيمين بها .

وأحس الشيخ بدنو أجله فجمع أبنائه الثلاثة وحفيده سالما وتحدث إليهم طويلا وأوصاهم بالتمسك بالتقوى والزهد والاجتهاد في طلب العلم ونشره والصبر على المشقات في الحياة ولزوم الاستقامة، وحذرهم من الكسل والكبر والعجب وطلب الشهرة، ثم أدركته الوفاة فقضى نحبه سنة 553هـ ودفن في الكثيب المعروف الآن في العاصمة بتربة يعقوب وضريحه مشهور يقصد بالزيارة حتى الآن وعليه قبة مرتفعة.

ولم تكن المكلا في ذلك العهد بدار إقامة لمثل آل الوزير فارتحلوا عنها إلى الشحر، وكانت إذ ذاك أكبر وأصلح مدينة على الساحل،فأقاموا بها واستوطنوها وتصدوا فيها للتدريس ونشر العلم ونفع الناس، فالتف حولهم الأهالي وأكرموا نزلهم لما عرفوا به من كرم الأخلاق وحسن السيرة.

وبينما كان يوسف بن يعقوب في أرض حجر يعلم الناس ويدعوهم إلى الله أدركته المنية فمات وقبر هناك، ومات أخوه عمر بعد برهة وجيزة فدفن بالخور غربي مدينة الشحر، واعتصم أخوهما عبد الله بالصبر لفقدهما ووجد في الانصراف إلى تربية ابنه سالم والاشتغال بتعليمه بعض السلوى عن فراق أخويه وعما كان يشعر به آلام الغربة.
قلنا إن عبد الله بن يعقوب عندما كان بشيراز من أرض فارس تزوج كريمة أحد أبناء عمومته من العباسيين ورزق منها بولد هو سالم بن عبد الله الذي قضت الأقدار بأن يولد في شيراز من عائلة بغدادية ثم يقضي شبابه وبقية حياته لا في العراق ولا في بلاد فارس ولكن في حضرموت موطن عاد وبلاد حمير وكنده .
أتم سالم بن عبد الله تعليمه في الشحر تحت إشراف والده، ثم أخذ ينتقل بإشارة منه بين البادية يعلمهم ويصلح ذات بينهم، وقد دفعه اختلاطه بالبدو إلى أن يتزوج بنت أحد رؤسائهم في قرية (عرف) وهي جميلة بنت أحمد بن علي رئيس قبيلة المسليين التي لم تلبث أن أنجبت له محمد بن سالم الجد الأعلى لآل باوزير المعروف الآن بمولى عرف لأنه عاش ودفن هناك.
ومحمد-مولى عرف- هذا هو الوارث الوحيد في حضرموت لأسرة آل الوزير المهاجرة من العراق والعباسي الأول الذي ولد بحضرموت من هذه العائلة، فقد توفي أخوا جده يوسف وعمر دون عقب وتوفي جده عبد الله بالشحر عن والده سالم فقط الذي مات بالجويب الواقعة بالقرب من حورة ولذلك اعتبر محمد بن سالم الجد الأول لآل باوزير وكان أحد كبار رجال التصوف في القرن السابع الهجري ومن أقران الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي والشيخ سعيد بن عيسى العمودي وله بهما صلة وثيقة، وقد توفي عن ثلاثة من الولد هم أبو بكر وسعيد وعمر وهذا الأخير هو والد الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزير .
وقد رأيت في رسالة خطية قديمة لدى أحد المشايخ في حورة أن من بين أساتذة الشيخ محمد بن سالم مولى عرف العلامة الإمام محمد بن علي صاحب مرباط والشيخ أحمد الهدهدي والشيخ أحمد البطين والعلامة الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي بزبيد في جملة من علماء اليمن، كما أخذ عن والده سالم وجده عبد الله بن يعقوب.
أما من أخذ عن الشيخ محمد بن سالم فقد ذكرت منهم هذه الرسالة: الشيخ علي بن سلم الحضرمي والإمام الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي الحب التريمي والشيخ سعد بن علي الظفاري والفقيه المقدم محمد بن علوي باعلوي والشيخ سفيان اليمني والشيخ أحمد بن الجعد والشيخ سعيد بن عيسى العمودي والشيخ سعيد بن عمر بلحاف والشيخ عبد الله بن محمد باعباد وغيرهم.
وتقول هذه الرسالة أن الشيخ محمد بن سالم تزوج في حورة بنت أستاذه العلامة الشيخ أحمد البطين بامزاحم باجابر فولدت له ابنه أبا بكر، أما ولداه الآخران فهما من زوجة أخرى
ولد ونشأ في حورة بين أخواله آل باجابر ودرس على أبيه محمد بن سالم – مولى عرف - علوم الشريعة والطريقة، ثم سار إلى اليمن واجتمع بمشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد بن حسين البجلي والشيخ محمد بن أبي بكر الحكمى وله معهما الصحبة الأكيدة والأخوة الرشيدة، وذهب إلى مكة ; والمدينة لأداء فريضة الحج والزيارة،ثم لطلب العلم والاجتماع بالعلماء، وقيل انه بقى يتردد بين الحرمين الشريفين للدراسة ما يقارب من أربع وثلاثين سنة حتى أخذ من جميع العلوم بالحظ الأوفى.

ولما عاد إلى وطنه ومسقط رأسه حورة عكف على العبادة ونشر العلم والتدريس والتذكير بالله والدعوة إلى الله، وأقبل الناس على الاستفادة منه حتى تخرج على يديه وانتفع به خلق كثير وكان إلى جانب نشاطه الديني والثقافي ذا بسطة في الجاه والمال استغلهما في الإحسان إلى الفقراء ومساعدة المحتاجين وإكرام الضعيف وصلة الأرحام،وقد اشترى الأطيان الواسعة والنخيل والبيوت وحفر الآبار لينتفع بمائها الناس وبنى مسجده المعروف الذي هو الآن جامع حورة ثم تصدق بجميع ما يملكه من العقار وقفا مؤبدا بعضه على مصالح المسجد والبعض الآخر للضيافة وإصلاح الآبار، فكان كل غريب ينزل بحورة يجد من وقف الشيخ أبي بكر نزولا يأو يه وطعاما يقدم إليه في وجبات محدودة، ولا تزال هذه الأوقاف موجودة حتى الآن وان كانت في حاجة إلى مزيد من الحفظ و****اية.

ولما كلمه أخواله آل باجابر في ذلك قائلين له: كيف تصدقت بجميع مالك؟ أتريد أن تترك ورثتك عالة على الناس, هلا تركت لهم ما يكفيهم. قال: تركت لهم ( نشر المال وفخذ النخل وقسمهم من العطب يكفيهم ستر العورة ) وقال هذا يكفيهم إذا اتقوا الله وصدقوا في معاملته وكان الشيخ أبو بكر يحتفظ بمكتبة كبيرة عامرة بالكتب في مختلف العلوم والفنون، وقد احتفظ بها وزاد عليها ابنه عبد الرحمن وأحفاده من بعده، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر هذا قوى الذاكرة سريع الحفظ، فكان يحفظ المحرر للرافعي وكثيرا من كتب الحديث، وله مشاركة في علوم الأدب والتفسير والمنطق حتى قيل أن والده قال عنه:" لو عاش عبد الرحمن طويلا لكان مجددا للمذهب" فمات رحمه الله في حياة والده وكانت زوجته حاملا فوضعت بعد وفاته ولدا ذكرا سماه والده عبد الرحمن بن عبد الرحمن، وهو والد صاحب الترجمة الذي عقدنا هذا الفصل لذكر جانب من سيرته وتاريخه.

صاحب الترجمة
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سالم. ولد بحورة ولم أقف على تاريخ ولادته ولكن من المؤكد أنه عاش في أول القرن التاسع الهجري وآخر القرن الثامن، فقد ثبت أنه لزم وصحب كثيرا من العلماء كلهم عاشوا في هذين القرنين. بدأ دراسته الدينية واللغوية في حورة على والده وأعمامه، ثم رحل للاستزادة من العلم إلى اليمن والحرمين الشريفين حيث لقي وأخذ عن جماعة كبيرة من مشاهير علماء اليمن والحجاز كما أخذ عن عدد من أقطاب الثقافة الإسلامية في العالم العربي ممن يردون إلى الحجاز أثناء موسم الحج.

وتذكر الرسالة التي اعتمدت عليها في بعض المعلومات هذه الترجمة من أساتذة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في الحجاز الإمام عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني ثم المكي والإمام المربى جمال الدين محمد بن سعيد كبن الطبري القرشي والشيخ محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الوهاب وأخيه عبد الواحد وفقيه المدينة ومحدثها أبو بكر المراغى وحافظ مكة الإمام محمد بن ظهيرة كما تذكر منهم الشهاب ابن العربي وتاج الدين السبكي والجلال البلقيني والجلال الاسنوي وذلك في زمن الحج وكذلك العلامة تقي الدين الحصني شارح أبي شجاع والشمس البرماوي والإمام أحمد بن العماد والشيخ الكازروني عالم المدينة وغير هؤلاء من العلماء الأعلام .

أما من أخذ عنهم من علماء اليمن فمنهم شرف الدين بن الصيف اليمني وشرف الدين المقري صاحب عنوان الشرف وجمال الدين الناشرى والعلامة مسعود بن سعد باشكيل وغيرهم. وللشيخ عبد الله بن عبد الرحمن –صاحب الترجمة- رسالة جمع فيها مشايخه اللذين أخذ عنهم وأسانيد أجارتهم له المتصلة بالإمام الشافعي مشايخه في علم الحديث المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كانت رحلاته الكثيرة إلى الخارج لطلب العلم ولقاء العلماء وقراآته العديدة في مختلف العلوم والفنون وتوفر الكتب لديه في مكتبة أجداده بحورة كل ذلك كان من بين الأسباب لغزارة علمه وتوسيع أفقه الثقافي ومشاركته في علوم الشريعة والأدب والتاريخ واللغة والمنطق وغيرها، وقد ذكرت الرسالة التي أشرت إليها سابقا مجموعة كبيرة من الكتب التي قرأها صاحب الترجمة في مقدمتها كتب الأئمة أبي إسحاق والرافعي والنووي والغزالي والسهروردي في الفقه والتصوف كما ذكرت طائفة أخرى من كتب التفسير والحديث لا حاجة لذكرها هنا.

ولما عاد إلى حورة من رحلاته العلمية تفرغ لنشر العلم والتذكير بالله والاتصال بعلماء القطر الحضرمي وصالحيه، وكانت له زيارات متعددة إلى تريم والشحر وغيل باوزير وغيرها من مدن البلاد الحضرمية وقراها، وكانت له صلة صهارة بالعلامة الكبير السيد عمر المحضار ابن عبد الرحمن السقاف، فقد تزوج المحضار أخت صاحب الترجمة فاطمة بنت عبد الرحمن وعاش معها في تريم، كما كان صاحب الترجمة على صلة وثيقة بالعلامة الإمام عبد الله بن أبي بكر العيدروس وكان كثير الإعجاب به والتقدير له وله في مناقبه كتاب سماه تحفة النفوس في مناقب العيدروس، وقد أشار صاحب المشرع الروى في مناقب السادة آل باعلوي إلى هذه الصلة بين العيدروس والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن فقال ما نصه باحرف الواحد:- وكان الإمام العارف بالله محمد بن علي صاحب عيديد وتاج العابدين سعد بن علي والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير مع الاتفاق على جلالة قدرهم وعلو منصبهم ممن لازم صحبته وأخذ عنه طريقته- انتهى، أما السيد علي بن أبي بكر السكران فقد عدّه من بين مشايخه وذكر اجازته له سنة 843هـ.

وقد ذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في كتابه تحفة النفوس أن الشيخ عبد الله بن أبي بكر العيدروس قدم إلى حورة وهو أي العيدروس إذ ذاك صغير السن ( لان العيدروس ولد سنة 811هـ ) فنزل ضيفا عليه، وقال إن السيد العيدروس قرأ عليه عدة كتب وطلب منه عقد الصحبة و المواخاة على طريقة أهل التصوف من السلف فأجابه إلى ذلك.
-----------------------
ابنه عمر
وقد توفي الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بعد حياة كريمة مليئة بالشرف والفضل وكرم الأخلاق ونشر العلم والإحسان إلى الناس والدعوة إلى الله وترك عدة أولاد أشهرهم وأجلهم ابنه عمر بن عبد الله الذي سماه والده بهذا الاسم بإشارة من السيد عمر المحضار، ونحن ننقل هنا بتصرف من الترجمة التي أوردتها له الرسالة المشار إليها آنفا ما يكفي في التعريف به، قالت:-
ولد بحورة ونشأ بها وتعلم القرآن مع المعلم محمد باصادق، ثم حفظه وأتقنه على القرآت السبع تحت إرشاد والده وجماعة من الصلحاء والحفاظ، حتى كان يقال له المقرئ، ودرس علوم الشريعة على والده وأعمامه وغيرهم من كبار العلماء العارفين.
فقرأ على والده المنهاج للنووي والتنبيه لأبي إسحاق والعمدة لابن النقيب والمحرر للرافعي وجملة رسائل في علم التصوف، كما قرأ على والده أيضا كتاب الأحياء للإمام حجة الإسلام الغزالي وعوارف المعارف للسهروردي وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وقرأ الأحياء أيضا على السيد عبد الرحمن بن أبي بكر العيدروس وعلى السيد عمر المحضار منهاج العابدين للغزالي، والمقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وكيمياء السعادة للغزالي أيضا، وعلى السيد أبي بكر بن عبد الرحمن السقاف بداية الهداية، وقرأ رسالة القشيري على الشيخ فارس باقيس وعلى السيد عبد الله بن أبي بكر العيدروس جملة رسائل في علوم الطريقة والحقيقة، وقد أجازه الجميع في العلوم والاذكار واذنوا له بالتدريس والإفتاء،
وكان كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث، وإن كان جل مطالعته في كتب التصوف والرقائق
وكان الشيخ عمر من أكثر الناس احتمالا وأشدهم صبرا وأحسنهم صفحا وأوسعهم صدرا، إن قطع وصل وإن ظلم عدل وإن نصح فبالتي هي أحسن وإن وعظ أبكى وأحزن، وقد ابتلي بكثير من الحساد فصبر على أذاهم، وفي ذلك يقول تلميذه العلامة الشاعر الصوفي الكبير الشيخ عمر بامخرمة في مطلع قصيدة مثبتة في ديوانه المخطوط:-
باوزير إن جفى جافى وجاء منه أجناف
إلى آخرها
وفي مطلع قصيدة أخرى:-
باوزير إن رماك العوف بالجور واحنف
وفي هاتين القصديتين يشير الشيخ عمر بامخرمة إلى ما لقى الشيخ عمر باوزير من عداوة الحساد وصيره عليهم، وقد عده الشيخ عمر بامخرمة من كبار مشايخه الذين اعتمد عليهم في الطريق إلى الله، وكانوا أربعة من المشهورين بالتقوى والولاية ذكر ثلاثة منهم في إحدى قصائده وقال عن الرابع:-
والرابع هو قال لي لا تظهر اسمي
يعني بذلك الشيخ عمر بن عبد الله باوزير
وكان من أبرز أخلاقه الحميدة الكرم والسخاء، فكان يعطي الجزل ويداوم على البذل وينفق في جميع أوجه البر وخصوصا في الأوقات الفاضلة كرمضان والأعياد الدينية وأوقات المجاعة والإسنات، ويخص الفقراء والأيتام والأرامل والأرحام بمزيد من ****اية، وربما وردت إليه أموال كثيرة فيأتي المساء وليس له منها العشاء.
روى خادمه أحمد بن صالح بازياد قال جئت أنا ووالدي ذات يوم قاصدين الشيخ عمر في وقت مجاعة والحبوب غير موجودة فوجدنا بيته غاصا بالضيوف والزوار وقلت لوالدي الأولى أن نعود فإن بيت الشيخ مزدحم(والوقت حان والطعام غير موجود) وبقيت أحسن لوالدي الرجوع ونحن في أشد الفاقة، فإذا بسيدي عمر يدعونا للدخول ويقول: تعالوا احضروا مجلس المحبين، وما عليكم من باقي الأمور فهي صالحة، فدخلنا عليه وهو يتحدث مع أضيافه فرحا مستبشرا، فقلت في نفسي: سبحان الله، الشيخ في هذه الأوقات الحرجة يضحك وأنا عالم بحاله. فأنشدنا:-
لا يرفع الضيف رأسا في منازلنا إلا إلى الضاحك منا ومبتسم
فقلت زدني يا سيدي. قال: أما سمعت قول الشاعر؟قلت وماذا قال؟ قال سأكتب لك في قرطاس حتى لا يسمع أحد، فكتب:-
أضاحك ضيفي قبل أنزال رحـله ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للاضياف أن تكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
ولم نلبث كثيرا حتى قدم الأكل وهو من البر والذرة والرز واللحم فأكلنا مع الأضياف حتى شبعوا وشبعنا، ثم قلت للشيخ : ليس المحل جديبا، ولكنه خصيب ووجهك أخصب منه، فقال: الحمد لله الذي تفضل على عباده بالنعم وأراد منهم الشكر، ثم تكلم حتى بكى وأبكى. انتهى.
وكان الشيخ عمر ذا جاه واسع لدى كثير من قبائل الجهة الحضرمية، وكلمة نافذة عند عاهل حضرموت الكبير في القرن العاشر الهجري السلطان بدر أبي طويرق الكثيري، وقد حدث سنة 937هـ أن جملة فخائذ من بني هلال في مدينة هينن ومصنعتها المسماة (فرحة) يقال لهم آل النمر وآل الفشر وآل باقار وآل العمري وغيرهم، ومن مذحج ونهد، كانوا ينهبون رعايا السلطان أبى طويرق ويتحرشون به فغزاهم أبو طويرق بجيش كبير قوامه ألف جندي من الخيالة والهجانة والرجالة ودامت الحرب مدة انتهت بهزيمة أعداء السلطان وانكسارهم، فالتجأوا إلى الشيخ عمر بن عبد الله وطلبوا منه أن يتوسط لدى أبي طويرق في عقد معاهدة بينه وبينهم يعلنون فيها طاعتهم له على أن يبقيهم في محلاتهم ومنطقتهم.
واتصل الشيخ عمر بالسلطان فوافق على إعطائهم الأمان، ولكنه رأى أن بقائهم مجتمعين في محل واحد خطر يهدد كيان السلطنة الكثيرية، وعرض على الشيخ عمر أن يقنعهم بوجوب التفرق من هينن إلى محلات أخرى فقبلوا، وتم الصلح على ذلك.
وأراد السلطان أبو طويرق أن يكافئ الشيخ عمر على صنيعه هذا ومجهوداته في هذا السبيل مكافأة مادية فرفض وطلب من السلطان أن يأمر برفع جميع العشرات الحكومية عنه وأن لا تؤخذ منه زكاة، بل يتولى توزيعها هو بنفسه، وان تقبل شفاعته هو وأولاده في كل من يحبس في مصنعة هينن فأجابه السلطان إلى ذلك وكتب له وثيقة بما طلب هذا نصها:-
بسم الله الرحمن الرحيم
{ ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم }. أما بعد فليعلم الواقف على هذه الرقعة المحررة بأن سيدي ومولاي وملاذي وملجأي وعمادي الشيخ الأجل الفاضل الولي الكامل العالم العامل الشيخ عمر ابن الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ابن الشيخ الكبير أبي بكر بن محمد بن سالم باوزير مجللا ومكرما و محشما ومعظما ومجبرا في جميع أملاكنا بحرا وبرا هو وأولاده وذريته من يومنا هذا إلى يوم الدين، ليس عليهم عشر ولا زكاة ولا شئ من القوانين التي للديوان في طالع ونازل من البحر والبر، ولا يفرق عليهم الفارق ولا يحرسهم الحارس ولا يطوف عليهم الطائف، بل مجبرين في جميع أملا كنا بحرا وبرا من كل ما هو للديوان من القوانين والقواعد المعتادة، وكذلك لهم الشفع في كل من حبس في مصنعة هينن شفاعتهم غير مردودة، ومن تعدى أو خالف جميع ما ذكر فلا يلوم إلا نفسه ولا ينال إلا خسره وبخسه. قال ذلك وأملاه وأقر به الفقير إلى الله

بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده
وفي هذه الوثيقة توقيعات سبعة من الشهود هم عمر بن عبد الله بامخرمة وعبد الصمد باكثير وأحمد بن عبد الله باكثير وأحمد بن سهل بن إسحاق ومحسون بن عامر بن إسحاق وعبد الله بن أحمد باجسير وأحمد بن ليث باجابر.
وللشيخ عمر شعر شيق يكتبه باللغة الدارجة القريبة من الفصحى، من هذه الأبيات من قصيدة طويلة قالها بمناسبة تجمع وإلى المخينيق علي بن ظفر وأهل السور والمقاريم والظلفان لمعارضته في عمارة ضمير (الضمير في عرف أهل حضرموت السد يقام في مجرى السيل للتحكم فيه وتحويل الماء إلى الأرض التي يراد سقيها) حورة، وقد انتصر للشيخ عمر أتباعه من نهد ونشبت معركة حربية بين الفريقين انتصر فيها الشيخ عمر وفي ذلك يقول:-
ويوم قمنا في الوادي جاروا علينا في الطغيان
أهل المخانيق وأهل السور بنهب والسلب باللصان
وخوفوا من سكن حورة جميعهم وأرض الشيطان
العدن من بطلهم شارب ونخل حورة بقى عطشان
على بن ظفر قام وأصحابه رماهم الله بالخذلان
إلى أن قال:-
وأولاد عامر معي قاموا بصدق نية بنو قحطان
ثابت ومسعر وبن مسعر وبن مزعزع أبو الحكمان
وآل الطويل الذي طالوا هم وآل عبد الله الغلمان
وأصحابهم آل بن مدرك والرأس ثابت أبو روضان
وآل عجاج قد سعدوا صبيانهم هم ويا الشبان
قاموا معي صدق بالنيه جميعهم بالهنا فرحان
مؤسس غيل باوزير
عرضنا فيما سبق لجانب من تاريخ بعض أحفاد الشيخ أبي بكر بن محمد سكان حورة ونريد أن نذكر في ختام هذا الفصل التاريخي عن آل باوزير موجزا عن تاريخ أخويه سعيد بن محمد وعمر بن محمد وأبنائهما.

توفى الشيخ سعيد بن محمد بحورة عن سبعة أبناء أشهرهم محمد بن سعيد جد أهل النقعة الساحلية وقبره في غيل باوزير،وله ولد يدعى أحمد بن محمد وهو أول من قبر بالنقعة وانتشرت ذريته بها ولهم فيها صدقات وأوقاف للضيافة ومصالح المسجد الجامع الذي بني على طريقة غريبة لم يحتج معها إلى الإستعانة بالأخشاب في سقفه، وتوجد لديهم مخطوطات قديمة بعضها لايزال موجودا حتى الآن.

ومن أشهر أحفاد الشيخ سعيد بن محمد مولى عرف العلامة المحن الكبير الشيخ عبد الرحيم بن عبد الله بن سعيد صاحب ساه و مؤسس المسجد الجامع بها وصاحب الصدقات وأوقاف الضيافة العامة في هذه المنطقة. وله ذرية بساه يقال لهم آل الشيخ .

أما عمر بن محمد فهو الذي بنى الغيل الأسفل سنة 656هـ، والتي تعرف الآن بغيل عمر ومؤسس المسجد فيها، وقد لزم وصحب الأستاذ الكبير عبد الله باعلوي ابن الفقيه المقدم، ويعتبر من أخص مشايخه، وكانت وفاته بالغيل الأسفل سنة 721هـ وهو والد العلامة الإمام الفقيه الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزير المشهورة، والذي كان من أبنائه وأحفاده جماعة كبيرة عرفت بالعلم والفضل والصلاح.

وتقول المصادر التي بين أيدينا أن الشيخ عبد الرحيم بن عمر قدم إلى الساحل سنة 706هـ باحثا عن المنطقة الصالحة للإقامة له ولعقبه من بعده، فوقع اختياره على البقعة التي تدعى الآن بغيل باوزير، وقد بنى بها أول منزل لسكناه غربي مسجده الجامع المشهور، ثم حفر في الناحية الشمالية للمسجد غير بعيد منه اشهر العيون بها والتي كانت ولا تزال تروي مساحات واسعة من النخيل والأراضي المزروعة جنوب مدينة الغيل، وتجمعت لديه ثروة مكنته من أن يشتري عقارات وأطيانا واسعة في الخربة والبقرين وغيرها من ضواحي المكلا تصدق بها جميعا، مع أكثر ما يملك في الغيل كوقف دائم تصرف غلته في مصالح المسجد والضيافة وتوزع منه في مناسبات دينية وأعياد خاصة صدقات على الطريقة التي اشترطها هو، وقد أضاف أبناؤه من بعده أوقافا إلى هذا الوقف حتى أصبح الآن يقدر محصوله بما لا يقل عن خمسة عشر ألف شلن سنويا. ولم يكن نشاطه في الناحية الثقافية بأقل من نشاطه في جانب الإقتصاد، فقد بنى مدرسة لأبنائه وأحفاده وغيرهم من طلاب العلم، واستقدم لها المدرسين الاكفاء، وأرسل أبنائه للاستزادة من العلم، فرحلوا إلى اليمن والحجاز للقاء العلماء والأخذ عنهم حتى عرف كثير من أبنائه وأحفاده بسعة العلم وكثرة الاطلاع وحب الخير والتفاني في منفعة الناس، كما كانوا ألسنة الدعوة والارشاد في مناطق الساحل، ورسل السلام والإصلاح بين القبائل، ومثال الكرم وسماحة النفس إذا نزل بهم طارق أو زائر.

والواقع أن كرم الضيافة وحسن استقبال الغرباء من أشهر الصفات الخلقية الفاضلة التي امتاز بها أفراد هذه الأسرة في ساحل حضرموت وداخلها، فقد أعدوا في أكثر المدن والقرى التي يقيمون بها بيوتا للضيافة يطعم فيها المسافر أياما معلومة وضمنوا استمرارها بأوقاف تصدقوا بها لهذا الغرض، نذكر منها على سبيل المثال بيوت الضيافة في غيل باوزير والنقعة وريدة الجرهيين ورحبة ابن جنيد وفي وادي عدم وساه وحورة ووادي العين وجعيمة وعرف وغيرها.

وانقضت أربعون عاما منذ وضع الشيخ عبد الرحيم بن عمر حجر الأساس لهذه المدينة، كان فيها القانت العابد إذا جن الظلام، والعالم العامل إذا ارتفع النهار، لا يطغى فيها المسجد على المزرعة فيخل بشؤون دنيا، ولا تشغله المزرعة عن المسجد فتفسد عليه أمور دينه، وكان له فيما بين المزرعة والمسجد متسع من الوقت للإشراف على المدرسة ونشر العلم بين العامة واستقبال ضيوفه الذين لا ينقطعون، والإصلاح بين القبائل، إلى غير ذلك من أوجه النشاط الإجتماعي التي كان من بينها الدعاية لاستيطان هذه المنطقة والإفراج عن المياه المخزونة في جوفها بحفر العيون والقنوات لاستخدامها في زراعة تربتها الخصبة، وقد دفع لهذا الغرض ابن عمه محمد بن سعيد فحفر هو وأبناؤه عيون النقعة ووديكة وغيرها حتى صارت هذه المنطقة مروجا خضراء وجنانا عامرة بالنخيل والمزارع.

وهكذا كان للشيخ عبد الرحيم بن عمر في الإرشاد لسان، وفي العلم باع، وفي الإقتصاد يد، وفي العبادة قدم حتى وافاه أجله في منتصف شعبان سنة 747هـ، ودفن خارج مسجده بجانب الجدار الشرقي( داخل المسجد الآن ) ، وترك من الأولاد ثلاثة هم: سعيد وعثمان وأحمد ينتمي عليهم كل أفراد آل باوزير السكان في الغيل.
سيره مباركه راقت لي وان شاء الله تستفيدوا منها



نسب وشجرة قبيلة آل باوزير العباسيه

الجد الأكبر لآل الوزير "باوزير" هو الشريف محمد بن سالم بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي ( الوزير ) بن طراد ( النقيب العباسي الهاشمي ) ، المعروف الآن بمولى عرف لكونه عاش ودفن هناك ، وهو أول مولود عباسي من أسرة آل الوزير ولد بحضرموت، وهو الوارث الوحيد لآل يعقوب بن يوسف العباسي في تلك البلاد إذ أن لا عقب لذرية يعقوب بن يوسف إلا من ولده عبد الله وهو جد محمد بن سالم . وجميع آل باوزير في حضرموت و غيرها من البلدان من ذريته .
النسب الكامل: محمد بن سالم بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي الوزير بن طراد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الله الزينبي بن محمد بن إبراهيم الإمام بن الإمام محمد الكامل بن الإمام علي السجاد بن عبد الله ( حبر الأمة و ترجمان القرآن ) بن العباس ( ذو الرأي و عم النبي صلى الله عليه و سلم ) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
شجرة أسرة آل باوزيرمن كتاب البدر المنير
صفحة 49 - للشيخ مزاحم بن سالم باوزير
مطبعة التقدم العلمية بمصر- 1/6/1329 هـ

العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير أحد الرجال البارزين من أسرة حضرمية كبيرة لها تاريخها المجيد وآثارها الواضحة في ما جريات الأحوال في البلاد الحضرمية في مختلف العهود. ولهذه الأسرة الكبيرة قصة تبتدئ في بغداد عاصمة الخلفاء من بني العباس، وتتوالى وقائعها وحوادثها مسرعة في البصرة والكوفة وبلاد فارس و خرسان و تركستان، ثم في مكة والمدينة المنورة وجدة من أرض الحجاز، حتى إذا كان الجزء الأخير والخاص منها بحضرموت أخذت وقائع القصة وحوادثها تسير في بطء وفي شئ من الإسهاب والتفصيل يصرفنا عنه ضيق المقام.
في نهاية القرن الخامس الهجري أو بداية السادس ولد في بغداد يعقوب بن يوسف بن علي بن طراد، ومات أبوه يوسف وهو طفل لم يبلغ الحلم، فكفله جده علي بن طراد نقيب العباسيين ووزير الخليفتين المسترشد والمقتفي، وأشرف على تربيته وتعليمه حتى نال حظا كبيرا من العلم والمعرفة، وكان من بين أساتذته أبو الفتوح الغزالي أخو حجة الإسلام صاحب الإحياء والإمام السهروردي وأحمد الرفاعي وغيرهم من كبار رجال العلم والتصوف.
ثم أذن له جده في السفر إلى البصرة والكوفة والحجاز فأخذ عن علمائها وعاد إلى العراق مقيما في بغداد الجديدة للتدريس ونشر العلم مبتعدا عن قصور الخلفاء والوزراء، ناقما على ما آلت إليه الخلافة من ضعف وفساد وتزعزع واضطراب، واشتدت نقمته وتضاعف قلقه وتبرمه بالحالة عندما قبض الخليفة المسترشد على جده وأودعه السجن فرحل إلى بغداد القديمة واختفى هناك، ولما عاد جده وقبل وزارة الخليفة المقتفي سنة 531هـ أتى إليه ووعظه وحذره عاقبة الاتصال بالخلفاء المسلوبي الارادة المشتغلين بملذاتهم عن مهام الخلافة وواجباتها، فلم يلتفت إليه فتركه وشأنه ،وقد صح ما توقعه حفيد الوزير الكبير فتغير المقتفي على جده وهم بالقبض عليه فاحتمى منه في دار السلطان مسعود ثم لزم داره إلى أن مات سنة 538هـ.
ضاق يعقوب ذرعا ببغداد بعد وفاة جده ولم يستطع صبرا على الإقامة بها، واتفق مع أبنائه الثلاثة على الرحيل عنها فسار ابنه عمر إلى بخارى من أرض تركستان، وتوجه عبد الله إلى شيراز قصبة فارس حيث تزوج بكريمة أحد العباسيين هناك فأنجبت له ابنه سالما، أما هو فقد سافر إلى خراسان ومعه ابنه الثالث يوسف، ولكنهم عاودهم الحنين إلى العراق بعد سنوات قضوها في بلاد الأعاجم فعادوا إلى وطنهم سنة 549هـ .
ولم تكد تستقر أقدامهم في بغداد حتى أدركوا أنه لن يطيب لهم المقام في بلد اضطرب فيه الأمن واختلت فيه شؤون الحكم وتكاثرت فيه الفتن فصمموا على الهجرة، ويقال بأن بعض أصدقائهم أشار عليهم بالهجرة إلى أطراف اليمن ومن بينهم العلامة الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد كبار رجال التصوف في ذلك العهد، فقد قال لهم: ان أطراف اليمن أسلم للدين وأبعد عن الفتنة وأخف للمعيشة
كذلك كان يعرف أهل هذا البيت بآل الوزير، فقد كان رئيس هذه الأسرة علي بن طراد وزير الخليفتين المسترشد والمقتفي، قال الهمذاني: لم يل الوزارة عباسي سواه، وقال ابن كثير: لا يعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره، وقال الذهبي: كان صدرا مهيبا نبيلا كامل السؤدد، دقيق الفهم، بعيد النظر، ذا رأي وإقدام، فمن أجل ذلك دعيت هذه الأسرة بآل الوزير كما هو ظاهر.

هاجر آل الوزير من بغداد خفية متسترين قاصدين الحجاز لأداء فريضة الحج، فلما قضوا مناسكهم وزاروا المدينة المنورة اتجهوا إلى جدة حيث ركبوا سفينة شراعية كانت مسافرة إلى بلدان المحيط الهندي وبحر العرب، وشعر شيخ الأسرة يعقوب بن يوسف وهو في البحر بانحراف في صحته لازمه واشتد به حتى حاذت السفينة ساحل حضرموت فاختار أن ينزل في المكلا بجانب الكثيب الأبيض، وكانت قرية صغيرة لا توجد بها سوى أكواخ الصيادين المقيمين بها .

وأحس الشيخ بدنو أجله فجمع أبنائه الثلاثة وحفيده سالما وتحدث إليهم طويلا وأوصاهم بالتمسك بالتقوى والزهد والاجتهاد في طلب العلم ونشره والصبر على المشقات في الحياة ولزوم الاستقامة، وحذرهم من الكسل والكبر والعجب وطلب الشهرة، ثم أدركته الوفاة فقضى نحبه سنة 553هـ ودفن في الكثيب المعروف الآن في العاصمة بتربة يعقوب وضريحه مشهور يقصد بالزيارة حتى الآن وعليه قبة مرتفعة.

ولم تكن المكلا في ذلك العهد بدار إقامة لمثل آل الوزير فارتحلوا عنها إلى الشحر، وكانت إذ ذاك أكبر وأصلح مدينة على الساحل،فأقاموا بها واستوطنوها وتصدوا فيها للتدريس ونشر العلم ونفع الناس، فالتف حولهم الأهالي وأكرموا نزلهم لما عرفوا به من كرم الأخلاق وحسن السيرة.

وبينما كان يوسف بن يعقوب في أرض حجر يعلم الناس ويدعوهم إلى الله أدركته المنية فمات وقبر هناك، ومات أخوه عمر بعد برهة وجيزة فدفن بالخور غربي مدينة الشحر، واعتصم أخوهما عبد الله بالصبر لفقدهما ووجد في الانصراف إلى تربية ابنه سالم والاشتغال بتعليمه بعض السلوى عن فراق أخويه وعما كان يشعر به آلام الغربة.
قلنا إن عبد الله بن يعقوب عندما كان بشيراز من أرض فارس تزوج كريمة أحد أبناء عمومته من العباسيين ورزق منها بولد هو سالم بن عبد الله الذي قضت الأقدار بأن يولد في شيراز من عائلة بغدادية ثم يقضي شبابه وبقية حياته لا في العراق ولا في بلاد فارس ولكن في حضرموت موطن عاد وبلاد حمير وكنده .
أتم سالم بن عبد الله تعليمه في الشحر تحت إشراف والده، ثم أخذ ينتقل بإشارة منه بين البادية يعلمهم ويصلح ذات بينهم، وقد دفعه اختلاطه بالبدو إلى أن يتزوج بنت أحد رؤسائهم في قرية (عرف) وهي جميلة بنت أحمد بن علي رئيس قبيلة المسليين التي لم تلبث أن أنجبت له محمد بن سالم الجد الأعلى لآل باوزير المعروف الآن بمولى عرف لأنه عاش ودفن هناك.
ومحمد-مولى عرف- هذا هو الوارث الوحيد في حضرموت لأسرة آل الوزير المهاجرة من العراق والعباسي الأول الذي ولد بحضرموت من هذه العائلة، فقد توفي أخوا جده يوسف وعمر دون عقب وتوفي جده عبد الله بالشحر عن والده سالم فقط الذي مات بالجويب الواقعة بالقرب من حورة ولذلك اعتبر محمد بن سالم الجد الأول لآل باوزير وكان أحد كبار رجال التصوف في القرن السابع الهجري ومن أقران الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي والشيخ سعيد بن عيسى العمودي وله بهما صلة وثيقة، وقد توفي عن ثلاثة من الولد هم أبو بكر وسعيد وعمر وهذا الأخير هو والد الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزير .
وقد رأيت في رسالة خطية قديمة لدى أحد المشايخ في حورة أن من بين أساتذة الشيخ محمد بن سالم مولى عرف العلامة الإمام محمد بن علي صاحب مرباط والشيخ أحمد الهدهدي والشيخ أحمد البطين والعلامة الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي بزبيد في جملة من علماء اليمن، كما أخذ عن والده سالم وجده عبد الله بن يعقوب.
أما من أخذ عن الشيخ محمد بن سالم فقد ذكرت منهم هذه الرسالة: الشيخ علي بن سلم الحضرمي والإمام الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي الحب التريمي والشيخ سعد بن علي الظفاري والفقيه المقدم محمد بن علوي باعلوي والشيخ سفيان اليمني والشيخ أحمد بن الجعد والشيخ سعيد بن عيسى العمودي والشيخ سعيد بن عمر بلحاف والشيخ عبد الله بن محمد باعباد وغيرهم.
وتقول هذه الرسالة أن الشيخ محمد بن سالم تزوج في حورة بنت أستاذه العلامة الشيخ أحمد البطين بامزاحم باجابر فولدت له ابنه أبا بكر، أما ولداه الآخران فهما من زوجة أخرى
ولد ونشأ في حورة بين أخواله آل باجابر ودرس على أبيه محمد بن سالم – مولى عرف - علوم الشريعة والطريقة، ثم سار إلى اليمن واجتمع بمشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد بن حسين البجلي والشيخ محمد بن أبي بكر الحكمى وله معهما الصحبة الأكيدة والأخوة الرشيدة، وذهب إلى مكة ; والمدينة لأداء فريضة الحج والزيارة،ثم لطلب العلم والاجتماع بالعلماء، وقيل انه بقى يتردد بين الحرمين الشريفين للدراسة ما يقارب من أربع وثلاثين سنة حتى أخذ من جميع العلوم بالحظ الأوفى.

ولما عاد إلى وطنه ومسقط رأسه حورة عكف على العبادة ونشر العلم والتدريس والتذكير بالله والدعوة إلى الله، وأقبل الناس على الاستفادة منه حتى تخرج على يديه وانتفع به خلق كثير وكان إلى جانب نشاطه الديني والثقافي ذا بسطة في الجاه والمال استغلهما في الإحسان إلى الفقراء ومساعدة المحتاجين وإكرام الضعيف وصلة الأرحام،وقد اشترى الأطيان الواسعة والنخيل والبيوت وحفر الآبار لينتفع بمائها الناس وبنى مسجده المعروف الذي هو الآن جامع حورة ثم تصدق بجميع ما يملكه من العقار وقفا مؤبدا بعضه على مصالح المسجد والبعض الآخر للضيافة وإصلاح الآبار، فكان كل غريب ينزل بحورة يجد من وقف الشيخ أبي بكر نزولا يأو يه وطعاما يقدم إليه في وجبات محدودة، ولا تزال هذه الأوقاف موجودة حتى الآن وان كانت في حاجة إلى مزيد من الحفظ و****اية.

ولما كلمه أخواله آل باجابر في ذلك قائلين له: كيف تصدقت بجميع مالك؟ أتريد أن تترك ورثتك عالة على الناس, هلا تركت لهم ما يكفيهم. قال: تركت لهم ( نشر المال وفخذ النخل وقسمهم من العطب يكفيهم ستر العورة ) وقال هذا يكفيهم إذا اتقوا الله وصدقوا في معاملته وكان الشيخ أبو بكر يحتفظ بمكتبة كبيرة عامرة بالكتب في مختلف العلوم والفنون، وقد احتفظ بها وزاد عليها ابنه عبد الرحمن وأحفاده من بعده، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر هذا قوى الذاكرة سريع الحفظ، فكان يحفظ المحرر للرافعي وكثيرا من كتب الحديث، وله مشاركة في علوم الأدب والتفسير والمنطق حتى قيل أن والده قال عنه:" لو عاش عبد الرحمن طويلا لكان مجددا للمذهب" فمات رحمه الله في حياة والده وكانت زوجته حاملا فوضعت بعد وفاته ولدا ذكرا سماه والده عبد الرحمن بن عبد الرحمن، وهو والد صاحب الترجمة الذي عقدنا هذا الفصل لذكر جانب من سيرته وتاريخه.

صاحب الترجمة
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سالم. ولد بحورة ولم أقف على تاريخ ولادته ولكن من المؤكد أنه عاش في أول القرن التاسع الهجري وآخر القرن الثامن، فقد ثبت أنه لزم وصحب كثيرا من العلماء كلهم عاشوا في هذين القرنين. بدأ دراسته الدينية واللغوية في حورة على والده وأعمامه، ثم رحل للاستزادة من العلم إلى اليمن والحرمين الشريفين حيث لقي وأخذ عن جماعة كبيرة من مشاهير علماء اليمن والحجاز كما أخذ عن عدد من أقطاب الثقافة الإسلامية في العالم العربي ممن يردون إلى الحجاز أثناء موسم الحج.

وتذكر الرسالة التي اعتمدت عليها في بعض المعلومات هذه الترجمة من أساتذة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في الحجاز الإمام عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني ثم المكي والإمام المربى جمال الدين محمد بن سعيد كبن الطبري القرشي والشيخ محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الوهاب وأخيه عبد الواحد وفقيه المدينة ومحدثها أبو بكر المراغى وحافظ مكة الإمام محمد بن ظهيرة كما تذكر منهم الشهاب ابن العربي وتاج الدين السبكي والجلال البلقيني والجلال الاسنوي وذلك في زمن الحج وكذلك العلامة تقي الدين الحصني شارح أبي شجاع والشمس البرماوي والإمام أحمد بن العماد والشيخ الكازروني عالم المدينة وغير هؤلاء من العلماء الأعلام .

أما من أخذ عنهم من علماء اليمن فمنهم شرف الدين بن الصيف اليمني وشرف الدين المقري صاحب عنوان الشرف وجمال الدين الناشرى والعلامة مسعود بن سعد باشكيل وغيرهم. وللشيخ عبد الله بن عبد الرحمن –صاحب الترجمة- رسالة جمع فيها مشايخه اللذين أخذ عنهم وأسانيد أجارتهم له المتصلة بالإمام الشافعي مشايخه في علم الحديث المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كانت رحلاته الكثيرة إلى الخارج لطلب العلم ولقاء العلماء وقراآته العديدة في مختلف العلوم والفنون وتوفر الكتب لديه في مكتبة أجداده بحورة كل ذلك كان من بين الأسباب لغزارة علمه وتوسيع أفقه الثقافي ومشاركته في علوم الشريعة والأدب والتاريخ واللغة والمنطق وغيرها، وقد ذكرت الرسالة التي أشرت إليها سابقا مجموعة كبيرة من الكتب التي قرأها صاحب الترجمة في مقدمتها كتب الأئمة أبي إسحاق والرافعي والنووي والغزالي والسهروردي في الفقه والتصوف كما ذكرت طائفة أخرى من كتب التفسير والحديث لا حاجة لذكرها هنا.

ولما عاد إلى حورة من رحلاته العلمية تفرغ لنشر العلم والتذكير بالله والاتصال بعلماء القطر الحضرمي وصالحيه، وكانت له زيارات متعددة إلى تريم والشحر وغيل باوزير وغيرها من مدن البلاد الحضرمية وقراها، وكانت له صلة صهارة بالعلامة الكبير السيد عمر المحضار ابن عبد الرحمن السقاف، فقد تزوج المحضار أخت صاحب الترجمة فاطمة بنت عبد الرحمن وعاش معها في تريم، كما كان صاحب الترجمة على صلة وثيقة بالعلامة الإمام عبد الله بن أبي بكر العيدروس وكان كثير الإعجاب به والتقدير له وله في مناقبه كتاب سماه تحفة النفوس في مناقب العيدروس، وقد أشار صاحب المشرع الروى في مناقب السادة آل باعلوي إلى هذه الصلة بين العيدروس والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن فقال ما نصه باحرف الواحد:- وكان الإمام العارف بالله محمد بن علي صاحب عيديد وتاج العابدين سعد بن علي والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير مع الاتفاق على جلالة قدرهم وعلو منصبهم ممن لازم صحبته وأخذ عنه طريقته- انتهى، أما السيد علي بن أبي بكر السكران فقد عدّه من بين مشايخه وذكر اجازته له سنة 843هـ.

وقد ذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في كتابه تحفة النفوس أن الشيخ عبد الله بن أبي بكر العيدروس قدم إلى حورة وهو أي العيدروس إذ ذاك صغير السن ( لان العيدروس ولد سنة 811هـ ) فنزل ضيفا عليه، وقال إن السيد العيدروس قرأ عليه عدة كتب وطلب منه عقد الصحبة و المواخاة على طريقة أهل التصوف من السلف فأجابه إلى ذلك.
-----------------------
ابنه عمر
وقد توفي الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بعد حياة كريمة مليئة بالشرف والفضل وكرم الأخلاق ونشر العلم والإحسان إلى الناس والدعوة إلى الله وترك عدة أولاد أشهرهم وأجلهم ابنه عمر بن عبد الله الذي سماه والده بهذا الاسم بإشارة من السيد عمر المحضار، ونحن ننقل هنا بتصرف من الترجمة التي أوردتها له الرسالة المشار إليها آنفا ما يكفي في التعريف به، قالت:-
ولد بحورة ونشأ بها وتعلم القرآن مع المعلم محمد باصادق، ثم حفظه وأتقنه على القرآت السبع تحت إرشاد والده وجماعة من الصلحاء والحفاظ، حتى كان يقال له المقرئ، ودرس علوم الشريعة على والده وأعمامه وغيرهم من كبار العلماء العارفين.
فقرأ على والده المنهاج للنووي والتنبيه لأبي إسحاق والعمدة لابن النقيب والمحرر للرافعي وجملة رسائل في علم التصوف، كما قرأ على والده أيضا كتاب الأحياء للإمام حجة الإسلام الغزالي وعوارف المعارف للسهروردي وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وقرأ الأحياء أيضا على السيد عبد الرحمن بن أبي بكر العيدروس وعلى السيد عمر المحضار منهاج العابدين للغزالي، والمقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وكيمياء السعادة للغزالي أيضا، وعلى السيد أبي بكر بن عبد الرحمن السقاف بداية الهداية، وقرأ رسالة القشيري على الشيخ فارس باقيس وعلى السيد عبد الله بن أبي بكر العيدروس جملة رسائل في علوم الطريقة والحقيقة، وقد أجازه الجميع في العلوم والاذكار واذنوا له بالتدريس والإفتاء،
وكان كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث، وإن كان جل مطالعته في كتب التصوف والرقائق
وكان الشيخ عمر من أكثر الناس احتمالا وأشدهم صبرا وأحسنهم صفحا وأوسعهم صدرا، إن قطع وصل وإن ظلم عدل وإن نصح فبالتي هي أحسن وإن وعظ أبكى وأحزن، وقد ابتلي بكثير من الحساد فصبر على أذاهم، وفي ذلك يقول تلميذه العلامة الشاعر الصوفي الكبير الشيخ عمر بامخرمة في مطلع قصيدة مثبتة في ديوانه المخطوط:-
باوزير إن جفى جافى وجاء منه أجناف
إلى آخرها
وفي مطلع قصيدة أخرى:-
باوزير إن رماك العوف بالجور واحنف
وفي هاتين القصديتين يشير الشيخ عمر بامخرمة إلى ما لقى الشيخ عمر باوزير من عداوة الحساد وصيره عليهم، وقد عده الشيخ عمر بامخرمة من كبار مشايخه الذين اعتمد عليهم في الطريق إلى الله، وكانوا أربعة من المشهورين بالتقوى والولاية ذكر ثلاثة منهم في إحدى قصائده وقال عن الرابع:-
والرابع هو قال لي لا تظهر اسمي
يعني بذلك الشيخ عمر بن عبد الله باوزير
وكان من أبرز أخلاقه الحميدة الكرم والسخاء، فكان يعطي الجزل ويداوم على البذل وينفق في جميع أوجه البر وخصوصا في الأوقات الفاضلة كرمضان والأعياد الدينية وأوقات المجاعة والإسنات، ويخص الفقراء والأيتام والأرامل والأرحام بمزيد من ****اية، وربما وردت إليه أموال كثيرة فيأتي المساء وليس له منها العشاء.
روى خادمه أحمد بن صالح بازياد قال جئت أنا ووالدي ذات يوم قاصدين الشيخ عمر في وقت مجاعة والحبوب غير موجودة فوجدنا بيته غاصا بالضيوف والزوار وقلت لوالدي الأولى أن نعود فإن بيت الشيخ مزدحم(والوقت حان والطعام غير موجود) وبقيت أحسن لوالدي الرجوع ونحن في أشد الفاقة، فإذا بسيدي عمر يدعونا للدخول ويقول: تعالوا احضروا مجلس المحبين، وما عليكم من باقي الأمور فهي صالحة، فدخلنا عليه وهو يتحدث مع أضيافه فرحا مستبشرا، فقلت في نفسي: سبحان الله، الشيخ في هذه الأوقات الحرجة يضحك وأنا عالم بحاله. فأنشدنا:-
لا يرفع الضيف رأسا في منازلنا إلا إلى الضاحك منا ومبتسم
فقلت زدني يا سيدي. قال: أما سمعت قول الشاعر؟قلت وماذا قال؟ قال سأكتب لك في قرطاس حتى لا يسمع أحد، فكتب:-
أضاحك ضيفي قبل أنزال رحـله ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للاضياف أن تكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
ولم نلبث كثيرا حتى قدم الأكل وهو من البر والذرة والرز واللحم فأكلنا مع الأضياف حتى شبعوا وشبعنا، ثم قلت للشيخ : ليس المحل جديبا، ولكنه خصيب ووجهك أخصب منه، فقال: الحمد لله الذي تفضل على عباده بالنعم وأراد منهم الشكر، ثم تكلم حتى بكى وأبكى. انتهى.
وكان الشيخ عمر ذا جاه واسع لدى كثير من قبائل الجهة الحضرمية، وكلمة نافذة عند عاهل حضرموت الكبير في القرن العاشر الهجري السلطان بدر أبي طويرق الكثيري، وقد حدث سنة 937هـ أن جملة فخائذ من بني هلال في مدينة هينن ومصنعتها المسماة (فرحة) يقال لهم آل النمر وآل الفشر وآل باقار وآل العمري وغيرهم، ومن مذحج ونهد، كانوا ينهبون رعايا السلطان أبى طويرق ويتحرشون به فغزاهم أبو طويرق بجيش كبير قوامه ألف جندي من الخيالة والهجانة والرجالة ودامت الحرب مدة انتهت بهزيمة أعداء السلطان وانكسارهم، فالتجأوا إلى الشيخ عمر بن عبد الله وطلبوا منه أن يتوسط لدى أبي طويرق في عقد معاهدة بينه وبينهم يعلنون فيها طاعتهم له على أن يبقيهم في محلاتهم ومنطقتهم.
واتصل الشيخ عمر بالسلطان فوافق على إعطائهم الأمان، ولكنه رأى أن بقائهم مجتمعين في محل واحد خطر يهدد كيان السلطنة الكثيرية، وعرض على الشيخ عمر أن يقنعهم بوجوب التفرق من هينن إلى محلات أخرى فقبلوا، وتم الصلح على ذلك.
وأراد السلطان أبو طويرق أن يكافئ الشيخ عمر على صنيعه هذا ومجهوداته في هذا السبيل مكافأة مادية فرفض وطلب من السلطان أن يأمر برفع جميع العشرات الحكومية عنه وأن لا تؤخذ منه زكاة، بل يتولى توزيعها هو بنفسه، وان تقبل شفاعته هو وأولاده في كل من يحبس في مصنعة هينن فأجابه السلطان إلى ذلك وكتب له وثيقة بما طلب هذا نصها:-
بسم الله الرحمن الرحيم
{ ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم }. أما بعد فليعلم الواقف على هذه الرقعة المحررة بأن سيدي ومولاي وملاذي وملجأي وعمادي الشيخ الأجل الفاضل الولي الكامل العالم العامل الشيخ عمر ابن الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ابن الشيخ الكبير أبي بكر بن محمد بن سالم باوزير مجللا ومكرما و محشما ومعظما ومجبرا في جميع أملاكنا بحرا وبرا هو وأولاده وذريته من يومنا هذا إلى يوم الدين، ليس عليهم عشر ولا زكاة ولا شئ من القوانين التي للديوان في طالع ونازل من البحر والبر، ولا يفرق عليهم الفارق ولا يحرسهم الحارس ولا يطوف عليهم الطائف، بل مجبرين في جميع أملا كنا بحرا وبرا من كل ما هو للديوان من القوانين والقواعد المعتادة، وكذلك لهم الشفع في كل من حبس في مصنعة هينن شفاعتهم غير مردودة، ومن تعدى أو خالف جميع ما ذكر فلا يلوم إلا نفسه ولا ينال إلا خسره وبخسه. قال ذلك وأملاه وأقر به الفقير إلى الله

بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده
وفي هذه الوثيقة توقيعات سبعة من الشهود هم عمر بن عبد الله بامخرمة وعبد الصمد باكثير وأحمد بن عبد الله باكثير وأحمد بن سهل بن إسحاق ومحسون بن عامر بن إسحاق وعبد الله بن أحمد باجسير وأحمد بن ليث باجابر.
وللشيخ عمر شعر شيق يكتبه باللغة الدارجة القريبة من الفصحى، من هذه الأبيات من قصيدة طويلة قالها بمناسبة تجمع وإلى المخينيق علي بن ظفر وأهل السور والمقاريم والظلفان لمعارضته في عمارة ضمير (الضمير في عرف أهل حضرموت السد يقام في مجرى السيل للتحكم فيه وتحويل الماء إلى الأرض التي يراد سقيها) حورة، وقد انتصر للشيخ عمر أتباعه من نهد ونشبت معركة حربية بين الفريقين انتصر فيها الشيخ عمر وفي ذلك يقول:-
ويوم قمنا في الوادي جاروا علينا في الطغيان
أهل المخانيق وأهل السور بنهب والسلب باللصان
وخوفوا من سكن حورة جميعهم وأرض الشيطان
العدن من بطلهم شارب ونخل حورة بقى عطشان
على بن ظفر قام وأصحابه رماهم الله بالخذلان
إلى أن قال:-
وأولاد عامر معي قاموا بصدق نية بنو قحطان
ثابت ومسعر وبن مسعر وبن مزعزع أبو الحكمان
وآل الطويل الذي طالوا هم وآل عبد الله الغلمان
وأصحابهم آل بن مدرك والرأس ثابت أبو روضان
وآل عجاج قد سعدوا صبيانهم هم ويا الشبان
قاموا معي صدق بالنيه جميعهم بالهنا فرحان
مؤسس غيل باوزير
عرضنا فيما سبق لجانب من تاريخ بعض أحفاد الشيخ أبي بكر بن محمد سكان حورة ونريد أن نذكر في ختام هذا الفصل التاريخي عن آل باوزير موجزا عن تاريخ أخويه سعيد بن محمد وعمر بن محمد وأبنائهما.

توفى الشيخ سعيد بن محمد بحورة عن سبعة أبناء أشهرهم محمد بن سعيد جد أهل النقعة الساحلية وقبره في غيل باوزير،وله ولد يدعى أحمد بن محمد وهو أول من قبر بالنقعة وانتشرت ذريته بها ولهم فيها صدقات وأوقاف للضيافة ومصالح المسجد الجامع الذي بني على طريقة غريبة لم يحتج معها إلى الإستعانة بالأخشاب في سقفه، وتوجد لديهم مخطوطات قديمة بعضها لايزال موجودا حتى الآن.

ومن أشهر أحفاد الشيخ سعيد بن محمد مولى عرف العلامة المحن الكبير الشيخ عبد الرحيم بن عبد الله بن سعيد صاحب ساه و مؤسس المسجد الجامع بها وصاحب الصدقات وأوقاف الضيافة العامة في هذه المنطقة. وله ذرية بساه يقال لهم آل الشيخ .

أما عمر بن محمد فهو الذي بنى الغيل الأسفل سنة 656هـ، والتي تعرف الآن بغيل عمر ومؤسس المسجد فيها، وقد لزم وصحب الأستاذ الكبير عبد الله باعلوي ابن الفقيه المقدم، ويعتبر من أخص مشايخه، وكانت وفاته بالغيل الأسفل سنة 721هـ وهو والد العلامة الإمام الفقيه الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزير المشهورة، والذي كان من أبنائه وأحفاده جماعة كبيرة عرفت بالعلم والفضل والصلاح.

وتقول المصادر التي بين أيدينا أن الشيخ عبد الرحيم بن عمر قدم إلى الساحل سنة 706هـ باحثا عن المنطقة الصالحة للإقامة له ولعقبه من بعده، فوقع اختياره على البقعة التي تدعى الآن بغيل باوزير، وقد بنى بها أول منزل لسكناه غربي مسجده الجامع المشهور، ثم حفر في الناحية الشمالية للمسجد غير بعيد منه اشهر العيون بها والتي كانت ولا تزال تروي مساحات واسعة من النخيل والأراضي المزروعة جنوب مدينة الغيل، وتجمعت لديه ثروة مكنته من أن يشتري عقارات وأطيانا واسعة في الخربة والبقرين وغيرها من ضواحي المكلا تصدق بها جميعا، مع أكثر ما يملك في الغيل كوقف دائم تصرف غلته في مصالح المسجد والضيافة وتوزع منه في مناسبات دينية وأعياد خاصة صدقات على الطريقة التي اشترطها هو، وقد أضاف أبناؤه من بعده أوقافا إلى هذا الوقف حتى أصبح الآن يقدر محصوله بما لا يقل عن خمسة عشر ألف شلن سنويا. ولم يكن نشاطه في الناحية الثقافية بأقل من نشاطه في جانب الإقتصاد، فقد بنى مدرسة لأبنائه وأحفاده وغيرهم من طلاب العلم، واستقدم لها المدرسين الاكفاء، وأرسل أبنائه للاستزادة من العلم، فرحلوا إلى اليمن والحجاز للقاء العلماء والأخذ عنهم حتى عرف كثير من أبنائه وأحفاده بسعة العلم وكثرة الاطلاع وحب الخير والتفاني في منفعة الناس، كما كانوا ألسنة الدعوة والارشاد في مناطق الساحل، ورسل السلام والإصلاح بين القبائل، ومثال الكرم وسماحة النفس إذا نزل بهم طارق أو زائر.

والواقع أن كرم الضيافة وحسن استقبال الغرباء من أشهر الصفات الخلقية الفاضلة التي امتاز بها أفراد هذه الأسرة في ساحل حضرموت وداخلها، فقد أعدوا في أكثر المدن والقرى التي يقيمون بها بيوتا للضيافة يطعم فيها المسافر أياما معلومة وضمنوا استمرارها بأوقاف تصدقوا بها لهذا الغرض، نذكر منها على سبيل المثال بيوت الضيافة في غيل باوزير والنقعة وريدة الجرهيين ورحبة ابن جنيد وفي وادي عدم وساه وحورة ووادي العين وجعيمة وعرف وغيرها.

وانقضت أربعون عاما منذ وضع الشيخ عبد الرحيم بن عمر حجر الأساس لهذه المدينة، كان فيها القانت العابد إذا جن الظلام، والعالم العامل إذا ارتفع النهار، لا يطغى فيها المسجد على المزرعة فيخل بشؤون دنيا، ولا تشغله المزرعة عن المسجد فتفسد عليه أمور دينه، وكان له فيما بين المزرعة والمسجد متسع من الوقت للإشراف على المدرسة ونشر العلم بين العامة واستقبال ضيوفه الذين لا ينقطعون، والإصلاح بين القبائل، إلى غير ذلك من أوجه النشاط الإجتماعي التي كان من بينها الدعاية لاستيطان هذه المنطقة والإفراج عن المياه المخزونة في جوفها بحفر العيون والقنوات لاستخدامها في زراعة تربتها الخصبة، وقد دفع لهذا الغرض ابن عمه محمد بن سعيد فحفر هو وأبناؤه عيون النقعة ووديكة وغيرها حتى صارت هذه المنطقة مروجا خضراء وجنانا عامرة بالنخيل والمزارع.

وهكذا كان للشيخ عبد الرحيم بن عمر في الإرشاد لسان، وفي العلم باع، وفي الإقتصاد يد، وفي العبادة قدم حتى وافاه أجله في منتصف شعبان سنة 747هـ، ودفن خارج مسجده بجانب الجدار الشرقي( داخل المسجد الآن ) ، وترك من الأولاد ثلاثة هم: سعيد وعثمان وأحمد ينتمي عليهم كل أفراد آل باوزير السكان في الغيل.
سيره مباركه راقت لي وان شاء الله تستفيدوا منها



نسب وشجرة قبيلة آل باوزير العباسيه

الجد الأكبر لآل الوزير "باوزير" هو الشريف محمد بن سالم بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي ( الوزير ) بن طراد ( النقيب العباسي الهاشمي ) ، المعروف الآن بمولى عرف لكونه عاش ودفن هناك ، وهو أول مولود عباسي من أسرة آل الوزير ولد بحضرموت، وهو الوارث الوحيد لآل يعقوب بن يوسف العباسي في تلك البلاد إذ أن لا عقب لذرية يعقوب بن يوسف إلا من ولده عبد الله وهو جد محمد بن سالم . وجميع آل باوزير في حضرموت و غيرها من البلدان من ذريته .
النسب الكامل: محمد بن سالم بن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي الوزير بن طراد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الله الزينبي بن محمد بن إبراهيم الإمام بن الإمام محمد الكامل بن الإمام علي السجاد بن عبد الله ( حبر الأمة و ترجمان القرآن ) بن العباس ( ذو الرأي و عم النبي صلى الله عليه و سلم ) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
شجرة أسرة آل باوزيرمن كتاب البدر المنير
صفحة 49 - للشيخ مزاحم بن سالم باوزير
مطبعة التقدم العلمية بمصر- 1/6/1329 هـ

العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير أحد الرجال البارزين من أسرة حضرمية كبيرة لها تاريخها المجيد وآثارها الواضحة في ما جريات الأحوال في البلاد الحضرمية في مختلف العهود. ولهذه الأسرة الكبيرة قصة تبتدئ في بغداد عاصمة الخلفاء من بني العباس، وتتوالى وقائعها وحوادثها مسرعة في البصرة والكوفة وبلاد فارس و خرسان و تركستان، ثم في مكة والمدينة المنورة وجدة من أرض الحجاز، حتى إذا كان الجزء الأخير والخاص منها بحضرموت أخذت وقائع القصة وحوادثها تسير في بطء وفي شئ من الإسهاب والتفصيل يصرفنا عنه ضيق المقام.
في نهاية القرن الخامس الهجري أو بداية السادس ولد في بغداد يعقوب بن يوسف بن علي بن طراد، ومات أبوه يوسف وهو طفل لم يبلغ الحلم، فكفله جده علي بن طراد نقيب العباسيين ووزير الخليفتين المسترشد والمقتفي، وأشرف على تربيته وتعليمه حتى نال حظا كبيرا من العلم والمعرفة، وكان من بين أساتذته أبو الفتوح الغزالي أخو حجة الإسلام صاحب الإحياء والإمام السهروردي وأحمد الرفاعي وغيرهم من كبار رجال العلم والتصوف.
ثم أذن له جده في السفر إلى البصرة والكوفة والحجاز فأخذ عن علمائها وعاد إلى العراق مقيما في بغداد الجديدة للتدريس ونشر العلم مبتعدا عن قصور الخلفاء والوزراء، ناقما على ما آلت إليه الخلافة من ضعف وفساد وتزعزع واضطراب، واشتدت نقمته وتضاعف قلقه وتبرمه بالحالة عندما قبض الخليفة المسترشد على جده وأودعه السجن فرحل إلى بغداد القديمة واختفى هناك، ولما عاد جده وقبل وزارة الخليفة المقتفي سنة 531هـ أتى إليه ووعظه وحذره عاقبة الاتصال بالخلفاء المسلوبي الارادة المشتغلين بملذاتهم عن مهام الخلافة وواجباتها، فلم يلتفت إليه فتركه وشأنه ،وقد صح ما توقعه حفيد الوزير الكبير فتغير المقتفي على جده وهم بالقبض عليه فاحتمى منه في دار السلطان مسعود ثم لزم داره إلى أن مات سنة 538هـ.
ضاق يعقوب ذرعا ببغداد بعد وفاة جده ولم يستطع صبرا على الإقامة بها، واتفق مع أبنائه الثلاثة على الرحيل عنها فسار ابنه عمر إلى بخارى من أرض تركستان، وتوجه عبد الله إلى شيراز قصبة فارس حيث تزوج بكريمة أحد العباسيين هناك فأنجبت له ابنه سالما، أما هو فقد سافر إلى خراسان ومعه ابنه الثالث يوسف، ولكنهم عاودهم الحنين إلى العراق بعد سنوات قضوها في بلاد الأعاجم فعادوا إلى وطنهم سنة 549هـ .
ولم تكد تستقر أقدامهم في بغداد حتى أدركوا أنه لن يطيب لهم المقام في بلد اضطرب فيه الأمن واختلت فيه شؤون الحكم وتكاثرت فيه الفتن فصمموا على الهجرة، ويقال بأن بعض أصدقائهم أشار عليهم بالهجرة إلى أطراف اليمن ومن بينهم العلامة الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد كبار رجال التصوف في ذلك العهد، فقد قال لهم: ان أطراف اليمن أسلم للدين وأبعد عن الفتنة وأخف للمعيشة
كذلك كان يعرف أهل هذا البيت بآل الوزير، فقد كان رئيس هذه الأسرة علي بن طراد وزير الخليفتين المسترشد والمقتفي، قال الهمذاني: لم يل الوزارة عباسي سواه، وقال ابن كثير: لا يعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره، وقال الذهبي: كان صدرا مهيبا نبيلا كامل السؤدد، دقيق الفهم، بعيد النظر، ذا رأي وإقدام، فمن أجل ذلك دعيت هذه الأسرة بآل الوزير كما هو ظاهر.

هاجر آل الوزير من بغداد خفية متسترين قاصدين الحجاز لأداء فريضة الحج، فلما قضوا مناسكهم وزاروا المدينة المنورة اتجهوا إلى جدة حيث ركبوا سفينة شراعية كانت مسافرة إلى بلدان المحيط الهندي وبحر العرب، وشعر شيخ الأسرة يعقوب بن يوسف وهو في البحر بانحراف في صحته لازمه واشتد به حتى حاذت السفينة ساحل حضرموت فاختار أن ينزل في المكلا بجانب الكثيب الأبيض، وكانت قرية صغيرة لا توجد بها سوى أكواخ الصيادين المقيمين بها .

وأحس الشيخ بدنو أجله فجمع أبنائه الثلاثة وحفيده سالما وتحدث إليهم طويلا وأوصاهم بالتمسك بالتقوى والزهد والاجتهاد في طلب العلم ونشره والصبر على المشقات في الحياة ولزوم الاستقامة، وحذرهم من الكسل والكبر والعجب وطلب الشهرة، ثم أدركته الوفاة فقضى نحبه سنة 553هـ ودفن في الكثيب المعروف الآن في العاصمة بتربة يعقوب وضريحه مشهور يقصد بالزيارة حتى الآن وعليه قبة مرتفعة.

ولم تكن المكلا في ذلك العهد بدار إقامة لمثل آل الوزير فارتحلوا عنها إلى الشحر، وكانت إذ ذاك أكبر وأصلح مدينة على الساحل،فأقاموا بها واستوطنوها وتصدوا فيها للتدريس ونشر العلم ونفع الناس، فالتف حولهم الأهالي وأكرموا نزلهم لما عرفوا به من كرم الأخلاق وحسن السيرة.

وبينما كان يوسف بن يعقوب في أرض حجر يعلم الناس ويدعوهم إلى الله أدركته المنية فمات وقبر هناك، ومات أخوه عمر بعد برهة وجيزة فدفن بالخور غربي مدينة الشحر، واعتصم أخوهما عبد الله بالصبر لفقدهما ووجد في الانصراف إلى تربية ابنه سالم والاشتغال بتعليمه بعض السلوى عن فراق أخويه وعما كان يشعر به آلام الغربة.
قلنا إن عبد الله بن يعقوب عندما كان بشيراز من أرض فارس تزوج كريمة أحد أبناء عمومته من العباسيين ورزق منها بولد هو سالم بن عبد الله الذي قضت الأقدار بأن يولد في شيراز من عائلة بغدادية ثم يقضي شبابه وبقية حياته لا في العراق ولا في بلاد فارس ولكن في حضرموت موطن عاد وبلاد حمير وكنده .
أتم سالم بن عبد الله تعليمه في الشحر تحت إشراف والده، ثم أخذ ينتقل بإشارة منه بين البادية يعلمهم ويصلح ذات بينهم، وقد دفعه اختلاطه بالبدو إلى أن يتزوج بنت أحد رؤسائهم في قرية (عرف) وهي جميلة بنت أحمد بن علي رئيس قبيلة المسليين التي لم تلبث أن أنجبت له محمد بن سالم الجد الأعلى لآل باوزير المعروف الآن بمولى عرف لأنه عاش ودفن هناك.
ومحمد-مولى عرف- هذا هو الوارث الوحيد في حضرموت لأسرة آل الوزير المهاجرة من العراق والعباسي الأول الذي ولد بحضرموت من هذه العائلة، فقد توفي أخوا جده يوسف وعمر دون عقب وتوفي جده عبد الله بالشحر عن والده سالم فقط الذي مات بالجويب الواقعة بالقرب من حورة ولذلك اعتبر محمد بن سالم الجد الأول لآل باوزير وكان أحد كبار رجال التصوف في القرن السابع الهجري ومن أقران الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي والشيخ سعيد بن عيسى العمودي وله بهما صلة وثيقة، وقد توفي عن ثلاثة من الولد هم أبو بكر وسعيد وعمر وهذا الأخير هو والد الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزير .
وقد رأيت في رسالة خطية قديمة لدى أحد المشايخ في حورة أن من بين أساتذة الشيخ محمد بن سالم مولى عرف العلامة الإمام محمد بن علي صاحب مرباط والشيخ أحمد الهدهدي والشيخ أحمد البطين والعلامة الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرمي بزبيد في جملة من علماء اليمن، كما أخذ عن والده سالم وجده عبد الله بن يعقوب.
أما من أخذ عن الشيخ محمد بن سالم فقد ذكرت منهم هذه الرسالة: الشيخ علي بن سلم الحضرمي والإمام الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي الحب التريمي والشيخ سعد بن علي الظفاري والفقيه المقدم محمد بن علوي باعلوي والشيخ سفيان اليمني والشيخ أحمد بن الجعد والشيخ سعيد بن عيسى العمودي والشيخ سعيد بن عمر بلحاف والشيخ عبد الله بن محمد باعباد وغيرهم.
وتقول هذه الرسالة أن الشيخ محمد بن سالم تزوج في حورة بنت أستاذه العلامة الشيخ أحمد البطين بامزاحم باجابر فولدت له ابنه أبا بكر، أما ولداه الآخران فهما من زوجة أخرى
ولد ونشأ في حورة بين أخواله آل باجابر ودرس على أبيه محمد بن سالم – مولى عرف - علوم الشريعة والطريقة، ثم سار إلى اليمن واجتمع بمشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد بن حسين البجلي والشيخ محمد بن أبي بكر الحكمى وله معهما الصحبة الأكيدة والأخوة الرشيدة، وذهب إلى مكة ; والمدينة لأداء فريضة الحج والزيارة،ثم لطلب العلم والاجتماع بالعلماء، وقيل انه بقى يتردد بين الحرمين الشريفين للدراسة ما يقارب من أربع وثلاثين سنة حتى أخذ من جميع العلوم بالحظ الأوفى.

ولما عاد إلى وطنه ومسقط رأسه حورة عكف على العبادة ونشر العلم والتدريس والتذكير بالله والدعوة إلى الله، وأقبل الناس على الاستفادة منه حتى تخرج على يديه وانتفع به خلق كثير وكان إلى جانب نشاطه الديني والثقافي ذا بسطة في الجاه والمال استغلهما في الإحسان إلى الفقراء ومساعدة المحتاجين وإكرام الضعيف وصلة الأرحام،وقد اشترى الأطيان الواسعة والنخيل والبيوت وحفر الآبار لينتفع بمائها الناس وبنى مسجده المعروف الذي هو الآن جامع حورة ثم تصدق بجميع ما يملكه من العقار وقفا مؤبدا بعضه على مصالح المسجد والبعض الآخر للضيافة وإصلاح الآبار، فكان كل غريب ينزل بحورة يجد من وقف الشيخ أبي بكر نزولا يأو يه وطعاما يقدم إليه في وجبات محدودة، ولا تزال هذه الأوقاف موجودة حتى الآن وان كانت في حاجة إلى مزيد من الحفظ و****اية.

ولما كلمه أخواله آل باجابر في ذلك قائلين له: كيف تصدقت بجميع مالك؟ أتريد أن تترك ورثتك عالة على الناس, هلا تركت لهم ما يكفيهم. قال: تركت لهم ( نشر المال وفخذ النخل وقسمهم من العطب يكفيهم ستر العورة ) وقال هذا يكفيهم إذا اتقوا الله وصدقوا في معاملته وكان الشيخ أبو بكر يحتفظ بمكتبة كبيرة عامرة بالكتب في مختلف العلوم والفنون، وقد احتفظ بها وزاد عليها ابنه عبد الرحمن وأحفاده من بعده، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر هذا قوى الذاكرة سريع الحفظ، فكان يحفظ المحرر للرافعي وكثيرا من كتب الحديث، وله مشاركة في علوم الأدب والتفسير والمنطق حتى قيل أن والده قال عنه:" لو عاش عبد الرحمن طويلا لكان مجددا للمذهب" فمات رحمه الله في حياة والده وكانت زوجته حاملا فوضعت بعد وفاته ولدا ذكرا سماه والده عبد الرحمن بن عبد الرحمن، وهو والد صاحب الترجمة الذي عقدنا هذا الفصل لذكر جانب من سيرته وتاريخه.

صاحب الترجمة
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سالم. ولد بحورة ولم أقف على تاريخ ولادته ولكن من المؤكد أنه عاش في أول القرن التاسع الهجري وآخر القرن الثامن، فقد ثبت أنه لزم وصحب كثيرا من العلماء كلهم عاشوا في هذين القرنين. بدأ دراسته الدينية واللغوية في حورة على والده وأعمامه، ثم رحل للاستزادة من العلم إلى اليمن والحرمين الشريفين حيث لقي وأخذ عن جماعة كبيرة من مشاهير علماء اليمن والحجاز كما أخذ عن عدد من أقطاب الثقافة الإسلامية في العالم العربي ممن يردون إلى الحجاز أثناء موسم الحج.

وتذكر الرسالة التي اعتمدت عليها في بعض المعلومات هذه الترجمة من أساتذة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في الحجاز الإمام عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني ثم المكي والإمام المربى جمال الدين محمد بن سعيد كبن الطبري القرشي والشيخ محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الوهاب وأخيه عبد الواحد وفقيه المدينة ومحدثها أبو بكر المراغى وحافظ مكة الإمام محمد بن ظهيرة كما تذكر منهم الشهاب ابن العربي وتاج الدين السبكي والجلال البلقيني والجلال الاسنوي وذلك في زمن الحج وكذلك العلامة تقي الدين الحصني شارح أبي شجاع والشمس البرماوي والإمام أحمد بن العماد والشيخ الكازروني عالم المدينة وغير هؤلاء من العلماء الأعلام .

أما من أخذ عنهم من علماء اليمن فمنهم شرف الدين بن الصيف اليمني وشرف الدين المقري صاحب عنوان الشرف وجمال الدين الناشرى والعلامة مسعود بن سعد باشكيل وغيرهم. وللشيخ عبد الله بن عبد الرحمن –صاحب الترجمة- رسالة جمع فيها مشايخه اللذين أخذ عنهم وأسانيد أجارتهم له المتصلة بالإمام الشافعي مشايخه في علم الحديث المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد كانت رحلاته الكثيرة إلى الخارج لطلب العلم ولقاء العلماء وقراآته العديدة في مختلف العلوم والفنون وتوفر الكتب لديه في مكتبة أجداده بحورة كل ذلك كان من بين الأسباب لغزارة علمه وتوسيع أفقه الثقافي ومشاركته في علوم الشريعة والأدب والتاريخ واللغة والمنطق وغيرها، وقد ذكرت الرسالة التي أشرت إليها سابقا مجموعة كبيرة من الكتب التي قرأها صاحب الترجمة في مقدمتها كتب الأئمة أبي إسحاق والرافعي والنووي والغزالي والسهروردي في الفقه والتصوف كما ذكرت طائفة أخرى من كتب التفسير والحديث لا حاجة لذكرها هنا.

ولما عاد إلى حورة من رحلاته العلمية تفرغ لنشر العلم والتذكير بالله والاتصال بعلماء القطر الحضرمي وصالحيه، وكانت له زيارات متعددة إلى تريم والشحر وغيل باوزير وغيرها من مدن البلاد الحضرمية وقراها، وكانت له صلة صهارة بالعلامة الكبير السيد عمر المحضار ابن عبد الرحمن السقاف، فقد تزوج المحضار أخت صاحب الترجمة فاطمة بنت عبد الرحمن وعاش معها في تريم، كما كان صاحب الترجمة على صلة وثيقة بالعلامة الإمام عبد الله بن أبي بكر العيدروس وكان كثير الإعجاب به والتقدير له وله في مناقبه كتاب سماه تحفة النفوس في مناقب العيدروس، وقد أشار صاحب المشرع الروى في مناقب السادة آل باعلوي إلى هذه الصلة بين العيدروس والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن فقال ما نصه باحرف الواحد:- وكان الإمام العارف بالله محمد بن علي صاحب عيديد وتاج العابدين سعد بن علي والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير مع الاتفاق على جلالة قدرهم وعلو منصبهم ممن لازم صحبته وأخذ عنه طريقته- انتهى، أما السيد علي بن أبي بكر السكران فقد عدّه من بين مشايخه وذكر اجازته له سنة 843هـ.

وقد ذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في كتابه تحفة النفوس أن الشيخ عبد الله بن أبي بكر العيدروس قدم إلى حورة وهو أي العيدروس إذ ذاك صغير السن ( لان العيدروس ولد سنة 811هـ ) فنزل ضيفا عليه، وقال إن السيد العيدروس قرأ عليه عدة كتب وطلب منه عقد الصحبة و المواخاة على طريقة أهل التصوف من السلف فأجابه إلى ذلك.
-----------------------
ابنه عمر
وقد توفي الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بعد حياة كريمة مليئة بالشرف والفضل وكرم الأخلاق ونشر العلم والإحسان إلى الناس والدعوة إلى الله وترك عدة أولاد أشهرهم وأجلهم ابنه عمر بن عبد الله الذي سماه والده بهذا الاسم بإشارة من السيد عمر المحضار، ونحن ننقل هنا بتصرف من الترجمة التي أوردتها له الرسالة المشار إليها آنفا ما يكفي في التعريف به، قالت:-
ولد بحورة ونشأ بها وتعلم القرآن مع المعلم محمد باصادق، ثم حفظه وأتقنه على القرآت السبع تحت إرشاد والده وجماعة من الصلحاء والحفاظ، حتى كان يقال له المقرئ، ودرس علوم الشريعة على والده وأعمامه وغيرهم من كبار العلماء العارفين.
فقرأ على والده المنهاج للنووي والتنبيه لأبي إسحاق والعمدة لابن النقيب والمحرر للرافعي وجملة رسائل في علم التصوف، كما قرأ على والده أيضا كتاب الأحياء للإمام حجة الإسلام الغزالي وعوارف المعارف للسهروردي وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وقرأ الأحياء أيضا على السيد عبد الرحمن بن أبي بكر العيدروس وعلى السيد عمر المحضار منهاج العابدين للغزالي، والمقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وكيمياء السعادة للغزالي أيضا، وعلى السيد أبي بكر بن عبد الرحمن السقاف بداية الهداية، وقرأ رسالة القشيري على الشيخ فارس باقيس وعلى السيد عبد الله بن أبي بكر العيدروس جملة رسائل في علوم الطريقة والحقيقة، وقد أجازه الجميع في العلوم والاذكار واذنوا له بالتدريس والإفتاء،
وكان كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث، وإن كان جل مطالعته في كتب التصوف والرقائق
وكان الشيخ عمر من أكثر الناس احتمالا وأشدهم صبرا وأحسنهم صفحا وأوسعهم صدرا، إن قطع وصل وإن ظلم عدل وإن نصح فبالتي هي أحسن وإن وعظ أبكى وأحزن، وقد ابتلي بكثير من الحساد فصبر على أذاهم، وفي ذلك يقول تلميذه العلامة الشاعر الصوفي الكبير الشيخ عمر بامخرمة في مطلع قصيدة مثبتة في ديوانه المخطوط:-
باوزير إن جفى جافى وجاء منه أجناف
إلى آخرها
وفي مطلع قصيدة أخرى:-
باوزير إن رماك العوف بالجور واحنف
وفي هاتين القصديتين يشير الشيخ عمر بامخرمة إلى ما لقى الشيخ عمر باوزير من عداوة الحساد وصيره عليهم، وقد عده الشيخ عمر بامخرمة من كبار مشايخه الذين اعتمد عليهم في الطريق إلى الله، وكانوا أربعة من المشهورين بالتقوى والولاية ذكر ثلاثة منهم في إحدى قصائده وقال عن الرابع:-
والرابع هو قال لي لا تظهر اسمي
يعني بذلك الشيخ عمر بن عبد الله باوزير
وكان من أبرز أخلاقه الحميدة الكرم والسخاء، فكان يعطي الجزل ويداوم على البذل وينفق في جميع أوجه البر وخصوصا في الأوقات الفاضلة كرمضان والأعياد الدينية وأوقات المجاعة والإسنات، ويخص الفقراء والأيتام والأرامل والأرحام بمزيد من ****اية، وربما وردت إليه أموال كثيرة فيأتي المساء وليس له منها العشاء.
روى خادمه أحمد بن صالح بازياد قال جئت أنا ووالدي ذات يوم قاصدين الشيخ عمر في وقت مجاعة والحبوب غير موجودة فوجدنا بيته غاصا بالضيوف والزوار وقلت لوالدي الأولى أن نعود فإن بيت الشيخ مزدحم(والوقت حان والطعام غير موجود) وبقيت أحسن لوالدي الرجوع ونحن في أشد الفاقة، فإذا بسيدي عمر يدعونا للدخول ويقول: تعالوا احضروا مجلس المحبين، وما عليكم من باقي الأمور فهي صالحة، فدخلنا عليه وهو يتحدث مع أضيافه فرحا مستبشرا، فقلت في نفسي: سبحان الله، الشيخ في هذه الأوقات الحرجة يضحك وأنا عالم بحاله. فأنشدنا:-
لا يرفع الضيف رأسا في منازلنا إلا إلى الضاحك منا ومبتسم
فقلت زدني يا سيدي. قال: أما سمعت قول الشاعر؟قلت وماذا قال؟ قال سأكتب لك في قرطاس حتى لا يسمع أحد، فكتب:-
أضاحك ضيفي قبل أنزال رحـله ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للاضياف أن تكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
ولم نلبث كثيرا حتى قدم الأكل وهو من البر والذرة والرز واللحم فأكلنا مع الأضياف حتى شبعوا وشبعنا، ثم قلت للشيخ : ليس المحل جديبا، ولكنه خصيب ووجهك أخصب منه، فقال: الحمد لله الذي تفضل على عباده بالنعم وأراد منهم الشكر، ثم تكلم حتى بكى وأبكى. انتهى.
وكان الشيخ عمر ذا جاه واسع لدى كثير من قبائل الجهة الحضرمية، وكلمة نافذة عند عاهل حضرموت الكبير في القرن العاشر الهجري السلطان بدر أبي طويرق الكثيري، وقد حدث سنة 937هـ أن جملة فخائذ من بني هلال في مدينة هينن ومصنعتها المسماة (فرحة) يقال لهم آل النمر وآل الفشر وآل باقار وآل العمري وغيرهم، ومن مذحج ونهد، كانوا ينهبون رعايا السلطان أبى طويرق ويتحرشون به فغزاهم أبو طويرق بجيش كبير قوامه ألف جندي من الخيالة والهجانة والرجالة ودامت الحرب مدة انتهت بهزيمة أعداء السلطان وانكسارهم، فالتجأوا إلى الشيخ عمر بن عبد الله وطلبوا منه أن يتوسط لدى أبي طويرق في عقد معاهدة بينه وبينهم يعلنون فيها طاعتهم له على أن يبقيهم في محلاتهم ومنطقتهم.
واتصل الشيخ عمر بالسلطان فوافق على إعطائهم الأمان، ولكنه رأى أن بقائهم مجتمعين في محل واحد خطر يهدد كيان السلطنة الكثيرية، وعرض على الشيخ عمر أن يقنعهم بوجوب التفرق من هينن إلى محلات أخرى فقبلوا، وتم الصلح على ذلك.
وأراد السلطان أبو طويرق أن يكافئ الشيخ عمر على صنيعه هذا ومجهوداته في هذا السبيل مكافأة مادية فرفض وطلب من السلطان أن يأمر برفع جميع العشرات الحكومية عنه وأن لا تؤخذ منه زكاة، بل يتولى توزيعها هو بنفسه، وان تقبل شفاعته هو وأولاده في كل من يحبس في مصنعة هينن فأجابه السلطان إلى ذلك وكتب له وثيقة بما طلب هذا نصها:-
بسم الله الرحمن الرحيم
{ ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم }. أما بعد فليعلم الواقف على هذه الرقعة المحررة بأن سيدي ومولاي وملاذي وملجأي وعمادي الشيخ الأجل الفاضل الولي الكامل العالم العامل الشيخ عمر ابن الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ابن الشيخ الكبير أبي بكر بن محمد بن سالم باوزير مجللا ومكرما و محشما ومعظما ومجبرا في جميع أملاكنا بحرا وبرا هو وأولاده وذريته من يومنا هذا إلى يوم الدين، ليس عليهم عشر ولا زكاة ولا شئ من القوانين التي للديوان في طالع ونازل من البحر والبر، ولا يفرق عليهم الفارق ولا يحرسهم الحارس ولا يطوف عليهم الطائف، بل مجبرين في جميع أملا كنا بحرا وبرا من كل ما هو للديوان من القوانين والقواعد المعتادة، وكذلك لهم الشفع في كل من حبس في مصنعة هينن شفاعتهم غير مردودة، ومن تعدى أو خالف جميع ما ذكر فلا يلوم إلا نفسه ولا ينال إلا خسره وبخسه. قال ذلك وأملاه وأقر به الفقير إلى الله

بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده
وفي هذه الوثيقة توقيعات سبعة من الشهود هم عمر بن عبد الله بامخرمة وعبد الصمد باكثير وأحمد بن عبد الله باكثير وأحمد بن سهل بن إسحاق ومحسون بن عامر بن إسحاق وعبد الله بن أحمد باجسير وأحمد بن ليث باجابر.
وللشيخ عمر شعر شيق يكتبه باللغة الدارجة القريبة من الفصحى، من هذه الأبيات من قصيدة طويلة قالها بمناسبة تجمع وإلى المخينيق علي بن ظفر وأهل السور والمقاريم والظلفان لمعارضته في عمارة ضمير (الضمير في عرف أهل حضرموت السد يقام في مجرى السيل للتحكم فيه وتحويل الماء إلى الأرض التي يراد سقيها) حورة، وقد انتصر للشيخ عمر أتباعه من نهد ونشبت معركة حربية بين الفريقين انتصر فيها الشيخ عمر وفي ذلك يقول:-
ويوم قمنا في الوادي جاروا علينا في الطغيان
أهل المخانيق وأهل السور بنهب والسلب باللصان
وخوفوا من سكن حورة جميعهم وأرض الشيطان
العدن من بطلهم شارب ونخل حورة بقى عطشان
على بن ظفر قام وأصحابه رماهم الله بالخذلان
إلى أن قال:-
وأولاد عامر معي قاموا بصدق نية بنو قحطان
ثابت ومسعر وبن مسعر وبن مزعزع أبو الحكمان
وآل الطويل الذي طالوا هم وآل عبد الله الغلمان
وأصحابهم آل بن مدرك والرأس ثابت أبو روضان
وآل عجاج قد سعدوا صبيانهم هم ويا الشبان
قاموا معي صدق بالنيه جميعهم بالهنا فرحان
مؤسس غيل باوزير
عرضنا فيما سبق لجانب من تاريخ بعض أحفاد الشيخ أبي بكر بن محمد سكان حورة ونريد أن نذكر في ختام هذا الفصل التاريخي عن آل باوزير موجزا عن تاريخ أخويه سعيد بن محمد وعمر بن محمد وأبنائهما.

توفى الشيخ سعيد بن محمد بحورة عن سبعة أبناء أشهرهم محمد بن سعيد جد أهل النقعة الساحلية وقبره في غيل باوزير،وله ولد يدعى أحمد بن محمد وهو أول من قبر بالنقعة وانتشرت ذريته بها ولهم فيها صدقات وأوقاف للضيافة ومصالح المسجد الجامع الذي بني على طريقة غريبة لم يحتج معها إلى الإستعانة بالأخشاب في سقفه، وتوجد لديهم مخطوطات قديمة بعضها لايزال موجودا حتى الآن.

ومن أشهر أحفاد الشيخ سعيد بن محمد مولى عرف العلامة المحن الكبير الشيخ عبد الرحيم بن عبد الله بن سعيد صاحب ساه و مؤسس المسجد الجامع بها وصاحب الصدقات وأوقاف الضيافة العامة في هذه المنطقة. وله ذرية بساه يقال لهم آل الشيخ .

أما عمر بن محمد فهو الذي بنى الغيل الأسفل سنة 656هـ، والتي تعرف الآن بغيل عمر ومؤسس المسجد فيها، وقد لزم وصحب الأستاذ الكبير عبد الله باعلوي ابن الفقيه المقدم، ويعتبر من أخص مشايخه، وكانت وفاته بالغيل الأسفل سنة 721هـ وهو والد العلامة الإمام الفقيه الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزير المشهورة، والذي كان من أبنائه وأحفاده جماعة كبيرة عرفت بالعلم والفضل والصلاح.

وتقول المصادر التي بين أيدينا أن الشيخ عبد الرحيم بن عمر قدم إلى الساحل سنة 706هـ باحثا عن المنطقة الصالحة للإقامة له ولعقبه من بعده، فوقع اختياره على البقعة التي تدعى الآن بغيل باوزير، وقد بنى بها أول منزل لسكناه غربي مسجده الجامع المشهور، ثم حفر في الناحية الشمالية للمسجد غير بعيد منه اشهر العيون بها والتي كانت ولا تزال تروي مساحات واسعة من النخيل والأراضي المزروعة جنوب مدينة الغيل، وتجمعت لديه ثروة مكنته من أن يشتري عقارات وأطيانا واسعة في الخربة والبقرين وغيرها من ضواحي المكلا تصدق بها جميعا، مع أكثر ما يملك في الغيل كوقف دائم تصرف غلته في مصالح المسجد والضيافة وتوزع منه في مناسبات دينية وأعياد خاصة صدقات على الطريقة التي اشترطها هو، وقد أضاف أبناؤه من بعده أوقافا إلى هذا الوقف حتى أصبح الآن يقدر محصوله بما لا يقل عن خمسة عشر ألف شلن سنويا. ولم يكن نشاطه في الناحية الثقافية بأقل من نشاطه في جانب الإقتصاد، فقد بنى مدرسة لأبنائه وأحفاده وغيرهم من طلاب العلم، واستقدم لها المدرسين الاكفاء، وأرسل أبنائه للاستزادة من العلم، فرحلوا إلى اليمن والحجاز للقاء العلماء والأخذ عنهم حتى عرف كثير من أبنائه وأحفاده بسعة العلم وكثرة الاطلاع وحب الخير والتفاني في منفعة الناس، كما كانوا ألسنة الدعوة والارشاد في مناطق الساحل، ورسل السلام والإصلاح بين القبائل، ومثال الكرم وسماحة النفس إذا نزل بهم طارق أو زائر.

والواقع أن كرم الضيافة وحسن استقبال الغرباء من أشهر الصفات الخلقية الفاضلة التي امتاز بها أفراد هذه الأسرة في ساحل حضرموت وداخلها، فقد أعدوا في أكثر المدن والقرى التي يقيمون بها بيوتا للضيافة يطعم فيها المسافر أياما معلومة وضمنوا استمرارها بأوقاف تصدقوا بها لهذا الغرض، نذكر منها على سبيل المثال بيوت الضيافة في غيل باوزير والنقعة وريدة الجرهيين ورحبة ابن جنيد وفي وادي عدم وساه وحورة ووادي العين وجعيمة وعرف وغيرها.

وانقضت أربعون عاما منذ وضع الشيخ عبد الرحيم بن عمر حجر الأساس لهذه المدينة، كان فيها القانت العابد إذا جن الظلام، والعالم العامل إذا ارتفع النهار، لا يطغى فيها المسجد على المزرعة فيخل بشؤون دنيا، ولا تشغله المزرعة عن المسجد فتفسد عليه أمور دينه، وكان له فيما بين المزرعة والمسجد متسع من الوقت للإشراف على المدرسة ونشر العلم بين العامة واستقبال ضيوفه الذين لا ينقطعون، والإصلاح بين القبائل، إلى غير ذلك من أوجه النشاط الإجتماعي التي كان من بينها الدعاية لاستيطان هذه المنطقة والإفراج عن المياه المخزونة في جوفها بحفر العيون والقنوات لاستخدامها في زراعة تربتها الخصبة، وقد دفع لهذا الغرض ابن عمه محمد بن سعيد فحفر هو وأبناؤه عيون النقعة ووديكة وغيرها حتى صارت هذه المنطقة مروجا خضراء وجنانا عامرة بالنخيل والمزارع.

وهكذا كان للشيخ عبد الرحيم بن عمر في الإرشاد لسان، وفي العلم باع، وفي الإقتصاد يد، وفي العبادة قدم حتى وافاه أجله في منتصف شعبان سنة 747هـ، ودفن خارج مسجده بجانب الجدار الشرقي( داخل المسجد الآن ) ، وترك من الأولاد ثلاثة هم: سعيد وعثمان وأحمد ينتمي عليهم كل أفراد آل باوزير السكان في الغيل.
سيره مباركه راقت لي وان شاء الله تستفيدوا منها




نسب وشجرة قبيلة آلباوزير العباسيه

الجد الأكبر لآل الوزير "باوزير" هو الشريف محمد بن سالمبن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي ( الوزير ) بن طراد ( النقيب العباسي الهاشمي) ، المعروف الآن بمولى عرف لكونه عاش ودفن هناك ، وهو أول مولود عباسي من أسرة آلالوزير ولد بحضرموت، وهو الوارث الوحيد لآل يعقوب بن يوسف العباسي في تلك البلاد إذأن لا عقب لذرية يعقوب بن يوسف إلا من ولده عبد الله وهو جد محمد بن سالم . وجميعآل باوزير في حضرموت و غيرها من البلدان من ذريته .
النسب الكامل: محمد بن سالمبن عبد الله بن يعقوب بن يوسف بن علي الوزير بن طراد بن محمد بن علي بن الحسن بنمحمد بن عبدالوهاب بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الله الزينبي بن محمد بنإبراهيم الإمام بن الإمام محمد الكامل بن الإمام علي السجاد بن عبد الله ( حبرالأمة و ترجمان القرآن ) بن العباس ( ذو الرأي و عم النبي صلى الله عليه و سلم ) بنعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
شجرة أسرة آل باوزيرمن كتاب البدر المنير
صفحة 49 - للشيخ مزاحم بن سالم باوزير
مطبعة التقدم العلمية بمصر- 1/6/1329هـ

العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن باوزير أحد الرجال البارزين منأسرة حضرمية كبيرة لها تاريخها المجيد وآثارها الواضحة في ما جريات الأحوال فيالبلاد الحضرمية في مختلف العهود. ولهذه الأسرة الكبيرة قصة تبتدئ في بغداد عاصمةالخلفاء من بني العباس، وتتوالى وقائعها وحوادثها مسرعة في البصرة والكوفة وبلادفارس و خرسان و تركستان، ثم في مكة والمدينة المنورة وجدة من أرض الحجاز، حتى إذاكان الجزء الأخير والخاص منها بحضرموت أخذت وقائع القصة وحوادثها تسير في بطء وفيشئ من الإسهاب والتفصيل يصرفنا عنه ضيق المقام.
في نهاية القرن الخامس الهجري أوبداية السادس ولد في بغداد يعقوب بن يوسف بن علي بن طراد، ومات أبوه يوسف وهو طفللم يبلغ الحلم، فكفله جده علي بن طراد نقيب العباسيين ووزير الخليفتين المسترشدوالمقتفي، وأشرف على تربيته وتعليمه حتى نال حظا كبيرا من العلم والمعرفة، وكان منبين أساتذته أبو الفتوح الغزالي أخو حجة الإسلام صاحب الإحياء والإمام السهرورديوأحمد الرفاعي وغيرهم من كبار رجال العلم والتصوف.
ثم أذن له جده في السفر إلىالبصرة والكوفة والحجاز فأخذ عن علمائها وعاد إلى العراق مقيما في بغداد الجديدةللتدريس ونشر العلم مبتعدا عن قصور الخلفاء والوزراء، ناقما على ما آلت إليهالخلافة من ضعف وفساد وتزعزع واضطراب، واشتدت نقمته وتضاعف قلقه وتبرمه بالحالةعندما قبض الخليفة المسترشد على جده وأودعه السجن فرحل إلى بغداد القديمة واختفىهناك، ولما عاد جده وقبل وزارة الخليفة المقتفي سنة 531هـ أتى إليه ووعظه وحذرهعاقبة الاتصال بالخلفاء المسلوبي الارادة المشتغلين بملذاتهم عن مهام الخلافةوواجباتها، فلم يلتفت إليه فتركه وشأنه ،وقد صح ما توقعه حفيد الوزير الكبير فتغيرالمقتفي على جده وهم بالقبض عليه فاحتمى منه في دار السلطان مسعود ثم لزم داره إلىأن مات سنة 538هـ.
ضاق يعقوب ذرعا ببغداد بعد وفاة جده ولم يستطع صبرا علىالإقامة بها، واتفق مع أبنائه الثلاثة على الرحيل عنها فسار ابنه عمر إلى بخارى منأرض تركستان، وتوجه عبد الله إلى شيراز قصبة فارس حيث تزوج بكريمة أحد العباسيينهناك فأنجبت له ابنه سالما، أما هو فقد سافر إلى خراسان ومعه ابنه الثالث يوسف،ولكنهم عاودهم الحنين إلى العراق بعد سنوات قضوها في بلاد الأعاجم فعادوا إلى وطنهمسنة 549هـ .
ولم تكد تستقر أقدامهم في بغداد حتى أدركوا أنه لن يطيب لهم المقامفي بلد اضطرب فيه الأمن واختلت فيه شؤون الحكم وتكاثرت فيه الفتن فصمموا علىالهجرة، ويقال بأن بعض أصدقائهم أشار عليهم بالهجرة إلى أطراف اليمن ومن بينهمالعلامة الكبير الشيخ عبد القادر الجيلاني أحد كبار رجال التصوف في ذلك العهد، فقدقال لهم: ان أطراف اليمن أسلم للدين وأبعد عن الفتنة وأخف للمعيشة
كذلك كان يعرفأهل هذا البيت بآل الوزير، فقد كان رئيس هذه الأسرة علي بن طراد وزير الخليفتينالمسترشد والمقتفي، قال الهمذاني: لم يل الوزارة عباسي سواه، وقال ابن كثير: لايعرف أحد من العباسيين باشر الوزارة غيره، وقال الذهبي: كان صدرا مهيبا نبيلا كاملالسؤدد، دقيق الفهم، بعيد النظر، ذا رأي وإقدام، فمن أجل ذلك دعيت هذه الأسرة بآلالوزير كما هو ظاهر.

هاجر آل الوزير من بغداد خفية متسترين قاصدين الحجازلأداء فريضة الحج، فلما قضوا مناسكهم وزاروا المدينة المنورة اتجهوا إلى جدة حيثركبوا سفينة شراعية كانت مسافرة إلى بلدان المحيط الهندي وبحر العرب، وشعر شيخالأسرة يعقوب بن يوسف وهو في البحر بانحراف في صحته لازمه واشتد به حتى حاذتالسفينة ساحل حضرموت فاختار أن ينزل في المكلا بجانب الكثيب الأبيض، وكانت قريةصغيرة لا توجد بها سوى أكواخ الصيادين المقيمين بها .

وأحس الشيخ بدنو أجلهفجمع أبنائه الثلاثة وحفيده سالما وتحدث إليهم طويلا وأوصاهم بالتمسك بالتقوىوالزهد والاجتهاد في طلب العلم ونشره والصبر على المشقات في الحياة ولزومالاستقامة، وحذرهم من الكسل والكبر والعجب وطلب الشهرة، ثم أدركته الوفاة فقضى نحبهسنة 553هـ ودفن في الكثيب المعروف الآن في العاصمة بتربة يعقوب وضريحه مشهور يقصدبالزيارة حتى الآن وعليه قبة مرتفعة.

ولم تكن المكلا في ذلك العهد بدارإقامة لمثل آل الوزير فارتحلوا عنها إلى الشحر، وكانت إذ ذاك أكبر وأصلح مدينة علىالساحل،فأقاموا بها واستوطنوها وتصدوا فيها للتدريس ونشر العلم ونفع الناس، فالتفحولهم الأهالي وأكرموا نزلهم لما عرفوا به من كرم الأخلاق وحسنالسيرة.

وبينما كان يوسف بن يعقوب في أرض حجر يعلم الناس ويدعوهم إلى اللهأدركته المنية فمات وقبر هناك، ومات أخوه عمر بعد برهة وجيزة فدفن بالخور غربيمدينة الشحر، واعتصم أخوهما عبد الله بالصبر لفقدهما ووجد في الانصراف إلى تربيةابنه سالم والاشتغال بتعليمه بعض السلوى عن فراق أخويه وعما كان يشعر به آلامالغربة.
قلنا إن عبد الله بن يعقوب عندما كان بشيراز من أرض فارس تزوج كريمة أحدأبناء عمومته من العباسيين ورزق منها بولد هو سالم بن عبد الله الذي قضت الأقداربأن يولد في شيراز من عائلة بغدادية ثم يقضي شبابه وبقية حياته لا في العراق ولا فيبلاد فارس ولكن في حضرموت موطن عاد وبلاد حمير وكنده .
أتم سالم بن عبد اللهتعليمه في الشحر تحت إشراف والده، ثم أخذ ينتقلبإشارة منه بين البادية يعلمهمويصلح ذات بينهم، وقد دفعه اختلاطه بالبدو إلى أن يتزوج بنت أحد رؤسائهم في قرية (عرف) وهي جميلة بنت أحمد بن علي رئيس قبيلة المسليين التي لم تلبث أن أنجبت لهمحمد بن سالم الجد الأعلى لآل باوزير المعروف الآن بمولى عرف لأنه عاش ودفنهناك.
ومحمد-مولى عرف- هذا هو الوارث الوحيد في حضرموت لأسرة آل الوزير المهاجرةمن العراق والعباسي الأول الذي ولد بحضرموت من هذه العائلة، فقد توفي أخوا جده يوسفوعمر دون عقب وتوفي جده عبد الله بالشحر عن والده سالم فقط الذي مات بالجويبالواقعة بالقرب من حورة ولذلك اعتبر محمد بن سالم الجد الأول لآل باوزير وكان أحدكبار رجال التصوف في القرن السابع الهجري ومن أقران الفقيه المقدم محمد بن عليباعلوي والشيخ سعيد بن عيسى العمودي وله بهما صلة وثيقة، وقد توفي عن ثلاثة منالولد هم أبو بكر وسعيد وعمر وهذا الأخير هو والد الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسسمدينة غيل باوزير .
وقد رأيت في رسالة خطية قديمة لدى أحد المشايخ في حورة أن منبين أساتذة الشيخ محمد بن سالم مولى عرف العلامة الإمام محمد بن علي صاحب مرباطوالشيخ أحمد الهدهدي والشيخ أحمد البطين والعلامة الفقيه محمد بن إسماعيل الحضرميبزبيد في جملة من علماء اليمن، كما أخذ عن والده سالم وجده عبد الله بنيعقوب.
أما من أخذ عن الشيخ محمد بن سالم فقد ذكرت منهم هذه الرسالة: الشيخ عليبن سلم الحضرمي والإمام الفقيه العلامة محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي الحب التريميوالشيخ سعد بن علي الظفاري والفقيه المقدم محمد بن علوي باعلوي والشيخ سفيان اليمنيوالشيخ أحمد بن الجعد والشيخ سعيد بن عيسى العمودي والشيخ سعيد بن عمر بلحاف والشيخعبد الله بن محمد باعباد وغيرهم.
وتقول هذه الرسالة أن الشيخ محمد بن سالم تزوجفي حورة بنت أستاذه العلامة الشيخ أحمد البطين بامزاحم باجابر فولدت له ابنه أبابكر، أما ولداه الآخران فهما من زوجة أخرى
ولد ونشأ في حورة بين أخواله آلباجابر ودرس على أبيه محمد بن سالم – مولى عرف - علوم الشريعة والطريقة، ثم سار إلىاليمن واجتمع بمشايخ كثيرين منهم الشيخ محمد بن حسين البجلي والشيخ محمد بن أبي بكرالحكمى وله معهما الصحبة الأكيدة والأخوة الرشيدة، وذهب إلى مكة ; والمدينة لأداءفريضة الحج والزيارة،ثم لطلب العلم والاجتماع بالعلماء، وقيل انه بقى يتردد بينالحرمين الشريفين للدراسة ما يقارب من أربع وثلاثين سنة حتى أخذ من جميع العلومبالحظ الأوفى.

ولما عاد إلى وطنه ومسقط رأسه حورة عكف على العبادة ونشرالعلم والتدريس والتذكير بالله والدعوة إلى الله، وأقبل الناس على الاستفادة منهحتى تخرج على يديه وانتفع به خلق كثير وكان إلى جانب نشاطه الديني والثقافي ذا بسطةفي الجاه والمال استغلهما في الإحسان إلى الفقراء ومساعدة المحتاجين وإكرام الضعيفوصلة الأرحام،وقد اشترى الأطيان الواسعة والنخيل والبيوت وحفر الآبار لينتفع بمائهاالناس وبنى مسجده المعروف الذي هو الآن جامع حورة ثم تصدق بجميع ما يملكه من العقاروقفا مؤبدا بعضه على مصالح المسجد والبعض الآخر للضيافة وإصلاح الآبار، فكان كلغريب ينزل بحورة يجد من وقف الشيخ أبي بكر نزولا يأو يه وطعاما يقدم إليه في وجباتمحدودة، ولا تزال هذه الأوقاف موجودة حتى الآن وان كانت في حاجة إلى مزيد من الحفظو****اية.

ولما كلمه أخواله آل باجابر في ذلك قائلين له: كيف تصدقت بجميعمالك؟ أتريد أن تترك ورثتك عالة على الناس, هلا تركت لهم ما يكفيهم. قال: تركت لهم ( نشر المال وفخذ النخل وقسمهم من العطب يكفيهم ستر العورة ) وقال هذا يكفيهم إذااتقوا الله وصدقوا في معاملته وكان الشيخ أبو بكر يحتفظ بمكتبة كبيرة عامرة بالكتبفي مختلف العلوم والفنون، وقد احتفظ بها وزاد عليها ابنه عبد الرحمن وأحفاده منبعده، وكان عبد الرحمن بن أبي بكر هذا قوى الذاكرة سريع الحفظ، فكان يحفظ المحررللرافعي وكثيرا من كتب الحديث، وله مشاركة في علوم الأدب والتفسير والمنطق حتى قيلأن والده قال عنه:" لو عاش عبد الرحمن طويلا لكان مجددا للمذهب" فمات رحمه الله فيحياة والده وكانت زوجته حاملا فوضعت بعد وفاته ولدا ذكرا سماه والده عبد الرحمن بنعبد الرحمن، وهو والد صاحب الترجمة الذي عقدنا هذا الفصل لذكر جانب من سيرتهوتاريخه.

صاحب الترجمة
هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن أبيبكر بن محمد بن سالم. ولد بحورة ولم أقف على تاريخ ولادته ولكن من المؤكد أنه عاشفي أول القرن التاسع الهجري وآخر القرن الثامن، فقد ثبت أنه لزم وصحب كثيرا منالعلماء كلهم عاشوا في هذين القرنين. بدأ دراسته الدينية واللغوية في حورة علىوالده وأعمامه، ثم رحل للاستزادة من العلم إلى اليمن والحرمين الشريفين حيث لقيوأخذ عن جماعة كبيرة من مشاهير علماء اليمن والحجاز كما أخذ عن عدد من أقطابالثقافة الإسلامية في العالم العربي ممن يردون إلى الحجاز أثناء موسمالحج.

وتذكر الرسالة التي اعتمدت عليها في بعض المعلومات هذه الترجمة منأساتذة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في الحجاز الإمام عبد الله بن أسعد اليافعياليمني ثم المكي والإمام المربى جمال الدين محمد بن سعيد كبن الطبري القرشي والشيخمحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الوهاب وأخيه عبد الواحد وفقيه المدينة ومحدثها أبوبكر المراغى وحافظ مكة الإمام محمد بن ظهيرة كما تذكر منهم الشهاب ابن العربي وتاجالدين السبكي والجلال البلقيني والجلال الاسنوي وذلك في زمن الحج وكذلك العلامة تقيالدين الحصني شارح أبي شجاع والشمس البرماوي والإمام أحمد بن العماد والشيخالكازروني عالم المدينة وغير هؤلاء من العلماء الأعلام .

أما من أخذ عنهم منعلماء اليمن فمنهم شرف الدين بن الصيف اليمني وشرف الدين المقري صاحب عنوان الشرفوجمال الدين الناشرى والعلامة مسعود بن سعد باشكيل وغيرهم. وللشيخ عبد الله بن عبدالرحمن –صاحب الترجمة- رسالة جمع فيها مشايخه اللذين أخذ عنهم وأسانيد أجارتهم لهالمتصلة بالإمام الشافعي مشايخه في علم الحديث المتصلة برسول الله صلى الله عليهوسلم.

وقد كانت رحلاته الكثيرة إلى الخارج لطلب العلم ولقاء العلماء وقراآتهالعديدة في مختلف العلوم والفنون وتوفر الكتب لديه في مكتبة أجداده بحورة كل ذلككان من بين الأسباب لغزارة علمه وتوسيع أفقه الثقافي ومشاركته في علوم الشريعةوالأدب والتاريخ واللغة والمنطق وغيرها، وقد ذكرت الرسالة التي أشرت إليها سابقامجموعة كبيرة من الكتب التي قرأها صاحب الترجمة في مقدمتها كتب الأئمة أبي إسحاقوالرافعي والنووي والغزالي والسهروردي في الفقه والتصوف كما ذكرت طائفة أخرى من كتبالتفسير والحديث لا حاجة لذكرها هنا.

ولما عاد إلى حورة من رحلاته العلميةتفرغ لنشر العلم والتذكير بالله والاتصال بعلماء القطر الحضرمي وصالحيه، وكانت لهزيارات متعددة إلى تريم والشحر وغيل باوزير وغيرها من مدن البلاد الحضرمية وقراها،وكانت له صلة صهارة بالعلامة الكبير السيد عمر المحضار ابن عبد الرحمن السقاف، فقدتزوج المحضار أخت صاحب الترجمة فاطمة بنت عبد الرحمن وعاش معها في تريم، كما كانصاحب الترجمة على صلة وثيقة بالعلامة الإمام عبد الله بن أبي بكر العيدروس وكانكثير الإعجاب به والتقدير له وله في مناقبه كتاب سماه تحفة النفوس في مناقبالعيدروس، وقد أشار صاحب المشرع الروى في مناقب السادة آل باعلوي إلى هذه الصلة بينالعيدروس والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن فقال ما نصه باحرف الواحد:- وكان الإمامالعارف بالله محمد بن علي صاحب عيديد وتاج العابدين سعد بن علي والشيخ عبد الله بنعبد الرحمن باوزير مع الاتفاق على جلالة قدرهم وعلو منصبهم ممن لازم صحبته وأخذ عنهطريقته- انتهى، أما السيد علي بن أبي بكر السكران فقد عدّه من بين مشايخه وذكراجازته له سنة 843هـ.

وقد ذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن في كتابه تحفةالنفوس أن الشيخ عبد الله بن أبي بكر العيدروس قدم إلى حورة وهو أي العيدروس إذ ذاكصغير السن ( لان العيدروس ولد سنة 811هـ ) فنزل ضيفا عليه، وقال إن السيد العيدروسقرأ عليه عدة كتب وطلب منه عقد الصحبة و المواخاة على طريقة أهل التصوف من السلففأجابه إلى ذلك.
-----------------------
ابنه عمر
وقد توفي الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن بعد حياة كريمة مليئة بالشرف والفضل وكرم الأخلاق ونشر العلموالإحسان إلى الناس والدعوة إلى الله وترك عدة أولاد أشهرهم وأجلهم ابنه عمر بن عبدالله الذي سماه والده بهذا الاسم بإشارة من السيد عمر المحضار، ونحن ننقل هنا بتصرفمن الترجمة التي أوردتها له الرسالة المشار إليها آنفا ما يكفي في التعريف به،قالت:-
ولد بحورة ونشأ بها وتعلم القرآن مع المعلم محمد باصادق، ثم حفظه وأتقنهعلى القرآت السبع تحت إرشاد والده وجماعة من الصلحاء والحفاظ، حتى كان يقال لهالمقرئ، ودرس علوم الشريعة على والده وأعمامه وغيرهم من كبار العلماءالعارفين.
فقرأ على والده المنهاج للنووي والتنبيه لأبي إسحاق والعمدة لابنالنقيب والمحرر للرافعي وجملة رسائل في علم التصوف، كما قرأ على والده أيضا كتابالأحياء للإمام حجة الإسلام الغزالي وعوارف المعارف للسهروردي وقوت القلوب لأبيطالب المكي، وقرأ الأحياء أيضا على السيد عبد الرحمن بن أبي بكر العيدروس وعلىالسيد عمر المحضار منهاج العابدين للغزالي، والمقصد الأسنى في شرح أسماء اللهالحسنى وكيمياء السعادة للغزالي أيضا، وعلى السيد أبي بكر بن عبد الرحمن السقافبداية الهداية، وقرأ رسالة القشيري على الشيخ فارس باقيس وعلى السيد عبد الله بنأبي بكر العيدروس جملة رسائل في علوم الطريقة والحقيقة، وقد أجازه الجميعفي العلوموالاذكار واذنوا له بالتدريس والإفتاء،
وكان كثير المطالعة في كتب التفسيروالحديث، وإن كان جل مطالعته في كتب التصوف والرقائق
وكان الشيخ عمر من أكثرالناس احتمالا وأشدهم صبرا وأحسنهم صفحا وأوسعهم صدرا، إن قطع وصل وإن ظلم عدل وإننصح فبالتي هي أحسن وإن وعظ أبكى وأحزن، وقد ابتلي بكثير من الحساد فصبر على أذاهم،وفي ذلك يقول تلميذه العلامة الشاعر الصوفي الكبير الشيخ عمر بامخرمة في مطلع قصيدةمثبتة في ديوانه المخطوط:-
باوزير إن جفى جافى وجاء منه أجناف
إلىآخرها
وفي مطلع قصيدة أخرى:-
باوزير إن رماك العوف بالجور واحنف
وفي هاتينالقصديتين يشير الشيخ عمر بامخرمة إلى ما لقى الشيخ عمر باوزير من عداوة الحسادوصيره عليهم، وقد عده الشيخ عمر بامخرمة من كبار مشايخه الذين اعتمد عليهم فيالطريق إلى الله، وكانوا أربعة من المشهورين بالتقوى والولاية ذكر ثلاثة منهم فيإحدى قصائده وقال عن الرابع:-
والرابع هو قال لي لا تظهر اسمي
يعني بذلكالشيخ عمر بن عبد الله باوزير
وكان من أبرز أخلاقه الحميدة الكرم والسخاء، فكانيعطي الجزل ويداوم على البذل وينفق في جميع أوجه البر وخصوصا في الأوقات الفاضلةكرمضان والأعياد الدينية وأوقات المجاعة والإسنات، ويخص الفقراء والأيتام والأراملوالأرحام بمزيد من ****اية، وربما وردت إليه أموال كثيرة فيأتي المساء وليس له منهاالعشاء.
روى خادمه أحمد بن صالح بازياد قال جئت أنا ووالدي ذات يوم قاصدين الشيخعمر في وقت مجاعة والحبوب غير موجودة فوجدنا بيته غاصا بالضيوف والزوار وقلت لوالديالأولى أن نعود فإن بيت الشيخ مزدحم(والوقت حان والطعام غير موجود) وبقيت أحسنلوالدي الرجوع ونحن في أشد الفاقة، فإذا بسيدي عمر يدعونا للدخول ويقول: تعالوااحضروا مجلس المحبين، وما عليكم من باقي الأمور فهي صالحة، فدخلنا عليه وهو يتحدثمع أضيافه فرحا مستبشرا، فقلت في نفسي: سبحان الله، الشيخ في هذه الأوقات الحرجةيضحك وأنا عالم بحاله. فأنشدنا:-
لا يرفع الضيف رأسا في منازلنا إلا إلى الضاحكمنا ومبتسم
فقلت زدني يا سيدي. قال: أما سمعت قول الشاعر؟قلت وماذا قال؟ قالسأكتب لك في قرطاس حتى لا يسمع أحد، فكتب:-
أضاحك ضيفي قبل أنزال رحـله ويخصبعندي والمحل جديب
وما الخصب للاضياف أن تكثر القرى ولكنما وجه الكريمخصيب
ولم نلبث كثيرا حتى قدم الأكل وهو من البر والذرة والرز واللحم فأكلنا معالأضياف حتى شبعوا وشبعنا، ثم قلت للشيخ : ليس المحل جديبا، ولكنه خصيب ووجهك أخصبمنه، فقال: الحمد لله الذي تفضل على عباده بالنعم وأراد منهم الشكر، ثم تكلم حتىبكى وأبكى. انتهى.
وكان الشيخ عمر ذا جاه واسع لدى كثير من قبائل الجهةالحضرمية، وكلمة نافذة عند عاهل حضرموت الكبير في القرن العاشر الهجري السلطان بدرأبي طويرق الكثيري، وقد حدث سنة 937هـ أن جملة فخائذ من بني هلال في مدينة هيننومصنعتها المسماة (فرحة) يقال لهم آل النمر وآل الفشر وآل باقار وآل العمري وغيرهم،ومن مذحج ونهد، كانوا ينهبون رعايا السلطان أبى طويرق ويتحرشون به فغزاهم أبو طويرقبجيش كبير قوامه ألف جندي من الخيالة والهجانة والرجالة ودامت الحرب مدة انتهتبهزيمة أعداء السلطان وانكسارهم، فالتجأوا إلى الشيخ عمر بن عبد الله وطلبوا منه أنيتوسط لدى أبي طويرق في عقد معاهدة بينه وبينهم يعلنون فيها طاعتهم له على أنيبقيهم في محلاتهم ومنطقتهم.
واتصل الشيخ عمر بالسلطان فوافق على إعطائهمالأمان، ولكنه رأى أن بقائهم مجتمعين في محل واحد خطر يهدد كيان السلطنة الكثيرية،وعرض على الشيخ عمر أن يقنعهم بوجوب التفرق من هينن إلى محلات أخرى فقبلوا، وتمالصلح على ذلك.
وأراد السلطان أبو طويرق أن يكافئ الشيخ عمر على صنيعه هذاومجهوداته في هذا السبيل مكافأة مادية فرفض وطلب من السلطان أن يأمر برفع جميعالعشرات الحكومية عنه وأن لا تؤخذ منه زكاة، بل يتولى توزيعها هو بنفسه، وان تقبلشفاعته هو وأولاده في كل من يحبس في مصنعة هينن فأجابه السلطان إلى ذلك وكتب لهوثيقة بما طلب هذا نصها:-
بسم الله الرحمن الرحيم
{
ألا ان أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلماتالله ذلك هو الفوز العظيم }. أما بعد فليعلم الواقف على هذه الرقعة المحررة بأنسيدي ومولاي وملاذي وملجأي وعمادي الشيخ الأجل الفاضل الولي الكامل العالم العاملالشيخ عمر ابن الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ابن الشيخ الكبيرأبي بكر بن محمد بن سالم باوزير مجللا ومكرما و محشما ومعظما ومجبرا في جميعأملاكنا بحرا وبرا هو وأولاده وذريته من يومنا هذا إلى يوم الدين، ليس عليهم عشرولا زكاة ولا شئ من القوانين التي للديوان في طالع ونازل من البحر والبر، ولا يفرقعليهم الفارق ولا يحرسهم الحارس ولا يطوف عليهم الطائف، بل مجبرين في جميع أملا كنابحرا وبرا من كل ما هو للديوان من القوانين والقواعد المعتادة، وكذلك لهم الشفع فيكل من حبس في مصنعة هينن شفاعتهم غير مردودة، ومن تعدى أو خالف جميع ما ذكر فلايلوم إلا نفسه ولا ينال إلا خسره وبخسه. قال ذلك وأملاه وأقر به الفقير إلى الله

بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده بدر بن عبد الله بن جعفر الكثيري
والله الشاهد على ما أقول والحسيب. وكتبه بيده
وفي هذه الوثيقة توقيعات سبعة من الشهود هم عمر بن عبد الله بامخرمةوعبد الصمد باكثير وأحمد بن عبد الله باكثير وأحمد بن سهل بن إسحاق ومحسون بن عامربن إسحاق وعبد الله بن أحمد باجسير وأحمد بن ليث باجابر.
وللشيخ عمر شعر شيقيكتبه باللغة الدارجة القريبة من الفصحى، من هذه الأبيات من قصيدة طويلة قالهابمناسبة تجمع وإلى المخينيق علي بن ظفر وأهل السور والمقاريم والظلفان لمعارضته فيعمارة ضمير (الضمير في عرف أهل حضرموت السد يقام في مجرى السيل للتحكم فيه وتحويلالماء إلى الأرض التي يراد سقيها) حورة، وقد انتصر للشيخ عمر أتباعه من نهد ونشبتمعركة حربية بين الفريقين انتصر فيها الشيخ عمر وفي ذلك يقول:-
ويوم قمنا فيالوادي جاروا علينا في الطغيان
أهل المخانيق وأهل السور بنهب والسلبباللصان
وخوفوا من سكن حورة جميعهم وأرض الشيطان
العدن من بطلهم شارب ونخلحورة بقى عطشان
على بن ظفر قام وأصحابه رماهم الله بالخذلان
إلى أنقال:-
وأولاد عامر معي قاموا بصدق نية بنو قحطان
ثابت ومسعر وبن مسعر وبنمزعزع أبو الحكمان
وآل الطويل الذي طالوا هم وآل عبد الله الغلمان
وأصحابهمآل بن مدرك والرأس ثابت أبو روضان
وآل عجاج قد سعدوا صبيانهم هم وياالشبان
قاموا معي صدق بالنيه جميعهم بالهنا فرحان
مؤسس غيل باوزير
عرضنافيما سبق لجانب من تاريخ بعض أحفاد الشيخ أبي بكر بن محمد سكان حورة ونريد أن نذكرفي ختام هذا الفصل التاريخي عن آل باوزير موجزا عن تاريخ أخويه سعيد بن محمد وعمربن محمد وأبنائهما.

توفى الشيخ سعيد بن محمد بحورة عن سبعة أبناء أشهرهممحمد بن سعيد جد أهل النقعة الساحلية وقبره في غيل باوزير،وله ولد يدعى أحمد بنمحمد وهو أول من قبر بالنقعة وانتشرت ذريته بها ولهم فيها صدقات وأوقاف للضيافةومصالح المسجد الجامع الذي بني على طريقة غريبة لم يحتج معها إلى الإستعانةبالأخشاب في سقفه، وتوجد لديهم مخطوطات قديمة بعضها لايزال موجودا حتى الآن.

ومن أشهر أحفاد الشيخ سعيد بن محمد مولى عرف العلامة المحن الكبير الشيخعبد الرحيم بن عبد الله بن سعيد صاحب ساه و مؤسس المسجد الجامع بها وصاحب الصدقاتوأوقاف الضيافة العامة في هذه المنطقة. وله ذرية بساه يقال لهم آل الشيخ .

أما عمر بن محمد فهو الذي بنى الغيل الأسفل سنة 656هـ، والتي تعرف الآنبغيل عمر ومؤسس المسجد فيها، وقد لزم وصحب الأستاذ الكبير عبد الله باعلوي ابنالفقيه المقدم، ويعتبر من أخص مشايخه، وكانت وفاته بالغيل الأسفل سنة 721هـ وهووالد العلامة الإمام الفقيه الشيخ عبد الرحيم بن عمر مؤسس مدينة غيل باوزيرالمشهورة، والذي كان من أبنائه وأحفاده جماعة كبيرة عرفت بالعلم والفضلوالصلاح.

وتقول المصادر التي بين أيدينا أن الشيخ عبد الرحيم بن عمر قدم إلىالساحل سنة 706هـ باحثا عن المنطقة الصالحة للإقامة له ولعقبه من بعده، فوقعاختياره على البقعة التي تدعى الآن بغيل باوزير، وقد بنى بها أول منزل لسكناه غربيمسجده الجامع المشهور، ثم حفر في الناحية الشمالية للمسجد غير بعيد منه اشهر العيونبها والتي كانت ولا تزال تروي مساحات واسعة من النخيل والأراضي المزروعة جنوب مدينةالغيل، وتجمعت لديه ثروة مكنته من أن يشتري عقارات وأطيانا واسعة في الخربةوالبقرين وغيرها من ضواحي المكلا تصدق بها جميعا، مع أكثر ما يملك في الغيل كوقفدائم تصرف غلته في مصالح المسجد والضيافة وتوزع منه في مناسبات دينية وأعياد خاصةصدقات على الطريقة التي اشترطها هو، وقد أضاف أبناؤه من بعده أوقافا إلى هذا الوقفحتى أصبح الآن يقدر محصوله بما لا يقل عن خمسة عشر ألف شلن سنويا. ولم يكن نشاطه فيالناحية الثقافية بأقل من نشاطه في جانب الإقتصاد، فقد بنى مدرسة لأبنائه وأحفادهوغيرهم من طلاب العلم، واستقدم لها المدرسين الاكفاء، وأرسل أبنائه للاستزادة منالعلم، فرحلوا إلى اليمن والحجاز للقاء العلماء والأخذ عنهم حتى عرف كثير من أبنائهوأحفاده بسعة العلم وكثرة الاطلاع وحب الخير والتفاني في منفعة الناس، كما كانواألسنة الدعوة والارشاد في مناطق الساحل، ورسل السلام والإصلاح بين القبائل، ومثالالكرم وسماحة النفس إذا نزل بهم طارق أو زائر.

والواقعأن كرم الضيافة وحسناستقبال الغرباء من أشهر الصفات الخلقية الفاضلة التي امتاز بها أفراد هذه الأسرةفي ساحل حضرموت وداخلها، فقد أعدوا في أكثر المدن والقرى التي يقيمون بها بيوتاللضيافة يطعم فيها المسافر أياما معلومة وضمنوا استمرارها بأوقاف تصدقوا بها لهذاالغرض، نذكر منها على سبيل المثال بيوت الضيافة في غيل باوزير والنقعة وريدةالجرهيين ورحبة ابن جنيد وفي وادي عدم وساه وحورة ووادي العين وجعيمة وعرفوغيرها.

وانقضت أربعون عاما منذ وضع الشيخ عبد الرحيم بن عمر حجر الأساسلهذه المدينة، كان فيها القانت العابد إذا جن الظلام، والعالم العامل إذا ارتفعالنهار، لا يطغى فيها المسجد على المزرعة فيخل بشؤون دنيا، ولا تشغله المزرعة عنالمسجد فتفسد عليه أمور دينه، وكان له فيما بين المزرعة والمسجد متسع من الوقتللإشراف على المدرسة ونشر العلم بين العامة واستقبال ضيوفه الذين لا ينقطعون،والإصلاح بين القبائل، إلى غير ذلك من أوجه النشاط الإجتماعي التي كان من بينهاالدعاية لاستيطان هذه المنطقة والإفراج عن المياه المخزونة في جوفها بحفر العيونوالقنوات لاستخدامها في زراعة تربتها الخصبة، وقد دفع لهذا الغرض ابن عمه محمد بنسعيد فحفر هو وأبناؤه عيون النقعة ووديكة وغيرها حتى صارت هذه المنطقة مروجا خضراءوجنانا عامرة بالنخيل والمزارع.

وهكذا كان للشيخ عبد الرحيم بن عمر فيالإرشاد لسان، وفي العلم باع، وفي الإقتصاد يد، وفي العبادة قدم حتى وافاه أجله فيمنتصف شعبان سنة 747هـ، ودفن خارج مسجده بجانب الجدار الشرقي( داخل المسجد الآن ) ،وترك من الأولاد ثلاثة هم: سعيد وعثمان وأحمد ينتمي عليهم كل أفراد آل باوزيرالسكان في الغيل.
سيره مباركه راقت لي وان شاء الله تستفيدوامنها
ابراهيم العثماني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الكرك منقول د جعفر المعايطة التميمي مجلس عشيرة المعايطة 1 18-08-2017 08:07 AM
الكرك تحرر بيت المقدس / منقول د جعفر المعايطة التميمي مجلس عشيرة المعايطة 0 17-08-2017 10:40 PM
القول المفصل في قبائل بني الحكم - منقول الارشيف مجلس قبيلة بني الحكم 1 08-02-2016 08:06 PM
بنت الحارثي منقول الحارثي هادي مجلس قبيلة بلحارث بن كعب المذحجية 0 07-11-2011 03:17 PM
مشجرة ال العمودي البكريين (النسخة الأولى) (منقول) العمودي الصديقي مجلس القبائل البكرية و التيمية العام 8 10-06-2011 06:13 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 02:51 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه