سوق الكتاب الموريتاني : كساد في القاعدة و رواج في غوانتانامو - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
حمولة شريم في فلسطين
بقلم : الغيميري
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: العلامة القاضي محمد علي محسن المفتي (آخر رد :عبدالله الحبيشي الزهري)       :: قطوف من سلسلة (الصحيح في أنساب الصديق رضي الله عنه ) (آخر رد :د حازم زكي البكري)       :: قطوف من سلسلة (الصحيح في أنساب الصديق رضي الله عنه ) (آخر رد :د حازم زكي البكري)       :: قطوف من سلسلة (الصحيح في أنساب الصديق رضي الله عنه ) (آخر رد :د حازم زكي البكري)       :: التمذهب (آخر رد :ابراهيم العثماني)       :: سلسلة الصحيح في أنساب آل الصديق (آخر رد :د حازم زكي البكري)       :: احلاف سبيع (العرينات ، بنوثور ، القريشات ، مليح التيم ، السوده والجهوم ) (آخر رد :الجارود)       :: الشيابين من ثقيف (آخر رد :الجارود)       :: حمولة شريم في فلسطين (آخر رد :الغيميري)       :: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته برجاء الدخول (آخر رد :الشافعى الصوالحى)      


العودة   ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ.. > مجالس التنمية البشرية > مجلس التربية و التعليم

Like Tree2Likes
  • 1 Post By بوفارس
  • 1 Post By أبو مروان

إضافة رد
قديم 19-10-2015, 02:16 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
مشرف مجلس قبائل موريتانيا و الصحراء الكبرى
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة mauritania

افتراضي سوق الكتاب الموريتاني : كساد في القاعدة و رواج في غوانتانامو

سوق الكتاب الموريتاني: كساد في القاعدة ورواج في غوانتانامو
أربعاء, 2015-08-05 18:28
المحامي محمد سيدي بن ابراهيم البوفارسي


(الحلقة الأولى من ثلاث حلقات)


من غير المألوف، في موريتانيا، أن تجد كاتبا حاز بقلمه مكانة مرموقة أو حصل على ثروة معتبرة، فلا زال أغلب المجتمع يعزف عن القراءة والكتابة ويعد الإشتغال بهما مؤشر فشل وقرينة بطالة.. هذا ما خطر ببالي بعد أن نصحني أحد الأصدقاء، مؤخرا، بالإقلاع عن الكتابة لأنها، في تقديره، تحط من مكانة ممتهنها.. لم يكن ناصحي عاميا وإنما حاملا لشهادة عليا وكان، فيما صدر عنه، يعكس شعورا مجتمعيا يتوجب العمل على محاربته فالكتابة والقراءة معـراجان إنسانيان ساميان والتقليل من شأنهما والعزوف عنهما، في مجتمع ما، مؤذن بتخلفه وانحطاطه.

لم أستطع بالطبع النزول عند نصح العاذل لأنني ألفت القرطاس وأنست بالقلم، فكما يحس البعض المتعة عندما يمتشق بندقيته ويعبر الصحاري والمفازات لقنص أرنب أو ذئب، يحس آخرون بالراحة عندما يطالعون وينبسط بعضهم عندما يدبج مقالا أو كتابا يحرره على مكث قبل أن يزفه لقوم لا يعدمون من ينتقي أطايب الكلام كما ننتقى أطيب الرطب في موسم القيظ (الكيطنه). والفرق بين قناص البر وصياد الفكر أن هواية الأول تضر بالبيئة الطبيعية التي توفر ظروف الحياة لسائر الكائنات بينما يعمر الثاني بإنتاجه الفضاء المعرفي الذي يميز البشرية ويكسبها قيمها السامية، وشتان ما بين الهدم والبناء.

بعد أن كان الكتاب تحفة ثمينة عند الآباء والأجداد يشترى أو يستنسخ بغالي الثمن ويرصع بالجلد ويفرد له حرم آمن يقيه الشمس والرياح ويحفظه من الرطوبة أصبح كساده قاعدة عامة واحتقاره بدعة متبعة.. وبعد أن كانت للكاتب مكانة وإجلال تحول أغلبهم إلى عاطلين وترك البعض الميدان.. هاجر البعض إلى بلدان أخرى وغير البعض اهتمامه وبقيت ثلة مرابطة على ثغور القرطاس لا تجد ما تستحق من عناية واحترام.

من غير المقبول في هذا المجتمع أن يقبل الناس على البضائع بأنواعها من ملابس وأواني وألعاب ويعرضوا عن الكتاب.. ومن يشك في أن ذلك أصبح واقعا مزريا فما عليه إلا أن يقف أمام المكتبات المعدودة حول سوق العاصمة، سيجد الزحمة في آلاف الدكاكين أما المكتبات فلا.

وسعيا لرفع معنويات الكتاب وتأليف قلوب المعدمين من أصحاب القرائح، أتناول هذا الموضوع تحت ثلاثة عناوين، في ثلاث حلقات متتابعة، أولها: حروف الذهب، وأستعرض تحته نماذج تاريخية تعكس قيمة الكتاب لدى بعض أعلام المجتمع الموريتاني الأصيل قبل أن أسرد قصة نجاح كاتبة عالمية قهرت الجنيه بالحرف. وأتناول، في الحلقة الوسيطة: رحلة كساد أبين من خلالها كيف أصبح كساد الكراس قاعدة عامة. وفي الحلقة الختامية: فتح موريتاني في غوانتانامو، أخلص إلى فسحة أمل استثنائية أستعرض فيها قصة نجاح فذة لكاتب موريتاني مقيد الحرية على بعد آلاف الكيلومترات من مضارب قوم يبدو أنهم، بعد أن نبغوا في تدجين شوارد لسان العرب الفصيح واللهجي (كلام البيظان) بدأوا يجربون فراستهم في لغة شكسبير.

العنوان الأول: حروف الذهب

كانت الحروف أغلى من الذهب ولا تزال، وكدليل على ذلك أستعرض نماذج تعكس قيمة الكتاب لدى المجتمع الموريتاني الأصيل (1) قبل تناول قصة نجاح كاتبة عالمية وفرت الذهب والفضة وقهرتهما باستخدام الحرف (2).

1.

كانت للكتاب قيمة عالية لدى المجتمع الموريتاني التقليدي أبرزها من خلال حكايات مقتضبة تعكس القيمة التاريخية للكتاب عند الآباء والأجداد وإن كنت أعتقد أنها مجرد نماذج، من فوائد ذكرها أنه ربما ينبش حكايات مطمورة لا بد أن بذورها لا تزال حية في الذاكرة الجمعية. وأتبع في عـرض النماذج المنهج الكرونولوجي باعتماد التقويم الهجري في التواريخ المذكورة.

يروى أنه فيما بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر للهجرة جلب سيدي عبد الله بن الطالب العلوي الملقب ولد رازكه، كتاب القاموس المحيط، إلى بلاد شنقيط وأنه أعرض عن بيعه لمسكه ولد باركلله بخمس وعشرين رأسا من البقر (ربما كان المؤلف مخطوطا لأن كتاب "القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماميط" لمؤلفه الفيروز آبادي، طبع طبعته الأولى سنة 1232 في كلكوتا بالهند بينما يبدو من ترجمات ولد رازكه أنه توفي قبل ذلك: سنة 1144).

وفي الجيل الموالي أهدى حاكم مصر - محمد على باشا في الراجح - لسيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم فرسا من العتاق الملكية (كحيلات مصر) فقام صاحبنا ببيعها واشترى بثمنها كتاب "مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل" المشهور باسم مؤلفه الحطاب، وقد ذكر الحسين ولد محنض أن سيدي عبد الله أثبت في ذيل نسخته ثمن الشراء وهو: "أربعة وأربعون مثقالا ونصف فصة من محروسة فاس" وقدر الحسين القيمة - في مقال نشر سنة 2010 - بمبلغ 6650 دولار أمريكي (وهو ما يساوي اليوم مليونين ومائة وإحدى وستين ألفا ومائتين وخمسين أوقية 2.161.250، بسعر صرف 1 دولار = 325 أوقية). كان ذلك أيام الشح في الموارد لا في النفوس. أما في مجتمع الوفرة المعاصر فلم نسمع عمن يشتري كتابا بأكثر من مليوني أوقية!

وبعد أن وصلت الكتب الرائدة البلاد انبرى البعض لنسخها وكانت محاظر لعصابة والحوضين والضفة تجزل العطاء لمن يمتهنون النسخ.. ومن المألوف أن تكون أجرة نسخ الكتاب الواحد عشرات من كبار النعم (الإبل والبقر).

ويبدو أن شرح الحطاب ظل نادرا حتى القرن الثالث عشر، حيث يحكى أن عبد الله ولد محمد سالم المجلسي الملقب حند الله اشترى نسخة منه بستة عشر رأسا من الإبل.. وبالنظر لأهمية شرح الحطاب لدى العلماء الموريتانيين فقد نقحه محمد سالم ولد عدود، رحمه الله، ونشرته دار الرضوان التي لا بد أن مالكها، رجل الأعمال أحمد سالك ولد ابوه، ينفق عليها من دخل غيرها لكساد المعرفة ومحدودية مردوديتها.

وفي القرن المعاصر (الخامس عشر هجري) جلس رئيس ومالك البنك الموريتاني للتجارة الدولية سيدي محمد ولد العباس، رحمه الله، في مكتبه بعمارته الشهيرة في انواكشوط وكان ممن دخل عليه رجل غريب لخص بغيته في كلمات وجيزة: قدمت من أطار طلبا للمجلد الذي نشر من موسوعة المختار ولد حامدن "حياة موريتانيا".. فرد علي العاملون بالمكتبة بنفاد المعروض من الكتاب وبأن بعض النسخ موجودة بحوزتكم فجئت أسأل نسخة منها هبة أو بعوض.. وهب المصرفي عدة نسخ للرجل الذي خرج فرحا بكنزه الثمين فرحا أنساه لوعة المسألة التي لم تلجئه إليها الحاجات المادية التي لا شك أنها تفيض عن راتبه المتواضع كمعلم.. وكما لم يألف محمد سيدي ولد اعليه المسألة، فيما أعلم، أعتقد أن المصرفي، الذي كان على رأس قائمة أثرياء البلد آنذاك، لم يعتد الموقف فلا بد أن أغلب حاجات الناس فيه كانت تتعلق بالنقود والقروض وغيرها من القيم المادية المرغوبة.. ومهما يكن فإن شراء أعداد زائدة من الكتب لا يمكن إلا أن يكون بباعث شريف.

2.

جوان رولينج Joanne Rowling سيدة إنجليزية من مواليد سنة 1965، اجتذبتها الكتابة منذ نعومة أظافرها وعندما كبرت لم يكن طريقها مفروشا بالورود فقد كانت ظروفها المعيشية صعبة خاصة بعد أن فشلت في التفاهم مع زوجها الأول واضطرت، بدافع البطالة والفاقة، لطلب المساعدة الإجتماعية من الدولة لتسكن وتعيل ابنتها.

في أحد أيام العقد الأخير من القرن العشرين وبينما كانت رولينج في محطة قطارات مانشستر بصدد السفر إلى لندن راودتها فكرة نسج قصة للأطفال فلبى خيالها الخصب الرغبة بإنجاب طفل لم يدم حمله إلا الساعات الأربع التي تأخر خلالها القطار. وبينما كانت الكاتبة ترجع بصرها تحت وطأة المخاض أحست بالشفقة لرؤية مسافر يغط في نوم عميق. ورث لقيط محطة القطار قدرات سحرية من والديه اللذين اقترنا في مكان (مسكون) بضوضاء العابرين. واختارت الكاتبة لليتيم الذي تبنته اسم (هاري بوتر) harry potter وسرعان ما تداعى إلى ذهنها كيف تؤهل الغلام ليجذب أطفال العالم باستخدام أنماط سحرية خارقة. تفننت الكاتبة في جعل اللقيط يتفاعل مع النص ودأبت على إبقائه منتبها بطقطقة أزرار آلتها الكاتبة القديمة فلم تكن تريده أن يحذو حذو الرجل النائم. ولبرودة الطقس الإنجليزي غالبا ما كانت رولينج تلجأ إلى المقاهي، طلبا للدفء الذي لا يتوفر في مهجعها، فتجد فرصة مواتية للكتابة بينما تلهو ابنتها أو تنام إلى جنبها.

عندما أكملت السيدة كتابها الأول، بدأت رحلة البحث عن ناشر، فتقاعس الجبناء الذين رفضوا المشروع مسبقا إلا أن الناشر الثالث عشر، في ترتيب من طرقت الكاتبة أبوابهم، فكر في منحها فرصة بعرض العمل على ابنته ذات الثمانية أعوام.. أجازت بنية الناشر القصة وألحت في طلب جزئها التالي.. عندها قرر الرجل مباشرة الطباعة وطلب من الكاتبة اختيار الأحرف الأولى من إسمها الذي سيظهر على الغلاف، كي يلتبس جنس الكاتب بحجة أن أطفال الإنجليز، قد ينفرون من قراءة مصنفات الإناث!

بعد نشر الكتاب الأول "هاري بوتر وحجر الفيلسوف" بدأت ظروف الكاتبة تتغير ببطء فتابعت رولينج في إنتاج سلسلة كتبها السبعة التي بدأ القراء يتلقفونها بحماس متزايد لدرجة أن الطوابير كانت تمتد أمام المكتبات كلما تقرر عرض كتاب من السلسلة بدءا من الرابع.. وأضحت سلسلة هاري بوتر على رأس قوائم الكتب الأكثر مبيعا وترجمت إلى لغات العالم وانبرى الممثلون لإخراجها في أفلام لم تكن أقل رواجا.. لم تنغمس الكاتبة في الرخاء الذي كفل شروطه المادية عائد السلسلة وإنما تابعت رياضتها الذهنية لتنتج كتبا أخري للكبار.. وما هي إلا سنوات حتى غدت زميلتنا من عداد الأثرياء حيث قدرت مجلة فوربس أن ثروتها تجاوزت مليار دولار آمريكي (سنة 2004).

حصلت رولينج على وسام الشرف البريطاني وأوسمة رفيعة في دول أخرى وفي سنة 2010 اختيرت كأكثر النساء تأثيرا في المملكة وتغيرت ظروفها العائلية بعد أن تزوجت طبيب تخدير أنجبت منه ولدين وبدأت تنسى جفاء القرين الأول الذي طاردها في البرتغال حتى احتمت منه في سفارة بلدها ولحق بها في انجلترا فلم يكف عن متابعتها إلا بعد أن استصدرت أمرا قضائيا يمنعه من التعرض لها.. باتت الكاتبة الآن من أكبر من يعول حزب العمال البريطاني على دعمه المادي واستثمرت في الأعمال الإنسانية ملايين الدولارات دون أن ينال الإنفاق من رصيدها المالي المتصاعد الذي يتسارع ارتفاع أسهمه كلما جلست للتأمل والتحرير.

أسرد هذه القصة لكتاب موريتانيا (رادها اعليهم) منبها إلى أنه لو توفرت لرولينج فرصة عمل مرضية وظروف عيش كريمة لاستسلمت للرخاء ولما تمكنت من رفع التحدي الذي سما بها إلى مراتب الإبداع العالمي.



يتواصل: الحلقة الموالية: رحلة كتاب كساد

توقيع : بوفارس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم
بوفارس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-10-2015, 02:23 PM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
مشرف مجلس قبائل موريتانيا و الصحراء الكبرى
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة mauritania

افتراضي

سوق الكتاب الموريتاني: كساد في القاعدة ورواج في غوانتانامو)ح2
ثلاثاء, 2015-08-25 23:06
المحامي/ محمد سيدي بن ابراهيم البوفارسي

بينت في الحلقة الأولى من معالجة (سوق الكتاب الموريتاني: كساد في القاعدة ورواج في غوانتانامو) كيف كانت قيمة الكتاب مرتفعة عند الأجداد وظلت محافظة على مستوى ما عند الآباء وقدمت مثالا حيا على ما يحظى به الحرف، اليوم، من اهتمام في البلاد القارئة.
وأتابع في هذه الحلقة لأبين كيف انقضي عهد غلاء الكتاب في موريتانيا وتداعت بذلك قيمة أسهم أهم مؤشرات المعرفة.. ولأنني غير محيط بتجارب كبار المؤلفين فسأكتب عن تجربتي الشخصية المتواضعة وما عاينت بخصوص قيمة الكتاب الحالية في هذه البلاد.. وتوبلة للمقال ارتأيت، أن أشارككم بعض المحطات الزمانية والمكانية التي مررت بها في رحلة كتابي، إحياء لسنة تدوين رحلات الموريتانيين إلى المشرق التي كتب فيها ولد اطوير الجنة، الشيخ ماء العينين، محمد يحي الولاتي، محمد فال ولد باب العلوي، المعلوم البوصادي، محمد يحي ولد ابوه اليعقوبي والشيخ محمد الأمين الجكني.. ولا أخفي أنني لم أطالع ما كتبه الأعلام المذكورون وإنما قرأت شذرات من كتاب أحدهم وطالعت معلومات عنهم، في مقال للدكتور حماه الله ولد سالم تحت عنوان: رحلات الحج من موريتانيا (بلاد شنقيط)، يبدو أن صاحبنا قدم مادته خلال مؤتمر عقد في الدوحة سنة 2010.
سأحكي عليكم قصة كتابي كاملة ومن البداية: أيام كان حلما جميلا وعندما أصبح مخاضا عسيرا وكيف استهل صارخا مع ذكر ما يعانيه من جلد وإهمال في مراهقته الصعبة، ذكر في حكم الشكوى.. وستستخلصون من بعض المواقف صحة القاعدة المنوه عنها في العنوان وهي أن الكتاب أصبح كاسدا في هذه البلاد.
اجتذبتني الكتابة منذ الصغر فكانت أكبر أمنياتي أن أكون مؤلفا وإذا تجاوزت الإرهاصات الأولى، للرسم بالكلمات، أذكر أن بدايتي الجادة كانت في سنة 1997، فبعد أعوام من ممارسة مهنة المحاماة اكتشفت البون الشاسع بين ما تتضمنه النصوص القانونية النظرية وما تكرسه الممارسة القضائية في الواقع فتناولت الموضوع في مكتوب لم تكن صفحاته تعدو سبعا وعشرين (27) صفحة.. عمدت إلى طباعتها وتوزيع نسخ منها على القضاة والمحامين وكتاب الضبط العاملين معي في مدينة انواذيبو.. تفاعل القضاة مع الورقات تفاعلا منقطع النظير ورد عليها قاضيان أديبان، هما الأستاذ أحمد سالم ولد مولاي اعل الذي كان يرأس محكمة استئناف انواذيبو آنذاك و"أصبحت ركبتي تلامس ركبته على مقاعد المحامين" بعد ولوجه مهنة المحاماة فيما بعد والقاضي محمد الأمين ولد داداه، الذي كان يرأس محكمة المقاطعة، وسافر للعمل والإقامة في دولة الإمارات العربية المتحدة فاستقبلني في بيته عندما زرت أبا ظبي.
تقاطعت طبيعة عملي كمحام مع اهتمامي بالكتابة ولذلك صوبت قلمي إلى العمل القضائي ولم أقتصر على الورقات التي كتبت في حكم معاوية ولد سيد أحمد الطائع فعندما أمسك المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية مقاليد السلطة نشرت تقويما لعمله في إصلاح القضاء وتناولت مخالفاته الدستورية ونواقص التشريع الموريتاني الصادر في ظله كما عرضت التجاوزات القانونية في اكتتاب للقضاة قرره المجلس آنذاك.
وعندما نصب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، إثر انتخابه رئيسا للجمهورية الإسلامية الموريتانية، تطبيقا للقانون الرباني في تداول الأيام بين الناس، تريثت فترة فلما لاحظت عدم التفاته للقضاء كتبت له رسالة تذكير بأوضاع المرفق وضرورات إصلاحه.
وإثر انقلاب 6 أغسطس 2008، امتشقت قلمي وسخرته للدفاع عن الشرعية وتلك رحلة أخرى لن أتوسع في أمرها لأنها ستكون، بإذن الله، مادة كتابي المرتقب: مرافعات، لصالح الدولة الموريتانية ضد الإنقلابات العسكرية.
ولما اتفق السياسيون وعادت المياه إلى مجاريها بدأت العمل على تجسيد مشروعي بإصدار كتاب عن سير العدالة أبرز فيه قناعتي عن واقع التردي وأدمج بين دفتيه المقالات ذات الصلة التي سبق وأن نشرت عبر الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية. وبعد نظر تبلورت خطة الكتاب: خمسة فصول أفردت الفصل التمهيدي لتبرير واقع الخلل القضائي في موريتانيا وتجلياته وضمنت الفصل الأول: مبادئ القضاء المنتهكة، محتوى الأوراق التي كتبت سنة 1997 وضمن هوامشها الردود الواردة عليها وفي الفصل الثاني: الإصلاح المتسرع، عرضت رؤيتي لعمل المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية وفي الفصل الثالث: الإستقالة القضائية للدولة، لخصت تصنيفي لفترة حكم سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وبداية حكم محمد ولد عبد العزيز إلى غاية مطلع سنة 2010. قبل أن أخلص في الفصل الختامي إلى ضرورات إصلاح القضاء.
1.
اخترت أن يكون عنوان كتابي: "مباحث في سبيل العدل" معالجات لواقع التردي القضائي في موريتانيا وضرورات الإصلاح (الفترة من 1997 وحتى 2010)، فقمت بطباعة المصنف بنفسي وأًصبحت مسودته جاهزة بحلول سنة 2010 ولم تبق إلا اللمسات الأخيرة التي تستمر عادة إلى أن يتجسد الكتاب ويجف حبره بحيث يتعذر المساس به. ولغرض التكثير والحبك شددت الرحال إلى الإمارات العربية المتحدة مغتنما فرصة معرض أبي ظبي للكتاب في نسخته العشرين التي انطلقت في اليوم الثاني وانتهت في السابع من شهر مارس 2010. مع أنه يجدر بالذكر أن تلك الزيارة لم تكن عهدي الأول بدولة الإمارات العربية المتحدة.
نزلت، كالعادة، في بيت الشاعـر محمد بويا ولد اعليه (ابن خالي المقيمين في الإمارات) البيت الذي أذكر أن محمد ولد عبدي، رحمه الله، كان يحدثنا فيه، ذات مساء، عن رحلته في الأناضول على خطى ابن بطوطة.. كما أذكر أنني التقيت بين جدرانه بعض سفـراء القلم: السيد ولد اباه، أحمد سالم ولد ما يأبى، محمد سالم ولد الداه، سعدنا ولد الطالب والفاللي ولد المزروف..
في مساء أحد الأيام استبقت نهاية دوام مضيفي، وخرجت من البيت ميمما ميدان المعارض وعندما اقتربت من الضاحية لفتت انتباهي عمارة بديعة كانت تقترب رويدا رويدا، بعكس المألوف كانت البناية منحنية وكأنها تلتفت إلى الخلف باعتدال.. لم يتولد هذا الإنطباع عندي نتيجة انبهار بالعمارة الحديثة فقد زال ذلك عني، منذ عقد، بعد أن زرت عواصم كبرى.. إلا أن العمارة المنحنية كانت فريدة من نوعها ربما كان أهل الدار يريدون تعبيرا لافتا عن تقديرهم للمعرفة بطأطأة رأس عمارة "كابيتال جيت أبو ظبي" في رحاب ميدان المعارض إلى أن وصلت درجة ميلانها 18 درجة.
دخلت المعرض ووقفت عند الإرشادات قبل أن أنطلق إلى جناح المطابع ودور النشر.. كان الحضور الهندي قويا وعاكسا للتاريخ فللهند مع فن الطباعة حكاية قديمة.. تبادلت الحديث مع بعضهم بلغة إنجليزية متواضعة واجتزت حتى وصلت إلى مطبعة إماراتية كان وكيلها شابا عربيا شرحت له بغيتي وبعد التبادل أدركت بأن مطبعة المسار يمكن أن تلبي طلبي فتبادلنا أرقام الهواتف واتفقنا على اللقاء، بعد انقضاء أيام المعرض، بمقر المطبعة في مدينة دبي على بعد مائة وثلاثين (130) كيلومترا.. تنفست الصعداء بعد أن قطعت خطوة في إنجاز "مهمتي التاريخية" وبدأت الجولة العادية عبر أجنحة المعرض.
أذكر أن الجناح الموريتاني كان من أكثر الأجنحة روادا.. إلا أنني لست متأكدا ما إذا كان ذلك الإنطباع تحصل لدي أثناء زيارتي تلك أو بعدها.. الأكيد أنني ألفيت مرارا سلامي ولد أحمد المكي وهو يقف بصبر ساهرا على مؤازرة الكتاب الموريتاني حيث تزدحم كتب العالم.. علاوة على الدور الذي تطلع به مكتبته (القرنين 15/21) في نشر الكتب الوطنية.
جذبتني اللغة إلى جناح الفرنسيين وكانت جامعة السوربون تروج لاجتذاب الطلبة للتسجيل في فرعها المفتتح في أبي ظبي.. كنت راغبا في تعميق الدراسة والبحث للحصول على الدكتوراه في أحد فروع القانون فاستفسرت عن شروط التسجيل إلا أن الرسوم المرتفعة والبعد أرغماني على صرف التفكير عن الموضوع.. تبادلت الحديث مع بعضهم ولا أزال أذكر مسنة فرنسية يبدو أنها سئمت قرع الإنجليزية الدائم على مسامعها وطربت للحديث بلسان قومها فطفقت تنادي الآسيويين المتجمهرين حولها، باللسان الإنجليزي، قائلة: إنه من موريتانيا وموريتانيا من فرنسا، باريس.. لم أجد سببا لتفنيد قول السيدة، لأني مطمئن بأن لغوها لن يعيد الإستعمار الفرنسي لخيامنا.
عرجت إلى كشك جيراننا السنغاليين فوقفت مع مواطنين كان أحدهما يتكلم بصوت مرتفع ويضحك بعفوية وهو يذكر لي أنه زميل لرئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز لأنه درس معه في مدرسة لم أحفظ إسمها إلا أنني أعتقد أنه ذكر بأنها في مدينة (اللوكة) السنغالية..
وفي المساء خرجت أنوء بالكتب التي اشتريت والتي لا شك أن وزنها يتجاوز العشرين كيلوغراما، حمل لا تسمح الخطوط الجوية للمسافر عادة باصطحابه مجانا.. ولكن لا بأس فثمة خط آمن يضمن التواصل بين البلدين عبر البحر.. أحببت مهرجان الكتب وفضاءه واعتدت أن أبرمج زياراتي اللاحقة كي تتصادف مع معرض أبي ظبي للكتاب.
2.
على الرغم من التنائي الجغرافي بين موريتانيا والإمارات فإن ثمة تشابه كبير في العادات وتقاطع لهجي جلي فكما يتشابه الجناحان رغم عدم تماسهما يتماثل سكان جناحي بلاد العرب غربا وشرقا: في المجتمعين التقليديين أبناء بدو كانوا يحدون حيواناتهم لانتجاع الكلأ والمرعى. ذللوا الجمال للركوب وسكنوا خياما نسجوها من شعر ووبر الأنعام الذي يجزه الرجال قبل أن تعكف النسوة على السدو لنسجه.. تستخدمن المغزل والنيرة والأوتاد وتشددن البرمة والفتلة لنسج "فليج" وتصلن القطع فيما بينها لصنع خيام وفرش.. ويمكن للقارئ المعاصر التوقف للتأكد من أن العبارات المستخدمة هي ذاتها في كلا المجتمعين التقليديين.. مرة كان أحد مواطني دولة الإمارات إلى جانبي عندما رددت على اتصال هاتفي وأخبرت المتصل بأن لدي "خطارا"، عجب الدكتور عبد الله النيادي، الذي زارنا ذات عام في موريتانيا، من كونهم يستخدمون نفس المصطلح للدلالة على الضيوف.. ربما نقل بعض الرحالة الكلمات بين الحيين..
قد يكون العداء ابهاه (بجزم الباء ورفع الهاء) الذي ذهب حاجا من خيام أهله في موريتانيا وجاوز الكعبة مشرقا "برك" (بنصب الراء وتشديده) عند بعض خيام العرب في الخليج وأقام عندهم فتعلم منهم عبارات البدو المشتركة أو علمهم إياها، قبل أن يدلف إلى مكة عائدا من الشرق لأداء الفريضة.. لقد شاهدت نماذج مصغرة من خيام الإمارات في المراكز التجارية ولاحظت تشابها في الشكل والتأثيث رغم تباعد مضارب خيام المجتمعين.. فمن علم نسوة الحيين المتباعدين الجلوس على خيوط الطول والعكوف على السدو لإدراج خيوط العرض وأداء سيمفونية النسج بذات الطريقة؟
كنت ضيفا في خيمة التواصل، بيت أصيل بمزارع الختم (بنصب الخاء والتاء) على طريق: أبو ظبي – العين، أقامه صاحبنا الدكتور عبد الله النيادي، لاستقبال ضيوفه وليكون مقرا للدبلوماسية الشعبية الإماراتية، قام أبو التواصل، كما يكنى، بتفريش بيته على الطريقة الأصيلة وجهزه بمختلف الوسائل المعاصرة.. والحقيقة أني شعرت بالراحة عندما قعدت فيه القرفصاء ومددت أطرافي وهو شعور لا يخامرني عندما أجلس متطامنا على كرسي، فمهما كان وثيرا فإنه يقيد الجالس بهيئة محددة.. كانت السهرة رائعة ألقى فيها محمد بويا الملحمة التي فاز بها في مسابقة مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم، المنظمة من طرف دائرة أوقاف دبي سنة 1420.. وتكفل الإخوة السودانيون بإنعاشها بمدائحهم الشجية في مدح خير اليرية.. نسيت مسرح شاطئ الراحة ونهائيات مباريات الشعر.. اعذروني إن قطعت الحديث في موضوع ذي شجون.. فقد آن لي أن أرجع لرحلة كتابي.
3.
في صباح أحد الأيام انطلقت من مدينة أبي ظبي إلى دبي في رحلة قارب وقتها الساعتين. قرر سائق سيارة الأجرة الإنعراج يمينا عند سيح شعيب سالكا طريق الشاحنات، كانت سيارة الأجرة تزاحم المركبات الكبرى بينما كنت أتابع باهتمام حركة العداد المنهمك في مهمته الحصرية.. بعد لأي وزحام وصلت مطبعة المسار ضحى وكان كتابي جاهزا بعد تنسيقه على نمط PDF ومسجلا على حامل إلكتروني وضعته في جيبي إلا أنني احتياطا اصطحبت معي "اللاب توب" تحسبا لتعطل أحدهما.. وإمعانا في الحزم كانت نسخة أخرى محفوظة في بريدي الإلكتروني.. لم يبق إلا تجسيد الغلاف الذي كان تصوره النظري واضحا في ذهني: ميزان في إحدى كفتيه صورة لقصر العدل في انواكشوط، كنت التقطتها بنفسي وفي الكفة الأخرى كتاب يحمل العلم الوطني وعبارة القانون.. وعلى الرغم من وزن القصر بطوابقه المتعددة وكتلة خرسانته المسلحة فقد أردت أن تكون كفة ميزان كتابي مائلة لصالح القانون.. حاولت تجسيد التصور إلا أن نقص المهارات الإلكترونية اضطررني للإستعانة بفني مطبعة المسار فكان ما تطالعون على الكتاب وفي الصورة المرفقة.
كنت أحدث نفسي بأن خمسة آلاف نظير رقم مناسب لكتابي: فلا بد أن من يزاولون المهن القضائية من محامين وقضاة وكتاب ضبط سيتلقفون ألفا وسيستحوذ المثقفون المهتمون من خارج الحقل القضائي على ألفين، أما الألفان المتبقيتان فسأحتفظ منهما بمائتين قبل أن يتلقف الباحثون الباقي.. وبعد سنة ستكون الطبعة الأولى شارفت على النهاية فأبادر إلى طبعة ثانية أتلافي فيها الأخطاء المحتملة.. فلقد جربت حكمة عماد الدين الأصفهاني (والبعض نسب القول للعسقلاني أو اللخمي): «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه، إلاّ قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقْص على جملة البشر".
بعد جس الجيب ومراجعة مختلف المعطيات تعاقدت مع المطبعة على ثلاثة آلاف نسخة من مباحثي وعلى أن يكون ورق الكتاب من الحجم الصغير (A 5) الذي ضبط عليه المصنف أصلا، بغلاف مقوى مكسو بطبقة ابلاستيكية رفعت التكلفة.. فلا بد من حلة جميلة للكتاب وللرداء الأول في مجتمعنا قيمة لا تهان.
قضيت يوما كاملا في مباني المطبعة فلقد قرر رفاقي أن أنتظر نهاية الدوام لمرافقة مهندس يقيم في السمحة على مشارف أبي ظبي.. ولأن دبي مدينة مزدحمة وغالية الإيجارات يقطن الكثير من العاملين بها في الضواحي.. ركبت مع المهندس المصري الشاب عزت حسين عزت في سيارته فكان نعم الرفيق.. بدلا من تركي أتدبر أمر التاكسي بعد أن قطعت ثلثي المسافة أبى إلا أن يوصلني إلى البناية التي أقيم فيها.. واختلق لذلك مشوارا فاتصل بأصدقاء كانوا جاهزين لمرافقته من السمحة.. أذهبت النكت المصرية التعب البدني وطوت المسافة.
سيسدي المهندس المصري عزت لي خدمة أخرى فبعد الطباعة جلب لي كراتين من الكتاب اصطحبت محمد (شقيقي الشرطي) لاستلامها منه في المساء.. تصفحت كتابي في الطريق في سيارة الأخ فشعرت بفرح بالغ.. لقد أنجزت أغلى أمنياتي وقررت أن أخصص ريعه لطباعة المؤلف التالي في السنة القادمة.. وكنت أبوح عن بعض برامجي للأخ أبي فارس الذي سعى مرارا بطريقة مهذبة إلى منعي من التحليق في فضاء الخيال كي لا تكون صدمة السقوط قوية.. لقد كانت لمحمد بويا تجربة في الميدان حيث قام منذ أعوام، بعد التحقيق والشرح، بطباعة كتاب "أرجوزة دليل باغي الحق لعلم بعض خلق خير الخلق" صلى الله عليه وسلم لمؤلفه القاضي محمدن ولد المزروف الملقب سيلوم.
والحقيقة أنني عندما أستحضر الماضي لا أبرئ نفسي من بعض الغرور.. فكما قال الطيب صالح في رواية موسم الهجرة إلى الشمال: "كنت في تلك الأيام مزهوا بنفسي حسن الظن بها".. كنت أعتقد أن الكتاب يمكن أن يرفع من قيمة صاحبه ولكنني مطمئن بالشفاء الآن بعد أن تلقيت جرعات متتالية في إطار برنامج تجاهل الكتاب، ستطالعون تفاصيلها في المقطع الموالي.
4.
عندما ركبت راجعا إلى بلادي اصطحبت معي نسخا محدودة من الكتاب حرصت على أن أفرق بينها كي لا تلفت الإنتباه.. كنت أعلم أنه ما من سبب شرعي سيقف في وجه المصنف ولكن دهشة المبتدئ جعلتني أتوجس.. كان من دواعي سروري انصراف اهتمام جمارك مطار انواكشوط إلى قنينات وساعات وهدايا كتلك التي نصطحبها في العادة.. كان بعضها أمانات سلمت لأصحابها وتبين فيما بعد أن بعضها مجرد أكياس فارغة تم اختلاس محتوياتها في محطة ما من الرحلة..
دخل الكتاب البلاد جوا وبحرا دون أن يسأل أحد عنه وبعد الإيداع الشرعي بدأت حملة الإهداء.. غيرت استراتيجيتي فبعد أن كنت أتستر على الكتاب خوفا من المجهول بدأت العمل على لفت انتباه الناس إليه، دون جدوى.. لم يكن أغلب من أصادفهم يكترثون، كان بعض من أهديه المصنف يمسكه على هون وعيناه تتوسلان لإعفائه منه. وكنت أكتشف أن بعض من أهديه لهم يتنازلون عنه لأول شخص يصادفونه. فكانت الجرعة الأولى من مسكنات الغرور.
اخترت طرح الكتاب في ثلاث مكتبات: 15/21، شركة الكتب الإسلامية في موريتانيا ومكتبة الإصلاح، فلما راجعتها بعد عدة شهور وجدت أن النسخ التي تم تصريفها لا تعدو عد أصابع اليد الواحدة.. فكانت ملعقة أخرى من الدواء.
في يوم 10 يونيو 2010 أعلنت التلفزة الموريتانية عن استضافة وزير العدل في حلقة من برنامج: الحكومة في الميزان، كانت التلفزة آنذاك تعلن تبني منهج انفتاح تجسد في تناول بعض القضايا بصراحة نسبية وإتاحة الفرصة للبرامج المباشرة والمداخلات، فقلت في نفسي ربما تكون فرصة للمصنف.. الكتب معتبرة والتلفزة تلتقط أحاديث الشارع.. بادرت بإرسال نسختين من الكتاب بواسطة البريد الدولي المضمون ups، وكتبت رسالة إلكترونية لمدير التلفزة ومساعده ومدير البرامج، على عناوينهم الإلكترونية المنشورة في موقع التلفزيون الوطني TVM، لإشعارهم بالإرسال لأن بث البرنامج كان وشيكا.. وجلست في اليوم الموعود، في العشر الأواسط من يونيو 2010، لمتابعة برنامج الحكومة في الميزان: استهل المقدم حلقته بافتتاحية طويلة عن أهمية إصلاح القضاء، نقلها من كتابي حرفا بحرف ودون أدنى تصرف، إلا أنه قرر كتم المصدر فبدت الإفتتاحية كما لو كانت من إنشاء الصحفي أو إدارته.. المشكلة أن المادة ليست لي وقد أثبتتها لصاحبها.. لست أدري ما إذا كان لدى مقدمي البرامج في التلفزيون الموريتاني فكرة عن الملكية الفكرية وما يستوجبه القانون من ذكر للمصادر وعن تصنيف استخدام أفكار وعبارات الآخرين دون نسبتها لهم.. انقضت ساعتان دون ذكر الكتاب فكانت جرعة أخرى في إطار البرنامج.
وفي يوم 30 يونيو 2010 بعثت بنسخة من كتابي لوزير العدل وبعد أيام اتصل بي سكرتيره الخاص وربط الإتصال بيني وبين الوزير الذي كنت وإياه نتردد على قسم واحد من أقسام جامعة انواكشوط.. كان الرجل متحمسا بعد أن توصل لتوه بالنسخة الأنيقة وأثناء المحادثة وعدته بزيارته في مكتبه عندما أصل انواكشوط.. بعد أيام دخلت على السكرتير الخاص، الذي يعرفني جيدا، فأبلغته عن رغبتي في مقابلة الوزير.. وعندما طال الإنتظار أدركت أن عضو الحكومة يتجنب لقائي فتركت رقم الهاتف وانصرفت.. لم يفاجئني التراجع فقد كنت أتوقع أن يفتر حماس الرجل بعد الغوص في المصنف الذي أعلم جيدا أن منهجه النقدي وصراحته ينافيان تقاليد المديح المحبذة لدى الإدارة.. لقد أردت من كتابي أن يكون صرخة ضد الظلم لا أن يصنف في ملتمسات التأييد والمساندة.. ليس في الكتاب تجريح وإنما انتقادات موضوعية.. فهل فكر المسؤولون في أنهم بتجنب سماع النقد ينحون عن العمل الجاد ويسلكون سبل المجون.
استحضرت واجب المواطن النموذجي في التعاطي مع من يشرفون على قيادة البلد فبعثت في يوم 06 يوليو 2010، بواسطة بريد ups دائما، بنسخ من الكتاب للسيد رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية وللوزير الأول بواسطة مديري ديوانيهما فلم يكن لذلك صدى.
كنت أباشر حملة وطنية كبرى لتعميم كتابي فأرسلت نسخا منه لبعض أعلام البلد.. لأبرز البرلمانيين في المولاة والمعارضة مع التركيز على ذوي الإختصاص.. ورغم الجلبة المتكررة حول العدل على منصة البرلمان لم أسمع منتخبا يعلق على الكتاب أو يستشهد بما ورد فيه.. ولكنني أعذرهم لأنني أعلم أن أغلبهم لم يقرأ المصنف.
التقيت مرة الدكتور عمر أبو البشر، خبير بترول سوداني الجنسية قدم إلى موريتانيا باحثا عن أصوله الشنقيطية.. فأهديته نسخة من كتاب النفط والطاقة في موريتانيا، لمؤلفه محمد عالي ولد سيدي محمد، فلما التقيت الخبير الدولي بعد ذلك بفترة ذكر لي بأنه طالع الكتاب فتحصل لديه الإنطباع بأنه ما كان ليسمح بنشر مثل هذه المعلومات في بلاد أخرى.. ولكن ما لم يدركه ابن كرام الدليمي أننا لسنا بقارئين.
بعد أن انقضى النصف الأول من سنة 2015 ومضى أكثر من خمس سنوات على نشر كتابي راجعت المكتبات لأجد أن مجموع النسخ التي تم تصريفها لا تعدو الخمسين نسخة.. أي بمعدل أقل من نسخة في الشهر.. استحضرت أنه إذا سار التعاطي مع كتابي بهذه الوتيرة وعشت خمسين سنة أخرى فسيرث خلفي أكثر من ثلاثة أرباع النسخ وقد كانت تلك الجرعة المحصنة من داء غرور الكاتب مدى الحياة.. يجوز لنا في موريتانيا أن نحتفل بنجاح برنامج القضاء التام على داء غرور الكتاب الفتاك.
وأثناء كتابة هذا المقال توفي الكاتب محمد سعيد ولد همدي، الذي كتب في حياته، مقالات أجل أغلب الموريتانيين قراءتها لما بعد وفاته.. قرأت تعليقه على قصيدة السفين لأول مرة يوم دفنه بعد أن نشرها الشيخ بكاي.. رحم الله "عاشق الكتب" كما لقبه سيدي ولد أمجاد والسلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين.
5.
ربما حسب البعض أن إهمال كتابي "مباحث في سبيل العدل" عائد لنقص فيه ولتبديد ذلك يهمني أن أسرد بعض التعليقات الواردة عليه.. كانت التعليقات الشفهية كثيرة إلا أنها ذهبت جفاء.. أما الملاحظات المكتوبة، فيمكن حصرها في خمس تعليقات أقتطف نماذج منها، على أن أرتبها اكرونولوجيا:
في يوم 30 دجنبر 1997، كتب الأستاذ/ أحمد سالم ولد مولاي اعل: "كم كنت أتشوق لأن يقع بين يدي مكتوب تروق قراءته أسد به فجوة من الوقت الفائض.. أود أن أنوه بالأستاذ وبجهوده، وأثمن مبادرته، وأقدر جرأته، في التسور على الحقل، وإزالة حصنه من الداخل ليسهل على العامة ولوجه من الخلف على حين غرة وليركن منه إلى "باطن الباب" بعيدا عن المكاتب والضبط وقاعات المحاكم حتى لا يتهم بارتكاب جرائم الجلسات..".
وفي نفس يوم 30/12/1997، كتب القاضي محمد الأمين ولد داده: ".. وهذه الرسالة وإن كنت من أول المصابين بسهامها المسمومة ودعايتها التي تحمل في طياتها سيلا جارفا من النقد الغاضب والجرح البليغ فإنها مقبولة في نظري لأنها تحمل في أغلبها جملة من الحقائق التي لا يمكن للقاضي المنصف أن يتملص منها إلا إذا كابر في واقعه المر.".
وإضافة للتعليقين أعلاه، المضمنين في هوامش الكتاب، توصلت برسائل خاصة، لا أجد من المناسب إفشاء أسماء أصحابها لعدم الحصول على موافقتهم المبدئية على إعلانها، إلا أنني لا أجد مانعا من نشر بعض محتوياتها.
في يوم 20 مارس 2007، وصلتني رسالة إلكترونية من باحث موريتاني كان يتابع دراساته العليا في القانون ببلد أوروبي، أورد فيها:
"لقد قرأت الموضوع الذي تفضلتم مشكورين بإرساله وقد أعجبني شكلا ومضمونا وخصوصا التوثيق المتناهي لكل الإحالات والمتابعة الدقيقة لجل العيوب التي شابت تشريع هذه المرحلة الذي تميز بالإرتجالية.. والذي ينم عن اطلاع كبير من جانبكم يندر مثله بين من يعتبرون أنفسهم مهتمين بهذا المجال في بلدنا.".
وفي يوم 12 شتنبر 2010 كتب لي كاتب ضبط أديب: "مباحثك على قدر الفصول، ومقالاتك ضاربة في القدم مضارعة للعصر جامعة بين الأدب ولغة القانون وبين السجع والرمزية انصهر كل ذلك صهرا فجاء يردد مأساة القطاع، قطاع العدل وانقطاعات الإنصاف. لقد أعجبني كتابك فقرأته مستحضرا الواقع الذي تكتب عنه بملائكته وشياطينه، بظالميه ومظلوميه فتضاعف الإمتاع."
وفي يوم 4 نوفمبر 2010، وصلتني رسالة إلكترونية من قاض شهير، ليس لي معه سابق عهد ولم أتشرف بلقائه بعد، جاء فيها:
"تحية طيبة، لقد قرأت بعضا مما أثرتم من نواقص القضاء في الحلقتين المنشورتين في موقع الأخبار فجزاكم الله خيرا على هذا السعي الجاد من أجل إصلاح حقيقي للقضاء ولو ببث واقع مر لكن كما يقول المثل الحساني "ما يداوى المر ماه باللي أمر من".. هذه ضربات موجعة في أجسادنا نحن القضاة ولكن يجب صبرها لعل وعسى أن تساهم في علاج ما هو أمر منها وأكثر إيلاما وعل وعسى أن يوفق الله من حاشية الرئيس من يبلغه عن الواقع المر الذي يعاني منه هذا الجهاز الحساس.. ونحن نشجعكم على هذا المسعى.". ويجدر بالذكر أن كاتب هذه الرسالة هاجر للعمل خارج البلاد!
وتعليقا يتعين أن نعتبر بأن المسؤوليات العامة ومنها القضائية ملك للجميع ولا قائل بتعصب من يشغلونها لأنفسهم.. وقد أوردت في المصنف كيف أصدر أحد القضاة تعميما بمنع محام من دخول قصر العدل فما لبثنا حتى عين الممنوع رئيسا مباشرا للمانع.. بعد أن بدأ الموريتانيون يألفون تبادل القضاة والمحامين على المناصب القضائية لم يعد ثمة موجب.. حسب المسؤول أن يستحضر القول المأثور "لو دامت لغيرك ما وصلت إليك".
6.
أخبرني زميلي المحامي غالي محمود بأن الدكتور محمد ولد مولود، رئيس اتحاد قوى التقدم، اهتم بكتابي.. لم يهتم به لأني ألفته فالرئيس لا يعرفني.. لكنه فيما يبدو يقدر الكتب.. تمثلوا معي أحدكم يكتب رسالة تكلفه جهدا ولكن المرسل إليهم يغلقون الأبواب ويرفضون مجرد استلامها.. فلا غرو أن يسترعي الإستثناء الإنتباه.
وبينما كان تجاهل مصنفي سيد الموقف في البلاد أبلغني مدير إحدى المكتبات الوطنية أن مكتبة الكونغرس الآمريكي – التي تعد أكبر مكتبة في العالم - اقتنت كتابي وغيره.. لن أسترسل في مدح الولايات المتحدة الآمريكية لأنني ذكرت مأساة محمدو ولد صلاحي.. فقط للرفع من معنويات الكتاب، بعد الإحباط الذي سببته هذه الحلقة، سأختم، في الحلقة القادمة، بقصة نجاح موريتاني في جزيرة غير بعيدة من آمريكا.
الحلقة الموالية والأخيرة: فتح موريتاني في غوانتانامو.
- See more at: [url]http://alikhb
توقيع : بوفارس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم
بوفارس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 20-10-2015, 12:02 AM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
المطور العام - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية أبو مروان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة algeria

افتراضي

عظيم .. كم كان الكتاب مهما عند قدامى المسلمين .. إلى درجة دفع العشرة من حمر النعم مقابل نسخ كتاب واحد . رحم الله علماءنا السابقين و جعل عملهم هذا في ميزان حسناتهم .
خير جليس في الأنام كتاب
بوفارس likes this.
أبو مروان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-11-2015, 03:26 PM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
مشرف مجلس قبائل موريتانيا و الصحراء الكبرى
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة mauritania

افتراضي

فتح موريتاني في غوانتانامو/ المحامي/ محمد سيدي ابراهيم
.
.
بينت الحلقة الأولى من معالجة (سوق الكتاب الموريتاني كساد في القاعدة ورواج في غوانتانامو) أهمية الكتاب عند الموريتاني التقليدي وما يحظى به الحرف اليوم من قيمة في البلاد القارئة وبرهنت الحلقة الثانية على هبوط مؤشرات الكراس في موريتانيا من خلال سرد رحلة واقعية لكتاب كاسد وتخلص هذه الحلقة (الثالثة والأخيرة) إلى باعث المعالجة وهو ما لقيه كتاب موريتاني، صدر مؤخرا، من رواج ولذلك فلا غـرو أن يكون المؤلف ولد صلاحي في دائرة الإهتمام باعتباره بطل قصة عنوانها: فتح موريتاني في غوانتانامو.. ونزولا عند رغبة غالبية القراء المنحازة للقراءة السريعة speed reading سأجتهد لكبح جماح الحروف.

من الوارد أن ينصرف ذهـن البعض خاصة من غير الموريتانيين إلى أن الفتح المقصود في العنوان هو السيطرة والتحكم إلحاقا بمفهوم الفتوحات: دخول المسلمين إلى بلد لم يكونوا بالغيه إلا بقوة السلاح.. وتجنبا لأن يثير الموضوع اللبس لدى الدولة الأقوى يهمني أن أبين أن الفتح في مفهوم هذا المقال هو المتداول في منكبنا البرزخي، فتح "الطلبة" وهي شريحة من المجتمع يتعين أن يسجل المترجمون أنها مختلفة عن طالبان باكستان وأفغانستان لأن طلبة موريتانيا مسالمون وغير مسلحين وغالبا ما يتجنبون سوح الوغى.. فبينما كانت بلاد السيبة ساحة نهب وفوضى كان الطلبة أو الزوايا عزلا من السلاح يمتشقون الكتب والألواح ولذلك كثيرا ما تجنب المحاربون حرمهم وتركوا لهم أرواحهم وممتلكاتهم اتقاء لقذائف دعاء خفية يجمع الناس على بأسها.. وعندما حملوا السلاح تبين أنهم أولو بأس شديد.. أما اليوم فقد انتشرت العافية وانصهرت الفوارق واختلط حابل الشرائح بنابلها فأصبح بعض أبناء الزوايا محاربين وقوادا لأبناء حملة السلاح بينما نبغ بعض أبناء المحاربين في تدريس شتى العلوم وتسلل بعض أبناء الشرائح المهمشة إلى مراكز الريادة هنا وهناك.. تحقق ذلك كله لعدل قسمة الفتح بين الخلائق.

الفتح المقصود إذن حالة تقبل ذهني تخول الطالب أن يحفظ ويفهم وأن يصدر فهمه للآخرين ممتحنين أو غيرهم.. ولهذا دأبت الأمهات الموريتانيات، عند تشييع الأبناء أيام الإمتحان، على قراءة آيات من كتاب الله على سبيل الدعاء.. ولا بد أن مريم بنت الوديعة، رحمها الله (والدة ولد صلاحي)، كانت تخرج خلف محمدو مكررة الآية "نصر من الله وفتح قريب"، ولكأني بها تنفثها خلف ابنها قبل أن ينعرج به الطريق ويتوارى عن ناظرها.. وربما رددت آية أخرى، عند إقلاع طائرة محمدو الأولى من مطار انواكشوط شمالا باتجاه "الغرب": "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله".. أما الطائرة المشرقة نحو الأرن فقد أقلعت على حين غفلة ولذلك ربما أخطأها الدعاء.

سمحا فقد شغلني تمثل هموم الوالدة الراحلة عن تعريفكم بابنها المسافر والمؤلف ولد صلاحي، فبحسب المعلومات التي حصلت عليها ولد محمدو في مكان ما من ولاية اترارزة (موريتانيا) عام وفاة جمال عبد الناصر (سنة 1970) وصادف مولده سنوات جفاف قاسية في موريتانيا أرغمت الكثير من المواطنين، المنمين غالبا، إلى النزوح من الأرياف إلى المدن بعد أن نفقت حيواناتهم وخاف الناس على أنفسهم الهلاك جوعا وعطشا.. لم تكن أسرة أهل صلاحي بدعا من محيطها فقد نزح أغلب الموريتانيين من البدو تباعا وتحلقوا حول العاصمتين.. كان والد محمدو فيما طالعت تاجرا "تيفايا" يبيع الإبل جمالا ونوقا ليعيل أسرته قبل أن يتوفاه الله بينما كان محمدو في المرحلة المتوسطة من دراسته.

تنتمي عائلة صلاحي لعشيرة معروفة بترويض الكلمة العربية عامية وفصحى وقد ورد في الحلقة الأولى من هذه المعالجة إن القوم ".. بعد أن نبغوا في تدجين شوارد لسان العرب الفصيح واللهجي (كلام البيظان) بدأوا يجربون فراستهم في لغة شكسبير".. دخل محمدو المدرسة وتدرج حتى تمكن من النجاح متفوقا في الثانوية العامة (الباكالوريا) سنة 1988 - وكان عمره ثمان عشرة سنة - مما أهله للحصول على منحة لمتابعة دراسته في الخارج وعندما اقترب إقلاع الطائرة كاد الفتى يعدل ويلغي بعثته بسبب تعلقه بأمه الفزعة لفراقه.. إلا أنه غض طرفه المبلل بالدموع وسافر في النهاية لمتابعة دراسته الفنية في ألمانيا وكانت أول مرة يركب فيها الطائرة.. كان مناخ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي مخيما على العالم إلا أنه وبفعل الإحتكاك استعرت الحرب فعلا في أفغانستان ولذلك دعم الغرب، بقيادة الولايات المتحدة الآمريكية وحلفائها، المقاومة الإسلامية في بلاد الطالقان لا لعدالة القضية وإنما لكون المسلمين كانوا يقاتلون أعداء آمريكا.. تطوع بعض فتية العرب المسلمين للقتال وهبوا لنصرة الأفغان في مواجهة المد "الشيوعي السوفيتي الملحد".. ربما أراد الكثيرون بالمواجهة وجه الله فصادفت هوى في نفوس قادة الغرب الذين لم يبخلوا بالمال والعتاد.. انضم صاحبنا لسرايا المجاهدين الذين كبدوا الإتحاد السوفياتي خسائر فادحة أرغمته على الإنسحاب من أفغانستان في فبراير 1989 واستمرت الحرب ضد الحكومة التابعة له.. وعندما تم النصر انقضت فترة التجنيد القصيرة وعاد محمدو لمتابعة دراسته التي توجت بشهادة مهندس في الكهرباء من جامعة دويزبيرغ فعمل في ألمانيا قبل أن يسافر إلى كندا ويعود إلى موريتانيا حيث كان أحد الفنيين القلائل المتأقلمين آنذاك مع تقنيات الإنترنت الوافدة مما مكنه من الجلوس أمام الحاسوب في تجكجة بينما كان الرئيس معاوية ولد الطائع وحاشيته وقوفا مشدوهين لمتابعة شاشة تمور بالأحداث والمعلومات.. ومع مستهل الألفية، بدأت أجهزة الأمن الغربية ترتاب في ولد صلاحي وتتابعه بعد أن تغير موقفها من الأفغان العرب.. وسرعان ما اشتعل فتيل الحرب بين الولايات المتحدة الآمريكية والقاعدة إثر الهجوم على برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 شتنبر 2001 الذي فقدت آمريكا بسببه توازنها وأعلنت الحرب على كل من ليس في صفها (من ليس معنا فهو ضدنا) وجعلها تصرف النظر عن قواعد حقوق الإنسان.

كانت لمحمدو قصة في المعتقلات وجلسات التحقيق حيث أوقف في دكار وانواكشوط وحقق معه آمريكيون اختلوا به في عاصمة بلده بعد أن أمروا المحققين الوطنيين بالإنصراف من مكاتبهم وبدا للإف بي آي أن تنقله في طائرة خاصة إلى عمان ومن ثم إلى باغرام قبل أن يلقوه في غيابات سجن غوانتانامو، بقعة قدروا أن تأخذ مسافة من قوانينهم لوجودها خارج دائرة سلطان القضاة الآمريكان المشهود لهم بالقوة في مواجهة التعسف مما برهن عليه القرار الصادر في دعوى محمدو ولد صلاحي ضد باراك حسين أوباما (القضية رقم: O5-CV-0569 من DISTRICT COURT OF COLUMBIA) التي أصدر فيها القاضي الإتحادي جيمس روبرتسون قرارا من 32 صفحة، بتاريخ 9 ابريل 2010، خلاصته أنه لم يثبت لدى القاضي أن ولد صلاحي ظل في صفوف القاعدة إلى أن اعتقل وأن الولايات المتحدة الآمريكية لم تقدم ما يثبت إدانته وأن خوفها من عودة ولد صلاحي لصفوف القاعدة لا يشكل، في قناعة القاضي، مبررا للإحتفاظ به في سجن مؤبد.. كاد يقول أن ما تعرض له الشك سقط به الإستدلال.. ولذلك أمر بإخلاء سبيل محمدو ولد صلاحي.

وفي المعتقل الكوبي تقيد حرية ولد صلاحي منذ ما يربو على ثلاثة عشر عاما، عدا من أغشت 2002 إلى حين كتابة هذا المقال (في أكتوبر 2015) وفي المحبس تمكن الفتى من تحسين مستواه في اللغة الإنجليزية (الرابعة في ترتيب لغاته بعد العربية والألمانية والفرنسية)، وحرر الكتاب الذي منحه مكانة عالمية وبلغ تداوله آفاق لم يبلغها مؤلف موريتاني.

في المحبس وبينما كانت الأبواب موصدة، تسرب الفتح إلى غرفة محمدو: وتمكن ولد صلاحي من كتابة رواية كفلت لها الإنجليزية "لغة القراء" الرواج الفوري في العالم بأسره (1) أماطت القصة اللثام عن ظروف استجواب الأجانب لولد صلاحي في انواكشوط، فذكرتني ملابساتها بسابقة قضائية وطنية وجدت من الوارد ذكرها لأهمية تراكم السوابق في خلق الوعي المدني (2) ولعل من أهم ما يستخلص من قصة ولد صلاحي أن السجون تستحق الإهتمام (3) وكدأب المحامين في خلاصة مذكراتهم أختم بالطلبات (4).

1. رحلة كتاب رائج:

صدر كتاب ولد صلاحي "يوميات غوانتانامو" Guantanamo Diary - الذي نشره وقدم له الكاتب الآمريكي لاري سييمس - في نشرة متزامنة في عشرين دولة، يوم 20 يناير 2015، وبعيد صدوره صنف ضمن قائمة المائة كتاب الأكثر رواجا في العالم وترجم إلى أكثر من ثلاث وعشرين لغة قبل أن يعربه عمر رسول وتنشره دار الساقي، لقراء العربية، في مايو 2015.

تصادف نشر المصنف مع وجود أحد المواطنين الموريتانيين في الولايات المتحدة الآمريكية (ع. شماد) فوقف في الطابور أمام مكتبة Barnes & Nobles في مدينة دنفر كولورادو للحصول على نسخ من الكتاب وعندما جاء دوره أخبرته عاملة المكتبة بأنه محظوظ لأن المعـروض من اليوميات لم يكن يتجاوز نسختين، حينها شعر صاحبنا بفخر الإنتماء لبلد الكاتب المتميز الذي يقبل القراء بشغف على شراء كتابه رغم أن الرقابة الآمريكية طمست أغلبه ولكن باقي جمله المبتورة وصفحاته الجرباء المطلية بالسواد كانت أحب إلى القراء من التعبير والصور المنمقة المطبوعة بإتقان على ورق ثمين.

وفي شهر يوليو (2015) طاف موريتاني آخر (أ. مصطفى) بمكتبات القاهرة (مدبولي، أقلام، الشبكة، دار المعارف والشروق) فلم يحصل على نسخة واحدة من الطبعة العربية التي نفدت قبل أن يفيء إلى مكان يفطر فيه بعد يوم صوم حار.

وبالنظر إلى رواج كتاب "يوميات غوانتانامو" وإلى أن سعر نسخة الكتاب في أكتوبر 2015 (تاريخ كتابة المقال) هو 16,47 دولار آمريكي بعد أن كان ثمنها 29 دولارا كما هو معلن على الصفحات الإلكترونية لمكتبة amazon وأن سعـر نسخته المعربة كما حددته دار الساقي هو 18 دولارا آمريكيا.. وأن الكتاب نشر في لغات أخرى وعلى وسائط متعددة بعضها مسموع.. فلا بد أن يكون لصاحبنا عائد يقدر بملايين الدولارات من بنات فكره مما يؤهله لأن يكون ضمن قائمة الميسورين في بلد لا يزال الثراء فيه نسبيا.. قد لا يصبح ولد صلاحي ثريا باعتبار المعايير الآمريكية كما صرح لاري سييمس لكنه غدا غنيا بمقاييسنا وهو ما ينبغي أن ينتبه له محمدو وعائلته ومحاموه خاصة وأن عائد الكتاب مال نظيف ينفذ رقراقا من خلال غرابيل محاربة التبييض والإرهاب.

2. عندما يحقق الأجانب في موريتانيا:

ذكر القاضي يعقوب ولد آلويمين في مقال نشر في أغشت 2015، تحت عنوان: قراءة في الإنتهاكات القانونية في حق محمدو ولد صلاحي، ملاحظات هامة أقتبس منها:

" .. وفي قضية محمدو ولد صلاحي تم انتهاك تلك المبادئ التي تصل إلى درجة الدستورية. فالتحقيق معه طوال 66 يوما لم يتم بإدارة أو إشراف القضاء ولا حتى بعلمه، وبطبيعة الحال دون حضور دفاعه. وقد تولى التحقيق معه محققون أجانب، يذكر هو في مذكراته أنهم آمريكيون، في غياب المحققين الموريتانيين، بل إن هؤلاء يتم طردهم من مكتبهم في الأوقات المخصصة للاستجواب !! ولئن كانت مشاركة محققين أجانب في الاستجواب ممكنة في حالات معينة ووفقا لشروط وضوابط محددة، منها أن يكون في إطار تعاون قضائي مبني على اتفاقية دولية وأن يكون القضاء الوطني قد أذن به وأن يكون المحقق الوطني حاضرا للاستجواب وأن يقتصر دور المحقق الأجنبي على طرح أسئلة محددة بعد موافقة المحقق الوطني، فقد ذكر محمدو ولد صلاحي أن المحقق الأمريكي طرد نظيره الموريتاني من مكتب هذا الأخير عندما هم ذات مرة بالدخول أثناء جلسة استجواب. هذا مع العلم أن موريتانيا والولايات المتحدة الأمريكية لا تربطهما أي اتفاقية تعاون قضائي تتيح للأمريكيين القيام بأي نوع من أنواع الأعمال القضائية في موريتانيا." انتهى الإستشهاد.

وبعد أن نقلت ملاحظات القاضي و"قوله الماضي" يهمني أن أضع الإصبع على مكمن الداء وهو من جهة تهميش السلطة القضائية في الدولة وتلك مسألة دستورية ينبغي أن تكون في أجندة السياسيين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية الذي يتعين أن يدرك أن حصيلة عمله في القضاء سلبية ومن جهة أخرى تقاعس القضاة الموريتانيين المختصين عن واجب حماية الحريات ورقابة أعمال الضبطية القضائية المخالفة ودأبهم على انتهاك حقوق الدفاع وتلك ممارسات قضائية ينبغي أن يعالجها العاملون في القضاء.. فلو أن أسرة محمدو لجأت إلى قضائها الطبيعي وشكت اختطاف ابنها لوكيل نيابة مؤمن بواجبه في حماية الحريات ومقتنع بتبعية القوة العمومية له، لا العكس، لكان بمتناوله إنصاف ولد صلاحي بمجرد التلويح بتطبيق المادة 319 من قانون العقوبات الموريتاني النافذة:

(يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من أو قفوا أو اعتقلوا أو حجزوا أي شخص بدون أمر السلطات المختصة وخارج الحالات التي يأمر فيها القانون بالقبض على المتهمين.

وتطبق ذات العقوبة على من أعار منزلا لهذا الاعتقال أو الحجز ويعاقب بنفس العقوبة كذلك من يبرمون اتفاقية بهدف التصرف سواء بصفة مجانية أو بعوض في حرية الغير. ويحكم دائما بمصادرة الأموال والأشياء أو القيم المسلمة تنفيذا لهذه الاتفاقية. ويطبق دائما الحد الأقصى للعقوبة إذا كان الشخص موضوع الاتفاقية يقل عمره عن خمس عشر سنة. ويمكن علاوة على ذلك في كل الحالات أن يحرم الجاني من الحقوق المنصوص عليها بالمادة 36 لمدة خمس سنوات على الأقل وعشر سنوات على الأكثر).

كيف تتصورون رد وكلاء مكتب التحقيقات الآمريكيين على وكيل الجمهورية في انواكشوط عند إكمال قراءة المادة 319 عقوبات، خاصة عندما يؤكد لهم أنه مكلف، طبقا للقانون الموريتاني، بمتابعة تطبيق النصوص الجنائية وأن يكون مكتبه محاطا بأفراد من القوة العمومية المنضبطة والجاهزة لتنفيذ أوامره طبقا للمساطر.. أخمن أنهم سيعتذرون و"يسعون" أنفسهم وربما جربوا وسائل مدنية.

ماذا يضير الحاكم الموريتاني آنذاك لو ذكر دولة الولايات المتحدة الآمريكية كتابة بأن المادة 91 من دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية صريحة في أنه: "لا يعتقل أحد ظلما فالسلطة القضائية الحامية حمى الحرية الفردية تضمن احترام هذا المبدأ في نطاق الشروط التي ينص عليها القانون"، وأنه يتوجب احترام المساطر لأننا في دولة؟

ماذا لو أصر ضباط الشرطة على إشعار رؤسائهم في النيابة العامة قبل التصرف بما يمس من الحريات وقرر القاضي وجوب حضور دفاع لمؤازرة المتهم وحضر محام مستقل ليصدع أمام الجميع بأنه في غياب اتفاقية قضائية بين موريتانيا والولايات المتحدة لا حجة بيننا وبينكم.. يتوجب على المحققين الآمريكيين أن يسلكوا السبل الإجرائية المقررة باللجوء للجهة المختصة في التحقيق والضبط في هذا الإقليم لا أن يحتقرونا في عقر دارنا. وأن تكون الصحافة تترقب لتفشي الخبر وتحلله.

صدقوني لو تم ذلك لما وصف بلدنا بأنه ساقط.. فقد تعاملت السلطات الموريتانية مع المحققين الآمريكيين آنذاك بتساهل ما كانوا ليجدوه في (سييرا نيفادا) فشعـروا بأنهم يتعاملون مع قطيع داجن لا يهمه غير العلف.

سؤال: لماذا انتبذ الآمريكيون مكانا قصيا لسجن خصومهم بحجزهم في غوانتانامو بكوبا بدل حبسهم على تراب الولايات المتحدة الآمريكية؟

جواب: حرمة القضاة الآمريكان وتعصبهم للقانون والعدل يجعل تقييد الحريات على تراب الولايات المتحدة، دون أسس مقنعة، أمرا بالغ الصعوبة ومؤقتا في كل الأحوال.

وقد ذكرتني حكاية التحقيق مع محمدو في انواكشوط بواقعة قضائية تعود لأكثر من عقد من الزمن أجد من الوارد ذكرها للقراء لأنها تخدم الموضوع ويمكن أن تسهم في ترسيخ الوعي الحقوقي الآخذ في الإتساع، فمن مصلحتنا أن نجعل من السوابق لقاحا يحصن من تكرار التجاوزات.

في يوم 5 ابريل 2004، اتصل بي وكيل الجمهورية لدى محكمة ولاية داخلت انواذيبو، بصفتي متعهدا في قضية شابين موريتانيين متهمين بقتل مواطنة فرنسية.. حضرت مع زميلين معنيين بالقضية فوجدنا أن قاضية من محكمة روان الفرنسية وضابط شرطة فرنسي انتدب لمهمة كتابة ضبطها قد حضرا لتنفيذ إنابة قضائية تقتضي استجواب موكلينا.. كانت الإنابة مكتملة الإجراءات ظاهريا ومستندة على اتفاقية قضائية بين موريتانيا وفرنسا مؤرخة 19 يونيو 1961.. مر الملف فيما يبدو، بالطريق الدبلوماسي: من وزارة العدل الفرنسية إلى خارجيتها إلى سفارتها في انواكشوط التي أحالته لوزارة الخارجية الموريتانية فوزارة العدل التي بعثت مع المحققين قاض موريتاني لتسهيل المهمة.

كنا عشرة أشخاص في مكتب قاضي التحقيق الضيق آنذاك، ثمانية موريتانيين: أربعة محامين وثلاثة قضاة وكاتبة ضبط وفرنسيان: قاضية وضابط شرطة.

بدأنا النقاش مع القاضية الفرنسية من منطلق أن المتهمين متابعون في موريتانيا ولا يجوز متابعتهما بسبب ذات الوقائع ثانيا (double poursuite) من طرف هيئة قضائية أخرى وأن الإستجواب يصنف بأنه من إجراءات المتابعة فاحتدم النقاش الفني.. أثرنا تنازع الإختصاص الذي يوجب تخلي أحد القاضيين المتعهدين في نفس الوقائع وذكرنا المواد من 568 إلى 577 من قانون المرافعات الجنائية المطبق آنذاك.. ولما طال الأخذ والرد ضاق القاضي الموريتاني المرافق ذرعا والتفت إلى القاضية الفرنسية طالبا منها أن تترك الخوض معنا، في نبرة لا تخلو من استخفاف بنا انحيازا لها .. أجابته القاضية بأنها لا بد أن تجادل احتراما لحقوق الدفاع وتوخيا للجدوائية فمن اليسير علينا أن نطلب من موكلينا مباشرة حقهم في التزام الصمت فتفشل مهمتها، هكذا قالت.. حينها خاطبت القاضي الموريتاني المرافق قائلا: تأبون إلا أن تشهدوا الأجانب على دأبكم في انتهاك حقوق الدفاع.. ووصل الإنفعال إلى درجة أني طلبت من قاضي التحقيق طرد القاضي المرافق لأنه لا صفة له في حضور الجلسة فطلب حاكم التحقيق منه التزام الصمت.. وفي النهاية أثرنا لقاضي التحقيق وجوب الإستدعاء وأجله وتم الإتفاق على تأجيل الإجراء لليوم الموالي وأن يذيل محضر الإستجواب الذي سيعد بالمناسبة بملاحظاتنا.. وبعد مضي أكثر من عقد لا بد أن القاضية Sylvie GOSSENT لا تزال تذكر أنها وجدت مقاومة قانونية في موريتانيا بعكس شعور المحققين الآمريكان الذين اختطفوا ولد صلاحي وأعانهم عليه قوم لا قناعة لهم بأهمية الدفاع القانوني في مناعة الدول.

3. مزايا السجن:

لو سارت الأمور بطريقتها المعتادة، كما تمنتها والدة محمدو رحمها الله، لكان ابنها مهندسا مغمورا ومحصورا في دائرته العائلية والمهنية الضيقة ولبقي ذكره، في أحسن الأحوال، في حدود بلده.. وكما دفعت قلة ذات اليد الكاتبة الإنجليزية جوان رولينغ إلى الإبداع، كما بينت في الحلقة الأولى، أتاحت خلوة السجن ومعاناته لولد صلاحي أن ينتج كتابا رائجا ملأ ذكره الآفاق تمكن من خلاله من التحسيس بعدالة قضيته وتردد بفضله اسم بلده موريتانيا.. قطعا لن يستغرب أغلب المسلمين مفارقة بغض ولد صلاحي للسجن وما جلب له من منافع لأنهم يرتلون باستمرار الآية 216 من سورة البقرة: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

ومع أني لم أدخل السجن إلا زائرا إلا أنه يخيل إلي أن "المعتكف اليوسفي" كما أسماه الخليل النحوي، ليس سلبيا بالمطلق كما يتصور الكثيرون بل إنه يؤلف وقد يوفر فرص إبداع لا تتيسر خارجه.. الكثير من المنطلقين في الشوارع والمكاتب والمدارس والأسواق مبدعون بالقوة إلا أن المطاردة تمنعهم من الإستقرار بما يكفي لتحصل الطمأنينة الكفيلة بتهيئة ظروف الإبداع الذي لا غنى له عن فترة حضانة ينصح فيها بالتركيز والإعتكاف..

وقد حدثني الأستاذ/ علي ولد سيدي محمد، أنه بينما كان مسيرا لسجن انواذيبو انتهت محكومية أحد السجناء وكان مدانا بخمس سنوات فلما أبلغ بأن إخلاء سبيله قد حان أجهش بالبكاء ورفض أن يبرح السجن بعد أن ألفه.. كان الحراس يغلقون الباب دونه ليلا فيبيت عند البوابة ليلج غداة اليوم الموالي قبل أن يجد سبيلا.

ومن الضروري أن تعمل السلطات الموريتانية العاكفة على إنشاء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب على توخي الموضوعية والجدوائية والإبتعاد عن الأساليب التقليدية للرفع من مستوى السجون الموريتانية ونزلائها الذين يعانون فالتعسف لا يخدم أحدا.

4. الطلبات:

يشعـر الآمريكيون بالخجل كلما ذكر سجن غوانتانامو ولذلك تضمن برنامج المرشح الديمقراطي تعهدا بإغلاقه عند ترشحه سنة 2008 فانتخبوه وأعادوا انتخابه لفترة ثانية.. صرح الرئيس باراك أوباما بأن من غير الوارد "أن تصرف الولايات المتحدة الآمريكية معدل ثلاثة ملايين دولار عن كل نزيل لإبقاء سجن يدينه العالم"، ولذلك يلاحظ المراقب حراكا لإخلاء سجن غوانتانامو تمهيدا لإغلاقه ربما قبل أن يبرح أوباما البيت الأبيض بعد خمسة عشر شهرا فبعد أن كان عدد نزلاء المعتقل 780 تقلص العدد اليوم (29 أكتوبر 2015) إلى 113 معتقلا، رحل أغلب النزلاء لبلدانهم (وتوفي تسعة في الإعتقال).. وتسعى الولايات المتحدة جاهدة للتخلص من الباقين وفي هذا الإطار تم اليوم، بفضل الله، الإفراج عن مواطننا أحمد ولد عبد العزيز.. ومن أدلة جدية المسعى أن الولايات المتحدة رتبت لترحيل بعض نزلاء غوانتانامو إلى بلد ثالث.. لذلك تعتبر الفرصة مؤاتية لتبذل السلطات الرسمية الموريتانية جهدا إضافيا لتسلم محمدو ولد صلاحي الذي صدر قرار قضائي بإخلاء سبيله ويخيل إلي أن الولايات المتحدة جاهزة.. لقد عاد محفوظ ولد الوالد من طورا بورا بعد أن استقال من القاعدة وكان مفتيها وها هو اليوم يؤم المصلين ويباشر الدعوة إلى السلام من عرفات.. وقد صرح علنا أنه يوجه كل من يتصل به من الأجانب في أمر ذي طبيعة أمنية إلى المرور عبر السلطات.. وبالرجوع لقرار القاضي James ROBERTSON المتضمن ردود أوباما يتبين أن صلة ولد صلاحي بقيادي كأبي حفص تشكل هاجسا ومبررا رئيسيا لخوف الولايات المتحدة.. ومن الوارد، على ضوء ذلك، وغيره الإعتقاد بأن حياة محمدو في موريتانيا ستكون "ثلجا" على الولايات المتحدة الآمريكية وعلى خزينتها وسمعتها.

أطلب من السلطات الموريتانية أن توجه طلبا رسميا بأن يسلم لها مواطنها محمدو ولد صلاحي ومن السلطات الآمريكية إجابة الطلب المنسجم مع قرار القاضي الإتحادي المحترم جيمس روبرتسون.
#
توقيع : بوفارس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ
سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و الله اكبر و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم
بوفارس غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حمل 27 كتاب من كتب الانساب محمد محمود فكرى الدراوى مكتبة الانساب و تراجم النسابين 18 14-05-2019 11:52 AM
كتاب قذائف الحق للشيخ محمد الغزالي "كاملا" محمد محمود فكرى الدراوى موسوعة الفرق و المذاهب ( الملل والنحل ) 3 26-12-2015 08:00 PM
كتب الانساب نبيل زغيبر ملتقى القبائل العربية . مجلس القلقشندي لبحوث الانساب . 2 14-02-2012 07:21 PM
مقالات عن منهاج رسول الله صلى الله عليه و سلم 15 خالد ابو فيض هذا هو الحب فتعال نحب 2 26-12-2010 06:58 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 03:59 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه