ما هو مـدى الإشعاع العالمي للأدب العربي الحديث ؟ - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
أتود ان تكون من السابقين المقربيين ؟
بقلم : د فتحي زغروت
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: دعاء الاستخارة وكيفية صلاة الاستخارة (آخر رد :ايبور)       :: اسيوط/ (آخر رد :ايمن عمر ناجي)       :: نسب عائلة ال حشيش بلبصيلية ادفو اسوان (آخر رد :رؤوف على طه ابراهيم)       :: حياكم الله (آخر رد :بنت المطر)       :: سؤال بخصوص بعض قبائل عتيبة (آخر رد :بنت المطر)       :: أريد جواب لهذه السؤال مع الدليل (آخر رد :بنت المطر)       :: سؤال بخصوص قبيلة الحشابرة من الطفحة (آخر رد :بنت المطر)       :: قصيدة موثقه تتحدث عن قبيلة الثبته وانساب بعض القبائل لها .. (آخر رد :بنت المطر)       :: هل هذا الكلام صحيح (آخر رد :بنت المطر)       :: النفيعات بمصر و فلسطين من نافع الطائي ام من النفعة العتيبيين ؟ (آخر رد :بنت المطر)      



مجلس الادباء العرب ( المستطرف من كل فن مستظرف ) يعنى بالقصة و الرواية و المقالة و المقامة و الحكم و الامثال

Like Tree9Likes
  • 2 Post By أبو مروان
  • 1 Post By أبو مروان
  • 1 Post By أبو مروان
  • 2 Post By أبو مروان
  • 2 Post By الشريف ابوعمر الدويري
  • 1 Post By عبدالمنعم عبده الكناني

إضافة رد
قديم 10-03-2016, 12:58 AM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
المطور العام - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية أبو مروان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة algeria

افتراضي ما هو مـدى الإشعاع العالمي للأدب العربي الحديث ؟

ما هو مدى الاشعاع العالمي للأدب العربي الحديث‏ ؟


توطئـــة

مسألة التأثر و التاثير بين الآداب القومية حركة ثقافية عادية بين الأجناس و الأمم ،و ربما هي التي يشير إليها القرآن الكريم بقوله تعالى (يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم). و تأثير الأدب العربي على الأدب الغربي واضح جدا ، خاصة الأوربي ، بفعل العامل الجغرافي و التاريخي ، ولكن من الموضوعية العلمية الإقرار أيضاً بأثر الأدب الغربي على الأدب العربي ، كما أنه من الموضوعية العلمية أيضاً الاعتراف بأثر الأدب الشرقي (الآسيوي) على الأدب العربي بل إن علاقة التاثر و التاثير بين الدب العربي و الأدب الشرقي اقوى منها بالأدب الغربي ، و لعل هذا ما يجعل بعض النقاد و الدارسين للأدب المقارن يعترضون على التبادل الثقافي و العلمي بين جامعاتنا العربية و الجامعات الغربية ، و يدعون إلى تحويل وجهة طلبتنا من الغرب إلى الشرق ، كما جاء في محاضرة للدكتور محمود الربداوي(استاذ جامعي سوري و رئيس تحرير مجلة التراث العربي، وعضو جمعية الدراسات والبحوث في اتحاد الكتاب العرب):‏

{في جامعاتنا الآن ،طلابنا الذين نبتعثهم لدراسة الأدب المقارن نبتعثهم إلى أوروبا وأمريكا ، أنا بتقديري هذا خطأ لا أرفضه نهائيا ولكن أقول يجب أن نبتعثهم إلى الشرق، لأن صلتنا بالشرق أكثر من صلتنا بالغرب أدبنا أثّر على الشرقيين أكثر من تأثيره على الغربيين، نعم سنستفيد من الآداب الغربية لأن فيها أشياء جديدة يجب على المثقف العربي أن يعرفها ، الأدب العربي أثّر على إيران ومازالت تكتب بالحرف العربي حتى يومنا هذا كما وأثر الأدب العربي على تركيا وبقيت تكتب بالحرف العربي حتى سنة /1926/ وكذلك طاجكستان وجمهوريات أواسط آسيا التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي تكتب بالحرف العربي وقس على ذلك .

إذاً نحن مرتبطون كشرقيين مع الشرق أكثر من ارتباطنا مع الغرب هناك تأثير ارتدادي أي نحن نقدم إلى الغرب مادة معينة ، هذه المادة ارتدت ورجعت إلينا على سبيل المثال : كتاب كليلة ودمنة كتب بالسنسكريتية الهندية ثم ترجم إلى اللغة الفارسية ثم ترجمه ابن المقفع من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية ثم أخذه لافونتين الفرنسي ومجموعة غير قليلة من الأدباء الفرنسيين والإنكليز والألمان والإيطاليين، لكن عندما ذهب شوقي لدراسة الحقوق في فرنسا تعرف على لافونتين فوجده يكتب قصص ألف ليلة وليلة ويعترف لافونتين بأن هذه القصص هي قصص ألف ليلة وليلة ، فجاء شوقي وألف كتباً للأطفال من قصص لافونتين التي هي قصص ألف ليلة وليلة، يسمى هذا التأثير الارتدادي. }




و فيما يلي ، أنقل إليكم أعزائي القراء مقالة نقدية جيدة لـ ( م. توحيد - الموسوعة الحرة) ،يطرح فيها المؤلف الانشغال الذي يشغل كل المهتمين بالمكانة التي يشغلها الأدب العربي الحديث بين الآداب الأجنبية ، و ما مدى تأثيره أو تأثره بها ،و اعتبر الموضوع كأرضية لانطلاق مناقشة علمية بين الجميع حول (عالمية الأدب العربي الحديث ، أو هل للأدب العربي الحديث مكانة بين الآداب العالمية اليوم ؟)

نص المقالة النقدية ، و التي سانشرها في أربع حلقات لطولها ،إبعادا للملل و الاطالة على القارئ :


الحلقة الأولى :

- ثمة سؤال يشغل النقاد والأدباء والرأي العام الثقافي في الوطن العربي بشدّة منذ بضعة عقود من الزمان، ألا وهو: هل بلغ الأدب العربي الحديث درجة العالمية؟ وهل أصبح باستطاعتنا القول إنّ ذلك الأدب قد ارتقى من حيث النضج الفنّي والعمق المضموني إلى مصاف تلك الآداب الأجنبية التي توسم بالعالمية؟ إنه سؤال تطرحه الصحافة الأدبية والثقافية العربية بإلحاح منذ وقت غير قصير وفي مناسبات مختلفة، أبرزها تلك المناسبة التي تتكرر سنوياً، ألا وهي منح جائزة نوبل للآداب. ففي كل عام تقوم الأوساط الأدبية والثقافية العربية بترشيح بعض الأدباء العرب لنيل تلك الجائزة العالمية ، ولكنّ الجائزة المشتهاة لم تمنح قبل عام 1988 لأيّ من الأدباء العرب الذين رشحوا لنيلها، مما كان يصيب الأوساط المذكورة بالإحباط، فتتعالى الأصوات المنددة بالجائزة والقائمين عليها، الذين تنسب إليهم نوايا خبيثة، ويتهمون بالضلوع في مؤامرة صهيونية إمبريالية معادية للعرب. لقد تكونت لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الثقافي العربي قناعة مفادها أنّ الأدب العربي الحديث قد بلغ درجة من التطور والنضج والجودة تسوّغ أن يحصل أحد أعلامه على جائزة نوبل، ومن ثمّ فإنّ حجبها عن الأدباء العرب لا يتم لأسباب واعتبارات أدبية، بل لأسباب واعتبارات غير أدبية، أي سياسيّة تتعلق بالصراع العربي الصهيوني وبالمواجهة السياسية والحضارية بين العرب والغرب. إلا أن ّحجب جائزة نوبل عن الأدب العربيّ الحديث قد شكلّ مناسبة سنوية للتفكير في مسألة عالمية ذلك الأدب، ولمقارنة مستوى التطور الفني والفكري الذي بلغه بالمستويات التي بلغتها الآداب الأجنبية الحديثة. وكانت جائزة نوبل تعيد مسألة عالمية الأدب العربي الحديث إلى جدول أعمال النقد الأدبي العربي الذي ينتظر منه الرأي العام العربي أن يقدم إجابة شافية عن سؤال: ألم يصبح الأدب العربي الحديث بعد أدباً عالمياً؟ وهل هو حقاً متأخر عن تلك الآداب الأجنبية التي اعترف العالم بعالميتها؟ ولئن كان الأدب العربي الحديث لم يرتق بعد إلى مصاف تلك الآداب، فلماذا لا يقوم الأدباء العرب بتطوير إبداعاتهم والارتقاء بها إلى المستويات العالمية؟ إلاّ أن جائزة نوبل قد منحت عام 1988 للأديب العربيّ المصري نجيب محفوظ وهلّل الرأي العام العربي فرحاً لذلك الحدث الثقافي،وعدّه اعترافاً متأخراً بعالميّة الأدب العربي الحديث، وتكريماً لا لنجيب محفوظ وحده بل للأدب العربي بأكمله، ولكنّ ذلك لم يحل دون أن ترتفع في الوطن العربي بعض الأصوات التي تشكك في النوايا الكامنة وراء منح الجائزة لهذا الأديب، وتزعم أنّ ذلك قد تم مكافأة له على مواقفه السياسية المؤيدة للسلام المنفرد الذي عقده الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع الحكومة الإسرائيلية. ورغم ما ظهر في الرأي العام العربي من انقسام حول تلك المسألة فإنّ منح جائزة نوبل للأديب العربي نجيب محفوظ قد شكل حافزاً إلى مزيد من التفكير والتعمق في مسألة عالمية الأديب العربي الحديث انطلاقاً من حالة نجيب محفوظ الذي اعترف العالم بعالميته. وفي ذلك السياق أثيرت قضايا مهمّة، كقضية العلاقة بين المحلية والعالمية، أي هل يتنافى الطابع المحلي الذي يتسم به الأدب مع عالميته أم يشكّل ذلك الطابع شرطاً من شروط العالمية. ومن تلك القضايا قضية الترجمة الأدبية ودورها في التعريف بالإبداعات الأدبية العربية وفي صنع عالمية الأدب العربي.‏
إلاّ أنّ منح جائزة نوبل للآداب لم يكن المناسبة الوحيدة لإثارة مسألة عالمية الأدب العربي الحديث، بل ثمة مناسبات كثيرة أخرى لإثارة هذه المسألة. ومن تلك المناسبات قيام محفل ثقافي أجنبي بتكريم أديب عربيّ معاصر، عبر منحه جائزة أدبية وإقامة احتفال أو ندوة بهذه المناسبة، كتكريم الشاعر العربي الفلسطيني محمود درويش سنة 1997 في فرنسا من قبل (اليونسكو) ، وتكريم الكاتب المغربي طاهر بن جلون بمنحه جائزة (غونكور) الفرنسية، وتكريم القاصّ السوري رفيق شامي في ألمانيا بمنحه جائزة (كاسيمو) وغير ذلك من أعمال التكريم. فقد كان الرأي العامّ العربيّ يسعد بها ويرى فيها اعترافاً بعالمية الأدب العربيّ الحديث. ومن المناسبات التي يكثر فيها الحديث عن تلك العالميّة وفاة أديب عربي كبير كالكاتب المسرحيّ السوريّ سعد الله ونوس. فقد اتسم ما كتب وقيل بتلك المناسبة الأليمة بالتركيز على أنّ الفقيد لم يكن مجرد كاتب مسرحيّ سوريّ أو عربيّ بل كان كاتباً مسرحيّاً عالمياً . وثمة مناسبة أخرى للحديث عن عالمية الأدب العربي الحديث، ألا وهي صدور ترجمات لأعمال أدبية إلى لغات أجنبيّة، إذ تقوم الصحافة الثقافية العربية بتلقف أخبار صدور تلك الترجمات وتبرزها كأنها فتوح ثقافية خارجية ودليل ملموس على أن الأدب العربي قد دخل مرحلة العالمية. لقد أظهر الرأي العامّ العربيّ بهذه المناسبات كلها أنه مهتمّ جدّاً بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث، وأن هذه المسألة تمثل قضية ثقافية عربية ذات أهمية كبيرة. ومن المرجح أن يزداد الاهتمام العربي بهذه القضية، وذلك في ضوء تنامي ظاهرة العولمة الثقافية وما يرافقها من تصاعد للنقاش العربي حول ما تنطوي عليه تلك الظاهرة من مخاطر وفرص بالنسبة للثقافة العربية.‏
ترى ماذا يكمن وراء هذا الاهتمام العربي الكبير بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث؟ أهو التعويض عن عقدة نقص ثقافية جمعيّة تجاه الآداب الأجنبية؟ أم هي الرغبة في التفوق وإحراز البطولة بغرض التباهي الوطني والقومي، مثلما يحدث في المباريات الرياضية؟ أم هو الشعور بالظلم والإحباط لأن العالم الخارجي لا يبدي اهتماماً كافياً بالأدب العربي بل يتجاهل ما فيه من إنجازات؟ من المرجَح أنّ وراء التعطش العربي للاعتراف بعالمية الأدب العربي الحديث دوافع ومشاعر وطنية أو قوميّة. فالعرب أمّة لها تاريخ طويل من الاعتداد بلغتها (لسانها) التي اختيرت لغة للقرآن الكريم. وهي أمّة شديدة الاعتداد بفصاحتها وبلاغة أدبها وبيانه، إلى درجة أنها كانت ردحاً طويلاً من الزمن غير قادرة على أن تتصور أن لدى الأمم الأخرى (الأعاجم) فصاحة في اللسان وبلاغة في الأدب. إنّ أمّة معتدة لغوياً وأدبياً إلى هذا الحدّ مستعدة لأن تعترف بتأخرها في مجالات كثيرة، كالاقتصاد والعلم والتقنية وغير ذلك من المجالات، ولكن يصعب عليها أن تعترف بتقصيرها في مضمار تعتقد أنها قد أحرزت فيه تفوقاً مطلقاً ألا وهو الأدب، وبأنّ الشعوب الأجنبية (الأعاجم) قد سبقتها في هذا المضمار . ولذا فإنّ الاعتراف الدولي بعالمية الأدب العربي الحديث هو بالنسبة للعرب مسألة كرامة قومية. وها هو ذا أحد النقاد العرب المعروفين يعبّر عن تلك الحقيقة بأن يدعو العرب لأن يجعلوا من الأدب مضماراً "يثبتون فيه وجودهم على المستوى العالميّ المعاصر"، ويعوّضون فيه تأخرهم في الميادين الأخرى . ويبدو أن الرأي العام العربي يشاطر هذا الناقد رأيه، ويرى معه في عالمية الأدب العربي الحديث مسألة "إثبات وجود قومي على الصعيد العالميّ". ومن أحدث تجليات الاهتمام العربي بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث إعلان الملتقى الثالث للروائيين العرب في قابس سنة 1997 أنّ "عالمية الرواية العربية" ستكون موضوع دورته القادمة ، ولا ندري بعد ما إذا كان ذلك بعيداً عن الدافع الفكري القومي السالف الذكر.‏

"الأدب العالميّ" ما هذا؟‏

من الواضح أنّ الوعي العربي لأهمية مسألة عالمية الأدب العربي الحديث قد تنامى إبان الأعوام الأخيرة. ولكن هل استند ذلك الوعي إلى فهم عميق ودقيق لعالمية الأدب؟ وهل أدّى ذلك الوعي إلى وضع دراسات وبحوث نظرية وتطبيقية جادّة حول عالمية الأدب العربي الحديث؟ وهل أفضى ذلك الوعي إلى بلورة تصوّرات عملية لما يمكن عمله من أجل تمكين الأدب العربي الحديث من توسيع الرقعة التي يشغلها على خريطة الأدب العالمي؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب من المرء أن يعرف بصورة دقيقة ما "الأدب العالمي" وما "عالمية الأدب"، فامتلاك مفهوم واضح ومتماسك لتلك العالمية هو مقدمة نظرية لا بدّ من توافرها قبل الدخول في أيّ حديث عن عالمية الأدب العربي الحديث.‏

تأسيس المفهوم :غوته‏

يرجع الفضل في صياغة مفهوم "الأدب العالمي" إلى الأديب الألماني الكبير يوهان فولفغانغ فون غوته (Johann Wolfgang on Goethe) الذي صاغ هذا المفهوم وبشر به في الأعوام الأخيرة من حياته، أي منذ أواخر العشرينيات إلى أواسط الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. ففي رسائله وأحاديثه الشهيرة مع سكرتيره "أكرمان" رأى غوته أنّ عصر الآداب القومية قد ولّى، وأنّ عصر أدب جديد قد بدأ، ألا وهو عصر "الأدب العالمي" (Weltliteratur). عندما صاغ غوته هذا المفهوم الجريء انطلق من أنّ الثورة الصناعية، وما رافقها من تطوّر في وسائل النقل والاتصال والطباعة والنشر، ومن نمو في المبادلات التجارية بين الشعوب، ستكون لها بالضرورة مترتبات ثقافية وأدبية، وستؤدي بالضرورة إلى تخطّي الحدود القوميّة الضيقة للّغات والآداب . من الطبيعي ألا يتمكن غوته في ذلك الوقت من أن يطرح تصوراً دقيقاً ومتكاملاً للأدب العالمي الذي بشّر به، وأن يكون مفهومه لذلك الأدب رؤيوياً وتقريبياً. إلاّ أن الزمن قد أثبت أنّ ذلك المفهوم صحيح من حيث المبدأ. وانطلاقاً من رؤيته المستقبلية هذه دعا غوته الأدباء عموماً، والأدباء الألمان على وجه الخصوص، لأن يعو حقائق العصر، وأن يستخلصوا ما يترتب عليها بالنسبة لإبداعاتهم الأدبية. وتتلخص تلك المترتبات في أن يتخلّوا عن مواضيعهم وأساليبهم الأدبية الوطنيّة الصرف، وأن يكتبوا وفي أذهانهم تلك المنافسة الأدبية العالمية التي لا يصمد فيها إلاّ من يطوّر إبداعه الأدبيّ شكلاً وموضوعاً بحيث يرتقي إلى المستوى العالميّ. إن المنافسة التي سيتعرض لها الأدب الوطني من جانب الآداب الأجنبية ستجعل ذلك الأدب في وضع حرج، ولكنّ عصر "الأدب العالمي" سيوفر للأعمال الأدبية فرصاً لم تكن موجودة في الماضي، ألا وهي فرص أن تنتشر خارج مجتمعاتها ولغاتها على الصعيد العالمي.‏
لم يؤخذ حديث غوته عن "الأدب العالمي" في حينه على محمل الجدّ من قبل معاصريه، رغم ما كانوا يكنونه لهذا الأديب من إجلال وتقدير. فالعصر الذي بشّر فيه غوته بالأدب العالمي كان من الناحية السياسية عصر حروب التحرير القومية ضد الاحتلال النابليوني، ومن الطبيعي أن تطغى النزعة القومية في مرحلة كهذه على سواها، خصوصاً وأنّ العالمية التي دعا إليها غوته واستشرفها كانت منسجمة مع النزعة العالمية لفرنسا نابليون أكثر مما تنسجم مع المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي القومي الانعزالي الرجعي الذي كان سائداً في ألمانيا. إنّ عبقرية غوته تكمن في أنه بشر بالأدب العالمي واستشرفه في ذلك الوقت بالذات، وفي أنه لم يسمح للنزعة القومية الانعزالية المقيتة التي عمّت بلاده بأن تحجب عن نظره الثاقب ملامح عصر جديد لاح في الأفق وإن يكن لم يتضح بعد.‏

يتبـــع ...

التعديل الأخير تم بواسطة أبو مروان ; 10-03-2016 الساعة 04:06 PM
أبو مروان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-03-2016, 01:05 AM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
المطور العام - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية أبو مروان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة algeria

افتراضي ما مدى الاشعاع العالمي للأدب العربي الحديث / الحلقة 2

ما مدى الاشعاع العالمي للأدب العربي الحديث ؟

الحلقة الثانية :

موقف المدرســـــــــــة التاريخية‏


في الوقت الذي بلور فيه غوته مفهوم "الأدب العالمي" كان عالم الأدب الفرنسي آبل فيليمان (Apel Villeman) يلقي محاضراته حول علاقة الأدب الفرنسي بالآداب الأوربية الأخرى، مدشناً بذلك نوعاً جديداً من الدراسات الأدبية أصبح يعرف بـ (الأدب المقارن) . لقد انطوى هذا النوع من الدراسات على إطلال إلى ما وراء حدود الآداب القومية، وذلك عبر استقصاء تفاعل تلك الآداب فيما بينها وتأثر بعضها بالبعض الآخر. إلاّ أنّ الأدب المقارن لم ير أيّ إمكانية لتجاوز الآداب القومية وصولاً إلى (أدب عالمي) ، بل انطلق من أنّ الآداب القومية معطيات ثابتة لا مجال لتجاوزها، وسعى لاستكمال تاريخ كلّ من تلك الآداب عبر دراسة علاقته بالآداب الأخرى، أي ما أخذه منها وما أعطاها من مؤثرات . وقد مثّل ذلك تقدماً علمياً هاماً، وتوسيعاً للأفق بالمقارنة مع (الفيلولوجيات القومية) التي كانت تدرس كلّ أدب داخل حدوده اللغوية فقط، ولا تعير أيّ اهتمام لعلاقته بالآداب الأخرى وتفاعله معها. إلاّ أنّ الأدب المقارن تمسك بأنّ الآداب القومية هي الأساس، وندب نفسه لاستكمال تاريخها.‏
من الطبيعي ألا يعير أدب مقارن ذاك شأنه "الأدب العالمي" الذي تحدّث عنه غوته كبير اهتمام، وألا يرى أيّ فائدة لذلك المفهوم. فما يهمه هو استكمال تاريخ الآداب القومية عبر دراسة علاقات التأثير والتأثر الفعلية الموثقة التي نشأت بين تلك الآداب. إنّ المقارنين الفرنسيين الذين أسسوا الأدب المقارن، ومن سار على نهجهم التأريخي، لم يكونوا مستعدين للتعامل مع أية مسألة أدبية من منظور فوق - قومي، إلاّ إذا كان لتلك المسألة علاقة بظاهرة التأثير والتأثر، وكانت دراستها مجدية من الناحية التأريخية. إلاّ أنّ لمساعي ممثلي الاتجاه التأريخي في الأدب المقارن جانباً يعني المهتم بمسألة عالمية الأدب، هو دراسة نجاح الكتّاب وتأثيرهم في بلاد أجنبية. فهذا النوع من التأثير يتطابق مع ما نسميه اليوم استقبال الأعمال الأدبية خارج حدود آدابها القومية. لقد تناول ممثلو المدرسة التأريخية في الأدب المقارن هذه الظاهرة بالبحث، ودرسوا السبل التي يتحقق عبرها ذلك النوع من التأثير الذي يتم بعضه من خلال الترجمة، ويتم البعض الآخر من دون وسطاء. وقد توصّل المقارنون التأريخيون إلى معلومات قيّمة فيما يتعلق بدور الوسطاء الأدبيين، من مترجمين ونقاد، في نشوء هذا النوع من "الكوزموبوليتية" أو "العالمية". صحيح أننا أصبحنا اليوم ننظر إلى ظاهرة التأثير الأدبي بصورة مختلفة عن الصورة التي نظر بها ممثلو الأدب المقارن التأريخي إلى تلك الظاهرة، ولكن ذلك لا يلغي حقيقة أن تأثر أدب قومي بالآداب الأجنبية وتأثيره فيها هما مسألة وثيقة الارتباط بعالمية الأدب . فالترجمات الأدبية والكتابات النقدية حول الآداب الأجنبية تشكل مكوّنين هامين من مكونات تلك العالمية.‏

موقف المدرسة الماركسية‏

بعد مرور عقدين على طرح مفهوم "الأدب العالمي" من قبل غوته قام مثقفان ألمانيان هنا كارل ماركس وفريدريش إنجلز بنشر وثيقة سياسية اجتماعية ثقافية شاملة أطلقا عليها تسمية "البيان الشيوعي"، وبشّرا فيها بأنّ أدباً عالمياً سيحل مكان الآداب القومية. فوجود هذه الآداب مرتبط بوجود المجتمعات الرأسمالية البورجوازية ذات الدول والثقافات والآداب القومية. أمّا المجتمع الجديد الذي دعا إليه ماركس وانجلز فهو مجتمع تسيطر عليه طبقة البروليتاريا، وهي طبقة أممية أو عالمية(15) ، ولذا فإنّ الأدب سيكون في ظل سيطرتها أدباً عالمياً أو أممياً. إلاّ أن ماركس وانجلز كانا غير قادرين على تحديد أيّ سمات جمالية أو فكرية لذلك الأدب العالمي.‏
في مرحلة لاحقة تبلورت نظرية أدب ماركسية، أي مادية تاريخية جدلية، وظهر في الأدب المقارن اتجاه يستند إلى تلك النظرية. إن أبرز أعلام ذلك الاتجاه هو المقارن الروسي فيكتور جيرمونسكي (Viktor Zirmunski) الذي أنجز دراسات مهمّة حول التشابهات النمطية أو التيبولوجية بين الآداب . نظر الأدب المقارن الماركسي إلى الأدب من منظور أممي، أي عالمي، دون أن ينكر خصوصية كل أدب من الآداب القومية. إلاّ أنه رأى أن الآداب تمر بمراحل التطور نفسها، وذلك تبعاً لتطور البنى الاقتصادية والاجتماعية (البنى التحتية) التي تعكسها. ومع إقرارنا بأهمية المنطلق العالمي للأدب المقارن الماركسي، فإننا نرى أنّ مقولته الرئيسة هذه لا تساعد كثيراً في فهم إشكالية عالمية الأدب والبنى المتناقضة للعلاقات الأدبية الدولية. فتركيزه على دور "البناء التحتي" يقلل من قدرتنا على تفسير ظاهرة ازدهار آداب مجتمعات متأخرة، كآداب أمريكا الجنوبية، التي تمكنت من احتلال موقع متميز على خريطة الأدب العالمي المعاصر، رغم تخلف مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات التي "تعكسها". أمّا ما يساعدنا في فهم إشكالية الأدب العالمي والعلاقات الدولية فهي مقولة جيرمونسكي التي ترى أن عمليات الاستيراد الثقافي والأدبي، التي أطلق عليها المقارنون التقليديون الفرنسيون تسمية ظواهر التأثير والتأثر، تخضع لحاجات الطرف المستورد أكثر مما تخضع لحاجات الطرف المصدّر. إنّ هذه المقولة، التي تنسجم مع نظرية التلقي الأدبي المعاصرة، تصلح لتفسير كثير من الظواهر المتناقضة التي تحفل بها العلاقات الأدبية الدولية، وتضع حدّاً لأوهام الهيمنة الأدبية والغزو الثقافيّ.‏

موقف المدرسة النقديّة‏

تشترك المدرسة النقدية، المسماة بالأمريكية، في الأدب المقارن مع المدرسة الماركسية في أنها لا تولي ظواهر التأثير والتأثر كبير اهتمام، بل تدعو لدراسة الأدب دراسة نقدية دون التقيد بالحدود اللغوية والثقافية للآداب ، وهي تنطلق في ذلك من حقيقة أن الظواهر الأدبية الكبرى، كالأجناس والتيارات الأدبية، لا تنحصر في أدب قومي واحد، بل تتعداه إلى آداب مختلفة، وقد تكون عالمية الامتداد. ومع أنّ لهذا التوجّه الذي يراعي البعدين الجمالي وفوق القومي للظواهر الأدبية ما يسوّغه، فإنه ينطوي على إشكالية تتمثل في أنه يقفز من فوق الطابع القومي للآداب، وهذا يحمل في طياته خطر القفز من فوق التناقضات السائدة في العلاقات الأدبية الدولية. فهو بذلك يمكن أن يخدم، وإن بصورة غير مقصودة، سعي بعض المجتمعات لبسط سيطرتها الثقافية والأدبية على العالم، مستفيدة في ذلك من عالمية لغاتها، ومن قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والعلميّة. ولئن كانت المدرسة النقدية أو الأمريكية في الأدب المقارن قد حددت الفروق بين مفهومي "الأدب العام" و"الأدب العالميّ" ، فإنها لم تتحرر من المركزية الأوروبية- الأمريكية التي صبغت مفهوم الأدب العالمي الذي تبنته هذه المدرسة. فالمشكلة لا تكمن في ترسيم الحدود بين المفهومات، بقدر ما تكمن في صياغة مفهوم "أدب عالمي" يكون عالمياً بالفعل، وليس ستاراً تمارس خلفه مركزية أوروبية وغربية بعيدة كل البعد عن العالمية الحقة. فالحديث عن "الأدب العالمي"، إذا ما أريد له أن يكتسب مصداقية، يجب أن ينطلق من واقع العلاقات الأدبية الدولية وبناها المتناقضة التي تتسم بهيمنة الآداب الأوروبية والغربية على التبادل الأدبي الدولي من جهة، وبضآلة دور آداب شعوب العالم الثالث في ذلك التبادل من جهة أخرى . أما الأدب العالمي الذي يستحق هذه التسمية فهو أدب تساهم فيه آداب العالم بصورة متوازنة ومتكافئة بلا هيمنة ولا تبعية. وهذا لا يتمّ إلاّ إذا توافرت للآداب كلها فرص تجاوز حدودها اللغوية والثقافية من خلال الترجمة والتوسيط النقدي، فهما أبرز مؤشرين لعالمية الآثار الأدبية. إلا أن المعطيات المتوافرة تدلّ بصورة لا لبس فيها على أن العلاقات الأدبية الدولية المعاصرة علاقات غير متوازنة، وهي مختلة لصالح الآداب الأوروبية والغربية ولغير صالح آداب شعوب العالم الثالث، التي لا يزيد نصيبها من التبادل الأدبي الدولي عن نصيبها من الاقتصاد العالمي والتجارة العالمية . وهنا تكمن المعضلة الراهنة الحقيقية للأدب العالمي وعالمية الأدب.‏

رينيه اتيامبل‏

أثارت نزعة المركزية الأوروبية والغربية التي اصطبغت بها الدراسات المقارنة، ولا سيما دراسات التأثير والتأثر التقليدية، انتقادات وردت من أولئك المقارنين الذين يعرفون حقّ المعرفة أنّ لدى شعوب غير أوروبية، كالعرب والفرس والصينيين والهنود.. ثقافات عريقة وكنوزاً أدبية ثمينة لا يجوز تجاهلها. ومن أشهر المقارنين الذين انتقدوا نزعة المركزية الأوروبية، ودعوا إلى انفتاح الأدب المقارن على الآداب غير الأوروبية، المقارن الفرنسي الكبير رينيه اتيامبل (Rene Etiemble) ، الذي حضّ المقارنين على تعلّم اللغات الشرقية والإطلاع على آدابها بغية توسيع آفاقهم الأدبية، وأيد إحياء مفهوم (الأدب العالمي) الذي جاء به غوته، وطالب بإجراء مقارنات أدبية على المستوى العالمي، لا بهدف تتبع علاقات التأثير والتأثر واستكمال تاريخ الآداب القومية، وإنما بغرض التوصل إلى "شعرية مقارنة" . لقد وعى رينيه اتيامبل، الذي كان في أول الأمر معزولاً يغرد خارج السرب، ضرورة تحرير الأدب المقارن من المركزية الأوروبية، وأن تنطلق الدراسة الأدبية المقارنة لا من عدد محدود من الآداب، بل من الأدب العالمي، ففتح بذلك للأدب المقارن آفاقاً رحبة.‏

فان تيغــم‏

نبّه المقارن الفرنسي المعروف فان تيغم (Ph. Van Tieghem) المقارنين إلى إشكالية يمكن أن يقعوا فيها عندما يتصدّون لقضية عالمية الأدب، ألا وهي الإشكالية النابعة عن حقيقة أنّ بعض الأدباء يصيبون خارج بلادهم" نجاحاً لا يستحقونه". كما نبّه هذا المقارن إلى أن لكبار الكتاب في الأدب العالمي "قيماً نسبيّة تختلف عن القيم التي يستحقونها في آدابهم، لأن الدور الذي لعبه كل منهم على المسرح العالمي الواسع يتفاوت تفاوتاً عظيماً" . فقد لاحظ فان تيغم أن بعض كتّاب الدرجة الثانية قد لعبوا في عصرهم دوراً كبيراً، وكان لهم تأثير لا يقلّ عن تأثير غيرهم من الناحية العالمية. وهذه ملاحظة بالغة الأهمية، ترسم علامة استفهام على مفهوم الأدب العالمي الذي ينطلق من أنّ الأدب العالمي هو مجموع الروائع الأدبية التي تنتمي إلى آداب قوميّة مختلفة. ومن الأمور الهامة التي لاحظها هذا المقارن الكبير حقيقة وجود آداب "ذات إشعاع محدود" لا تلقى العناية التي تستحقها. فقد تكون هذه الآداب متطورة من النواحي الفنية والفكرية، ولكنّ أسباباً غير أدبية تؤدي إلى حجب الاهتمام عنها وعدم تقدير إنجازاتها. ولفان تيغم في السياق نفسه ملاحظة هامة أخرى، ألا وهي أنّ انتشار الأعمال الأدبية الأجنبية بدون وسيط يكون نادراً في البلدان التي تكون معرفة اللغات الأجنبية فيها" وقفاً على عدد قليل من الناس" .‏
‏يستخلص مما قاله فان تيغم بخصوص عالمية الأدب أنّ النجاح والشهرة اللذين يحظى بهما الأدباء خارج أوطانهم لا يمكن أن يعدّا معياراً وحيداً لعالميتهم. فالشهرة العالمية قد لا تقترن بالجودة، وهناك من الأدباء من يحققون نجاحاً عالمياً مؤقتاً، ولكن ذلك لا يسوّغ أن يصنّفوا مع الأدباء العالميين. ومن الأمور الهامة التي انتبه إليها فان تيغم دور تعليم اللغات الأجنبية في انتشار الأعمال الأدبية خارج بلدانها. لقد حصر فان تيغم ذلك الدور في انتشار تلك الأعمال "بدون وسيط"، إلاّ أن لتعليم اللغات الأجنبية وتحوّل بعض تلك اللغات إلى لغات عالمية دوراً يفوق الدور الذي نسبه إليه المقارن المذكور فيما يتعلق بعالمية الأدب. فهذا الدور لا يقتصر على تحديد فرص انتشار الأعمال الأدبية في الخارج بدون وسيط، بل بوسيط أيضاً، أي بالتوسيط الترجميّ والنقديّ. ومن الملاحظ أيضاً أنّ فان تيغم لم يفصل في مسألة "الآداب ذات الإشعاع المحدود". فهل ترجع قلّة الإشعاع هذه إلى أن تلك الآداب هي آداب لغات صغيرة ليس لها عدد كبير من المتكلمين، أم إلى أنها آداب غير متطورة، ليس فيها روائع أدبية تستحق أن تترجم إلى اللغات الأجنبية وأن تحظى بشيء من العالمية، أم إلى أنها آداب شعوب تتعرّض للهيمنة اللغوية والثقافية الخارجية، وتقوم الأطراف المهيمنة بالتعتيم عليها وحرمانها من الإشعاع؟

برونيل /بيشوا/ روسو‏

ومن المقارنين الذين تنبهوا إلى ما تنطوي عليه عالمية الأدب من إشكالية المقارنون الفرنسيون برونيل /بيشوا/ روسو (P.Brunel CL.Pichois/ A.M.Rousseau) . فهم يرون أنّ الأدب العالمي يتألف من "أعمال متميزة عبر الشهرة العالمية التي حققتها والنوعية الخالدة التي تقدّمها"(27). إلاّ أن هؤلاء المقارنين لاحظوا أيضاً أنّ "الاتصال الوثيق بين أدب وحضارة سائدة يشجّع على إيصال هذا الأدب إلى مستوى الأدب العالمي . إنها فكرة بالغة الأهمية، ولكن المؤلفين لم يحددوا ماهية "الحضارة السائدة"، ولم يتطرقوا إلى الآداب التي دخلت دائرة العالمية نتيجة ارتباطها بتلك الحضارة. ولاحظ برونيل /بشوا/ روسو/ بالمقابل أنّ انتماء أدب ما إلى "أقليّة لغوية" يعيق انتشاره لغوياً، وهذه فكرة هامة أيضاً، ولكنها لم تعط حقها من التعميق والتفصيل. إنها تعني ضمناً أنّ انتماء الأعمال الأدبية إلى "أكثرية لغوية"، أي إلى لغات كبيرة واسعة الانتشار، يسهّل انتقالها إلى دائرة العالمية، حتى إذا كانت تلك الأعمال غير "متميزة" فنياً وموضوعاتياً.‏

يتبــــــع ...
أبو مروان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-03-2016, 01:11 AM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
المطور العام - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية أبو مروان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة algeria

افتراضي

ما مدى الاشعاع العالمي للأدب العربي الحديث ؟


الحلقة الثالثة :

الوضـــــــــــع الراهــــــــــــن‏

على أية حال فإنّ مفهوم (الأدب العالمي) الذي صاغه الأديب الألماني غوته في ثلاثينيات القرن التاسع عشر قد لقي في أول الأمر إعراضاً ورفضاً من جانب علماء الأدب المقارن أكثر مما حظي به من قبول واستحسان. إلاّ ان الاهتمام بهذا المفهوم ما لبث أن تجدّد منذ أواسط القرن العشرين، إن على الصعيد العلمي الأكاديمي، أم على الصعيد الثقافي العامّ. وأكثر من ذلك: لقد ظهر في المرحلة الأخيرة ما يشبه التضخّم في استخدام عبارة (الأدب العالمي) . فبالإضافة إلى " معاجم الأدب العالمي"، و"سلاسل الأدب العالمي" و"مكتبات الأدب العالمي" تحوّلت صفة "عالمي" إلى صفة بالغة الإيجابية، يُنعت بها كثير من الأدباء والأعمال الأدبية بغرض الدعاية والترويج التجاري. لقد حقق مفهوم "الأدب العالمي" في النصف الثاني من القرن العشرين انتصاراً كبيراً، بعد أن مرّ بسيرورة ما كانت ستخطر لواضعه غوته على بال، ولكن هل استقر هذا المفهوم أخيراً وحصل إجماع على مضمونه؟‏
إنّ النجاح الذي أحرزه مفهوم "الأدب العالمي" لم يُزل ما ينطوي عليه هذا المفهوم من إشكالية وخلافية. فهناك خلاف شديد بين من يرى في "الأدب العالمي" مجموع الأعمال الأدبية الرائعة المتميزة التي تنتمي إلى آداب قومية مختلفة، جاعلاً بذلك من الجودة الفنية مقياساً لعالمية الأدب، وبين من يرى أن الأدب العالمي هو تلك الآثار الأدبية التي تمكنت من أن تتخطى حدودها اللغوية والثقافية القومية، وأن تحظى بانتشار عالمي، إن بدون وسيط أم بوسيط ترجمي ونقدي. فأساس هذا المفهوم هو الانتشار العالمي، سواء ترافق مع جودة فنية وفكرية أم لم يترافق. وهناك أخيراً من يرى أنّ "الأدب العالمي" هو مجموع الآداب القومية الموجودة في العالم، بصرف النظر عن المستويات الفنية والانتشار العالمي لأعمالها. وهذا يعني أنّ هناك ثلاثة مفهومات للأدب العالمي، لكلّ منها حججه ومترتباته وأنصاره، وإذا كان التوفيق بين المفهومين الأول والثاني ممكناً إلى حدّ كبير، وذلك لأنّ الروائع الأدبية كثيراً ما تحظى بانتشار عالمي، فإنّ التوفيق بين هذين المفهومين وبين المفهوم الثالث أمر بالغ الصعوبة. فأنصار هذا المفهوم يأخذون على المفهومين الأخيرين مركزيتهما الأوروبية والغربية، لأن جلّ الأعمال الأدبية الرائعة والمنتشرة عالمياً تنتمي فعلياً إلى الآداب الأوروبية والغربية، مما يعني أن تصوّريهما للأدب العالمي ينطويان على إجحاف بحق الآداب القومية الأخرى، وبآداب شعوب العالم الثالث على وجه التحديد. ولذا يطالب أنصار المفهوم الثالث بتبني مفهوم التكافؤ والمساواة بين الآداب. أمّا أنصار المفهومين الأول والثاني فهما يريان بالمقابل أنّ "الأدب العالمي" ليس هيئة عامة للأمم المتحدة"، يتساوى فيها صوت دولة متطورة عظمى مع صوت دولة متأخرة فقيرة صغيرة . فالمساواة بين الآداب فيما يتعلق بالعالمية أمر غير ممكن، لأن الآداب تختلف عن بعضها البعض في تطورها وغناها ومستوياتها الفنيّة والفكريّة. وهكذا فإنّ مفهوم "الأدب العالمي" يعكس ما هو قائم في الساحة الثقافية الدولية من تناقضات.‏

مفهومات العالمية في الأدب المقارن العربي‏

كان المقارنون العرب في مقدمة المهتمين بمسألة عالمية الأدب العربي الحديث. وهذا أمر غير مستغرب، فالموضوع يدخل في صميم اهتمامات الأدب المقارن وحقله المعرفي باعتباره ذلك النوع من الدراسات النقدية الذي يتناول الظواهر الأدبية التي تتجاوز الحدود اللغوية والثقافية للآداب. وبالفعل فإنّ عدداً كبيراً من المقارنين العرب قد تعرضوا لهذه المسألة وناقشوها، ولكنّ كلاً منهم اقترب منها انطلاقاً من موقعه الفكري ومن المدرسة المقارنة التي ينتمي إليها. فكيف نظر المقارنون العرب إلى "الأدب العالمي" و"عالمية الأدب" بصفة عامّة، وإلى عالمية الأدب العربي الحديث على وجه الخصوص؟‏

محمد غنيمي هلال‏

كان الدكتور محمد غنيمي هلال، الذي يعدّ بحقّ مؤسس الأدب المقارن الأكاديمي العربي، أوّل من تطرّق إلى هذه المسألة بصورة تفصيلية منهجية. فقد أفرد فصلاً من كتابه الشهير "الأدب المقارن" لموضوع "عالمية الأدب وعواملها"، رفض فيه مفهوم "الأدب العالمي" بحجة أنّ فكرة الأدب العالمي "مستحيلة التحقيق لأن الأدب استجابة للحاجات الفكرية والاجتماعية للوطن والقوميّة.. وأنّ الآداب وطنية وقوميّة أولاً". وقد بنى المؤلف ذلك الرفض على أمرين، أولهما اعتقاده بأن الأدب العالمي الذي بشّر به غوته ينفي وطنية الآداب، ويعني بصورة حرفية أن تزول الآداب القومية ليحل محلّها في العالم بأسره أدب واحد، وهذا ما لم يخطر لواضع مفهوم الأدب العالمي على بال. أمّا الأمر الثاني فهو اعتقاد الدكتور هلال بوجود تناقض بين ما هو وطني وما هو عالمي، بين الخاصّ والعامّ، وكأنّ استجابة الأدب لحاجات فكرية واجتماعية وطنية وقومية تتنافى مع استجابته لحاجات عالمية وإنسانية. وهذه نظرة خاطئة إلى علاقة الخاصّ بالعامّ، والوطني بالعالمي والإنساني. فالتناقض الذي افترض الدكتور هلال وجوده لا ينطبق سوى على القوميات الشوفينية، كالفاشيّة، التي تريد أن تخضع ما هو إنساني وعالمي لما هو قومي. ومن المعروف أنّ القومية العربية بالذات ليست من النوع الشوفيني، بل هي حركة ذات مضمون إنساني، نشأت في غمرة نضال العرب ضدّ الاستعمار والتجزئة القومية، وهي ترى في تحرر العرب وتقدمهم مساهمة في تقدّم الإنسانية .‏
إلاّ أنّ الدكتور محمد غنيمي هلال الذي رفض مفهوم "الأدب العالمي" قد احتفى بظاهرة أدبية أخرى هي "عالمية الأدب"، وكأنها شيء مختلف عن الأدب العالمي كلّ الاختلاف. فكيف فهم الدكتور هلال تلك العالمية؟ يقول الدكتور هلال عن عالمية الأدب إنّ معناها هو "خروجه من نطاق اللغة التي كتب بها إلى أدب لغة أو أدب لغات أخرى.. إما للتأثير في الآداب الأخرى.. وإما نشداناً لما يغني ويكمل ويساير الركب العالمي ". ثم يتابع الدكتور هلال شرح هذه الفكرة قائلاً: "عالمية الأدب هي خروج الآداب من حدودها القومية طلباً لكل ما هو جديد مفيد تهضمه وتتغذى به واستجابة لضرورة التعاون الفكري". وبعبارة أخرى فإنّ عالمية الأدب هي، في رأي الدكتور هلال، تأثر أدب قومي بأدب قومي أو بآداب قومية أخرى. ترى هل يسوّغ هذا المفهوم أن نطلق على تلك الظاهرة تسمية "عالمية الأدب"؟ فعندما يتمّ التأثير بين أدبين قوميين فإنه يكون ثنائياً، لا عالمياً، وإذا ما تمّ بين أدب قومي معيّن وعدّة آداب قومية فإنّ ذلك التأثير لا يتحوّل بالضرورة إلى ظاهرة عالمية. وللعالمية التي يتحدث عنها الدكتور هلال "أسس"، أهمها أنّ الأدب المتأثر "يختار من الآداب الأخرى على حسب حاجته، ولا يتحوّل الأدب المتأثر إلى تابع أو مقلّد للأدب المؤثر، ففي عملية التأثر يحافظ الأدب المتأثر على أصالته، إن على مستوى الأديب أو على مستوى الأدب القوميّ برمّته" . إنّ في ما يقوله هلال تكراراً لمقولة أنّ التأثر يتمّ ضمن إطار الأصالة وعلى قاعدتها، علماً بأن التأثر الأدبي قد يبلغ درجة التبعية والتقليد، فماذا يمنع الطرف المتأثر من أن يقلد الطرف المؤثر إلى ذلك الحدّ .‏
ماذا يترتب على مفهوم "عالمية الأدب" الذي أخذ به الدكتور هلال بالنسبة للأدب العربي الحديث؟ إنّ جوابه عن هذا السؤال هو: "عالمية الأدب تجعلنا ننظر إلى أدبنا القومي نظرة أعمق، إذ نعدّه بين الآداب العالمية المختلفة الأخرى، يغنى بصلاته بها، وينتهج المفيد من مناهجها، فالآثار الأدبية العالمية تؤلف وحدة يقاس الإنتاج الأدبي الحديث بنسبته إليها، وأدبنا الحديث لبنة في ذلك البناء العالمي الشامخ" . ما معنى هذا الكلام الذي تطغى عليه نبرة إنشائية خطابيّة؟‏
من الملاحظ أنّ الدكتور هلال يتحدث هنا عن "آداب عالمية"، وذلك بالرغم من إصراره على أن الآداب لا يمكن أن تكون إلاّ قومية، وبالرغم من أنه يرفض مفهوم "الأدب العالمي". فكيف ينسجم ذلك الرفض مع تحدثه عن "آداب عالميّة"؟ وما المقصود بتلك الآداب؟ يبدو أنّ المقصود بها هي الآداب الأجنبية أو الآداب الموجودة في العالم. وما تلك "الآثار الأدبية العالمية" التي يقاس بها الإنتاج الأدبي الحديث؟ هذا ما لا يشرحه الدكتور هلال، ولو دخل في تفاصيله لاضطر لتبني صورة من صور مفهوم "الأدب العالمي". أما الأدب العربي الحديث فقد وصفه الدكتور هلال بأنه "لبنة في البناء العالمي الشامخ". ترى ما هذا "البناء العالمي"؟ أهو "الأدب العالمي" الذي يرفض الدكتور هلال مفهومه؟ وما معنى أن يكون الأدب العربي الحديث "لبنة في ذلك البناء الشامخ"؟ هل المقصود بذلك أنّ الأدب العربي الحديث هو أحد الآداب الحديثة الموجودة في العالم؟ أم المقصود به هو أنّ ذلك الأدب يتمتع بالمكانة العالمية ذاتها التي تتمتع بها الآداب الحديثة الأخرى، وأنه لا يقل شأناً عن تلك الآداب؟ إنّ الدكتور هلال يرسم صورة شديدة الانسجام لعلاقة الأدب العربي الحديث بالآداب الأخرى، صورة علاقة لا تشوبها شائبة ولا تعكرها تناقضات، وهذه صورة غير واقعية، لا تساعد في فهم ما يتعرض له الأدب العربي في الساحة الدولية من تحديات.‏
وعموماً يمكن القول إنّ الدكتور هلال قد حصر مسألة "عالمية الأدب" في تأثر الأدب القومي بالآداب الأخرى، ولم يتطرق إلى مسألة تأثيره في تلك الآداب، مما حوّل "عالمية الأدب" التي يتحدث عنها إلى ظاهرة أحادية الجانب. ومع أننا نشارك الدكتور هلال وجهة النظر القائلة بأنّ التأثر يغني الأدب القومي ويساهم في تطويره، بدليل التطور العظيم الذي شهده الأدب العربي الحديث منذ أن انفتح على الآداب الأوروبية والأجنبية في أواسط القرن التاسع عشر، فإننا لا نرى أيّ مسوّغ لحصر "عالمية الأدب" في تأثر أدب قومي بالآداب الأخرى، ولأن يغفل تأثير ذلك الأدب في تلك الآداب، فالحديث عن تأثر أدب قومي بآداب أخرى ينطوي ضمنياً على إقرار بوجود آداب فاعلة ومؤثرة. فلماذا لا ندرس العوامل التي تجعل أدباً قوميّاً ما أدباً مؤثراً في الآداب الأخرى؟ إن هذه المسألة تهمّنا اليوم بشدّة. فمشكلتنا لا تكمن في تأثر أدبائنا بالآداب الأجنبية، بقدر ما تكمن في عدم تمكّننا من إيصال صوتنا الأدبي إلى العالم، ومن أن نضمن للأدب العربي الحديث تأثيراً عالمياً مناسباً. تلك هي المشكلة التي تواجه اليوم أدبنا الحديث، وهي مشكلة قفز الدكتور هلال من فوقها عبر جمل خطابية فضفاضة، كقوله عن الأدب العربي الحديث إنه "أدب بين الآداب العالمية المختلفة الأخرى"، أو إنّ ذلك الأدب "لبنة في البناء العالمي الشامخ".‏

فؤاد المرعي‏

ومن المقارنين العرب الذين تصدوا لمسألة عالمية الأدب الدكتور فؤاد المرعي، وذلك في بحث قدّمه عام 1986 إلى المؤتمر الثاني للرابطة العربية للأدب المقارن. فقد انطلق الدكتور المرعي في بحثه المذكور من مقولات نظرية الأدب الماركسية المعروفة، كارتباط تطور الأدب بتطور المجتمع، ومرحليّة ذلك التطور وعدم تزامنه، ووحدة قوانين العملية الأدبية" بوصفها جزءاً من العملية الاجتماعية التاريخية العالميّة" . أمّا فيما يتعلق بمفهوم الأدب العالمي فإن الدكتور المرعي ينتقد بمرارة صبغة المركزية الأوروبية التي أضفاها عليه المقارنون الأوروبيون، ويرى أن تبني مفهوم كهذا قد يعيق دور الأدب المقارن في إظهار عالمية الأدب العربي، خلافاً للمفهوم الماركسي الذي يساعد في ذلك. فالأدب العالمي، وفقاً للدكتور فؤاد المرعي، ليس مجموع الأعمال الرائعة، بل هو "مجموع الآداب في العالم"، وعليه فإن دور الأدب المقارن لا يتمثل في إبراز علاقات التأثير والتأثر، بل "في بناء تاريخ الأدب العالمي على أساس علميّ يستند إلى وحدة تاريخ تطوّر البشرية" . ولئن كان بعض الآداب، ومنها الأدب العربي، يتأثر بآداب الشعوب الأكثر تقدماً في ميدان التطوّر الاجتماعي، فإنّ مردّ ذلك هو "عدم انتظام التطوّر في المجتمع الطبقي" ، ناهيك عن أنّ ذلك التأثير لا يحدث إلاّ عندما تنشأ في مجتمع الأدب المتأثر حاجة إلى هذا الاستيراد الثقافي.‏
يتلخص ما جاء به الدكتور فؤاد المرعي حول الأدب العالمي، متكئاً بصورة مباشرة وصريحة على أفكار المقارن الروسي فيكتور جيرمونسكي ومقولاته، في الدعوة إلى تبني مفهوم إنساني شامل للأدب العالمي، وفي التركيز على علاقة تطوّر الأدب بتطوّر المجتمع. ترى ماذا تفيدنا هذه الدعوة في معالجة قضية عالمية

الأدب العربي الحديث؟‏

إننا نتفق مع الدكتور المرعي على رفض أي مفهوم للأدب العالمي يحصر ذلك الأدب في الآداب الأوروبية والأمريكية ويسدّ أمام الآداب الأخرى أبواب العالمية. إلاّ أنّ أي موقف نتخذه من مفهوم الأدب العالمي لا يغير شيئاً من حقيقة أنّ الآداب الأوروبية والغربية هي في الواقع الآداب الأكثر عالمية في هذا العصر، إن لناحية الترجمة إلى اللغات الأجنبية، أو لناحية التوسيط النقدي والتفسيري، أو لناحية التأثير الإبداعي الذي تمارسه في الآداب الأخرى. إنّ هذا الواقع الأدبي الدولي لا يتغير بمجرد أن يقف منه المرء موقفاً رافضاً. فالأدب العالمي لا يصنعه علماء الأدب المقارن الذين يدعوهم الدكتور المرعي إلى تبني مفهوم آخر للأدب العالمي، بل تصنعه عوامل أدبية وغير أدبية، مكنت الآداب الأوروبية والغربية من أن تشكّل "الأدب العالمي" الفعليّ، إذا انطلقنا من أنّ الأدب العالمي هو مجموع الأعمال الأدبية التي تستقبل خارج لغاتها بتوسيط ترجمي أو بلا توسيط. أما القول إنّ الأدب العالمي هو "مجموع الآداب في العالم" فهو قول يصطدم بحقيقة أنّ القسم الأعظم من الأعمال الأدبية التي تنتمي إلى آداب غير أوروبية وغربية لا يحظى بكثير من العالمية، ويبقى حبيس لغاته الوطنية، ومن ثمّ لا يمكن أن يوصف بالعالميّ. :فللعالمية معاييرها، وأبسطها أن يترجم العمل الأدبي من لغته الأصلية إلى لغات أجنبية، وأن يؤثر خارج أدبه القومي.‏
أما فيما يتعلق بمقولة ارتباط التطور الأدبي بالتطور المجتمعي فثمة ما يشبه الإجماع على أنّ الأدب ليس ظاهرة ثقافية معلقة في الهواء، بل هو ظاهرة ثقافية مرتبطة بالمجتمع، تعبّر عنه وتتفاعل معه وتتأثر به وتؤثر فيه. ولكن هل يعني ذلك أنّ المجتمع المتخلف اقتصادياً واجتماعياً وتقنياً ينجب بالضرورة أدباً متخلفاً، وأنّ دور آداب المجتمعات المتأخرة يقتصر على التأثر بآداب المجتمعات المتطورة؟ تلك هي النتيجة المنطقية لمقولة ارتباط التطور الأدبي بالتطور الاجتماعي، إذا ما فُهمت تلك المقولة بصورة جامدة غير جدلية. أما الفهم الجدلي السليم للمقولة المذكورة فيرى أن الأدب يتطور بصورة مستقلة نسبياً عن تطور المجتمع، وذلك وفقاً للديناميكية الداخلية الخاصة بالنظام الأدبي. فالأدب في المجتمع المتخلف ليس متخلفاً بالضرورة، وكثيراً ما يكون عكس ذلك هو الصحيح. فها هو الأدب الأمريكي الجنوبي يحظى اليوم بدرجة عالية من العالمية، وذلك برغم تخلف الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لشعوب أمريكا الجنوبية. وكثيراً ما يكون ازدهار الأدب استجابة ثقافية لتدهور الحياة الاجتماعية وانحطاطها، فيتحوّل إلى حافز لتجاوز ذلك الانحطاط. إنّ هذه المقولة تسري على الآداب الأمريكية الجنوبية وعلى بعض آداب شعوب العالم الثالث التي تتصدى للتخلف والتبعية بالإبداع الأدبي المتطور. إلاّ أنّ هذه المقولة غير قابلة للتعميم. فالتخلف والتبعية كثيراً ما يلازمهما طغيان سياسي واجتماعي يخنق حرية التعبير والإبداع الأدبيين ويؤدي إلى تخلف الحياة الأدبية. وفي مطلق الأحوال فإنّ مقولة الترابط بين الأدب والمجتمع لا يجوز أن تدفعنا للتوصل إلى استنتاجات خاطئة، كأن نستنتج مثلاً أنّ الأدب العربي الحديث لا يمكن أن يتطور ما دام المجتمع العربي متخلفاً، وأنّ علينا أن ننتظر حتى يبلغ مجتمعنا درجة عالية من التطور قبل أن يتمكن أدبنا من بلوغ درجة متقدمة من العالمية، أو أن نقول إنّ أدبنا سيرتقي إلى مستويات عالية بمجرد أن يتقدّم المجتمع العربي، وبما أن تطور المجتمع أمر حتمي فإنّ تطوّر الأدب أمر حتمي أيضاً. إنّ فهماً كهذا لعلاقة الأدب بالمجتمع هو فهم خاطئ وميكانيكي لا يجوز أن نتبنّاه. وهو فهم لا يخدم تقدمنا الأدبي والاجتماعي.‏

يتبــــــع ...
أبو مروان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-03-2016, 01:15 AM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
المطور العام - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية أبو مروان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة algeria

افتراضي

ما مدى الاشعاع العالمي للدب العربي الحديث ؟


الحلقة الرابعة :

نقد المركزية الأوربية

سعيد علوش‏


ومن المقارنين العرب الذين انتقدوا النزعة المركزية الأوروبية في التعامل مع قضايا الأدب العالمي المقارن المغربي الدكتور سعيد علوش. فقد أخذ على الأدب العالمي الذي يمارس في الغرب نزوعه "إلى اختزالية تعتمد انتقائية المركزية الأورربية للأعمال الكبرى في التراث الغربي، حيث لا تمنح المجاميع والأنتولوجيات وخزانات الأدب العالمي مكاناً لأدب القارات المنسية: الافريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية" . ويمضي الدكتور علوش في نقده لتاريخ الأدب العالمي في الغرب، فيأخذ على ذلك التاريخ أنه "بقي حبيس أدب القيمة، وهو أدب يشدد على التأويل الانتقائي الذي يتجاهل الثقافات الأخرى"، مما حوّل مصطلح الأدب العالمي إلى مصطلح دعائي. أما البديل الذي يقترحه الدكتور علوش لمفهوم الأدب العالميّ المشوّه المستخدم في الغرب فهو العودة إلى مفهوم الأدب العالمي بالشكل الذي بشر به غوته، لأنه مفهوم "يعتبر خصوصية الأمم، مدمجاً مفهوم الغيرية في مفهوم الأدب العالمي" . فالاعتراف بالآخر والتعرف إليه يصلحان "مفتاحاً لفهم الأدب العالمي عند جوته". وعندما يفهم الأدب العالمي على هذا الشكل فإنه يكتسب بعداً تأويلياً يلعب فيه فنّ التأويل والتفسير والترجمة دوراً خاصاً". وبالاتكاء على جيل جديد من المقارنين الفرنسيين الذين خلّفوا وراءهم دراسات التأثير والتأثر التقليدية، من أمثال بشوا وروسو، يدعو الدكتور سعيد علوش إلى "سوسيولوجيا للأدب العالمي"، فهي قادرة على أن تفسّر لنا حقيقة أنّ انتساب أدب إلى "حضارة مهيمنة يساعد في اقتحام هذا الأدب المستوى العالمي". أما الوجه الآخر لتلك السوسيولوجيا فهو أن نبحث في الأدب العالمي "عن الأعمال التي تستحق انتشاراً عالمياً ولم تبلغه بعد" . ولهذا السبب يتفق الدكتور علوش مع المقارن الفرنسي باجو على ضرورة تحقيق "مبدأ الحوارية" بين الآداب، دونما تمييز بين الآداب الكبرى والصغرى، والآداب المهيمنة والآداب المتجاهلة التي تأخرت نهضاتها".‏
يرجع إلى الدكتور سعيد علوش الفضل في إبراز مفهوم "الغيرية" عند غوته، وربطه بمفهوم "الأدب العالمي"، علماً بأن مقارناً مغربياً آخر هو الدكتور فوزي بوبيا قد سبقه إلى هذه المسألة . فالعالمية عند غوته لا تلغي الغيرية، أي تميّز الآخر واختلاف ماهيته وخصوصيته. كذلك فإن الدكتور علوش قد ربط مفهومي "الأدب العالمي" و"الغيرية" بمبدأ الحوارية الذي بلوره الناقد الروسي جورج باختين وجعل منه أساساً لخطاب نقدي جديد يتعامل مع الآخر ليس من موقع السيطرة بل من موقع الندية. وانطلاقاً من فكرتي الغيرية والحوارية دعا الدكتور علوش إلى صياغة مفهوم للأدب العالمي لا يميز بين أدب كبير وآخر صغير وبين أدب مهيمن وآخر متجاهل.‏
من المؤكد أنّ مفهوم (الأدب العالمي) الذي يدعو إليه الدكتور علوش مفهوم جدير بالترحيب، لأنه يعيد إلى الأدب العالمي عالميته ووجهه الإنساني. إلاّ أن هذا المفهوم بعيد عن الواقع الميداني للعلاقات الأدبية والثقافية المعاصرة، حيث الآداب منقسمة إلى آداب كبرى وآداب صغرى، وإلى آداب مهيمنة وأخرى متجاهلة أو منسية. إنه لمن المفيد أن يتبنى المرء مفهوماً انتقادياً للأدب العالمي، ولكن من الضروري أيضاً أن ينطلق المرء من الواقع الأدبي الدولي القائم، أي أن يضع بالفعل "سوسيولوجيا الأدب العالمي" بكل ما يحفل به ذلك الواقع من تناقضات. فدراسة البنى المتناقضة للعلاقات الأدبية الدولية يمكن أن ترشدنا إلى تصور واقعي وميداني لما يمكن أن نفعله بغية تمكين أدبنا العربي من أن يحظى بقدر أكبر من العالمية. فالتصدي لتشويه مفهوم "الأدب العالمي" من قبل المركزية الأوروبية والغربية لا يكون بطرح البدائل المفهومية فحسب، وإنما بتلمس السبل والإمكانات الواقعية لتجاوز الواقع الأدبي الدولي القائم، الذي جعل العالمية وقفاً على بعض الآداب، وحرم منها آداباً أخرى، من بينها الأدب العربي.‏

عز الدين المناصرة‏

ينظر المقارن والشاعر الفلسطيني الدكتور عز الدين المناصرة إلى عالمية الأدب ضمن إطار آخر، هو عملية المثاقفة التي تشكل في رأيه "أساس عالمية التحديث الأدبي". وقد اتخذ الدكتور المناصرة في حديثه عن المثاقفة موقفاً انتقادياً متحفظاً منها، "لأنها تحمل في داخلها مخاطر التغريب وفرض النمط الواحد والرأي الواحد" . فعملية المثاقفة ليست تبادلاً ثقافياً حراً يتصرف فيه كل طرف وفقاً لحاجاته الثقافية، بل هي نتاج عملية إخضاع "تفرض في سياقها البنى الأيديولوجية المسيطرة وجهة نظرها بقوّتها الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية" أما المثال الملموس الذي يضربه الدكتور المناصرة فهي الفرانكوفونية باعتبارها "حالة تاريخية ولغويّة وأدبيّة واحتلاليّة مستمرّة". ففي الوقت الذي يستعر فيه داخل فرنسا حقد شديد "ضدّ كلّ ما هو عربي وإسلامي"، حقد يجرد العرب من كلّ قيمة ثقافية وإنسانيّة، تسعى فرنسا من خلال الحركة الفرانكوفونية لتكريس سيطرتها اللغوية، ومن ثمّ الأدبية بحيث يصبح الأدب الفرنسي نموذجاً . فالمثاقفة السائدة في علاقة الأدب العربي بالغرب هي مثاقفة تعمل "لصالح طرف واحد هو المركزية الأورو - أمريكية، الأدبية والفكرية". إنّ الشكل السائد للمثاقفة يعني، في رأي الدكتور المناصرة "بقاء المراكز صاحبة القرار وبقاء التخوم المنفية تخوماً تابعة وخادمة" . ولا يولي الدكتور المناصرة كبير اهتمام للأصوات الأوروبية التي تنادي بانفتاح حقيقي على الثقافات الأخرى، وذلك لأن دعوتها هذه دعوة نظرية فقط، وهي ترمي إلى "تجميل العالميّة" السائدة. فهذه العالمية تنطوي في حقيقة الأمر على هيمنة طرف واحد هو طرف المراكز الأوروبية - الأمريكية على الأطراف أو الهوامش، وهي علاقة هيمنة وتبعية تكرست على امتداد القرون الأربعة الأخيرة" منذ أن انطلقت الرأسمالية الغربية لإخضاع أقسام العائلة الإنسانية لحاجاتها". وهكذا فإن عالمية هذا شأنها ليست سوى" قناع أيديولوجي للنهب الاستعماري" . ففي إطار تلك العالمية يتم التعامل مع النصوص الأورو- أمريكية على أنها "روائع أدبية عالمية"، بينما لا ينظر إلى النصوص القادمة من المجتمعات الطرفية بنفس المنظور. أمّا ما يقوم به "التيار التحديثي" أو "التقني" في الأدب العربي، الذي يرى أن المسألة مسألة شكل، فهو مجرد "ترجمة حرفية للنموذج الأورو- أمريكي" . فهذا النموذج من المثقف العربي الذي أفرزته علاقة المثاقفة الأحادية الجانب، وهو نموذج يدعوه الدكتور المناصرة "بالبنيوي الحداثوي التجريدي"، يقوم بتكريس التبعية" من حيث تقليده للنموذج الذي تصدّره مراكز القلب الرأسمالي". واستناداً إلى مقولات غرامشي ولوسيان غولدمان وسمير أمين وفيصل درّاج وغيرهم من المنظرين الماركسيين الجدد يرى الدكتور المناصرة "أن حدود العالم اتسعت لتشمل الشعوب كلها والآداب كلها"، وأن القرن العشرين قد شهد نمواً واضحاً للعالمية بسبب وسائل الاتصال الحديثة. ولكن بدلاً من أن يؤدي ذلك إلى ظهور "أدب عالمي إنساني"، فإن هذه العالمية الحداثوية" أعطت امتيازات جديدة لتكريس التبعية، لأن آداب الأطراف "لا تستفيد من ذلك التحسن". كذلك فإن الانتكاسات العسكرية والسياسية التي شهدها العالم العربي في المرحلة الأخيرة قد أدّت إلى "تصاعد التبعية الثقافية والأدبية" بدلاً من أن تؤدي إلى تعميق الفهم العربي لتلك التبعية والتصدي لها.‏
لقد وجه الدكتور المناصرة في سياق حديثه عن عالمية الأدب نقداً حاداً لما يجري في إطار علاقة المثاقفة السائدة بين الأدب العربي بصفته أدب مجتمع متأخر طرفي وبين "أدب المراكز الغربية". وكانت شوكة نقده موجهة في المقام الأول إلى "المثقف الحداثوي" الذي يعيد إنتاج النموذج الثقافي الغربي (الأورو- أمريكي) . إلاّ أنّ الدكتور المناصرة لم يتطرق من قريب أو بعيد إلى نموذج آخر من المثقفين العرب أفرزته المثاقفة الأحادية الجانب والهزائم العسكرية والسياسية، ألا وهو المثقف السلفي أو الأصولي الذي يرفض ثقافة الغرب بقضّها وقضيضها، ويريد أن يدير عجلة التاريخ إلى عهود ازدهار الثقافة العربية الإسلامية، إلى حقبة تاريخية سبقت الهيمنة الغربية على العرب والمسلمين، أي إلى حقبة ما قبل حداثية ... أما البديل الذي يدعو إليه الدكتور المناصرة، ضاماً في ذلك صوته إلى صوت الدكتور فيصل دراج، فهو "مواجهة التبعية بإعادة إنتاج الثقافة الشعبية الديمقراطية والاعتماد على الذات ومعرفة حدود الهوية الوطنية، إضافة لاختيار النموذج الديمقراطي والتحالف معه" . إنّ هذا البديل المقترح هو بديل وهمي لا وجود له على أرض الواقع. فالأدب العربي يقف اليوم على مفترق طرق. فإمّا أن يواصل تحديث نفسه وتطويرها بحيث يرتقي إلى مصاف الآداب الحديثة، وإما أن يتراجع عن التحديث والحداثة، ويبدأ مسيرة العودة إلى "عصر ذهبي" انقضى ولن يعود. وفي رأينا فإنّ الدكتور المناصرة قد أخطأ الهدف عندما وجه سهامه إلى المثقف الحداثوي وإلى المثاقفة المعاصرة. فعلى الرغم من كلّ ما يؤخذ على تلك المثاقفة، ومن كلّ ما يقال عما تنطوي عليه من تبعية للنموذج الغربي، فإنّ تلك المثاقفة قد أسفرت عن إنجازات ضخمة على صعيد تطوير الأدب العربي في أجناسه وأغراضه وأساليبه، أي في شكله ومضمونه، لا في شكله فقط، وسارت به أشواطاً كبيرة على طريق العالمية. ويكفي أن يقارن المرء الأدب العربي في أواخر القرن العشرين بالأدب العربي في أواخر القرن الثامن عشر، ليدرك حجم ما حققه الأدب العربي من إنجازات تحديثية، لا نصدّق أنّ الدكتور المناصرة، وهو نفسه مثقف حديث، يريد التراجع عنها في غمار نقمته على "المثقف الحداثوي". إننا لا ننكر على الدكتور المناصرة حقه في نقد التبعية الثقافية، ولكن من حقنا أن نطالبه بأن يكون نقده دقيقاً من جهة، وأن تكون لذلك النقد أهداف واضحة، تخدم تطوير الثقافة العربيّة وتحديثها من جهة أخرى. أما نقد المثاقفة و"المثقف الحداثوي" الذي يمارسه الدكتور المناصرة فهو نقد غير دقيق، يرى سلبيات المثاقفة ولا يرى الإيجابيات التي نجمت عنها، وهو نقد يضعف الطرف التحديثي في الأدب العربي المعاصر، ويضعف بالتالي قدرة هذا الأدب على التطور وتجاوز التبعية الذي لا يتمّ بالإعراض عن النموذج الأدبي الأوروبي - الأمريكي، لأنه النموذج الأكثر تقدماً، وإنما باستيعاب ذلك النموذج استيعاباً خلاقاً منتجاً، وتأصيله ليصبح جزءاً من تراثنا الثقافي ومن أصالتنا . إن تجاوز التبعية الثقافية في ميدان الأدب يكون بأن نواصل إحياء تراثنا واستيعابه، وأن ننتج أدباً يعبّر عن تجربتنا الإنسانية بأشكال أدبية متطورة وحديثة، هضمت الثقافة العالمية، غربية كانت أم شرقية، والتراث العربي الإسلامي على حدّ سواء، في هذه الحالة فقط نستطيع أن نبدع أدباً يجمع العالمية إلى المحلية ويوفق بين القومي والإنساني. وهذا ما تسعى النخبة الأدبية العربية المعاصرة لتحقيقه. ومن المؤكد أن تلك المساعي الجادة لا تدخل في باب "التلذذ بالتبعية". أما عالمية الأدب العربي الحديث فإن نقد المثاقفة والتبعية الأحادي الجانب الذي قدّمه الدكتور المناصرة لا يساهم في توضيح مشكلاتها التي تحتاج لأن تُدرس وتحلل بدقة وعمق. إنّ الأدب العربي الحديث لن يبلغ العالمية إذا كان مجرد صدى للآداب الغربية وغيرها من الآداب الأجنبية، ولكن في الوقت نفسه لن يبلغ العالمية ما لم يستوعب الآداب الأجنبية المتطورة وما تنطوي عليه من إنجازات فنيّة وجمالية. من المؤكد أن وعي التبعية والهيمنة أمر ضروري ولا خلاف حوله، ومن الضروري التحلّي بذلك الوعي كي نجعل أدبنا أدباً يتسم بالأصالة دون أن يتخلف عن ركب العالمية. وهذه مسألة انتبه إليها معظم النقاد والمقارنين العرب، بدءاً بالدكتور محمد مندور، ومروراً بالدكتور محمد غنيمي هلال، الذي أصرّ على أن يتمّ التأثر والتأثير في إطار الأصالة، وانتهاء بالنقاد العرب المعاصرين. لقد غدا واضحاً للجميع أنّ الأدب العربي لن يرقى إلى مصاف العالمية ما لم ينجح في تحقيق تلك المعادلة الصعبة الدقيقة، التي تجعل العمل الأدبي المرشح للعالمية "عملاً محلياً جداً وعالمياً جداً "في وقت واحد، على حدّ قول المقارن الدكتور حسام الخطيب أما الاكتفاء بنقد التبعية الثقافية واتهام "المثقف الحداثوي" بالتلذذ بتلك التبعية، فهو لا يعود على الأدب العربي بالفائدة، ولا يقرّب ذلك الأدب قيد أنملة من العالمية.‏

نبيل راغب‏

خصّ الناقد المصري الدكتور نبيل راغب موضوع عالمية الأدب بكتاب مستقل عنوانه: "معالم الأدب العالمي المعاصر" . إنّ أول ما يلفت الانتباه في هذا العنوان هو أنّ المؤلف يتحدث عن أدب عالمي يتصف بالمعاصرة، رغم أن العالمية تحتاج إلى وقت. فالعمل الأدبي لا ينتشر عالمياً بمجرد صدوره، بل لا بدّ من مرور بعض الوقت كي يترجم إلى اللغات الأجنبية وينشر ويتناوله النقاد الأجانب بالتوسيط. فالحديث عن "عالمية" و"معاصرة" في آن واحد هو حديث إشكالي، ولكنّ تلك الإشكالية تزول إذا تفحصنا ما يعنيه المؤلف بالعالميّة. فالأدب العالمي المعاصر الذي يعنيه الدكتور راغب هو الأدب المعاصر في ثمانية آداب أجنبية كبرى كلها أوروبية وغربية. ومن الملاحظ أنّ المؤلف قد أغفل العديد من الآداب الأوروبية، الغربية والشرقية، وأغفل بالكامل آداب آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية، فأخرجها من دائرة الأدب العالمي الذي يعنيه.‏
لا يعلل المؤلف مفهوم الأدب العالمي الذي يستخدمه، ولا يخضعه للمناقشة، فمن الواضح أنه مقتنع بهذا المفهوم ولا يجد فيه أية إشكالية. إلاّ أنّ المؤلف يورد بصورة ضمنية بعض الاعتبارات التي دعته لأن يحصر مفهوم الأدب العالمي في الآداب الأوروبية والغربية السالفة الذكر، وفي مقدمة تلك الاعتبارات حقيقة أنّ الأدب العربي المعاصر يتأثر بها، "سواء بطريقة مباشرة تعتمد على التقليد والتبعية، أو بطريقة غير مباشرة تنهض على الهضم والاستيعاب والإضافة والأصالة" . ومن تلك الاعتبارات أنّ ممثلي تلك الآداب قد أنتجوا "معظم الأدب العظيم الذي يتميز به القرن العشرون أساساً"، وأحدثوا "ثورة في نظرة الناس إلى المجتمع المعاصر، وفي الوقت نفسه بحثوا عن الأشكال الأدبية الجديدة التي تتمشى مع طبيعة المضامين الثورية". أما الشبه بين هؤلاء الكتّاب وبين الكتّاب الذين خلدهم الأدب على مرّ العصور فيكمن في أن الأدباء المعاصرين "يبلورون موقف الإنسان المعاصر من الكون وهمومه الناتجة عن هذا الموقف". ومع أنّ هؤلاء الأدباء قد أحدثوا ثورة في الأساليب وأشكال التعبير الأدبي، فإنّ الأدب الحديث في عالمنا المعاصر ظلّ امتداداً حيّاً للفترة التي سبقته، وهو " الإضافة الجديدة للتقاليد الأدبية العالمية التي تعود إلى الوراء حتى هوميروس".‏
ويسلّط الدكتور راغب في كتابه الضوء على العوامل التي ساعدت الأدب العالمي على الاحتفاظ بحيويته "في بلاد العالم المتحضّر"(!) وذلك كي نستخلص "الدروس والمناهج التي تساعد الأدب العربي المعاصر على اكتساب نفس الحيوية والمعاصرة مع الحفاظ على أصالته وتقاليده النابعة من تراثه" ، وهذا يعني أن المؤلف يرمي من وراء عرض الأدب العالمي المعاصر إلى "خدمة أدبنا العربي المعاصر"، وذلك بأن يدلّه إلى عوامل القوة في الأدب العالمي ليستفيد منها. فالأدب الإنساني يشكّل "كياناً عضوياً متكاملاً يعتمد على عنصري التأثير والتأثر "بصرف النظر عن اختلاف الثقافات والحضارات، والدكتور راغب لا يريد للأدب العربي المعاصر" أن يحكم على نفسه بالعزلة عن منابع الحيوية، اللازمة لاستمراره وتجديده". فهو يمكن أن يضيف إلى كيانه من التقاليد" ما يوسع الرقعة التي يحتلها على خريطة الأدب العالمي" وذلك من خلال تشرب تلك المنابع واستيعابها. إلاّ أنّ المؤلف لا يريد للأدب العربي أن يقع "في محظور التقليد الذي يجعل منه مجرد صورة باهتة أو نسخة مكرورة للإبداع الأدبي للآخرين"، بل يريد للأدب العربي المعاصر أن يجمع التأثر إلى الأصالة.‏
من الملاحظ أن الدكتور راغب يعلن بكلّ بساطة أن الأدب الإنساني كله يشكل "كياناً عضوياً متكاملاً"، ويتحدث في هذا السياق عن "أدب إنساني" وليس عن "أدب عالمي"، وهو يرجع تلك الوحدة العضوية إلى عنصري التأثير والتأثر، وقد غاب عن ذهنه أن القسم الأكبر من التشابهات الأدبية لا يرجع إلى هذا العامل، بل إلى عوامل أخرى، أبرزها تشابه الظروف والتجارب الإنسانية التي تؤدي إلى "تشابهات نمطية" أو تيبولوجية بين آداب لم تقم بينها علاقات تأثير وتأثر. فدور تلك العلاقات في تطور الآداب ووحدتها ليس كبيراً بالدرجة التي يعتقدها الدكتور راغب الذي بالغ كثيراً في تقدير ذلك الدور.‏
وينطلق المؤلف بصورة ضمنية من أن الأدب العالمي المعاصر يتكوّن من مجموعة الآداب الأوروبية والغربية الكبرى، وبالتالي فإن الأدب العربي ليس من العالمية في شيء، ولذا فإن دوره يكمن في أن يتشرب الأدب العالمي بالمعنى السالف الذكر ويستوعبه، أي يتأثر به، دون أن يقع في محظور التقليد، وهذا ما يمكن أن يؤدي مستقبلاً إلى ظهور تقاليد أدبية في الأدب العربي "توسّع الرقعة التي يحتلها على خريطة الأدب العالمي". أما في الوقت الحاضر فإن تلك الخريطة مشغولة بصورة كاملة من قبل الآداب الأوروبية والغربية الثمانية التي عرضها المؤلف في كتابه. إننا في حالة الدكتور راغب أمام ناقد عربي يتبنى بصورة لا واعية وغير انتقادية مفهوماً لعالمية الأدب يتصف بمركزية أوروبية متطرفة. إنه مفهوم يرى في الأدب المعاصر معادلاً للآداب الأوروبية والأمريكية الرئيسة، ويستبعد من ساحة الأدب العالمي كلّ آداب شعوب العالم الثالث. كذلك فإن الدكتور راغب يرى أن لا سبيل للأدب العربي المعاصر إلى العالمية إلاّ من خلال التأثر "بالأدب العالمي" المذكور وتشربه واستيعابه. وأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الدعوة هو أنها دعوة تغريبية، يمكن أن تجرّ الأدب العربي المعاصر إلى حقل التبعية الثقافية، وأن تجعل العلاقات الأدبية بين العرب والعالم مقتصرة على الأخذ من الآداب الغربية، أي على الاستيراد الأدبي، دون إعطائها شيئاً، وأن تحصرها في تلك الآداب، وكأنه لا يوجد في العالم آداب أجنبية أخرى تستحق أن يتفاعل الأدب العربي المعاصر معها. وهذا رأي غير سديد. فالأدب العالمي المعاصر أوسع بكثير من ذلك العدد القليل من الآداب الأوروبية والغربية التي يدعو الدكتور راغب إلى تشربها واستيعابها.‏
إلاّ أنّ استخدام مصطلح "الأدب العالمي" على طريقة الدكتور نبيل راغب، أي كمرادف للآداب الأوروبية والغربية، هو أمر واسع الانتشار في الدراسات الأدبية والنقدية العربية المعاصرة. فعندما تستخدم عبارة "أدب عالمي" يكون المقصود بذلك "أدب أجنبي" غربي في الغالب. وكثيراً ما يتحدث النقاد والدارسون العرب عن "آداب عالمية"، وهم يعنون بذلك الآداب الأجنبية الكبرى. وغني عن الشرح أن استخدام مصطلح "الأدب العالمي" على هذا الشكل هو استخدام خاطئ، ولكنه شائع حتى في أوساط المقارنين الذين يتوقع المرء أن يكونوا دقيقين في استخدامه. ومن أحدث الأمثلة على ذلك الاستخدام مجلة "نوافذ" السعودية التي تعرّف نفسها بأنها "دورية تعنى بترجمة الأدب العالمي"، علماً بأن المقصود بذلك هو ترجمة الآداب الأجنبية إلى العربية(59) . وها هو المقارن الدكتور حلمي بدير قد ضمّن كتابه "بحوث تجريبية في الأدب المقارن" بحثاً عنوانه: "صلاح عبد الصبور والأدب العالمي"، علماً بأنّ المؤلف لا يعني بالأدب العالمي سوى الأعمال الأدبية الأجنبية التي تأثر بها هذا الشاعر فنياً وفكرياً.

التعديل الأخير تم بواسطة أبو مروان ; 10-03-2016 الساعة 01:48 AM
أبو مروان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-03-2016, 07:53 AM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
مراقب عام الموقع - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية الشريف ابوعمر الدويري
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة jordan

افتراضي

جميل ... فتّحت العيون لمن في سباتهم يعمهون !!!
أحسنت واجدت .. وصدق " المناصرة " بوصفه .. ما تسمية الادب بالعالمي إلا احتلال غاشم خطير ! فهو احتلال لفكر كل من يصدق وتبهره شعارات الغرب والمتغربين ! وكذا رأي الناقد " نبيل راغب " !! كيف اقتصرت العالمية على اوروبا وامريكا ؟ .. وهم لا يشكلون غير بعض العالم ! اين اللاتينيون والآفارقة والآسيويون الذين بجمعهم .. هم العالم ! وليس تكنولوجيا النشر المزعومة هي المبرر لهم لجعل قصصهم الفارغ الموجّه هو الادب العالمي ! إن من يقرأ الادب الاوروبي القديم - الروسي والفرنسي والانجليزي وبعض الخليط منه - يفهم ويعي ما وراء زعمهم .. والسؤال : ما الذي يحويه أدبهم العالمي المزعوم من فائدة للعقل البشري ؟ والحسرة على من لا يفقه معنى كلمة أدب ويتابعهم ويتولاهم وكأنهم رُسُل لا مدّعين !!!
زادك الله علماً ومعرفة
توقيع : الشريف ابوعمر الدويري
(وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)
الشريف ابوعمر الدويري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-03-2016, 10:07 AM   رقم المشاركة :[6]
معلومات العضو
مشرف عام مجالس التاريخ وكنانة - عضو مجلس الادارة
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

أستاذنا الفاضل عبدالقادر
جزاك الله خيرا على موضوعك الرائع الهادف
بارك الله فيك
أبو مروان likes this.
عبدالمنعم عبده الكناني غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 10-03-2016, 04:00 PM   رقم المشاركة :[7]
معلومات العضو
المطور العام - عضو مجلس الادارة
 
الصورة الرمزية أبو مروان
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة algeria

افتراضي

أخوي الكريمين : أبو عمر و عبدالمنعم ، شكرا على مروركم و ملاحظاتكم المشجعة و المفيدة .
أبو مروان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين . ابو الحسن الندوي د سليم الانور مجلس الفكر الاسلامي و الرد على الشبهات 2 04-11-2017 10:30 AM
قبيلة قضاعة النسب والتاريخ ... والنتائج العلمية أحمد القيسي مجلس السلالات العام 10 14-03-2017 12:26 PM
منهج المحدثين في جمع السنة يسفِّه المفترين أبو مروان مجلس انوار السنة المطهرة 6 03-08-2015 06:02 PM
كتاب قبيلة جليحة من عمق التاريخ علاء الجليحاوي مجلس قبائل العراق العام 0 07-06-2015 04:27 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 05:19 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه