الوعى التاريخي للمصريين والحملة الفرنسية - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: نسب اسر السادة ال مصطفى طاهر وال عصفور وال قراجة الرفاعيين في مصر و سوريا و لبنان (آخر رد :ايلاف)       :: نسب السادة آل قناع الاعرجيين في بغداد و جنوب العراق (آخر رد :ايلاف)       :: السادة آل البعّاج الرضويين في العراق وسوريا (آخر رد :ايلاف)       :: نسب السادة آل خليفة سلطان من حسين الاصغر في اصفهان بايـران (آخر رد :ايلاف)       :: نسب السادة آل حليم العريضيين في بيـروت بلبنـان (آخر رد :ايلاف)       :: نسب اسر سادة رفاعية في وسط العراق (آخر رد :ايلاف)       :: نسب السادة آل خير الدين الهارونيين الحسينيين في كربلاء بالعراق وفي الهند (آخر رد :ايلاف)       :: نسب السادة آل المرعشي من الحسين الاصغر في مدينة قزوين بايران (آخر رد :ايلاف)       :: نسب السادة آل زين الشرف الحمزيين الحسينيين في مصـر (آخر رد :ايلاف)       :: نسب السادة البوحية الياسرية في وسط وجنوب العراق (آخر رد :ايلاف)      




إضافة رد
  #1  
قديم 14-10-2017, 10:06 AM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,096
افتراضي الوعى التاريخي للمصريين والحملة الفرنسية

الوعى التاريخي للمصريين والحملة الفرنسية
بقلم : الأستاذ الدكتور محمد زغروت (والد مؤسس الموقع)
أستاذ التاريخ المغاربي - دار العلوم جامعة القاهرة
.
أولا المجتمع المصرى والحملة الفرنسية:


تمهيد :
سيطرت الدولة العثمانية علي شعوب عديدة ومتنوعة من البلقان إلي ساحل البحر الأبيض المتوسط . وكانت تعتمد أساساً في تقويم حياتها على ما تجنيه من ضرائب ومكوس وسلب خيرات بعض هذه البلاد . كان ذلك هو المصدر الأعم لبيت المال ولم يفكر العثمانيون في تطوير مصادر دخلهم إذ عاشوا على الموارد المالية التي تجلب من الولايات الخاضعة ولم تفكر في نهضة صناعية أو علمية تدفع بالبلاد إلى التقدم لتشارك الأمم الغربية فى نهضتها العلمية والصناعية ، لذا تجمدت أنشطة تلك الدولة ، وأخذت تواجه الثورات الشعبية في البلاد الخاضعة ، وكانت هذه الثورات تأخذ أشكالا مختلفة ، فإما أن تكون في شكل ثورات شعبيه تحت قيادة أبطال وطنيين مثل ما حدث في اليونان وباقي دول البلقان .
وكما حدث في مصر عن طريق الصدام المسلح مع فرسان المماليك الذين كثيراً ما كانوا لا يكتفون بشل يد الباشا الوالي عن ممارسة أي سلطة ، بل إلي فرض سلطتهم الكاملة أو الاستقلال التام بحكم مصر كما فعل علي بك الكبير .

فبينما كانت تركيا تعاني من مشاكلها الداخلية والخارجية التي لا حصر لها ، كان الوضع الدولي قبيل الحملة الفرنسية معقدا وسريع التغيير والتطور ، كانت هناك بريطانيا أكثر الدول الأوروبية تطوراً في مضمار الصناعة ، وكانت "الرأسمالية" الانجليزية تسعي لتطوير الصناعة أكثر وأكثر ، ولبسط سيطرتها علي كل أسواق الشرق ، ولتصفية نفوذ الإمبراطورية العثمانية ....وبينما كانت تعمل لهذا الهدف بهدوء وصبر ، وتعقد اتفاقات سرية مع المماليك في مصر ، كانت هناك ثورة جياشة في قلب المجتمع الفرنسي تقودها الراسمالية الفرنسية ، لتقضي علي النفوذ اللإقطاعي ، وتستولي هي علي السلطة ، إلي أن أفلحت في سنة 1789 في حشد وتعبئة الفلاحين والعمال ، واستولت علي السلطة ، وفتح لها الباب واسعا لتتطور وتصل إلي أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، وبهذا أصبحت المنافس الخطير لأهداف بريطانيا ، لا في الشرق فحسب . بل في أوربا كلها . ولهذا فقد وقفت بريطانيا منذ اليوم الأول للثورة الفرنسية موقفاً عدائياً سافراً .

فبعد استيلاء "الرأسمالية" علي السلطة في فرنسا . بدأت تنفذ خططها في الاتجاه نحو الشرق ، الشرق الزراعي الإقطاعي ، للاستيلاء عليه وللسيطرة علي منابع المواد الخام ، وكان لابد لها لكي تصل الي هذا الهدف ان تصطدم ببريطانيا الدولة الصناعية الكبري آنئذاك . فهي الدولة التي كانت فرنسا تحسب لها الحساب الأول في المعركة . أما تركيا فلم يكن لها أي حساب في الخطط الفرنسية ، فهي أضعف من أن تصمد أمام القوي "الرأسمالية" الضخمة الجديدة ، وكذلك لم تكن قوي الجماهير الشعبية تمثل خطراً في نظر فرنسا . ففي بلد مثل مصر كانت المتناقضات الداخلية تجعل الأرض سهلة للغزو الفرنسي ، (وإن كانت الحوادث بعد ذلك قد أثبتت أن الشعب قد لعب دوراً حاسماً في هزيمة الحملة الفرنسية ) .

والحقيقة أن آمال الفرنسيين لم تكن تقف عند حد الاستيلاء علي مصر ، انما كان الاستيلاء عليها هو الخطوة الأولي لضرب بريطانيا ضربة قاصمة وذلك بالسيطرة علي طريق التجارة مع الهند ، وفتح قناة بين السويس والبحر الأبيض ، وبهذا ينفتح الباب أمام فرنسا للوصول إلي الهند نفسها ، والإستيلاء علي درة التاج البريطاني .

في مثل هذه الظروف الدولية كان يعيش الشعب المصري في عزلة شبه كاملة عن هذه الأحداث ، لايدري شيئاً عن التطورات التي تعيش فيها شعوب العالم ، قد غيبه حكم عسكر المماليك الذين ، لاهم لهم إلا عصر دمائة وطحن عظامه . ولم يكن هؤلاء المماليك ، ورؤساؤهم الكبار بأقل عزلة عن الشعب نفسة ، وليس أدل علي هذا من أنه عندما حضر الأسطول البريطاني إلي ميناء الاسكندرية بحثاً عن الاسطول الفرنسي ، سافر حاكم المدينة علي عجل إلي القاهرة ، وأخبر مراد بك بما دار بينه وبين الرسول البريطاني ، فنهره مراد بك ، وقال له دعهم ينزلون إلي البر ، فسوف نفنيهم تحت سنابك خيولنا . ثم أمره بالعوده فوراً وسد بوغاز رشيد بسلسلة غليظة ، حتي لا تستطيع المراكب النصرانية اجتياز باب البوغاز . إن مراد بك لم يكن يدري أن هناك ثورة حدثت في فرنسا ، وأن هناك صناعة حديثة متطورة انتجت آلات حرب حديثة ومتطورة . وأن الجيش الفرنسي مشكل علي أحدث الطرق العسكرية ويقوده قائد فذ له انتصارات عسكرية مذهلة ...

لم يكن مراد بك يدري شيئاً عن هذا ، فقد كان يظن أن المسألة لا تتعدي فرساناً يقاتلون فرساناً ... وإنهم خير من ركب جواد ولعب بسيف ، يقول ذلك وهو متباه بتاريخهم العريق في مثل هذه الحروب .... اليس هم الذين أوقفوا الزحف التتري تحت قيادة الظاهر بيبرس البندقداري فيما مضي ؟!! ولعدم إلمامه بما جري من تطور في العالم كان يظن أن هزيمة الفرنسيين لن تستغرق منهم وقتاً طويلاً أو مجهوداً عظيماً ... إن مراد بك لم يكن يدرك أن الإقطاع المتجمد يواجه الرأسمالية الصاعدة!

- وعلى الرغم من مرور آلاف السنين علي مصر وتوالت فيها الغزوات الأجنبية ووقعت فريسة للإحتلال الأجنبي بأشكاله المختلفة وأجناسه المتعددة . فقد ظلت الروح المصرية محتفظة بطابعها الذاتي المميز ، ولم يستطيع أية دولة غازية أن تسلبها ذلك الطابع بل الذي نستطيع أن نؤكده ، أن الطابع المصري كان يتغلب دائماً علي ثقافة وعادات وتقاليد الشعب الغازي ويطبعه بالطباع المصرية الأصلية ..... وحتي الدين فقد كان يتأقلم ويأخذ طابعاً مصرياً بحتاً . فالمسيحية عندما دخلت مصر وانتشرت فيها ، فقد لبست آنذاك القوالب المصرية ، وأصبحت الكنيسة امتدادا للمعبد الفرعوني بطقوسه وتقاليده ومراسيمه الدينية ...

يتبع ...

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-10-2017, 10:08 AM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,096
افتراضي

ولن أخوض في تفصيلات هذه الحملة التي احتلت مصر من أول يوليو سنة 1789 إلي 18 أكتوبر سنة 1801 فإن الكتب المدرسية مليئة بتفصيلاتها ، والحديث فيها حديث معاد ومكرر إنما الذي يعنيني في الدرجة الأولي أن أظهر مدي ولع الفرنسيين بمصر لإهداف بعيدة المدي منها ما هو سياسي أو إقتصادي إلى غير ذلك من أهداف كما يعنيني أيضا أن أبين الروح المعنوية للشعب المصري الذي إزداد ثقة بنفسه وإزداد وعيا بقوميته وبدينه وأصالته وسوف نبين ذلك من خلال بعض الوثائق التي نشرتها بعص المصادر .

أولاً: منشور وجهه نابليون بونابرت إلى الشعب المصري . حيث استهل خطابه على النحو التالي : المعسكر العام في الإسكندرية في 14 من مسيدور من السنة السادسة الموافق 18 من محرم سنة 1213م هجرية ، بونابرت عضو المجمع العلمي الأهلى والقائد العام ، وكان بونابرت يفخر بعضويته في المجمع العلمي ويقدمها على رتبته العسكرية . وبعد الافتتاحية قال :..... أن زمن الصناجق المماليك الذين يتسلطون على المصريين ويحتقرون الفرنسيين ويظلمون تجارهم وقد حان الآن عقوبتهم . وأنه ما جاء إلى مصر لإزالة الدين وهذا كذب وإنما جاء ليخلص حقوقهم من أيدي الظالمين وأن جميع الناس متساوون عند الله وأن ما يميزهم عن بعضهم البعض هو العقل والفضائل والعلوم وأن المماليك لديهم تضارب بين العقل والفضائل فلا يتميزوا عن غيرهم ولا يجب لهم ان يتملكوا مصر وحدهم وإذا كانت الأرض المصرية إلتزاما للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم .

ثم يعدهم بتولى المناصب السامية والمراتب العالية وبذلك تستقيم امور الأمة .
ثم يركز على الدين وانه يشاطر المسلمين دينهم ، وهو يعتبر الفرنساوية مسلمين أيضا وأنهم أصدقاء للمسلمين المخلصين .
وقد انتصر المسلمون انتصارات كبيرة على المسيحيين في مدينة روما ، حيث خربوا فيها كرسي البابوية الذي كان دائما يحث النصاري على محاربة الإسلام ، وهيمن المسلمون بانتصاراتهم على العديد من اراضي اوروبا التي كان يزعم أصحابها أن الله يطلب منهم مقاتلة المسلمين ومع هذا فإن الفرنساوية ساروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني . وقد تكون هذا المنشور من خمسة مواد :

1- يطلب من القري القريبة أن ترسل وكلاء يعبروا عن الطاعة وأن ينصبوا علم الفرنساوية الأبيض و الكحلى والأحمر .

2- كل قرية تعتدي على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار .

3- كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي تنصب سنجاق السلطان العثماني حبيبنا .

4- المشايخ في كل بلد يختمون جميع الأرزاق والبيوت والأملاك التي تتبع المماليك .

5- على جميع المشايخ والعلماء والقضاة والأئمة ان يبقوا في وظائفهم وكل أحد من أهالي البلد أن يبقي في مسكنه مطمئنا وأن تقام الصلاة في الجوامع على العادة وعلى المصريين جميعهم أن يشكروا الله لإنقضاء دولة المماليك وأن يدعوا لجلالة السلطان العثماني .( 1)

واللافت للنظر هنا إستناد نابليون إلى الجانب الديني الذي يعد فطرة فطر المصريون عليها فهو يتقرب ويتودد إليهم تاركا لهم الجوامع والمساجد يصلون أوقاتهم جماعة حتى لا يغصب المصريون عليهم وقد صب جام غضبه على المماليك المتمردين .


ثانيا: ويعطينا الجبرتي ملمحا آخر يؤكد أصالة المصريين الذين لم ينخدعوا لألاعيب نابليون ومحاولته المتعددة لجذب المصريين إليه حيث طالب صاري عسكر بونابرت المشايخ للإجتماع ولما أستقروا نهض بونابرت من مجلسه ورجع وبيده طيلسمانات ملونة بثلاثة ألوان في كل واحد أشكال من الأبيض والأحمر والكحلى فوضع منها واحدا على كتف الشيخ الشرقاوي فرمي به إلى الأرض واستغفر وتغير مزاجه وأنتقع لونه فقال الترجمان يا مشايخ أنتم صرتم احبابا لنصاري عسكر وهو يقصد تعظيمكم وتشريفكم بزيه فإن تميزتم بذلك عظمتهم العساكر والناس وصار لكم منزلة في قلوبهم فقالوا له لكن قدرنا يضيع عند الله وعند أخواننا من المسلمين فأغتاظ نابليون وقد ترجم له المترجم حيث قال عن الشيخ الشرقاوي أنه لا يصلح للرياسة ، وأشار نابليون على الذين رفضوا الطيلسمانات أن يضعوا الجوكار في صدورهم وهي العلامة التي يقال لها الوردة وهي علامة على الطاعة والمحبة فرفض أغلب الناس من وضعها وبعضهم رأي أن ذلك لا يخل بالدين إذ هو مكرة فربما ترتب على عدم الإمتثال الضرر ، والعامة صاروا يضعونها لمن كانت له حاجة لتنقضي حاجاته وإذا خرجوا تركوها ، والشاهد هنا ان المصريين دفعتهم تقاليدهم وعقيدتهم وثقافتهم الإسلامية أن يهيمن عليهم الفرنساوون بهذه الهدايا التي قد يسيل لها اللعاب . (2 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
1- عبدالرحمن الجبرتي ، تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار ، ط. دار الجيل - و طبعة دار الكتب المصرية 1998 ج3 ص 4 – 5 .
2 - المرجع السابق نفس الجزء ص16 – 17 .

التعديل الأخير تم بواسطة الارشيف ; 16-10-2017 الساعة 06:08 AM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14-10-2017, 10:13 AM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,096
افتراضي

ثالثاً: واستطاع نابليون أن يضم إليه فرقا من شباب المسيحيين واليهود إلى الجيش الفرنسي لأكمال مشروعه وعلى ما يبدوا أن هذا الأمر كان مبيتا ومعدا في فرنسا قبل مجيئ الحملة الفرنسية إلى مصر . عندما كان بونابرت ( 1769 – 1821 ) في طريقة من ( مرسيليا ) إلى الأسكندرية على رأس الحملة الفرنسية على مصر ( 1213هـ - 1798م ) أعلن أنه سيجند عشرين ألفا من ابناء الاقليات ، ليكونوا دعامات لبناء إمبراطويته الاستعمارية في الشرق التي أراد لها أن تعيد صورة إمبراطورية الإسكندر الأكبر ( 356 – 323 ق . م ) وأن تحقق احلام الملك الصليبي الفرنسي القديس لويس التاسع ( 1214 – 1270م ) .

ولان الشرق الذي توجهت إليه احلام بونابرت الاستعمارية كانت شعوبه تعيش في ظلال رابطة ( الجامعة الإسلامية ) التي تجمع دياناته ومذاهبه ولغاته وقومياته وأعراقه ، فلقد بدات الحملة الفرنسية مخططا استعماريا جديدا يرمي إلى تفتيت هذا الشرق على أسس دينية ومذهبية وقومية ، لتسهيل ابتلاع ولاياته وأقاليمه ، ولشل مقاومة شعوبه بجعل بأسهم بينهم شديدا في الصراعات الداخلية بدلا من توحدها في مقاومة الاستعمار .

- ولقد بدات الحملة الفرنسية تنفيذ هذا المخطط ، وذلك بالعمل على جبهتي المسيحييين واليهود . وقد اشار الجبرتي إلى ذلك في حوادث سنة 1215هـ أن يعقوب القبطي تظاهر مع الفرنساوية وجعلوه ساري عسكر القبطية أي قائد عام فجمع شبان القبط وحلق لحاهم وألبسهم زيا مشابه لعسكر الفرنساوية مميزين عنهم بقبع يلبسونه على رؤسهم مشابه للبرنيطة وعليها قطعة فروة سوداء من جلد الغنم وجعلهم عسكره وعزوته وأتخذ لهم قلعة وأبراجا جهة بركة الأزبكية ويشير الجبرتي ان بعض الطوائف غير الإسلامية أسرفت في تأييد الفرنسيين إسرافا شديدا وصل إلى حد تكوين فرق عسكرية من ابناء هذه الطوائف وقام الجنود والضباط الفرنسيون بتدريبهم على النظم العسكرية الأوروبية وتذويدهم بالأسلحة الحديثة ثم ضمت هذه الفرق إلى جيش الاحتلال الفرنسي لسد النقص في عدده إذ إن عدد القوات الفرنسية قد هبط هبوطا ملحوظا نتيجة المعارك التي خاضوها في مصر والشام والمقاومة الشعبية أيضا وإصابة الجيش الفرنسي بالطاعون ، وقد تكونت فرق عسكرية أخرى من الأقباط واليونانيين والسوريين المسيحيين .

وقد نظر الشعب المصري إلى هذه الفرق على أنها أدوات لتثبيت الاحتلال الفرنسي في مصر وتزعم هذه الحركة بين الأقباط المعلم يعقوب حنا وقلده في ذلك كليبر الذي منحه رتبة اغا ثم رقي في عهد مينو إلى رتبة لواء وكان المعلم يعقوب الساعد الايمن للجنرال ديزيه فى حملة الصعيد ضد مراد بك وعرب الحجاز والمصريين ورفض أن تكون مهمته مقصورة على تدبير المال والاشراف على شئون تموين الجيش الفرنسي بل اشترك اشتراكا فعليا في الحرب إلى جانب الفرنسيين ، ولما انتصر يعقوب في واقعة ( عين القوصية ) قلده الجنرال ديزيه في مساء ذلك اليوم في حفل رهيب سيفا كتب على نصله اسم الواقعة ، وكان يعقوب يدل الفرنسيين على المواقع الهامة في حملة الصعيد .

- ويقول الجبرتي : فإن كليبر قد عهد إلى المعلم يعقوب ( بأن يفعل بالمسلمين ما يشاء ! حتى تطاولت النصاري من القبط ونصاري الشوام على المسلمين بالسب والضرب ونالوا منهم اغراضهم ، وأظهروا حقدهم ، ولم يبقوا للصلح مكانا ، وصرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين ) !


- كما احتفل هؤلاء الاقباط بانتصارات نابليون على أهل غزة عام 1213هـ - 1799م ويقول الجبرتي أنهم أظهروا الفرح والسرور في الاسواق والدور وأولموا الولائم في بيوتهم وغيروا الملابس والعمائم ويقول الدكتور محمد عمارة ( مما له دلالة في هذا المسعي استخدام بونابرت لأول مرة مصطلح الأمة القبطية لمراسلاته مع الأقباط الذين تعاونوا معه (1 ) .

وبدأت منذ ذلك التاريخ بواكير ألاعيب الاستعمار للفتنة الطائفية وذلك بهدف تمزيق النسيج الوطني والحضاري لشعوب الشرق وحتى بعد هزيمة الحملة الفرنسية ورحيل المعلم يعقوب مع جنودها كما سنوضح فقد طلب في وصيته من انجلترا ان تحل محل فرنسا في عزل مصر عن محيطها الإسلامي وعن تاريخها وهويتها العربية الاسلامية وإلحاقها بالهيمنة الإنجليزية .(2 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
1أنظر افتتاحيه – مجلة الأزهر – للكاتب محمد عمارة – عدد أغسطس 2014 م .
2- المصدر السابق .


ولما ثارت القاهرة ثورتها على عهد كليبر كان كبار الأقباط وعلى رأسهم المعلم جرجس جوهرى يمدون الثوار من أبناء الشعب المصري بالمال والذخيرة ، ولكن كان المعلم يعقوب ورفاقه يصلون الثوار نارا حامية . ولما فرض كليبر غرامة حربية فادحة بعد إخماد ثورة القاهرة الثانية عهد إلى المعلم يعقوب أن ( يفعل بالمسلمين ما يشاء ) الأمر الذي زاد من غروره ونفوذه . ولم يكن بطريرك الأقباط يقر المعلم يعقوب على تصرفاته وكثيرا ما بذل له النصح بالعدول عن خطته ولكن كان يعقوب يغلظ له القول .

ولما تقرر جلاء الفرنسيين عن مصر صمم يعقوب على الرحيل مع فلول الجيش الفرنسي وحاول أن يصطحب معه عددا كبيرا من شباب الأقباط الذين كانوا تحت قيادته فرفضوا ولم يخرج معه إلا بعض أهله وعشيرته وهم زوجته مريم نعمة الله وأبنته مريم وأخوه حنين وأبنا أخته ولقبهما سيداروس ، وحمل يعقوب معه تفويضا صادرا من جرجس ويعقوب جوهرى وأنطون أبو طاقية لمطالبة الحكومة الفرنسية برد قروض مالية .

- اما على صعيد الجبهة اليهودية فإن نابليون رمي بحبال الود للأقليات اليهودية فأصدر إبان حصاره لمدينة ( عكا ) ( 1213هـ 1799م ) نداءه الشهير إلى يهود العالم ، طالبا منهم معاونته في بناء إمبراطوريته الاستعمارية مقابل العمل على إعادة ما اسماه ( إرثهم الشرعي ) في فلسطين .

وعندما صعد نجم الإمبراطورية البريطانية في الشرق – بعد هزيمة فرنسا – أمسك الإنجليز بهذه الخيوط والشباك التي صنعها بونابرت ؛ فرأينا إنجلترا تسعي لمواجهة المشروع التوحيدي لأقطار الشرق الذي بناه محمد على باشا الكبير ( 1184 – 1265هـ - 1770 – 1849م ) ليكون ملكا له ولأبنائه من بعده ، وإنقاذ البلاد من التخلف والضعف العثماني ، ومن التفتيت الاستعماري ... فاحتلت عدن 1838م وأنشأت أول قنصلية لها بالقدس – في العام نفسه – وطلب وزير خارجيتها ( اللورد بالمرستون ) ( 1784 – 1865م ) من سفيره بالآستانه ( بونسنبي ) في 11/8/1840م أن يطلب من السلطان العثماني السماح بالهجرة اليهودية إلى فلسطين ، ليكونوا حجر عثرة اما أهداف المشروع التوحيدي الذي كانت تقوده مصر بزعامة محمد على باشا .

وعبر عقود القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين – وهي ذروة المد الاستعماري على بلاد الشرق – نجحت الجيوش الاستعمارية في فرض الاحتلال – ومن ثم التجزئه والتفتيت – على الكثير من ولايات الجامعة الإسلامية فاحتلت فرنسا الجزائر 1830م وتونس 1881م ، والمغرب 1912م ، وسوريا ولبنان 1920م ، واحتلت إنجلترا مصر عام 1882م ، والسودان 1899م ، وفلسطين 1917م ، والعراق 1917- 1918 م .. واحتلت إيطاليا ليبيا 1912م . (1 )

ومع هذا فإن المقاومة الشعبية لم تنقطع يوما واحدا خلال ثورة القاهرة الاولى والثانية التي قام بها الشعب بريادة علماء الأزهر والذي حاول نابليون إخمادها فدخل الأزهر الشريف بخيوله وضرب المنطقة بمدافعه ولكنه لم يستطع أن يثني المصريين عن المقاومة ولم تكن هذه المقاومة موضوعة في حساب الفرنسيين عندما قدموا إلى مصر بل كانت خطتهم مرسومة على أساس استمالة الجماهير إلى جانبهم وضرب المماليك وتصفية نفوذهم .
وإذا كانت الحملة الفرنسية قد بقيت في مصر ما يقرب من ثلاث سنوات شهد الشعب المصري فيها من ألوان المقاومة والاختلاط بالفرنسيين وما شاهدوه من تقدم علمي جاءت به الحملة الفرنسية وما تحمله من مطابع وصحف وخرائط لوصف مصر وعلماء لإقامة المشاريع العلمية والتنموية فكل هذا نتائج حركة الوعي القومي والحس التاريخي وكما أن للحملة نتائج مقبولة أفادت المصريين بعض الشئ فإن لها من الآثار السيئة الكثير والكثير ويمكننا أن نلخص أبرز النتائج التي أفادت مصر في المجال السياسي والاجتماعي .

يتبع ان شاء الله...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-الجبرتي مرجع سابق ج3 ص 162 .

التعديل الأخير تم بواسطة الارشيف ; 16-10-2017 الساعة 06:14 AM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 14-10-2017, 12:39 PM
خادم القران غير متواجد حالياً
مشرف المجالس الاسلامية
 
تاريخ التسجيل: 01-07-2017
المشاركات: 619
افتراضي

متع الله سيادة الدكتور محمد فتحي زغروت بالصحة و العافية و تقبل منه هذا العلم لنفع المسلمين
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 14-10-2017, 12:44 PM
الحناوي غير متواجد حالياً
كاتب في النسابون العرب
 
تاريخ التسجيل: 22-10-2009
المشاركات: 604
افتراضي

دراسة الحملة الفرنسية على مصر مهمة جدا جدا فهي اول محاولة احتلال للشرق الأوسط لغرز كيان غربي في قلب العالم الإسلامي و هي ملحمة بكل ما تعنيه الكلمة من معاني بما فيها من الام الاحتلال و غلظة الفرنجة و مرارة خيانة الاقباط و اليهود لمواطنيهم عند اول فرصة سنحت لهم في العصر الحديث متناسين ان العرب هم من حرروهم من ربقة الرومان الذين اذلوهم و طاردوا قساوستهم الى الجبال
__________________
فريق الساجدين

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 14-10-2017, 05:15 PM
الصورة الرمزية د جعفر المعايطة التميمي
د جعفر المعايطة التميمي غير متواجد حالياً
عضو مجلس إدارة "النسابون العرب"
 
تاريخ التسجيل: 27-07-2017
الدولة: الاردن / الكرك - أدر
المشاركات: 307
افتراضي

المجتمع المصري مجتمع مؤدب بأدب الازهر، ومشذب بشذب قاهرة المعز، مؤرب بأرب النيل، الشعب المصري بطل الحرب والسلام مجتمع مرتب برتابة العروبة، وهو المجتمع العربي الوحيد الذي يعشق الارض والنسان
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16-10-2017, 05:37 AM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,096
افتراضي

شكرا لمروك يا دكتور جعفر و ردك البليغ ليس بغريب على مثلك
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 16-10-2017, 05:38 AM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,096
افتراضي

ثانياً
الحملة الفرنسية : نوازع الحراك وآلياته
أنواع الحراك
أولا : حراك أفاد مصر والمصريين : -
1- لقد ضربت القوات الفرنسية الفرسان المماليك ضربة قاسمة فلم تعد فلولهم تقوي على لعب أي دور إيجابيا في مجرى الصراع وقد كانت هذه التصفية التي مني بها المماليك أثرها في التطور الأقتصادي والاجتماعي في مصر .
2- ظهور ذاتية الشعب المصري وبروز شخصيته فإذا كانت كل القوى المتصارعة والتي لها مصلحة في طرد الحملة الفرنسية من البلاد إلا أنها كانت تسعي إلى استمالة الشعب إلى جانبها وخاصة بالمرحلة الأولى للحملة الفرنسية ونتج عن هذا أن الشعب وجد قيادة موحدة في التجار والعلماء ومشايخ الحرف تتوجه جميعا نحو القوات الغازية تحمل السلاح لأول مرة منذ أجيال طويلة فشعر بذاته وقوته وتحددت قوميته ونبع من صفوفه أبطال وقادة مثل البشتيلي والخضري والسيد عمر مكرم المنظم والملهم الثورى .
3- يري بعض المفكرين أن من نتائج الحملة ظهور نواة الفكر الديمقراطي إذ أنشأ نابليون الدواوين في القاهرة وفي عواصم الأقاليم من العلماء والأعيان والتجار وذلك لاستمالة الجماهير الشعبية وفى هذه النتيجة نقد ورد سيأتي فيما بعد .
4- قامت الحملة الفرنسية بدارسة مصر من كافة النواحي وقد كان معها العلماء فقاموا بدارستها جغرافيا وتاريخيا وزراعيا وكان ذلك بهدف استغلال البلاد واعتصار خيراتها ولقد استفاد محمد على من هذه الأبحاث استفادات واسعة في العديد من مشروعاته التي أقامها في مصر . كما نبهت الحملة الفرنسية الاستعمار البريطاني لأهمية موقع مصر والخشية أن تسيطر فرنسا على المنطقة وتبادر بتهديد ممالكها الاستعمارية في الهند ومن أجل ذلك احتلت انجلترا بما يسمي بالمحميات البريطانية في عمان والبحرين وعدن ومسقط والكويت وقطر وبدأت تتحين الفرصة للاستيلاء .
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 16-10-2017, 05:41 AM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,096
افتراضي

ثانيا : حراك ضار أساء إلى مصر والمصريين :
ولا شك أن الحديث عن هذا النوع من النتائج حديث مهم ويتخذ
أهميته من أنها ملاحظات قد غابت عن كثير من الكتاب والمؤرخين وخاصة العلمانيين أو من لهم هوس غربي فمن بالغوا في الفوائد التي جناها المصريون من الحملة الفرنسية والتي أتخذوا من يوم مجيئها مناسبة طيبة وذكري عطرة يحتفلون بها كل عام . وسوف أتحدث عن مساوئ تلك الحملة في قضيتين أثنتين

القضية الاولى : اليهود ونابليون :-
فقد تم نوع من التعاون بين اليهود والنصاري وبين نابليون لضرب مصر كما قلنا سابقا وترتب على ذلك أحداث خطيرة لضرب الإسلام والإساءة إلى أهله ولهذه الإساءة شواهد كثيرة في تاريخنا الإسلامي منها ما حصل في الحملات الصليبية على مصر ومنها ايضا مجيئ الحملة الفرنسية ، فقد تعود اليهود ـ على مدى تاريخهم ـ على استغلال الأحداث ، و عطفها لصالحهم ، و ليس كما يقال إنهم ـ دوماً ـ هم الذين يصنعون الأحداث ، و يخططون لها ، فهم ـ مثلاً ـ استفادوا من الثورة الفرنسية ، ووظفوها لرفع كاهل الاستعباد عنهم الذي طالما أرهقهم عسراً . فشعار الحرية والمساواة والإخاء الذي رفعه المتظاهرون الفرنسيون خدم اليهود بالذات ، فأصبح لهذا الشعار مفهوم خاص عندهم جدوا في تعميمه . فالحرية استغلوها في كسر التقاليد ، ونبذ الأخلاق ، و الخروج عن المعهود من الحشمة و الحياء . أما المساواة والإخاء فنظروا إليها على أنها وسيلة لهم للتسرب إلى أجهزة الدولة ومرافقها المختلفة ، ثم التساوي مع غيرهم في العلم بها ، ومن ثم تخلصهم من سبة الاحتقار و موجة الازدراء التي كانت تلاحقهم أينما حلوا في هذه المعمورة ( 1) .
ولقد كان مفكرو اليهود أيام الثورة الفرنسية و بعَدها يتناقلون الأحاديث فيما بينهم عن مستقبل بني جلدتهم ، ويتداولون الأراء و المشروعات حول عودتهم إلى الأرض التي اعتقدوا أن أنبياءهم بشروهم بالعودة إليها ، مثال ذلك ما عرضه بهذا الشأن البرنس دي لينيه في سنة 1212هـ (1797م ) على إمبراطور النمسا(2 ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
1- انظر : سفر الحوالي : العلمانية ، ط ، الأولى 1402/1982، ص175 .
2 - عبدالله التل : الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام ، ص.الثانية ، ص 17.




ثم إنه لما نزل نابليون سواحل مصر في محرم 1213هـ ( يوليو 1798) واتجه صوب بلاد الشام لاحتلالها في شهر رمضان من السنة نفسها ( فبراير 1799)( 1) أطل اليهود برؤوسهم وسعوا لاستثمار التحرك الفرنسي لصالحهم . ففي ( 17 فبراير 1799) عرض توماس كوربت الضابط في الجيش الفرنسي على عضو حكومة نابليون المسيو بول باراراس Paul Bararas مشروعاً يقترح فيه الاستفادة من اليهود في تحركات نابليون في بلاد الشام ، فدعاه ـ في ذلك المشروع ـ إلى أن يتصل بكبار اليهود ، ويثير في نفوسهم تحقيق تلك الأمنية التي ما برحوا يأملون تحقيقها ألا وهي اجتماع شتاتهم في فلسطين ، ومن ثم يطلب منهم جمع الأموال لا بتياع الأراضي هناك من فرنسا ، فضلاً عن تجهيز المراكب البحرية ، و التدريب العسكري للشباب اليهود للاشتراك في حروب نابليون الشامية ، ثم يعود كوربت مرة أخرى في خطابهِ الذي يحمل تفاصيل المشروع إلى باراراس ـ ليؤكد أهمية الاستعانة باليهود في مخططات نابليون في الشرق ، إذ يرى أن مصالح فرنسا تتفق تماماً مع مصالح اليهود في المنطقة ، فأموال اليهود ـ حسب قوله ـ ستنشط التجارة بين أوربا وآسيا ، كما أن اليهود أنفسهم سيوفرون لفرنسا عنصراً بشرياً موالياً يرسخ استعمارها لمصر وبلاد الشام ، لأنه ليس من المعقول أن يهاجر الفرنسيون إلى تلك البلاد البعيدة و يُخلون وطنهم الأصلي ( فرنسا ) ، بل أنه أشار إلى أن اليهود سيقدمون أهم الضمانات لبث الفوضى وإشعال الفتن في إمبراطورية العثمانيين .
بادر باراراس بإيصال مشروع كوربت إلى نابليون الذي استصوب الفكرة ، واستعان بعلماء يهود مثل فنتور أستاذ اللغات الشرقية بجامعة باريس و المتبحر باللغة العبرية الذي صاغ نداءً إلى اليهود استوحاه من مقترحات كوربت ، فأشار فيه إلى أن فرنسا رغم الصعوبات التي تواجهها فهي بحكم رسالتها لدفع الظلم عن الشعوب فإنها مصممة على تقديم مهد إسرائيل لليهود . ومما جاء في هذا النداء : " .. يا ورثة فلسطين الشرعيين إن فرنسا تناديكم الآن للعمل على إعادة إحتلال وطنكم ، و استرجاع ما فقد منكم ... أسرعوا فإن هذه اللحظة لن تعوض قبل آلاف السنين للمطالبة باسترجاع حقوقكم المدنية بين شعوب العالم (2 ) .



وقد أُعلن هذا النداء في الجريدة الرسمية الفرنسية يوم 20 أبريل سنة 1799م(3 ) . و يصادف ذلك محاصرة نابليون لمدينة عكا التي كان قد بدأ بحصارها في 16 مارس( 4). وفي هذا إثبات بأن حكومة نابليون آنذاك قد اقتنعت بما عُرض عليها في شأن اليهود، وشرعت ـ فعلاً ـ في التعامل معهم على أساس منحهم أرض فلسطين التي ما فتئوا يتطلعون إليها لإقامة دولتهم عليها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
1- عبدالرحمن الجبرتي ، تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار ، ط. دار الجيل ، 2/180 ، 251 .
2- - انظر نص الخطاب في : عبدالله التل. الأفعى اليهودية ، ص : 18، 22 .
3- - عبدالله عزام : حماس ، ط. الأولى 1409هـ /1989 ، ص: 14.
4- - الياس الحويك ، تاريخ نابليون الأول ، ط. دار ومكتبة الهلال 1/131 .



خصوصاً وأن ذلك يتضمن تطابقاً في مصالح الطرفين ، واتفاقاً في وجهات النظر إزاء المسلمين بتمزيق دولتهم الامبراطورية العثمانية ، وبث بذور الشقاق في أرجائها، بل والعمل على تحطيم الولاء و البراء في وسط المسلمين (1 ) .
وصفوة القول إن ما تم من خطوات تعاونية بين نابليون واليهود فهو تجسيد لتلك السنة الخالدة في ولاء اليهود والنصارى لبعضهم بعضاً . ومهما قيل عن نابليون بأنه لا يعتقد بدين ، أو إنه عدو للأديان بما فيها الدين النصراني ، فالسنة الربانية تنطبق عليه ، لأنه ليس هو الوحيد حينذاك الذي يدبر شئون فرنسا ، أليس الشعب الفرنسي جله من النصارى ؟ ناهيك عن كون الكفار عامة من يهود و نصارى و ملحدين من عادتهم الاجتماع على حرب المسلمين (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) ( 2) ( ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم (3).

- ويذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته أن علاقة نابليون بالجماعات اليهودية تأخذ ثلاثة أشكال وتستند في معظمها إلى مبدأ نفع اليهود :

1- كانت جيوش فرنسا تكتسح النظم الإقطاعية في طريقها وتنصب نظماً أكثر ليبرالية. وقد وصلت هذه الجيوش حتى بولندا ، حيث كانت توجد الكثافة السكانية اليهودية. وأينما حلَّت هذه الجيوش، كانت تقوم بإعتـاق أعضـاء الجماعات اليهودية ووضْع أسـس تحديث هوياتهم المختلفة. ورغم هزيمة جيوش فرنسا ونابليون، فإن العملية التاريخية التي بدأتها هذه الجيوش كان لها أعمق الأثر في أعضاء الجماعات اليهودية. ومع هذا، لابد من الإشارة إلى أن نابليون قام بتجنيد بعض أعضاء الجماعة اليهودية في روسيا واستغلهم كطابور خامس خلال حربه مع روسيا، أي أنه حولهم إلى جماعة وظيفية جاسوسية (لكن غالبية يهود روسيا الساحقة وقفت ضد نابليون وساعدت الحكومة القيصرية).
كما كان لعلاقة نابليون بأعضاء الجماعات اليهودية في فرنسا أعمق الأثر فيهم. فبعد اندلاع الثورة وإعتاق اليهود في فرنسا، انتشر يهود الألزاس (الإشكناز) الذين كانوا متخلفين حضارياً ويعملون أساساً بالتجارة والأعمال الطفيلية كما كانوا يعملون بالربا، وهو ما أدَّى إلى ظهور مشكلة بينهم وبين فلاحي الألزاس. وقد نشأت مسألة يهودية إشكنازية في فرنسا لم يكن السفارد طرفاً فيها، فأبدى الإمبراطور اهتماماً بالقضية (عام 1806 ) دعا مجلس وجهاء اليهود في باريس، وجمَّد بشكل مؤقت الديون التي اقترضها الفلاحون من المرابين اليهود. وقام الوجهاء بمناقشة القضايا التي قدمتها لهم السلطات مثل: عادات الزواج بين اليهود، والأعمال التي يقومون بها، وواجبهم تجاه الدولة، ومدى إحساسهم بالولاء تجاهها والانتماء إليها. ووافق المجتمعون على أن ولاءهم يتجه إلى الدولة الفرنسية أساساً، وأن اليهود يشكِّلون جماعة دينية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
1- التل : الأفعى اليهودية ، ص 20 ، 21 ،22 .
2 - سورة الأنفال ، آية 73 .
3 - سورة البقرة ، آية 105 .

لا جماعة قومية أو إثنية أو عرْقية. ثم دعا نابليون عام 1807 لعقد السنهدرين الأكبر، وأسَّس إدارة يهودية مركزية تعمل من خلال مجالس مختلفة هي المجالس الكنسية. ولا يزال هذا النمط هو المعمول به في فرنسا بل طُبِّق أيضاً في الجزائر. ثم أصدر نابليون قرارات تحد من النشاط التجاري والمالي لليهود؛ ليتحوَّلوا إلى عناصر نافعة في المجتمع مندمجة فيه، كما أصدر قرارات تشجعهم على الاشتغال بالزراعة والصناعة لدمجهم في المجتمع الفرنسي.

3- قام نابليون بأولى حملات الثورة الفرنسية الاستعمارية في الشرق، فاحتل مصر عام 1798. وكانت حكومة الإدارة الفرنسية قد أعدت خطة لإقامة كومنولث يهودي في فلسطين، وذلك مقابل تقديم المموِّلين اليهود قروضاً مالية للحكومة الفرنسية التي كانت تمر آنذاك بضائقة مالية. وكان المفروض أن يموِّل اليهود الحملة المتجهة صوب الشرق، وأن يتعهدوا ببث الفوضى وإشعال الفتنة وإحلال الأزمات في المناطق التي سيرتادها الجيش الفرنسي لتسهيل أمر احتلالها. ويبدو أن نابليون كان مطلعاً على الخطة. ولذا، فقد أصدر، بمجرد وصوله إلى مصر، بياناً يحث فيه اليهود على الالتفاف حول رايته لإعادة مجدهم الغابر ولإعادة بناء مملكة القدس القديمة، أي أن نابليون أصدر أول وعد بلفوري في تاريخ أوربا. ويبدوا لنا بعد ذلك تساؤل مهم للغاية . ما أهداف نابليون من خلال ما سرده الدكتور عبد الوهاب المسيري ؟

1- كان نابليون يحذو حذو مؤسسي الإمبراطوريات الذين كانوا يهتمون بفلسطين لأهميتها الإستراتيجية، ولذا كانوا يحاولون غَرْس عنصر سكاني موال لهم. ويبدو أن نابليون وجد في يهود الشرق ضالته، حيث يمكن تحويلهم إلى مادة استيطانية تدور في مدار المصالح الفرنسية وتكون عوناً له في دعم نفوذه وتثبيت سلطانه. واليهود إن وُطِّنوا في فلسطين فإنهم سيكونون بمثابة حاجز مادي بشري يفصل ما بين مصر وسوريا، ويدعِّم الاحتلال الفرنسي، ويهدِّد المصالح البريطانية من خلال إغلاق طرق مواصلاتها إلى الهند. ويبدو أن نابليون كان يحاول كسب رضا وتأييد حاييم فارحي، اليهودي الذي كان يتمتع بنفوذ مالي في عكا ويتولى مسئولية تزويدها بالمؤن الغذائية. وأخيراً، فإن نابليون كان يهمه كسب ثقة يهود فرنسا ودعمهم المالي في صراعه الذي بات وشيك الوقوع مع حكومة الإدارة.

2- ولكن، مهما كانت الدوافع، فإن نابليون كان من نتاج عصر الاستنارة، وكان نفعياً لا يؤمن بأية عقيدة دينية، ولذا فإنه لم يكن ليتوانى عن استغلال الدين أو أية عقيدة أخرى. وعلى هذا، فإنه، في ندائه إلى يهود العالم، يتحدث عن حقوقهم التي وردت في العهد القديم وعن احترام الأنبياء (وهو لا يؤمن بأيٍّ منهم). وحينما يصل إلى مصر، فإنه يتحدث عن الإسلام بإجلال شديد ويعلن أنه لم يأت إلى ديار المسلمين إلا للدفاع عن الإسلام ولحمايتهم من الظلم.
ومما يجدر ملاحظته أنه، على الرغم من أن سياسة نابليون بالنسبة ليهود فرنسا كانت ترمي إلى تحويلهم من جماعة وظيفية وسيطة لها سماتها وخصوصيتها إلى جزء من التشكيل الطبقي والحضاري الفرنسي، لا خصوصية له بل مندمج تماماً في محيطه، فإن سياسته في الشرق كانت تقف على الطرف النقيض من ذلك، فقد كانت ترمي إلى تأكيد خصوصية اليهود باعتبارهم شعباً عضوياً، إذ أن هذه الخصوصية هي مصدر عزلتهم، وعزلتهم هي التي ستجعل بالإمكان تحويلهم إلى جماعة وظيفية قتالية استيطانية تُوطَّن اليهود في فلسطين لتقوم على خدمة الاستعمار الفرنسي والغربي.

ويُلاحَظ أن ( المسألة الشرقية ) أي ضعف الدولة العثمانية والميراث الذي ستتركه بعد موتها، قد بدأت تلتقي بالمسألة اليهودية. وتتبدَّى عبقرية نابليون في أنه قرر توظيف المسألة اليهودية والجماعات اليهودية في حل المسألة الشرقية حلاًّ يتناسب مع مصالحه.
والنمط الكامن في تفكير نابليون هو أيضاً النمط الكامن في النظرية الاستعمارية الغربية تجاه الشرق وتجاه أعضاء الجماعات اليهودية، وقد تبدى هذا النمط في وعد بلفور في بداية الأمر، ثم وصل ذروته مع توقيع الاتفاق الإسـتراتيجي بين إسـرائيل والولايات المتحـدة عام 1982.

القضية الثانية : الحديث عن الحملة الفرنسية بعيون الجبرتي:
مؤرخ تلك الحملة فقد ولد عبد الرحمن الجبرتي في القاهرة عام 1756م وتوفي فيها عام 1825م وهو مؤرخ مصري عاصر الحملة الفرنسية على مصر ووصف تلك الفترة بالتفصيل في كتابه ( عجائب الآثار في التراجم والآخبار ) والمعروف ( بتاريخ الجبرتي ) وهو من المراجع الأساسية لتلك الحقبة وله كتاب آخر هو ( مظهر التقديس ) يدور في نفس فلك الكتاب الأول ، فلم تكن حملة نابليون على مصر مجرد حملة عسكرية بقدر ما كانت مواجهة ثقافية وبالتالي يمكننا صياغة هذا السؤال ما هو تأثير حملة نابليون كمواجهة ثقافية على الجبرتي وماذا كان رد فعله تجاه الحملة كشاهد عيان ؟ في كتابه مظهر التقديس نسخ الجبرتي خطاب نابليون بالكامل وإليك صورة من هذا الخطاب.( 1)

خطاب نابليون إلي الشعب ( 2)
( بسم الله الرحمن الرحيم لا اله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه . من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية ، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته يعرف أهالي مصر جميعهم ان من زمان مديد الصناجق الذين يتسلطون في البلاد يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية ويظلمون تجارها بانواع الإيذاء والتعدي .... هذه الزمرة من المماليك المجلوبين من بلاد الابازة والجراكسة ( أي القوقاز وجيورجيا ) يفسدون في الاقليم الحسن الاحسن الذي لا يوجد في كره الأرض كلها ، فاما رب العالمين القادر على كل شيء فانه قد حكم عل انقضاء دولتهم يا أيها المصريون قد قيل لكم انني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد ازالة دينكم فذلك كذب صريح لا تصدقوه وقولوا للمفترين انني ما قدمت اليكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-الجبرتي، يوميات الجبرتي : "مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس"; تحقيق محمد عطا، ط1، دار المعارف، (القاهرة:1958)، 1/37-41.
2- روبير سوليه : - مصر ولع فرنسي – ترجمة لطيف فرج – مهرجان القراءة للجميع 99 – مكتبة الأسرة ص36 .

إلا لاخلص حقكم من يد الظالمين وانني أكثر من المماليك اعبد الله سبحانه وتعالي واحترم نبيه والقرآن العظيم ... قولوا لامتكم أن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون وإثبات ذلك انهم قد نزلوا في رومية الكبري وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائما يحض النصاري على محاربة الإسلام . )

وتكمن اهمية الخطاب في إحتوائه على بعض المفاهيم الجديدة والتي سيتحدد موقف الجبرتي من خلالها نحو الفرنسيين .
1- افتتح الخطاب بـــ (بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه)
2- أبلغ نابليون الشعب المصري أن هذا الخطاب أصدر باسم الجمهورية الفرنسية مبنياً على أساس الحرية والتسوية . ”من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية“ .
3- برر الهجموم على مصر بالقول إنه قد حان الوقت لمعاقبة حكام مصر الذين تسلطوا وتعاملوا بالذل مع الأمة الفرنسية وظلموا تجارها وصادروا أملاكهم واعتدوا عليهم.
”السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابارته، يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد والصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، يظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي؛ فحضر الآن ساعة عقوبتهم“ .
4- ويعطي لنفسه المزيد من التبريرات بقوله: ”إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم فذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم“.
5- يبدأ نابليون بالمرحلة الثانية من الخطاب وهي تنظيم أمور الدولة وتطبيق مفاهيمه التي جاء بها فيقول: ”ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعداً لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية“.
6- المثقفون والمتعلمون من المصريين هم من سيحكمون البلد: "فالعلماء والفضلاء والعقلاء بينهم سيدبرون الأمور وبذلك يصلح حال الأمة كلها".
7- طلب نابليون من القضاة و الشيوخ والأئمة ووجهاء البلد أن ينقلوا إلى شعبهم نيابة عن الفرنسيين أنهم هم أيضاً مؤمنون ودليل ذلك مهاجمة روما وتدمير عرش البابا الذي لطالما حرض على قتال المسلمين وكما أنه قاتل فرسان مالطا الذين زعموا أن الله أوكلهم بقتال المسلمين فضلاً عن أن الفرنسيين أصدقاء مخلصون للسلطان العثماني وهم أعداء أعدائه. أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجربجية وأعيان البلد قولوا لأمتكم: إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون؛ وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكواللرية الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين. ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت

من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء أعدائه أدام الله ملكه. ( 1)

وينتقل الجبرتي الى مناقشة مبررات نابليون لاحتلاله مصر ”إنني ما قدمت إليكم إلا لكيما أخلص حقكم من يد الظالمين“ فيقول الجبرتي إنها أول كذبة لفقها نابليون. وذهب الى أبعد من ذلك حين قال إنه يعبد الله أكثر من المماليك وما ذلك إلا جنون وجهل مطلق، فأي عبادة يقصدها نابليون مع كفره الذي ران على فؤاده؟ وحجبه عن الوصول إلى الإيمان .

وقال إنه يحترم النبي وهذه أيضا كذبة مطلقة من نابليون، فإذا كان حقاً يحترم النبي لكان آمن به وقبل الإسلام عقيدة له. ويذكر أيضا أنه يحترم القرآن وهذا كذب مطبق لأن احترام القرآن في تعظيمه وتعظيمه بالتصديق بما فيه والإيمان بأن النبي خاتم الأنبياء وصاحب أفضل الرسالات لكن الفرنسيين يرفضون ذلك.

وأما فيما يتعلق بالاحترام المادي للقرآن فان الله قد أمر: ”لا يمسه إلا المطهرون“ ولكن هؤلاء قد استخدموا أوراق المصاحف ليتنظفوا بعد التغوط ومن ثم يرمونها وهي ملطخة وهم لا يستخدمون المراحيض ولا يستنجون بالماء البتة بل إنهم يستخدمون الأوراق إن وجدوها. ثم يستشهد الجبرتي بمثال آخر يظهر عدم احترامهم للقرآن ويخلص بسؤال: هل هذا هو الاحترام الذي يدعيه المفتري؟ .

ثم ينكر الجبرتي على نابليون في ادعائه بأن الناس متساوون عند الله ”إن جميع الناس متساوون عند الله تعالى“ فيقول إن ذلك كذب وادعاء وجهل لأن الله فضل بعضهم على بعض وفي ذلك آيات وشرائع . ثم يحلل الجبرتي لغوياً عبارة ”ما العقل“ ويثبت أنها جملة استفهامية استنكارية وهي بمعنى ”لا عقل للمماليك“ ويتفق الجبرتي معهم في ذلك .

ويناقش الجبرتي ادعاء نابليون بمطالبة المماليك الدليل والحجة التي بها ملكوا رقاب الناس فينفي أن يكون الله قد منح أحداً الملك بحجة مكتوبة، بل إن الحكم يتم تداوله بينهم أو بالوراثة أو بالقوة. بعد ذلك يعقب الجبرتي ويتكلم عن نتائج أحد ادعاءات بونابرت في أن المناصب السامية ستكون من نصيب الناس، قال الجبرتي بأن تلك المناصب ما أخذها إلا الرعاع وأسافل القوم مثل برطلمين الطبجي والذي يسميه العامة (فرط الرمان كتخذا مستحفظان) .
إن أكثر ما ميز موقف الجبرتي هو موقفه الساخر والمهين للفرنسيين (في مظهر التقديس) ونذكر بعض الأمثلة على ذلك: حين نزل الجيش الفرنسي إلى القاهرة أول مرة، كانوا يجوبون الشوارع ويأكلون الطعام المصري وهم مبتهجون، لكن الجبرتي علق على ذلك بسخرية وإهانة: ”ويأخذون المشتروات بزيادة عن ثمنها، وهذه من أعظم المكايد لأجل إضلال عقول العامة، وانهمكوا على أنواع المأكولات مثل الكلاب السعرانين ففجر السوقة“.
كما أنه يعلق على طقوس تشييع كليبر بقوله: ”انقضى أمره وذهب الى لعنة الله“ ، كذلك بعد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
1- أنظر كتاب الجبرتي مرجع سابق .



وصفه الاحتفال بالذكرى السنوية للجمهورية الفرنسية بقوله: ”عجّل الله زوالها من جميع الأرض، وبعد أيام انهارت الأقواس التي وضعوها للزينة من أجل الاحتفال، ذكر الجبرتي أن الناس استبشروا بذلك وقال "فتفاءل الناس بسقوط دولتهم“ ، إضافة الى تعليقه عندما تلقى أنباء عن هزيمة الفرنسيين أمام الإنكليز والعثمانيين ختم تعليقه بالقول: ”ولله الحمد“ .

وقد رسم الجبرتي للفرنسيين صورة في ذهنه أتخذ من خلالها موقفا عدائيا ومتشددا تجاه الفرنسيين مما منعه من فهم الثقافة الغربية وعدم الاكتراث والتفكر فيها، فهو اعتبرهم كفاراً وأقل شأناً وأن ثقافتهم دنيئة، وربما يكون السبب وراء مشاعره تلك تجاه الفرنسيين هو الإرث الإسلامي والحضارة الاسلامية التي تزامن تفوقها مع العصور المظلمة الأوربية وأنه ولد ونشأ في أسرة متدينة من العلماء بحكم كونهم رؤساء رواق الجبرت في الأزهر.
وكان الجبرتي نفسه عضواً بارزاً في جماعة العلماء في القاهرة، وهذا الإرث الماضي المجيد جنباً الى جنب مع العقيدة الدينية ولدا نوعاً من الإعتزاز بالنفس والإيمان بالهوية الإسلامية والازدراء للثقافة الفرنسية الغربية فحكم على الفرنسيين بأنهم كفار وبرابرة وخلص إلى أن المجتمع الفرنسي بعمومه مجتمع همجي.

ويبقى الجبرتي غير راضٍ عن انتصار الفرنسيين على المماليك بحكم عدم تساوي الطرفين من حيث المعدات العسكرية. ونسب هزيمة المماليك إلى الرياح القوية التي هبت على المماليك مصحوبة بالغبار يوم المعركة بينما في مكان آخر يذكر أن العلماء والعامة لم يدخروا يوماً في الصلاة والدعاء وقراءة البخاري في الأزهر على الرغم من أن هذه الصلوات لم تمنع دخول الفرنسيين مصر. ولكن في عجائب الآثار يظهر الجبرتي العكس تماماً إذ يسخر من المماليك ويتفاخر بنمط الفرنسيين العسكري وتنظيمهم كما يسخر من العلماء والعامة الذين يرددون البخاري في الأزهر .

كل تلك الأحكام المسبقة والأفكار المتبناة استناداً إلى الموروث جعلت الجبرتي لا يرى سوى الجانب السيء من الفرنسيين أو لنقل ما اعتبره هو سيئاً وبنى أحكامه استناداً إلى معرفته هو وليس بنظرة تجريدية.

ونتيجة لذلك رسم الجبرتي صورة عن الفرنسيين تظهرهم مدمني الخمور الذين لا همَّ لهم سوى البحث عن المتعة ”ان لهم عناية أشد من ذلك (أي الحمير) في بذل الأموال في الخمور و التردد إلى حانات الراح" .

"لأن أكثرهم مطبوع على المجون والخلاعة وتلك هي طبيعة الفرنسيس فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء من النساء الأسافل والفواحش فتداخلن مع الفرنسيس لخضوعهم للنساء وبذل الأموال لهن“ .

يبين هنا الجبرتي العلاقات التي تمت بين النساء المصريات والجنود الفرنسيين إذ اتجهت الكثيرات من النسوة إلى الجنود من أجل ممارسة الجنس معهم مقابل مبالغ من الأموال وازدهرت تلك الحالة بأعداد هائلة من النساء. في حين أنه يصف إنشاء الفرنسيين لملهى ونادي ليلي بالتنظيم والدقة، ويصف آلية دخول الشخص إلى ذلك المكان في عجائب الآثار. إذ شيد الفرنسيون نادياً قرب الأزبكية يجتمعون فيه للترفيه، وأشار الجبرتي الى ذلك بقوله :
”تجمعوا بدارالخلاعة، يجتمعون بها النساء والرجال للهو والخلاعة رجالاً ونساء وتراقصوا وتسابقوا“ ، وأشار الجبرتي أيضا إلى ولع الفرنسيين بالحمير والخمور، وقد كان الفرنسيون ينفقون أموالا كبيرة مقابل استئجار الحمير لركوبها. ونتيجة لذلك الولع من الفرنسيين فإن الكثير من المصريين الذين كانوا عاطلين عن العمل صاروا تجاراً بسبب ركوب الحمير فقد كان بعض الفرنسيين يقضون نهاراً كاملاً على ظهور الحمير دون القيام بأي عمل سوى التجوال في الشارع والسباق والغناء والضحك والمزاح وإنفاق الأموال الطائلة في النبيذ و ركوب الحمير، ويختم هذا التصور الذي رسمه عن الفرنسيين بقوله: ” ان الفرنسيين ضاعت أموالهم بين حمار وخمار“ .

كما كان للجبرتي بعض المفاهيم والإنطباعات حول الأفكار والمفاهيم الفرنسية الجديدة التي انتقلت إلى مصر مثل نظام الولادة والوفيات – والنظام الصحي – ونشر الملابس على شرفات المنازل لتعريضها للشمس والإبلاغ عن المرضى ، كما كان هناك مفاهيم سياسية ألتقطها الجبرتي من خطاب نابليون مثل إسناد المناصب الرفيعة وإنشاء حكومة محلية لإدارة شؤون البلاد إلى غير ذلك . (1 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
1-أرجع إلى كتابي الجبرتي – تاريخ الجبرتي – مظهر التقديس .
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17-10-2017, 05:43 AM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,096
افتراضي

ثالثاً
الحراك السياسي الشعبى للحملة الفرنسية .
- لما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر نقلت مصر عدة نقلات بعضها نقلات جديدة عادت على المصريين بالفائدة ، وأخرى نقلات كثيرة أساءت إلى مصر والمصريين ولعل القضاء على زعامة المماليك كان أكبر شيئ آنذاك ولكن سرعان ما ظهرت مساوئ تلك الحملة في فرض الضرائب الباهظة وجبايتها بقسوة والتضييق على المصريين والحط من شأنهم وعاداتهم وتقاليدهم مما دفع الشعب المصري إلى مقاومة الحملة الفرنسية في ثورتين كبيرتين كما سنعرف بعد :
أولا : مقاومة المصريين للفرنسيين في ثورتي القاهرة :
1- ثورة القاهرة الأولى ( 21- 22 أكتوبر 1798 ) .
أ- سببتها ضرائب فادحة أرهقت التجار والملاك وأصحاب الصناعات بخاصة وتجاوزات فرنسية في تفتيش المنازل والمحلات بحثا عن الأموال وانتزاع ابواب الحارات والدروب لتسهيل اقتحامها ومطاردة المقاومين ؛ وهدم الكثير من المباني والمساجد والآثار لتحصين القاهرة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ
1-أرجع إلى كتابي الجبرتي – تاريخ الجبرتي – مظهر التقديس .
ب- قاد الازهر الثورة . ونظم قبول المتطوعين بأسلحتهم وأسهم في تفشي التمرد بين الأقاليم المجاورة .
جـ- تمخضت الثورة عن مقتل 20 جنديا فرنسيا ، ونحو ألفي مصري وقد واجهوا القمع والإرهاب الشديدين ، حتى إن القوات الفرنسية دخلت الجامع الأزهر بخيولها ، الأمر الذي أثار الشعور الديني المصري آنذاك .
2- ثورة القاهرة الثانية ( مارس – أبريل 1800 )
أ- اشتعلت الثورة في عهد الجنرال كليبر ، بعد سماحه للقوات العثمانية بدخول مصر حيث أخذت تجمع الضرائب والمعونات قسرا ولذلك يشير بعض المصادر التاريخية إلى تحريض عثماني – مملوكي على تلك الثورة . التي لم تكن إلا ثورة على الاستعمار ، نجح الشعب المصري خلالها في حصار المعسكرات الفرنسية والهجوم عليها .
ب – أخمدت القوات الفرنسية الثورة في القاهرة ، وبعض مناطق الوجه البحري ، أما الوجه القبلي فأخضعته باتفاق مع مراد بك على أن يحكم صعيد مصر ، تحت الحكم الفرنسيى .
ثانيا : نتائج ترتبت على قدوم الحملة الفرنسية ، واثرها على الشعب المصري .
أولا : لقد كان نزول الحملة الفرنسية بأرض مصر ، بمثابة الشرارة التي الهبت شعبنا وكشفت عن الروح الثورية العارمة التي تكمن فيه.فلم تجد الحملة الفرنسية في مصر طريقاً مفروشاً بالورود ، بل اصطدمت من أول يوم نزلت فيه حتي آخر يوم قضته علي أرضنا بقوات عديده مختلفة ومتصارعة منها الفرنسيون والإنجليز والعثمانيون والمماليك .
حقاً أن كل قوة من هذه القوي كان نضالها لهدف ذاتي إلا أنها جميعها باستثناء الفرنسيين تجمعت على هدف واحد كانت تناضل لسحق الحملة وطردها من أرض مصر .
كان كل هؤلاء في جانب ، والشعب المصري بجميع طبقاته في جانب آخر ، الفلاحون والحرفيون والتجار والمثقفون ، وهم العلماء ، ورجال الدين .
فالمماليك تلقوا ضربة قوية قصمت ظهورهم ، فجزء منهم بقيادة ابراهيم بك فر إلي الشام وجزء آخر بقيادة مراد بك فر إلي الصعيد ثم تهادن مع الفرنسيين .
أما الأتراك والانجليز فكانت الجيوش الفرنسية تضرب بعنف حاسم أية قوة منهم تحاول النزول في الأراضي المصرية . ومع هذا فان المقاومة الشعبية لم تنقطع يوماً واحد ... وفي خلال ثورة القاهرة الأولي والثانية أبدي الشعب من صنوف البطولة ما جعل نابليون يؤكد في مذكراته أثر هذه المقاومة علي هذه الحملة ولم تكن هذه المقاومة موضوعة في حساب الفرنسيين عندما قدموا إلي مصر ، بل كانت خطتهم مرسومة علي أساس إستمالة الجماهير إلي جانبهم ، وضرب المماليك وتصفية نفوذهم.. مما أثر في الحراك الاجتماعي في مصر .
ثانيا : انكسرت قوة المماليك أنكسارا مشينا وأصبحت فلولهم الباقية بعد خروج الحملة من مصر أضعف من أن تستطيع أن تلعب دوراً إيجابياً في مجري الصراع الذي نشب بعد ذلك لتولي السلطة فعندما وقفوا منفردين في المعركة أوفدوا رسولاً إلي نابليون في فرنسا يحمل رسالة هذا نصها :
" لقد هدمتم سلطتنا التي كانت ثابتة في مصر من سنوات عديدة . والأن يحق لنا أن نلجأ إلي عطفكم لتعيدوا لنا تلك السلطة . لقد وقع الانقسام في صفوفنا بعد وفاة مراد بك – وصرنا من ذلك إلي أحوال تعسة ، هي التي اضطرتنا أن نلجأ إلي الحماية الانجليزية . وأن الأتراك قد أعلنوا علينا حرباً ظالمة . ولا غرو ، فان الغدر من أخص صفاتهم ، وإن لدينا من القوة ما يمكننا من مقاومتهم ، ولكننا في حاجة إلي عضد يأتينا من الخارج ... فاليك نلجأ ، ومنك نطلب النجدة ، وفيك وضعنا ثقتنا ، فساعدنا بوساطتك لدي الباب العالي ، ونحن علي استعداد لقبول الشروط التي تفرضونها علينا ، وعرفاناً لجميلكم ، فإننا نتعهد بأن تخص تجارة الأمة الفرنسية بأعظم المزايا (1)"
ومن هذا الخطاب يتضح أن الحملة قد ضربت المماليك ضربة قاصمة " وانهت فعلاً النظام المملوكي ، ووصفته بالقوة المسلحة الأجنبية ، وإن بقايا المماليك التي ظلت بعد الحملة تصارع في سبيل السلطة لم يكن لديها القدرة الكافية لتنفيذ هذا . ولقد كان لهذه التصفية التي نمت من خارج البلاد وليست من داخلها أثرها في التطور الاقتصادي والإجتماعي في مصر ، كما سنبين بعد .
ثالثا : – برزت أهمية الشعب المصري حيث كانت كل القوي المتصارعة ، التي لها مصلحة في طرد الحملة الفرنسية من البلاد ، تسعي إلي استمالة الشعب إلي جانبها ، وخاصة في المرحلة الأولي للحملة ، عندما كانت مسيطرة عسكرياً تماماً علي الحدود ونتج عن هذا أن الشعب قد وجد مؤقتاً حلفاء ، كما وجد قيادة في التجار والعلماء ومشايخ الحرف ، توجهه ضد القوات الغازية ، فحمل السلاح بشكل واسع لأول مرة منذ أجيال طويلة ، فشعر بذاته وقوته ، وتحددت قوميته ، ونبع من صفوفه أبطال وقادة مثل البشتيلي والخضري . ولا نتكلم عن السيد عمر مكرم ، فقد كان حامل العلم الجماهيري الخفاق ، وكان المنظم والملهم الثوري ، والقائد الصلب الذي ظهرت شجاعته المطلقة أمام الفرنسيين والأتراك والمماليك ، ومحمد علي بعد أن تولي السلطة .
رابعا : – لكي تستميل الحملة الجماهير الشعبية إلي جانبها ، ولكي تحكم البلاد بأقل ما يمكن من المتاعب ، أنشأت دواوين في القاهرة وفي عواصم الأقاليم من العلماء والتجار والأعيان ، وبهذا وضعت نواة الفكر الديمقراطي بمصر . وإن كان هناك من يري فشل تلك التجربة وسوف نوضح ذلك فيما بعد .
خامسا : – رب ضارة مفيدة أحيانا ، فقد جاءت حملة نابليون الرأسمالية إلى مصر لتعمل علي استغلالها استغلالاً رأسمالياً ، وتعتصر كل ما يمكن إعتصارة من إمكانيات البلاد المحتلة ، وفقاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر – دار المعارف – الطبعة السادسة .الجزء الثاني ص 265 .
لآخر ما وصل إليه التطور الإنتاجي ... ولهذا فقد جلبت الحملة معها العديد من العلماء ، لدراسة مصر من كافة النواحي الجغرافية والتاريخية والزراعية والثروة المعدنية ، لكي تنظم علي ضوء هذه الدراسة استغلال البلاد استغلالاً كاملاً ... وقد كان لهذه الدراسات أثرها بعد جلاء الحملة وتولي محمد علي السلطة ، فقد استفاد من هذه الأبحاث في العديد من مشروعاته التي نفذها له عدد من أتباع سان سيمون( 1) الذين حضروا إلي مصر وأحاطو بالباشا .
سادسا : نبهت الحملة الفرنسية الاستعمار البريطاني الذي تباطأت خططه الاستعمارية للشرق وفتحت عينية عن خطورة توانية عن العمل السريع خشية أن تسيطر فرنسا علي المنطقة وتهدد الهند .
وفعلاً في سنة 1820 احتلت القوات البريطانية ما أسموه بالمحميات البريطانية في عمان ، ثم انتقلت واحتلت جزر البحرين بالخليج الفارسي ، ثم عدن ومسقط والكويت وقطر ... وبدأت تركز خططها وتتحين الفرص للاستيلاء علي مصر نفسها إلي أن تم لها ذلك سنة 1882.
سابعا : عدم ظهور المجتمع الرأسمالي الذي ينهض بالبلاد بل ظل النظام الإقطاعي كما هو تسوده العلاقة السيئة بين الإقطاعيين والفلاحين عكس ما ظهر في أوربا آنذاك فعندما ضربت الحملة الفرنسية النظام المملوكي ضربة قاصمة ، وهيأت الظروف الملائمة لتصفيته نهائياً . فكان ينبغي أن يقضي علي النظام المملوكي بقوي التطور الداخلي ، فكما حدث في فرنسا مثلاً ، بالقضاء علي أمراء الاقطاع ،حيث كانت الرأسمالية الناشئة هناك تحشد الفلاحين والحرفيين ضد أمراء الاقطاع ، وتكسب علي مر السنيين مواقع جديدة منهم ، وتشغل هي ومن ورائها الجماهير ، الفراغ السياسي ، حتي ضربتهم في الثورة ضربة حاسمة ، وقبضت علي السلطة ، واقامت مجتمعاً بورجوازياً .
أما في مصر فإن النظام المملوكي قد ضرب أساساً بواسطة القوة المسلحة الأجنبية ، وليس نتاج التطور الطبيعي من داخل البلاد ، ولهذا فان تصفية هذا النظام لم ينتج عنه مجتمعاً رأسمالياً ، كما حدث في فرنسا أو في البلاد التي قضي فيها علي الاقطاع نتيجة للثورة الاجتماعية .
ثامنا : الصراع على السلطة من أبرز المشاكل التي تودى بالوطن وخاصة إن كان المتصارعون لهم مطامعهم الخاصة أو الذاتية فبعد خروج الحملة برزت فوراً مشاكل الصراع علي السلطة بين كل القوي المتصارعة فالعثمانيين يريدون استغلال فرصة ضرب المماليك لكي يجهزوا علي بقيتهم ويحكموا البلاد حكماً كاملاً ... والانجليز كانت جيوشهم تعسكر داخل البلاد ولا يريدون الخروج .. والمماليك يحاولون في استماتة استرداد سلطتهم الزائلة ، وقد تبقي منهم حوالي خمسة آلاف مملوك يعاونهم بعض الجنود الفرنسيين المغامرين ، وينتقلون من معسكر الانجليز إلي الفرنسيين ثم إلي الانجليز . عندما يفقدون الأمل في فرنسا .. وبين كل هؤلاء المتصارعين يقف الشعب المصري محاولاً التخلص من كل هؤلاء الأعداء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- Egypt at mid century by Sharlesissawi p 18-
لقد برزت له قيادة خلال الحملة الفرنسية من العلماء والتجار ومشايخ الحرف . فهل تستطيع هذه القيادة أن تخلصه وتنقذه وتقوده إلي بر الأمان ؟...
لقد أثبتت الحوادث بعد ذلك عدم قدرة هذه القيادة علي استغلال الظروف المواتيه واستخلاص استقلال البلاد .
وإذا كانت هذه القيادة لم تستطع استغلال الظروف كاملة ، فقد استغلتها جيداً ، وحتي نهاية ، محمد علي باشا ، وهو داهية في السياسة كما كان داهية في القتال لقد أشترك في الصراع الناشب من أوله ، ودرس كل امكانيات القوي المتصارعة . ولم يهمل أية قوة من هذه القوي ... لقد فهم أكثر من غيره قوة القيادة الشعبية فوضعها في حسابه وفي مكانها المحدد ، فلم يبالغ فيها ويعتمد عليها من أول يوم فيفقد المعركة . وكذلك لم يهملها كما أهملتها المعسكرات المتصارعة الأخري.. لقد ادخر محمد علي القوي الجماهرية للموقف الحاسم ، فكسب المعركة وخسرها كل أعدائة . كما سنوضح بعد .
- لم يستطع الانجليز البقاء في مصر رغم محاولتهم ذلك ، فالقوي الدولية المعارضة لبقائهم كانت مصممة علي هذا ، ففي صلح (أميان) الذي عقد في 27/3/ 1803 بين فرنسا وانجلترا وهولندا واسبانيا اشترط فيه جلاء القوات البريطانية عن مصر ، وقد حاولت بريطانيا استمالة تركيا إلي جانبها فلم تفلح ، فجلت عن مصر في 16 / 3 / 1803 ، وعملت علي مساندة المماليك لكي يكونوا مخالبها في مصر ، فلم تفلح في هذا أيضاً ... وهكذا استبعدت بريطانيا مؤقتاً من المعركة ، ونشب الصراع المسلح بين العثمانيين والمماليك إلي أن بدت كفة المماليك هي الراجحة ، فانضم محمد علي إلي جانبهم ونودي به شريكا لابراهيم بك في الحكم .. ولكنه كان من اليقظة والوعي بحيث لم ينغمس في الحكم ليترك المماليك وحدهم يتحملون كل النتائج المترتبه عن مشاكل الحكم ، سواء في الصدام مع بقية القوات العثمانية ، أو مع الشعب أو ضد بعضهم البعض ، وظل يرقب الحوادث حتي عاد الالفي بك من انجلترا يحمل وعداً من الأنجليز بسيطرة المماليك علي السلطة ، الأمر الذي أشعل الحقد في قلب حزب البرديسي وجعله خصماً عنيفاً للألفي .
لقد بدأت الأمور تتضح والصراع يتبلور ، فالقوات العثمانية هزمت تقريباً ، وإن كان الوالي التركي لم يزل رابضاً في القلعة والمماليك قد أكلوا بعضهم بما فيه الكفاية ، والشعب ثائر علي الضرائب الباهظة التي يفرضها البرديسي علي التجار والملاك العقاريين .
ومحمد علي له صلات طيبة بالمشايخ والتجار وقادة الشعب ـ ولقد دخل المعركة من أول يوم وهدفه الوصول إلي السلطة ، وكان يحدد دائماً المعسكر الأقوي وينحاز إليه إلي أن يضعف فينحاز لغيره وهكذا ... والأن وقد تبلورت الأمور ، عليه أن يتخلص نهائيا من المماليك ، ويصبح الطريق مفتوحاً أمامه للسلطة مباشرة وهو يملك قوتين تمكنانه من هذا .. القوة الأولي وهي الارتباط بالشعب ، فيكسب عن طريقها شرعية وجوده في السلطة ، والقوة الثانية الجيش الذي يحسم به الموقف ويضرب المماليك الضربة المميته ، فانحاز فوراً إلي جانب الشعب في ثورته علي المماليك ، وأمر جنوده فهاجموا المماليك حتي فر البرديسي وإبراهيم ، وابطل محمد علي الضريبة التي كان البرديسي فرضها علي التجار وأصحاب العقارات ، وبهذا أصبح يمثل في نظر الشعب أمانية في التخلص النهائي من حكم المماليك ، ثم انحاز مرة أخري إلي جانب الشعب في ثورته الثانية (الرابعة منذ الحملة الفرنسية) علي الوالي التركي . هذه الثورة المجيدة التي انتهت بأن نودي به والياً علي مصر بمعرفة مشايخ المسلمين وكبير الاقباط آنئذاك المعلم جرجس الجوهري ، والتجار والأعيان .
تاسعا : نتج عما سبق ظهور وعى قومى واضح ومؤثر في الحياة المصرية وقد ظهر ذلك في أجلى صورة عندما شاركت الزعامة الشعبية في إجبار السلطان العثماني على اتخاذ قرار رغم أنفه بتعيين محمد على وكان ذلك بمثابة ثورة شعبية وتعتبر هذه الثورة من وجهة النظر العلمية من أهم الثورات في تاريخ مصر الحديث ، فهي أعمق من ثورة القاهرة الأولي علي الحملة الفرنسية . لقد استمرت من أول مايو حتي 9 يوليه سنة 1807 ، حيث ورد الفرمان التركي من الآستانة مؤيداً تعين محمد علي في ولاية مصر ( إذ رضي بذلك العلماء والرعية ) .. لقد خاضها الشعب مباشرة ضد الدولة العثمانية ، وخاضها بجميع عناصره : مسلمون واقباط ، وبهذا تكون وحدته الوطنية قد وضحت تماما ..وقد نشبت الثورة علي دعامتين اساسيتين :
الدعامة الاولي : هي الدافع الاقتصادي ، فقد كانت الضرائب الباهظة التي فرضها الوالي التركي علي التجار واصحاب العقارات تثقل كاهلهم ، فضلاً عن الاستغلال المروع للفلاحين ، وهم السواد الأعظم من الشعب .
أما الدعامة الثانية : فكانت التخلص من الحكم التركي ، وهذا وعي أنضجه ونماه الصراع الدامي الذي أستمر أكثر من ثلاث سنوات ضد القوات الفرنسية التي كانت تحمل معها وعي الثورة الفرنسية الذي يدعمه رغم أنفها رقي البلاد ، مع أنها جاءت لتحتلها وتمتص خيراتها . وقد كان من اهم شعاراتها أنها أي الحملة الفرنسية قد جاءت إلى مصر لتخلص المصريين من حكم المماليك وقد أنخدع بذلك الكثيرون .
وقد حققت الثورة أغراضها بأن عزلت الوالي التركي وثبتت محمد علي والياً علي مصر ... ولكن ما هو السبب الذي جعل قادة الثورة يدفعون برجل تركي إلي السلطة ، ولا يستخلصونها لأنفسهم ولخدمة طبقتهم ، وقد كان هناك من الزعماء المبرزين أمثال عمر مكرم الذي لو طلب من الشعب السند والتأييد لما تأخر عن إعطائها له!!.. إن الجواب علي هذا السؤال يحدد ويوضح مغزي ضرب النظام المملوكي بواسطة القوي المسلحة الأجنبية ، لا بواسطة التطور الطبيعي لقوة الشعب النامية كما قلنا .
إن سبب وصول محمد علي إلي السلطة هو ضعف القيادة الثورية ، وعدم توفر الظروف الاقتصادية والاجتماعية الملائمة ، لكي تصل إلي السلطة .
عاشرا : لم يستطع عمر مكرم أن يصل إلي السلطة ، بالرغم من صلابته وقدرته العجيبة علي تهييج الجماهير وحشدها ، وهذا يؤكد ضعف القيادة بالرغم من قيامه بالمجهود الثوري في حشد وتعبئة الشعب ، إلا أنه لم يجد الطبقة التي يستند إليها لكي يجمع نتاج هذا المحصول الثوري الذي قطفه محمد علي ثم تنكر له بعد ذلك .
ولا شك أن ضعف الطبقة الوسطي في مجتمع إقطاعي دفعته الأحداث الوافدة من الخراج لكي يلتهب ويصير مسرحاً لصراع دولي عنيف من المحتم أن تنتهي السلطة إلي القبضة الأجنبية التي في إمكانها استغلال هذا الصراع ... إن الثورات التي نشبت واشترك فيها الشعب المصري قد دفعت المجتمع حتماً إلي الأمام ، ولكنها لم تمكن لها من الوصول إلي السلطة بسبب انعدام قوي منتجة جديدة تسعي لإقامة علاقات إنتاجية جديدة ، ولانعدام حزبها السياسي الذي يلعب دور الطليعة في مجري الأحداث السياسية ، ولو لاحظنا سير الحوادث لوجدنا أن معظم المعارك كانت تنشب داخل المدن الرئيسية ، وفي مدينة القاهرة بالذات ، وخاصة الثورتين الأخيرتين علي المماليك والوالي التركي .... أما الفلاحين فقد كانت في الواقع بعيدة عن الاشتراك الجدي في هذه المعارك .
ولم تكن هناك الفئة التي تملك وسائل إنتاج راقية ، وبالتالي لها مشكلة انتاج تريد أن تحلها بتحرير الفلاحين وتمليكهم الأراضي ، فمن هنا لم يكن تنظيم الفلاحين في حرب ثورية ضد أمراء المماليك فيما سلف أو ضد الأتراك بعد ذلك ، يخطر ببالها .. ولكن المعركة الناشبة لا يمكن أن تحل في مدينة القاهرة أو دمنهور أو الاسكندرية فحسب ، فبدون تحرك ملايين الفلاحين لا يمكن القضاء علي هذه القوات المسلحة المتعددة ... إن وعي القادة كان محصوراً داخل المدن ، ولم يخرج إلي الريف قط ، ومن هنا كان من المحتم عليهم أن يعتمدوا علي قوة تناصرهم ضد أعدائهم . وكما استغل محمد علي قوته المسلحة في محالفاته العديدة السابقة ، استغلها أيضاً في هذه المخالفة التي نقضها فور توليه السلطة وحكم البلاد وفقاً لخططه هو . لا وفقاً للخطط التي اتفق عليها مع العلماء والتجار .
إن الوعي كان بدأ يتفتح ، ولكنه كان فجا وغير قادر علي تحديد معالم الطريق ، وكانت الأحداث أسرع وأضخم من النضج الاقتصادي والاجتماعي لذلك تركت السلطة لمغامر تركي ربط مصيره بمصير الأحداث المصرية ، ولم يكن له سبيل للوصول إليها إلا بالارتكاز علي قاعدة شعبية ، فاستغل كل المتناقضات الموجوده والمتصارعة ، ووثب بها إلي حكم البلاد .
أن وصول محمد علي إلي الحكم يبين رغبة الشعب في الاستقلال والتطور ، ولكن تنقصه القيادة السياسية التي تمكنه من تنفيذ هذه الرغبة .
يميل عديد من الكتاب لاعتبار محمد علي ممثلاً للرأسمالية المصرية الناشئة . ومنشأ هذا التفكير الخاطئ إعتبارهم أنه هو الذي حطم سلطة المماليك ..ولما كانت سلطة المماليك سلطة إقطاعية ، فبالتالي لابد أن الذي يحطمها يكون ممثلاً للرأسمالية الناشئة . وهذا التفسير خاطئ ، فمحمد علي لم يحطم سلطة المماليك ، بل أجهز علي فلولهم ، والقوات الفرنسية هي التي ضربتهم الضربة القاصمة ، ولعل أيضاً منشأ هذا التفكير الخاطئ في أذهان هؤلاء المفكرين أن محمد علي كان قبل اشتراكه في الجندية ينتمي إلي أسرة متوسطة ، وله صلات مرموقة مع تجار الدخان في تركيا وأوروبا ، وخاصة فرنسا .
إن محمد علي عندما خاض حروبه العديده ، واعتمد علي التجار والمثقفين والحرفيين ، لم يكن في ذهنه مطلقاً نمو واذدهار هذه الطبقة ، إنما الذي كان في ذهنه هو الوصول إلي السلطة فحسب ، ولعل هذه الطبقة في مصر هي أولي الطبقات التي أضر بها محمد علي بعد وصوله إلي السلطة كما سنبين ذلك فيما بعد .
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 22-10-2017, 06:03 AM
الارشيف غير متواجد حالياً
منتقي المقالات
 
تاريخ التسجيل: 15-10-2009
المشاركات: 3,096
افتراضي

المجتمع المصري ونهضة محمد على
هل تأثر محمد على بالعلمانية ؟
يعد محمد على رائد مصر الحديثة وباعث نهضتها كما يقول بعض كتاب التاريخ أذ أنتقل بها من فوضي واضطراب العصور الوسطي إلى مشارف العصر الحديث فهو مفجر شرارة النور والعلم والمعرفة وكان ظهور هذا الرجل إيذانا بأفول ثلاثة قرون من الجهل والضعف والتخلف عاشتها مصر إبان حكم العثمانيين ، ونجم عن ذلك نهضة جديدة أخرجت مصر من كبوتها ودفعت بها إلى مستوي الدول القوية .
وقد ظهرت العديد من الآراء وتفجرت الكثير من القضايا أثارتها شخصية ذلك الرجل أثناء حكمه لمصر وتناولته الأقلام ما بين مؤيد ومعارض . ومن القضايا التى تحدث عنها المؤرخون قضية الحداثة وفصل الدين عن الدولة وإنشاء المدارس وإرسال البعثات وإنشاء الجيش القوى وغير ذلك من قضايا سوف نتعرض لها .
- وأريد قبل الخوض في هذه القضايا أن أتحدث عن الفترة التي أعقبت خروج القوات الفرنسية من مصر والتي انتهت بوصول محمد على إلى حكم البلاد بعد أن تلقي نظام المماليك ضربة قاصمة من الحملة الفرنسية شتت جمعهم وأضعفت قوتهم وكسرت شوكتهم .
ومما أثار محمد على وأغضبه من تلك البقية الباقية من فرسان المماليك أنهم كانوا يحاولون الوصول إلي السلطة وقد ظهر للشعب المصري خيانتهم وضعفهم ، هذه المجموعة تقدر بحوالي خمسة آلاف مملوك يعاونهم بعض الجنود الفرنسيين ، وهم حائرون يتنقلون من معسكر الإنجليز تارة إلى معسكر الفرنسيين تارة أخرى. كما كشفت تلك الفترة عن ضعف الدولة العثمانية من ناحية أخرى ، فالعثمانيون يريدون استغلال فرصة ضرب المماليك لكي يجهزوا عليهم وينفردوا بحكم البلاد ، وأما الإنجليز فقد كانت جيوشهم تعسكر داخل البلاد ولا يريدون الخروج منها .
إن كل هؤلاء المتصارعين الذين نسوا أو تناسوا طبقة الشعب المصري الذي شعر بكرامته وأحس بوجوده ، وقد جرح في كبريائه وعزته داخل وطنه فإذا به ينتفض محاولا التخلص من كل هؤلاء الاعداء ، وقد ظهر لهم قيادة شعبية لأول مرة خلال مقاومة الحملة الفرنسية من العلماء والتجار ومشايخ الحرف فهل تستطيع هذه القيادة أن تخلصه وتنقذه الأن وتقوده إلى بر الأمان .
لقد أثبتت الحوادث عدم قدرة هذه القيادة على استغلال الظروف المواتية والعمل لمصلحتها ولمصلحة الشعب وإذا كان هذا الأمر يعيب الزعامة الشعبية التي ظهرت فعاليتها ولكنها كانت سلبية إذاء التطلع إلي حكم البلاد ؛ أقول إذا كان الأمر كذلك فإن هناك من أخذ يتربص في دهاء ومكر لينالها لنفسه وأن يظفر بها دون غيره ألا وهو محمد على باشا والذي درس إمكانيات القوى المتصارعة آنذاك ، ولم يهمل إحداها ، لقد فهم أكثر من غيره قوة القيادة الشعبية البازغة وشدة تأثيرها إذا وجهت وعول عليها وأحسن استغلالها وأدخرها للموقف الحاسم فكسب المعركة وخسرها كل منازعيه .
لقد خرج الإنجليز من مصر وفق صلح إميان سنة 1402 (بين فرنسا وإنجلترا وهولندا وأسبانيا) وحاولت بريطانيا إستمالة تركيا إلى جانبها فلم تفلح وعملت على مساندة المماليك ليكونوا مخلبا لها في مصر فلم تفلح أيضا . ونشب الصراع المسلح بين العثمانيين والمماليك وعندما بدت كفة المماليك أن ترجح أنضم إلي جانبهم محمد على ، وعلى الرغم من أنهم عرضوا عليه أن يكون شريكا لأبراهيم بك في الحكم ولكنه رفض فأخذ يترقب سير الحوادث حتى عاد الألفي بك من إنجلترا يحمل وعدا من الإنجليز لسيطرة المماليك على السلطة ، الأمر الذي أشعل الحقد في قلب البرديسي وأتباعه وأصبح خصما عنيفا للألفي . لقد بدأت حينئذ الأمور تتكشف ، والقوات العثمانية هزمت تقريبا ، وإن كان الوالي التركي لم يزل في القلعة والمماليك قد أكلوا بعضهم بعضا ، والشعب ثائر على الضرائب التي يفرضها البرديسي على التجار ، ومحمد على له صلات طيبة بالمشايخ والتجار وقادة الشعب ، وقد أتضح له لكي ينفذ إلى هدفه عليه أن يتخلص من المماليك ويصبح الطريق حينئذ مفتوحا امامه للسلطة ، والأن يمتلك قوتين تمكنانه من هذا كما أشرنا سابقا ، الأولى وهي قوة الأرتباط بالشعب وعن طريقها يكسب شرعية لسلطته ، والقوة الثانية : الجيش الذي يحسم به الموقف وفعلا إنحاز إلى الشعب في ثورته على المماليك ، ثم أمر جنوده فهاجموا المماليك حتى فر البرديسي وإبراهيم ، وإرضاء للشعب أبطل محمد على الضريبة التي كان البرديسي قد فرضها على التجار وأصحاب العقارات . وبهذا أصبح يمثل في نظر الشعب آماله وأمانيه في التخلص النهائي من حكم المماليك . ثم أنحاز مرة أخرى إلى جانب الشعب في ثورته الثانية ( الرابعة منذ الحملة الفرنسية ) على الوالي التركي . هذه الثورة المجيدة التي انتهت بان نودي به واليا على مصر بمعرفة مشايخ المسلمين وكبير الأقباط أنئذ المعلم جرجس الجوهرى . والتجار والأعيان .( 1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
1- دراسات في تاريخ مصر السياسي – فوزي جرجس – تقديم جلال السيد – العربي للنشر والتوزيع ص 33 .
- ونعود بالحديث عن قضية الوعي القومي الذي ظهر عند المصريين من جراء تلك الأحداث فهل كان هذا الوعي عميقا قويا يكسبون به المواقف أم كان فجا ضعيفا غير قادر على شيء ، لقد تبلور ذلك الوعي وأصبح واضحا في ثورة مايو التي قام بها المصريون -كما قلنا -إذ أستمرت من أول مايو حتى 9 يوليو سنة 1907 م حتى ورد الفرمان التركي من الأستانة لتعيين محمد على باشا على عرش مصر حيث رضي به شعب مصر من العلماء والتجار والحرفيين ، وتعود أهمية تلك الثورة إلى أنها كانت ضد الدولة العثمانية لأول مرة وظهرت فيها الوحدة الوطنية من مسلمين ومسيحيين وكأنهم كتلة واحدة .
والمتأمل في اسباب قيام تلك الثورة يجدها قد قامت على دافعين الأول : الدافع الاقتصادي حيث الضرائب الباهظة التي كان يفرضها الوالى التركي على الرعية والثاني : وهو التخلص من الحكم التركي وهذا وعي أنضجه الصراع الدامي ضد القوات الفرنسية من ناحية والكره الشديد للمماليك القائمين على النهب والسرقة من ناحية أخرى . وعلى العموم فإن تلك الثورة قد حقتت هدفها بان عزلت الوالي التركي وأقامت محمد علي واليا علي مصر والذي ستبدأ به مصر عهدا جديدا .
ولكن يبقي لدينا تساءل مثير للغاية نحو الزعامة الشعبية بما كان لها من مكانة وحب بين المصريين أمثال عمر مكرم وأخضعه هو بالحديث العجيب هنا ، فإن هذا الرجل والجمهور الذي يعشقه يسعون جميعا إلى رجل أجنبي يملكونه على المصريين ولم يتقدم هو ، ولو حدث ذلك سوف يجد إقبالا من الشعب . فكيف كانت حال القوي الثورية آنذاك وهل كانت الظروف سانحة بأن يتولى على البلاد والي مصري .
لم يستطع عمر مكرم ان يصل إلى السلطة وقد ظهرت قدرته العجيبة على تهييج الجماهير وحشدها وعلى الرغم أيضا من قيام هذا الرجل بمجهود ثورى في حشد وتعبئة الشعب إلا أنه لم يجد الطبقة التي يستند إليها لكي يجمع لنفسه نتاج هذا المحصول الثورى الذي قطف ثماره محمد على ثم تنكر له بعد ذلك ! إن الوعي لدي المصريين كان بدأ يتفتح لكنه كان فجا وغير قادر على تحديد معالم الطريق فهو وعي غير قادر ينقصه التوجيه وحسن التصرف وعدم القدرة على الإحساس بالموقف وكان محصورا داخل المدن ولم يصل إلى الريف بعد ، كما أنه وعي لا يستند إلى تملك رجالها لوسائل إنتاج راقية ، فكانت الاحداث أسرع وأضخم من النضج الاقتصادي والاجتماعي ، لذلك تركت السلطة لهذا المغامر التركي الذي ربط مصيره بمصر وهى تمر بتلك الأحداث ، إن وصول هذا الرجل إلى الحكم يبين رغبة الشعب في الأستقلال والتطور ولكن تنقصه السياسة التي تمكنه من تنفيذ هذه الرغبة ، ولعل محمد على عندما خاض الحروب العديدة وأعتمد على التجار والمثقفين والحرفيين كان في ذهنه هو الوصول إلى السلطة فحسب ويهلك ما عداها .
وبوصول محمد على إلى السلطة انتهي النظام المملوكي فعلا وإن بقي يعيث فسادا في البلاد وقد أنتهت به مرحلة من مراحل الإقطاع المملوكى شكلا في مصر والتي ظلت حوالي 555سنة منذ أن وصلت المماليك البحرية إلى الحكم عام 1250 م إلى أن تولي محمد على السلطة عام 1805م . والعجيب أن محمد على لم يقض على النظام الإقطاعي نفسه بل غير شكله وتمركزت السلطة الإقطاعية في يد محمد على وكون دولة مركزية إقطاعية ، وظل أسلوب الإنتاج إقطاعيا كما هو ، يمتلك الوالي الأرض الزراعية كلها ثم يقطعها أو يهبها للأمراء والقواد والأعراب كما شاء .
لقد وصل محمد على إلى السلطة وأمامه مشاكل عديدة لكي يثبت سلطته وأول هذه المشاكل هي تركيا فقد كانت تعمل بكل الطرق لإعادة سيطرتها على مصر وكانت المشكلة الثانية وهي انجلترا التي تتربص بمصر لإحتلالها وللسيطرة على منابع المواد الخام والمشكلة الثالثة القيادة الشعبية التي أتت به إلى السلطة ويريد التخلص منها ، وأخيرا مشكلة المماليك الذين يتطلعون لإفساد البلاد وإثارة المشاغبات في شوارع مصر . هذا عن الجانب السياسي ، أما عن الجانب الآخر وهو الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي فسوف ينهض بها محمد على وذلك في مشروعه الكبير والذي ينادي فيه بإنشاء جيش قوى وتحويل مصر إلى دولة حديثة بانتشار التعليم وإرسال البعثات إلي الخارج وإقامة المصانع .
- كانت مذبحة المماليك في القلعة والتي خطط لها محمد على سرا من أهم بواعث الحراك الإجتماعي منذ أنفراده بحكم مصر ، لقد وصلت العلاقة بينهما إلى طريق مسدود وكان من الصعب على المماليك أن يقبلوا بالأمر الواقع ، وعليهم الإنزواء إلى السكون والدعة وينعمون بالحياة التي هيأها لهم محمد على ولكنهم تآمروا عليه وحاولوا إغتياله ، وقد فشلوا في ذلك وأيقن محمد على أنه لا أمل له في البقاء على عرش مصر إلا بالقضاء على المماليك الذين ينازعونه السلطة ، وهو إنسان فطر على الاستبداد ولا يقبل شريكا معه في الملك فأخذ يفكر في إحكام خطة للقضاء عليهم فكيف كانت تلك الخطة ؟ أعرب محمد على عن رغبته في الصلح مع المماليك والسماح لهم بالعودة إلى القاهرة ليعيشوا في وئام وقبلوا العرض وتوافدوا إلي القاهرة وخلعوا رداء الحرب وأصدر محمد علي بيانا بالأمان العام والصفح عن امراء المماليك ، وقامت خطة محمد على باشا على السرية التامة ووضعت ترتبات المذبحة أثناء العرض العسكرى لكتائب الجيش بحيث يتحرك الموكب وفي طليعته فرقة الفرسان الدالاة ثم والي الشرطة ، ثم الأغا ( محافظ القاهرة ) ثم المحتسب ، ثم فرقة الوجاقلية ، ثم كوكبة من الجنود الأرناؤوط يقودهم صالح قوش ، ومن بعدهم جماعة أمراء المماليك ، ومن بعدهم بقية الجنود الأرناؤوط فرسانا ومشاه ، وعندما حانت اللحظة الحاسمة أثناء العرض العسكرى دوى النفير ودقت الطبول ونهض محمد على فهب المماليك وقوفا ، وبادلوه عبارة الود والتحية وفي اللحظة المناسبة أنهمر الرصاص على المماليك من فوقهم وعن يمنهم وعن شمالهم ومن ورائهم وسدت منافذ النجاة أمامهم وقضي عليهم جميعا وتكدست جثثهم بعضها فوق بعض وعددها 470 قتيلا ولم يفلت من المماليك سوي أمين بك الذي وصل إلى الموكب متأخرا فلما سمع أصوات الرصاص هرع إلى صور القلعة وهوى بحصانه إلى الأرض ونجا من الموت وهرب نحو سيناء .
وقد أختلفت آ راء المؤرخين في تلك المذبحة : يقول عبد الرحمن الرافعي بعد أن شرح تفاصيل المذبحة بكل دقة نحن لا نريد أن ندافع عن المماليك وقد سجلنا مساوءهم التي أرتكبوها ولكن مهما بلغت سيئاتهم فإن القضاء عليهم غدرا أمر تئباه الأنسانية ولو أن محمد على باشا استمر في محاربتهم وجها لوجه حتى يتخلص منهم في ميادين القتال لكان ذلك خير له ولسمعته ويري الرافعي أن مذبحة القلعة كانت نقطة سيئة في تاريخ محمد على .
بينما حاول بعض المؤرخين تبريرها وقد أضطر محمد على إلي ذلك دفاعا عن نفسه فقد كادوا له حينما ذهب إلى السويس لتفقد السفن الناقلة للجنود المعدين لحرب الوهابين في الجزيرة العربية .
- كان الحراك العسكري في عهد محمد على من أهم القضايا التي أثرت فى الحراك الاجتماعي وإن طغي الحراك العسكرى واثر على الحراك الاجتماعي تأثيرا شديدا ، فقد عاني منه المصريون على الرغم من ضرورته فقد عاشت مصر قرونا بدون جيوش وطنية كانت تسند فيها مسؤلية الدفاع إلى المرتزقة الأجانب وفي بعض الفترات القليلة كان يسمح للمصريين بخدمة الجيش دون أن تتاح لهم فرصة للترقي إلى صفوف الضباط ومن المحزن أن حكام مصر الذين اعتلوا عرشها كانوا حريصين على إبعاد المصريين عن الجيش حتى لا تنبت لهم أظافر وطنية يدافعون بها عن بلادهم . هكذا كان حكم مصر تحت اليونان والبطالمة والقياصرة الرومان والولاه العرب وخلفاء الفاطميين وسلاطين الأيوبيين وسلاطين المماليك والدولة العثمانية .
وإذا كانت مصر حققت مكانا مرموقا ومركزا استراتيجيا وسيادة على المنطقة العربية فلا يمكننا أن ننكر أن هذا قد تحقق على أيدي المماليك العبيد وعلى أكتاف هؤلاء تحقق نصر حطين والمنصورة وعين جالوت وكان المصريون بلا شك بمعزل عن هذه الجولات الحربية إذ خاف الحكام من تجنيدهم ، وتوالت العصور والحقب والمصريون في غيبة عن الحياة العسكرية والمعارك القتالية ، مما أدي إلى تدهور الروح المعنوية وفقدان الحس القومي وضعف الشعور بالإنتماء إلى وطن يتعين عليهم الدفاع عنه والإحساس به . وظل شعبنا المصري الطيب على هذه الحالة إلى أن جاء محمد على وأحتاج إلى جيش مصري قوى ليساعده على تحقيق أهدافه ومطامعه في التغلب على الدولة العثمانية ومحاولة إضعافها ، ثم تكوين دولة قوية تكون عدة له ولأبنائه من بعده وهذا هو مشروعه الوحدوى الكبير وادرك أنه لن يحقق مشروعه إلا بأنشاء جيش قوى ، ولكي ينشأ الجيش القوى والبلد الناهض عليه أن يقيم المدارس العالية والمتوسطة ويرسل البعثات ويقيم الصناعة في البلاد .
- ووجد محمد علي أن العناصر الموجودة من المماليك الباقية لا تصلح للتجنيد فقد يصعب إصلاحهم أو تطويعهم لتقبل مقتضيات الحداثة والإصلاح ، فقد كانت فرسان المماليك غير قادرة على أن تستوعب فنون القتال الحديث التي فوجئ بها المماليك والمصريون أثناء حملة نابليون وأن العناصر القتالية آنذاك من المماليك لا يجيدون إلا الكر والفر على صهوات الجياد واستخدام السيوف والسهام والحراب وهي أدوات عفا عليها الزمان ولم تعد صالحة في وجه الأسلحة الحديثة .
لقد حاول محمد على في ذلك سبلا كثيرة يتجنب فيها تجنيد المصريين ، فحاول ان يجمع جنوده العائدين من حرب الوهابيين وأعد لهم معسكرات وصارحهم بانه يريد إدخال النظم الجديدة في صفوفهم ، وبعد فترة من المعارضة والشغب فشل هذا المشروع وخرج بتجربة انه لا يمكن أن يعتمد على هؤلاء الهمج في تأسيس الجيش النظامي لمصر الذي يحلم به ، وبدأ يتجه إلى عناصر أخرى ثم هداه تفكيره أن يكون أمر إنشاء هذا الجيش في سرية تامة ، وان يكون بعيدا عن القاهرة حيث المشاغبيين ، فأختار أسوان ، وأمر ببناء السكنات بها التي تصلح للتدريب ، وبعث إليها بألف جندي من خاصة مماليكه ومماليك أعوانه ليكونوا النواه الأولى لضباط الجيش المصري المدرب على النظام الحديث ، ثم وقع أختياره على المدرب الذي يصلح لهذه المهمة فأختار ضابطا فرنسيا الكولونيل ( سيف ) الذي أسلم بعد ذاك وأصبح أسمه ( سليمان باشا الفرنساوي ) ثم أخذ يفكر في تكوين الجيش النظامي من الجنود فأتجه تفكيره إلى تجنيد السودانيون فأحضر عشرين الفا من أبناء كردفان وسنار وأقام لهم معسكرات خاصة في الصعيد على أن يتولي تدريبهم الضباط الذين تخرجوا على يد سليمان الفرنساوي ولكن التجربة فشلت بسبب أختلاف المناخ مما أدي إلى موت الكثيرين منهم ، ولعلنا بعد ذلك كله ندرك هدف إحجام ( محمد على ) تجنيد المصريين حتي هذه المرحلة ، ولعل السبب واضح ؛ وهو خوفه من تجنيد المصريين حتى لا ينتشر الوعي القومى وحب الوطن والولاء له في نفوس المصريين وهذا أمر يضر بمشروعاته وأهدافه ومطامحه .
وأخيرا أقدم محمد على باشا على الخطوة التي أحجم عنها بهدف وقصد إذ قرر تجنيد الفلاحين المصريين وأقدم على الخطوة التي أبى أن يقدم عليها حكام مصر على مدي 23 قرنا . وهي السماح للمصريين بممارسة المهن العسكرية وتحمل عبء الدفاع عن وطنهم . وإذا كنا – نحن المصريين – نحمد لمحمد على هذه الخطوة على كره منا إلا أنه كان لها ما لها في ترسيخ الحس القومي ، وإن جاء على مضض ؛ فقد كان قاسيا في تجنيد الفلاحين المصريين وانتهج طرقا غير انسانية في جمع الفلاحين قسرا وقهرا وتقييدهم في الحبال وسوقهم كالدواب إلى معسكرات التجنيد .
وهذه الطريقة التي اتبعها محمد على في تجنيد المصريين قهرا بكل قساوة وعنف كما كان لا يدعوهم إلا بالفلاحين إحتقارا لشأنهم وإمتهانا لأدميتهم وهذا أمر غريب ، فهذا الشعب الذي أهين أدميته هكذا هو الذي أختاره وأنتخبه لحكمه وأن الأساليب التي اتبعها لجمع المجندين منفرة إلي أبعد الحدود ، الأمر الذي جعل المصريين يكرهون الجندية والتي كانت تسمي الجهادية . آنذاك .
فكان محمد على يكلف مدير كل مديرية بجمع العدد المطلوب ، وهذا بدوره يوزع العدد على القرى الكائنة في اختصاصه ، فيقوم العمد والمشايخ – بمعاونة الجنود بالانقضاض على القرى فجاة ، فلا يلبث أهلوها أن يروا الأبناء وقد سيقوا – وهم مصفدون بالأغلال كالمجرمين تماما – إلى عاصمة المديرية ، دون تمييز بين العجائز أو الأصحاء أو المرضي أو ذوى العاهات أو الصبية ، وتوضع في أيديهم الأغلال يتبعهم اقاربهم من النساء والأطفال بالنواح إلى مكان الفرز ، وهكذا لم يكن التجنيد يسير على نظام معين أو ترتيب للأسماء ، بل إن القوة الغاشمة التي هي أشد عمي من الحظوظ والمصادفات هي وحدها التي تلقي بالجنود في أحضان الجيش وهي في وضع من أشد ما عرف عسفا ووحشية . وفي بعض الأحيان كانوا يقبضون على المارة او الزوار لإدخالهم في زمرة المجندين إلى غير ذلك من اعمال الغش والاحتيال والرشوة والانتقام من الخصوم .( 1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- أنظر الجيش المصري في القرن التاسع عشر – د: محمد محمود السروجي- وأنظر أيضا محمد على وأولاده – مكتبة الأسرة 99 – الهيئة المصرية للكتاب .جمال بدوي ص 94 .
وقد تحدث المؤرخ عبد الرحمن الرافعي عن تجنيد محمد على للمصريين وقد برر اعماله التعسفية التي استخدمها في تجنيد الفلاحين ويعزوا ذلك إلى أنهم لم يألفوا الخدمة العسكرية منذ أجيال بعيدة ، وهذا نقص كبير في أخلاق الشعب الحربية ؛ لأنه ما من أمة تنزع إلى الأستقلال وتقدس الحرية إلا وتجعل الخدمة العسكرية فرضا حتما على أبنائها فلما شرع محمد علي في تأهيل المصريين قابل الفلاحون هذا المشروع بالنفور والسخط ولم ينتظموا في صفوف الجندية إلا مكرهين فكانت الحكومة نتيجة لذلك تقبض على المجندين وتسوقهم قسرا إلى المعسكرات ( 1) .
وكان للإمام محمد عبده رأيا ناقدا وجيها في تجنيد محمد على للمصريين ( يقولون انه أنشأ جيشا كبيرا فتح به الممالك ودوخ به الملوك وأنشأ أسطولا ضخما تثقل به ظهور البحار : فهل علّم المصريين حب التجنيد ، وأنشأ فيهم الرغبة في الفتح والغلب وحبب إليهم الخدمة في الجندية ، وعلمهم الأفتخار بها ؟ لا : بل علمهم الهروب منها ، وعلم أباء الشبان وأمهاتهم أن ينوحوا عليهم معتقدين أنهم يساقون إلى الموت ) . ثم يقول أيضا هل شعر مصري بعظمة أسطوله أو بقوة جيشه ؟ وهل خطر ببال أحد منهم أن يضيف ذلك إليه ؛ بأن يقول : هذا جيشي وأسطولى ، أو جيش بلدي وأسطوله ، كلا لم يكن شيء من ذلك ، فالولاء للجيش والوطن . ثم يعلق على سرعة هزيمة ذلك الجيش من أول صدمة عندما جاء الإنجليز لإخماد ثورة عرابي إذ دخل الإنجليز مصر بأسهل ما يدخل به دابر( 2)على قوم ثم أستقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن أستقلالها) (3 ) .
وقد كانت سياسة التغريب وإرضاء الغرب أثرها الكبير على الحراك الإجتماعي للمصريين في هذه الحقبة إذ خطا محمد على خطوة أخرى أمتد فيها حبل الموالاه والمودة للغرب الإستعماري إذ فتح البلاد على مصراعيها لأفواج النصاري للبحث والتنقيب وإكتشاف الآثار ، ودراسة الأماكن دراسة دقيقة وقد رحب بهم وذلل لهم كل الصعاب( 4) .
وإن كانت تلك الخطوة تعود على مصر ببعض النفع المادي والعلمي إلا أن بعض الكتاب يرون أن أضرارها كانت كثيرة فقد تجاوز هؤلاء النصاري هدفهم الرئيسي من تلك العمليات من تنقيب وغيره ، إذ وضعوا أيديهم على مراكز الثروة من ناحية ، وأن دراستهم للمواقع دراسة تخطيطيه قد أفادتهم بلا شك في إحتلال مصر سنة 1882م . والعجيب أن الكثير من هؤلاء المنقبين كانوا من الإنجليز .
إذن قام هؤلاء المنقبون بحجة إقتصادية ، حيث قامت شركات إقتصادية ضخمة ليس هدفها الأساسي هو الاستثمار فقط ، يقول أحد المستشرقين : في كتابه الشرق الأدني مجتمعه وثقافته :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- - محمد على وأولادة – جمال بدوي ص 96 .
2- - الدابر هو الذي يدخل على القوم دون أستأذان
3- - أعلام وأقزام في ميزان الإسلام – د / سيد بن حسين العفاني ج1 ص 11.
4- أعلام وأقزام في ميزان الإسلام ج3 571 ، 617 .
( إننا في كل بلد إسلامي دخلناه ، نبشنا الأرض لنستخرج حضارات ما قبل الإسلام / ولسنا نطمع بطبيعة الحال ان يرتد المسلم إلى عقائد ما قبل الإسلام ، ولكن يكفينا تذبذب ولائه بين الإسلام وبين تلك الحضارات .. ) .
وقد لا تخلوا أعمال هؤلاء المنقبين والمستثمرين من أهداف أخرى يخططون لها وإن كان هذا العمل قد يري من منظور المصلحة والتقدم الحضاري الذي يعيشه الغرب آنذاك ، وقد ركزوا التنقيب على الآثار ولاسيما آثار ما قبل الإسلام التي أبهرت العالم ومن خلال هذه الآثار الفرعونية التي لعب على أثرها بعض المستشرقين لذبذبة ولاء المسلمين لإسلامهم ولحضارتهم ونعوا الإسلام وحضارته بالتخلف حتى أصيب بعض الشباب بالحيرة والثنائية بين تلك الآثار العجيبة وبين آثار الإسلام ، ويري بعض المؤرخين أن محمد على هو أول من فتح الطريق وساعد هؤلاء الأجانب بتنفيذ مخططاتهم والوصول إلى أهدافهم بفتح البلاد شرقا وغربا ، هذا وإن كان محمد على قد أباح للغرب التنقيب أو البحث عن الآثار فهذا يعد بلا شك حسنة تحسب له وليست عليه فإن الأجانب بما يمتلكونه من وسائل حديثة وآلات وتقدم تكنولوجي غير موجودة في مصر فقد أفادتنا كثيرا حتى نساير الركب الحضاري العالمي وهذا هو سبب الشهرة التي تنالها اليوم آثار مصر في بلدان العالم أجمع .
- وكانت فرنسا من أكثر الدول التي استفادت من حراك محمد على نحو الغرب ، إذ كانت تلك الدولة قد أحتضنت محمد على وأيدت أغلب أهدافه وقدمت له الخدمات طائعة فإنها لم تفعل ذلك حبا في محمد على وإنما من أجل أن تستفيد من وراء مخططاته فعلى سبيل المثال ، ساعدته في تكوين جيش قوى مدرب على أحدث الأساليب ومجهز بأحدث الأسلحة وأشرف على إنشائه سليمان الفرنساوي ، كما أنشأت له أسطولا بحريا حديثا وترسانه بحرية في دمياط ، وأنشأت القناطر الخيرية لتنظيم عملية الري في مصر . كل هذا وغيره ليس حبا في مصر أو في محمد على وإنما كان ذلك لتنفيذ المخطط الذي عجزت الحملة الفرنسية عن تنفيذه بعد أن أضطرت للرحيل ، وكانوا يهدفون من وراء ذلك كله إستخدام ذلك الجيش وذلك الأسطول العربي المسلم لضرب كيانات عربية إسلامية أخرى ، وكان على رأس مخططاتهم الخبيثة القضاء على الدولة العثمانية ، وبالفعل حارب محمد على تركيا في معارك برية وبحرية ليضعف قبضتها على مصر وينفرط عقد تلك الدولة المسلمة إلى دويلات تتلقفها الدول الأخرى ، وحين حقق ذلك الرجل إنتصارته تلك التي أذهلت بريطانيا وفرنسا ، والتي كاد أن يقضي بها على الدولة الإسلامية العثمانية ، تدخلت بريطانيا وأوقفت زحفه نحو تركيا خوفا من أستئثار فرنسا بصداقة السلطان وإزدياد نفوذها في مصر . وإذا كانت بريطانيا أوقفت محمد على عند حده في الظاهر ، إلا أنها ضمنت له الاستقلال الفعلى لحكم مصر حكما وراثيا له ولذريته مع التبعية الأسمية للسلطان العثماني.
ومن الأعمال الإجرامية التي خدمت مخططات الغرب ضد الإسلام ، هو قيام محمد على بضرب الاتجاه الإسلامي السلفي في الجزيرة العربية متظاهرا بطاعة السلطان العثماني الذي فقد السيطرة على الجزيرة العربية ، ومما لا شك فيه كان هذا ستارا لتنفيذ مخططات بريطانيا وفرنسا .
إذ رأتا الوجود السعودي آنذاك يشكل خطرا على مصالحهم في الخليج العربي والبحر الأحمر . وقد شارك في تلك الحملة ضباط فرنسيون وجنود من النصاري الغربيين. (1 ) وإذا كان محمد على قد بالغ في تغريبه للعالم الإسلامي فإن هذا التغريب قد أثر على الحراك الاجتماعي تأثيرا كبيرا حيث أتجه هذا التغريب اتجاهين هما :-
1- ابتعاث الطلاب الشباب من النابهين إلى أوروبا ليتعلموا هناك .
وإذا حللنا هذه النقطة لوجدنا ظاهرها عملا جيد إذ من مصلحة البلاد أن يتعلم الشباب العلوم الحديثة التي تطورت في أوروبا وأن يقفوا على أسرار الحضارة الغربية ، ولكن على ما يبدوا أنا إشراف الدولة على هؤلاء الطلاب لم يكن دقيقا ، وأن الهدف لم يتحقق كما يقول الشيخ محمد قطب إذ بذور العلمانية بدات تدخل ساحة التعليم ومن ثم غزت الحياة في مصر الإسلامية ( 2). فعاد أغلب هؤلاء الشبان حاملين تلك الفكرة والتي حاول الغرب أن يعمل على انتشارها وخاصة قد سبق مصر إليها تركيا عن طريق المبتعثين أيضا ثم قام مصطفي أتاتورك بفرضها على البلاد وإقصاء الدين جانبا عن الحياة .
وقد كان من هؤلاء المبتعثيين الشيخ رفاعه الطهطاوي وكان إماما لإحدي البعثات وشيخا لها فقد عاد حاملا معه بذور التغريب والعلمنة للدعوة إلى تحرير المرأة وساهم بقسط وافر في زعزعة عقيدة الولاء والبراء وإن كان عن غير قصد وذلك بإغراقة في مديح أوروبا والثناء عليها في كتب كثيرة ولعل من أبرزها كتابه في مدح باريس ( تخليص الإبريز في تلخيص باريز ) .
والغريب أنه قد تم إرسال أطفال بين الثامنة والتاسعة من الأسرة المالكة إلى أوروبا ، إذ أرسل الخديوي توفقيق نجليه الأميرين عباس حلمي وعمره أثنتا عشرة سنة ، ومحمد على وكان عمره عشر سنوات حيث أرسلهم إلى سويسرا وهذه الطريقة الخاصة بأبناء الملوك العرب أو السلاطين أو الأمراء هي الطريقة التي تبنتها أفكار الصهيونية والتي دأبت على أستقبال هؤلاء المبتعثيين من الأمراء الصغار للتعرف عليهم والأختلاط بهم حتى يجنوا الثمرة عندما يكونون حكاما في بلادهم وهذه هي القاصمة الكبري التي أصابت الحكام المستبدين في بلادنا وكيف تلعب بهم الصهيونية والغرب ويأثرون في صنع القرار .
2- إنشاء نظام تعليمي جديد على نسق الأنظمة التعليمية في الغرب.
أما السياسة التغريبية الثانية التي أتبعها محمد على فهي إنشاء نظام تعليمي جديد على نسق الأنظمة التعليمية في الغرب ، وقد يخالجنا العجب في السياسة التعليمية التغريبية هذه فكيف لذلك الرجل الجاهل الأمي أن يميز بين تعليم أزهرى متخلف لا يحقق له أغراضه وتعليم أوروبي متطور يري أنه الوسيلة الوحيدة لتحقيق أغراضه وجموحه ، وقد يزول العجب والغرابة عندما ندرك ما هية الحاشية التي تحيط به فأغلبها نصاري ويهود وخبراء فرنسيين ، من هذا المنطلق أدار محمد على وجهه عن الأزهر والكتاتيب وجعلها في ناحية وفي ناحية أخرى أقام نظاما تعليميا قائما بنفسه مقتبسا من الغرب . وبهذا أحدث نوعين من التعليم يتجازبان تعليم الشباب في مصر . مما أصاب شباب الأمة بثنائية رهيبة كان لها أثرها في مجالات عديدة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين – دكتور سليمان بيومي – سلسلة عالم المعرفة – جدة ص187 ، 189 .
2 - واقعنا المعاصر ص207 .
- ومن المآخذ التي أخذت على محمد على وكان هذا في مقدوره - ولكنه لم يستطع - أن ينسلخ عن مخططات الغرب أقول : كان في مقدوره إصلاح الأزهر ونظامه التعليمي ووضع الإمكانات اللازمة في هذا النظام كما وضعها في التعليم التغريبي الحديث . ولا ريب في ذلك فإنه لم يهدف من التعليم تنوير المصريين والنهوض بهم كما تفعل بلاد أوروبا وشعوبها ، ولكن كان هدفه الأسمي مقصورا على الإستفادة من التعليم في إنشاء الجيش القوى حتى تلك الصناعات التي أقامها في البلاد ، فلم يكن هدفه نهضة الصناعة في مصر وتعليم المصريين العديد من الحرف والصناعات ، ولكنها كانت صناعة مخصصة للجيش ، ولعل كان هدف محمد على الذي كان يرمي إليه من التعليم الجديد إلغاء دور الأزهر بالمجتمع ، ومن ثم القضاء عليه بصورة غير مباشرة . وسوف يتضح ذلك جليا عندما يقوم بفتح العديد من المدارس ذات النظام الغربي ومميزاته العالية التي تؤهل الدارسين فيها لتتولى المناصب الهامة والأعمال الرفيعة في دولة محمد على .
ولكن ابتعاد الأزهر عن مجال التوظيف أو عدم اتخاذه الأهبة لإعداد تلامذته بما يؤهلهم للحياة وللمجتمع الذي يعيشون فيه آنذاك ، لم يلبث أن باعد بينه وبين كثير من خاصة الناس وصرفهم عنه إلى حد كبير . فقد كانت المناصب التي يصيبها خريجو المدارس ، والثراء والاحترام اللذان يحظون به ويستهويهم يدفع الآباء لدخول أبنائهم لكل المدارس . التي أنشأها محمد على بديلا عن الأزهر .
وهل يكون إلغاء دور الأزهر وتحجيم أنشطته إلا بصرفه عن مجالات التوظيف في الحياة ، أو على الأصح بصرف مجالات التوظيف عنه ...؟ وقطع صلته بالحياة العامة ؟
وحين انشأ محمد على مدارسه الحديثة كان محتاجا إلى معلمين للغة العربية ولم يكن هناك بالطبع غير الأزهر .
لذا فقد اتجه محمد على إليه وأخذ منه ما يكفي مدارسه من المعلمين ، فكانوا فريقا هاما من موظفي المدارس .
ولكن يا ترى كيف كانت معاملته لهؤلاء الازهريين الذين أعوزته الحاجة إليهم وقاموا بدور كبير في تدريس اللغة العربية وفروعها داخل المدارس التي أنشأها كما يشهد بذلك كل من كتب في التعليم في ذلك العصر ..؟
يجيبنا على ذلك الدكتور أحمد عزت عبد الكريم فيقول :
( وكانت الحكومة تعلم أنهم لم يكونوا يمنحون في الأزهر مرتبات كبيرة ، ولهذا نراها تبخل عليهم بتلك المرتبات وترى أنهم إنما يقومون ( بمقاصد خيرية ) ثوابها عند ربهم ! فقد كان هناك مدرسون بل رؤساء مدرسين قضوا بمدارسهم اثنا عشر عاما لا يصيبون من الحكومة إلا مائتي قرش في الشهر ، وهو قدر ضئيل يناله خريج مدرسة خصوصية حديث العهد بالوظائف ، ثم هي تبخل عليهم بعد هذا ببضعة قروش تضيفها إلى مرتباتهم ( 1).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-- أعلام وأقزام ص24-26 .
من هذا يتضح مدي البغض والاحتقار الذي كان يكنه محمد على للأزهر ورجاله وليس هذا بمستغرب على رجل داهيه في الحياة جاهلا أمي استبد به الغرب فإن القائمين على التعليم في عهده كان معظمهم من الغربيين فمجلس شوري المدارس وهو الهيئة العليا للتخطيط والتنفيذ كان جميع أعضائه من الأجانب ما عدا ثلاثة .
ولم يكتف محمد على بغض الطرف على الأزهر وعلى ما هو ديني فقام بالاستيلاء على الاوقاف التابعة للأزهر وضمها للدولة وبذلك أحكم السيطرة على المشايخ والقائمين على التعليم من رجال الأزهر ( 1) وحتى الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم والعلوم الأولية للناشئه قد أغلقت بسبب تعطيل أوقافها ( 2) ويذكر الشيخ محمد عبده ان ما أبقاه محمد على من أوقاف الأزهر والأوقاف الأخرى لا يساوي جزءا من الألف من إيرادها ( 3) .
ويقول المؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي :
( كان محمد على دكتاتورا مستبدا ، ومثل هذه الشخصية سرعان ما تخضع لأراء الغرب إذ أمكنه تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعاله في مصر )
ومن هذا المنطلق يمكننا القول إن محمد على قد أحتوته الدول الغربية وأخذ يسير في فلكها وخاصة أنهم أستغلوا مفتاح شخصيته فهو مجنون بالعظمة غليظ القلب قاسي الطبع ضعيف الديانة أو عدمها وهذه الصفات هي التي ينشدها المستعمرون دائما في حكام الدول المختلفة والنامية وبخاصة التي يكثر فيها الإنقلابات .
وقال الرحالة الإنجليزي ( كنغليك ) الذي زار الشرق الإسلامي في الثلث الأخير من حكم محمد على 1252 – 1253 هـ ( 1833 - 1834 م ) حيث يذكر تآمر الباشا المفتون ، وذكر تبعيته للغرب وعدم استقلاله الكامل بإصدار القرار إلا بعد موافقة أسياده عليه )( 4) .
ومع عظم الهاله التي احيط بها محمد على من قبل المستشرقين ومن أقتفي أثرهم من المؤرخيين القوميين والعلمانيين حول ما قام به من إصلاحات في كثير من المجالات التعليمية والاقتصادية والعسكرية إلا انه من الثابت من مسيرة محمد على أنه يكره المصريين ويحتقرهم فقد قال أحدهم : إن محمد على كان يحب مصر ولم يكن يحب المصريين وكان خير مصر يستغله في ترضية أسياده من الفرنسيين والإنجليز فيقول الدكتور سليمان الغنام في كتابه قراءة جديدة في سياسة محمد على باشا التوسعية ) أن محمد على كان متواطئ مع الفرنسيين عند أحتلالهم الجزائر فقد هم أن يقوم بنفسه بإحتلال الجزائر كما أمره أسياده إلا أنهم رفضوا في النهاية حتي لا تؤدي هذه العملية إلى تهييج المسلمين وإثارتهم بعد أن ينكشف أمر عميلهم وأكتفوا أن يزودهم في الجزائر بالغلال. (5 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
1- قراءة جديدة في تاريخ العثمانيين ص 179 .
2- الجبريتي عجائب الآثار ج3 ص478 .
3- مذكرات الإمام محمد عبده – دار الهلال – طاهر الطناحي ص44 .
4- أعلام وأقزام ص29 .
5- 4 - ( قراء جديدة .... مرجع سابق ص 48 .
- ومن أكبر المحن التي لصقت بمحمد على هو الغدر بالحراك الإجتماعي وتنكره للزعامة الشعبية التي أختارته وأحتضنته فقد أمر الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الأزهر بلزوم داره وعدم الخروج منها ولا حتى صلاة الجمعة وكذلك العلماء الذين أوصلوه إلى سدة الحكم ولكنه ما إن ثبت أقدامه حتى أزاح الجميع عن سدة الحكم .
فكان أول عمل قام به نفي نقيب الأشراف ( عمر مكرم ) إلى دمياط وهو الرجل الذي أوصله إلى السلطة وأول من بايعه ، والمشكلة أن العلماء الذين أوصلوه إلى الملك للأسف الشديد لم يكونوا على قلب رجل واحد فقد رأوا ظلمه واضحا والمغارم التي أحدثها يدركها الجميع وقد أبطل دروس الأزهر أقول للأسف الشديد فقد كان في زمرة علماء مصر آنذاك الانتهازيون وطلاب المناصب وذلك مصيبة كل عصر وأن ما أتى للناس من مصائب وأضرار قديما وحديثا إلا من قبيل هؤلاء العلماء الذين رغبوا في الفاني عن الباقي وهل تمكن الطغاه والمتجبرون إلا على أكتاف هذه الفئة من العلماء . وهذه الفئة الضالة بلا شك هى داء كل عصر ، وهى سبب طغيان الحكام واستبدادهم .
وها نحن اليوم نرى ذلك واضحا مع علماء السلطة والفقهاء الذين باعوا ضمائرهم وأفتوا بعدما شربوا الشاي بالياسمين فحرضوا على قتل أصحاب الرأي الحر واتهموهم بأنهم خوارج ذلك العصر ، وفيهم من اشتدت حماسته متطلعا إلي نصيب أكبر من الكعكة فأدعي أن من قام بالإنقلاب إنما هو نبي مرسل .
ومن الأمور التي أود أن أشير بها على القارئ أن يقوم بالتأمل في دور محمد على وخاصة موقفه المستجيب دائما للغرب أن يتأمل فيه موقفه كزعيم فما أشبه اليوم بالبارحة . وأن يقارنه بزعماء آخرين قاموا بنفس الدور وأخذوا نصيبهم في التاريخ من شهرة وتقدير فقد تمكن محمد على من نقل مصر من ثقل موقعها في الكتلة الإسلامية إلى دولة تابعة للغرب يملي عليها السياسات والقرارات التي في مصلحتهم ، وقد كانت لتلك السياسة أثرها في الحراك الإجتماعي للمصريين في تلك المرحلة على النحو التالي :
- سواء أكان محمد على واعيا لمخطط الغرب أو مستغلا من قبله هذا أمر شكلي لايهم ولكنه على أية حال قام بتنفيذ المخطط كاملا وإذا ما قارنا حركة محمد على بحركة مصطفي كمال أتاتورك ومن بعدهما حركة جمال عبد الناصر نستطيع أن نأكد أن محمد على كان واعيا للدور الذي يقوم به وضالعا فيه ويستوي أن يكون ضالعا أو مستغلا مستغفلا وهو في الحالين يؤدي ذات الدور ويسلم إلى نفس النتائج بصرف النظر عن النوايا الداخلية للمنفذين ولكننا نركز على الأهم . وهو الدور نفسه الذي يلعبه قائد الإنقلاب في مصر الذي يقود حملة سياسية أعلامية وحملة عسكرية هو وبعض دول الخليج للقضاء على الإسلام السياسي في المنطقة .
أراد الغرب من محمد على ومن مخططاتهم القضاء علي الإسلام شكلا ومضمونا وكل ما يمت إليه بصلة من حيث تاريخه وحضارته وشرائعه وعاداته وتقاليده وأعرافه ، وقد وضعوا في مخططهم أهدافا مرحلية معينة لتنفيذ أهدافهم من هذه الاهداف أيضا القضاء على الدولة العثمانية دولة الخلافة الإسلامية آنذاك وعرفنا كيف تم ذلك عن طريق الحروب المتواصلة مع الغرب حتى ضعفت الدولة وأجهدت وأطلق عليها آنذاك المسألة الشرقية أي الرجل المريض ثم تم تغريب العالم الإسلامي متتبعين في ذلك نظرية الرأس والأطراف فإن تغربت تركيا فسوف يقضي إلى سيادة العلمانية في المنطقة وإنزواء الإسلام فالبداية تركيا ثم تتبعوا الأطراف بعد ذلك والتي سوف تتأثر تلقائيا بالتغريب وخاصة مصر بلد الأزهر التي غربت أو تكاد على أيدي العلمانيين والغزو الفكري والإعلام المضلل .وقد تطلب ذلك قتل روح الجهاد الإسلامية في نفوس المسلمين ، حتى يتم القضاء على المقاومة المستمرة التي يلقاها الغرب المسيحي المسلح من الشرق المسلم وإذا ما قتل روح الجهاد لدي المسلم فإنه يندفع نحو التغريب بكل سحره واشكاله الحضارية وبخاصة ما تثيره الغرائز منها إن التغريب هو الذي يضمن تبعية العالم الإسلامي للغرب .
- ومن الآثار الناجمة عن التغريب والتي يسعي إلى إثارتها في العالم الإسلامي هو خضوعه عسكريا للغرب حيث يفقده الثقة في نفسه والمقدرة على أتخاذ القرار ، فقرار الحرب أو المقاومة بيد الغرب وبذلك لا نعجب أن كانوا يعاونونا باهداء السلاح أو طيران الاباتشي وذلك لخدمة مصالحهم ومصالح إسرائيل أولا ز كل ذلك راجع لعدم قدرته على تصنيع السلاح الذي يدافع به عن نفسه وقد يساهم التغريب في ذلك مساهمة كبيرة إذ إن الشخص الذي تم تغريبه والذي سرت رياح التغريب في نفسه يحس أن أنتماءه وولاءه لم يعد للإسلام وإنما أصبح للغرب حينئذ يعشق الغرب وثقافة الغرب وحضارة الغرب وكل شيء ينتمي إلى الغرب دون فرز أو تمييز . حتى وإن كان حماية عدونا الإستراتيجي .
- وقد تم تغريب مصر بمخطط أستطاعت فرنسا على وجه الخصوص أن تقوم به ووجدت سبيلها إلى ذلك في سياسة الابتعاث بإرسال الطلاب الشبان إلى أوروبا وخاصة فرنسا ليتعلموا هناك وكان هذا أخطر ما فعله في الحقيقة حيث بدأت العلمانية تتسرب إلى عقول هؤلاء الشباب ومن ثم إلى ساحة الحياة السياسية والاجتماعية والعملية في مصر ، ونلاحظ مدي تأثير التغريب على نفس محمد على عندما أراد أن ينهض بالتغرب أرسل البعثات من مدارسه العليا التي أنشأها على نمط التعليم الغربي وأغفل تماما أن يبتعث شبابا من الأزهر لينهض بالتعليم الديني الأزهرى كما قلنا وكان هذا هو السبيل الأوفق والأفضل فلو فعل ذلك لنهض بالأزهر معقل العلم للعالم الإسلامي كله ويرده إلى الصورة الزاهية التي كانت عليها المعاهد الإسلامية في عصور النهضة حيث كانت تعلم العلم الشامل الشرعي والعلوم الدنياوية أيضا وكان يتخرج فيها الأطباء والمهندسون والرياضيون والفلكيون إلى غير ذلك ، وبناء على ذلك تخرج شباب متعلم محافظ على إسلامه ومتزود من العلوم بما ينفي عنه تخلفه العلمي .
ولدينا وثيقة مهمة في هذا الصدد وهي وثيقة مبكرة تظهر أهداف الاستعمار وتوضح مقاصده الخبيثة وهي رسالة ارسلها نابيلون إلي نائبه كليبر في مصر التي أصبحت هي الأساس في عملية الاستشراق والمستشرقيين يقول نابليون في رسالته ( اجتهد في جمع 500 أو 600 شخص من المماليك حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف وتسفرهم إلى فرنسا ، وإذا لم تجد عددا كافيا من المماليك فاستعض عنه برهائن من العرب ومشايخ البلدان فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يحتجزون مدة سنة أو سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة الفرنسية ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا وحينما يعودوا إلى مصر يتكون لنا منهم
حزب يضم إليهم غيرهم . وكنت قد طلبت مرارا جوقة تمثيلية وسأهتم اهتماما خاصا بارسالها لك لانها ضرورية للجيش وللبدء في تغيير تقاليد البلاد )( 1) .
إن تلك الرسالة إنما هي رسالة نابعة من عقول تخطط وتدبر لأهداف بعيدة المدي محققه لذلك ما جاء في رساله نابليون لكليبر سالفة الذكر .
وقد حدثت نفره شديدة بين علم الأزهر ومن يتربون عليه والذي يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل ، وبين علم الغرب ومن درجوا عليه والذي بدا في أعين الأزهريين أنه علم غريب خاص بضعاف الإيمان وهذه الإزدواجية في التعليم هى الخطأ الفادح وقد بدأت في عالمنا الإسلامي بتعليم ديني ضيق محدود وتعليم لا ديني غربي يشمل نشاطات الفكر كلها وهكذا كما يقولون كان محمد على إمتداد لنابليون في مصر بعد خروج الفرنسيين فكلاهما تحركه أهداف علمانية فمحمد على قوض سلطة الأزهر وأضعف نفوذ علماء الدين وأتي بكل ما لا يتفق وفكرة الحاكم والتصور الإسلامي الذي يجسد صورة العدل بمعناها الشرعي وأتجه هذا الرجل إلى التحديث استمرارا لمخطط الغرب في التحديث ونسف الهوية الإسلامية بكل ملامحها واتجاهاتها .
وللشيخ محمد عبده مقاله نشرها في المنار يقول فيه : ( إنه – أي محمد على – أطلع نجم العلم في البلاد ولكنه لم يفكر في بناء التربية على قاعدة من الدين والأدب أو وضع حكومة منظمة يقام بها الشرع ويستقر العدل وحتى الكتب التي ترجمت إلى فنون شتى ترجمت برغبة من الأوروبيين الذين أرادوا نشر آدابهم في البلاد . وفي مجال آخر حرم المصريين من بلوغ الرتب في الجيش لذلك لم تلبث تلك القوة أن تهدمت واندثرت وظهر الأثر عندما جاء الإنجليز لإخماد ثورة عرابي ... ثم استقروا ولم توجد في البلاد نخوة في رأس تثبت لهم أن في البلاد من يحامي عن استقلالها . ولقد لا يستحي بعض الأحداث من أن يقول : إن محمد على جعل من جدران سلطانه بنية من الدين .... فليقل لنا أحد من الناس أي عمل من أعماله ظهرت فيه رائحة للدين الإسلامي إلا مسألة ( الوهابية ) وأهل الدين يعلمون أن الإغارة فيها كانت على الدين لا للدين ) ( 2) .
- وقد ذكر في المرجع السابق صورة أخرى من صور التغريب يحكيها لنا رفاعه الطهطاوى وهو مؤرخ زار فرنسا وفتن بحضارتها ويصور حضارة فرنسا في ( الرقص ) وذلك في كتابه المشهور ( تخليص الأبريز في حضارة باريز ) فهو يثني على رقص الغرب حيث يتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس وكأنه نوع من العياقه والشلبنه لا من الفسق ولذلك كان دائما غير خارج عن قوانين الحياء بخلاف الرقص في أرض مصر فإنه من خصوصيات النساء لتهيج الشهوات اما في باريس فإنه نمط مخصوص لا يشم منه رائحة العهر أبدا وكل إنسان يعزم أمرأة يرقص معها وإذا رفضت الرقص عزمها آخر للرقصه الثانية وهكذا سواء كان يعرفها أو لا ، وتفرح النساء بكثرة الراغبين بالرقص معهن ( 3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- أعلام وأقزام ص 54 .
2- أعلام وأقزام مصدر سابق ص 56 .
3- أرجع إلى كتاب الطهطاوي تخليص الأبريز في تلخيص باريز.
إن الكلام السابق الذي ذكر في كتاب الطهطاوى يبرز لنا أفتتانه بالعلمانية وعلى ما يبدوا أنه قد تأثر بها لانه يستنبط من كتابه :
1- أن الأخلاق ليست مرتبطة بالدين ، وهي فكرة انقدحت في ذهن الشيخ لكنه لم يستطع أن يعبر عنها بجلاء ، فها هو المجتمع يمارس ألوان الديانة التي لا يرضاها الدين طبعا ولكنها مع ذلك ليست خارجة عن قوانين الحياء ، ولا يشم منها رائحة العهر بل هي معدودة في باب الأدب !!! وقد نمت هذه الفكرة وترعرعت حتى قيل صراحة : أن الحجاب وسيلة لستر الفواحش ، وأن التبرج دليل على الشرف والبراءة ، ومن ثم فلا علاقة بين الدين والأخلاق .
2- إن هذا المجتمع الديوث يكرم المرأة ويحترمها ، وفي المقابل نرى المجتمع الإسلامي يحافظ على العرض لكنه يحتقر المرأة – حسب الواقع آنذاك وبذلك نصل إلى المفهوم الذي وجد في أوربا نفسه وهو أن حقوق المرأة مرتبطة بتحررها من الدين فما لم ينبذ الدين فلن تحصل المرأة على هذه الحقوق وهكذا وجدت البذرة الأولى لما سمي ( بقضية المرأة ) ! . أو تحرير المرأة .
ونلمس الدلالات السابقة التي أشرنا إليها عندما يتحدث رفاعه الطهطاوي عن الدستور الفرنسي ( الشرطة ) إذ يقول ( فيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل ... ومعنى الشرطة في اللغة اللاتيني ورقة ، ثم تسومح فيها فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة فلنذكره لك وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالي ولا في سنة رسول الله صلي والله عليه وسلم لتعرف كيف قد حكم قولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد ، وكيف انقادت الحكام والرعايا ، لذلك عمرت بلادهم وكثرت مصارفهم وتراكم بناهم وارتاحت قلوبهم فلا تسمع فيها من يشكو ظلما أبدا والعدل أساس العمران ) .
وعبد الرحمن الكواكبي ت 1902م ذلك المفكر القومي هو ممن نادي بفكرة العلمانية على ما يبدو حسب مفهومها الأوروبي الصريح يقول ( يا قوم وإعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين ادعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد ، وما جناه الآباء والأجداد ، فقد كفى ما فعل ذلك على أيدي المثيرين ، وأجلكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتحاد وأنتم المتنورون السابقون . فهذه أمم أوروبا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق الأتحاد الوطني دون الديني والوفاق الجنسي دون المذهبي والأرتباط السياسي دون الإداري .
( دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم الآخرة فقط ! دعونا نجتمع على كلمات سواء ألا وهي فلتحيا الأمة فليحيا الوطن فلنحيا طلقاء أعزاء)( 1) .
ومن أجلى مظاهر التغريب الذي يبكي الإنسان ويضيق صدره هو ذلك الخبر الذي يدل على ضياع معنى الولاء والبراء من قلوب القائمين عليه وهو عقد مؤتمر للتبشير ( للتنصير ) في بيت زعيم الأمة أحمد عرابي فقد أراد القسيس زويمر رئيس أرسالية التبشير العربية في البحرين هو أول من أبتكر فكرة عقد مؤتمر عام يجمع أرساليات التبشير للتفكير في مسألة نشر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
1- - طلائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي ص 112 ، 113.
الإنجيل بين المسلمين وفي يوم أربعة من أبريل سنة 1906 م أفتتح المؤتمر في منزل عرابي باشا في القاهرة وبلغ عدد المندوبيين من المبشرين 62 بين رجال ونساء وكان عدد مندوبي الأمريكان الذين في الهند وسوريا والبلاد العثمانية وفارس ومصر 21 وعدد مندوبي التبشير الإنجليز 5 وكان برنامج المسائل التي تفاوضوا فيها : عدد المسلمين في العالم ، الإسلام في أفريقيا – الإسلام في الملايو – الإسلام في الصين – النشرات التي ينبغي إزاعتها بين المسلمين المتنورين والمسلمين العوام – التنصير – الإرتداد – وسائل إسعاف المتنصرين المضطهدين – شئون نسائية إسلامية – موضوعات تتعلق بتربية المبشرين وقد جمعت هذه الموضوعات ووضعت في كتاب كبير أسمه ( وسائل التبشير بالنصرانية بين المسلمين ) وقد اسفر المؤتمر على نتائج من أهمها :
1- أنهم عرفوا أحوال البلاد وافكار المسلمين وشعورهم وعواطفهم وميولهم .
2- أنهم حصلوا على ثقة عدد من المسلمين بهم .
3- أن المبشرين تحققوا أنهم بتظاهرهم في وداد المسلمين وميلهم إلى ما تطمح إليه نفوسهم من الإستقلال السياسي والاجتماعي والنشأة القومية ما يمكنهم أن يدخلوا إلي قلوبهم .
وقد تحدث أحد أعضاء المؤتمر وطال حديثه ثم ختمه قائلا : ربما كانت العزة الإلاهية قد دعتنا إلى أختيار مصر مركز عمل لنا لنسرع بإنشاء هذا المعهد المسيحي لتنصير الممالك الإسلامية ( 1) .
وقد خاض المؤتمر في موضوعات كثيرة تدور حول عرض العقيدة النصارنية والمناظرة والاحتكاك بالنفوس الإسلامية ثم أنتهي المؤتمر بعرض نظريات أولية منها :
1- الشعب البسيط يلزمة أنجيل بسيط .
2- الشرق سئم المجادلات الدينية .
3- الشرق يحتاج إلى دين خلقي روحي .
وأستنتج مفكروا المؤتمر النظريات الأولية والقواعد الآتية :
1- يجب ألا نثير نزاعا مع مسلم .
2- يجب أن لا نحرض المسلم على الموافقة والتسليم بمبادئ النصرانية إلا عرضا وبعد أن يشعر المبشر أن الشروط الطبيعية والعقلية والروحية قد توفرت في ذلك .
3- إذا حدث سوء تفاهم حول الدين المسيحي أن يزال في الحال ولو أفضي الأمر إلى المناقشة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- أعلام وأقزام ص 67 .
والعجيب في هذا الأمر أن أحمد عرابي الذي أكتوي بخيانة الغرب أثناء الحملة المصرية علي الحبشة ورأي تأمرهم وغدرهم أنه بعد ذاك يقع في شراكهم وينخدع بهم ونستمع إليه يقول ( ولما أستلمت منصبي الجديد كثر توارد المتظلمين على .. في تلك المدة حضر إلى منزلى الرجل المتفاني في حب الحق والعدل والحرية محب الشرقيين عموما والمصريين خصوصا المستر ( ولفرن سكاون بلنت ) وكان معه صاحبه العلامة القس الصابر نجى صاحب جرنفل النحلة وعرض علي قبول صداقتي فقبلت منه ذلك فمد يده إلي ومددت يدي إليه وتصافحنا وتعاقدنا على الصداقة والإخلاص ) وكان أحمد عرابي يظن أنه بتلك الصحبة يمكن تذليل الصعبات التي يلقيها الإنجليز في طريق حريتنا ونجاح بلادنا بدعوة الإنسانية والعدل والإنصاف بين الأمم والشعوب وهذا ما يدعيه الغربييون زورا وبهتانا فهي كلمات يدسون فيها السم في الدسم ليتمكنوا من الإستيلاء على البلاد ( 1) .
ولكن هذه الوعود تلاشت وخدع بها أحمد عرابي وعبر الأسطول الأنجليزي قناة السويس وجثم الاحتلال الانجليزي على صدر مصر قرابة السبعين عاما .
ولعلنا ندرك طبيعة المأساة التي تعانيها الأمة من حكام وقواد غير جديرين وغير مؤهلين لقيادتها مع إخلاص بعضهم إلا أن جهلهم للإسلام وبعقيدته الغراء وتأثرهم بالتغريب كان سببا في إخفاقهم ونكبة أممهم وشعوبهم ، ومن هؤلاء القائد الساذج أحمد عرابي الذي تصدي لقيادة الثورة والجهاد وقاد العلماء وجموع الأمة خلفه ولكنه كان غير خليق بالقيادة . إن كان صادق النية محبا لبلده لعوامل كثيرة سنوضحها بعد .
ولو فكرنا قليلا وأضطلعنا علي مذكرات قادة هذه الثورة ومفكريها لوجدنا أرواح بعضهم تهيم وتطوف نحو العلمانية فلو قدر لهذه الثورة أن تنجح فربما كانت سبقت مصطفي كمال أتاتورك بأشياء كثيرة,
فمحمود سامي البارودي أحد زعمائها يقول ( كنا نرمي منذ بداية حركتنا إلى قلب مصر جمهورية مثل سويسرا ولكن وجدنا العلماء لم يستعدوا لهذه الدعوة لانهم كانوا متأخرين عن زمنهم ومع ذلك فسنجتهد في جعل مصر جمهورية قبل ان نموت )( 2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1- كشف الستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية لاحمد عرابي الحسيني ج1ص270 .
2- - العلمانية لسفر الحوالي ص574 .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كتاب يتحدث عن أخطاء المؤرخ ابن خلدون المختار لخنيشي مجلس قبائل موريتانيا 12 21-03-2020 08:21 PM
الوعي التاريخي للمصريين من خلال الاتصال بالغرب الارشيف تاريخ العصر العثماني 0 14-10-2017 10:17 AM
وضعية التعليم في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي أثناءه أبو مروان مجلس التربية و التعليم 2 30-08-2015 07:18 AM
وثائق للمخابرات الفرنسية توضح احوال القبائل العربية بالمغرب في القرن التاسع عشر د ايمن زغروت مجلس قبائل المغرب العام 5 22-02-2015 05:57 PM
وثائق للمخابرات الفرنسية توضح احوال القبائل بالمغرب في القرن التاسع عشر د ايمن زغروت مجلس مواضيع الانساب المترجمة 4 09-08-2014 03:27 PM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 02:26 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه