أصول سكان السودان القديمة و الحديثة - ..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..
..ٌ::ٌ:: النسابون العرب ::ٌ::ٌ..

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
للنقاش: كيف يمكن للنسّابة التفريق بين القبائل المتسامية التي دخلت بعضها بعضا ؟!!
بقلم : بنت النجادات
« آخـــر الـــمــواضيـع »
         :: للنقاش: كيف يمكن للنسّابة التفريق بين القبائل المتسامية التي دخلت بعضها بعضا ؟!! (آخر رد :بنت النجادات)       :: مسابقة للحاذقين #1 (آخر رد :بنت النجادات)       :: حديث عظيم في بكاء أهل النار نعوذ بالله منها (آخر رد :د ايمن زغروت)       :: من القبائل المتسامية في إقليم عمان (آخر رد :بنت النجادات)       :: هارون الرشيد رحمه الله بين التشويه والواقع (آخر رد :ابراهيم العثماني)       :: سؤال عن نسب عائلة الداودية (ابو داود) (آخر رد :محمود راضي قرني مبروك نصر)       :: المصافحة بعد الصلاة بدعة فاحذرها (آخر رد :نهد بن زيد)       :: سؤال في عائلة باشا (آخر رد :محمد بلكم)       :: سؤال عن أصل عائلة عبد المجيد بالمحمودية وجذورها بالمنيا (آخر رد :أبو الحسن عبد المجيد)       :: عشيرة جيس بني محمد فخذ العليمات (آخر رد :د ايمن زغروت)      



Like Tree1Likes
  • 1 Post By مصطفي محمود زكي بدوي

إضافة رد
قديم 04-06-2019, 12:08 PM   رقم المشاركة :[1]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي أصول سكان السودان القديمة و الحديثة

سلسلة من عشر حلقات عن أصول سكان السودان
.
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
.
بقلم: د أحمد الياس حسين
.

من هم أسلاف البجة؟ المِجا - البليم - البِجا 1
.
التعرف على أصول السكان والوعي بالذات مسألة هامة وملحة خاصة في الظروف التي تعيشها بلادنا الآن، والتعرف على الأصول والوعى بالذات مسألة صعبة وشاقة تتطلب الكثير من الوقت والجهد وتضافر الجهود والمشاركة الجادة للآقلام المتخصصة وغير المتخصصة. وكنت قد قمت بمحاولة من قبل للتعرف على سكان السودان قبل دخول الاسلام والعرب إلى افريقيا، وتم نشر ذلك في كتاب بعنوان "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية"، نشر الكتاب ووزع في نطاق محدود وآمل أن يرى النور في نشرة عامة. وتهدف الدراسة الحالية إلى التعرف على سكان السودان منذ وصول العرب والاسلام إلى افريقيا وحتى قيام الممالك الاسلامية في السودان في القرن الخامس عشر الميلادي، أي قبل ظهور المسميات القبلية الحالية. وستعتمد الدراسة بدرجة أساسية على مصادر التراث العربي ألى جانب ما يتوفر من المصادر الأخرى مثل المصادر المصرية القديمة واليونانية والرومانية والمصادر الآثارية السودانية، وسوف لن تستخدم الدراسة في هذه المرحلة التراث الشفاهى والمخطوط الذي تناول أصول القبائل في السودان لأن الفترة التي تتناولها الدراسة سابقة لظهور التراث.

وهذا الجزء من الدراسة يهتم بمنطقة شرق السودان ويبدأ بمحاولة التعرف علي أسلاف قبائل البجة الحالية، ثم التعريف بأرض البجة ثم تتناول الدراسة قبائل البجة ومدنهم قبل القرن الخامس عشر الميلادى. وبالطبع فإن ذلك ليس بالأمر السهل دراسة ذلك نسبة لشح وندرة المعلومات والمصادر خاصة فيما يتعلق بالمناطق الجنوبية من أراضي البجة وسكانها. ويتوفر قدر معقول من المعلومات عن السكان على مناطق النيل والأجزاء الشمالية من بلاد البجة في المصادر القديمة يُمَكِّن من محاولة التعرف على أسلاف البجة الذين سكنوا على ساحل البحر الأحمر وعلى شواطئ النيل والمنطقة الواقعة بينهما.

ولم تكن المنطقة الصحراوية الواقعة بين النيل والبحر الأحمر بهذا الجفاف الذي يسودها اليوم، بل كانت إلى وقت قريب من بداية الحضارة المصرية تتمتع بقدر وافر من المطروالغطاء النباتي مكن السكان من القيام بدورهم الحضاري في المنطقة. والشعب الذي سكن هذه المنطقة ينتمي إلي السلالة الأصيلة التي كونت سكان وادي النيل منذ فجر تاريخه. وهنالك بعض الآراء التي ربطت أسلاف أولئك السكان بهجرات أتت من شبه الجزيرة العربية في الألف الرابع قبل الميلاد. وقد ناقشنا ذلك في الفصل الأول من كتاب الوعي بالذات وتأصيل الهوية وخلصنا إلى أن كل الدلائل التاريخية والآثارية وضحت أن سكان الصحارى الواقعة شرقي النيل ينتمون إلى السلالة التي كونت السكان الأصليين للمناطق الوسطى والشمالية لنهر النيل ولم يأتوا من الخارج.

ومن المعروف في التاريخ أن سكان مناطق البجة الحالية عرفوا عند قدماء المصريين واليونانيين والرومان بأسماء متعددة، سنتناول ثلاثة فقط من تلك الأسماء التي اشتهرت في تلك الفترة والتي أطلقت على المجموعة المعروفة اليوم باسم البجة وهذه الأسماء هي: المِجَباري والتُرُجلُدايت والبليميين.

المِجَباري
المِجَباري هو الاسم الذي أطلقته المصادر القديمة على السكان الأصليين القدماء على الساحل الغربي للبحر الأحمروالذين تجولوا فى المناطق الشمالية ما بين البحر الأحمر ونهرالنيل. وقد امتدت مناطق استيطان هذه الفئة من مواطن البجة الحالية في السودان وحتى المنطقة الواقعة بين الأقصر والبحر الأحمر في الحدود المصرية الحالية شمالاً.

وقد عرف المِجَباري قديما بالمازوي والمِجاي والمدجاي والمِجو والمِجا (Medjo و Medju و Medjay) وسنشير اليهم فيما يلي باسم المِجا لأنه أولاً الاسم الأقدم، ولأنه ثانياً الاسم الأخف في النطق والأقرب إلى الاسم الحالى "البجة".

ولا خلاف بين المؤرخين أن المِجا الذي ورد ذكرهم في الآثار المصرية القديمة منذ الألف الثالث قبل الميلاد والذين عاشوا في الصحراء الواقعة إلي الشرق من إقليم واوات (العتباي) هم أسلاف البجة الحاليين. وقد اشتغل الكثير من المِجا في المهن المتصلة بالتعدين فقاموا بتأمين تلك الأنشطة بالحراسة والخفارة وتولوا مهمة الأتصال وربط مناطق التعدين بالمدن المطلة غلى النيل.

وقد ساهم المجا بدور فاعل في النشاط التجاري عبر البحر الأحمر ونهر النيل، كما وضحت المصادر القديمة مساهمتهم في النشاط الدبلوماسي مع القوى التي تعاقبت على حكم مصر في ذلك الوقت. وظل اسم المِجا عَلماً على سكان الصحراء الشرقية للنيل حتى القرون الأخيرة السابقة للميلاد حيث بدأ ظهور اسمي التُرُجلُدايت والبليميين. فقد ذكر سترابو الذي نقل عن اراتوستين (Eratosthenes) في القرن الثالث قبل الميلاد أنه: "على جانبي الجزء الأسفل [الشمالي] من مروي على طول النيل في اتجاه البحر الأحمر يسكن المِجَباريون والبليميون، وهم تابعين للاثيوبين [يقصد المرويين] ويجاورون المصريين. وعلى ساحل البحر يسكن التُرُجلُدايت." وهكذا أصبح سكان منطقة البجا يعرفون بثلاث أسماء: المِجا والتُرُجلُدايت والبليميون.

وسيتضح فيما يلي أن البليمين كانوا يتركزون على مناطق النيل والمِجا يتركزون في المناطق الواقعة بين النيل والبحر الأحمر بجوار التُرُجلُدايت. وعند حديثه عن التُرُجلُدايت قارن سترابو بين اسلحتهم وأسلحة المِجا، فذكر أن عِصي المِجا تنتهي بمقابض من حديد وأنهم يستخدمون في قتالهم الحراب والدرق المصنوع من الجلد غير المدبوغ، بينما يستخدم الآخرون الحراب والسهم والنشاب.


التُرُجلُدايت
أصل كلمة التُرُجلُدايت Troglodyte يوناني استخدمها الكتاب اليونانيين لوصف سكان الكهوف في كثير من بقاع العالم كما في حوض الدانوب والقوقاز وافريقيا. وفي افريقيا ذكرت المصادر الكلاسيكية وجود التُرُجلُدايت في تونس وليبيا وأعالي النيل والبحر الأحمر

وقد جعلت دائرة المعارف encyclopedia.or تُرُجلُدايت البحرالأحمر من أشهر هذه المجموعات، ربما لنشاطهم السياسي والتجاري على سواحل البحر الأحمر السودانية. فقد أطلق بليني على ساحل البحر الأحمر "ساحل التُرُجلُدايت" وذكر إنهم كانوا نشطين في تجارة اللبان في مواني البحر الأحمر.


وكما ذكرنا فإن سكان منطقة ما بين النيل والبحر الأحمر قد عرفوا في المصادر اليونانية والرومانية بالتُرُجلُدايت والِمَجا والبليميون. وقد استخدمت هذه الأسماء أحيانا للاشارة إلى سكان منطقة بعينها في بلاد البجة الحالية وأحيانا استخدمت كمترادفات للدلالة على سكان كل المنطقة، ويرى الباحثون – مثل محمد ابراهيم بكر: تاريخ السودان القديم ص 46و 81 وماكمايكل: تاريخ العرب في السودان ج 1 ص 38 - أن هذه الجماعات هي نفسها التي أطلقت عليها المصادر العربية فيما بعد اسم البجة

ومن أقدم النصوص عن التُرُجلُدايت ما جاء في الآثار المصرية القديمة التي ترجع إلى الاسرة السادسة والعشرين في عصر الفرعون نكاو الثاني Necho II (610-595 ق.م.) الذي كان شديد الاهتمام بتجارة البحر الأحمر لدرجة فكر فيها بحفر قناة تربط النيل بالبحر الأحمر وشرع بالفعل في تنفيذ الفكرة.

وورد في النصوص القديمة والتي جمعها Eide وآخرون ونشرتها جامعة بيرقن عن منطقة النوبة بين القرن الثامن قبل الميلاد والقرن السادس الميلادي أن الملك نكاو الثاني أرسل حملة نيلية ضد التُرُجلُدايت. ويبدو أن التُرُجلُدايت كانوا منتشرين على مناطق صعيد مصر الأعلى بين النيل والبحر الأحمر، وربما كانت تلك الحملة ضد التُرُجلُدايت على إحدى الطرق الرابطة بين النيل – من منطقة الأقصر - والبحر الأحمر أو قد تكون الحملة مرسلة مباشرة من الصعيد إلى سواحل البحر الأحمر.

وقد ساهم التُرُجلُدايت في النشاط التجاري على سواحل البحر الأحمر. وتشير الوثائق إلى علاقاتهم المباشرة مع دولة البطالمة بمصر، فقد ذكر بلوتارخ "أن الملكة كليوباترة السابعة لم تكن تحتاج إلى مترجمين عندما يخاطبها مناديب الشعوب المجاورة لمملكتها مثل مناديب الاثيوبيين والتُرُجلُدايت واليهود والسوريين والميديين."

ويدل ذلك على أن التُرُجلُدايت كانت لهم كيانات سياسية متطورة مكنتهم من تنظيم نشاطهم التجاري وعلاقاتهم الخارجية، ورغم أنه لم يرد ذكر لمملكة ترجلوداتية في الصحراء الشرقية أوالبحر الأحمر في المصادر اليونانية الرومانية – كما حدث للبلبميين - إلا أن قيام مثل ذلك الكيان السياسي يعتبر أمراً لا بد منه خاصة إذا كانت للتروجلودايت علاقات خارجية مثل تلك التي كانت مع البطالمة.

البليميون
البليميون هو الاسم الذي أطلقته الآثار الفرعونية والكوشية والمصادر اليونانية والرومانية على سكان منطقة النيل الواقعة جنوبي أسوان. وقد دلت نتائج الأبحاث الجديدة مثل أعمال كلايدي ونترز عالم اللغة المروية المشهور والذي نشر نص نقش كلابشة المروي وهانس بَرنارد الذي اعتمد على الآثار والوثائق التي جمعت عن منطقة شمال السودان ما بين القرنين الثامن قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي ونشرتها جامعة بيرقن ووثائق الجبلين المنشورة في كتاب مصطفى محمد مسعد "الاسلام والنوبة في العصور الوسطى" في الملحق رقم 3 وغيرها من المصادر الكلاسيكية التي أرجعت وجود البليميين إلى القرون السابقة للميلاد أمدتنا ببعض المعلومات عنهم حتى القرن السادس الميلادي.

وقد ربط الباحثون بين البليميين والمِجا مما يرجح أنهم كانو عائشين معا في نفس المنطقة أو ربما كان وجود البليميين أكثر تركيزاً على منطقة النيل والمِجا تجاه البحر الآحمر. فالآثار وضحت أن البليميين دخلوا منطقة النيل جنوبي أسوان في القرن السابع ق.م.، وأن اسمهم بدأ يتردد منذ القرن السادس قبل الميلاد في الاثار المصرية والكوشية.

وتوضح السجلات المروية أن البليميين قد استقروا منذ القرن الخامس قبل الميلاد على طول المنطقة الواقعة من اسوان حتى منطقة دنقلا في خلال القرون التي سبقت احتلال الرومان مصر في نهاية القرن الأول قبل الميلاد. وذكرت المصادر اليونانية السابقة للميلاد (انظر Mac Michael, A History of the Arabs In the Sudan vol.1 p 3) أن المناطق الواقعة حول أسوان هي مواطن البليميين الرئيسة، ويمتدون جنوبا وشرقا نحو حدود اكسوم وميناء أدولس على البحر الأحمر. وهذا الوصف يتطابق مع مواطن البجة الحالية.

فالمصادر القديمة - السابقة للميلاد- تناولت كل سكان المنطقة المعروفة الآن ببلاد البجة تحت اسم البليميين مما يؤكد أن شعوب هذه المنطقة أُشير إليها في المصادر القديمة مرة تحت اسم البليميين وأخرى تحت اسم المِجا ومرة أخرى تحت اسم التُرُجلُدايت. وقد ذكر ماكمايكل (نفس المكان السابق) أن الكتاب المسيحيين المبكرين أطلقوا اسم البليميين على البجة.

ويبدو أن استقرار البليميين في القرون السابقة للميلاد قد ازداد في منطقة جنوبي اسوان، حتى شيد ملك مروي أركاماني (206-186 ق.م.) معبدا في كلابشة لإلاههم مندوليس. ويعتقد كثير من المؤرخين "أن البليميين كانوا السكان الأساسيين الذين عاشوا في الجزء الأكبر من النوبة السفلى [جنوب اسوان] في القرن الميلادي الأول." ولم يكن استقرار وامتزاج البليميين بالسكان السابقين في جنوبي أسوان فقط، بل توضح الآثار الراجعة إلى فترة ما قبل الميلاد أن استقرارهم امتد شمالاً في منطقة طيبة في صعيد مصر.

لم يتردد ذكر البليميين كثيراً في مصادر القرنين الميلاديين الأول والثاني كما يتضح من النصوص التي جمعها بَرنارد والتي أشرنا إليها سابقاً.، بعكس القرون التالية - من الثالث وحتى السادس الميلادي - والتي شهدت لهم حضوراً دائما ومؤثراً على الأحداث في مصر والسودان. فقد كانت دولة مروي – التي كان البليميون جزءاً منها - على رأس الأحداث فى المنطقة، وقادت الصراع مع الرومان. فقد احتلت مملكة مروي المناطق الشمالية بعد نهاية حكم البطالمة، وهي المناطق التي شرع الرومان منذ دخولهم مصر في التوسع عليها.

مملكة البليميين
ازداد عدد البليميين منذ القرن الأول الميلادي كما ذكر المؤرخون. ويبدو أنهم أصبحوا القوة الرئيسة بين الزعامات المحلية وتشربوا بالثقافة المروية. ويرى البعض أن فخار منتصف القرن الثالث الميلادي في كلابشة قد يكون من عمل البليميين الذين تثقفوا وكتبوا نقوشاً مروية واغريقية عثر عليها في معبد كلابشة. وهكذا تهيأ البليميون منذ منتصف القرن الثالث الميلادي للقيام بدورهم القيادي في المنطقة.

نقل مصطفى محمد مسعد عن مصادره في كتابه (الاسلام والنوبة في العصور الوسطى ص 29) أن العلاقات ساءت بين البليميين والرومان، وبدأ البليميون هجومهم على الرومان عام 250م. وفي نفس الوقت ورد في نص عثر عليه في جزيرة فيلة بجوار أسوان أن الملك المروي تقردماني Teqeridamani 246-266م أرسل سفارة إلى الأمبراطور الروماني حاملاً إليه الهدايا. ويذكر ترمنجهام في كتابه (Islam in the Sudan ص (44 أن تلك السفارة كانت بقيادة أمير بليمي يدعى Pa-smun Ibn Paesi ويصف الأمير نفسه بأنه السفير العظيم إلى روما. والبحث عن سبب السفارة أو سبب إعتداءات البليميين على الرومان يتطلب المزيد من البحث، ولكن لا يبدو وجيهاً أن يكون سبب السفارة –كما يرى البعض - طلب مملكة مروي المساعدة من الرومان الذين أثبتت الوثائق اضطراب الأوضاع في مناطق حدودهم مع مروي.



وتحالف البليميون مع زنوبيا (الزباء) ملكة (تدمر) في سوريا عندما هاجمت الرومان في مصر. وتحرك الرومان سريعا فهزموا قوات زنوبيا وقضوا على الثوار في طيبة وهزموا البليميين وأجلوهم إلى ما وراء أسوان. غير أن البليميين عاودوا واحتلوا بين مدينتي Coptos & Ptolemais في منطقة طيبة في صعيد مصر.

وبعد نحو عقدين من السفارة المروية البليمية للبيزنطيين انهارت مملكة مروي في منتصف القرن الرابع الميلادي، و يبدو أن مولد مملكة البليميين المستقلة قد بدأ بذلك الحدث. فكما رأينا من تسلسل الأحداث منذ القرن الثالث الميلادي أصبح البلبميون هم القوة المهيمنة علي حدود مروي الشمالية، وكان من الطبيعي أن يكونوا ورثتها في الحكم على الأقل في مناطق نفوذهم في الشمال. ولم يصبح البليميون - كما ذكر بعض المؤرخين - جنرالات النهر فقط بل اعترف بهم كحكام يديرون شؤون بلادهم بحرية تامة.

ويبدو أن البليميين قد بدأوا بسط نفوذهم في المنطقة حتى سواحل البحر الأحمر، لأن إحدي الوثائق الرومانية تحدثت عن تعرض بعض القواعد الرومانية على البحر الأحمرلغارة من سفن البليميين عام 378 م. وربما بدأ إسم البليميين ينتشر بعد امتداد نفوذهم شرقاً فأطلق الرومان إسمهم على سكان منطقة التُرُجلُدايت. وقد يؤيد ذلك أيضا ما تردد في المصادر عن ترادف استخدام البيليميين والمِجا والتُرُجلُدايت.

وقام البليميون في عام 429 م بغارات على منطقة طيبة والواحة الخارجة التي كانت مركزاً رومانياً يطل على حدودهم الصحراوية، ونهبوا الواحة وأسروا بعض سكانها ومن بينهم نسطورس القس المسيحي المشهور الذي كان الرومان قد نفوه هنالك. ولكن أطلق البليميون سراح القس بعد مفاوضات مع قبيلة mazici الأمازيغ الصحراية (ربما طوارق اليوم المعروفين باسم Imashagh). وكانت هذه القبيلة – كما ذكر مصطفى محمد مسعد ص 7- تتجول في الصحراء حتى المنطقة الواقعة بين أسوان والواحة الخارجة.


وكان انتشار المسيحية قد بدأ في مصر في زمن مبكر، لكن القرن الرابع الميلادي شهد تحولاً كبيراً في العالم المسيحي عندما أظهر الامبراطور قنسطنطين الأكبر (313 – 337) ميله للمسيحية، وانتهى اضطهاد وتعذيب المسيحيين وتمتعت المسيحية برعاية الدولة. وساهمت الاسكندرية – كأحد أهم المراكز المسيحية – في نشر تطور الفكر المسيحي المبكر. وكان من أكبر انجازاتها نشر المسيحية في الحبشة في عهد الامبراطور قنسطنطين الأكبر

وكانت المسيحية منذ وقت مبكر قد بدأت تنتشر في صعيد مصر وتحولت الكثير من المعابد إلى كنائس في اقليم طيبة، كما تم إنشاء عدد من الكنائس. وفي القرن الرابع الميلادي أُسست أسقفية في فيلة. كما انتشرت المسيحية في اكسوم شرقاً وفي واحات الصحراء الغربية مثل الواح الخارجة. أما في شمال السودان وشرقه المتاخم للحدود المصرية فقد تأخر انشار المسيحية بالمقارنة إلى انتشارها في اقليم طيبة واكسوم والواحات، ربما يرجع السبب إلى الاضطرابات التي عاشها الإقليم منذ بداية الحكم الروماني لمصر.

وتشير بعض الدلائل على أن الدعوة المسيحية قد بدأت تتسرب إلى مناطق البليميين والنوباديين منذ القرن الرابع، غير أنها لم تنتشر سريعاً فى السودان في القرون المبكرة. ويبدو أن قوة النوباديين قد نمت في المنطقة إلى جانب البليميين وأسس سلكو مملكته منذ عام 530م. إلا أن إحدى الوثائق اليونانية (535-537 م) وضحت أن البليميين والنوباديين كانوا لايزالوان حلفاء. غير أن نشاط البعثات التبشيرية وصلات البيزنطيين بالنوباديين قد حول موقفهم المعادي للوثنية، بينما واصل البليميون سياستهم المعادية للمسيحية. وكان ذلك إيذاناً بنهاية الود والتحالف بين البليميين والنوباديين وبداية الصراع الذي أدى إلى نهاية مملكة البليميين كما تقول المراجع.

وما توفر من معلومات عن البليميين يشير إلى حقيقتين هامتين: الأولي أن البليميين أصبحوا قبل انهيار مروي بوقت طويل سادة المنطقة وجنرالات النهر، وثانيا يؤكد ذلك تطور نظام حكمهم مما يجعل قيام مملكتهم – تحت ظل المرويين – أمراً مقبولاً. هذه الدلائل تشير إلى أنه من المقبول جدّاً أن يسعى البليميون إلى وراثة مملكة مروي بعد سقوطها. ويزيد ذلك تأكيداً نقش كلابشة الذي تضمن في موضعين الاشارة إلى كونهم ورثة مروي.


فقد جمع بَرنارد نحو 73 نصا عن البليميين والمِجا والتُرُجلُدايت والبجة ما بين القرن السابع قبل الميلاد والقرن السادس الميلادي. وبلغ عدد النصوص التي ذَكرت البليميين بالاسم مباشرة أوالتي تضمنت الإشارة اليهم 47 نصاًّ. ويشبر ذلك إلى أن البليميين كانوا القوة المسيطرة في المنطقة وأن اسمهم أصبح أكثر انتشاراً في الوثائق والآثارمن أسماء أبنا عمومتهم المِجا والتُرُجلُدايت، وأصبح علماً عليها في بعض الأحيان. أما اسم البجة فقد اشتهركعلمٍ على كل المجموعات الأخرى منذ القرن السابع الميلادي.

ومن بين السبعة والأربعين نصاّ جاءت سبعة منها قبل القرن الثالث الميلادي. وبلغت النصوص في القرن الثالث ثمانية نصوص، وفي القرنين الرابع والخامس عشرين نصا، وفي القرن السادس اثنتا عشر نصا. ويدل ذلك بوضوح أن البليميين كانوا موجودين في المنطقة منذ القرن السابع قبل الميلاد إلا أن قوتهم برزت منذ القرن الثالث الميلادي، وأصبحوا عنصرا فاعلا في أحداث كل المنطقة الواقعة ما بين الواح الخارجة غربا والبحر الآحمر شرقاً حيث امتدت غاراتهم في القرون التالية حتي أطراف البحر الأحمرالشمالية. أما في الشمال فرغم كون حدودهم في أسوان إلا أن امتداد نفوذهم تعدى ذلك في القرون التالية إلى منطقة طيبة في صعيد مصر.

وقد بلغت نصوص القرنين الثالث والرابع الميلادين عشرين نصاّ الأمر الذي يوضح ازدياد نفوذ البليميين في المنطقة. وقد رجحنا فيما سبق قيام مملكة البليميين المستقلة داخل مملكة مروي في القرن الرابع الميلادي، ولعل ما ورد عن ملوك البليميين يؤيد ذلك. فقد وردت اسماء ستة ملوك بليميين فيما جمعه بَرنارد من نصوص، ثلاث منهم قدرت تواريخ حكمهم في القرن الخامس الميلادي والثلاث الباقين في القرن السادس.

والوثائق الأخرى المرتبطة بالبليميين هي ثلاث وثائق مكتوبة على جلد غزال باللغة اليونانية عثر عليها فلاح مصري في منطقة الجبلين على بعد 25 ميل حنوب مدينة الأقصر. وقد ترجمها إلى الانجليزية كيراون وإمِري، ونقلها إلى العربية وضمنها كملاحق مصطفى محمد مسعد في كتابه الاسلام والنوبة تحت عنوان "الوثائق الدالة على استقرار البليميين في منطقة طيبة"

الوثيقة الأولى جاءت ترجمتها عند الآتي:
"أنا شاراشن ملك البليميين، أكتب إلى أولادي شاراشن وشاراتكور وشاراهيت، أنه طبقاً لأمري هذا قد منحتكم حكم الجزيرة المعروفة باسم تناري، وألا يقف في سبيلكم أحد، وإذا أثار الرومان مشاكل وامتنعوا عن دفع الأتاوة العادية لكم فإنه لا الفيلارك ولا الهيبوتيرانوس يمنعانكم من إرغام الرومان على دفع العطايا العادية عن جزيرتي."
"شاراشن الملك، تنتكنا: أمير القصر – شاهد، كتبه سانسانوس في اليوم الرابع والعشرين من شهر ....."

وهنالك وثيقة أخرى – رقم أربعة - ذكرها بَرناد clause no. 339، وهي عبارة عن أمر ملكي أصدره الملك باراخيا (Barakhia) إلى صوفيا يشير إلى وضعها أو إقامتها في مكان ما، وقد ورد أن هذا الملك خلف الملك خاراخِن - أو شاراشن كما كتبه مسعد - في الحكم.

فنحن أمام أربعة نصوص تتعلق كلها بحكم البليميين منطقة في صعيد مصر. وتسوق هذة الوثائق العديد من الأسئلة مثل: ما هي علاقة البليميين بصعيد مصر أو إقليم طيبة؟ وإلى أى مدى امتد نفوذ البليميين على صعيد مصر؟ هل حكم البليميون مناطق أخرى غير جزيرة تناري ولم يصل إلينا ما يوضح ذلك؟ ومتى حكم البليميون جزيرة تناري؟ وقد حاولنا الاجابة على بعض هذه الاسئلة في كتاب الوعي بالذات، ولكن تظل مثل هذه الأسئلة في انتظار المزيد من البحث والتقصي. والذي يثير الانتباه ويتطلب البحث الجاد هو ارتباط ووجود البليميين الواضح - عندما دخل المسلمون مصر - بإقليم طيبة الذي يقع ما بين منطقة الأقصر الحالية وأسوان.

وكما وضحنا أعلاه فإن البلميين تمركزوا على النيل والمِجِا تمركزوا في الصحراء الشرقية وهم السلالة التي أطلقت عليها المصادر العربية اسم "البجة". ويبدو أن اسم البليميين قد بدأ في الانحسار في القرنين اللذين تليا دخول المسلمين مصر وانحصر في مناطق محدودة في بلاد النوبة. فقد أشار إليهم الجغرافي العربي المشهور الادريسس الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي إلى قبيلة قوية بجوار النوبة تعرف بالبليين، وسنفصل الحديث عنها لاحقاً. وفي نفس الوقت يبدو أن استخدام اسم "المِجا" سكان ساحل البحر الأحمروالصحراء الشرقية قد ساد وفظهر في المؤلفات العربية "البجة".
.
يتبع ...
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 12:15 PM   رقم المشاركة :[2]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

<H3 style="FONT-SIZE: 21px; FONT-FAMILY: Arial; WHITE-SPACE: normal; WORD-SPACING: 0px; TEXT-TRANSFORM: none; FONT-WEIGHT: normal; COLOR: rgb(51,51,51); FONT-STYLE: normal; ORPHANS: 2; WIDOWS: 2; MARGIN: 12px 0px; LETTER-SPACING: normal; LINE-HEIGHT: 25px; BACKGROUND-COLOR: rgb(255,255,255); TEXT-INDENT: 0px; font-variant-ligatures: normal; font-variant-caps: normal; -webkit-text-stroke-width: 0px; text-decoration-style: initial; text-decoration-color: initial">
أرض البجة ومواردها
خلصنا في مقالنا السابق ألى أن البجة عرفوا في المصادر القديمة السابقة لظهور الاسلام باسم المِجا والتُرُجلُدايت والبليميين،
ثم اختفت هذه الأسماء بعد ظهور الاسلام وظهر في مكانها في المصادر العربية اسم البجة. وستتناول هذه الدراسة أرض البجة وقبائلها كما جاءت في المصادر العربية المؤلفة بين القرنين الثالث والتاسع الهجريين (9 – 15 م) ويلاحظ أن تلك المصادر التي تناولت البجة وأرضها انحصرت معلوماتها بصورة عامة في المجموعات الشمالية لقبائل البجة. فقد بدأت صلات المسلمين من مصر مبكراً بتلك المناطق بحكم مجاورتها لهم. وازدادت تلك الصلات سلمية في بعض المرات وحربية مراتٍ أخرى – كما سنفصل ذلك لاحقاً - حتى بداية اشتغال المسلمين في التعدين في منتصف القرن الثالث الهجري (9 م) والذي امتد حتى بداية النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (14 م). وكان اتصال المسلمين طيلة هذه الفترة بأرض البجة وبالمجموعات الشمالية.

جاء تحديد بلاد البجة في المصادر العربية المبكرة تحديداً واسعاً يتعدى في كثير من الأحيان حدودها الشمالية الحالية، وبنفس القدر جاء استخدام لفظ البجة عاماً وواسعا فشمل في بعض الأحيان أقواما وقبائل لا تعرف اليوم بهذا الاسم. وسنحاول فيما يلي التعرف على بلاد البجة وسكانها من خلال أعين أولئك الكتاب.

تبدأ بلاد البجة من الشمال من منطقة الصحراء الشرقية الممتدة من الأقصر على النيل غرباً وحتى البحر الأحمر شرقاً. يقول ابن سُليم الأسواني في كتابه أخبار النوبة الذي نقله مصطفى مسعد عن المقريزي في كتابه المكتية السودانية العربية: "أول بلد البجة من قرية تعرف بالخربة من معدن الزمرد في صحراء قوص، وبين هذا الموضع وبين قوص ثلاث مراحل" وتقع مدينة قوص إلى الشمال قليلاً من مدينة الأقصر الحالية. ويوضح هذا أن حدود بلاد البجة كانت تمتد في الصحراء شمالاً إلى مناطق أبعد بكثير من امتداد مناطقها الحالية.

وجعل ابن سليم حد البجة الجنوبي بأول بلاد الحبشة حيث قال " وآخر بلاد البجة، أوّل بلاد الحبشة" غير أن الحدود بين بلاد الحبشة وبلاد البجة لا تبدو واضحة المعالم في المصادر العربية، بل لم يرد اتفاق حول تحديدها. فابن سليم مثلا يرى أن ساحل البجة يمتد حتى جزيرة سواكن وباضع ودهلَك. بينما ذكر الحميري في كتابه "الروض المعطار في خبر الأقطار ج 1 ص 333" أن باضع تقع على ساحل البجة والحبشة، وجعل ابن حوقل في كتابه "صورة الأرض ص 59" الحدود الجنوبية لبلاد البجة أعالي خور بركة بالقرب من باضع حيث "بطون قصعة وهي من أجل قبائل البجة." أما اليعقوبي في كتابه التاريخ ص 21 فقد ذكر تحت عنوان "مملكة البجة" أن "لهم عدة ممالك" وتتبعها من الشمال إلي الجنوب، فكانت آخر ممالكهم وهي السادسة " مملكة النجاشي ... وساحلهم دهلَك."

وهكذا تبدوا حدود البجة الجنوبية غير واضحة المعالم في المصادر العربية المبكرة، ولكن يبدوا واضحاً أنهم أعتبروا أن ديار البجة تمتد حتى منطقة السهل الشمالي للهضبة الاثيوبية. وقد جاء وصف هذه المناطق في تلك المصادر بما يوضح تمتعها بوفرة الموارد الطبيعية مثل موارد المياه المتنوعة الجارية والجوفية والمطرية. وتحدثت المصادر عن الموارد الزراعية والنباتية والحيوانية والمعدنية، كما تناولت السكان وأنشطتهم التجارية. ومن الطبيعي أن تساعد كل هذه الموارد على كثافة السكان وتعدد المناشط، وقيام المراكز والمدن والممالك وتطور أساليب الادارة. وفيما يلي سنتتبع ما تيسر الاطلاع عليه من نصوص متعلقة بهذه الموضوعات في تلك المصادر.

وقد ترك لنا ابن حوقل معلومات قيمه ودقيقة في وصفه للمناطق الواقعة على حوض نهر عطبرة وخوري القاش وبركة. وتكتسب معلوماته عن هذه المناطق أهمية خاصة، فقد أبحر ابن حوقل في البحر الأحمر وزار بعض مناطق بلاد البجة وسواحلها، وجمع مادته عن المنطقة بطريق مباشر، واعتمد على الروايات في المناطق التي لم يزرها. ووضح ( ص 233) كيف أنه كان يدقق في جمع .

تناول ابن حوقل بلاد البجة وسكانها من الجنوب إلى الشمال فبدأ بوصف المناطق الغنية بمواردها المائية والنباتية والحيوانية والسكانية في المنطقة السهلية التي ذكر أنها منتهى ما يصله تجار المسلين من أرض البجة، وعرفها بمنطقة قلعيب وما جاورها من منطقة ملاحيب

قال ابن حوقل (ص 59) "نواحي قلعيب وهي مواضع ذات مياه في أودية متصلة بجبل يعرف بملاحيب وأكبر أوديته وادي بركة،.وبين قلعيب وبركة غياضٌ عاديةٌ ذات أشجار، وربما كان دائرة الشجرة من أربعين ذراعاً إلي خمسين ذراعاً إلى ستين ذراعاً. وأفنيتها مراتع الأفيلة والزرافات والكركدن والنمر والفهد إلى سائر الوحوش سائمة راتعة في غيلها ومياهها وغياضها. ويتصل بحد ملاحيب من شقه الشرقي وادٍ يعرف بصيغوات كثير الماء أيضاً والشجروالحمر والوحش."

غياضٌ عادِيَّةٌ يقصد بها أماكن قديمة تتجمع فيها المياه وينبت فيها الشجر. قال الزبيدي في لسان العرب في معنى غياض: "والغَيْضَة مَغِيضُ ماءٍ يجتمع فيَنْبت فيه الشجر وجمعها غِياضٌ وأَغْياضٌ" وقال في معنى عادية "شَجَرة عادِيَّةٌ أَي قَدِيمة كأَنها نُسِبَت إِلى عادٍ وهمْ قومُ هودٍ النبيِّ صلى الله عليه"

ويقول كرَوفُرد في كتابه مملكة الفونج الاسلامية (باللغة الانجليزية) ان إقليم قلعيب وملاحيب يقع في جنوب أرض البجة، ويرى إمكانية الربط بين قلعيب وبين بيت مالي Malé وهو اسم جبل شمال Agere Mageran على خريطة موزنجر،هو اسم لقبيلة وموضح على خريطة Legean ويرجح كرَوفُرد (ص 104) أن Agere Mageran تقع بالقرب من الحدود الشالية الغربية الأرترية.

ويواصل ابن حوقل (ص 60): واصفاً منطقة جبل ملاحيب ودلتا القاش وأواسط نهر عطبرة قائلاً: "ويتصل بجبل ملاحيب من شقه الشرقي وادٍ يعرف بصيغوات كثير الماء أيضاً والشجر والحمر والوحوش ... وكأن هذا الجبل آخذ بأوديته من نواحي البحر المالح إلى دُكن [دلتا القاش] وهي أرض مزارع أحواف يجري إليها ماء النيل، ويزرع عليها الذرة والدخن أهل النوبة ومن يحضر معهم من البجة"

ويرى كراوفورد - ص 96 - أن دلتا القاش عرفت ببلاد التاكا، يقول Sapeto أن الحبش أطلقوا على سكان دلتا القاش Makidaovi . وقد عرِّفت مملكة دُجن أو دُكن بدلتا القاش. وربما كانت دلتا القاش موطناً لسكان قدماء أطلق عليهم بلايني اسم ال Mathetae، والذين ربما كان اسمهم لا يزال عائشاً في اسم Mitatib شمال أروما واسم Temitatei على نهر عطبرة شمال جوز رجب. وربما ارتبط Mathetae باسم قبيل المتت الذين ورد ذكرهم في وثيقة اكسومية ترجع إلى القرن الرابع قبل الميلاد مما يوضح أن منطقة دلتا القاش كانت مأهولة بالسكان منذ العصور السابقة للميلاد.

ويواصل ابن حوقل – ص 61 - وصف المنطقة "النهر المعروف بسنسابي ويفرع إلى النيل، وأصله من ناحية الحبشة. والنهر المعروف بالدجن يأتي من بلد الحبشة فينقطع في أعمال دجن ومزارعها، ودجن هذه قرى متصلة ذوات مياه مشاجر وزرع وضرع ... وقد تقدم أن وادي بركة يجري من بلد الحبشة مجتازاً على بازين وآخذاً إلى ناحية البُجة، ويصب بين سواكن وباضع في البحر المالح."

ونهر سنسابي – كما يرى كرَوفُرد ربما هو مارب-قاش الذي يعرف في منطقة البازين كما ذكر موزنجر بـ Sona or soba والدجن أوالدكن هي دلتا القاش. ويقول ابن سليم عن بلاد البجة: "والمواشي من البقر والغنم والضأن غاية في الكثرة عندهم، وبقرهم وحسان معلمة بقرون عظام، ومنها جُم وكباشهم كذلك منمرة ولها ألبان." الجُم هي التي لاقرون لها.

وذكر وكراوفورد أن الباحثين عرّفوا دُكن بدلتا القاش، كما عرفت ببلاد التاكا. وقد كانت تنتج نوعاً جيداً من القمح كان يحمل إلى سواكن وجدة، وكان سعره في جدة أغلى من القمح المصري. وكان قمح دلتا القاش يتحمل التخزين في المطمورات أكثر من أي نوع آخر من القمح، وفي بعض الأحيان تصل مدة التخزين إلى خمس سنوات يظل القمح فيها جيداً.

وقد وصف ابن سعيد المغربي في كتابه الجغرافيا الجزء الشمالي من الهضبة الاثيوبية والمنطقة السهلية الممتدة شماليها فوضح وفرة المياه وتواجد الحيوانات مثل الكركدن والأسود والفيلة والغزلان.

وهكذا تبدو منطقة خور بركة والقاش ونهر سنسابي وامتدادها حتى سواحل البحر الأحمر غنية بالموارد. وإلى جانب ما ورد عن وفرة المياه والزراعة تناولت المصادر أيضاً تنوع الأشجار وكثرة الثروة الحيوانية فيقول:
" وفي أوديتهم شجر المقل والإهليلج والإذخر، والشيح والسنا والحنظل، وشجر البان وغير ذلك ، وبأقصى بلدهم: النخل وشجر الكرم والرياحين، وغير ذلك مما لم يزرعه أحد ... وفيها سائر الوحش من السباع والفيلة والنمور والفهود والقردة وعناق الأرض والزباد، ودابة تشبه الغزال حسنة المنظر لها قرنان على لون الذهب قليلة البقاء إذا صيدت، ومن الطيور: الببغاء، والنقيط، والنوبيّ، والقماريّ، ودجاج الحبش، وحمام بازين ... ومثل الكركدن والأسود والفيلة والغزلان الأفيلة والزرافات والنمر والفهد إلى سائر الوحوش سائمة راتعة والخيل والماشية "

ويواصل ابن سليم وتعظم الحيات ببلدهم وتكثر أصنافها، ورُئِيَتْ حية في غدير ماء، قد أخرجت ذنبها والتفّت على امرأة وردت فقتلتها، فرؤي شحمها قد خرج من دبرها من شدّة الضغطة، وبها حية ليس لها رأس، وطرفاها سواء منقشة ليست بالكبيرة إذا مشى الإنسان على أثرها مات، وإذا قُتِلت وأَمسك القاتل ما قتلها به من عود أو حربة في يده، ولم يلقه من ساعته مات، وقتلت حية منها بخشبة، فانشقت الخشبة، وإذا تأمّل هذه الحية أحد، وهي ميتة أو حية أصابه ضررها. وفي البجة شر وتسرع إليه"

ومن خلالا هذا الوصف يتضح أن المنطقة الواقعة بين دَهلك وباضع وسواكن على ساحل البحر الأحمر شرقا والممتدة غرباً عبر وادي بركة وخور القاش ونهر عطبرة حتى نهر النيل كانت ثرية بمواردها المائية والنباتية والحيوانية. وقد تناولت المصادر اللاحقة أيضاً تلك الثروات كما عند ابن عبد الظاهر في كتابه "تشريف الأيام والعصور بسيرة الملك المنصور قلاوون" في وصفه الموجز للسفارة التي أرسلها السلطان المملوكي لحكام السودان في آخر القرن السابع الهجري (13م) وعند النويري في كتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري في وصفه للحملة التي أرسلها السلطان المملوكي الناصر محمد عام 716 هـ / 1317 م لتطارد بعض الأعراب الذين قطعوا الطريق لقافلة في صحراء عيذاب والتي وصلت إلى منطقة كسلا الحالية من عيذاب وعبر سواكن ثم واصلت إلى دنقلة عبر نهر عطبرة.

المعادن
إلى جانب الثروات المائية والنباتية والحيوانية تميزت بلاد البجة أيضاً بوفرة ثرواتها المعدنية, وتضمنت المصادر العربية المبكرة معلومات قيمة عن أنواع تلك المعادن وأماكنها. فقد قال ابن سليم عن البجة "بلدانهم كلها معادن، وكلما تصاعدت كانت أجود والذهب أكثر" وبين ابن سليم أنواع تلك المعادن من "الفضة والنحاس والحديد والرصاص وحجر المغنطيس والمرقشيتا والجمشت والزمرد وحجارة بيشطا" وأضاف اليعقوبي الجوهر والزمرد. وبين المسعودي موقع معدن الزمرد وفصل أنواعه قائلاً:

ومعدن الزمرد في عمل الصعيد الأعلى من أعمال مدينة قفط، ومنها يخرج إلى هذا المعدن، والموضع الذي فيه الزمرد يعرف بالخربة مفاوز و جبال ... والزمرد الذي يقتلع من هذا المكان يتنوع أربعة أنواع:

"النوع الأول منها يعرف بالمر، وهو أجودها وأغلاها ثمنا، وهو شديد الخضرة كثير الماء، يشبه خضرته بأشد ما يكون من السلق خضرة، وهذا اللون غير كدر ولا ضارب إلى السواد. والنوع الثاني يدعى بالبحري، ومعناهم في هذه التسمية هو أن ملوك البحر من السند والهند والزنج والصين ترغب في هذا النوع من الزمرد، وتباهي في استعماله ولباسه في تيجانها وأكاليلها وخواتيمها وأسورتها، فسمي البحري لما ذكرنا، وهو ثاني المر في الجودة وتشبه خضرته بالأول والماء كفراخ ورق الأس الذي يظهر في أوائل أغصان الآس وأطرافه."

"والنوع الثالث يعرف بالمغربي، ومعناهم في هذه التسمية وإضافتهم إياه إلى المغرب هو أن ملوك المغرب من الإفرنجة والنوكبرد والأندلس والجلالقة والوشكند والصقالبة والروس ... والنوع الرابع هو المسمى بالأصم، وهو أدنى الأنواع وأقلها ثمناً؛ لقلة مائه وخُضرته، وهذا النوع يتفاوت في اللون من الخضرة في القلة والكثرة."

"وجملة الوصف لهذه الأنواع الأربعة في الجودة والمبالغة في الثمن هو أكثرها ماء وأصفاها وأكثرها خضرة وأنقاها من السواد والصفرة، وغير ذلك من الألوان، مع تعري هذا الجوهر من النموشة، فإذا سلم مما ذكرنا كان في نوعه غايةً في الجودة ونهاية في الوصف، وفىِ حجارته ما يبلغ الخمسة المثاقيل من الوزن، إلى أن ينتهي إلى حد العدسة في المقدار، فيدخل ذلك في النظم من المخانق وغيرها."

"وقد كانت ملوك اليونانيين ومن تلاهم من ملوك الروم تعظم شأن هذا الجوهر، وتفضله على غيره من سائر الجواهر؛ لما اجتمع فيه من الخواص العجيبة، والمنافع الكثيرة، ولخفته في الوزن دون سائر الجواهر المعدنية."

"وأكثر ما يوجد من هذه الأنواع الأربعة العروق في الأرض، وهو المتَنافس فيه، إذا سلم من الاعوجاج والثقب، واستقام سلكه، واستطال ما استدار، وأدناه ما ينحل في معدنه من التراب ويلتقط من الطين، وقد يوجد على ظهر الأرض في هذا المعدن في وهاده وجباله وما انخفض وارتفع من أرضه نوعان منه وهما المغربي والأصم المقدم ذكرهما."

وقد فصل اليعقوبي في كتاب البلدان أماكن تلك المعادن المنشرة حول وادي العلاقي وبين المسافات بينها وذكر بعض أسماء القبائل العربية التي تشتغل في التعدين مثل جهينة وبلي وربيعة. وبين اليعقوبي نحو اثنتي عشرة موقعاً لمعدن الزمرد من بين وادي العلاقي حتى خربة الملك شمالاً، وثمانية مواضع للذهب ما بين وادي العلاقي وميناء عيذاب على البحر الأحمر، وستة مواقع إلى الجنوب من وادي العلاقي يقع آخرها على بعد ثلاثين مرحلة من وادي العلاقي.

وبينت المصادر العربية علاقة البجة الوثيقة بهذه المعادن في كل المنطقة الواقعة بين صحراء قوص في الشمال وخور بركة في الجنوب. وقد ذكرنا أعلاه أن ابن سليم حدد أول بلد البجة "من قرية تعرف بالخربة من معدن الزمرد في صحراء قوص" وذكر المسعودي أن البجة تنزل موضع الزمرد المعروف بالخربة وتقوم بحمايته، "وإليها يؤدي الخفارات من يرد إلى حفر الزمرد" وأضاف أن البجة كانت تنزل أيضاً حول معدن الزمرد في البر المتصل بأسوان وقريباً منه لأجل القيام بخفره وحفظه.

ووضح الطبري – في تاريخه - أن البجة يشرفون على معادن الذهب ويقومون بمقاسمة العاملين عليه، "ويؤدون إلى عمال السلطان في مصر في كل سنة عن معادنهم أربعمائة مثقال تبر قبل أن يطبخ ويصفى." ويتضح أن العمل في كل مناطق التعدين كان تحت إشراف البجة الذين كانوا يسيطرون على كل مناطقه. ولكنهم لم يعملوا في استخراجه، بل اكتفوا بمهمة الإشراف واستتباب الأمن في تلك المناطق. فقد ذكر ابن سليم أن المسلمون هم الذين يعملون في هذه المعادن، وهم مسالمون للبجة.

غير أن الادريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق - ذكر ما يفيد أن البجة كانوا يحتكرون بعض مناطق التعدين ربما لأن العمل فيها لا يحتاج إلى حفر ويتطلب فقط المعرفة التامة بالمنطقة. فقد ذكر أنهم كانوا يقومون بالبحث عن الذهب في بعض المناطق الرملية في صحراء وادي العلاقي في أول ليالي الشهر العربي وآخره. فكانوا يذهبون إلى تلك الرمال ليلاً فإذا أبصر أحدهم التبر يضيء "علّم على موضعه علامة يعرفها وبات هنالك فإذا أصبح عمد كل واحد منهم إلى علامته في كوم الرمل الذي علم عليه ثم يأخذه ويحمله معه على نجيبه فيمضي به إلى آبار هنالك ثم يقبل على غسله بالماء في جفنة عود فيتخرج التبر منه ثم يؤلفه بالزئبق ويسبكه بعد ذلك فما اجتمع لهم منه تبايعوه بينهم واشتراه بعضهم من بعض ثم يحمله التجار إلى سائر الأقطار وهذا شغلهم دأباً لا يفترون عنه ومن ذلك معايشهم ومبادئ مكاسبهم وعليه يعولون."

ويلاحظ أن الادريسي يتحدث هنا عن البجة بصورة عامة ولا يشير إلى أن هذا العمل تقوم به بعض قبائل البجة المجاورة لتلك الرمال. ويبدو من كلامه وكأن هذا هو كل نشاط قبائل البجة في التعدين. وكثيراً ما تأتي مثل هذه التعميمات في المصادر العربية فتؤدي أحياناً إلى التضارب في المعلومات وأحياناً أخرى إلى الفهم الخطأ لقبائل وتاريخ قبائل البجة. وفي هذه الحالة فقد رأينا أن العلاقة القوية بين البجة والتعدين هي الاشراف والخفارة والتأمين، ويقاسمون بذلك من يعمل في تلك المعادن، هذا إلي جانب النشاطات الرعوية والزراعية والتجارية الأخرى. وليس كما ذكر الادريسي وهو يتحدث عن البجة بصورة عامه أن العمل في البحث عن الذهب في تلك الرمال هو سبيل "معايشهم ومبادئ مكاسبهم وعليه يعولون"

وكان وادي العلاقي هو المركز والمقر الرئيس لأعمال التعدين، وذكر ابن سعيد أن "العلاقي هو مقر ملك البجة." وقد وصفه اليعقوبي بأنه كالمدينة العظيمة، أو وادِ كالقرية الجامعة كما وصفه الادريسي وذكر بأن الماء فيه من آبار عذبة، وهو مكان تجمع البجة ومقصد التجار وفيه خلق كثير وجمع غزير." وكان أكثر سكان العلاقي من ربيعة من بني حنيفة، من أهل اليمامة كما ذكر اليعقوبي، "وانتقلوا إليها بالعيالات والذرية. ووادي العلاقي وما حواليه معادن للتبر، وكل ما قرب منه يعتمل فيه الناس، لكل قوم من التجار وغير التجار، عبيد سودان يعملون في الحفر، ثم يخرجون التبر كالزرنيخ الأصفر، ثم يسبك".

وترجع بدايات اتصال المسلمين بالمعدن إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري (9 م) إلى عاملين رئيسين هما: 1. رأي المسلمون مناطق التعدين والآثار القديمة للعمل فيها أثناء الحملة التي قادها ابن الجهم على مناطق البجة عام 216 هـ، فعند نهاية الحملة رجع الكثير ممن اشتركوا فيها للعمل في مناطق التعدين. 2. أوقف الخليفة العباسي المعتصم (ت 227 هـ) صرف العطاء في مصر والذي كان يصرف للعرب مقابل انخراطهم في الجندية فاضطروا للبحث عن بديل يسترزقون منه، وصادف ذلك بداية تعرف العرب لمناطق التعدين فوفدت إليه مجموعات كبيرة منهم. وكان أغلب الوافدين الأوائل من قبائل الحجاز. ثم جاءت ربيعة في منتصف القرن الثالث وأصبحت لهم السيطرة على ما تبقى من القبائل العربية في المنطقة بعد تحالفهم وتصاهرهم مع البجة. وهكذا قاد البجة نشاطاً واسعاً في مناطق التعدين منذ منتصف القرن الثالث الهجري وحتى توقف العمل في المناجم في "سنة بضع وستين وسبعمائة"

وإلى جانب ذلك شهدت منطقة البجة نشاطاً تجاريّاً آخر وهو صيد اللؤلؤ في مدينة عيذاب. فقد وصف ابن جبير- الذي دخل عيذاب عام 578 هـ - أن مغاص اللؤلؤ في بحر عيذاب "في جزائر على مقربة منها، وأوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف، وهو شهر يونيه العجمي والشهر الذي يتلوه، ويستخرج منه جوهر نفيس، له قيمة سنية، يذهب الغائصون عليه تلك الجزائر في الزوارق ويقيمون فيها الأيام فيعودون بما قسم الله لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق."
ويواصل ابن جبير: "والمغاص منها قريب القعرليس ببعيد. ويستخرجونه في أصداف لها أزواج كأنها نوع من الحيتان أشبه شيء بالسلحفاة. فإذا شقت ظهرت الشقتان من داخلها كأنهما محارتا فضة، ثم يشقون عليها فيجدون فيها الحبة من الجوهر قد غطى عليها لحم الصدف. فيجتمع لهم من ذلك بحسب الحظوظ والأرزاق. فسبحان مقدرها لا اله سواه. لكنهم ببلدة لا رطب فيها ولا يابس قد ألفوا بها عيش البهائم؛ فسبحان مجبب الأوطان أهلها، على أنهم أقرب الوحش منهم الأنس."

ولم يقتصر نشاط قبائل البجة في العمل في التعدين فقط بل كان لهم نشاط تجاري أيضاً في السلع التي يجود يها إقليمهم والأقاليم المجاورة. ورغم أن المصادر لا تمدنا بمعلومات عن أنشطتهم التجارية بقدر ما ذكرت عن عملهم في التعدين. إلا أنه من خلال الاشارات القليلة التي وردت هنا وهناك يتضح منها مساهماتهم المبكرة في الأنشطة التجارية، خاصة وأن سكان المنطقة شتهروا بأنشتهم الجارية الداخلية وفي البحر الأحمر كما وضحت المصادر اليونانية والرومانية كما وضحنا في المقال السابق. وقد تواصل ذلك النشاط بعد دخول المسلمين مصر في الداخل والخارج كما سنلاحظ ذلك عند الحديث عن مدن الحداربة.


</H3>
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 12:22 PM   رقم المشاركة :[3]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
حول أصول سكان السودان (3)
أحمد الياس حسين



قبيلة الحداربة
تناولنل في مقالنا السابق بلاد البجة ورأينا أنها كانت تتمتع بوفرة المياه من الأنهار دائمة الجريان ومياه الأمطار مما وفر ثروة زراعية وحيوانية غنية إلى جانب التجارة والتعدين. أدى كل ذلك إلى مساهمة سكان بلاد البجة بنصيب واضح في الآوضاع الحضارية في المنطقة. وسنتناول في مقالاتنا التالية ما ورد عن أؤلئك السكان في المصادر العربية حتى القرن الخامس عشرالميلادي أي قبل ظهور مسميات القبائل المعروفة لنا حاليّاً، وسنبدأ بقبيلة الحداربة.
قبيلة الحداربة من أكبر قبائل البجة التي حظيت بنصيب وافر من المادة في المصادر العربية. ونسبة لغزارة تلك المادة فسنتناولها في ثلاث حلقات نقسمها زمنيّاً وفقاً للوقت الذي أُلّفت فيه تلك المصادر. وسنتناول أولاً المادة التي وردت في مصادر القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) وهي الفترة التي شهدت أغزر وأصدق مادة عن قبائل البجة في المصادر العربية، ونختتم الموضوع بالتعليق على المادة الشحيحة التي وردت في المصادر التي كتبت في القرون الخامس والسادس والسابع الهجرية (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الميلاديين). ، ثم ننتقل في الحلقات التالية إلى تناول ما ورد عند العمري وما نقله عنه القلقشندي ونواصل مناقشة ذلك إلى جانب ما ورد عن العربان وإماراتهم وما ورد في مصادر القرن التاسع الهجري (الخامس عشرالميلادي)
وقد اعتمد الباحث بصورة كبيرة علي كتاب مصطفي محمد
مسعد القيم المسمى «المكتبة العربية السودانية في العصور السطى: مجموعة النصوص والوثائق العربية الخاصة بتاريخ السودان « ونشرته جامعة القاهرة فرع الخرطوم رقم 4 عام 1972. فالاحالات الواردة إلى المصادر هنا ترجع إلى ما كتاب مصطفى محمد مسعد إلا إذا ذكر خلاف ذلك. كما استعنت بالمادة التي جمعتها قبل عدة سنوات من موقع الوراق (warraq.com)
أ. قبيلة الحداربة في المصادر العربية المبكرة 3 ? 4 ه (9 ? 10 م)
هنالك ملاحظة هامة ينبغى مراعاتها ونحن نتناول نصوص المصادر العربية عن قبائل البجة وهي أن أغلب المادة التي وردت في تلك المصادر عن البجة بصورة عامة قُصِد بها الحداربة الأمر الذي يتطلب ضرورة الانتباه لذلك. يقول اليعقوبي (ت 284 ه / 897 م) الذي تعتبر نصوصه من أقدم وأغزر ما وصل إلينا عن البجة في المصادر العربية في كتابه البلدان ص 19:
«ومن العلاقي إلى أرض البجة الذين يسمون الحداربة والكدس خمس وعشرون مرحلة، ومدينة ملك البجة الحداربة يقال لها هجر، يأتيها الناس من المسلمين للتجارات» وفي كتابه التاريخ يقول اليعقوبي ص 21 - 22 «فأول مملكة البجة من حد
أسوان، وهي آخر عمل المسلمين من التيمن بين المشرق والمغرب إلى حد بركات، وهم الجنس الذي يقال له نقيس، ومدينة المملكة يقال لها هجر... وفي بلادهم المعادن من التبر والجوهر، والزمرد، وهم مسالمون للمسلمين، والمسلمون يعملون في بلادهم في المعادن.»
فحدود مملكة البجة الأولى ? مملكة الحداربة - عند اليعقوبي تبدأ من آخر حد المسلمين في
أسوانوتمتد جنوباً حتى وادي بركة. ويتضح من هذا التحديد أن هذه هي المنطقة التي ارتادها المسلمون في عملهم في مجال التعدين. فاليعقوبي أطلق على سكان المملكة الأولى في كتابه التاريخ الحداربة والكدس وعلى مملكتهم مملكة الحداربة، وفي كتابه البلدان أطلق عليهم وعلى اللملكة اسم نقيس، لكنه أعطى العاصمة إسماً واحداً وهو هجر.
ويلاحظ أن اليعقوبي لم يذكر اسم نقيس في كتابه البلدان بينما تكرر اسم الحداربة، وفي كتابه التاريخ جعل الحدارب فرعاً من نقيس. ولم تذكر المصادر العربية الأخري اسم نقيس بل ذكرت الحداربة. ولا نملك ما يساعد على فهم مثل هذه النصوص. هل عرفت القبيلة بالاسمين معاً؟ وإذا كان ذلك كذلك فلماذا لم يظهر الاسم في المصادر الأخرى؟ وهل الاسم القبلى هو نقيس أم الحدارب؟
ويبدو أن نقيس عند اليعقوبي تمثل الاسم القبلي العام فقد قال عنها في كتابه التاريخ ص 22: «ولهم قبائل وبطون كما تكون للعرب، فمنهم: الحدرات، وحجاب، والعماعر وكوير، ومناسة، ورسفة، وعربرتعة.» يميل البعض إلى أن «الحدرات» في هذا النص هم الحداربة، وإذا صدق هذا يكون نقبس اسم عام شامل لقبائل كثيرة في المنطقة مثل الحداربة.
وقد تناول ابن حوقل في كتابه صورة الأرض ص 60 بطون الحداربة فقال: «فأما بطون الحدارب فمنهم: العريتيكة والسوتبار والحوتمة والعنكبيرا والنجريروا والجنيتيكة والواخيكة والحربيب بطن واحد ويتفخذ لهؤلاء القوم كل بطن إلى نحو مائة فخذ، ولكل فخذ رئيس أو رئيسان.» ويبين هذا النص مدى كِبر قبيلة الحداربة. فقد ذُكِرت سبعة بطون، ولكل بطن نحو مائة فخذ وللأفخاذ الكبيرة رئيسان. وقد يصل هذا التقدير بعدد القبيلة إلى نحو نصف مليون فرد.
ويلاحظ أن أسماء بطون وقبائل البجة لم ترد في المصادر العربية الأخرى ولذلك ليس لدينا معلومات عن هذه القبائل. ويمكن فهم عدم وجود إشارات عن هذه القبائل في المصادر العربية لم تهتم كثيراً بذكر فروع قبائل البجة والاستثناء الوحيد هو ما ورد عند اليعقوبي وابن حوقل.
فابن حوقل دخل المنطقة
الشرقية لبلاد البجة، ونتوقع أن يكون على دراية ببطون الحداربة الذين نفترض زيارته لجزء من منطقتهم. أما اليعقوبي الذي كتب قبل ابن حوقل فهو أيضاً قد تجول كثيراً. ودخل مصر حيث انهى تأليف كتابه البلدان فيها. وقد عاصر اليعقوبي في مصر بداية دخول القبائل العربية للعمل في مناطق المعادن في أرض البجة في منتصف القرن الثالث الهجري (9 م).
ولذلك تمكن اليعقوبي من الحصول على معلومات مفصلة عن مناطق التعدين، لكنه لم يذكر هل دخل تلك المناطق التي وصفها أو جمع معلوماته من التجار وغيرهم. كما جاءت معلوماته عن باقي مناطق البجة غزيرة، فهو الوحيد الذي فصل الحديث عن ممالك البجة ومواقعها.
ويرى كراوفوردر (The Fung kingdom of Sennar p 104, 108) أن العريتيكة التي ذكرها ابن حوقل ضمن بطون الحداربة هي قبيلة الأرتيقا الحالية، كما يرى أيضاً أن منطقة أم ناجي البشارية الحالية شرق بربر كانت جزءً من نقيس وذكر أن احد فروع البشاريين يطلق عليه كادبين وربما يرجعون إلى الكذبيين الذين ذكرهم اليعقوبي، ربما كانت هي نفسها كديم المعروفة بعجات عند ابن حوقل. ويعني ذلك أن بطون كديم انتشرت في هذه المنطقة الصحراوية شمال غرب بلاد البجة.
وقد كان قبيلة الحداربة أولى قبائل البجة التي أتصلت بالمسلمبن عند دخولهم مصر وإن لم تشر إليها أغلب المصادر بالاسم، لكن تحديد موقع الحداربة بجوار حدود مصر الجنوبية يوضح هذه الحقيقة. ولعل أول أشارة وردت عن الحداربة ? تحت اسم البجة ? في المصار العربية في التفاصيل التي انفرد بذكرها الواقدي في كتابه (فتوح الشام ج 2 ص 47 و 57 و227) عن حروب المسلمين في صعيد مصر. حيث ذكر أن البيزنطيين استنجدوا بملك النوبة وملك البجاوة الذي سماه مرة «مازغ» ومرة أخرى مكسوج وأن كلاهما لبيا النداء وقَدِما لحرب المسلمين.
وأورد الواقدي (ج 2 ص 228) بعض التفاصيل عن جيش البجة فقال: « وكان مع ملك البجاوة ألف وثلثمائة فيل عليها قباب الجلد بصفائح الفولاذ في كل قبة عشرة من السودان طوال القامة عراة الأجياد على أوساطهم وأكتافهم جلود النمور وغيرها ومعهم الدرق والحراب والكرابيج والقسي والمقاليع وأعمدة الحديد والطبول والقرون. وكانت عدتهم عشرين ألفاً»
يلاحظ أن
مسعد لم يورد النص الذي يوضح موافقة النوبة والبجة على نجدة البيزنطيين في ما نقله من كتاب الواقدي في المكتبة السودانية.
ورغم الشك في مصداقية نصوص الواقدي هذه والمبالغة الواضحة فيها إلا أنها ربما حملت بعض الحقيقة عن وجود البجة ? الحداربة - كقوة لا يستهان بها على حدود مصر الجنوبية الشرقبة. والاشارة الثانية التي وردت عن البجة (الحداربة) أوردها ابن عبد الحكم ( فتوح مصر وأخبارها ص 10) حيث ذكر أن عبد الله بن سعد عندما انتهى من حروبه في بلاد النوبة عام 31 ه تجمع له البجة «فسأل عنهم فأخبر بمكانهم فهان عليه أمرهم فنفذ وتركهم ولم يكن لهم عهد ولا صلح.»
وقد ورد عند ابن حوقل (صورة الأرض ص 55) ما يوضح أن عبد الله بن سعد اشتبك مع البجة وان لم يورد تفاصيل ذلك فقد ذكر أن «عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما فتح مدينة
أسوان وكانت مدينة أزلية، وكان عبر إليها من الحجاز قهر جميع من كان بالصعيد وبها من فراعنة البجة وغيرهم.»
ويشبر هذا النص إلى أن البجة كانوا لا يزالون يحتفظون بقوتهم في صعيد مصر. وقد وضحنا في الفصل الرابع من كتاب «السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية» كيف أنهم كانوا يحكمون بعض المناطق فيما بين مدينتي
أسوان والأقصر الحاليتين حتى منتصف القرن السادس الميلادي أي قيل نحو قرن واحد من دخول السلمبن مصر. وكان هذا الفرع من البجة يعرف باسم البليميين. وإلى جانب البليمين كان هنالك أيضاً المِجا الذين كانوا ينتشرون شرق النيل والترجلودايت على البحر الأحمر. غير أن قوة وانتشار البليميين في القرون السابقة لظهور العرب جعلت اسمهم يطلق على طول المنطقة الواقعة بين النيل والبحر الأحمر. ثم ساد بعد ذلك اسم البجة في المصادر العربية.
وبعد اشتباك البجة الأول مع المسلين في صعيد مصر ? الذي ذكره ابن حوقل - لم تتطرق المصادر إلى أخبارهم إلا في بداية القرن الثاني الهجري حيث ذكر ابن عبد الحكم أت «أول من صالحهم عبيد الله بن الحبحاب» ولم تتطرق المصادر إلى ماحدث في عصر ابن الحبحاب لكن يبدو أن العلاقات كانت متوترة بين البجة (الحداربة) والمسلمين فقد ذكرت المصادر ثلاثة حروب بيين الانبين في الأعوام 212 ه و216 ه و241ه.
ويوضح المسعودي هنا أن البجة على حدود مصر الجنوبية والذين بدأوا علاقاتهم مع المسلين حربية في البداية ثم ودية بعد استقرار المسلمين في أرض المعدن هم الحداربة. وقد وردت الاشارة إلى مملكة البجة (الحداربة) في العهد الذي كُتِب لملك البجة الذي أطلقت عليه المصادر العربية اسم كنون بن عبد العزير عام 216 ه / 831 م. وقد اعتُرِف في هذا العهد بكنون ملكاً على قومه، وورد في المعاهدة أن عاصمته مدينة هجر. فالحداربة كانوا في ذلك الوقت مملكة قوية لها علاقات مع المسلمين في منتصف القرن الثالث الهجري.
وتتضح قوة الحداربة وكبر عددهم في تقدير المسعودي عام 332 ه لقوتهم حيث ذكر في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهرج 2 ص 18) أن: «أبو مروان بشر بن اسحاق ? وهو من ربيعة - يركب في ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن، وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة وهم المسلمون من بين سائر البجة»
نواصل

القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 12:26 PM   رقم المشاركة :[4]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية -4- ..

.

بقلم: د. أحمد الياس حسين

.
وقدر ابن حوقل الذي كان معاصراً للمسعودي في كتابه (صورة الأرض ص 58 ) عدد الجيش الذي أعده ملك البجة علي بابا – كما أطلقت عليه المصادر العربية وهي قراءة للاسم البجاوي أولباب كما ذكر ضرار - لحرب المسلين بـ "مائتي ألف ومعهم ثمانون ألف نجيب" وإذا افترضنا أن في هذه الأرقام نوع من المبالغة إلا أنها تعكس واقع قوة الحداربة الضاربة.

وعن تنظيم الحداربة القبلي اتضح أنهم قبيلة كبيرة ذات تنظيم قيادي واجتماعي محكم. فللقبيلة زعامة كبرى ربما مثل ناظر القبيلة الحالي ، ولكل بطن من القبيلة رئيس أو رئيسان ويبدو أن ذلك يتوقف على عدد أفراد البطن، فإذا كان عدد أفراده كبيراً كان لكل بطن زعيمان.

كما أشار ابن حوقل إلى النظام الطبقي الذي ساد مجتمع الحداربة فوضح أن هنالك طبقتين متميزتين، ويبدو من خلال وصفه أن التقسيم اعتمد على الثروة فأطلق على الطبقة الأولى طبقة المياسير وعلى الطبقة الثانية طبقة الضعفاء. وذكر أن طعام المياسير "اللحم واللبن خاصة" وبين أن الضعفاء "يأكلون الوحش كالغزال والنعام والحمار" وبين أنواع الطعام والأعمال التي لا يقربها المياسير فقال: "ومياسيرهم لا يرون أكل الصيد ولا مخالطة آكله ولا استعمال آنية من استجاز ذلك وأستحله، ولا يحلبون فيها ولا يشربون." فهذه الأطعمة والأعمال خاصة بطبقة الضعفاء.

ووضح ابن حوقل مضارب قبيلة الحداربة الواسعة الممتدة ما بين البحر والنيل، واتضح تنوع مصادر الحياة فيها من الماء والنباتات والحيوان. غير أنه ذكر أن " لا حاضرة لهم وتكون بلادهم التي تمطر وتزرع وينتجعونها بمواشيهم" وهذا يتعارض مع ما تواتر في المصادر عن مدن الحداربة مثل عاصمتهم مدينة هجر ومدينة سواكن ومدينة عيذاب ومدينة صيحة ومدينة بختة. وسيتم التعريف بهذه المدن بإيجاز لحقاً في هذا الفصل.

ب. الحداربة في المصادر العربية 5 – 7 هـ
ويلاحظ شح المعلومات المصادر العربية منذ نهاية القرن الرابع الهجري (10 م) وحتى القرن الثامن الهجري (14 م) عن الحداربة بصورة خاصة والبجة بصورة عامة، وحتى ما وصل في هذه الفترة يتصف بالاختصار الشديد وعدم الدقة أحياناً كما سنلاحظ ذلك. ويمكن القول ان المعلومات التي ذكرهت مؤلفو القرنين الثالث والرابع الهجريين مثل اليعقوبي والطبري والمسعودي وابن حوقل وابن سليم هي آخر ما وصلنا من معلومات مفصلة عن قبائل البجة بما فيهم الحداربة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا قلت المعلومات الواردة عن البجة في تلك القرون - 10 – 14 م - التي شهدت نشاط المسلمين في العمل في مناطق التعدين، كما شهدت فتراتٍ من نشاط ميناء البجة "عيذاب" كمعبر للحجاج وكميناء تجاري. كما شهدت هذه الفترة ظهور عدد كبير من المؤلفات العربية التي تناولت أحداث المنطقة عاش أغلب مؤلفيها في مصر قريباً من البجة. كان من المفترض أن تؤدي كل هذه العوامل إلى توفر المعلومات عن قبائل البجة ونشاطها في المنطقة، ولكن ما حدث جاء خلاف ذلك.

ويبدو معقولاً أن يكون السبب في ذلك هو عدم اهتمام المؤلفين المسلمين بإخبار البجة، حتى الرحالة الذين زاروا بعض مناطقهم ومكثوا فيها لبعض الوقت مثل ناصر خسرو وابن جبير. فهل يرجع السبب في ذلك إلي انعزال البجة ونهاية صلاتهم بالمسلمين؟ لايبدوا ذلك صحيحاً لأنهم كانوا يشاركون في أعمال التعدين حتى توقف العمل فيه في منتصف القرن الثامن الهجري (14 م) كما ذكر المقريزي في كتابه الخطط (موقع الوراق ص 293) وتظل التساؤلات مطروحة والحذر متطلب فيما يرد عن أخبار البجة في تلك القرون كما سنتعرف عليها.

ففي منتصف القرن الخامس الهجري (11 م) دخل الرحالة ناصر خسرو (سفر نامة ص 118) ميناء عيذاب وذكر أنه "خَلْف عيذاب صحراء عظيمة بها مراعي واسعة وخلق كثيرون يسمون البجة، وهم قوم لا دين لهم ولا ملة ولا يؤمنون بنبي ولا إمام وذلك لبعدهم عن العمران. وهم بسكنون صحراء طولها أكثر من ألف فرسخ." وذكر أنهم " ليسوا أشراراً ولا يسرقون ... يشتغلون بتربية ماشيتهم ... يسرق المسلمون أبناءهم ويحملونهم إلى المدن الاسلامية ليبيعونهم فيها"

ورغم أن ناصر خسرو أقام في عيذاب ثلاث أشهر في منتصف القرن الخامس الهجري (11 م) في انتظار تغير إتجاه الرياح ليسافر إلى جدة إلا أن ما أورده عن البجة جاء مقتضباً وغير دقيق مما يوضح عدم اهتمامه بتقصي إخبارهم، كما إنه لم يشر إلى قبيلة الحداربة أو أي قبيلة بجاوية أخرى.

وواضح أن البجة الذين ذكرهم هنا – من وراء عيذاب – بأن "لا دين لهم ولا ملة" هم الحداربة الذين قال عنهم المسعودي قبل نحو مائة سنة "وهم المسلمون من بين سائر البجة" وكان ناصر خسرو الوحيد من بين من المصادر التي اطلعت والتي ذكرت غارات المسلمين على البجة وسرقة أبنائهم وبيعهم رقيقاً مما يقلل من مصداقتها.

ثم جاء بعده الجغرافي المشهور الادريسي في القرن السادس الهجري ( 12م) الذي أورد الكثير من التفاصيل عن سكان وبلاد مملكتي المقرة وعلوة إلا أن ما أورده عن البجة جاء مقتضباً وقال عن بلادهم في كتابه (نزهة المشتاق ص 135) "ليس بأرض البجة قرى ولا خصب وإنما هي جدبة" لم يذكر الحداربة بالاسم، كما تناول نشاط بعض البجة – ربما كانوا من البليين أو الحداربة – في جمع الذهب من الصحراء على ضوء القمر. وفي النهاية أورد مادته الفريدة عن البليين. وتبدو الصلة منطقية بين البليين والحداربة ونقيس إذ ذكروا كلهم في نفس المنطقة ووصفوا بالقوة والعدد الكبير، فهل كان البليون أحد فروع نقيس؟

أما المؤرخ المشهور ابن الأثير (القرن 7 هـ ) فقد تناول فقط الحروب المبكرة بين المسلمين والبجة. وأمدنا ابن سعبد في القرن السابع الهجري بمزيد من المعلومات عن سواكن وبالقليل عن البجة فذكر في كتابه الجغرافيا (موقع الوراق ج 1 ص 22) أن " العلاقي هي مدينة ملك البجا" وربما قصد بذلك أنها حاضرة أحد فروع الحداربة الذين يسيطرون على المنطقة. أو مدينة أحد زعماء البليين القبيلة القوية الذين كانوا يشاركون الحداربة الحياة في المنطقة.

وعن سواكن يواصل ابن سعيد: "وحول جزيرة دهلك من جنوبها وشماليها جزائر مسكونة وخالية راجعة لصاحبها، وربما يحارب عليها مع صاحب جزيرة سواكن وهو من البحار [التجار] وهو مسلم، وله ضرائب على المراكب وإنما تعدل المراكب إليه من بر العرب والحجاز واليمن لأن ذلك أرفق لها. وسواكن صغيرة جداً، أقل من ميل وبينها وبين البر الحبشي مجاز يقطع بالسباحة، وبين سواكن وعيذاب في البحر نحو سبع مراحل. وفي غربي سواكن على نيل الحبشة بلاد الباكه [التاكة] وهم أخوة الحبشة الذين على هذا النيل.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 12:34 PM   رقم المشاركة :[5]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

قبيلة الحداربة في مصادر القرن 8 ه / 14 م
أمدنا الرحالة ابن بطوطة في القرن الثامن الهجري بمزيد من المعلومات عن البجة و بلادهم فتناول المواني وما لاحظه عن طبيعة المنطقة ووصف السكان وأزياءهم وطبيعة معيشتهم. كما تعرض إلى لقبائل العربية التي كانت تعيش مع البجة. وقد دخل ابن بطوطة أرض البجة أكثر من مرة عامي 726 و 732 ه. ففي المرة الأولى دخل عيذاب التي أتى إليها من صعيد مصر في طريقه إلى الحجاز في عام 624 ه/1325 م. ووصف عيذاب (ابن بطوطة: تحفة النظار ص 254) بأنها:
«مدينة كبيرة ... وأهلها البجاة ، وهم سود الألوان يلتحفون بملاحف صفراء، ويشدون على رؤوسهم عصائب يكون عرض العصابة اصبعاً وهم لا يورثون البنات. وطعامهم ألبان الإبل ويركبون المهاري، ويسمونها الصهب. وثلث المدينة للملك الناصر وثلثاها لملك البجاة، وهو يعرف بالحدربي» بفتح الحاء المهمل وإسكان الدال وراء مفتوحة وباء موحدة وياء ... ولما وصلنا إلى عيذاب وجدنا الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك، وقد خرق المراكب، وهرب الترك أمامه فتعذر سفرنا في البحر.»
وضح ابن بطوطة أن عيذاب مدينة كبيرة وسكانها البجة وقصد بالبجة هنا الحداربة، وبين ملابسهم الملاحف ورباط الرأس لكنه لم يذكر شيئاً شعر الرأس مما يوضح أن البجة الذين رآهم ابن بطوطة لم يكونوا يرسلون شعر رؤوسهم وهي السمة التي نقلها عنهم الرحالة فيما بعد. وتبدو قبيلة الحداربة على قدر واضح من القوة والنفوذ بحيث تمكنوا من هزيمة الأتراك الذين ربما أغاروا على المدينة من أجل النهب.
ووضح ابن بطوطة أن البجة (الحداربة) لا يورثون البنات، وهذا ينفي مع ما ورد في بعض المصادر العربية عن عادة والبجة في توريث ابن البنت وابن الأخت دون ولد الصلب. وقد ناقشنا هذه المسألة أعلاه عندما تحدثنا عن السكان ورجحنا ما قاله ابن بطوطة.مستشهدين ببعض الأدلة. ولو أخذنا بذلك ينبغي علينا مراجعة ما دأبت المراجع الحديثة على الاستدلال به من أن العرب تزوجوا بنات الزعماء المحليين في السودان وورثوا السلطة كما جرت عليه عادة توريث ابن البنت ,
وفي المرة الثانية دخل ابن بطوطة ساحل البجة في طريق عودته من الحجاز عام 730 ه / 1329 م. وقد تعرضت سفينتهم لعاصفة ألقت بهم على ساحل البجة فقال في نفس المكان السابق:
«ولم نزل في أهوال حتى خرجنا في مرسى يعرف برأس دوائر، فيما بين عيذابوسواكن فنزلنا به، ووجدنا بساحله عريش قصب على هيئة مسجد، وبه كثير من قشور بيض النعام مملوءة ماء فشربنا منه، وطبخنا ورأيت في ذلك المرسى عجباً، وهو خور مثل الوادي يخرج من البحر، فكان الناس يأخذون الثوب ويمسكون بأطرافه ويخرجون به، وقد امتلأ سمكاً، كل سمكة منها قدر الذراع، ويعرفونه بالبوري فطبخ منه الناس كثيراً واشتروا وقصدت إلينا طائفة من البجاة، وهم سكان تلك الأرض سود الألوان، لباسهم الملاحف الصفر، ويشدون على رؤوسهم عصائب حمراً، عرض الأصبع، وهم أهل نجدة وشجاعة، وسلاحهم الرماح والسيوف، ولهم جمال يسمونها الصهب، يركبونها بالسروج فاكترينا منهم الجمال، وسافرنا معهم في برية كثيرة الغزلان، والبجاة لا يأكلونها وهي تأنس بالآدمي ولا تنفر منه.»1
وصف ابن بطوطة البجة (الحداربة) بأنهم أهل نجدة وشجاعة، وقد تكررت مثل هذه الأوصاف في المصادر العربية، وبين تعاملهم الجيد مع التجار والمحافظة على سلامتهم وتأمين أموالهم. وكانوا يقومون بتأجير جمالهم للتجار وقت الحاجة.
وذكر ابن بطوطة أن البجة لا يأكلون الغزلان وهي كثيرة حتى إنها تأنس بالآدمي. وواضح أن البجة هنا يراد بهم الحداربة الذين وضح ابن حوقل أن «طعامهم اللحم واللبن خاصة، وضعفاؤهم يأكلون الوحوش كالغزال والنعام والحمار، وهم مسلمون بالاسم، ومياسيرهم لا يرون أكل الصيد ولا مخالطة آكليه ولا استعمال آنية من استجاز ذلك واستحله، ولا يحلبون فيها ولا يشربون»
وأعتقد أن تعبير ابن بطوطة هنا أصدق من ابن حوقل، فابن بطوطة يرى أن كل الحداربة لا يأكلون الغزلان بخلاف ابن حوقل الذي يرى أن ضعفاء هم يأكلونها. فالغزلان فيما بين مناطق سواكنوعيذابمن الكثرة بحيث أصبحت إليفة مما يوضح أن لا أحد يأكلها بين الحداربة. ويبدو أن ابن حوقل قصد بضعفائهم الزنافجة.
ويواصل ابن بطوطة: «وبعد يومين من مسيرنا وصلنا إلى حي من العرب يعرفون بأولاد كاهل، مختلطين بالبجاة، عارفين بلسانهم، وفي ذلك اليوم وصلنا إلى جزيرةسواكن، وهي على نحو ستة أميال من البر، ولا ماء بها ولا زرع ولا شجر، والماء يجلب إليها في القوارب، وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر، وهي جزيرة كبيرة، وبها لحوم النعام والغزلان وحمر الوحش، والمعزى عندهم كثير والألبان والسمن ومنها يجلب إلى مكة وحبوبهم الجرجور، وهو نوع من الذرة كبير الحب يجلب منها أيضاً إلى مكة
وعن حاكم سواكن قال ابن بطوطة: «وكان سلطان جزيرة سواكن حين وصولي إليها الشريف زيد بن أبي نمي وأبوه أمير مكة، وأخواه أميراها بعده، وهما عطيفة ورميثة اللذان تقدم ذكرهما وصارت إليه من قبل البجاة، فإنهم أخواله ومعه عسكر من البجاة، وأولاده كاهل وعرب جهينة وركبنا البحر من جزيرة سواكن نريد أرض اليمن.»
ولم يوضح ابن بطوطة أي قبائل البجة تسكن مدينة سواكن، ولكن القلقشندي ? كما سيرد لاحقاً - وضح أنهم من الحداربة المسيطرين على المنطقة. ومما يدعم ذلك أن ابن بطوطة وضح أن الحداربة يسكون عيذاب، وكانت قبضتهم قوية على المنطقة براًّ وبحراً فقد حارب سلطان الحداربة ? كا ذكر ابن بطوطة ? الأتراك الذين هاجمت سفنهم عيذاب، وتمكن من هزيمتهم وفروا أمامه في البحر. ولذلك فيبدو مقبولاً أن يكون سكان سواكن القريبة من عيذاب من الحداربة أيضاً إلى جانب الخاسة الذين ذكرهم المقريزي.
وذكر ابن بطوطة أنه عندما دخل سواكن كان واليها زيد بن أبي نمي وهو ابن أمير مكة الشريف الحسني الذي تولت اسرته إمارة مكة منذ بداية القرن السابع الهجري (13 م). وقد ذكر ابن فضل الله العمري في كتابه مسالك الأبصار (ص 246) الذي كان معاصراً لابن بطوطة أن بنو نمي كانوا تحت طاعة المماليك. وكان أمراء مكةيعترفون بسلطة أمراء المماليك على مناطق نفوذهم كما ذكر ابن خلدون2 وقد فرض المماليك سيادتهم على سواكن منذ بداية قيام دولتهم، فقد استولى عليها اسطول المماليك عام 664 ه / 1265 م وهرب أميرها الشريف علم الدين أسبغاني، لكنه عاد إليها بعد مغادرة الجيش المملوكي.
وفي المرة الثااثة دخل ابن بطوطة بلاد البجة قادماً من الأراضي المقدسة فقال:
«ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب، فردتنا الريح إلى جبل يعرف برأس دواير وسافرنا منه في البر مع البجاة. ووردنا ماء كثيرة النعام والغزلان، فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة. ووردنا ماء يعرف بمفرور، وماء يعرف بالجديد. ونفذ زادنا فاشترينا من قوم من البجاة وجدناهم بالفلاة أغناماً وتزودنا لحومها ورأيت بهذه الفلاة صبياً من العرب كلمني باللسان العربي وأخبرني أن البجاة أسروه، وزعم أنه منذ عام لم يأكل طعاماً. وإنما يقتات بلبن الإبل ونفد منا بعد ذلك اللحم الذي اشتريناه، ولم يبق لنا زاد وكان عندي نحو حمل من التمر الصيحاني والبرني برسم الهدية لأصحابي ففرقته على الرفقة، وتزودناه ثلاثاً وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دواير، وصلنا إلى عيذاب؟» ومن هنالك سار ابن بطوطن نحو النيل في صعيد مصر.
تحدث ابن بطوطة عن عرب جهينة وبني كاهل كما ورد أعلاه. ذكر في المرة الأولى أن «أولاد كاهل مختلطين بالبجة عارفين بلسانهم ... ووضح أن طاعتهم للبجة» كما تناولهما أثناء حديثه عن عساكر سلطان سواكن المكونين «من البجاة وأولاد كاهل وعرب جهينة.»
يلاحظ أن هؤلاء هم العرب الوحيدون الذين رآهم ابن بطوطة في مناطق البجة التي مر بها باستثناء الفتى العربي الذي ذكر أن البجة أسرته. وإذا تذكرنا أن ابن بطوطة مر ببهذه المناطق بعد انهيار مملكة المقرة المسيحية وما تردد عن اجتياح القبائل العربية للسودان بعد انهيار تلك المملكة يتبادر إلى ذهننا سؤال هام وهو أين أؤلئك العرب الذين تناولت المراجع العربية وغير العربية اجتياحها للسودان؟ لماذا لم يلاحظها أو يكتب عنها ابن بطوطة وهو الذي كتب عن عربي واحد وجده بين البجة؟
هل لأنه لم تكن هنالك قبائل عربية ماعدا أولاد كاهل وجهينة الذين كان بعضهم يخدم كجنود عند حاكم سواكن، وبقيتهم مختلطين بالبجة ويتحدثون لغتهم وتحت حكمهم. أرى أن هذا هو الافتراض الوحيد. وربما نقول إن ابن بطوطة لم يلاحظ العرب في المنطقة لأنه مر بها بعد فترة قصيرة ? نحو عقدين فقط - من انهيار مملكة المقرة ولذلك لم يدون ما تواتر ? في المراجع وليس في المصادر ? عن اجتياح القبائل العربية لأراضي السودان.
كما يلاحظ أيضاً أن المؤلفين الذين عاصرو أو كتبوا بعد ابن بطوطة والذين تناولوا باسهاب انهيار مملكة المقرة المسيحية وما تلاها من أحداث في منطقة النوبة لم يشيروا أبدأً لاجتياح أو دخول القبائل العربية عبر مناطق البجة مثل أبو الفداء (ت 732 ه/ 1331 م) في كتابيه المختصر في أخبار البشر و تقويم البلدان» والنويري (ت 732 ه/ 2332 م) في كتابه «نهاية الأرب في فنون الأدب» (ت739 ه_/ 1338 م) والدمشقي في كتابه «نخبة الدهر في عجائب البر والبحر» وابن فضل الله العمري (ت 749 هت/ 1348 م) في موسوعته «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» وابن الفرات (807 ه/ 1405 م) في كتابه تاريخ الدول والملوك والقلقشندي (ت 831 ه/ 1418 م) في موسوعته «صبح الأعشى» وكتابه «نهاية الأرب» والمقريزي (ت 845 ه/ 1445 م) في كتبه « المواعظ والاعتبار و البيان والاعراب عما بأرض مصر من الأعراب و السلوك لمعرفة دول الملوك والمقفى» وابن الوردي (861 ه/ 1457 م) في كتابه خريدة العجائب» وأبوالمحاسن (ت 874 ه/ 1469 م) في كتاب «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» وابن إياس (ت 930 ه/ 1523 م) في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور»
وفيما يتعلق بما ذكره ابن خلدون عن قبيلة جهينة حيث قال: «وبالصعيد الأعلى من السودان وما وراءها إلى أرض النوبة إلى بلاد الحبشة قبائل متعددة وأحياء متفرقة كلهم من جهينة ... زاحموا الحبشة في بلادهم.» فقد ناقشت ذلك بإسهاب في مقال بعنوان «قبيلة جهينة هل تكاثرت وتغلبت على النوبة وأزالت ملكهم كما روى ابن خلدون؟ أم كانت غائبة تماما عن تلك الأحداث؟ ونشر المقال في مجلة دراسات سودانية التي يصدرها معهد الدراسات الافريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم العدد 15 أكتوبر 2009. وقد استنتجت الدراسة أن قبيلة جهينة كانت غائبة تماماً عن تلك الأحداث
ونواصل متابعتنا لما أورده كتاب القرن الثامن الهجري (14 م) عن البجة وبلادهم. تناول النويري في كتابه «نهاية الأرب في فنون الأدب (ص 217) بدية تدخل المماليك للسيطرة على سواكن عام 664 ه./ 1265 م. لكنه لم يمدنا بعلومات مفصلة عن البجة ومناطقهم عندما تناول أحداث الحملة التي أعدها السلطان الناصر محمد عام 716 ه لمطاردة الأعراب الذين هاجموا قافلة رسول حاكم اليمن إلى السلطان المملوكي في صحراء عيذاب. فدخلت الحملة عيذاب وخرجت منها بحثاً هن الأعراب حتى وصلوا سواكن ولم يعثروا على الأعراب.
وخرجت الحملة من سواكن بحثاً عن الأعراب «فدخلوا البرية يتبعون آثارهم، فساروا سبعة عشر يوماً وفي أثناء سيرهم ظفروا بطوائف نت السودان بقرب المياه وأودية هناك، فقتل العسكر منهم وأسر وسبى وغنم من مواشيهم من الأبقار والأغنام ما ارتفق به الجند، وانتهوا إلى وادي أيتريب في اليوم السابع عشر ... ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى ازبينات وهو جبل صغير على شاطئء نهر أتبرا.»
ثم سا روا على نهر أتبرا ثلاث أيام غرباً «والنهر على يمين العسكرثم فوزوا ودخلوا البرية إلى أرض التاكة فانتهوا في اليوم الثالث من دخولهم المفازة إلج جبلكسلان [كسلا] ... وهذا الجبل هو حد بلاد التاكة من الحبشة من السودان.» وعند الجبل أغارت عليهم «طائف من الهلنكة [الحلنقة] ... وبأيدي هلنكة الحراب والمزاريب والسيوف ومع بعضهم النبل ... فقاتلهم العسكر ورموهم رشقا واحداً بالسهام، فقتل من هلنكة اربعمائة وستون نفراً وجرح منهم خلق كثير.ولم يتمكن العسكر من أسرهم لأنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من الأسر. وقتل إثنان من ملوكهم ... وعادوا حتى انتهور إلى اربيباب ... فعدلوا إلى جهة الأبواب من بلاد النوبة ، وأخذوا على نهر أتبرا فساروا على شاطئه عشرين يوماً ... ثم انتهوا إلى قبلة الأبواب ... وتوجهوا إلى دنقلة في سبعة عشر يوماً
كان النويري معاصراً للحملة لكنه لم يستفسر أفراد الحملة عن البلاد وطبيعتها وعن السكان وأوضاعهم. وفي واقع الأمر كان اهتمامه فقط بالأخبار المتعلقة بالحملة، وحتى عندما يتعرض للمنطقة وأهلها يكون ذلك بالقدر الذي يكمل معلوماته عن الحملة. ورغم ذلك فإن ما ذكره عن داخل المنطقة يمثل المعلومات المبكرة عن التاكةوكسلا وقبيلة الحلنقة. ويلاحظ أن الحملة سارت ما بين عيذابوسواكن ثم توغلت حتى كسلا ثم تابعت ? في طريق عودتها - نهر عطبرة حتى النيل ودنقلة ولم تصادف في كل هذه المناطق قبيلة أو جماعات عربية عائشة هنالك. ويعني ذلك أن المنطقة كانت خالية من العرب قبل قرن واحد من قيام تحالف العبدلاب.
نواصل متابعتنا عن البجة وبلادهم في مصادر القرن الثامن الهجري. فالبجة عند الدمشقي هم الحداربة والزنافجة فقط حيث قال في كتابه نخبة الدهر في عجائب البر والبحر ص 237:
«البجة وهم صنفان: حداربة وملكهم يسكن هجر، والزنافجة وملكهم يسكن مدينة نقلين،ووكلهم ينتفون لحاهم ويدعون شعرات يسيرة، وهم عرايا من المخيط، ملتحفون بثياب مصبغة، ولهم مدائن : أوتل وعَدَل وجزيرة دهلك وجزيرة سواكن ومدينة عيذاب فرضة التجار من اليمن ومصر ويتصل بهم طائفة من السودان تسمى خاسة السفلى كفار، وخاسة العليا مسلمون، وهم أقل الناس غيرة ونخوة على النساء. وغالب هؤلاء لا يلبسون المخيط، ولا يسكنون المدن.»
أما أبو الفاء الذي تناول في كتابه المختصر في أخبار البشر البجة عند الحديث عن أمم السودان فذكر: «من أممهم البجا، وهم شديدو السواد عراة يعبدون الأوثان، وهم أهل أمن وحسن مرافقة للتجار، وفي بلادهم الذهب، وهم فوق الحبشة إلى جهة الجنوب على النيل.» وجاء في كتابه تقويم البلدان «ومن العلاقي يدخل الانسان إلى بلاد البجة» وعن عيذاب: «وبعضهم يجعلها من بلاد البجة» ويبدو واضحاً ضعف وقلة معلومات الدمشقي وأبي الفداء عن البجة.
وهكذا نلاحظ بوضوح أن كل المصادر لم تتناول ما تررد في المراجع الحديثة عن اجتياح القبائل العربية أراضي السودان. ونكرر السؤال هنا: هل لم يحدث ذلك الاجتياح كما روته المراجع؟ ومن أين أتت المراجع بتلك المعلومات؟ يبدو أن المراجع الحديثة العربية وغير العربية قد استندت على الروايات الشفاهية المتداولة بين القبائل في السودان والتي توضح كيف ومتى ومن أين دخل جدود تلك القبائل ومؤسسيها وقدمته باعتباره حقائق تاريخية.
ومن الغريب في الأمر رغم إدراك مؤلفي تلك المراجع أن كل تلك المعلومات ما هي إلا تراث شعبي لا ترقى إلى مستوى الحقائق التاريخية فإنهم استخدموها بكثرة حتى أصبحت من المسلمات وتم التعامل معها باعتبارها حقائق تاريخية. وتأسس على تلك المسلمات (الروايات الشفاهية) تاريخ سكان السودان في العصرالحديث. ومن الغريب أيضاً أن المؤسسات الأكاديمية أخذت أيضاً بتلك المسلمات ولم تستقص لماذا لا يوجد أي سند لتلك المسلمات في المصادر المعاصرة لتلك الأحداث؟
لم يتبق من مؤلفي القرن الثامن الهجري الذين نتناول كتاباتهم غير ابن فضل الله العمري، وقد أرجأنا تناوله حتى النهاية لأن الحديث عن نصوصه يقودنا إلي القلقشندي من مؤلفي القرن الثامن، وسنتناول ذلك تحت عنوان مستقل هو العمري والقلقشندي.
كتابات العمري والقلقشندي
وفي منتصف القرن الثامن جاء ابن فضل الله بنصين أحدهما عن ولاة عربان الوجه القبلي والثاني عن سواكن. جاء النص الأول في كتاب «التعريف بالمصطلح الشريف» كما يلي:
«وشيخ الحواربة سَمُرة بن سالك، وهو ذو عدد جم وشوكة منكية يغزو الحبشة وامم السودان ويأتي بالنهب وبالسبايا، وله أثر محمود، وفعل مأثور، ووفد على السلطان وعقد له لواءاً وشرف بالتشريف وقلد ذلك وكتب [السلطان] الى ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب معه للغزو متى أراد، وكتب منشور بما يفح من البلاد وتقليداً بأمرة العربان القبلة مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته وتركز رايته. ورسم المكاتبة إليه السامي الأمير كمن تقدم.»
أما النص الثاني فقد جاء في كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» (مسعد ص 245) جاء فيه:
«وجزيرة سواكن ليس بها مملكة مشهورة ولا متاجر مذكورة وكل أهلها مسلمون قائمون بالاسلام، وتجلب منها إلى مصر أغنام حسان يُقتنى بها للفرجة لا للأكل والنتاج ... وأما سواكن ففيها الشريف زيد بن أبي نمي الحسني وهو في طاعة صاحب مصر.»
ويلاحظ على ما كتبه العمرى عن البجة الاختصار الشديد وبخاصة في موسوعته الكبيرة «مسالك الأبصار»والتي تضم عشرين مجلداً وقد كان العمري مشرفاً على ديوان الانشاء في القاهرة وهو مركز يمكنه من الاطلاع على كل أخبار الدولة والمناطق المجاورة.
فالعمري لم يورد في موسوعته الضخمة غيرالنص السابق عن البجة، مع العلم بأنه أورد نحو اربع صفحات عن مملكة النوبة الذين ربطتهم مع مصر في ذلك الوقت علاقات متطورة. وإذا قارنا ما كتبه العمري مع ما كتبه معاصره النويري عن البجة والنوبة في موسوعته «نهاية الأرب في فنون الأدب» اتضح لنا إلى أي مدى لم يكن العمري مهتماً بأخبار السودان، فقد بلغ ما أورد النويري عن البجة نحو ست صفحات وعن النوبة نحو أربعة عشرة صفحة. وينبغي علينا أن نضع هذا في اعتبارنا ونحن نحكم على نصوص العمري.
ونبدأ بالنص الأول الذي يعتبر من بين الأدلة على عروبة الحداربة. ويبدو أن نص العمري الأصلى قد تعرض لبعض التغيير أثناء النقل والتدوين، فالنص يخاطب «شيخ الحواربة» وليس الحداربة. وقد اتُّفِقَ على قراءته الحداربة باعتبار حدوث بعض التغيير في كتابة الاسم. ثم إن اسم الشيخ في النص « سَمُرة بن سالك» وكذلك في نص القلقشندي في كتابه نهاية الأرب، ولكن في النص الذي نقله القلقشندي من كتاب العمري جاء الاسم « سَمُرة بن مالك» وليس ابن سالك. والملاحظ أن أغلب المؤلفات الحديثة استخدمت النص الأخير الي لم يرد عند العمري صاحب النص الأصلي.
ولنأخذ النص كما ورد عند العمري واصطلح على قراءته «شيخ الحداربة» فنص العمري لم يقل أن شيخ الحداربة عربي ولم ينسبه لأي قبيلة عربية أو غير عربية بل ورد أن السلطان «كتب الى ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب معه للغزو متى أراد، وكتب له منشور يتولى بمقتضاه بما يفتح من البلاد، وتقليداً بإمرة عربان القبلة مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته.»
فقد أمر السلطان المملوكي ولاة الوجه القبلي (بصعيد مصر) والعربان أن يساعدوا الشيخ. ووضح النص أن السلطان قلده ولاية العربان. وليس هنالك في نص العمري ما يشير إلى انتماء الشيخ العرقي (الاثني) لكن ورد توضيح العرق في النص الذي نقله القلقشندي في كتابه صبح الأعشى (ج 3 / ص 161 موقع الوراق) عن كتاب التعريف للعمري، قال القلقشندي:
«وأما عرب الوجه القبلي، فقد ذكر في التعريف أنه كان منهم في زمانه نفران: أحدهما ناصر الدين عمر بن فضل. وذكر أن رسم المكاتبة إليه: هذه المكاتبة إلى المجلس السامي أيضاً. وثانيهما سمرة بن مالك . قال: وهو ذو عدد جم، وشوكة منكية، يغزو الحبشة وأمم السودان، ويأتي بالنهاب والسبايا؛ وله أثر محمود، وفعل مأثور. وفد على السلطان وأكرم مثواه، وعقد له لواء وشرف بالتشريف، وقلد ذلك، وكتب إلى ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان به بمساعدته ومعاضدته، والركوب للغزو معه متى أراد. وكتب له منشور بما يفتح من البلاد، وتقليد بإمرة العربان القبلية مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته . ثم قال: ورسم المكاتبة إليه: السامي الأمير، كمن تقدم.»
ورغم أن القلقشندي ذكر أنه نقل النص من كتاب العمري التعريف، إلا أن النص يختلف في بدايته اختلاافاً واضحاً عن نص العمري. يتحدث نص القلقشندي هنا عن عرب الوجه القبلي كما ورد في التعريف، ثم يذكر سمرة بك كامل ويعطيه نفس الصفات التي وسف بها سمرة بن سالك مما يوضح أنه قصد به سمرة بن سالك. ولكن العمري لم يشر في نصه إلى أنه من العرب. فلماذا أضاف القلقشندي سمة العرب في بداية النص؟
يبو أن ما ذكره القلقشندي في كتابه «نهاية الأرب في معرفة أنسابب العرب» يساعد على معرفة السبب في الزيادة التي ألحقها في بداية نص العمري. ذكر القلقشندي (ج 1 / ص 46 مزقع الوراق):
«الحدارية - بطن من العرب بسواكن من بلاد البجاة، ذكرهم المقر الشهابي ابن فضل الله في كتابه التعريف بالمصطلح الشريف ولم ينسبهم الى قبيلة، ذكر انه كان لهم شيخ يسمى سمرة بن سالك، وانه ذو عدد جم وشوكة منكية يغزو الحبشة وامم السودان ويأتي بالنهب وبالسبايا، وله أثر محمود، وفعل مأثور، وذكر أنه وفد على السلطان وعقد له لواءاً وشرف بالتشريف وقلد ذلك وكتب الى ولاة الوجه القبلي عن آخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب معه للغزو متى أراد، وكتب له تقليداً بأمرة عربان القبلة مما يلي قوص ومنشور له بما يفتحه من البلاد.»3
وأضاف القلقشندي عند حديثه عن سواكن في كتابه صبح الأعشى (مسعد ص 283):
«وقد أخبرني من رآها أنها جزيرةٌ على طرف بحر القلزم من جهته الغربية قريبةٌ من البر يسكنها التجار. وصاحبها الآن من العرب المعروفين بالحداربة - بالحاء والدال المهملتين المفتوحتين وألف ثم راء مهملة وباء موحدة مفتوحة وهاء في الآخر، وله مكاتبةٌ عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية، ويقال في تعريفه الحدربي بضم الحاء وسكون الدال وضم الراء.»4
فالقلقشندي حكم على الحداربة بأنهم عرب، لأن العمري وضح أن شيخهم سمرة بن سالك قد تقلد إمارة العربان، إذاً فالقرائن ? عند القلقشندي ? توضح أن العمري كان يدرك هذه الحقيقة وإن لم يذكرها مباشرة ولم يوضح إلى أي القبائل العربية ينتمي الحداربة. إذاً فدليل القلقشندي على عروبة الحداربة بُني بصورة أساسية على أن شيخهم زعيم العربان إلى جانب ما أخبره به مصدره الشفاهي من أن أهل سواكن حداربة عرب.
ونواصل
هوامش:
1 نفس المكان السابق
2 العبر، موقع الوراق ج 5 ص 481.
3 المصدر السابق، ج ا ص 46.
4 نفس المصدر في مسعد، المكتبة السودانية ص 283.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 12:38 PM   رقم المشاركة :[6]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

العرب العربان في صعيد مصر
.
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
.
د احمد الياس حسين
.
ونود التعرف على مفهوم العرب العربان الذين ربطتهم المصادر العربية بصعيد مصر، وكما رأينا في مقالنا السابق فقد ربطهم اقلقشندي بقبيلة الحداربة. من المعلوم أن اللغة العربية كانت الرابط بين جميع المسلمين خاصة عندما بدأت قوة الشعور العربي العرقي في الضعف بقيام الدولة العباسية في النصف الأول من القرن الثاني الهجري. وقد اعتمد العباسيون في قيام دولتهم وتوطيد أركانها على العنصر الفارسي. ثم جاء دور العنصر التركي منذ القرن الثالث الهجري، وتولى الأتراك وغيرهم من المماليك بعد ذلك قيادة العالم الاسلامي ? قبل ظهور العثمانيين الأتراك - ما بين الهند ومصر ردحاً من الزمن.
وفي واقع الأمر فإن اللغة العربية أصبحت في ذلك الوقت لغة العلم والمعرفة إلى جانب كونها لغة الدين، فأقبل عليها غير العرب حتى صاروا حملة العلم في الملة الاسلامية كما عبر ابن خلدون (المقدمة، ج 1 / ص 349) حيث قال:
«من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في الملة الاسلامية عرب حملة علم، لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية، إلا في القليل النادر. وإن كان منهم العربي في نسبه، فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته، مع أن الملة عربية، وصاحب شريعتها عربي»
فاللغة العربية في مفهوم تلك المجتمعات لم تعد لغة جماعة عرقية محدودة فقط، بل أصبحت لغة كل من يخاطبه الاسلام، وكل من يدخل الاسلام أو ينضم إلى المجتمع الجديد من غير المسلمين. فاللغة العربية بلورت هوية ذلك المجتمع الجديد. وداومت أغلب الشعوب داخل حدود الخلافة على التمسك ببعض عادات العرب باعتبار تلك العادات جزءً من مكونات الهوية الجديدة. قال عبد المجيد دياب في مقدمة تحقيقه لكتاب تاريخ الأقباط المعروف بالقول الابريز للمقريزي )ص 142( واصفاً المجتمع المصرب نحو القرن الثالث الهجري (9 م): «كان للأقباط ولع شديد بتقليد المسلمين في كل شيء لا سيما اللغة والأزياء والأسماء.»
فكان الشعور القوي بالانتماء للهوية الجديدة هو دافع الأقباط للتشبه بالعرب، ولم يصنفوا أنفسهم عرقيا بأنهم من العرب. فالغالبية العظمى ممن تحدث اللغة العربية وتطبع ببعض طبائع العرب لم ينتسبوا عرقيّا للعرب. ولا يمنع هذا أن هنالك بعض الجماعات التي سعت إلى تصنيف نفسها عرقيا مع العرب.
وسنأخذ مثلاً للقبائل غير العربية التي تحدثت العربية وتطبعت بطبائع العرب وهي قبيلة وهوارة الأمازيغية (البربرية) ونرى كيف خاطبتها المصادر العربية. يقول ابن خلدون: «إن نسابة العرب والبربر اتفقوا على أن هوارة ولواتة من قبائل البربر.» ويعلق على ما ورد من بعض النسابة قائلا: «الا ما يزعم بعضهم أنهم من عرب اليمن ... وهذه كلها مزاعم والحق الذى شهد به المواطن والعجمة أنهم بمعزل عن العرب.» وقد أورد ابن خلدون (العبر ج 6 ص 97? 139.) أدلة كثيرة للرد على ما «يزعمه» البعض عن انتساب البربر للعرب.
وأضاف ابن خلدون عن قبيلة هَوَرة: «صاروا في عداد الناجعة [مثل]عرب بنى سليم في اللغة والزى وسكنى الخيام وركوب الخيل وكسب الابل وممارسة الحروب وايلاف الرحلتين في الشتاء والصيف في تلولهم، قد نسوا رطانة البربر واستبدلوا منها بفصاحة العرب فلا يكاد يفترق بينهم.»
وعندما تعرض القلقشندي فيكتابه (صبح الأعشى ج 1 ص 53) لنزوح هوارة من الوجه البحري قال: «أما في زماننا [أي في القرن 15 م] فمذ وُجِّهت عرب هوارة من عمل البحيرة إلى الوجه القبلي» فالقلقشندي لم ير شذوذاً أو خطأً في وصف أفراد قبيلة هوارة المغربية (البربرية) بالعرب.
كما تناول ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة في أماكن متعددة في (جزء11 وجزء 12) وَفَيات أمراء قبيلة هوارة بنفس الأسلوب فوصفهم بأمراء عرب هوارة. فذكر على سبيل المثال:
«عام 790ه/1388 م توفى تاج الدين اسماعيل بن مازن الهواري أمير عرب هوارة ببلاد الصعيد. عام 800ه/ 1398 م توفى الأمير عمر بن عبد العزيز أمير عرب هوارة ببلاد الصعيد، وهذا والد بني عمر أمراء عربان الصعيد. عام 864ه/1460 م توفى الأمير شرف الدين عيسى بن عمر الهواري أمير عرب هوارة ببلاد الصعيد ... وكان مليح الشكل خيراً ديناً بالنسبة إلى أبناء جنسه، وله مشاركة بحسب الحال ويتفقه على مذهب الامام مالك.» علماً بأن المذهب المشهور في مصر هو المذهب الشافعي ببينما تمسك الأمير بمذهب مالك المتبع بصورة واسعة في المغرب العربي.
كما نقل ماكمايكل في كتابه تاريخ العرب في السودان (باللغة الانجليزية ج 1 ص 152 - 153)عن الرحالة بوكوك (Pococke) الذي زار النيل عام 1737م أن أخميم تحت أمير بربري، وأن نوردن (Norden) الذي سافر على النيل في نفس السنة ذكر أن «أعلى أسيوط بقليل يبدأ وطن العرب يعرفون باسم هوارة، ويملكون أراضي على كلا شاطئي النيل ويدعونهم مواطنوا مملكة مروي.»
وهكذا لم يجد المؤلفون العرب المبكرون غضاضة في مخاطبة المجتمع المصري كله باعتباره مجتمعاً عربيّا، العرب منهم والبربر والنوبة وغيرهم ما داموا يتحدثون اللغة العربية. حتى الرحالة الأجانب في القرنين السابع عشر والثامن عشر عندما رأوا هوارة على النيل في مصر تتحدث العربية أطلقوا عليها عرب هوارة. هذا ما حدث في المجتمع المصري على الأقل في منطقة الصعيد.
إمارات العربان
كانت إمارة العربان جزءأً من النظام الإداري في مصر كما وضح القلقشند، فهم الطبقة الرابعة، يأتون في السلك الإداري بعد النواب وهم الطبقة الأولى، ثم الكشاف وهم الطبقة الثانية ثم الولاة وهم الطبقة الثالثة. وتناول القلقشندي أمراء الأعراب تحت عنوانه الذيورد هكذا: «الجملة الأولى في المكاتبة إلى ممن بهذا الجانب من العربان، وقد ذكر في التثقيف ممن كوتب منهم جماعة بالطرقات الموصلة من الديار المصرية إلى بلاد الحبشة وغيرها»
والطرقات المشار إليها هنا هي الطرقات التي ربطت العاصمة بأطراف الدولة، وأهم النشاطات عبر تلك الطرق كانت المراسلات الرسمية للدولة والتجارة. والطرق التي تهمنا هنا هي تلك التي كانت تأتي من الجنوب مثل طرق غربي النيل وشرقية. وكانت طرق الصحراء الشرقية تتجه من البحر الأحمر نحو الغرب والشمال الغربي رابطة النيل من اسوان جنوبا وحتى القاهرة شمالاً. وكان حفظ وسلامة تلك الطرق من أهم واجبات الولاة - كما أشار القلقشندي إلى ذلك كثيراً - بمساعدة العربان. فولايات العربان إذاً جزء من ادارة الدولة المصرية وكان من بين مهامهم المساعدة على حفظ الأمن داخل الأراضي المصرية، وما نود التعرض إليه هنا هو طرق الصحراء الشرقية الواقعة في صعيد مصر بين النيل غرباً والبحر الأحمر شرقاً. وكان مقر أمير العربان سمرة بن سالك ( أومالك) على النيل في صعيد مصر في منطقةالأقصر الحالية.
قال القلقشندي (صبح الأعشى موقع الوراق ج 2 ص 53) تحت عنوان «الطبقة الرابعة من أمراء العربان بنواحي الديار المصرية»:
«بيان أمراء العربان ... فأما الوجه القبلي، فقد ذكر الحمداني أن الإمرة به في بيتين من بلي من قضاعة بن حمير بن سبأٍ من القحطانية. الأول بنو شادٍ المعروفون ببني شادي... بالأعمال القوصية ... الثاني العجالة وهم بنو العجيل بن الذئب منهم أيضاً، وكانوا معهم هناك... العمل الثاني عمل الأشمونين. وكانت الإمرة به في بني ثعلب ... من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق.»
العمل الثالث البهنسى [في صعيد مصر]، وكانت الإمرة فيه في بيتين: الأول أولاد زعازع بضم الزاي من بني جديدي من بني بلار من لواتة من البربر وهم أشهر من في الصعيد. الثاني أولاد قريش.» وأولاد قريش المذكورين هنا ليسوا من قبيلة قريش العربية بلا وضح المقريزي (البيان والاعراب ص 53 - 55) أن أولاد قريش هؤلاء من بطون قبيلة لواتة.
وهكذا تم تناول أمراء لواتة ضمن أمراء الأعراب مثل أمراء قبيلتي بلي والجعافرة. وعن الإمارة في المنوفية ذكر القلقشندي «الامرة فيها لأولاد نصر الدين من لواتة ولكن إمرتهم في معنى مشيخة العرب.» وذكر القلقشندي أن لواتة أكثر القبائل بالصعيد، وأن إمارة العربان في صعيد مصر في بيتين منها هما: أولاد زُعازع وأولاد قريش، ووصف قريش بأنه كان عبداً صالحاً. ويعني هذا أن لواتة أصبح لها إمرة العربان منذ أن هزم الأيوبيون تحالف الجعافرة في القرن السادس الهجري.
غير أن ميزان القوى القبلي قد تغير منذ نهاية القرن السابع الهجري (13م) بدخول قبيلة هوارة منطقة الصعيد بعد أن أُجبرت على الخروج من الوجه البحري. وقد وصف القلقشندي نزول واستقرار الأعداد الكبيرة من قبيلة هوارة في الصعيد قائلاً:
«انتشرت في ارجائه انتشار الجراد، وبسطت يدها من الأعمال البهنساوية إلى منتهاه حيث اسوان وما والاها، وأذعنت لهم سائر العربان بالوجه القبلي قاطبة، وانحازوا إليهم وصاروا طوع قيادتهم.» وبين أن بطون قبيلة هوارة في عصره (ت821ه/1418م) كانت أكثر من ثلاثين بطناً.
ونخلص من ذلك إلى الآتي:
* ليس من الضروري أن يكون كل ما وصف بالعربي في صعيد مصر في المصادر العربية ينتسبون إلى العرب عرقيّاً. فأمراء قبلتي لواتة وهوارة عرباً وادرجت أماراتهما تحت إمارات العربان.
* إمارات العربان في صعيد مصر بعد القرن السابع الهجري في عصر العمري (الثامن الهجري / 14 م) وفي عصر القلقشندي (التاسع الهجري / 15 م) آلت إلى قبيلة هوارة البربرية وأصبحوا هم الأقوى في صعيد مصر كما ذكر القلقشندي.
* كانت إمارات العربان جزءً من النظام الاداري في مصر، ومقر أمراء العربان داخل الحدود المصرية.
* سمرة بن سالك أو كامل أصبحت له قيادة العربان في عصر العمري في صعيد مصر كما نقل عنه القلقشندي حيث قال: :وأما عرب الوجه القبلي، فقد ذكر في التعريف أنه كان منهم في زمانه نفران: أحدهما ناصر الدين عمر بن فضل... وثانيهما سمرة بن مالك»
* ولما كان سمرة بن سامر قويّاً ومسيطراً على الصعيد وأعطيت له ?مارة العربان في القرن الثامن أبان سيادة قبيلة هوارة على الصعيد فمن المقبول جدّاً أن يكون سمرة أحد قادة قبيلة هوارة.
ولذلك أرى أن لا علاقة لسمرة بن سالك أو ابن مالك بقيلة الحداربة، وأنه حدث هنالك خطأ، إما أن يكون الخطأ من العمري نفسه وقد رأينا كيف أن معلوماته عن البجة كانت في غاية الاختصار عبارة عن فقرة واحدة أقل من ثلاثة أسطر في موسوعته المكونة من عشرين جزءً. ويدل ذلك على عدم معرفة العمري بالبجة، ولا يستبعد أن يكون قد أخطأ في ما أورده عنهم.
أما القلقشندي فقد نقل عن العمري أن الحداربة عرباً في كتابه «نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب» فقد وضحنا ? أعلاه - أن العمري لم يقل ذلك.بل قال «وشيخ الحواربة سَمُرة بن سالك، وهو ذو عدد جم وشوكة ... وتقليداً بأمرة العربان القبلة مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته» وليس في ذلك ? كما شرحنا أعلاه ? ما يقرر أن شيخ الحواربة ينتمي إلى العرق العربي. وربما كتب القلقشندي ذلك بحكم المفاهيم التي كانت سائدة آنذاك عن العربان، كما رأين في النصوص أعلاه «أمير عرب هوارة»
وإلى جانب كل ذلك فقد حدد القلقشندي إمارة سمرة بن مالك «تقليدٌ بإمرة عربان القبلة مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته، وتركز رايته.» فقد حدد الجزء الأخير من هذا النص مركز الولاية وهو «قوص.» وتقع قوص على النيل في صعيد مصر، ولم يحدد مناطق نفوذة بل أطلق يده «حيث تصل غايته» غير أن القلقشندي نقل عن العمري أيضاً أن سمرة بن مالك شيخ عرب الحداربة بسواكن، وأضاف في مكان آخر أن «صاحب سواكن في زمانه من العرب المعروفين بالحَدَاربة ... ويقال في تعريفه الحُدْرُبي»( نهاية الأرب ج 2 ص313)
فهل يمكن افتراض امتداد حدود إمارة سمرة من قوص في صعيد مصر وحتى سواكن؟ لا أعتقد أن هذا افتراضاً معقولاً لأننا رأينا أحداث هذه المنطقة والقبائل العربية التي ساهمت فيها مثل دغيم ورفاعة وبني كاهل وجهينة وأولاد الكنز والعكارمة، ولم يرد ذكر لعرب الحداربة في كل تلك الأحداث.
ومن جانب آخر فقد أتى وَصْف أمير عرب الحداربة بما يوضح أن الإمارة كانت قوية ومساهمة بفعالية في غزو «الحبشة وأمم السودان.» وإمارة بهذا الوضع والقوة يفترض أن يكون لها دور في تطور العلاقات بين المماليك والمناطق الجنوبية،. ولكن لم يرد ذكر للحداربة أو لأميرهم أي ذكر في أحداث العلاقات بين المماليك وللبجة منذ عصر العمري (القرن 14 م) وعصر القلقشندي القرن الخامس عشر الميلاي.
بالاضافة إلى أن الحداربة كانت قبيلة كبيرة كتب عنها المؤلفون المبكرون أمثال اليعقوبي والمسعودي وابن حوقل وابن سليم، وذكروا أنها من قبائل البجة الكبرى. وأنها تصاهرت مع قبيلة ربيعة منذ القرن الرابع الهحري. ولم يرد في المصادر العربية المبكرة أن قبيلة الحداربة قبيلة عربية كما جاء عند القلقشندي، بل أورد ابن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي أن عرب بني كاهل وجهينة الذين كانوا يعيشون مع البجة يتحدثون لغة البجة.
وهكذا نجد القرن الثامن الهجري (14 م) قد شهد العديد من مؤلفات التراث العربي الهامة مثل مؤلفات أبي الفداء وةالنويري والدمشقي والعمري وابن بطوطة، وفي نفس الوقت شهد هذا القرن نهاية مملكة المقرة المسيحية وما تلى ذلك - من تراث شفاهي - عن اجتياح القبائل العربية للسودان ليس عبر النيل فقط وانما كذلك عبر مناطق البجة. ومن الواضح أن مؤلفات هذا القرن ? الخمسة - التي تناولنا ما كتبته عن البجة لم تتحدث عن أي قبائل عربية في السودان حتى الحملة التي توغلت حتى كسلا ورجعت عبر نهر عطبرة والنيل. والاستثناء الوحيد هو ما ذكره ابن بطوطة عن العرب من قبيلتي جهينة وبني كاهل الذين يعيشون مع البجة ويخضعون لحكمهم ويتحدثون لسانهم. وحتى المعلومات التي وردت عن البجة جاءت أغلبها شديدة الاختصار وتفتقد الدقة والعناية بموضوعاتها. فماذا عن مؤلفات القرن التاسع الهجري (15 م).
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 12:41 PM   رقم المشاركة :[7]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

الحداربة في مصادر القرن التاسع الهجري (15 م)
.

شهد هذا القرن أيضاً مؤلفات هامة في التراث العربي تناولت البجة مثل مؤلفات القلقشندي وابن خلدون وابن الفرات والمقريزي وابن الوردي وأبو المحاسن. وقد لاحظنا ? أعلاه ? أن القلقشندي قد اعتمد على العمري في أغلب ما أورده من معلومات عن البجة، وجاءت كلها عن الحداربة. كما اعتمد كثيراً في تحديده للمواقع على ابي الفداء وابن سعيد. ولم نكن نتوقع منه اعتماده على ابن سعيد المغربي فيما نقاه عن أخبار البجة. فالقلقشندي ولد وعاش في مصر وعمل في ديوان الانشاء الذي ألف عنه كتابه «صبح الأعشى في صناعة الانشاء» فهو بهذا الوضع على صلة بأحداث البجة أكثر من ابن سعيد الذي عاش في المغرب قبل قرنين من عصر القلقشندي. ولعل هذا يوضح مدى اهتمام المصادر العربية بأخبار البجة.
«جاء في كتابه صبح الأعشى عن البجة: قال ابن سعيد: وهم مسلمون ونصارى وأصحاب أوثان، ومواطنهم في
جنوبي
صعيد مصر مما يلي الشرق، فيما بين بحر القلزم وبين نهر النيل، على القرب من الديار المصرية.» ومن الواضح أن هذه مواطن قبيلة الحداربة لكن جاء الحديث هنا بصورة عامة عن البجة.
ولعلنا نكرر نفس ما سبق أن قلناه عن موسوعة النويري وشحها عن المعلومات عن البجة، فقد كان من المؤمل أن تحتوي موسوعة القلقشندي على يساعد على فهم تلك الحقبة الهامة من تاريخ البجة خاصة وأن القلقشندي ولد في منتصف القرن الثامن الهجري أي بعد نحو ثلاث عقود من نهاية مملكة المقرة المسيحية وما تردد عن اجتياح القبائل العربية للسودان وتوفر المعلومات عنه، غير أننا لم نجد ذلك ووجدنا جل اعتماده على العمري.
أما ابن خلدون الذي عاش في مصر وتوفي فيها في بداية القرن التاسع الهجري (15 م) فقد جاء ذكر البجة ثلاث مرات فقط في كتابه «العبر بمقدمته.» النص الأول ورد فيه ما يلي: « ومجالات البجة في شمالي الحبشة ما بين جبل العلاقي في أعالي الصعيد وبين بحر القلزم» والنص الثاني تكرر في المقدمة جاء فيه ما يلي: «وتحت باب المندب جزيرة
سواكن
ودهلك وقبالته من غربيه مجالات البجة من أمم السودان» وفيما يتعلق بما ذكره ابن خلدون عن قبيلة جهينة فقد تمت مناقشته في موضوع مستقل - في العدد الأخيرمنمجلةالدراسات السودانية - وتبين أن قبيلة جهينة كانت غائبة عن أحداث إنهيار مملكة المقرة المسيحية وما تلى ذلك من أحداث في بلاد النوبة أو بلاد البجة
وقد جعل ابن الفرات الحدربي ملك البجة وخليفة السودان وأعطاه إسماً عربيّأً هو صارم الدين قال في كتابه تاريخ الدول والملوك «أما البجة فبلادهم تجاور بلاد النوبة وملكهم يسمى الحدربي وهو خليفة السودان. واسم ملكهم في الزمان الذي كان السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس «نابكس» [بدون نقط على النون والياءٍ] وينعت بصارم الدين وهو خليفة السودان بزعمهم.»
وتبدو هذه المعلومات من الغرابة بحيث يتعزر التكهن بمصدرها، خاصة وأنه ذكرأن الذي أعطاه لقب «الخليفة» هم «السودان.» ولست أدري هل يقصد بالسودان هنا البجة فقط أم غيرهم من أمم السودان؟ لأنه لو أراد البجة فقط لأكتفى بذكرهم، ربما أراد أن يقول إن ملكه واسعاً حتى إعتُبرخليفة للسودان. وبالطبع فإن كل ذلك يدخل في أخبار «العجائب والغرائب» التي لا يمت أغلبها بصلة إلى الواقع.
أما ابن الوردي في كتابه «خريدة العجائب وفريدة الغرائب ص 374» فيبدو عدم اهتنامه في تدقيق الأخبار التي نقلها عن البجة ومدينة
عيذاب
. فقد نعت البجة ببعض الأوصاف التي تتمشى وعنوان كتابه فقال إنهم «شديدو السواد، عراة الأجساد ويعبدون الأوثان ... وليس بأرضهم قرى ولا خصب وإنما هي بادية جدبة» كما وصف حمعهم للذهب من الصحراء وذكر أنهم أهل أنس مع التجار.
ونقل ابن الوردي معلومات قديمة عن مدينة
عيذاب التي كان نشاطها التجاري وكميناء للحج قد توقف في عصر ابن الوردي. قال عنها «مدينة حسنة وهي مجمع التجار براً وبحراً، وأهلها يتعاملون بالدراهم عدداً ولا يعرفون الوزن» ويواصل ابن الوردي عن إدارة المدينة وأن بها «والٍ من قبل البجة ووال من قبل سلطان مصر، يقسمان جباياتها نصفين، وعلى عامل مصر القيام بطلب الأرزاق وعلى عامل البجة حمايتها من الحبشة.» ورغم ما ذهبنا إليه من أن ابن الوردي نقل معلوماته من مصادر متقدمة فلو أخذنا ما ذكره عن تقسيم دخل المدينة من الضرائب بين الوالي من قبل الحكومة المصرية والبجة يوضح أن قبيلة الحداربة لا زالت قوية وذات نفوذ حتى عيذاب
.
أما أبو المحاسن بن تغري بردي فقد ولد
بالقاهرة
وعاش فيها وألف كثيراً في التاريخ وتوفي عاو 874 ه / 1469 م أي بعد نحو قرن ونصف من نهاية مملكة المقرة المسيحية وأقل من أربعين سنة من قيام سلطنة سنار وهي الفترة التي يؤرخ لها بتدفق القبائل العربي في السودان واجتياحها لمناطق النيل وشرقيه وقيام حلف عرب العبدلاب. ومن الغريب في الأمر أن أبا المحاسن لم يتعرض لأي قبائل أو جماعات عربية دخلت مناطق البجة أو السودان.
كل ما ذكره في كتابه «النجوم الزاهرة في ملوك مصر
والقاهرة
ص 378» هي أحاث حروب المسلمين والبجة في بداية القرن الثالث الهجري (9 م) ونقل أبو المحاسن عن ابن فضل الله العمري في وصف سكن بلاد البجة والنوبة والحبشة جاء بعضها كالآتي: «سكان هذه البلاد المذكورة لا فرق بينهم وبين الحيوانات الوحشية لكونهم حفاة عراة ليس على أحدهم من الكسوة ما يستره» فلماذا لم يتتبع أو يتناول زحف وتفق القبائل العربية للسودلن في الفترة التي عاصرها؟ مع العلم بأن المصادر العربية كانت تهتم كثيراً بأخبارالقبائل العربية وتحركاتها.
وأخيراً نأتي إلى المقريزي المشهور بكتاباته واهتمامه بأحداث السودان وبخاصة فترة نهاية مملكة المقرة المسيحية وما تلاها من أحداث، فماذا كتب عن البجة؟ تناول علاقات المسلمين المبكرة مع البجة في كتابيه «البيان والاعرلب عما بأرض مصر من الأعراب» وكتاب «المواعظ الاعتبار بذكر الخطط والآثار» ، وتناول في كتابة المواعظ
سواكن
وقال عنها :»وأهلها طائفة من البجة تسمى الخاسة ولهم بها ملك» ومن الغريب أنه لم يتطرق إلى ذكر الحداربة الذين تحدث عنهم القلقشندي الذي كان معاصراً للمقريزي.
وتحدث المقريزي كثيراً عن
عيذاب ووضح ازدهارها في فترة القرنين الذين توقفت فيها قوافل الحج والتجارة عبر صحراء سينا بسبب تهديد الصليبيين، ثم تناول بداية تدهورها بعد عودة القوافل البرية في بداية عصر المماليك بعد ضعف قوة الصليبيين. ويبدو أن نشاط عيذاب لم يتوقف نهائيّاً بل كانت لاتزال حتي عصر المقريزي على قدر من النشاط، فقد ذكر المقريزي أن رأى قاضيها في القاهرة
.
ورغم ان المقريزي أورد معلومات مفصلة عن النوبة في كتابيه «السلوك لمعرفة دول الملوك» و»المقفى» إلا أنه لم يتعرض لأخبار البجة. وكل ما ورد عن البجة بعد انتهاء حروبهم مع المسلمين في القرن الثالث الهجري (9 م) هوما ورد في المواعظ والاعتبار عند الحديث عن
عيذاب: « وأهل عيذاب من البجاة ولهم ملك منهم، وبها والِ من قبل سلطان مصر، وأدركت قاضيها عندنا بالقاهرة، أسود اللون، والبجاة قوم لا دين لهم، ولا عقل، ورجالهم ونساؤهم أبداً عراة، وعلى عوراتهم خرق، وكثير منهم لا يسترون عوراتهم، وعيذاب
حرّها شديد بسموم محرق.»
مدن الحداربة
مدينة هجر
تردد ذكر عاصمة الحداربة مدينة هجر في المصادر العربية منذ القرن الثالث الهجري (9 م) فقد ورد ذكرها في الاتفاق الذي تم بين البجة والمسلمين عام 216 ه كما عند ابن سليم (ص 110 ? 111) حيث ورد أنها كانت مقر عظيم البجة كنون بن عبد العزيز. وفي مكان آخرذكر ابن سليم أن هجر مقر رئيس البجة. ثم وضح اليعقوبي (
مسعد
ص 19 و 22) أن «مدينة ملك البجة الحداربة يقال لها هجر، يأتيها الناس من المسلمين للتجارات» وعند الحديث عن مملكة البجة الأولى ذكر أن «مدينة المملكة يقال لها هجر» كما وضح الدمشقي (ص 237) أن ملك الحداربة يسكن هجر.
ولم يرد في المصادر العربية ما يساعد على تحديد موقع مدينة هجر ما عدا ما ذكره ابن سليم من أنها تقع في أقصى بلاد البجة. بناءً على ما ذكره المقريزي من وقوع هجر في أقصى جزيرة البجة اقتُرِح وقوعها في مكان ما بين خور بركة والبحر الأحمر.
واقترح Heuglin موقع هجر في ارتريا نحو 80 كم شرق مدينة
كسلا في مكان يعرف ب Hagr أوHigr على خريطة موزنجر. ويعلق كراوفورد أنه ليس من المعقول أن تكون عاصمة البجة وفيها مسجد وسط إقليم الباريا النيلييين، بالاضافة إلى أن الموقع يعتبر إلى الجنوب
أكثر مما يعتقد موقعاً لمدينة هجر.
وثمة مشكلة في ربط هجر أباي
نجران بالموضع الذي ذكره اليعقوبي والمقريزي لأنه لا يقع في أقصى جزيرة البجة، فهو أقرب إلى وسطها. وقد اقترح روزيني كما نقل كراوفورد (The Fung Kingdom of Sennarص 105) أن يكون موقع هجر في المكان المعروف في الخرط الحديثة ب Tehagar شرقي فروع دلتا القاش نحو 24 كم شمال غرب مدينة كسلا. . وقد استبعد كراوفورد بعض الآراء التي اقترحت أن يكون موقع هجر في مكان ما شمال غرب مدينة كسلا
أو إلى الغرب من خور بركة نحو الساحل.
ويرى كراوفورد أنه بناءً على ما ورد عند اليعقوبي أن هجر كانت عاصمة حاكم الحداربة وقد ارتبطت كثيراً
بسواكن فقد أشار إلى ما ذكره Lobo نحو عام 1624 م من أن حاكم سواكن أمير فقير وكانت مملكته تعرف ب «نِكران» Nekran ثم «بالو» Balou ، ألا يؤدي ذلك إلى اقتراح أن البلو حققوا بذلك بالسيطرة على عاصمة الحدارب القديمة ثم سيطروا على سواكن والتي أخذها الأتراك فيما بعد. ويرجح كراوفورد ? بناءً على ذلك ? أن عاصمة البجة هجر هي Agere Nageran التي ذكرها موزنجر والتي أطلق عليها لوبو Nekran على خط عرض 37 ،16 جنوبسواكن. وربما كان هذا الموقع قرب جبل هجر الذي ذكره ضرار في كتابه تاريخسواكن
والبحر الأحمر (ص 232) أثناء حديثه عن قتال الأشراف والنابتاب.
عيذاب
تعتبر عيذاب من أهم مدن الحداربة قبل تدهور نشاطها التجاري وانتقاله إلي سواكن منذ بداية النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (14 م) وقد ارتبط ذكر عيذاب
في المسادر العربية منذ وقت مبكر كميناء لتصدير الذهب واستقبال السلع الواردة لمصر عبر البحر الأحمر إلى جانب كونها معبراً للحجاج.
وقد وضح ابن حوقل في كتاب صورة الأرض ص 58 أن ربيعة ومضر تكاملت بالعلاقي لاستغلال الذهب منذ عام 238 ه. ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمها في المصادر العربية بتصدير الذهب حتى اشتهرت بميناء الذهب. وتناولت المصادر نشاط الحداربة في هذا الميدان كما وضح المسعودي في كتابه مروج الذهب (ص 51) مصاهرة الحداربة لربيعة زكيف أدت تلك المصاهرة إلى بروزقوة كلا الجانبين. وكان زعيم ربيعة أبو مروان بشر بن إسحاق في عام 332 ه «يركب في ثلاثة آلاف من ربيعه وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النُّجُب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون ممن بين سائر البجة»
وضح الادريسي أن الحداربة وحكام مصر يتقاسمون إدارة مدينة
عيذاب، فعلى الولاة من قبل مصر «جلب الأرزاق والمعيشة إلى عيذاب وعلى رئيس البجة القيام بحمايتها من الحبشة» كما كانا يتقاسمان أيضاً «جبايتها بنصفين». ووضح الادريسي أيضاً نشاط التجارة الداخلية لعيذاب فذكر أن «أهل عيذاب
يتجولون في كل النواحي من أرض البجة يشترون ويبيعون ويجلبون ما هنالك من السمن والعسل واللبن»
ويدل كل ذلك أن الحداربة لم يكونوا فقط بدواً يتجولون في الصحارى ولم يكونوا معزولين عن العالم الخارجي، بل كانوا منظمين تحت رؤسائهم يزاولون الرعي والتجارة، بل وربما صيد السمك أيضاً كما أضاف الادريسي
«وبالمدينة زوارق يصاد بها السمك الكثير اللذيذ الطعم الشهي المأكل» لأنه يمكن افتراض أن كل هذا النشاط لا يقوم به الغرباء فقط من سكان المدينة
.
وقد أشار ابن بطوطه إلى ما يفيد بمساهمة الحداربة في النشاط البحري حيث وضح أنه عند وصولهم
عيذاب
وجدوا «الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك، وقد خرق المراكب، وهرب الترك أمامه فتعذر سفرنا في البحر» ولعل هذا يوضح أن علاقة أسلاف السكان الحاليين بالبحر كانت علاقة ايجابية، خاصة وأن المصادرالرومانية وضحت نشاط سكان هذه المناطق البحري الواسع قبل الاسلام، ويمكن الرجوع إلى بعض ذلك النشاط في كتاب «الوعي بالذات وتأصيل الهوية» لكاتب هذا المقال ص 197 ? 198. .
وعندما زار ابن بطوطة مدينة
عيذاب في النصف الأول من القرن الثامن الهجري (14 م) ذكر أن ثلث إيرادات المينة لحاكم مصر وثلثاها للحدربي، بينما ذكر الادريسي في القرن السادس الهجري (12 م) أن الايرادات كانت مناصفة بين الجانبين. فهل يدل ذلك ازدياد نفوذ الحداربة في المدينة؟
وقد شهد ميناء عيذاب نشاطا ملحوظاً عندما تحولت أغلب طرق التجارة وطرق الحج البرية عبر سينا إلي عيذاب بسبب تهجي الصليبيين في الشام لسلامة تلك الطرق، وظل الحال كذلك إلى منتصف القرن السابع الهجري (13 م) ويمثل ذلك العصر الذهبي لنشاط ميناء عيذاب
.
وبدأ ذلك النشاط في الضمور عندما إعيد نشاط الطريق البري عبر
سيناء بين مصر والحجاز في بداية عصر المماليك، وعلق المقريزي أثر ذلك على نشاط ميناءعيذاب قائلاً: «وكانت من أعظم مراسي الدنيا بسبب مراكب الهند واليمن تحط فيها البضائع وتقلع منها مع مراكب الحجاج الصادرة والواردة. فلما انقطع ورود مراكب الهند واليمن إليها وصارت المرسى العظيمة عدن من بلاد اليمن إلى أن كانت أعوام بضع وعشرين وثمانمائة (العقد الثالث من القرن الخامس عشر الميدى نحو 1422 م) صارت جدة
أعظم مراسي الدنيا، وكذلك هرمز فإنها مرسى جليل.»
وقد قل سلوك طريق الحج البحري عبر
عيذاب ? كما يقول المقريزي - منذ عام 666 ه (1267) عندما أخرج الظاهر ركن الدين بيبرس «من البر سنة ست وستين وستمائة (1267 م)» ومن المعروف أن الصليبيين كانو يهددون طريق الحج البري عبر سيناء قبل هذا التاريخ، وزال ذلم التهديد بعد الهزائم التي منيو بها منذ عصر الدولة الأيوبية. ويواصل المقريزي قائلاً: «واستمرت بضائع التجار تحمل من عيذاب
إلى قوص حتى بطل ذلك بعد سنة ستين وسبعمائة (1364م.»)
وهكذا فقدت
عيذاب مكانتها كميناء هام بعد تطور نشاط ميناء عدن وازدهار دور ميناء جدة في النصف الأول من القرن التاسع الهجري (15 م) وانتقل نشاطها إلى ميناء سواكن
.
سواكن
يلاحظ عدم اهتمام المصادر العربية المبكرة بمدينة سواكن مثل اهتمامها بباقي جزر وموانئ المنطقة مثل دهلَك وباضع وعيذاب.1 ربما لأن تلك الموانئ كانت أكثر نشاطاً في القرون الهجرية المبكرة . ومن ناحية أخرى ربما لم يقم المسلمين صلات قوية مبكرة مع الممالك المسيحية في السودان عبر ميناء سواكن لأن صلاتهم التجارية والسياسية تمت عن طريق البر عبر أسوان. وقد وضح القلقشندي أن سواكن
بلد الحداربة فذكر: « أن صاحبها الآن من العرب المعروفين بالحداربة ... ويقال في تعريفه الحدربي»
وقد ورد ذكر
سواكن في مصادر القرن الرابع الهجري (10 م) كما عند الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب (ج 1 ص 22) وابن حوقل (صورة الأرض ص 60 و 62) باعتبارها إحدى مدن البحر الأحمر. ويلاحط سكوت المصادر العربية عن ذكر مدينة سواكن منذ القرن الرابع الهجري وحتى بداية القرن السابع الهجري (13 م). وقد نقل الأستاذ محمد صالح ضرار في كتابه تاريخ سواكن
والبحر الأحمر (ص 22) نصّاً نسبه إلى المسعودي. ولا يوجد ذلك النص في كتب المسعودي المنشورة وهي مروج الذهب وأخبار الزمان والتنبيه والاشراف. وفي واقع الأمر فإن هذا النص ذكره المقريزي في كتاب المواعظ والاعتبار (ص 295) وقد ذكر ضرار هذا النص بعد نص آخر نقله من المسعودي فربما فظن الاستاذ محمد صالح ضرار أنه تابع لنص المسعودي الذينقله.
وفي القرن السابع الهجري وصف ياقوت (معجم البلدان ص 164) مدينة
سواكن
بأنها «بلد مشهور على ساحل بحر الجار [البحر الأحمر] قرب عَيذاب ترفأ إليها سفُن الذين يقدمون من جُدة وأهلها بجاه سُود نصارى..»
وفي النصف الثاني من القرن السابع الهجري أغار المماليك على مدينة
سواكن
وبدأت أخبارها تظهر في المصادر العربية. فتحدث ابن سعيد في (كتاب الجغرافيا ج 1ص 22 موقع الوراق) عن نشاطها التجاري، ثم وصفتها المصادر العربية بأنها جزيرة صغيرة «أقل من ميل في ميل وبينها وبين البحر الحبشي [البحر الأحمر] بحر قصير يخاض»
وقال عنها ابن بطوطة «لا ماء بها ولا زرع ولا شجر، والماء يجلب إليها في القوارب، وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر، وهي جزيرة كبيرة، وبها لحوم النعام والغزلان وحمر الوحش، والمعزى عندهم كثير والألبان والسمن ومنها يجلب إلى
مكة وحبوبهم الجرجور، وهو نوع من الذرة كبير الحب يجلب منها أيضاً إلى مكة.» .كما ذكر ابن بطوطة أن جزيرة سواكن
على نحو ستة أميال من البر، ولا يتفق ذلك مع ما تواتر عن موقعها في المصادر العربية.
ساهمت
سواكن ? إلى جانب موانئ البحر الاحمر الأخرى مثل عدن وجدةوعيذاب ? بدور بارز في ربط الطرق البحرية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط وتزويدها بسلع افريقيا الداخلية إلى جانب ما تمتعت به مناطق البجة من سلع هامة لتجارة المنطقة مثل المعادن والإبل. كما ارتبطت سواكن أيضاً بالطرق الداخلية المتجه إلى الشمال نحو القاهرة وإلى مراكز النيل مثل قوص وأسوان وأبو حمد وإلى الجنوب الغربي نحو كسلا
.
أدى كل ذلك إلى إلى بروز دور
سواكن التجاري وبخاصة في عصر المماليك الذين ازداد اهتمامهم بتجارة المحيط الهندي. ولذلك سعوا إلى استتباب الأمن في تلك المناطق على الطرق البرية أو البحرية، والمعاملة الكريمة للتجار وبخاصة تجار الكارم كما ذكر العيني في كتابه . ذكر ابن بطوطة أن جزيرة سواكن
على نحو ستة أميال من البر (الحاشية التالية)، ولا يتفق ذلك مع ما تواتر عن موقعها في المصادر العربية.
وفي كتابه مسالك الأبصار ذكر ابن فضل الله العمري (ص 245) عن
سواكن
:
«وجزيرة
سواكن ليس بها مملكة مشهورة ولا متاجر مذكورة وكل أهلها مسلمون قائمون بالاسلام، وتجلب منها إلى مصر أغنام حسان يُقتنى بها للفرجة لا للأكل والنتاج ... وأما سواكن ففيها الشريف زيد بن أبي نمي الحسني وهو فيي طاعة صاحب مصر.» ولا تبدو معلومات ابن فضل الله العمري عن نشاط مدينة سواكن
التجاري متمشية مع ما تواتر عن ازدهار ذلك النشاط منذ بداية عصر المماليك.
وقد أورد السخاوى في كتابه الضوء اللامع في أماكن متعددة الكثير المعلومات عن التجار في مدينة
سواكن واتضح أن أولئك التجار لم ينحصروا فقط في الاشتغال بمهنتهم بل كانوا يساهمون في المناشط الأخرى. وكان بين أولئك التجار شخصيات اشتهرت لمكانتها العلمية في مدارس العالم الاسلامية الكبرى في مكةوالقاهرةودمشق. وقد زار بعضهم سواكن من أجل التجارة واستقر فيها لبعض الوقت، ومكث بعضهم لسنوات طويلة وتزوج وأنجب في سواكن، بل وتوفى بعضهم ودفن بها. ولم ينحصر نشاط أولئك العلماء في مدينة سواكن
فقط بل امتد ذلك النشاط إلى مناطق الداخل.
وعن سكان
سواكن ومنطقتها ذكر كل من النويري (ت 732ه / 1332 م) في كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 1 ص 66 موقع الوراق، والمقريزي في المواعظ والاعتبار ص 295 أن أهل سواكن
«طائفة من البجة تسمى الخاسة وهم مسلمون» بينما ذكر ياقوت الحموي (626 ه / 1229 م) في معجم البلدان ص 164 أن أهلها بجاه سُود نصارى ولم يوضح انتماءهم القبلي.
ويوصف البجة عادة بأنهم «سودان» أي سود البشرة كما وصفهم ياقوت، غير أن القلقشندي في كتابه صبح الأعشى (ص 282) جعلهم «أصفى السودان لوناً» وقد وصلت المسيحية إلي سواحل البحر الأحمر قبل دخول المسلمين مصر، بينما اتصل المسلمون
بسواكن
قبل القرن الرابع الهجري (10 م).
وقد جعل النويري والمقريزي الخاسة سكان
سواكن، ووضعهم ابن سعيد على البحر الأحمر لكنه لم يحدد مكانهم. أما القلقشندي فقد جعل الحداربة سكان سواكن
ولم يشر إلى الخاسة. والخاسة من القبائل الكبيرة والقديمة في المنطقة، فقد ذكرهم عيزانا في نقشه في القرن الرابع الميلادي الذي ورد فيه أنه ذهب لحرب النوبة الذين أغاروا على عدد من القبائل من ضمنهم قبيلة الخاسة. وحدد ابن حوقل أن مواطن الخاسة ما بين خور بركة وسواحل البحر الأحمر، وذكر أنهم «بطون كثيرة في السهل والجبل».
وذهب الدمشقي في كتابه نخبة الدهر في عجائب البر والبحر ص 237 إلى أن الخاسة يعيشون إلى جوار الحداربة، وقسمهم إلى قسمين: « خاسة السفلى كفار، وخاسة العليا مسلمون، وهم أقل الناس غيرة ونخوة على النساء. وغالب هؤلاء لا يلبسون المخيط، ولا يسكنون المدن» وقد تؤيد معلوماته ما ذكره ابن حوقل من انتشار القبيلة الواسع ما بين خور بركة والبحر الأحمر.
كماربط ابن حوقل قبيلتين أخريتين هما «برقابات وحنديبا»
بسواكن فقال عنهما « وتحاذي سواكن
برقابات وحنديبا ، وهم خفراء على الحدربية وخفارتهم لعبدك وهم تحت يده وعبدك خال ولد أبي بكر إسحق بن بشر صاحب العلاقي. وبعض هؤلاء القوم في خفارة كوك خال أبي القاسم حسين بن علي بن بشر، وعبدك وكوك رئيسا الحدارب أجمع»
ولم يمدنا ابن حوقل بأكثر مما ورد في النص من الاشارة إلى موطنهم الذي هو بمحاذات
سواكن. ولم يتضح هل يتصلون بسواكن
أو يعيشون بجوارها. وورد في النص أنهم خفراء على الحداربة، ولم يرد عن القبيليتن أي ذكر في المصادر العربية بهذين الاسمين «بلاقابات وحنديبا». وورد في لسان العرب أن «الخفير هو المجير، وخفير القوم مجيرهم الذي يكونون في ضمانه ما داموا في بلاده، وهو خفير يخفر القوم حفارة، والخفارة الذمة»
وللمزيد من توضيح مفهوم الخفارة التي تعني الجوار نورد ما ذكره ابن سعيد المغربي (القرن 7 ه / 13 م) عن قبيلة هوارة البربرية (الأمازيغية) حيث قال عن سكان مدينة مسراتة (في ليبيا الحالية): «وأهلها من هوارة تحت خفارة دياب» ودياب بطن من قبيلة بني هلال الذين سيطروا على هذه المناطق وزحزحوا القبائل المحلية قبل عصر ابن سعيد بقرنين من الزمان. وأضاف ابن سعيد ? في نفس المكان ? عند حديثه عن طلميثة ? وهي أيضا مدينة على الساحل الليبي ? «وبها قصر فيه اليهود الذين تحت خفارة العرب»
وإذا كانت قبيلتا برقابات وحنديبا خفراء على الحدرابة يعني ذلك أنهم كانوا يمثلون مركز القوة في المنطقة وأن الحداربة كانوا تحت حمايتهم. وهذا يتعارض مع ما ذكرته المصادر بما فيها كتاب ابن حوقل نفسه من أن قبيلة الحداربة أكبر وأقوى قبيلة في المنطقة، ولم يرد أي ذكر لهتين القبيلتين في المصادر الأخري وبخاصة اليعقوبي ? الذي كتب في القرن الثالث ? الذي فصل الكتابة في تاريخ قبائل وممالك المنطقة.
غير أن الزبيدي نقل رأياً آخر وسع في معنى الخفارة ? رغم تحفظه في قبول هذا المعنى - وجعلها تطلق على المُجير والمُجار فقال:يقال فُلانٌ خَفِيرى أَي الّذِي أُجِيرُه وهو أَيضاً المُجِير فكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَفِيرٌ لِصَاحِبِه ... والخِفَارَةُ : الذِّمَّة كالخُفَرَةِ كهُمَزة وهذا خُفَرَتِي وهو بمَعْنَى المُجِير فَقَط ولا يُطْلَق على المُجارِ ففي كلام المصنف إِيهامٌ.» وأرى أن ابن حوقل استخدم لفظ الخفارة بهذا المعنى . وبذلك تكون قبيلتا بلاقابات وحنديبا كانتا تحت خفارة الحداربة أي تحت ضمانهم وحمايتهم. ويؤيد هذا الرأي ما ورد في نهاية النص من أن «بعض هؤلاء القوم [القبيلتان] في خفارة كوك[الحدربي]»
ظل ميناء
سواكن يساهم بنشاطه التجاري إلى جانب ميناء عيذاب إلى أن بدأ دور عيذاب في التدهور منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، فبدأ نشاط ميناء سواكنفي الازدهار وبدأت تحل محل عيذاب
في استقبال تجارة البحر الأحمر منذ عام بضع وعشرين وثمانمائة (1422 م) كما ذكر المقريزي. ويبد أن بلُس الذي نقل عنه كراوفورد (ص 122) هذا التاريخ لم يذكر مصدره فتساءل كراوفورد عن مصدره.
وزاد من تدهور الأوضاع قلة العمل في مناطق الذهب وتوقف العمل في استخراج الزمرد في منصف القرن الثامن الهجري (14 م) ووضح المقريزي - في مكان آخر - نهاية النشاط التجاري عبر طريق
عيذاب
قوص «بعد سنة ستين وسبعمائة»
مدينة بختة
وربما كانت من مدن الحداربة أيضاً مدينة بختة. وقد تردد اسم مدين «بختة» المشهورة بالجمال البختية كثيراً في المصادر العربية. ذكر الادريسي مدينة بُختَة من بين مدن البجة ووصفها بأنها قرية مسكونة وأن بها سوق صغيرو»وحولها قوم ينتجون الجمال ومنها معايشهم وهي أكثر مكاسبهم، وإلى هذه القرية تنسب الجمال البختية وليس يوجد على وجه الأرض جمال أحسن منها ولا أصبر على السير ولا أسرع خطاً وهي بديار مصر معروفة بذلك.»
وتبدو جمال البجة من هذا الوصف أجود من غيرها من الجمال التي عرفت بالبخت مثل التى كانت تأتي من مدينة بلخ والتي ذكر الاصطخري في كتابه المسالك والممالك (ج 1 ص 95 موقع الوراق) أنها «المقدمة على سائر البخت بالنواحي». وقد ورد ذكر مدينة بخت عند كل من ابن سعيد والحميري، غير أن اسم
المدينة
ورد عند ابن سعيد «نجبه» وذكر أن الجمال النجبية تنسب إليها.
ويبدو أنه حدث خطأ في نقل الاسم عند ابن سعيد، فالجمال توصف بالبختية وليس النجبة. ولم تتعرض المصادر الأخرى لهذه
المدينة. وقد نقل الحميري بالنص من الادريسي، لكن ابن سعيد اعتمد على معلومات جغرافي اسمه ابن فاطمة ت عام 362 ه تجول في مناطق افريقيا جنوب
الصحراء لكن كتابه المعنون «مماك افريقيا ومسالكها» مفقود. ولم يحدد الادريسي مكان مدينة بختة، وجعلها ابن سعيد على خط عرض 12 وخط طول 65.
ومواقع خطوط العرض في الجغرافية العربية المبكرة لا يختلف كثيراً عن مواقع خطوط العرض الحالية فخط الاستواء في الجغرافيا العربية يقع إلى
الجنوب قليلاً من خط الاستواء الحالي. أما خطوط الطول التي تحسب حاليا من خط قرنتش الذي يمر بمدينة لندن
فقد كانت تحسب في الجغرلفيا العربية من جزر الكناري الواقعة في المحيط الأطلسي بالقرب من الساحل المغربي.
وعلى كل حال فإن خط طول 65 عند ابن سعيد يقع غرب البحر الأحمر، وخط عرض 22 عنده يقع إلى
الجنوب من خط عرض 22 الحالي والذي يمر بمنطقة واديحلفا. وبناءاً عليه يمكن وضع مدينة بختة في الجزء الشمالي من خور بركة. وهذا الافتراض لموقع المدينة
بجعلها قريبة من الموقع المفترض لمدينة هجر، وتحديد هذه المناطق يتطلب تضافر جهود المؤسسات الأكاديمية التاريخية والآثارية.
مدينة صنجة
وقد ورد اسم مدينة أخرى ارتبط اسمها أيضاً بالحداربة وهي مدينة «صنجة». فقد ذكر الطبري أثناء تناوله حملة القمي على البجة عام 241 ه بأن «المؤن أتت إلى القمي عن طريق البحر «إلى ساحل من سواحل البحر يعرف بصنجة « بينما جاءت في كتاب ابن سليم «صيحة» وقد اتضح مما ذكرته المصادر المبكرة مثل مؤلفات اليعقوبي والمسعودي وابن حوقل أن البجة الذين يقطنون أرض المعدن والذين اتصلوا بالميلمين واختلطوا بهم هم الحداربة. فصنجة أو صيحة التي تقع على ساحل البحر الأحمر تكون من مدن الحداربة.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 12:51 PM   رقم المشاركة :[8]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

من هو شعب البَلو البلويت البليون و البليميون . الحلقة 8
.

د أحمد الياس حسين
.
بعد ستة قرون من صمت المصادر عن البليميين حدثنا الادريسي عن البلين وارتباطهم بالروم (البيزنطيين) وبالمسيحية اليعقوبية التي اعتن قتها مملكة نوباتي ومملكة مقُرّة ومملكة البليميين ثم مملكة علوة. فما هي علاقة البليين بالبليميين؟ نبدأ أولاً بالتعريف بالبلين، ولقد سبق أن تناولنا قبيلة البليين بشيء من التفصيل في الجزء الثاني من كتاب الوعي بالذات وتأصيل الهوية، وسنوجز هنا التعريف بهم لمعرفة مدى ارتباطهم بشعوب المنطقة.
ورد ذكر البليين عند الادريسي المتوفي عام 560 هـ / 1165 م وبعد ثلاث قرون ردد ابن الوردى المتوفي سنة 861 هـ / 1457م بعض ما ذكره الادريسي عنهم. ذكر الادريسي في كتابه (نزهة المشتاق في مسعد، المكتبة السودانية العربية ص 131) نصين عن البليين أحدهما عند الحديث عن مدينة أسوان جاء فيه:
1 " وربما أغار على أطرافها خيل السودان المسمين بالبليين. ويزعمون أنهم روم وأنهم على دين النصرانية من أيام القبط وقبل ظهور الإسلام غير أنهم خوارج في النصارى يعاقبة، وهم متنقلون فيما بين أرض البجة وأرض الحبشة ويتصلون ببلاد النوبة وهم رحالة ينتقلون ولا يقيمون بمكان مثل مما تفعله لمتونة الصحراء الذين هم بالمغرب الأقصى."
2 والنص الثاني الذي أورده الادريسي أيضاً (نزهة المشتاق في مسعد، المكتبة السودانية العربية ص 135) جاء فيه: "وبين أرض النوبة وأرض البجة قوم رحالة يقال لهم البَلِيّون، ولهم صرامة وعزم وكل من حولهم من الأمم يهادنونهم ويخافون ضرهم وهم نصارى خوارج على مذهب اليعقوبية وكذلك جميع أهل بلاد النوبة والحبشة. وأكثر أهل البجة نصارى خوارج على مذهب اليعاقبة كما قدمنا ذكره."
3 نص ابن الوردي في كتابة "خريدة العجائب وفريدة الغرائب (في مسعد ص 374) عند حديثه عن ميناء عيذاب جاء كما يلي: "وبين البجة وبين النوبة قوم يقال لهم البليون أهل عزم وشجاعة يهابهم كل من حولهم من الأمم ويهادنونهم وهم نصارى خوارج على مذهب اليعقوبية."
وضح النص الأول أن البلين نصارى يعقوبية، ووضح علاقتهم بالأقباط والكنيسة القبطية مما يشير إلى علاقاتهم المباشرة بالأقباط قبل الاسلام. كما أشار النص إلى انتسابهم إلى الروم، والروم هم البيزنطيون الذين كانوا يحكمون مصر قبل الاسلام. فلماذا يزعم البليين أنهم روم؟ وما هي علاقتهم بالروم؟
ذكرنا فيما سبق أن البليميين – وهم من أكبر فروع البجة في ذلك الوقت – كانوا يخالطون الروم ويعايشونهم في صعيد مصر، وكانوا يحكمون بعض المناطق داخل الأراضي المصرية التي يحكمها الروم، وكانت علاقات البليميين بالأقباط علاقات المعايشة والجوا ر ويعتنقون المسيحية على مذهبهم.
فالوصف الذي ورد في النص ينطبق تماماً على البليميين، فهل نفترض أن البليين هم فرع من البليميين الذين هزمهم سلكو وأسسوا مملكتهم في القرن السادس الميلادي إلى جوار مملكة مقُرة. وهل هم أيضاً بقايا البليميون الذين كانوا يحكمون بعض مناطق صعيد مصر، ثم لما دخل المسلمون مصر حاربهم عبد الله بن أبي سرح – كما ذكرنا آنفاً – ووصفهم بفراعنة البجة، فتقهقروا جنوباً واستقروا مع إخوانهم بجوار مملكة مقُرة؟
يبدو هذا الافتراض معقولاً، فالبليون قد يكونوا فرعاً من البليميين الذين كونوا مملكتهم في القرن السا دس في الصحراء شرقي مقُرة، ثم وصِفوا بفراعنة البجة في القرن السابع عندما حاربهم المسلمون في صعيد مصر. (راجع المقال السابق رقم 7) وقد أشار ابن سليم الأسواني في القرن العاشر الميلادي إلى أولئك البليميين باسم الزنافجة، ثم أشار إليهم بعد ذلك الادريسي في القرن الثاني عشر الميلادي باسم البليين.
وقد تعرضنا من قبل إلى تعدد الأسماء عند الحديث عن شعوب البجة، وأرجعنا ذلك إلى تداول السلطة بين القبائل والأسر، أو إلى ضعف معلومات الرواة التي تصل إلى المؤلفين. ولكن كل ذلك لا ينفي وجود تلك الأسماء سواء كانت متعاصرةً أو متتاليةً. فلو راجعنا- مثلاً - تاريخ شمال افريقيا في الخمسة قرون بين القرنين التاسع والرابع عشر الميلاديين وجدنا اثنتي عشرة دولة أسستها قبائل وأسر تداولت السلطة في الحكم وكانت تلك الدول تشتهر بأسماء القبائل أو الأسر التي أسستها.
ونرجع إلى نص الادريسي الأول الذي وضح أن البليين يجاورون النوبة، ويتنقلون شرقاً إلى حدود البجة الداخلة والحبشة بما يوضح اتساع بلاد البلين في الجزء الغربي من بلاد البجة. ولا بد أنهم شاركوا غيرهم من قبائل المنطقة في الحياة في تلك الأراضي. ووصف الادريسي تجوالهم مثل تجوال قبائل لمتونة المشهورة التي كانت تتجول في المنطقة الصحراوية الواسعة بين جنوب المغرب الأقصى شمالاً وحتى مناطق نهر السنغال جنوباً والتي أسس فرع منها دولة المرابطين في المغرب والأندلس في القرن السادس الهجرى الثاني عشر الميلادي.
ويتفق هذا الوصف مع ما ذكره اليعقوبي قبل ثلاثة قرون عن الزنافجة في المنطقة الشرقية لبلاد البجة حيث قال:
"ومن العلاقي إلى أرض البجة الذين يقال لهم الزنافجة خمس وعشرون مرحلة. والمدينة التي يسكنها ملك الزنافجة يقال لها بقلين. وربما صار المسلمون إليها للتجارات، ومذهبهم مثل مذهب الحداربة، وليس لهم شريعة إنما كانوا يعبدون صنماً يسمونه ححاخوا." (كتاب البلدان، موقع الوراق ج 1 ص 41. لم يرد هذا النص كاملاً فيما نقله مصطفى مسعد في المكتبة السودنية ص 19-20)
وفي كتاب التاريخ قال اليعقوبي أثناء تناوله ممالك البجة: "والمملكة الثانية من البجة، مملكة يقال لها بقلين، كثيرة المدن، واسعة يضارعون في دينهم المجوس والثنوية، فيسمون الله، عز وجل، الزنجير الأعلى، ويسمون الشيطان صحي حراقة، وهم الذين ينتفون لحاهم، ويقلعون ثناياهم، ويختتنون، وبلادهم بلاد مطر"
ومن الواضح أن مملكة الزنافجة وعاصمتها بقلين في النص الأول هي المملكة الثانية من ممالك البجة - مملكة بقلين - في النص الثاني وعرفوا عند اليعقوبي بالزنافجة وعند الادريسي بالبلين أو ربما البليميين. فقد ربط الباحثون مثل كراوفورد وبول وكيروان ومصطفى مسعد قبيلة البلين ربطاً مباشراً بالبليميين، أنظر على سبيل المثال (كراوفورد ص 109ومصطفى مسعد، الاسلام والنوبةفي العصور الوسطى ص 128 حاشية 77)
فهل يدل ذلك على أن البلين هم سلالة أو فرع من شعب البليميين ذو التاريخ الناصع في المنطقة والذي امتد لنحو ألف وثلثمائة سنة من القرن السابع قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي؟ هل حدث تصحيف لنص الادريسي فكتب البلين بدلاً من البليميين؟ أم حدث خلط للادريسي أو لمصادره فنقلوا أو قرأَوا الاسم بلين بدلاً من البليميين؟ أم أن الاسم قد تغيرمع الزمن فأصبح بلين بدلاً من بليميين؟ الكثير من أحداث تاريخنا تحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة.
وقد اتفق الادريسي وابن الوردي على وصف البلين بالقوة والشجاعة وغاراتهم على ظهور خيولهم التي تصل إلى مشارف أسوان، ووضحا كيف أن القبائل الأخرى المتصلة بها في المنطقة تهابهم. وتشير النصوص إلى العلاقة التي كانت قائمة بينها وبيين قبائل المنطقة، فرغم المنافسة الطبيعية بين القبائل البدوية على أماكن المياه والكلأ إلا أن علاقة البليين بجيرانهم كانت تتسم أيضاً بالطيبة وحسن الجوار يدل على ذلك الهدايا التي كانت تصلهم من جيرانهم كما ورد في النص، ولا بد أنهم كانوا أيضاً يهادونهم.
ويبدو أن علاقات البليين مع جيرانهم على النيل في مصر والسودان كانت على درجة قوية ومتقدمة من التنظيم. وفي واقع الأمر هنالك الكثير من الاشارات في المصادر العربية وضحت نضج وتطور النظم السياسية والادارية لقبائل المنطقة مثل ممالك البجة التي ذكرها اليعقوبي، والتنظيمات القبلية التي أشار إليها المسعودي وابن حوقل.
فالبليون كانوا في القرن الثاني عشر الميلادي – عصر الادريسي - شعب بدوي قوي وكبير يتجول في منطقة واسعة شرق بلاد البجة، وكانوا ذوي قوة ونفوذ في المنطقة وعلاقات مع جيرانهم في الشمال والجنوب حتى القرن الثامن عشر الميلادي، فماذا حدث لنفوذ وقوة هذه القبيلة بعد هذا التاريخ؟
ليس بين أيدينا الآن ما يساعد على التعرف على ما حدث لقوة هذه القبيلة، وما هي أسباب ضعفها؟ ربما ترك الجفاف الذي بدأت آثاره تزداد في كل المنطقة أثره على قوة القبيلة. وربما أدت حروب المماليك في مملكة مقُرّة منذ نهاية القرن الثالث عشر الميلادي، والصراع الذي دار بين المماليك وبعض القبائل العربية في شمال مملكة مقرة والصراع الذي دار بين تلك القبائل والأسرة المقرية الحاكمة ربما أدى كل ذلك إلى عدم استقرار القبيلة، وضعف اتصالها بمصر شمالاً وتقلص نشاطها التجاري. ثم جاء التحول والحراك الكبير لسكان المنطقة عندما دمر ميناء عيذاب في القرن الخامس عشر الميلادي الأمر الذي أدى إلى هجرة شعوب المنطقة نحو الجنوب.
ومن المعقول جدّاً قبول أن كل ذلك أثر على تقلص نفوذه البليين بالتدريج وبدأ بعض أفرادها يدخلون تحت التجمعات القبلية والقيادات الجديدة، بينما تماسك بعض إفرادها وحافظوا على كيانهم تحت اسمهم القديم. ويظهر بقايا البلين في بعض المناطق الشمالية والجنوبية لبلاد البجة وفي التراث المحلي للمنطقة.
وقد وجد الباحثون في تراث بعض قبائل البجة ما يؤكد علاقة واتصال تلك القبائل بقبيلة البلين، فربطوا بينها وبين قبائل البلو والباقوس والحداربة. فأفراد قبيلة البليين/البليميون الكبرى قد ساهموا في تكوين تلك القبليات والقوى الجديدة التي حلت محل القيادات القديمة في المنطقة. ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن ما تبقى من قبيلة البليين ولكننا نريد هنا الاشارة فقط إلى دور أفراد قبيلة البليين/البليميين في التكوين القبلي الحديث لسكان شرق السودان الذي برز منذ القرن الخامس عشر الميلاد، وانصهار الكثير من أفرادها داخل بعض تلك القبائل مثل البلو والحداربة. ويقودنا ذلك إلى الحديث عن سكان المناطق الشمالية، وسندخل إلى ذلك في الموضوع القادم بالحديث عن الأونوت/التُرُجلُدايت
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 01:08 PM   رقم المشاركة :[9]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

قبيلتي الزنافجة و الخاسة
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية الحلقة 9
.
بقلم: د أحمد الياس حسين
.
الحلقة الأخيرة رقم 7 التي نشرت في موقع سودان نايل وجريدة الصحافة كانت عن قبيلة الحدارب، وقد نشرت الحلقة رقم 8 في صحيفة الصحافة عن قبيلة البليين، ثم هذه الحلقة التاسعة عن قبيلتي الزنافجة والخاسة. وقد سبق وإن نَشرْت مقالاً عن البليين في موقع سودانايل تحت عنوان "السكان قبل القرن الخامسعشر الميلادي والحلقات المفقودة بين الماضي والحاضر: قبيلة البليين نموذجاً" ولذلك سوف لن أعيد نشره وسأقفذ هنا من الحلقة رقم 7 إلي الحلقة رقم 9
قبيلة الزنافجة
الزنافجة من قبائل البجة التي لم ورد عنها قليل من المعلومات. فقد جاء ذكرها عند اليعقوبي وابن سليم والدشقي والمقريزي. ويمكن تقسيم النصوص التي وردت عنها إلى مجموعتين: الأولى عند اليعقوبي والدمشقي والثانية عند ابن سليم والمقريزي. قال اليعقوبي في كتاب البلدان ص 19 -20:
"ومن العلاقي إلى أرض البجة الذين يقال لهم الزنافجة خمس وعشرون مرحلة. والمدينة التي يسكنها ملك الزنافجة يقال لها بقلين. وربما صار المسلمون إليها للتجارات، ومذهبهم مثل مذهب الحداربة، وليس لهم شريعة إنما كانوا يعبدون صنماً يسمونه ححاخوا."
جعل اليعقوبي في نهاية القرن الثالث الهجري (9 م) موطن الزنافجة على بعد خمسة وعشرين مرحلة من العلاقي وهي نفس المسافة التي قدرها لموطن قبيلتي الحداربة والكدبيين رغم أنه لم يذكر أن الزنافجة والحداربة يعيشون سويّاً كما ورد عند ابن سليم والمقريزي. وفي كتابه التاريخ وضع اليعقوبى الزنافج مع سبعة قبائل أخرى بما فيهم الحداربة في مملكة نقيس – المملكة الأولى من ممالك البجة - المجاورة للمسلمين وعاصمتها هجر.
وقد كان الحداربة حكاماً لمملكة نقيس كما يفهم من نصوص المصادر العربية، وقد تعرضنا لذلك عند حديثنا عن قبيلة الحداربة. لكن اليعقوبي وضح في كتابه البلدان – النص أعلاه – أن للزنافجة مملكتهم وعاصمتهم الخاصة بهم وهي مدينة بقلين. وجعل موقع كِلا المملكتين على بعد واحد من وادي العلاقي. فهل يا ترى حدث خطأ في نقل المسافة - في النص أعلاه – بين وادي العلاقي وموطن الزنافجة؟ وكيف أعاد اليعقوبي – في النص الثاني – وجود الزنافجة في مملكة نقيس؟ لم تسعفنا المصادر العربية بمعلومات تساعد على توضيح ذلك.
والنص الوحيد الذي تعرض لذلك هو نص الدمشقى الذي أكد وجود مملكة للزنافجة إلى جانب مملكة الحداربة حيث قال: "البجة وهم صنفان: حداربة وملكهم يسكن هجر، والزنافجة وملكهم يسكن مدينة نقلين" ويبدو اختلاف بسيط في اسم المدينة بتغيير حرف الباء عند اليعقوبي بحرف التاء عند الدمشقي، لكن يبدو أن كلا الكاتبين يرجعان إلى نفس المدينة. ولا يبدو أن الدمشقي اعتمد في معلوماته على اليعقوبي لأن المادة التي أوردها عن الزنافجة لا تتطابق مع ما ورد عند اليعقوبي.
وقد نجد بعض المساعدة أيضاً عند اليعقوبي نفسه في إلقاء المزيد من الضوء على هذا الاشكال. فقد ذكر اليعقوبي أن المملكة الثانية من ممالك البجة يقال لها "بقلين" فتأكد وجود بقلين كمملكة مستقلة عند اليعقوبي في كتاب البلدان وعند الدمشقي، وكما هو واضح عند كليهما أن بقلين هي مدينة الزنافجة. فإن الزنافجة إذاً مملكة مستقلة عن مملكة الحداربة، ويفهم من ترتيب ممالك البجة عند اليعقوبي أن المملكة الثانية - مملكة الزنافجة – في بقلين تجاور المملكة الأولى نقيس.
ولا يستبعد أن يكون هنالك جزء من الزنافجة يعيشون في مملكة نقيس خاصة وأن اليعقوبي ذكر أن مملكة بقلين" كثيرة المدن واسعة" ويرى كراوفورد (The Fung Kingdom of Sennar p 103 – 107) أن مملكة بقلين يمكن تحديد موقعها بالقرب من الساحل في المكان المعروف اليوم ب Bacla والتي ظهرت على خريطة Almeidaعام 1662 م باسم Baghela، كما ظهرت في خط رحلة Zorzi في القرن السادس عشر على بعد خمسة عشر يوماً جنوب سواكن.
ويضيف كراوفورد أن اسم بقلا قد تردد كثيراً في المنطقة الواقعه شمال وغرب كرن، ولذلك لم يتردد في جعل موقع مملكة بقلين بالقرب من الساحل في تلك المواضع، خاصة وأنه وضع مدينة هجر عاصمة الحداربة شمال تلك المناطق. ويلاحظ أن كراوفورد يضع معظم مواطن البجة ما بين الساحل وخور بركة.
وأرى أن موقع مملكة بقلين ربما كان إلى الغرب والشمال من المناطق التي ذكرها كراوفورد، أولاً لأنه ذَكَر أسم هضبة تقع إلي الغرب من كرن تحمل نفس الأسماء التي ترددت في المنطقة الواقعة شرقي كرن، وذكر أن الاسم في الأصل ربما رجع إلى اسم لتلك المنطقة. وثانيا ليس هنالك ما يمنع امتداد المنطقة غرباً إلى ما بعد خور بركة. وكانت تلك المناطق كما اتضح من وصف المصادر العربية تتمتع بوفر مصادر المياه والمراعي والمزارع مما يجعلها مواطن استقرار لقبائل البجة.
وإلى جانب ذلك فإن كثيراً من سكان مناطق غربي خور بركة قد بدأوا ينزحوا شرقاً منذ القرن الرابع عشر الميلادي لأسباب سياسية وطبيعية. فأغلب الظن أن مملكة الزنافجة – بقلين - كانت تمتدة في المناطق الوسطى من خور بركة وفي شماله وشرقه.
وفي النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (10 م) أورد ابن سليم معلومات عن الزنافجة تختلف عما ورد عند اليعقوبي. ذكر ابن سليم (كتاب أخبار النوبة) نصين عن الزنافجة ربط في أحدهما بين الحداربة والزنافجة ولم يجعل لهم كياناً مستقلاً بل جعلهم تابعين للحداربة حيث ذكر عند حديثه عن البجة:
"ومنهم جنس آخر يعرفون بالزنافج هم أكثر عدداً من الحدارب غير أنهم تبع لهم وخفراؤهم يجبونهم ويحلبونهم المواشي ولكل رئيس من الحدارب، قوم من الرنافج في حملته، فهم كالعبيد يتوارثونهم بعد أن كانت الرنافج قديماً أظهر عليهم"
وقد نقل المقريزي نص ابن سليم هذا كما هو. وفي النص الثاني أشار ابن سليم إلى وجود الزنافجة في مكان آخر فقال:
"ومن هذه الموضع [شمال بلاد علوة] طرق إلى سواكن وباضع ودهلَك وجزائر البحر، ومنها عبر من نجا من بني أمية عند هربهم إلى النوبة، وفيها خلق من البجة يعرفون بالرنافج انتقلوا إلى النوبة قديماً وقطنوا هناك وهم على حدتهم في الرعي واللغة، لا يخالطون النوبة، ولا يسكنون قراهم، وعليهم والٍ من قبل النوبة."
رجع النص الأول إلي الزنافجة في فترتين زمنيتين: الأولى – قديما – حيث كان الزنافجة أقوياء "أظهر عليهم" وربما كان الحداربة في تلك الفترة تحت سيطرة الزنافجة. والفترة الثانية وهي التي ساد فيها الحداربة وأصبح الزنافجة تحت سيادتهم. والنص الثاني يشير إلى وجود الزنافجة بعيداً بجوار النوبة وتحت حكمهم. وتثير هذه المعلومات الكثير من الأسئلة مثل: متى كان زمن قوة الزنافجة؟ ومتي ضعفت قوتهم؟ وما السبب أو الأسباب التي أدت إلى ضعفهم؟ ومتي استقر الزنافجة بجوار النوبة؟ وما هي أسباب تحركهم؟ وهل تحولوا من المنطقة الشرقية نحو النيل أم جاءوا من منطقة أخرى؟
وبالطبع نفتقر إلى المعلومات التي تساعد على الاجابة على هذه الأسئلة أو بعضها، ولكن ذلك لا يمنع من محاولة استقراء ما توفر من معلومات وإلقاء ما يتيسر من ضوء على مسألة الزنافجة. ونبدأ بمحاولة تلمس متى ضعف الزنافجة وسادت قوة الحداربة؟ ربما نجد الاشارة الصريحة لقوة الحداربة فيما ذكره المسعودي (مروج الذهب ج 2 ص 18) في النصف الأول من القرن الرابع الهجري (10 م) حيث قال:
"وقد كانت النوبة قبل ذلك أشد من البجة، إلى أن قوتي الإسلام وظهر، وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب وبلاد العلاة وعلاقي و عيذاب، وسكن في تلك الديار خلق من العرب من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، فاشتدت شوكتهم، وتزوجوا في البجة، فقويت البجه بمن صاهرها من ربيعه"
وواضح أن البجة الذين أشار إليهم المسعودي هنا هم الحداربة الذين صاهروا ربيعة وتقوا بهم وأصبحوا – كما وصفهم – ابن سليم "شوكة القوم ووجوههم" فهل نربط بداية قوة الحداربة بمصاهرتهم ربيعة في النصف الأول من القرن الرابه الهجري؟
وإذا قبلبنا بداية ظهور قوة الحداربة بهذا التاريخ فمن هم البجة الذين ذكرت المصادر العربية غاراتهم على المسلمين في مدن الصعيد وعلى القاهرة والذين حاربهم المسلمين في ثلاث مواقع كبيرة قبل مصاهرة الحداربة لربيعة؟ هل هم الزنافجة أم قبيلة أخرى من البجة لم تذكر المصادر اسمها؟
في واقع الأمر فإن الحداربة هي القبيلة الوحيدة التي تردد ذكرها في المصادر العربية وكانت على صلة بمناطق التعدين وعلى علاقة بالمسلمين، وورد ذكر الزنافجة بدرجة أقل وملحقين بالحداربة. ولذلك فمن غير المرجح أن يكون الزنافجة هم القوة البجاوية التي ناهضت المسلمين قبل العمل في المعدن وقبل ظهور قوة الحداربة. وإذا قبلنا ذلك ربما كان الحداربة هم البجة الذين أورد الواقدي الروايات التي تقول بمشاركتهم الأقباط بجيش كبير للدفاع عن صعيد مصر.
ومن ناحية أخرى فهل نقبل ظهور الحداربة بتلك القوة فقط بعد مصاهرتهم لربيعة في الفترة الزمنية الواقعة بين تكامل العمل في التعدين نحو منتصف القرن الثالث الهجري وبين وقت كتابة ابن سليم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري؟ هل هذا الوقت كافٍ لنمو قوتهم وتحقيقهم كل تلك الامتيازات والسيادة ؟
فرسوخ الأوضاع القبلية والطبقية بالصورة التي ذكرها ابن سليم تتطلب زمناً طويلاً وأجيال متعاقبة يرسخ بين أفرادها ذلك التنظيم الطبقي ويصير ممارسة مقبولة في الكيان الجتماعي. ولذلك فافتراض وجود قوة الحداربة قبل مصاهرتهم ربيعة وأن تلك القوة ازدادت بتلك المصاهرة يبدو أيضاً مقبولاً. فيكون الحداربة كما افترضنا عند الكتابة عنهم سابقاً هم القوة التي ناهضت المسلمين منذ قدومهم مصر. ولا يمنع ذلك من وجود الزنافجة إلى جوارهم في ذلك الوقت كقبيلة أقل قوة منهم.
وننتقل إلى نص ابن سليم الثاني لمحاولة التعرف على الزنافجة المستقرين في منطقة النوبة. وضح ابن سليم أنهم انتقلوا إلى النوبة [قديما] ونهم رعاة ويسكنون في قراهم الخصة بهم لا يخالطون النوبة ولا يتحدثون لغة النوبة بل لغتهم الخاصة وأنهم تابعون للنوبة عليهم والٍ من قِبَلهم.
فهل حدث ذلك عندما فقد الزنافجة قوتهم ووقعوا تحت سيادة الحداربة واختار بعضهم الهجرة غرباً نحو النيل؟ ويبدو ذلك معقولاً وممكناً. أم هم من بقايا البجة البليميين الذين كانوا يقطنون المنطقة قبل انتشار المسيحية، واعتنقوها، وكما أشارت المصادر فقد كانوا مستقرين في موقع وسط بين مملكتي نوباتيا وعلوة على الناحية الشرقية للنيل. وهذا هو المكان الذي أشار ابن سليم إلى وجود الزنافجة فيه، لكنه لم يشر إلى معتقدهم بينما وضح أن الزنافجة في منطقة البجة يعبدون صنماً لهم.
ولا أعتقد أن الزنافجة في منطقة النوبة هم من البليين الذين ذكرهم الادريسي لأن هولاء كانوا أقوياء وغير خاضعين للنوبة. ويبقى موضوع زنافجة النوبة والبليين المسيحيين في منطقة النوبة – مثل كثير من موضوعات تاريخ البجة قبل القرن الخامس عشر الميلادي – في حاجة إلى تضافر جهود المؤرخين والآثاريين وعلماء اللغات لعدم توفر المعلومات في المصادر المتاحة.
وفي نفس القرن الذي كتب فيه ابن سليم رابطاً الزنافجة بالحداربة يطالعنا ابن حوقل (صورةالأرضص 60) ببعض المعلومات عن قبيلتين تعيشان في نفس المنطقة قريبتا الشبه بما كتبه ابن سليم عن الزنافجة هما: بلاقابات وحنديبا. يقول ابن حوقل: "وتحازي سواكن بطون تعرف برقابات وحنديبا، وهم خفراء على الحدربية، وخفارتهم لعبدك وهم تحت يده" جعل ابن حوقل برقابات وحنديبا خفراء على الحداربة بينما جعل ابن سليم ذلك للزنافجة." وقد علقنا عند الحديث عن قبيلة الحداربة ما يمكن أن يكون قصده ابن سليم من"الخفارة"
ويلاحظ أن ابن حوقل دخل منطقة البجة الحداربة – كما رأينا أعلاه – ولذلك ربما اعتبرت معلوماته أوثق من معلومات ابن سليم الذي دخل منطقة النوبة ولم يدخل منطقة البجة. وبما أن اليعقوبي ذكر أن مملكة بقلين (مملكة الزنافجة) مملكة واسعة وكثيرة المدن، فيرجح ذلك أن سكانها يتكونون من قبائل متعددة. فربما كانت قبيلتا برقابات وحنديبا من بين قبائل مملكة بقلين، أو فرع من قبيلة الزنافجة.
ويبدو معقولاً أن تعيش في مملكة بقلين الواسعة والكثيرة المدن قبائل متعددة مستقرة ومتنقلة. وقد وردت في المصادر معلومات مقتضبة عن مملكة بقلين لا تساعد على إلقاء الضوء على أوضاعها. وصف اليعقوبى سكان مملكة بقلين بأنهم يقلعون ثناياهم، وهو الوصف الذي حعله ابن حوقل لبازين سكان المملكة الثالثة عند اليعقوبي. وذكر اليعقوبي أن سكان بقلين يختتنون ولم أجد هذا الوصف في المصادرالعربية في غير هذا المكان.
وشبه اليعقوبي ديانه أهل بقلين بالمجوسية والنصرانيىحيث ذكر: "أنهم يضارعون في دينهم المجوس والنصارى" بينما ذكرت أغلب المصادر أن البجة الداخلةيعبدون الأصنام. ولست أدري معني تشبيههم بالمجوس والنصارى، هل في طقوسهم أم في تدينهم؟ أم أنه أراد شيئاً آخر.
قبيلة الخاسة
الخاسة من القبائل الكبيرة والقدبمة في المنطقة فقد ذكر عيزانا كما ورد عند آركل (A History of the Sudan ص 172) في نقشه في القرن الرابع الميلادي أنه ذهب لحرب النوبة الذين أغاروا على عدد من القبائل من ضمنهم قبيلة الخاسة. وحدد ابن حوقل مواطن الخاسة ما بين خور بركة وسواحل البحر الأحمر، وذكر أنهم "بطون كثيرة في السهل والجبل". ويبدو أن المعلومات عن هذه المناطق لم تتوفر للكتاب المسلمين بعد عصر ابن حوقل في القرن الرابع الهجري (10 م) وحتى امتداد حدود المماليك في مصر غلى سواكن 664 ه / 1265 م. وأول إشارة بعد ابن حوقل للخاسة جاءت عند ابن سعيد (ت نحو 685) في كتاب الجغرافيا ص 60 (موقع الوراق) أثناء حديثة عن تلك المناطق فذكر أن:
"سحرته من أجناس الحبشة المذكورة وعمائرهم ممتدة مع هذا النيل من الجانبين. وفي شرقيه من مدن الحبشة المشهورة كلغور، وهي مجمع لهم في كل ناحية وبها ملتقى من يريد البحر أو النيل أو البرية. وموضوعها حيث الطول ثلاث وستون والعرض إحدى عشرة درجة. وفي شمالي سحرته من النيل إلى البحر بلاد الخاسه وهم مذمومون بين أجناس الحبشة وقد اشتهر عنهم أنهم يخصون من يقع إلى أيديهم ويدفعون ذكور الآدميين في صداقاتهم ويفتخرون بذلك."
تحدث ابن سعيد عن بلاد الخاسة بين النيل والبحر، وإذا قصد بالنيل هنا نيل الحبشة - الذي كان يتحدث عنه في السطور السابقه – فهويشير إلى النيل الأزرق الذي ذكر أنه ينبع من بحيرة حورس التي تقع على خط الاستواء. وهذا الموقع لا يتناسب ووجود القبيلة في المناطق الشمالية لأن النيل الأزرق لا يمر شمالاً. وربما قصد بالنيل نهر عطبرة أو خور بركة وكلاهما لا ينبع من بحيرة تانا. وأغلب الظن أن الاشارة هنا لخور بركة فابن سعيد جغرافي عاش في الغرب الاسلامي ولم يزر هذه المناطق، وربما لم يعتمد على مصادر ذات صلة ومعرفة بالمنطقة فجاء في معلوماته بعض الاضطراب. ويبدو ذلك واضحاً من وصفه للقبيلة وهو الوصف الذي انفرد به والذي يعكس ضعف معلوماته عن المنطقة وسكانها.
وأتت معلومات مختصرة جدّاً عن الخاسة بعد ابن سعيد في القرن الثامن الهجري (14 م) عند النويري في كتابه (نهاية الأرب ج 1 ص 66) وعند الدمشقي والمقريزي في القرن التاسع الهجري (15 م) وقد جاءت معلومات النويري والمقريزي متطابقة أذ جعلا مدينة سواكن موطناً للخاسة، وذكرا أنهم مسلمون ولهم مملكة خاصة بهم.
ذكر الدمشقي في كتابه (نخبة الدهر في عجائب البر والبحر) أن الخاسة يعيشون إلى جوار الحداربة، وقسمهم إلى قسمين: "خاسة السفلى كفار، وخاسة العليا مسلمون، وهم أقل الناس غيرة ونخوة على النساء. وغالب هؤلاء لا يلبسون المخيط، ولا يسكنون المدن" ويبدو أن معلومات المصادر العربية عن البجة وبلادهم كانت في غاية الندرة والاضطراب حتي بالنسبة للمقريزي الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي في مصر.
ويلاحظ على موقع القبيلة عند ابن حوقل أنه إلى الجنوب كثيراً من سواكن التي جعلها النويري – ونقل عنه المقريزي – موطناً للخاسة، بينما لا يرتبطون عند الدمشقي بسواكن، ومن الممكن عنده أن تكون ديارهم إلى الجنوب. ومعلومات ابن حوقل تعتتبر أكثر مصداقية من النويري – الذي كان عائشاً في مصر لكنه لم يزر المنطقة – وأصدق من معلومات الدمشقي الغريب عن المنطقة.
ويرى كراوفورد أن موطن الخاسة كان بالقرب من كرن، بينما يضعهم موزنجر جنوب أسمرا بناءاً على ما ذكره ابن سعيد من أن موطن الخاسة شمال سحرتة. فقد جعل موزنقر موقع سحرتة جنوب أسمرا. ويبدو أن قبيلة الخاسة – كما وصفتها المصادر - كانت قبيلة كبيرة ربما امتدت من مناطق أسمرا جنوباً حتى مدينة سواكنشمالاً. فقد ذكر الدمشقي والنويري أنهم مسلمون مما يوضح ارتباطهم بالمسلمين شمالاً. وذكرا أن لهم مملكة خاصة بهم مما يوضح مدى قوتهم وعدم خضوعهم للحداربة الذين رأينا قوتهم وسيطرتهم على المناطق الواقعة إلى الجنوب والغرب من سواكن.
وقد يؤيد قوة الخاسة واتساع مواطنهم شمالاً وجنوباً ما ذكره الدمشقي من أن الخاسة قسمين متميزين: خاسة العليا وكانوا مسلمين وخاسة السفلى الذين قال عنهم أنهم كفار، مما يشير إلى بعد مواطنهم في الجنوب.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 01:15 PM   رقم المشاركة :[10]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

قبائل البجة في الداخل
.
د احمد الياس حسين
.
وردت بعض المعلومات القليلة في المصادر العربية عن القبائل البجاوية في الداخل بالمقارنة إلى ما ورد عن الحداربة ومن جاورهم من القبائل شمالاً. وانتشرت قبائل الداخل بين ساحل البحر الأحمر شرقاً ووادي بركة وخور القاش حتى حدود مملكة علوة الشرقية غرباً. قال عنهم ابن سليم (أخبار النوبة ص 113)1 «والبجة الداخلة
في صحراء بلد علوة مما يلي البحر الملح إلى أوّل الحبشة، ورجالهم في الظعن والمواشي واتباع الرعي والمعيشة، والمراكب والسلاح، كحال الحدارب»
وقد وصف ابن حوقل في كتابه (صورة الأرض 71) مناطق الداخل هذه قائلاً:
«نواحي قلعيب وهي مواضع ذات مياه في أودية متصلة بجبل يعرف بملاحيب وأكبر أوديته وادي بركة،.وبين قلعيب وبركة غياضٌ عاديةٌ ذات أشجار، وربما كان دائرة الشجرة من أربعين ذراعاً إلي خمسين ذراعاً إلى ستين ذراعاً. وأفنيتها مراتع الأفيلة والزرافات والكركدن والنمر والفهد إلى سائر الوحوش سائمة راتعة في غيلها ومياهها وغياضها. ويتصل بحد ملاحيب من شقه الشرقي وادٍ يعرف بصيغوات كثير الماء أيضاً والشجروالحمر والوحش.»
ويواصل ابن حوقل: واصفاً منطقة جبل ملاحيب ودلتا القاش وأواسط نهر عطبرة
قائلاً: «ويتصل بجبل ملاحيب من شقه الشرقي وادٍ يعرف بصيغوات كثير الماء أيضاً والشجر والحمر والوحوش ... وكأن هذا الجبل آخذ بأوديته من نواحي البحر المالح إلى دُكن [دلتا القاش] وهي أرض مزارع أحواف يجري إليها ماء النيل، ويزرع عليها الذرة والدخن أهل النوبة ومن يحضر معهم من البجة»
وتعيش في هذه المناطق الكثير من قبائل البجة التي وردت عنها بعض المعلومات في المصادر العربية كما في مؤلفات ابن حوقل واليعقوبي وابن سليم. وأسماء القبائل التي وردت في تلك المصادر هي: قعصة وبواتيكة وكديم والماتين وبازين وبارية والديجون والحلنقة .ولا تمكن تلك المعلومات من رسم صورة واضحة لتلك القبائل. وللبحث عن إلقاء المزيد من الضوء على تلك القبائل سنحول ربط ما ورد عنها بما ورد عن ممالك البجة عند اليعقوبي. تناول اليعقوبي في تاريخه (21 - 23) ستة ممالك تحت عنوان «ممالك البجة» جاءت كما يلي:
«فأول مملكة البجة من حد أسوان
، وهي آخر عمل المسلمين من التيمن بين المشرق والمغرب إلى حد بركات، وهم الجنس الذي يقال له: نقيس ... والمملكة الثانية من البجة، مملكة يقال لها: بقلين، كثيرة المدن ... ثم المملكة الثالثة يقال لها: بازين، وهم يتاخمون مملكة علوة من النوبة، ويتاخمون بقلين من البجة ... والمملكة الرابعة يقال لها: جارين، ولهم ملك خطير، وملكه ما بين بلد يقال له: باضع، وهو ساحل البحر الأعظم إلى حد بركات من مملكة بقلين، إلى موضع يقال له: حل الدجاج ... والمملكة الخامسة يقال لها: قطعة، وهي آخر ممالك البجة، ومملكتهم واسعة من حد موضع يقال له: باضع، إلى موضع يقال له: فيكون، ولهم حد شديد، وشوكة صعبة، ولهم دار مقاتلة يقال لها دار السوا، فيها أحداث شباب، جلد، مستعدون للحرب والقتال ... ثم المملكة السادسة، وهي مملكة النجاشي.»
ومن الواضح أن المملكة الأولى هي مملكة شمال بلاد البجة حيث تتواجد قبائل الحداربة والزنافج، وقد وضعنا معهم بطون رقابات وحنديبا، وإلى جانبهم قبيلة الخاسة.
أما قبائل الداخل كما وردت في المصادر فهي كما يلي: قعصة وبواتيكة وكديم والماتين وبازين وبارية والحلنقة. وسنتعرف فيما يلي على هذه القبائل بناءً على ما ورد عنها من معلومات.
قبيلة قعصة:
ذكر ابن حوقل قبيلة كبيرة ذات بطون متعددة ممتدة مسيرة ثلاثة لأيام ما بين خور بركة وباضع «مملوءة ببطون قعصة وهي من أجل بطون البجة الداخلة
وأكثرها مالاً وأعزها.» ويبدو اسم هذه القبيلة وموطنها قريباً مما ذكره ابن حوقل عن مملكة البجة الخامسة التي وصفها قائلاً:
«والمملكة الخامسة يقال لها: قطعة، وهي آخر ممالك البجة، ومملكتهم واسعة من حد موضع يقال له: باضع، إلى موضع يقال له فيكون، ولهم حد شديد، وشوكة صعبة، ولهم دار مقاتلة يقال لها دار السوا، فيها أحداث شباب جلد، مستعدون للحرب والقتال.»
ويلاحظ الشبه الواضح بين الاسمين قطعة عند اليعقوبي وقعصة عند ابن حوقل كما يلاحظ أن المؤلفين يرجعان إلى نفس المكان تقريباً والذي هو بجوار باضع مما يرجح أن قعصة عند ابن حوقل هي المملكة الخامسة عند اليعقوبي. ووقد رجح كراوفورد أن تكون قبيلة قعصة هي نفسها قبيلة الخاسة. ولست أدري كيف أتى كراوفورد برأيه هذا مع العلم بأن ابن حوقل قد ذكر قبيلة الخاسة ووضح أنها بطون كثيرة بين السهل والجبل كما أشرنا إلى ذلك عند حديثنا عن هذه القبيلة، فهي تبدو إلى الشمال كثيراً من مناطق مملكة قصعة كما وضعتها المصادر العربية التي أشرنا إليها عند حديثنا عن قبيلة الخاسة.
بواتيكة
وصف ابن حوقل بيواتيكة ومواطنها بأنها: «مياه متصلة وبلدان عامرة بيواتيكة من قبائل البجة ، تزيد على الاحصاء ولا يُبلغ عددها لتوغلهم في أعماق الصحارى.» ويبدو من هذا الوصف أن قبيلة بيواتيكة قبيلة كبيرة تعيش على مساحات واسعة من مناطق المياه في المرتفعات وخور بركة شرقاً وممتدة غرباً وشمالاً إلى مناطق الصحراء، مما يوضح مدى كثافة السكان وتعايش قبائل البجة إلى جوار بعضها البعض.
ولو رجعنا إلى ما ذكره اليعقوبي عن مملكة البجة الرابعة نجده يتحدث عن قبيلة كبيرة وخطيرة ومحاربة على ساحل البحر، قال عنها: «المملكة الرابعة يقال لها: جارين، ولهم ملك خطير، وملكه ما بين بلد يقال له: باضع، وهو ساحل البحر الأعظم إلى حد بركات من مملكة بقلين، إلى موضع يقال له: حل الدجاج، وهم قوم يقلعون ثناياهم من فوق وأسفل، ويقولون: لا يكون لنا أسنان كأسنان الحمير، وينتفون لحاهم.»
فهل من الممكن الربط بين مملكة جارين وقبيلة بيواتيكة؟ لا يوجد ما يمكن أن يؤيد هذا الافتراض خاصة وأن اليعقوبي ذكر أن امتداد القبيلة من ساحل البحر إلى حد بركات، فلم يجعل لها امتداداً في الصحراء مكا فعل ابن حوقل. ولكن ذلك لا يمنع قيام الافتراض بإن بيواتيكة ربما تكون اللملكة الرابعة لافتراض أن عدم حصول كلا المؤلِّفين على معلومات كانلة ودقيقة عن المنطقة.
كديم
وضح ابن حوقل أن بطون كديم المعروفة بعجات من البجة تتواجد بنواحي خور بركة، وإلى الشرق منها قبيلة الخاسة. وربما جعل هذا الوصف انتشار بطون قبيلة كديم أو عجات بنواحي خور بركة والمناطق الواقعه غربيه. وقد يكون ذلك في المناطق الصحراوية الواسعة شمال دلتا القاش. وتبدو كديم كقبيلة كبيرة لها بطون كثيرة رغم إن ابن حوقل لم يورد ما يساعد على المزيد من التعرف على تلك البطون وأساليب حياتها. ويلاحظ أن ابن حوقل أثناء حديثه عن قبائل البجة الأخرى في مناطق خوري القاش وبركة تناول أساليب حياتها من زراعة ورعي وثرواتهم الحيوانية والنباتية، غير أنه لم يتناول شيئاً من ذلك عند الحديث عن بطون كديم المروفة بعجات.
وذكر كرَوفُرد (ص 104) أن احد فروع البشاريين الذين يعيشون في منطقة أم ناجي البشارية شرق بربر وشمال عطبرة
يطلق عليه كادبين، ولذلك رأى أنه ربما كانت كادبين هي نفسها كديم المعروفة بعجات عند ابن حوقل. ويعني ذلك أن بطون كديم انتشرت في هذه المنطقة الصحراوية ? من مملكة نقيس - شمال غرب بلاد البجة.
الماتين
امتدت ديار الماتين ? كما يقول ابن حوقل- في مناطق «دهرا وسيتراب وغركاي ودُحنت إلى الجبل المعروف بمسمار.» ويعرف كراوفورد سيتراب بأنهم سكان المنطقة القريبة من جبل وخور يطلق عليه Sitrarab في الخرط الحديثة بين 20 و30 ميل غرب الشمال الغربي لطوكر، ومسمار هو الجبل المعروف بهذا الاسم، ولذلك فإن غركاي ودُحنت يمكن وضعهما في المنطقة الواقعة إلى الجنوب من سنكات
. وقد ارتبط غركاي بالمنطقة المعروفة ب Garric شمال ملتقى هيا. فالماتين ينتشرون في هذه المنطقة حتى جبل مسمار.
أهل تفلين
وردت الإشارة إلي أهل تفلين عند ابن حوقل في كتابه (صورة الأرض ص 74) ولم يذكر أسمهم بل نسبهم إلى تفلين التذ ذكر أنها تقع بين أعالى خور القاش شرقاً وحتى حدودد مملكة علوة غرباً. قال ابن حوقل: « تفلين قرى أيضاً للبادية منهم، ينتجعونها للمراعي حين المطر، ولهم ملك مسلم يتكلم العربية من قبل صاحب علوة. ويختص أهل تفلين بالإبل والبقر ولا زرع لهم، فيهم مسلمون كثيرون من غير ناحية على دينهم يتجرون ويسافرون إلى مكة
وغيرها ... ويجاور تفلين بازين» وفي مكان آخر ذكر أن المسفة من تفلين إلى وادي برطة ثلاثة أيام.
ويبدو أن حدود مملكة علوة الشرقية كانت ممتدة إلى منطقة القاش، وكانت العلاقات طيبة بين رعايا مملكة علوة والبجة. فقد قال ابن حوقل عن دُكن وهي دلتا القاش «دُكن وهي أرض مزارع ... يزرع عليها الزرة والدخن أهل النوبة ومن يحضر معهم من البجة.» ولم تكن الصلة بين البجو وأهل علوة زراعية فقط بل كانت هنالك مصاهرات واختلاط بين الجانبين، فقد ذكر ابن سُليم الاسواني في كتابه «أخبار النوبة ص 99 - 100» أثناء حديثه عن نهر يخرج من الشرق ةيجف في الصيف وتأتيه مياه الأمطار ويصب في النيل وقت زيادته. فابن سُليم بهذا الوصف يتحدث عن نهر عطبرة
وقال «عليه جنس مولد بين العلوة والبجة يقال لهم الديجيون.»
ويبدو أن وضع ابن حوقل الديجيين على نهر هطبر يحتاج إلى بعض المراجعة، فابن سُليم زار مناطق النيل لكنه لم يعرج إلى المناطق الشرقية وكتب مادته عنها عن طريق الروايات التي وصلته - كما ذكر- عن الديجيين أثناء وجوده في عاصمة مملكة علوة. فأغلب الظن أن الديجيين الذين ذكرهم منسوبون إلى دُجن وهي منطقة دلتا القاش، فهم «الدجيون» واختلط الأمر على مُخْبر ابن سُليم وجعلهم على نهر عطبرة
بدلاً من القاش.
بازين وباريه
وصف ابن حوقل المنطقة الواقعة ما بين جبل ملاحيب وأوديته من على سواحل البحر الأحمر في إتجاه الغرب مروراً بوادي بركة حتى دُكن [حوض القاش] «أرض مزارع أحواف يجري إليها ماء النيل، ويَزرع عليها الذرة والدخن أهل النوبة ومن حضر من البجة» ويتضح من النص تداخل النوبة والبجة هذه المناطق، وفي الغالب يكون ذلك التداخل على مناطق الحدود الشماليةالشرقية
لمملكة علوة المتاخمة للبجة.
ويواصل ابن حوقل «وكأن هذا الجبيل
[ملاحيب] أخذ بأوديته من نواحي البحر المالح إلى دُكن وهي أرض مزارع أحواف يجري إليها ماء النيل، ويَزرع عليها الذرة والدخن. وفي شق بركة قبائل كثيرة تعرف ببازين وباريه أمم كثيرة قتالهم بالقسي والسهوم المسمومة والحراب بغير درق. ومن رسم باريه قلع ثناياها وبحر آذانها،ويسكنون في جبال وأودية، وويقتنون البقر والشاه ويزرعون .»
وعن بازين يقول ابن حوقل: ويجاور تفلين بازين أمم مقيمة في أخصاص كالقرى لهم الماشية من البقر والزرع. ورآستهم بأيدي شيوخهم وليس فيهم إلا راجل، وسلاحهم الحراب والمُرّان2 ولا فارس فيهم، وليس لأحد عليهم طاعة ولا دين لهم، ولا هم متصلون بشريعة غير الاقرار بالله وحده والتسليم له، واسمه جل وعز عندهه أننه. ومن تفلين إلى وادي بركة ثلاثة أيام.»
يقول ابن منظور في لسان العرب أن المران نبات مثل القنا تصنع منه الرماح، ويعرف بنبات الرماح. ويواصل ابن حوقل عن بازين: «وادي بركة يجري من بلد الحبشة مجتازاً على بازين وآخذاً إلى ناحية البُجة، وينصب بين سواكن
وباضع في البحر المالح.»
يتحدث ابن حوقل ? كما عبر هو - عن «قبائل كثيرة» في المنطقة الواقعة بين وادي بركة ودلتا القاش، غير أنه أشار إلى قبيلتين فقط هما بازين وباريه. ويبدو من وصفه للقبيلتين أنهما تتشابهان. ففي سبل حياتهم ذكر أنهم مزارعون ويربون البقر والماشية، وعن طريقة قتالهم وضح أن: « قتالهم بالقسي والسهوم المسمومة والحراب بغير درق.» وذكر أن سلاح بازين الحراب والمران ولا فارس فيهم. كما وضح بعض السمات الخاصة بكل منهما كما في النصوص أعلاه.
واتضح مما ذكره ابن حوقل أن القبيلتين متجاورتين وأعدادها كبيرة، فقد وصف بازين بأنها «أمم» وجعل امتدادهم على مساحة وسعة بين وادي بركة وحوض القاش حتى منطقة تفلين الواقعة بين علوة والبجة كما سبق الحديث عنها في قبائل النوبة. وهذا هو نفس موقع بازين عند اليعقوبي - أيضاً ? فهم عنده يمثلون المملكة الثالثة من ممالك البجة، قال عنهم:
«بازين، وهم يتاخمون مملكة علوة من النوبة، ويتاخمون بقلين من البجة، ويحاربون هؤلاء، وزرعهم الذي يأكلونه، وهو طعامهم واللبن.» وحديث اليعقوبى عنهم كمملكة يؤيد وصف ابن حوقل لهم كأمم. كما اتفق كلاّ من المؤلفين على اشتغالهم الزراعة وتربيتهم الماشية.
وقد تردد اسم قبيلتي بازين وباريه في المصادر بصور مختلفة. فابن سليم تحدث عن بازة ووضعهم على نهر عطبرة
. ولا يبدو هذا الموقع بعيداً دلتا القاش الذي جعله ابن حوقل في مناطق قبيلتي بازين باريه. ويلاحظ أن بن سليم يتحدث عن البازا باعتبارهم جنس حيث يقول: جنس يقال له بازة يأتي من عندهم طير يعرف بحمام بازين، وبعد هؤلاء أوّل بلاد الحبشة.»
فالحمام الذي يأتي من عند شعب البازا يطلق عليه بازين فهو لا يفصل بين البازة وبازين، فهم إما قبيلة واحدة أو ينتميان إلى نفس الجنس. وقد جعل ابن سليم جنس البازة يمتد حتى حدود الحبشة. أما ابن عبد الظاهر (تشريف الأيام والعصور بسيرة الملك المنصور قلاوون ص 196) فقد تحدث عن بارة ضمن المناطق التي وصلها مبعوث السلطان قلاوون 678 ? 689 ه / 1280 ? 1290 م ولم يشر إلى موقعها.
ولذلك فقد يكون بازين وبارين وبازة وبارة يرجعا إلى الأمم التي أشار إليها ابن حوقل أعلاه «بازين وباري أمم كيرة» وقد نقل ماكمايكل عن كواترمير Quatremere ودي فٍلارد كما نقل ماكمايكل ومصطفى مسعد أن بارة هي نفسها بازة. كما يرى دي فلارد أن بازة ابن سليم وباريا الذين ورد ذكرهم في نقض عيزانا في القرن الرابع الميلادي، والميجاباري - أحد فروع البجة - جمبع هولاء هم الباري الذين اشتق اسم الاقليم من اسمهم، وانهم كانوا قطنون على ضفاف نهر عطبرة
(أتبرا، أت - بارا ) الذي اشتق اسمه منهم. ويضيف دي فيار أن أن شعب بارة هم أسلاف شعب الباري الذين اضطروا إلى الانتقال جنوباً تحت ضغط عناصر أقوى منهم وهم البجة الذين حاولوا الامتداد جنوباً فاجتازوا نهر أتبرا واحتلوا أوطان شعب بارة.
ويرى كراوفورد ص 106 لايزال الاسم حيّاً as Baza بين القاش وستيت-تكازي يحده من الغرب السودان ومن الشرق الحدود الاثيوبية. والسكان الحاليون بالاضافة إلى الباريا في الشمال يتكلمون لغة نيلية . ويبدو أن اليعقوبي تناول تحت اسم بازين شعب الباريا المتصلين ببركة وربما كانوا في سمت بقلين. وليس للباريا أو البازا صلة لغوية أو ثقافية بالبجة ذوي النظم الاجتماعية الارستقراطية. وفي نظام المجتمع الأمومي البازيني ليس للأسرة أثر سياسي.
ويرجح كراوفورد ص 106 أن انتشار اللغة النيلية إلى تلك المناطق شمالاً وانفصالها من وطنها في الجنوب بنحو 500 ميل قد تم ? كما يرى روزيني ? على الأقل نحو 1500 قبل الميلاد إذا ربط ال Mennus في قائمة Thotmes الملكية ب Memnons of Pliny .
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 01:29 PM   رقم المشاركة :[11]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي قبيلة الحلنقة . حول أصول سكان السودان -11-


قبيلة الحلنقة . حول أصول سكان السودان -11-
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
.
بقلم: د. أحمد الياس حسين
.
قبيلة الحلنقة
قبيلة الحلنقة من قبائل الداخل الكبرى التي ورد عنها قليلٌ من المعلومات في المصادر العربية شأنها في ذلك شأن باقي قبائل الداخل. وردت الاشارة إلى قبيلة الحلنقة في المصادر العربية مرة واحدة عند النويري (ت 732 ه / 1332 م) بصورة مباشرة، ومرة أخرى عند ابن عبد الظاهر (ت 692 ه / 1292 م) بصورة غير مباشر.
نبدأ بنص ابن عبد الظاهر في كتابه "تشريف الأيام والعصور بسيرة الملك المنصور قلاون ص 197". ويتعلق النص بالسفارة التي أرسلها السلطان المملوكي الملك المنصورقلاون إلى حكام السودان.وتاريخ هذه السفارة 685 ه / 1286م يشير إلى بداية تطور العلاقات بين المماليك حكام مصر وبين السودان. فقد ارسل المماليك حملة بحرية في عام 664 ه / 1265 م إلى ميناء سواكن وتمكنوا من إنشاء مملكتهم عليها. ثم أغار ملك المقرة 674 ه / على ميناء عيذاب وعلى منطقة أسوان مما أدى إلى بداية الصراع الذي نشب بين مملكة المقرة والمماليك والذي انتهي باعتلاء أمير مقُري مسلم عرش مملكة المقرة.
كان السودان في تلك الفترة تحت حكم مملكتين كبرريتين هما مملكة المَقُرّة وعاصمتها دنقلة ومملكة علوة وعاصمتها سوبة. ويبدو أنه كانت هنالك الكثير من الوحدات الادارية تحت إدارة حكام أو ملوك مستقلين توجهت إليهم سفارة السلطان المملوكي في العشرين من ذو القعدةعام 685 ه /1286 م . وقد ذكر ابن عبد الظاهر تسعة من أولئك الحكام وهم: "1. أدر ملك الأبواب 2. صاحب بارة 3. صاحب التاكة 4. صاحب كدروا 5. صاحب دَنْفوا 6. صاحب أري 7. صاحب بِفال 8. صاحب الأنج 9. صاحب كرسة."
وقد حاول الكثير من الباحثين التعرف على المناطق الواردة في هذا النص منهم على سبيل المثال الدكتور أحمد المعتصم الشيخ في بحثه القيم عن "زمن العنج" والذي قدمه إلى معهد الدراسات الافريقية والآسيوية وفي بحثه لدرجة الدكتورة عن منطقة التكاكي [أبو حمد] في الفترة الواقعة بين اسلام ملوك مملكة المقرة وسقوط مملكة علوة، ومنهم الدكتور مصطفى محمد مسعد وبخاصة في تعليقاته على النصوص في كتابه المكتبة السودانية العربية ومنهم كروفورد في كتابه The Fung Kingdom of Sennar.
والذي نود التوقف معه هنا هو أن أغلب المؤرخين رجحوا أن المناطق التي ذهبت إليها سفارة السلطان المملوكي تقع في ديار البجة الحالية. وليس هنالك غرابة في ذلك لأن منطقة البجة كانت معروفة للمسلمين لِما بها من المعادن والسلع التجارية الأخرى التي تأتي من مناطق الداخل، ثم لأن اتصال المماليك بالسودان كان أكثره عبر بلاد البجة نسبة للقيود التي كانت تفرضها مملكة المقرة على دخول التجار لأراضيها. والدليل على قوة الصلة بين المسلين ومناطق البجة ما ذكر ابن حوقل في القرن الرابع الهجري (10 م) من وجود مملكة اسلامية ملكها مسلم يتكلم العربية في منطقة خور القاش.
فإذا استثينا ملك الأبواب وملك كرسة فإن باقي كل الحكام الذين إرسلت إليهم السفارة يرجح وجودهم في مناطق البجة الداخلة وهي المناطق من أرقام 2 إلى رقم 7 في النص، إلى جانب صاحب العنج كما يرى الدكتور أحمد المعتصم الشيخ. وليس هذا موضع تتبع ذلك، لكنني اريد الاشارة إلى صاحب التاكة وصاحب العنج لارتباطهما بقبيلة الحلنقة. ويقودنا ذلك إلى التوجه إلى النص الثاني المباشر عن الخاسة والذي أورده النويري عندما تناول الحملة التي أرسلها السلطان المملوكي الناصر محمد لمطاردة بعض العربان في الصحراء الشرقية.
وكان سبب إرسال الحملة هو أن حاكم قوص بصعيد مصر اعتقل أحد زعماء الأعراب في صحراءعيذاب، فقطع هؤلاء الأعراب الطريق على مبعوث حاكم اليمن إلى السلطان المملوكي في طريقه منعيذاب إلى القاهرة وأخذوا ما كان معه ومن رافقه من غلمان التجار. فأمر السلطان والي قوص بتجريد حملة لمطاردة هؤلاء العربان.
تحركت الحملة المكونة من نحو خمسمائة فارس من مدينة قوص ومعها فياض زعيم العربان الذين أغاروا على مبعوث حاكم اليمن في العشر الأُول من المحرم عام 717 ه /1317م. وصلت الحملة ميناء عيذاب بعد خمسة عشر يوماً وأقامت بها إثنتا عشرة يوماً، ثم تحركت إلى سواكن ووصلتها في إثنتي عشرة يوماً. مكثت الحملة ستة أيام بسواكن ثم خرجت لمطارة العربان.
وصف الحملة
ويصف النويري في كاتبه نهاية الأرب (ص 230 - 233) تحت عنوان: "ذكر تجريد العسكر إلى العرب ببرية عيذاب ودخوله إلى بلاد هلنكة وغيرها وعوده" نلخص ما ذكره في الآتي:
"فساروا سبعة عشر يوماً، وفي أثناء سيرها ظفروا بطوائف من السودان بقرب المياه في أودية هناك، فقتل العسكر منهم وسبى ... وانتهوا إلى وادي إيتريب في اليوم السابع عشر وأقاموا يومين ... ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى أزبينات وهو جبل صغير على شاطئ نهر أتبرا ... فأقاموا يوماً واحداً، ثم توجهوا يتبعون آثار العربان وهم يسيرون على شاطئ ذلك النهر ثلاثة أيام النهر على يمين العسكر. ثم فوزوا ودخلوا البرية إلى أرض التاكة فانتهوا في اليوم الثالث من يوم دخولهم المفازة إلى جبلكسلان [جبل كسلا] ... في أرض صفراء ... كثيرة الأشجار من السنط وأم غَيلان [شجر الطلح] وشجر الإهليلَج والأبنوس والعقر والحر وهو الذي يطرح التمرهندي، إذ طلع عليهم غبار أمامهم فندبوا من يكشف الخبر ، فعاد الكشافة وأخبروهم أن طائفة من السودان تسمى هلنكة قد اجتمعوا لقتال العسكر وهم خلق كثير. فتقدم العسكر إليهم وقد عبوا طلابهم ولبسوا لامة حربهم."
ويواصل النويري:
"واجتمع العسكر في أرض خالية من الأشجار ، وهي من طرق السيل وقد صارت مثل البركة، ولها فجة، فدخل العسكر فيها وتبعهم الأثقال، فسدت جمال أثقالهم تلك الفجة، وهلنكة من أعلا البركة والعسكر أسفل منهم، وبأيدي هلنكة الحراب والمزاريق والسيوف ومع بعضهم النبل. فوقف العسكر وأرسل إليهم إنا لم نأت لقتالكم وإنما جئنا في طلب طائفة من العرب أفسدوا وعصوا وقطعوا السبيل، وأمنوهم. فردوا الأمان وأبوا إلا القتال، فقاتلهم العسكر ورموهم رشقاً واحداً بالسهام، فقتل من هلنكة أربعمائة وستون نفراً وجرح منهم خلقاً كثير. ولم يتمكن العسكر من أسرهم ، فإنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من الأسر. وقتل منهم اثنان من ملوكهم على ما حكاه من اجتمع بهم من غلمان العسكر. وكان سبب اجتماعهم بهم أنهم وسلامتهم منهم، أنهم كانوا انقطعوا وراء العسكر وناموا فلحقتهم كشافة هلنكة فمسكوهم وأتوا بهم إلى أكابرهم، فسألوهم من أين أنتم؟ وكان فيهم من يعرف لغة القوم، فقالوا: نحن تجار أغار علينا هذا العسكر ونهبونا وأخذوا أموالنا وأسرونا، فلما قاتلتموهم هربنا منهم، فرقوا إليهم وأطلقوهم."
ويواصل النويري:
"ولما انهزمت هذه الطائفة من هلنكة تحصنوا بالأشجار وتركوا أحمالهم، فأخذ العسكر منها ما قدروا على حمله من الذرة ، وليس لهم طعام غيرها، وحملوا حاجتهم من الماء ورجعوا من هناك من يومهم على آثارهم وذلك في سادس شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة. وعادوا حتى انتهوا إلى أربيباب، ولم يمكنهم الرجوع على الطريق الذي دخلوا منه لقلة المياه والأقوات والعلوقات فعدلوا إلى جهة الأبواب من بلاد النوبة، وأخذوا على نهر أتبرة فساروا على شاطئه عشرين يوماً، وكانت دوابهم ترعى من الحلف، ثم انتهوا إلى قبالة الأبواب." انتهى ملخص النص.
لاحظ أن اسم الجبل الصغيرعلى نهر عطبرة كتب في المرة الأولى في النص "أزبينات" وفي المرة الثانية "أربيباب" والأبواب هي منطقة أبي حمد. وربما لوحظت أيضاً بعض المآخذ على النص، على سبيل المثال: عبرت الحملة كل أراضي البجة من الشمال إلى الجنوب في نحو ثلاثة أشهر مرت خلالها بمناطق خوري بركة والقاش وضفاف نهر عطبرة ولم يصادفه في كل هذا التجوال سوى بعض البجة ثم قبيلة الحلنقة وهذا يتعارض مع ما وصفت به هذه المنطقة من وفرة الموارد المائية والنباتية ووجود عدد كبير من القبائل كما تعرضنا إليها فيما سبق تحت عنوان قبائل الداخل.
كما لم يوضح النص العدد الكامل لأفراد الحملة بل أشار فقط إلى عدد قوة الفرسان "نحو خمسمائة فارس"، وليس من المعقول أن تتوغل حملة في كل تلك المناطق وقوامها نحو خمسمائة فارس، فلابد ان يكون هنالك بعض القوات الأخرى إلى جانب الفرسان لم يُشر إليها النص. وقد اشار الكاتب إلى إنضمام بعض الأعراق للحملة عندما خرجت من سواكن.
ويلاحظ أيضاً انه ليس من المعقول ان يقتل من الحلنقة في يومٍ واحد 360 فرد إلى جانب عدد من الجرحى بما فيهم إثنين من ملوكهم ويحدث كل ذلك رشقاً بالسهام فقط. ولو حدث ذلك بالسلاح الناري لكان معقولاً في الوقت الذي لم يذكر فيه اي قتلى او جرحى من جنود الحملة. فإذا وضعنا في الإعتبار ان مؤلف الكتاب كان يتولى وظيفة ناظر الجيش في حكومة المماليك وهو منصب يمكنه من معرفة كل ما يتعلق بالحملات العسكرية ادركنا انه لم يكن مهتماً في كتابه بالأخبار الكاملة للحملة، بل اورد ملخصاً عاماً ركز إهتمامه فيه على ما يتعلق بأخبار الحملة فقط دون الإهتمام بغيرها. ورغم ذلك فيعتبر ما كتبه النويري من أقدم النصوص عن قبيلة الحلنقة.
إرتباط قبيلة الحلنقة بالتاكة وكسلا
وارتبط اسم الحلنقة في هذا النص بأرض التاكة ومدينة كسلا، وتبدو بلاد التاكة في النص ممتدة بصورة كبيرة، فالحملة بعد ان غادرت نهر عطبرة سارت في ارض التاكة ثلاثة ايام إلى ان وصلت جبل كسلان. وكسلان هنا المراد بها كسلا. وقد ورد أيضاً إسم كسلا في وثيقة عربية في الحبشة يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر كما ذكر كروفورد.
وربما إرتبط إسم كسلا كما جاء في كتاب "كسلا: التاريخ والحضارة" للأستاذ الدكتور سيد أحمد العراقي بالأمير الحبشي (الأمهري) كاسا الذي غادر بلاده لخلاف نشب بين أفراد اسرته ووجد هذه المنطقة الخصبة فاستقر عليها. فكلمة "لا" في اللغة الأمهرية تعني الأرض الخصبة، فإندمجت كلمة "لا" مع إسم الأمير كاسا فأصبحت علماً على المكان "كاسا-لا، كسلا".
فكسلا إذاً كلمة غير عربية فوجود الإسم سابق لدخول اللغة العربية في المنطقة. ولذلك نستبعد بعض الروايات التي ربطت إسم كسلا بكلمة الكسل. وقد ظهر اسم كسلاقبل ذلك في الوثائق الأكسومية التي تعود إلى فترة ما بين القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين، إذ ورد ان بعض جماعات من كسلا أغاروا على قبيلة الباريا. وإسم مدينة كسلا قد يرجع إلى ما قبل القرن السابع الميلادي، أي قبل قرون كثيرة من عصر الحكم التركي الذي ربط به البعض ظهور إسم كسلا.
وكما إرتبط إسم الحلنقة بكسلا إرتبط كذلك بإسم التاكة كما رود في النص، فالنص يوضح ان كسلا تقع في أرض التاكة. وكلمة التاكة بجاوية الأصل تعني شجرة الدوم، وهي شجرة واضحة الوجود في المنطقة. وإلى جانب إستخدام المصادر العربية لكلمة التاكة إستخدمت أيضاً كلمة "دُجْن او دُكْن" وتعني دلتا القاش. يقول ابن حوقل في كتابه صورة الأرض ص74 "والنهر المعروف بالدُجْن ياتي من بلاد الحبشة فينقطع في اعمال دُجْن ومزارعها." ويصف دُجْن (ص71) بأنها "أرض مزارع أحواف يجري إليها ماء النيل"
والمقصود بالنيل هنا هو نهر القاش، فقد إتفق المؤرخون مثل كروفورد (ص107) ومصطفى محمد مسعد "المكتبة السودانية العربية ص 70" على ان دُجْن هي أرض التاكة. وقد نقل كروفورد عن بوركهارت في القرن التاسع عشر ان سكان منطقة دلتا القاش يطلقون على "دلتا القاش" بلاد التاكة. واورد كروفورد أيضاً ان الرحالة الفارز في القرن السابع عشر ذكر ان نهر دُجن (القاش) يُسمى التاكة، وان كلمة تاكة تعني او تصف المياه المنسابة في الدلتا. فقبيلة الحلنقة إذاً إرتبطت بكسلاوالتاكة او بالدُجْن ونهر القاش.
وقد أدى موقع بلاد الحلنقة "التاكة" داخل المثلث الواقع بين وادي النيل والبحر الأحمر وبلاد الحبشة إلى القيام بدور هام في تاريخ المنطقة. فوفرة الموارد الزراعية والحيوانية والبحرية في المنطقة وسهولة الإتصال مع أضلاع المثلث الثلاثة أدت إلى تطور مؤسسات السكان الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي يمكن ملاحظتها في ما توفر من القليل من المعلومات عن سكان المنطقة القدماء. فقد وردت الإشارات إلى سكان منطقة التاكة في الآثار والمصادر القديمة والمصادر العربية المبكرة كما رأينا عندما تحدثنا عن سكان قبائل البجة في الداخل.
فسكان التاكة القدماء هم الذين أشارت إليهم الوثائق الأكسومية في القرن الرابع قبل الميلاد. فقد نقل كروفورد (ص 86 - 87) عن روزيني وكارتير وبدج أن منطقة التاكة ربما كانت موطناً للسكان الذين ورد اسمهم في المصادرالقديمة المتت m-tt-t أو m-t-t في القرن الرابع قبل الميلاد. وربط كروفورد بين المتت والماثيتي Mathetae الذين ذكرهم بليني في القرن الأول الميلادي، ورأى كروفورد أن اسمهم لا يزال يعيش في اسم محطة السكة حديد متتيب mitatib شمال اروما.
,وفي القرن الرابع الميلادي دون ملك أكسوم في نقشه المشهر أسماء بعض الشعوب التي كانت تسكن علي الحدود الغربية من مملكته في منطقة التاكة ونهر عطبرةوهم كما في كتاب آركل (ٍٍِِِِِِِِِA History of the Sudan p 172 ): مَنجُرتو والباريا والخاسة، وذكر أنهم كانوا يتعرضون لغارات النوبا من مملكة مروي. وربما هذه هي المرة الأولى التي يذكرفيها اسم الخاسة في المصادر المبكرة.
وهكذا ثبت بالدليل القاطع وجود قبيلة الحلنقة بهذا الاسم منذ القرن الرابع المسلادي. فقبيلة الحلنقة تمثل واحدة من أقدم السلالات في المنطقة ربما يعود تراثها إلى ما قبل القرن الرابع قبل الميلاد. ولم أعثر فيما اطلعت عليه من مصادر على اسم الحلنقة قبل القرن نهاية القرن الثالث عشر الميلادي،ولكن ورد ما يوضح أن المنطقة كانت مأهولة بالسكان مما يشير إلى أن قبيلة الحلنقة ظلت متواجدة في المنطقة.
ويبدو معقولاً أن تكون قبيلة الحلنقة هي التي قامت بالحملة التي خرجت من كسلا وأغارت على قبيلة الباريا بين القرنين السابع والثاني عشر الميلاديين كما ورد في الوثائق الأكسومية. لأن قبيلة الخاسة هي القبيلة القوية التي كانت تحكم منطقة التاكة ويظهر ذلك من وصول سفارة اللماليك إلى صاحب التاكة حيث قامت مملكة الحلنقة. وقد وضح النص المتعلق بحملة المماليك أن المقاومة الوحيدة التى واجهتها حملة المماليك على أرض التاكة أتت من قبيلة الحلنقة التي خاضت الحرب وقتل اثنين من ملوكها فى أرض المعركة.
مملكة قطعة جنوب بلاد البجة
ولو رجعنا إلى ممالك البجة التي ذكرها اليعقوبي في القرن العاشر الميلادي لأمكن ترجيح الربط بين مملكة قطعة وبين الحلنقة خلافاً لما ذهب إليه كروفورد بربط مملكة قطعة بقبيلة الخاسة، لأن مناطق قبيلة الخاسة في الشمال وحول سواكن كما ذكرت المصادر العربية. فقد وضع اليعقوبي مملكة قطعة آخر ممالك البجة فيالجنوب بجوار الحبشة،وهذا الموقع يتفق مع موقع مملكة الخاسة في بلاد التاكة جنوب بلاد البجة ومجاورة للحبشة.
ووصف اليعقوبي في كتابه تاريخ اليعقوبي ص23 مملكة قَطعة بأنها "وهي آخر مملك البجة ومملكتهم واسعة من حد موضع يقال له باضع إلى موضع يقال له فيْكون، ولهم حد شديد وشوكة صعبة، ولهم دار مقاتلة يقال لها دار السوا، فيها أحداث شباب جلد مستعدون للحرب والقتال".
ورغم ان اليعقوبي حدد موقع المملكة ما بين باضع على الساحل وفيْكون التي ذكر كروفورد انه لم يتمكن من التعرف على موقعها، وقد يبدو هذا الموقع بعيداً بعض الشيء من دلتا القاش حيث عاش شعب التاكة، إلا ان تحديد اليعقوبي ليس بالضرورة ان يكون دقيقاً. فاليعقوبي في ذلك الوقت المبكر (القرن 10م) جمع رواياته من التجار وربما لم تكن معلومات مخبره دقيقة، فهي على كل حال معلومات رواة معرضة إلى عدم الدقة.
ومن ناحية أخرى فقط ربط الدكتور أحمد المعتصم الشيخ (زمن العنج ص 11) بين إسمي الحلنقة والعنج نلخصه فيما يلي: ورد في تراث البجة أن القسم النوبى من الحلنقة كانوا دائما يحملون سوطاً فأطلق عليهم عليهم الحبش "ألنجا" ويعني السوط في لغتهم، وكلمة ألنجا الأمهرية قد تكون هي نفس كلمة أنج العربية الي إطلقوها على الشعب المعروف باسم العنج وهو الأسم الذي اشتهربه السوط "سوط العنج" وافترض الدكتور أحمد المعتصم الشيخ أن الحلنقة والعنج يمثلان كياناً واحداً. وسنتعرض لهذا الموضوع عند الحديث عن سكان مملكة علوة الذين اشتهر ارتباط اسم العنج بهم.
أما ماورد في تراث الحلنقة وتناقلته المراجع العربية والأجنبية عن قبيلة هوازن العربية وعبورها البحر الأحمر لبلاد البجة فسنتناوله عندما نأتي للحديث عن السكان بعد القرن الخامس عشر.
خاتمة:
وفي نهاية إستعراضنا لقبائل شرق السودان يمكننا القول ان تلك القبائل إمتدت قبل دخول الإسلام في إفريقيا على مساحات واسعة بين الهضبة الأثيوبية جنوباً وحتى الصحراء الشرقية في صعيد مصر شمالاً ومن النيل شرقاً حتى البحر الأحمر غرباً وكان لها وجود لبعضها وجود واضح ومؤثر على مناطق نهر النيل ما بين حلفاجنوباً حتى الأقصر شمالاً وكانوا حكاماً لبعض تلك المناطق. وقد عُرف اولئك السكان في الحضارات القديمة وعند الكتاب اليونانيين والرومان باسماء مختلفة لعل اشهرها الأسماء الثلاث التي تناولناها وهي المِجا او المِجاباري والترجلودايت والبليميين.
ثم ظهر اسم البجة للدلالة على سكان المنطقة في نقش عيزانا في القرن الرابع الميلادي، وساد استخدام اسم البجة بعد ذلك في المصادر العربية للدلالة على كل قبائل البجة التي تعرفوا عليها والتي جاءت اسماؤها في كتاباتهم مختلفة عن أسماء قبائل البجة الحالية فيما عدا القليل منها.
وقد إقتصرت الحلقات السابقة على تتبع قبائل شرق السودان حتي القرن الخامس عشر اعتماداً على المصادر العربية أي قبل ظهور أسماء القبائل الحالية وهو واضح من عنوان الدراسة. وتعتبر هذه الحلقات مدخل او مقدمة لتاريخ قبائل البجة قبل القرن الخامس عشر الميلادي، فهي كفاتحة الشهية للباحثين: مؤرخين وآثاريين وأنثربولوجيين للمساهمة في دراسة السكان في هذه الفترة الهامة التي تمثل تأصيلاً لسكان اليوم.

التعديل الأخير تم بواسطة القلقشندي ; 04-06-2019 الساعة 03:32 PM
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 01:29 PM   رقم المشاركة :[12]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

سكان شمال السودان
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
حول أصول سكان السودان ( 12 )
بقلم: د. أحمد الياس حسين



في دراستنا لقبائل السودان قبل القرن الخامس عشر تتبعنا في مقالاتنا السابقة سكان شرق السودان وسنبدأ هنا بتناول تاريخ سكان شمال السودان. ونبدأ بالنوبا التي سبق وأن تتبعنا بعضاً من تاريخهم قبل القرن السابع الميلادي في كتابنا «السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية» والذي تناولنا فيه مقدمة لسكان السودان قبل دخول العرب والاسلام. وسنبدأ بمقدمة صغيرة عن تغير المناخ وظهور الصحراء الكبرى وأثرها على تاريخ السودان، ثم نأتي بملخص عام نلقي من خلاله المزيد من الضوء على ظهور المجموعات التي أطلق عليها اسم النوبا قبل ظهور اسم النوبة بالتاء المربوطة منذ القرن السابع الميلادي في المصادر العربية، ثم نتناول موضوع ظهور النوبة في اتفاقية المسلمين مع أهل مصر، كل ذلك بمثابة تمهيد لما سنتناوله في موضعاتنا عن تاريخ النوبة وأرضها وسكان شمال السودان بعد القرن السابع الميلادي.
الصحراء الكبرى وتاريخ وادي النيل
كتب المفكر والمؤرخ السنغالي المشهور والذي تأسست جامعة باسمه في الولايات المتحدة الأمريكيةالشيخ أنتا ديوب في منتصف القرن الماضي على صفحة غلاف كتابه المشهور «The African Origin of Civilization: Myth or Reality الأصل الافريقي للحضارة: أسطورة أم حقيقة» كتب «تاريخ افريقيا السوداء سيبقى معلقاً في الهواء ولا يمكن كتابته بصورة صحيحة مالم يتجرأ المؤرخون بربطه بالتاريخ المصري» يقصد ربطه بالتاريخ المصري القديم.
وأرى أن تاريخ السودان (والتاريخ المصري القديم) سيبقى معلقاً في الهواء ولا يمكن كتابته بصورة صحيحة مالم يربطه المؤرخون بتاريخ الصحراء الكبرى. فالصحراء الكبرى أثرت على تاريخ وادي النيل تأثيراً قويّاً منذ فجر تاريخه. وفهم ذلك الأثر يتطلب منا الرجوع قليلاً إلى الوراء للتعرف على التغيرات المناخية وتأثيرها على طبيعة المنطقة.
يرى العلماء أن مناخ الكرة الأرضية كان في العصور المبكرة دائم التقلبات، وإذا رجعنا إلى نحو خمسة عشرة ألف سنة نجد آثار تحولات كبرى وتعاقب فترات جفاف ورطوبة في مناخ الكرة الأرضية أدت ? كما يقول علماء المناخ والجيولوجيا ? إلى تغيرات كبيرة في المعدل السنوي لسقوط الأمطار، وفي معدل مناسيب المياه في البحار والأنهار وفي الحياة الحيوانية والنباتية.
فعلى سبيل المثال يقول سيد R. Said ?Chronological Framework: African pluvial and glacial epoch ? in J. Ki-Zerbo ed. General History of Africa I: Methodology and African Prehistory 385-386كان حجم بحيرة تشاد أكبر اثنتي عشرة مرة من حجمها الحالي، وامتدت شمالا حتى فزان الأمر الذي أثر كثيراً على المناخ ونسبة الأمطار في المنطقة. وكانت هنالك أنهار دائمة الجريان وبحيرات في جنوب ليبيا والمناطق الواقعة إلي الشرق منها حتى جبل العوينات. كما كان أقليم السدود في جنوب السودان عبارة عن بحيرة تمتد شمالاً حتي منطقةالخرطوم الحالية.
وذكر وندورف ورولند Fred Wendorf, R. Shcild (1994) ?Are the early Holecene cattle in the western Sahara domestic or wild? Journal of Anthropological Archeology, 3 No. 4. Onlin أنه كانت هنالك بحيرة في مِرجا غربي دنقلا وفي نبتة بلايا غربي وادي حلفا، وكان وادي هوار نهراً دائم الجريان وGrassy valley، ومياه دائمة وبرك ماء موسمية كما في واحات دنقل والفرافرة واللقية أربين وسليمة وبير صحارى وبير طرفاوي ومنطقة جبل عوينات والجرف الكبير والواحة الخارجة. وكان معدل سقوط الأمطار في شمال ووسط السودان كما ذكر آركل (ص 25 و 32) أعلى من معدل هبوطه في صعيد مصر، وبلغ منسوب فيضان النيل الأزرق في تلك الأوقات ما بين أربعة إلى عشرة مرات أعلى من منسوبه الحالي.
وهكذا كانت منطقة الصحراء الكبرى مأهولة بالسكان وتتمتع بكميات غزيرة من الأمطار، وكانت بها بحيرات وانهار دائمة الجريان وغابات وغطاء نباتي غزير. جاء في دائرة المعارف البريطانية تحت مدخل Sahara أن الرسومات الصخرية والأدوات الحجرية والفخارية والعظمية المنتشرة على طول الصحراء الكبرى توضح أنها كانت مأهولة بالسكان. كما أثبت علماء الجيولوجيا والآثار وجود أنواع كثيرة من الحيوانات في كل المنطقة مثل الظباء والجواميس والزراف والأفيال ووحيد القرن وفرس البحر والتماسيح.
وقد تعرضت هذه المنطقة إلى التقلبات المناخية التي حدثت منذ نحواثنتي عشرة ألف سنة مضت، وهو التغير الذي أدى في نهايته إلى تكوين كل من الصحراء الكبرى وصحراء شبه الجزيرة العربية. ولعبت تلك التقلبات دورا بارزا في تحركات واستقرار المجتمعات البشرية. ولم يبرز أثر ذلك الجفاف لم يبرز ويؤثر تأثيرا محسوسا على تحركات سكان المنطقتين منذ البداية، بل بدأ ذلك منذ نحو سبع ألف سنة مضت، وهو الوقت الذي بدأت فيه تحركات السكان من منطقة الصحراء الحالية جنوباًنحو أحواض نهر السنغال ونهر النيجر وبحيرة تشاد وشمالاً نحو سواحل البحر المتوسط، وشرقاً نحو وادي النيل. وأعقب تلك التحركات إلى ظهور ثقافات تلك المناطق والتي قادت فيما بعد إلى قيام حضارات وادي النيل وشمال افريقيا.
وتاريخ السودان في كل مراحله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمناطق الصحراوية الواقعة إلى الغرب من النيل. وفي حديث مع الدكثورعلي أحمد قسم السيد أستاذ التاريخ القديم بقسم التاريخ بطلية الآداب جامعة الخرطوم إلى أن الصلات والتداخل السطاني بين سكان وادي النيل والصحراء الغربية لم يكن في كل الأوقات من جانب واحد بل حدث في حوالي عام 2613 قبل الميلاد اضطر سكان منطقة ما بين الشلالين الأول والثاني تحت تهديد الحملات المصرية إلى الهجرة نحو الصحراء الغربية بمواشيهم واستقر اسلافهم هناك لمئات السنين.
فمنذ عصور الثقافات المبكرة في منطقة الشهناب بشمال ام درمان وثقافات المجموعة (أ) Group A والمجموعة الثقافية (ج) Group (C) في شمال السودان وما تلاها من حضارات كانت تلك المناطق تتعرض من وقت لآخر لهجرات من المنطقة الغربية للنيل تساعد على ظهور طورحضاري جديد في المنطقة كما سنلاحظ ذلك عند حديثنا عن سكان شمال السودان.
سكان شمال السودان
المقصود بسكان شمال السودان هنا سكان المنطقة الواقعة بين موقع مدينة الخرطوم الحالي جنوباً وحتى منطقة الشلال الأول بالقرب من مدينة أسوان شمالاً لأن منطقة مابين حلفا وأسوان كانت تنتمي عبرالعصور إلى عنصر بشري واحد وهو العنصر الذييرى فيه بعض المؤرخين (سليم حسن، تاريخ السودان المقارن إلى عصر بيعانخي ص أ) أن أولئك السكان القدماء ينتمون إلى العنصر الحامي، بينما يرى آخرون كما ذكر وليام آدمز «النوبة رواق افريقية ص 122» أن سكان هذه المنطقة القدماء ينتمون إلى سلالة شعوب شمال افريقية المطلة على البحر المتوسط.
وذكر آدمز أن سكان شمال السودان في ذلك الوقت «كان لهم نفس لون البشرة الداكن مثل الأفارقة اليوم إذ ان ذلك يعتبربصورة عامة تلاؤماً شائعاً لأقوام المنطقة الحارة.» ومن المعروف سواد لون البشرة يرجع في أساسه إلي المادة السوداء الموجودة تحت الجلد (pigment) والتي يفرزها جسم الانسان عندما يتعرض لأشعة الشمس حماية له من حرارتها. ويزداد إفراز هذه المادة السوداء كلما ازدادت حرارة أشعة الشمس ويقل افرازها كلما قلت حرارة أشعتها. ولذلك تصير ألوان أجسام من يتعرضون إلى أشعة الشمس الحارة في المناطق الاستوائية والمدارية سوداء، ويقل سواد البشرة كلما ابتعد الانسان شمالاً حتى يصبح الجسم أبيضاً حيت تعتدل حرارة الأشعة.
وقد وردت بعض أخبار أؤلئك السكان القدماء في الآثار المصرية القديمة وبخاصة في الألف الثالث قبل الميلاد، فقد أرسل بعض حكام مصر في ذلك الوقت بعثات تجارية نحو الجنوب، فدون قادة تلك البعثات - مثل حرخوف - أسماء سكان بعض تلك المناطق. فأُطلقوا اسم نحسيو أو نحسي على السكان المنطق الوقعة إلى الجنوبمن بلادهم، واسم التِمِح أو التِمْحو وإرتت على سكان المناطق الواقعة إلى الغرب من النيل. ويرى آركل ((A History of the Sudan p 44 أن السكان الذين تحدث عنهم حرخوف غربي النيل ربما لا تزال سلالاتهم تعيش حتى اليوم في شمال دارفور، فقد يكون الأرتي Urti في منطقة جبل ميدوب هم بقايا الارتت، وقد يكون التاما في شمال غرب دارفور هم بقايا التمح، فروايات التامة الشعبية تذكر أنهم كانوا يعيشون في منطقة بئر النطرون التي هي الآن عبارة عن صحراء قاحلة .
ظل هذا العنصر السكاني القديم والمعروف في كتب التاريخ بثقافة المجموعة الأولى (أ) يعيش في المنطقة حتى نحو القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد حيث تعرض لوصول مجموعة مهاجرة يرى أغلب المؤرخين (أنظر آركل ص 44) أنها أتت من المناطق الواقعة غربي النيل. وقد تحركت تلك الهجرات بفعل تغير المناخ في المنطقة التي أصبحت اليوم الصحراء الكبرى، وبدأت آثاره في قلة موارد المياه والغطاء النباتي فازدادت التحركات السكانية متجهة نحو النيل.
ويرى المورخون (أنظر آركل ص 46 - 52) أن هولاء الوافدين المعرفين بالمجموعة الثقافية (ج- Group C) ينتمون إلى نفس سلالة المجموعة الثقافية (أ) المستقرة على النيل، لكنه يقول بأن دراسة آثارهذه المجموعة وضحت إختلاطهم ببعض الزنوج. وأرى أنه ينبغي أن نوضح هنا أن أغلب الكتاب الغربيين عندما يطلقون كلمة الزنوج يقصدون بها السود. ولذلك عرف كل سكان الصحراء الكبرى بما فيهم السودانيين Ethiopians أي السود، وهو نفس السم الذي عربته المصادر العربية وأطلقته على سكان المنطقة وهو السودان جمع أسود. وبالطبع فإنه ليس كل السود زنوجاً بل الغالبية العظمى من السود ليسوا زنوجاً.
فسكان جمهورية جنوب السودان ليسوا زنوجاً، فهم في تصنيف علماء الأجناس شعوب نيلية وهي خليط بين العنصرين الزنجي والحامي. والزنوج يتواجدون في قليلٍ من المواضع في افريقيا مثل بعض الأماكن في الغابات الاستوائية. ويشترك الزنوج في بعض السمات التي تميزهم عن السود الأخرين. ولذلك يوجد عدد كبير من الشعوب السوداء في القارة الافريقية مثل سكان جمهورية السودان ليسو زنزجاً. فهنالك خطأ كبير مُسَلّم به وهو أن الزنوج فقط هم سكان افريقيا الأصليين وأن ما عداهم غرباء في القارة، والواقع أن السود من غير الزنوج هم سكان أصليين في افريقيا بل يمثلون الغالبية العظمى من سكانها.
فالوافدون الجدد من مناطق الصحراء غربي النيل ذوي بشرة سمراء مثل السكان الذين نزلوا عليهم، ويذكر المؤرخون كما نقل آركل أنهم كانوا رعاة بقر (بقارة) وتحركوا بأبقارهم ذات القرون الكبيرة نحو النيل إذ أن منا طقهم أصبحت غيرصالحة لرعي البقر. ويبدوا أن مجموعة منهم تحركت جنوباً نحو أواسط وغرب دارفور لأن هيرودوتس المؤرخ اليوناني الذي كتب بعد قرون كثيرة من تلك الهجرات عن قبائل البقارة جنوبي ليبيا وذكر أن أبقارهم ذات قرون كبيرة ممتدة للأمام، ولذلك ترعى وتتحرك نحو الخلف لأنها لو تحركت إلى الأمام لغرست قرونها في الأرض. وبالطبع فان هيرودوتس لم يزر تلك المناطق ولكنه جمع الروايات عنها بما يمكن أن يكون فيها من بعض المبالغات. وربما لا زالت سلالة أبقار المجموعة C وسلالات الأبقار التي ذكرها هيرودوتس موجودة حتى الآن عند قبائل البقارة في غرب السودان.
فالتداخل بين سكان وادي النيل السوداني وسكان غرب السودان يعود إلى قرون كثيرة قبل ميلاد المسيح، وآثار الحضارات المتعاقبة التي تتواجد أطلالها على النيل اليوم قامت نتيجة ذلك التلاقح السكاني بين الشعوب المستقرة على النيل وروافده وسكان المناطق المتصلة بالنيل وبخاصة المناطق الغربية.
ويبدوا أن أعداد الوافدين الجدد (المجموعة ج) الى النيل كانت كبيرة فلم يتركوا آثارهم على مناطق النيل فقط بل أمتدت تلك الآثار إلى مناطق شرق السودان حيث أثبتت الحفريات الآثارية للمقابر القديمة في شرق السودان كما ذكر آركل أن السكان هنالك ينتمون إلى نفس سلالة المجموعة C. ويضيف آركل أن البديات والميدوب ونوبا الجبال والبجة الذين هم سلالة المجا أو ال Medju أو Mejayw ميجايو كل هؤلاء هم نفس سلالة ذلك الجنس الأسمر الذي كان مستقرا في الصحراءغربي النيل.
كل هذه المجموعات التي استقرت في شمال السودان إلى جانب مجموعات أخرى في الوسط والشرق أسست فيما بعد دولة كوش في كرمة بعد أن استقبلت المنطقة تحركات سكانية من الغرب والجنوب الغربي. وقد امتدت حدود دولة كوش شمالاً حتى اسوان كما وضح محمد ابراهيم بكر (تاريخ السودان القديم ص 52)
وقد شهدت الفترة التالية لانهيار دولة كوش في كرمة واحتلال مصر لشمال السودان منذ منصف القرن السادس عشر قبل الميلاد صراعاً متصلاً بين سكان شمال السودان والمصريين، ويبدوا أن المنطقة كانت تستقبل المزيد من المهاجرين من الغرب والجنوب الغربي مع ازدياد مراحل الجفاف في الصحراء. وقد أدت المزيد من الهجرات إلى ازدياد تحركات السكان شمالاً وازدياد الصراع مع المصريين الذين دأبوا على تحصين المناطق الجنوبية من حدودهم وإقامة القلاع للدفاع عنها.
وفي بداية الألف الأخير قبل الميلاد تمكن الكوشيون من استعادة سلطتهم السياسية على المنطقة بقيام مملكة نبتة. ويلاحظ أن الباحثين اختلفوا في أصل الأسرة النبتية, وقد ذهب أحد الآراء إلى الأصل الليبي للأسرة، أي أن مؤسسي الأسرة قدموا من ليبيا. والمقصود بليبيا هنا منطقة الصحراء الغربية. فقد أطلقت المصادر اليونانية القديمة على هذه المناطق الصحراوية اسم «الصحراء الليبية» استند أصحاب هذا الرأي على التشابه الذي لاحظوه في بعض أنواع الأسلحة والأسماء بين الكوشيين وسكان الصحراء الغربية.
وبالطبع فإن ذلك التشابه أمر طبيعي للتداخل والصلات القوية والدائمة بين المنطقتين، فأصل الأسرة محلى وليست ليبية، لكنها تريبط بصلات عرقية وثقافية بسكان الصحرا الغربية. كما إن أصل الأسرة ليس مصرياً كما يقول البعض لكنها ترتبط مع المصريين بعبادة آمون الذي يرى بعض الباحثين أن أصله صحراويا أو كوشيّاً وليس مصريّاً.
فسكان المناطق الوقعة بين جنوب ليبيا غرباً والبحر الأحمر شرقاً ودارفور جنوبا كانوا ينتمون إلى سلالة وثقافة واحدة، وقد تأثروا عرقيّاً وثقافيّاً بالهجرات المتصلة من المناطق الواقعة إلى الغرب والجنوب الغربي وهي مناطق دارفور وكردفان الحاليتين وامتدادهما شمالاً وغرباً. وقد استمر هذا التماذج بين المنطقتين حتى القرون الأخيرة السابقة للميلاد حيث أشارت المصادر اليونانية والأكسومية (الحبشية) على تأثيره على مملكة مروي.
وهكذا يتبين لنا أن الأثر الواضح على التكوين السكاني في السودان جاء من ناحية الصحراء الغربية للنيل كنتيجة طبيعية للعلاقة بين المناطق الخصبة ذات الموارد المائية الدائمة وبين المناطق الجدبة قليلة الموارد تماماً مثل علاقة صحراء شبه الجزيرة العربية بتاريخ بلاد ما بين النهرين القديم. فالتحركات السكانية حدثت على مر العصور بين الصحراء والنيل، ولم يقتصر تأثيرها على مناطق النيل وروافده فحسب بل تعدى ذلك الى مناطق الشرق كما رأينا في مثال آثار المجموعة (ج) ولذلك فإنني أرى أن البحث عن تاريخ السودان على الأقل حتى نهاية العصر المروي ينبغي أن يتجه غرباً وليس شرقاً كما يتردد في الثراث والرويات الشفاهية المحلية في السودان.
تنبيه
* في مقالنا السابق رقم 11 عن قبيلة الحلنقة حدث خطأ قي الاستشهاد بقبيلة الخاسة في نص ملك آكسوم عيزانا بينما كان الحديث عن قبيلة الحلنقة.
* تنشر هذه الموضوعات على موقع sudanile,com
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 01:43 PM   رقم المشاركة :[13]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

السكان قبل القرن الخامس عشر والحلقات المفقودة بين الماضي والحاضر
قبيلة البليين نموذجاً
.
د. أحمد الياس حسين

في سبيل تسليط الضوء على النواحي الهامة والتي تحتاج المزيد من النقاش والبحث أقام مركز التنوير المعرفي في
أركويتبالخرطوم يوم 27 ديسمبر 2010 حلقة علمية بعنوان "القبلية في السودان" قُدِّمت فيها ثلاث أوراق. قدم د قيصر موسى الزين ورقة بعنوان "الوعي القبلي: مدخل فلسفي واجتماعي مع إشارات خاصة إلى السودان" قدم د. حامد عمر حاوي ورقة بعنوان "القبيلة ومستقبل السياسة في السودان" وتقدمت بورقة بعنوان "السكان قبل القرن الخامس عشر والحلقات المفقودة بين الماضي والحاضر" ورأيت إعادة نشرها هنا من أجل المزيد من تبادل الآراء مع قراء سودانايل.
ويهدف هذا المقال إلي محاولة التعرف على الوضع السكاني السابق للقرن الخامس عشر والبحث عن صلة أولئك السكان بالوضع القبلي الحالي. فسكان السودان جزء من سكان نطاق الصحراء الكبرى والسافنا الافريقية الذين عرفوا بأسماء مختلفة عبر العصور مثل السودان والحبش والكوشيين والليبيين والاثيوبيين والنوبة. وإذا أردنا أن نضيق دائرة السودان لنحصرها في سكان ما يعرف اليوم بجمهورية السودان نجد العديد من الأسماء التي أطلقت على السكان قبل ظهور أسماء القبائل الحالية في شمال وشرق وغرب السودان منذ القرن الخامس عشر الميلادي لا وجود لها الآن. ويبدو أن الصلة مفقودة – فيما عدا القليل جدّاً - بين تلك الأسماء والأسماء الحالية، أي أن هنالك حلقات مفقودة بين ماضي وحاضر سكان السودان. والبحث عن تلك الصلة ووصل الحلقات بعضها ببعض يتطلب استقراء التاريخ.

ويهدف هذا المقال إلي محاولة التعرف على الوضع السكاني السابق للقرن الخامس عشر في السودان والبحث عن صلة ذلك المجتمع بالوضع القبلي الحالي. فسكان السودان جزء من سكان نطاق الصحراء الكبرى والسافنا الافريقية الذين عرفوا بأسماء مختلفة عبر العصور مثل الكوشيين والاثيوبيين والليبيون والسودان والحبش. وإذا أردنا أن نضيق الدائرة لنحصرها في سكان ما يعرف اليوم بجمهورية السودان نجد العديد من الأسماء التي أطلقت على السكان قبل ظهور أسماء القبائل الحالية في شمال وشرق وغرب السودان منذ القرن الخامس عشر الميلادي. والبحث عن الصلة بين هذا الوضع الحالي والوضع السابق يتطلب استقراء التاريخ.
المجتمع السوداني قديماً
الحديث عن المجتمع السوداني قديماً وعن تاريخ القبلية أمر شائك لعدم توفر المصادر التي تساعد على تسليط الضوء على ماضي السكان. فكيف كانت أوضاع السكان قبل عصر دولة الفونج؟ وهل أتت الأوضاع القبلية كامتداد للوضع السابق لعصر الفونج أم أتت نتيجة تفاعلات جديدة؟ وتقودنا مثل هذه الأسئلة إلى محاولة تتبع الأسس المبكرة لبناء المجتمع السوداني. ويتطلب ذلك تحديد ما نعنيه بالمجتمع السوداني، هل من الممكن الحديث عن المجتمع السوداني - داخل حدوده الحالية – في عصر الممالك المسيحية أو العصرالكوشي-المروي؟
أقول نعم. ويمكننا النظر بإيجاز في بعض الدلائل مثل:
أولاً: وظيفة الحدود السياسية القديمة وطبيعة المنطقة، وثانياً: التجانس العرقي بين السكان.
وظيفة الحدود السياسية القديمة وطبيعة المنطقة
لم تكن الحدود السياسية بين الدول في العصور الماضية حاجزا مانعا عزل السكان من التواصل الطبيعي كما هو عليه الحال اليوم. فمناطق التداخل السكاني الحالية – ولا أقول الحدود السياسية الحالية – ما بين
أسوان شمالاً وإقليم السدود جنوباً وما بين البحر الأحمر بما في ذلك منطقة أرتريا شرقاً ودارفور ومناطق ما جوارها غربا كانت على مدار التاريخ مناطق تداخل و تكامل سكاني لم تعقه حدود الدويلات التي قامت في المنطقة عبر العصور.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن الحدود السياسية التي نعرفها ونعيشها اليوم – حدود الدولة القومية nation state) جاءتنا من الغرب نتيجة تحولات كبيرة مرت بها أوربا وبلغت قمتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين مكونة أوربا الحديثة. فالفرد – المواطن Citizen – داخل هذه الحدود السياسية يكتسب هُويته ويتمتع بحقوق المواطنة بغض النظر عن دينه وعرقه ولغته. ومن الجدير بالملاحظة أن أوربا منذ النصف الثاني من القرن العشرين بدأت تتحلل من هذه القوانين بينما تتمسك بها دول العالم خارج الغرب وتموت من أجلها.
وقد ساعدت طبيعة المنطقة المعنية بالدراسة - ولا زالت تساعد - على ذلك التداخل والتكامل السكاني. فالمنطقة الشرقية يربطها بمناطق الوسط نهر عطبرة بروافده والأودية مثل خور القاش وخور بركة، وقام النيل الأزرق بنفس الدور في ربط مناطق غربي اثيوبيا بإقليم الوسط. وإذا توجهنا إلى الغرب من النيل وجدنا أن الصحاري غربي النيل لم تكن بمثل جفافها الحالي منذ عدة قرون.
فمناطق شمال كردفان ودارفور وصفت عند بداية ثقافات وادي النيل بمناطق الاستبس لوفرة المياه والنبات. وكانت الأودية في هذه المناطق مثل وادي هَوَر ووادي جبرة ووادي الملك ووادي المقدم في وقت من الأوقات أنهار دائمة الجريان، وحتى بعد جفافها مع بداية ثقافات السودان القديمة وفرت مجاريها المياه الموسمية والجوفية حيث ظل اتصال السكان بمناطق النيل في الوسط متصلاً.
فالاتصال الطبيعي بين سكان المنطقة الواقعة بين شرق السودان وارتريا شرقا ودارفور غرباً وبين
أسوان شمالاً ومنطقة السدود جنوباً كان قويّاً منذ قيام الثقافات السودانية المبكرة وظل كذلك حتى عصر قيام الممالك الاسلامية منذ القرن الخامس عشر. وغني عن البيان أن تلك الصلات القوية لم تنقطع بعوامل الجفاف التي حدثت تدريجيّاً، لأن الجفاف كان يؤدى إلى تحرك السكان الدائم نحو أماكن توفر المياه في مناطق الوسط على النيل.
والحدود السياسية بين الدول التي قامت في هذه المنطقة لم تعق تحركات واختلاط السكان، ويمكن تشبيه الحدود بين تلك الدول مثل الحدود الادارية الحالية بين المحافظات. وقد تمت مناقشة هذه القضية في الحلقتين الثالثة والرابعة اللتان نشرتا في موقع سودانايل sudanile تحت عنوان "تأملات في الهُوية" نشرت الحلقة الثالثة في آخر يونيو بعنوان "مفهوم المواطنة والهُوِية في عصر تعدد الدول الاسلامية: الهُوية والوطن والقومية" والرابعة في أول يوليو بعنوان "كيف كان مفهوم المواطنة والهُوِية في ممالك السوان قبل الغزو التركي؟"
وفي هذه الحلقة الأخيرة استعنت ببعض ما ورد في ترجمات كتاب الطبقات لمحمد النور ضيف الله لتوضيح كيف أن التواصل والتداخل بين السكان لم تعقه الحدود السياسية بين الدول. فقد وردت الإشارة عن ذلك التواصل بين مناطق الشرق والغرب والوسط 139 مرة كما يوضح الجدول.

عدد المرات التي ورد فيها ذكر للمناطق أدناه في كتاب الطبقات
اسم المنطقة عدد المرات
مبا مباشر في النص - غير مباشر في النص المجموع
الكلي
غرب السودان وما جاوره غرباً 45 56 101
شرق السودان وما جاوره شرقاً 27 18 38
المجموع 71 74 139
فالطلبة والشيوخ من مختلف المناطق يتواجدون في دور العلم (الخلاوي والمسايد) والشيوخ يتنقلون من مكان لآخر، كل ذلك يحدث دون الحاجة إلى أوراق ثبوتية أوتأشيرات دخول أو إجراءات إقامات أو تحويلات مالية. فالشعور القوي بالانتماء لم يكن مرتبطاً بالحدود السياسية .
إذا قبلنا هذا نكون أمام سكان متداخلين ومتجانسين ومتكاملين رغم ما يمكن أن يكون من اختلاف بعض الثقافات أو الديانات أو اللغات. فقد كان هنالك شعور بالانتماء ربط بين أولئك السكان في أماكنهم ودولهم المختلفة في منطقة السودان الحالية. ذلك الرابط أو الاحساس بالانتماء هو ما نعبر عنه اليوم الرابط أو الاحساس القومي. فإذا جاز لنا التعبير بمصطلحات اليوم لقلنا إن الرابط القومي ربط بين أولئك السكان.

تجانس السكان العرقي
ذكر ماكمايكل أن الدراسات الآثارية والأنثروبولوجية التي قام بها كل من Derry وSeligman وضحت أن سكان منطقة النيل في الشمال حتى وادي
حلفا الذين وجدت صورهم في الآثار المصرية منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد وسكان كوش ومروي في العصوراللاحقة هم نفس سلالة السكان الذين وجدت آثارهم في جبل مويا بالجزيرة في القرن الثاني قبل الميلاد. وأن أولئك السكان القدماء يشبهون بدرجة كبيرة سكان جبال النوبة الحاليين. كما أشارت المصادر القديمة إلى الصلة بين سكان غرب وشمال وشرق السودان كما سيأتي.

ما ورد عن السكان في المصادر القديمة
يمكن التعرف على تلك المصادر عن السكان من خلال مرحلتين: المرحلة القديمة قبل ظهور الاسلام والكتابات العربية في القرن السابع الميلادي ومرحلة الكتابات في المصادرالعربية بين القرنين السابع والسادس عشر الميلاديين
1. مرحلة مصادر ما قبل القرن السابع الميلادي:
تناولت المصادر القديمة سكان شمال وشرق ووسط السودان تحت مسميات كثيرة دل بعضها على تجمعات صغيرة والبعض الآخر على مجتمعات كبيرة في حجمها وامتدادها الجغرافي. وقد تعرضت لهذا الموضوع في شيء من التفصيل والتوثيق في ثلاث فصول من كتابي السابق الذكر "السودان: الوعي بالذات" وسأتعرض هنا بإيجاز شديد إلى بعض تلك المسميات كأمثلة لتكوين المجتمع السوداني في تلك الأوقات. وسيتم تناول الكوشيين والنوبة كمثال لسكان الشمال والغرب والوسط، والمِجباري كمثال لسكان شرق السودان. كما سنتاول لاحقاً البليين كمثال آخر من شرق السودان.
الكوشيون
ورد اسم كوش للدلالة على أقصى الجزء الشمالى من السودان في الآثار المبكرة الراجعة إلى القرن العشرين قبل الميلاد. وظل هذا الأسم يستخدم إلى جانب "السود" في العصور اللاحقة. غير أن الأوضاع السياسية تغيرت في السودان في منتصف القرن الثامن عشر قبل الميلاد، فقد ظهرت دولة كبيرة في كرمة عرفت بدولة كوش شاركت الهكسوس في الدلتا والمصريين في طيبة (
الأقصر) السيادة على وادي النيل. وخاطب كل من الهكسوس وملوك طيبة السودانيين بملوك كوش طامعين في ودِّهم. فأصبح لقب كوش يطلق على المملكة وعلى السكان. وقد ظل إطلاق كوش على السكان حتى العصر المروي حيث أطلقه الملوك على أنفسهم وعلى مملكتهم.
النوبا والنوباديين
أول ذكر للنوبا – كما يرى المؤرخون - ورد عند إراتوستين Eratosthene (276-196ق م) الذي كان أمينا لمكتبة
الاسكندرية. وعنه نقل سترابو(63ق م – 24م). وقد تمكن إراتوستين – بحكم عمله كأمين لمكتبة الاسكندرية – من الاطلاع علي المؤلفات السابقه له والتي كتبت عن مروي والمناطق الواقعة جنوبي مصر مثل كتابات داليون وسيمونيد الذي يقال انه زار مروي ومكث فيها عدة سنوات. لذلك يمكن اعتبار ما كتبه إراتوستين عن الأوضاع في السودان راجعاً إلى ماقبل القرن الثالث قبل الميلاد.
يقول إراتوستين: "ويسكن النوبا (Nubae) الضفة اليسرى [
الغربية] من النيل في ليبيا وهم قبيلة كبيرة تمتد من مروي وحتى انحناءة النيل، وليسوا تحت حكم المرويين (Aethiopians) بل ينقسمون إلى ممالك مستقلة متعددة."
وقد أطلق الكُتاب اليونانيون اسم ليبيا على كل المناطق الواقعة غربي نهر النيل حتى المحيط الأطلسي، وفي الواقع فإن ليبيا في مفهومهم كانت تعني افريقيا. وبناءً على ذلك فإن قبائل "النوبا" كانت في القرن الثالث ق. م. قد خرجت عن طاعة مملكة مروي وكونت وحدات إدارية مستقلة عنها في الصحراء غربي النيل.

وحافظت قبائل النوبا على مواقعها واستقلالها من مروي في المناطق الصحراوية غربي االنيل، فعندما دخل سترابو
اسوان عام 24 ق.م. لم يغير ما كتبه إراتوستين عنهم. بل وتأكد ذلك عند الكتاب اللاحقين أيضا مثل بطليموس في القرن الثاني الميلادي الذي ذكر – كما نقل عنه اركل- أن النوبا " Nubeiيسكنون الساحل الغربي للنيل والأراضي الداخلية"

وفي القرن الثالث دون أجاثِمِرُس Agathemerus المعلومات التي ذكرها بطلميوس. وهكذا فقد تواترت الاشارات حتى القرن الثالث الميلادي إلى إطلاق اسم النوبا على السكان الذين استقروا غربي النيل على طول المنطقة الواقعة من كردفان ودارفور
جنوبا وحتى شمالي السودان. ويمثل هؤلاء النوبا العنصر الأصلي للسكان في كل تلك المناطق قبل القرن الثالث كما يرى De Villard.
وتحدث المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس (توفى حول 565م) والذي كتب باليونابية عن إتفاق تم بين الرومان وقبيلة النوبادي "Noβtaι" في عام 297م للقدوم من منطقة الواحة الخارجة والاستقرار على النيل
جنوبيأسوان بينهم وبين البليميين. وقد كُتِب اسم تلك القبيلة الصحراوية في الترجمات الانجليزية Nobatae وكتب بالعربية النوباديين أو النوباطيين، وهم الذين أسسوا فيما بعد مملكة نوباديا المسيحية.

النوبا في نقش عيزانا
أطلق المؤرخون اسم النوبا على الهجرات البشرية التي اجتاحت مناطق الجزيرة والبطانة والمناطق الشمالية شرقي النيل والتي أدت إلى اضعاف مملكة مروي وتقلص حدودها إلى مناطق محدودة على نهر النيل شمالى
الخرطوم. يقول توروك عن ذلك:
"يمكن تصور أن تكون مجموعات نوباوية بحلول القرنين الأول والثاني الميلاديين قد استقرت في داخل حدود المملكة. وجود تلك المجموعات قد يكون ولّد عمليات اجتماعية وثقافية قادت بطريقة ما – وهو ما نعرفه في حالات معاصرة أخرى – إلى تفكك ممالك مروي."

ويبدو إجتياح جماعات النوبا لمملكة مروي واضحاً فيما ورد في النقش الذي دون فيه ملك أكسوم عيزانا انتصاراته على دولة مروي. وفيما يلي ترجمة لبعض نصوص ذلك النقش من كتاب آركل الذي نقله عن كيروان .
"أنا ملك الملوك عيزانا ... حاربت النوبا [Noba] ... لأنهم كرروا الهجوم علىMangurto والخاسا والباري [منطقة
كسلا الحالية] وعلى السود [قصد بهم سكان مروي الوسطى] والحمر [قصد بهم سكان شمال مروي]. لقد حنث النوبا [Noba]عن قسمهم مرتين وثلاث، وقتلوا جيرانهم بدون رحمة ، وهاجموا المبعوثين الذين أرسلتهم للتحقيق معهم بخصوص غاراتهم وسرقوهم وجردوهم من ممتلكاتهم. وقد حذرتهم لكنهم رفضوا الانصياع وتَرْك أعمالهم الشريرة وتهيأوا للحرب. فحاربتهم علي نهر تكازى [عطبرة] عند مخاضة Kemalke فلم يصمدوا وفروا، وطاردتهم 23 يوما قتلت بعضهم وأسرت البعض الآخر، وأحرقت مدنهم المشيدة بالقصب والمشيدة بالطوب، وأخذت طعامهم ونحاسهم وحديدهم، وحطمت التماثيل في معابدهم وخربت مخازنهم وقُطْنهم وألقيت بكل ذلك في Seda[النيل]. ثم أتيت إلى Kasu وخضت معركة وأخذت أسرى عند إلتقاء نهري تكازى وسيدا ... والمدن المشيدة الطوب والتي أخذها النوبا [Noba] هي Tabito وFertoti. ووصل جيشي إلي حدود النوبة [Noba] الحمر وهزموهم بعون الإله ورجعوا بسلام، وعينت حاكما على ذلك القطر عند ملتقى نهر سيدا وتكازى."

يوضح النص أن عيزان خاض حروبه ضد النوبا على نهر عطبرة وعلى المناطق النيلية شمال
وجنوب نهر عطبرة. كما حارب النوبا في منطقة البطانة والجزيرة وعلوة وجنوبيها وشماليها. وهو في ذلك كله يخاطب النوبا سواء أشار إلى الوافدون الجدد أو إلى السكان المحليين. فالنوبا هم كل سكان منطقة الجزيرة ما بين النيل الأبيض والأزرق ومنطقة البطانة بين النيل الأزرق ونهر عطبرة وهم سكان الشمال الذين وصفهم عيزانا بالنوبا الحمر، وهم سكان نهر النيل شمالي نهر عطبرة وحتى حدود السودان الشمالية.

ويبدو مفهوم واطلاق اسم النوبا على كل السكان واضحا أيضا حتى بعد سقوط اكسوم. فقد جاء في كتابات الرحالة الأوربيين الذين زاروا الحبشة في القرن الخامس عشر الميلادي أن Nubi هي بلاد المملكتين المسيحيتين اللتين قضى عليهما الفونج. وجاء في كتاباتهم أن حدود مملكة علوة
الجنوبية تمتد حتى ِAgaua جنوبيبحيرة تانا و Dembian شمالي بحيرة تانا، وأن في اقليم النوبا خمسة أنهر تأتي من الجنوب والجنوب الشرقي والجنوب الغربي قصد بها نهر عطبرة والنيل الأزرق وفروعهما والنيل الأبيض.
وهكذا يتضح أن اسم النوبا هو الاسم الذي أُطلق قبل ظهور العرب في القرن السابع الميلادي على كل سكان السودان في الشمال والغرب والوسط ما عدا منطقة الشرق التي عرفت في المصادر القديمة بأسماء أخرى، سنتناول مجموعة المِجَباري كمثال لأولئك السكان
المِجَباري
المِجَباري هو الاسم الذي أطلقته المصادر القديمة على السكان الأصليين القدماء على الساحل الغربي للبحر الأحمر وامتدت مناطق استيطانهم من مواطن البجة الحالية في السودان وحتى المنطقة الواقعة بين
الأقصر والبحر الأحمر في الحدود المصرية الحالية شمالاً. وقد عرف المِجَباري قديما بالمازوي والمِجاي والمدجاي والمِجو والمِجا (Medjo و Medju و Medjay) وسنشير اليهم في ما يلي بالمِجا لأنه أولاً الاسم الأقدم، فقد ورد في نقش أوني الذي يرحع إلى الأسرة الفرعونية السادسة (2423 – 2242 ق.م.) ولأنه ثانياً أقرب إلى الاسم الحالي "البجة"
ووضحت الآثار القديمة أن المِجا - وفيما بعد التُرُجلُدايت والبليميين - كانوا يمثلون قطاعاً هاماًّ من سكان مملكتي نبته ومروي، وساهموا بدور فاعل في النشاط التجاري عبر البحر الأحمر ونهر النيل. وكان من الطبيعي أن تأتي الاشارات إلى مواطن المِجا باعتبارها جزءاً من مروي، أو الاشارة اليهم باعتبارهم جزءاً من الكوشيين .
فقد ذكر سترابو الذي نقل عن اراتوستين (Eratosthenes) في القرن الثالث قبل الميلاد أنه: "على جانبي الجزء الأسفل (lower) من مروي على طول النيل في اتجاه البحر الأحمر يسكن المِجَباريون والبليميون، وهم تابعين للاثيوبين [يقصد المرويين] ويجاورون المصريين. وعلى ساحل البحر يسكن التُرُجلُدايت." وهكذا أصبح سكان المنطقة يعرفون بثلاث أسماء: المِجا والتُرُجلُدايت والبليميون.
وهكذا أطلقت المصادر اليونانية والاثيوبية على سكان السودان – بحدوده الحالية – العديد من الأسماء، ولعل الاسمين "النوبا والمجا" كانا من أكثرها شهرة. وكلا الاسمين تم اطلاقه منذ زمن بعيد يعود إلى ما يتعدى الألف سنة قبل ظهور الكتابات العربية واشتهار اسم النوبة بمدلوله الحديث. كما يمكن أن يكون إسم المجا قد ظل حيّاً في اسم البجة الذي ظل حيّاً في المصادر العربية.
2. مرحلة الكتابات في المصادرالعربية بين القرنين السابع والسادس عشر الميلاديين
النوبا في مفهوم العرب
نجد أيضا مفهوم النوبا الواسع عند المؤلفين المسلمين الذين دخلوا مصر بعد أقل من ثلاث قرون من سقوط مروي حيث أطلق بعضهم اسم النوبا للدلالة على كل المناطق التي مر ذكرها عند عيزانا وفي المفهوم الاثيوبى.
فقد جعل كل من اليعقوبي الذي كتب في القرن الثالث الهجري (9م)، وابن حوقل والمسعودي في القرن الرابع الهجري مملكة علوة من بلاد النوبا حيث قال اليعقوبي: "فأما من قصد العلاقي إلى بلاد النوبة الذين يقال لهم علوة" وقال اليعقوبي عن النوبا: "وبلدهم أوسع من الحبشة في نواحيه، وعمارتهم أكثر مما بالحبشة ... ومن أعمر بلادهم نواحي علوة."
وقال المسعودي:
"فأما النوبة فافترقت فرقتين في شرقي النيل وغربيه وأناخت على شطيه فاتصلت ديارها بديار القبط أرض صعيد مصر من بلاد
أسوان وغيرها، واتسعت مساكنالنوبة على شاطئ النيل مصعِّدة ولحقوا بقريب من أعاليه، وبنوا دار مملكة وهي مدينة تدعى دنقلة، والفريق الآخر من النوبة يقال له علوة، وبنو مدينة للملك سموها سرية." قال مسعد ربما المقصود بمدينة "سرية" سوبة.
وقد أوردت المصادر العربية المبكرة أسماء العديد من القبائل التي عاشت في شمال وشرق وغرب السودان في فترة التسعة قرون التي سبقت ظهور المسميات القبلية الحالية يمكن التعرف عليها باختصار بأخذ أمثلة من: أ.قبائل النوبة ب. قبائل الصحراء
الغربية ج. قبائل شرق السودان.
أ.قبائل النوبة
وصف ابن سليم النوبة في مملكتي المقرة وعلوة على النيل وفروعه فقال: "والنيل يتشعب من هذه الناحية على سبعة أنهار، فمنها:
1. نهر يأتي من ناحية المشرق كدر الماء يجف في الصيف حتى يسكن بطنه، فإذا كان وقت زيادة النيل نبع فيه الماء، وزادت البرك التي فيه، وأقبل المطر والسيول في سائر البلد، فوقعت الزيادة في النيل ... وعليه جنس مولد بين العلوة والبجة، يقال لهم: الديجيون، وجنس يقال لهم: بازة يأتي من عندهم طير يعرف بحمام بازين، وبعد هؤلاء أوّل بلاد الحبشة. ... وبلغني أنّ بعض متملكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها، فلم يأتِ عليه بعد سنين، وإنّ في طرفها القبليّ جنساً يسكنون ودوابهم في بيوت تحت الأرض مثل السراديب بالنهار من شدة حرّ الشمس، ويسرحون في الليل.
2. ثم النيل الأبيض، وهو نهر يأتي من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللبن... وعليه أجناس من جانبيه.
3. ثم النيل الأخضر، وهو نهر يأتي من القبلة مما يلي الشرق شديد الخضرة، صافي اللون جدّاً ... وبين هذين النهرين، جزيرة لا يعرف لها غاية ... وفي الجزيرة الكبرى التي بين البحرين جنساً يعرف: بالكرنينا. لهم أرض واسعة مزروعة من النيل والمطر ... وهذه الناحية التي فيها ما ذكرته بلدان واسعة مسيرة شهرين في شهرين يزرع جميعها في وقت واحد،
4 – 7 والأنهار الأربعة الباقية، تأتي أيضاً من القبلة مما يلي الشرق أيضاً في وقت واحد ... وجميع الأنهار الأربعة تنصب في الأخضر ... وكلها مسكونة عامرة مسلوك فيها بالسفن وغيرها.
وأضافت المصادر الأخري المزيد من القبائل، فقد ذكر ياقوت (مسعد، المكتبة السودانية ص 166) عند الحديث عن علوة "وخلفهم أمة أخرى من السودان تدعى تكنة ، وأورد ابن حوقل (مسعد، المكتبة السودانية ص 75) "وفي أعالي بلد علوة نهر يجري من الشرق يعرف بأور [النيل الأزرق] وعليه مرنكة قبيل من النوبة فينصب في النيل، ومن أعلاه عن يومين نهر أتمتي [نهر الدندر]، وعليه من النوبه المعروفين بكرسي أمة كثيرة ... ومن غربي النيل الأبيض أمة يعرفون بالجبليين في طاعة ملك دنقلة ..."
ب. سكان الصحراء
الغربية
وعن سكان الصحارى غربي النيل وردت الكثير من المادة عن قبيلة الزغاوة وانتشارها الواسع في المنطقة. قال المسعودي: "وإلى الشرق من بلاد كانم وهي المنطقة الواقعة الآن على الحدود السودانية التشادية أي دارفور ومايجاورها مجالات الزغاوة والتاجويين. وصنفت المصادر الاسلامية المبكرة الزغاوة بانهم من السودان مثل النوبة والبجة والكانم أبناء كوش بن كنان بن حام بن نوح."
وأورد ابن حوقل (مسعد، المكتبة السودانية ص 75) لأنه توجد بين أمة "الجبليين وعلوة مفازات زات رمال إلى بلد أمقل وهو ناحية كبيرة ذات قرى لا تحصى وأمم مختلفة ولغات كثيرة متشابهة لا يحاط بها ولا يبلغ غايتهم يعرفون بالأحديين ... وهم في طاعة ملك علوة"
وهنالك جماعات أخرى ذكرهم ابن سعيد وهم بركامي وأهل بنتة وزنج النوبة. وضح أن بركامي بين النوبة والزغاوة والكانم، وحددت بلادهم بأنها في بلاد كوار وزغاوة ووصفهم بأنهم "سودان أهل عافية ولهم أودية بين جبال وفيها نخل ومياه وخضر. والذين يوالون منهم بلاد الكانم مسلمون. والذين يوالون بلاد النوبة نصارى. والذين يوالون زغاوه أهل أوثان."
ووصف ابن سعيد "أهل بنتة" وحدد مكانهم فقال: "وهم سود كفار يفصلون بين الكانم والنوبة". أما زنج النوبة فقد وردت عنهم معلومات قليلة، ذكر ابن سعيد أن قاعدتهم مدينة كوشة، وجعل موقعها إلى
الجنوب الغربي من مدينة نوابة التي لم يحدد مكانها بعد في الصحراء إلي الغرب من منطقة دنقلة. وقال الادريسي (مسعد، المكتبة السودانية ص 129) عن مدينة كوشة: "وموقعها فوق خط الاستواء وأهلها قليلون وتجاراتها قليلة وأرضها حارة جافة كثيرة الجفوف جداًّ وشرب أهلها من عيون تمد النيل هناك وهي في طاعة ملك النوبة"
ج. قبائل شرق السودان.
كانت المنطقة الواقعة إلى الشمال من الهضبة الاثيوبية وحتى صحراء قوص شمالاً ذات موارد مائية وكثافة سكانية عالية. فقد ورد ذكر عدد كبير من القبائل وفروعها وأفخاذها وتداخلها في هذه المناطق مثل:
البليين والحداربة والزنافجة وكديم المعروفة بعجات والخاسة وبازين وبيواتيكة وقصعة والماتين ورقابات وحنديبا وسكان تفلين وأمم جوار تقلين وبازين وسكان نهر سنسابي. وقد وردت معلومات بعضها مفصل وبعضها مقتضب عن هذه القبائل. سنتناول فيما بعد قبيلة البليين مثال لهذه القبائل.

العرب في مصادر القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين
ويلاحظ أن المصادر العربية لم تتطرق لذكر القبائل العربية في السودان وبخاصة تلك التي كتبت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين. فقد شهد القرن الرابع عشر تحول ملوك المقرة للاسلام ونهاية العمل في مناطق التعدين في بلاد البجة ونهاية نشاط ميناء
عيذاب، وقد اصطلح على جعل هذه الأحداث فترة اجتياح القبائل العربية للسودان.
وإذا راجعنا مصادر القرن الرابع عشر الميلادي التي تناولت بعض أخبار السودان وجدنا أن الدمشقي الذي تحدث عن مناطق النوبة والبجة لم يشر إلى أي قبائل عربية في تلك المناطق. وقد تناول النويري أخبار صراع المماليك ومملكة المقرة المسيحية حتى تحول ملوكها للاسلام، وتحدث عن مشاركة الأعراب في تلك الحروب، لكنه لم يتطرق إلى هجرة أو تدفق قبائل عربية في أراضي السودان.
كما كتب النويري عن الحملة التي أرسلها السلطان المملوكي الناصر عام 716 ه/1317 م إلى شرق السودان والتي دخلت من
عيذاب إلى سواكن ثم توغلت حتى منطقة التاكا (كسلا الحالية) ورجعت عن طريق دنقلة. وكان الغرض من الحملة مطاردة بعض الأعراب في الصحراء الشرقية. غير أن الحملة لم تظفر بالقبض على الأعراب، بل لم تذكر على طول طريقها أنها قابلت أي جماعات أو قبائل عربية. لكن قابلت الحملة بالقرب من نهر عطبرة-كما عبر النويري – "طوائف من السودان بقرب المياه في أودية هناك، فقتل العسكر منهم وأسر وسبى"
أما ابن بطوطة الذي دخل بلاد البجة من البحر الأحمر مرتين عام 726 ه/1326م وعام 732 ه/1332 م فقد قابل بالقرب من
سواكن "حي من العرب يعرفون بأولاد كاهل مختلطين بالبجة عارفين بلسانهم" وفي الصحراء بين سواكنوعيذاب وجد "عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجة" فالعرب الذين وجدهم ابن بطوطة في بلاد البجة بعد نحو عقد ونصف من تحول ملوك المقرة للاسلام كانوا تحت طاعة البجة ويتحدثون لغتهم.
أما مصادر القرن الخامس عشر الميلادي التي تبدأ بابن خلدون (ت 808 ه/1406) صاحب النص المشهور عن قبيلة جهينة حيث ذكر أنهم "غلبوا على بلاد النوبة، وفرقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم..." وقد كتبت مقالاً نشر في مجلة الدراسات السودانية التي يصدرها معهد الدراسات الافريقية بجامعة
الخرطوم المجلد رقم 15 أكتوبر 2009 خلصت فيه إلى أن قبيلة جهينة كانت غائبة تماماً عن كل الأحداث التي صاحبت وأعقبت تحول ملوك مملكة المقرة للاسلام.
أما القلقشندي الذي توفى بعد ابن خلدون (ت 821 ه/1418م) فقد قال عن دنقلة "وهي الآن مملكة مستقلة بذاتها" وبين رسم المكاتبة إلى ملوكها. ولم يذكر جهينة أو غلبتهم على بلاد النوبة أو زوال ملكهم" بل أشار إلى أن ملكهم لا يزال قائماً على عهده. ولم يتطرق القلقشندي إلى ذكر أي قبيلة عربية دخلت السودان.
وآخر ممثلي كتاب هذا القرن هو المقريزي المتوفى في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي (9 ه) فقد ذكر حدثين عن النوبة بعد تحول ملوكها للاسلام الأول عن صراع بين بعض أفراد الأسرة المالكة في دنقلة بعد نحو نصف قرن من تحول ملوك دنقلة للاسلام. تدخل في هذا الصراع أعراب بني جعد والعكارمة وبني الكنز، فوفد أحد أمراء النوبة واسمه ركن الدين كرنبس مستنجداً بالمماليك فأمدوه بقوة أعادت الهدوء إلى المنطقة وهزمت الأعراب.
والحدث الثاني كان أيضاً بخصوص صراع حدث على عرش مملكة دنقلة، فقد وفد ناصر ملك النوبة إلى السلطان المملوكي برقوق عام 800 ه/1397م متظلماً من ابن عمه. ولم يوضح المقريزي نتيجة هذه الزيارة، غير أنها تشير إلى أن مملكة النوبة كانت لا تزال قائمة بعد ما يقرب من قرن من الوقت الذي حدده ابن خلدون لإزالة جهينة مُلْك النوبة.
ويقودنا كل ذلك إلى التساؤل عن مصادر المعلومات التي جعلت من هذين القرنين الفترة التي اجتاحت فيها القبائل العربية أراضي السودان، وترتب عليها النهاية المبكرة لمملكة دنقلة كما تواتر في الروايات، ثم تلى ذلك تحالف القبائل العربية واجتياحها لمناطق وسط السودان والذي انتهى بقيام سلطنة سنار في مطلع القرن السادس عشر الميلادي. من أين أتت هذه المعلومات إن لم ترد في مصادر القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين؟
وننتقل بعد هذا إلى استعراض مثال من احدى قبائل شرق السودان لنتعرف عليها في الفترة السابقة للقرن الخامس عشر ولنبحث عنها بين قبائل الشرق بعد القرن الخامس عشر، تلك هي قبلة البليين.
البليون
ورد ذكر البليون عند الادريسي المتوفى عام 560 ه / 1165 م وبعد ثلاث قرون ردد ابن الوردى المتوفى سنة 861 ه / 1457 م بعض ما ذكره الادريسي عنهم. فقد ورد عنهم ما يلي:
أورد الادريسي نصين عن البيليين أحدهما (في مسعد، ص 131) عند الحديث عن مدينة
أسوان جاء فيه:
1. " وربما أغار على أطرافها خيل السودان المسمين بالبليين. ويزعمون أنهم روم وأنهم على دين النصرانية من أيام القبط وقبل ظهور الإسلام غير أنهم خوارج في النصارى يعاقبة، وهم منتقلون فيما بين أرض البجة وأرض الحبشة ويتصلون ببلاد النوبة وهم رحالة ينتقلون ولا يقيمون بمكان مثل مما تفعله لمتونة الصحراء الذين هم بالمغرب الأقصى."
2. والنص الثاني الذي أورده الادريسي عن البليين (مسعد ص 135) جاء فيه: "وبين أرض النوبة وأرض البجة قوم رحالة يقال لهم البَلِيّون، ولهم صرامة وعزم وكل من حولهم من
الأمم يهادنونهم ويخافون ضرهم وهم نصارى خوارج على مذهب اليعقوبية وكذلك جميع أهل بلاد النوبة والحبشة. وأكثر أهل البجة نصارى خوارج على مذهب اليعاقبة كما قدمنا ذكره."
أما نص ابن الوردي في كتابة "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" عند حديثه عن ميناء
عيذاب (في مسعد ص 374) فقد جاء كما يلي:
3. "وبين البجة وبين النوبة قوم يقال لهم البليون أهل عزم وشجاعة يهابهم كل من حولهم من
الأمم ويهادنونهم وهم نصارى خوارج على مذهب اليعقوبية."
فالنصوص حددت مكان البليين ووضحت بعض صفاتهم كما يلي:
1. تحديد المكان:
حدد الادريسي في نص رقم 1 منطقة البليين بأنها بين أرض النوبة وأرض البجة، وهي نفس الحدود التي ذكرها ابن الوردي في النص رقم 3. ولما تناول ابن الوردي البليين عند الحديث عن ميناء
عيذاب على البحر الأحمر، فإن ذلك قد يدل أن امتداد حدود البليين شرقاً يصل إلى ميناء عيذاب. ووضح نص الادريسي رقم 2 أن امتداد مناطق البليين غرباً تصل إلى حدود مدينة أسوان حيث يغيرون على أطرافها. وبناءًا عليه فإن هذه النصوص قد حددت منطقة البليين ما بين أسوان غرباً وعيذاب على البحر الأحمر شرقا وتمتد جنوباً حتى حدود الحبشة.ً
2.أوصاف البليين:
2-1. وصف الادريسي البليون في النص رقم 2 بأنهم رحالة، ووضح في النص رقم 1 أماكن تجوالهم بأنها بين أرض البجة والحبشة والنوبة. ويدل ذلك على أن مناطق تجوالهم واسعة ولا بد أنهم يشاركون غيرهم من قبائل المنطقة التجول في تلك الأراضي. وقد وصف الادريسي تجوالهم هذا مثل تجوال قبائل لمتونة (الصنهاجية نص رقم 1) التي كانت تتجول في المنطقة الصحراوية الواسعة بين
جنوب المغرب الأقصى شمالاً وحتى مناطق نهر السنغال جنوباً.
ولمتونة قبيلة كبيرة قامت على أكتافها دولة المرابطين في القرن الخامس الهجري (11 م) والادريسي
الذي عاش بين صقلية والأندلس والمغرب العربي كان على علم ودراية بحجم وقوة قبيلة لمتونة
الصحراوية, ووصف الادريسي للبليميين بقبيلة لمتونة يشير إلى حجم وقوة قبيلة البليين في الصحراء
الواقعة ما بين مصر والنوبة والحبشة.

2-2. وكانت قبيلة البليين كبيرة وقوية وذات وجود مؤثر في المنطقة، فقد اتفق الادريسي وابن الوردي (النصين 2 و3) على وصف الببليين بالقوة والشجاعة، ووضحا كيف أن القبائل الأخرى المتصلة بها في المنطقة تهابها. وتشير النصوص إلى العلاقة التي كانت قائمة بين القبائل في المنطقة، فرغم المنافسة الطبيعية بين القبائل البدوية على أماكن المياه والكلأ إلا أن علاقة البليين بجيرانها كانت تتسم أيضاً بالطيبة وحسن الجوار يدل على ذلك الهدايا التي كانت تصلهم من جيرانهم، ولا بد أنهم كانوا أيضاً يهادونهم.
2-3. وقد أشارت النصوص إلى جيران البليين الذين يهابونهم ويرسلون إليهم الهدايا ب "من حولهم من
الأمم" (النصين 2 و 3) والامم هنا هم النوبة والحبش والمسلمين في جنوب مصر الذين يصلهم البليون في تجوالهم كما ورد في النص. ويفهم من ذلك أن العلاقات بين البليين وبين تلك الدول كانت على درجة قوية من الصلات، ودرجة متقدمة من التنظيم. وفي واقع الأمر هنالك الكثير من الاشارات في المصادر العربية وضحت نضج التنظيات السياسية والادارية لقبائل المنطقة مثل ممالك البجة التي ذكرها اليعقوبي، والتنظيمات القبلية التي أشار إليها المسعودي وابن حوقل.
2-4. ولا يقتصر تنظيم علاقة البليين مع
الأمم المجاورة لها فقط، فلا بد وأن تنتظم علاقاتها مع غيرها من قبائل البجة وممالكهم التي وردت الاشارات إليها في المصادر العربية مما يوضح أن المناطق الواقعة بين مملكة المقرة غرباً والبحر الأحمر شرقاً وبين مملكة علوة والحبشة جنوباً والمسلمين في مصر شمالاً قد كانت في القرون الكثيرة السابقة لقيام سلطنة الفونج مأهولة بالسكان.وشهدت قيام أنظمة سياسية وإدرات قبلية مستقرة.
2-5. ووضح النص رقم 1 أن وجود البليين في المنطقة يرجع إلى الفترة السابقة لدخول الاسلام مصر في القرن السابع الميلادي، وأنهم اعتنقوا المسيحية على مذهب اليعاقبة مثل ممالك النوبة المسيحية والذي تم في منتصف القرن السادس الميلادي.
2-6. ربط النص رقم 1 البليين بالروم. ومن المعروف أن الروم مقصود بهم البيزنطيين الذين كانوا يحكمون مصر قبل الاسلام.
2-7 كما وضح النص رقم 1 أن البليين أصحاب خيل يغيرون بها على جيرانهم.
فالبليون كانوا في القرن الثاني عشر الميلادي – عصر الادريسي - قبيلة بدوية قوية وكبيرة تتجول في منطقة واسعة مابين حدود
أسوان والحبشة والبحر الأحمر. ويبدو البليون ذوي قوة ونفوذ في المنطقة وعلاقات مع جيرانهم في الشمال والجنوب. فمن هم البليون؟ تعددت وجهات نظر الباحثين والرحالة في التعرف عليهم وفيما يلي بعض تلك الآراء:
1. يميل البعض مثل كراوفورد وروسيني إلى ربط بليين الادريسي ببليين كرن.
2. كما ربط كيروان بين بليين الادريسي وبين البليميين
3. رأى مصطفى مسعد أن بليين الادريسي هم البليميين.
يقول كراوفورد أن بلين هو الاسم الذي يطلقه الباقوس Bagos في منطقة كرن على أنفسهم. ويرى روسيني أن وجود البليين في هذه المناطق قد يرجع إلى القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي، وأنهم بالتأكيد كانوا في شمال اثيوبيا في القرن الرابع عشر الميلادي. ولذلك إفترض أنهم بليين الادريسي، وقد اتضح مما ذكره الادريسي أن تجوالهم كان يمتد حتى حدود الحيشة.
اما كيروان ومسعد فيريان أن بليين الادريسي هم البليين. والبليميون هم فرع قديم من فروع قبائل البجة. وقد وضحت الأدلة الآثارية مثل نقش كلابشة المروي والوثائق التي جمعت عن منطقة شمال السودان ما بين القرنين الثامن قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي ونشرتها جامعة بيرقن ووثائق الجبلين المنشورة في كتاب مصطفى محمد مسعد "الاسلام والنوبة في العصور الوسطى" في الملحق رقم 3 أرجعت كل تلك الوثائق وغيرها من المصادر الكلاسيكية وجود البليميين إلى القرون السابقة للميلاد في المنطقة الواقعة
جنوبأسوان. كما أمدتنا ببعض المعلومات عنهم حتى القرن السادس الميلادي.
وتوضح السجلات المروية أن البليميين قد استقروا منذ القرن الخامس قبل الميلاد على طول المنطقة الواقعة من
اسوان حتى منطقة دنقلا (كلايدي ونترز، بينة مروية ص2). وذكرت المصادر اليونانية السابقة للميلاد (انظر Mac Michael, A History of the Arabs In the Sudan vol.1 p 38) أن المناطق الواقعة حولأسوان هي مواطن البليميين الرئيسية، ويمتدون جنوبا وشرقا نحو حدود اكسوم وميناء أدولس على البحر الأحمر. وهذا الوصف يتطابق مع مواطن البجة الحالية.
فالمصادر القديمة - السابقة للميلاد- تناولت كل سكان المنطقة المعروفة الآن ببلاد البجة تحت اسم البليميين مما يؤكد أن شعوب هذه المنطقة أُشير إليها في المصادر القديمة مرة تحت اسم البليميين وأخرى تحت اسم المِجا ومرة أخرى تحت اسم التُرُجلُدايت. وقد ذكر ماكمايكل (نفس المكان السابق) أن الكتاب المسيحيين المبكرين أطلقوا اسم البليميين على البجة.
لم يكن استقرار وامتزاج البليميين بالسكان السابقين في
جنوبيأسوان فقط، بل توضح الآثار الراجعة إلى فترة ما قبل الميلاد (بَرنارد فقرات 116, 123, 136) أن استقرارهم امتد شمالاً في منطقة طيبة في صعيد مصر. وقد ازداد عدد البليميين منذ القرن الأول الميلادي. ويبدو أنهم أصبحوا القوة الرئيسة بين الزعامات المحلية وتشربوا بالثقافة المروية. فقد نقل مسعد عن مصادره أن البليميين بدأوا هجومهم على الرومان عام 250م. وفي نفس الوقت ورد في نص عثر عليه في فيلة – جنوبأسوان - أن ملك مروي تقردماني Teqeridamani 246-266م أرسل سفارة إلى الأمبراطور الروماني حاملاً إليه الهدايا.

ويذكر ترمنجهام سفارة بقيادة أمير بليمي يدعى Pa-smun Ibn Paesi ويصف الأمير نفسه بأنه السفير العظيم إلى روما. وتحالف البليميون مع زنوبيا (الزباء) ملكة تدمر في سوريا عندما هاجمت الرومان في مصر. واحتلوا مدينتي Coptos & Ptolemais في منطقة طيبة.
ويبدو أن البليميين قد بدأوا بسط نفوذهم في المنطقة حتى سواحل البحر الأحمر، لأن إحدي الوثائق الرومانية تحدثت عن تعرض بعض القواعد الرومانية على البحر الأحمر لغارة من سفن البليميين عام 378 م. وربما بدأ إسم البليميين ينتشر بعد امتداد نفوذهم شرقاً فأطلق الرومان إسمهم على سكان المنطقة التُرُجلُدايت. وقد يؤيد ذلك أيضا ما تردد في المصادر عن ترادف استخدام البيليميين والمِجا والتُرُجلُدايت.

وقام البليميون في عام 429 م بغارات على منطقة طيبة والواحة الخارجة التي كانت مركزا رومانيا يطل على حدودهم الصحراوية. وما توفر من معلومات يمكن أن يشير إلى حقيقتين هامتين: الأولي أن البليميين أصبحوا قبل انهيار مروي بوقت طويل سادة المنطقة وجنرالات النهر، ويؤكد ذلك – ثانياً - تطور نظام حكمهم مما يجعل قيام مملكتهم – تحت ظل المرويين – أمراً مقبولاً. هذه الدلائل تشير إلى أنه من المقبول جدّاً أن يسعى البليميون إلى وراثة مملكة مروي بعد سقوطها. ويزيد ذلك تأكيداً نقش كلابشة الذي تضمن في موضعين الاشارة إلى كونهم ورثة مروي. وقد وردت اسماء ستة ملوك بليميين فيما جمعه بَرنارد من نصوص، ثلاث منهم قدرت تواريخ حكمهم في القرن الخامس الميلادي والثلاث الباقين في القرن السادس الميلادي.
والوثائق الأخرى المرتبطة بالبليميين هي ثلاث وثائق مكتوبة على جلد غزال باللغة اليونانية عثر عليها فلاح مصري في منطقة الجبلين على بعد 25 ميل حنوب مدينة
الأقصر. وقد ترجمها إلى الانجليزية كيراون وإمِري، ونقلها إلى العربية وضمنها كملاحق مصطفى مسعد في كتابه الاسلام والنوبة تحت عنوان "الوثائق الدالة على استقرار البليميين في منطقة طيبة" وقد أشار برنارد إلى الوثيقتين الأولى والثانية فقرات رقم 336 و334.
الوثيقة الأولى جاءت ترجمتها عند (بَرنارد رقم 336) كالآتي:
"أنا شاراشن ملك البليميين، أكتب إلى أولادي شاراشن وشاراتكور وشاراهيت، أنه طبقاً لأمري هذا قد منحتكم حكم الجزيرة المعروفة باسم تناري، وألا يقف في سبيلكم أحد، وإذا أثار الرومان مشاكل وامتنعوا عن دفع الأتاوة العادية لكم فإنه لا الفيلارك ولا الهيبوتيرانوس يمنعانكم من إرغام الرومان على دفع العطايا العادية عن جزيرتي. شاراشن الملك، تنتكنا: أمير القصر – شاهد، كتبه سانسانوس في اليوم الرابع والعشرين من شهر ....."

وهنالك وثيقة أخرى – رقم أربعة - ذكرها بَرناد clause no. 339، وهي عبارة عن أمر ملكي أصدره الملك باراخيا (Barakhia) إلى صوفيا يشير إلى وضعها أو إقامتها في مكان ما، وقد ورد أن هذا الملك خلف الملك خاراخِن - أو شاراشن كما كتبه مسعد - في الحكم. فنحن أمام أربعة نصوص تتعلق كلها بحكم البليميين منطقة في صعيد مصر. وتسوق هذة الوثائق العديد من الأسئلة عن علاقة البليميين بصعيد مصر وإقليم طيبة، ومدى امتداد نفوذهم عندما دخل المسلمون مصر في القرن السابع الميلادي، أي في القرن الذي تلى عمر هذه الوثائق.
أما عن وجود البليميين في شمال السودان بعد هزيمتهم على يد سلكو ملك النوباديين فإن أغلب المؤلفين يرون انهيار ونهاية مملكتهم وانتشارهم في الصحراء غربي النيل. وقد ورد ما يؤكد وجودهم في المناطق القريبة من النيل واعتاقهم السيحية على المذهب اليعقوبي، وقد ورد ذلك فيما أورده يوحنا الأفسوسي عن عن تنصير ملك علوه.
ومن المعروف أن مملكة النوباديين اعتنقت المسيحية علي المذهب اليعقوبي بخلاف مملكة المقرة التي اعتنقته على المذهب الملكاني. وقد تنافس اتباع المذهبين على تنصير ملك علوة الذي فضل اتباع المذهب اليعقوبى . فأرسل رسله إلى ملك نوباديا يطلب منه إرسال القس لونجينوس ليتم ذلك على يديه. وقد روي يوحنا الأفسوسي تلك الأحداث ونرجع اليها هنا فيما ذكره وليمز بهذا الصدد.
"دبر ملك المقرة الملكاني خطة لإعاقة وصول لونجينوس إلى مملكة علوة لأن طريقه إلى علوة يمر عبر أرضيهم. ولكي يتفادى الوفد هذا الخطر أتصل ملك النوباديين بملك البليميين لكي يساعد البعثة على الوصول لعلوة. وجاء في رسالة ملك نوباديا: "ولكن بسبب المكيدة الخبيثة التي دبرها ذلك الذي يقيم بيننا [ملك المقرة] فقد أرسلت أبي البار إلى ملك البليميين ليوصله إلى داخل البلاد"
يدل هذا على أن البليميين كانوا يقيمون بجوار مملكة المقرة المسيحية وأنهم اعتنقوا المسيحية على المذهب اليعقوبي وهي المعلومات التي وردت في نص الادريسي رقم 1 ونص ابن الوردي رقم 3 عن البليين مما يؤيد رأيي كيروان ومسعد الذان جعلا البليين هم البليميين. غير أن مسعد يرجح أن البيليين وأسلافهم البليميين يرجعون إلى أصل عربي . ويرى مسعد أن لفظ البليميين – كما نطقه اليونانيون والرومان - ما هو إلا تحريف لكلمة بِلاوي التي تدل في لغة التبداوي البجاوية على العرب. وأرى أن هذا الرأى ليس مقبولاً وستتم مناقشته لاحقاً.
وإشارة الروم في النصوص ترجع إلى علاقة البليين بالبيزنطين، وربما نزح بليميي الصعيد الذين كانوا على صلة قوية بالبيزنطيين
جنوباً بعد دخول المسلمين مصرفازدادت قوتهم في الجنوب بالقدر الذي وصفوا به في لمن
طقة الواسعة التي انتشرو فيها ما بين النيل في شمال السودان وصعيد مصر وبين البحر الآحمر.
وإذا قبلنا الرأي الذي يقول أن بليين الادريسي هم البليميين – وأرى أنه رأي مقبول – نتقدم خطوة أخرى لرؤية الآراء التي ربطت البليميين بالبلو، فقد تم الربط بين البلو وبين الكثير من القبائل والمناطق بي بلاد البجة وسنتعرض لذلك عند الحديث عن البلو.
ومن الملاحظ أن المصادر العربية لم تتعرض لذكر البليميين ما عدا الادريسي وابن الوردي، فلماذا لم تتعرض المصادر للبليميين ذوي الثقل الواضح في صعيد مصر قبل أن يدخله المسلمون؟ لا شك أن الأمر يحتاج إلي المزيد من العناية والبحث خاصة وأن المصادر العربية لا تمدنا بمعلومات وافية عن فتوحات وحروب المسلمين المبكرة في عصري عمرو بن العاص وعبد الله بن سعد في صعيد مصر كما فصلت عن الحروب في الوجه البحري. والمؤلف الوحيد الذي أورد تلك المعلومات هو الواقدي الذي يسيطر طابع الملاحم وعدم الدقة فيما كتبه عن تلك الحروب.
غير أن افراد ولاية خاصة لصعيد مصر منفصلة عن ولاية عمرو بن العاص تولاها عبد الله بن سعد بن أبي السرح في الخمس سنوات الأولى من دخول المسلمين توضح أن الأحداث في الصعيد قد تطلبت تلك الادارة المنفصلة. ولكن سكوت المصادر العربية عن تلك الأحداث يتطلب أيضاً المزيد من العناية والبحث. والمعلومات القليلة الوارة هنا وهناك في المصادر تحدثت عن البجة في الفترة المبكرة،. فابن حوقل – مثلاً – يقول:
"فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما فتح مدينة
أسوان، وكانت مدينة أزلية قديمة، وكان عبر إليها من الحجاز وفهر جميع من كان بالصعيد وبها من فراعنة البجة وغيرهم." تؤكد مثل هذه المعلومات وجود البجة في صعيد مصر ومشاركتهم أهل الصعيد في حروبهم ضد المسلمين.
ومرة أخرى نتساءل لماذا سكت الكتاب الذين تناولو المنطقة عن ذكر البليمين، مثل اليعقوبي وهو أول من أورد معلومات مفصلة عن قبائل البجة وممالكهم في القرن الثالث الهجري (9 م) وابن حوقل في القرن الرابع الهجري وهو الذي زار المناطق الشرقية من أرض البجة وكتب معلومات كثيرة عن قبائلهم. وكذلك المسعودي في القرن الرابع الهجري (10 م) الذي استقر في مصروقتعض ال لب ولا فيما نُقل عن ابن سليم
الأسواني الذي زار مملكة المقرة في القرن الرابع الهجري (10 م)
يبدو معقولاً أن المصادر قد أشارت إلي البليين ولكن تحت أسماء أخرى. فالمصادر تذكر أحياناً اسم البجة لوصف كل القبائل بصورة عامة دون التعرض لأسمائهم. فابن سليم مثلاً (مسعد ص 113) يقول: "والبجة
الداخلة ... حالهم في الظعن والمواشي و... كحال الحداربة." وإشارة ابن حوقل السابقة للبجة في منطقة أسوان يبدو معفولاً أن المقصود بها البليميين. وهنالك احتمال آخر يبدو معقولاً جدّاً وهو أن تلك المصادر تناولت هذه القبيلة ولكن تحت أسم آخر. فالمنطقة التي تحتلها قبائل البجة الحالية كانت ذات ثقل سكاني واضح وقبائل متعددة كما سيتضح فيم يلي.
الخاتمة
عرَّفت المصادر بسكان السودان منذ القرن العشرين قبل الميلاد أي منذ ما يزيد قليلاً على الأربعة ألف سنة. واتضح التداخل والصلة العرقية بين سكان ما بين البحر الأحمر شرقاً ومناطق درافور غرباً وبين منطقة
حلفا شمالاً ومناطقة السدود جنوباً. وهؤلاء السكان يمثلون جزءاً من السكان الأصليين للقارة الافريقية، لم يهاجروا إليها من الخارج بل تكونوا نتيجة التفاعل الطبيعي بين المناطق الغنية بالموارد المائية المتمثلة في النيل وبين المناطق ذات الموارد المائية القليلة المتمثلة في الصحراء غربي النيل.
ولا أود الخوض في أجناس القارة الافريقية ولكنني أشير إلى أنه ليس هنالك جنس واحد فقط في افريقيا كما ليس هنالك جنس آسيوي أو جنس أمريكي. توجد أجناس متعددة آسيا وفي أمريكا وأجناس متعددة في افريقيا، وأجناس افريقيا تتفاوت ألوانها ما بين الأبيض في شمال افريقيا والأسمر في مناطق السافنا والأسود
جنوبيالصحراء.
ويتضح من المصادرر أن سكان السودان حتى القرن الخامس عشر كانوا خليطاً من اللون الأسود (سودان) والأسمر كما ذكر القلقشندي عن النوبة (مسعد ص 284) "ولون بعضهم يميل إلى الصفاء، وبعضهم شديد السواد" أو كما قال ابن حوقل عن البجة مسعد ص 64 " وألوانهم أشد سواداً من ألوان الحبش" واللون المائل إلى الأبيض يمثلة أمازيغ شمال أفريقيا.
واتضح من المصادر العربية أيضاً أن كل المنطقة الواقعة في حدود السودان الحالية كانت مأهولة بالسكان. فقد ورد الحديث عن أكثر من ثلاثين تجمعاً سكانيّاً ما بين أمم وقبائل مثل أمة تكنة خلف علوة، وأمة كرسي التي وصفت بأنها أمة كثيرة، و الأحديون الذين وصفوا بأنهم "أمم مختلفة ولغات كثيرة متشابهة لا يحاط بها ولا يبلغ غايتهم". وبازين وباريه في شق خور بركة الذين وصفهم ابن حوقل (مسعد ص 64) بأنهم "أمم كثيرة"
ووُصِفت القبائل بأنها كقبائل العرب لها أفخاذ وبطون كما لقبائل العرب. فقد قسم ابن حوقل (مسعد ص 72) قبيلة الحداربة في شرق السودان إلى سبعة بطون وقال عنهم: "ويتفخذ لهؤلاء القوم كل بطن إلى نحو مائة فخذ" وعن قبيلة بيواتيكة البجاوية قال(ص 71) " تزيد على الاحصاء ولا يُبلغ عددها"
فالسودان بحدوده الحالية كما تحدثت عنه المصادرالمصرية والمروية واليونانية والعربية كان ذا كثافة سكانية عالية، وأولئك السكان هم سكان أصليون في القارة الافريقية، ربطتهم المصادر بتراب هذه الأرض منذ القرن العشرين قبل الميلاد وحتى القرن الخامس عشر الميلادي. وفجأة اختفت أسماء تلك القبائل والتجمعات السكانية المتعددة بعد القرن الخامس عشر ولم نجد من تلك الأسماء إلا القليل النادر مثل النوبة والخاسة والحلنقة والزغاوة، فكيف اختفت تلك الأسماء؟
هل انقرضت وأصبحت من القبائل البائدة في طرفة عين من عمر الزمن، وظهرت في مكانها ومنذ القرن السادس عشر الميلادي قبائل وسكان جدد؟ وإذا لم يكن ذلك كذلك فما هي الصلات بين القبائل القديمة والجديدة؟ وكيف ولماذا تغيرت المسميات؟ لا بد من البحث الجاد للاجابة على مثل هذه الاسئلة لنصل حاضرنا بماضينا القريب جدّاً.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 01:50 PM   رقم المشاركة :[14]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

سكان منطقة ما بين البحر الأحمر والنيل قبل القرن السابع الميلادي

.
بقلم: د. أحمد الياس حسين

التُرُجلُدايت
أصل كلمة التُرُجلُدايت Troglodyte يوناني استخدمها الكتاب اليونانيين لوصف سكان الكهوف في كثير من بقاع العالم كما في حوض الدانوب والقوقاز وافريقيا. وفي افريقيا ذكرت المصادر الكلاسيكية وجود التُرُجلُدايت في تونس وليبيا وأعالي النيل والبحر الأحمر. وأشار هيرودوتس إلى تُرُجلُدايت منطقة فزان الذين يطاردهم الجرمانتيون على عرباتهم التي تجرها الخيول، ووصفهم بأنهم أسرع البشر عدواً ، ويرى المؤرخون أنهم أسلاف التبو الحاليين.
وليس كل التُرُجلُدايت سكان كهوف بل منهم سكان منازل محفورة تحت الأرض، وكانت بعض هذه المنازل لا تزال موجودة في مدينة غريان بجبل نفوسة جنوبي طرابلس بليبيا، وقد رأيت أحد هذه المنازل عبارة عن فتحة كبيرة مستطيلة أو مربعة نحو 3x 4 أو 4 x 4 امتار وعمقها نحو ثلاثة أمتار. وتتفرع منها في الداخل غرف تحت الأرض. ويرى المؤرخون أن مثل هذه المنازل تناسب جو الصحراء الشديد الحرارة صيفاً وشديد البرودة شتاءً.
وقد جعلت ال encyclopedia.orgتُرُجلُدايت البحرالأحمر من أشهر هذه المجموعات، ربما لنشاطهم السياسي والتجاري على سواحل البحر الأحمر السودانية. فقد أطلق بليني على ساحل البحر الأحمر "ساحل التُرُجلُدايت" وذكر إنهم كانوا نشطين في تجارة اللبان في مواني البحر الأحمر.
ولم ينحصر إطلاق اسم التُرُجلُدايت على سكان البحر الأحمر فقط بل اطلق كذلك على سكان المناطق الداخلية، إذ ذكر بلايني (Book xi, Chapter 35) أن التُرُجلُدايت يحيطون بالمناطق المجاورة لمروي حتى ساحل البحر الأحمر. وبناءاً على هذا الاطلاق فإن كل سكان مناطق البجة الحالية أُطلِق عليهم التُرُجلُدايت.
وفي واقع الأمر فإن سكان مناطق ما بين النيل والبحر الأحمر قد عرفوا في المصادر اليونانية والرومانية بالتُرُجلُدايت والِمَجا والبليميون. وقد استخدمت هذه الأسماء أحيانا للاشارة إلى سكان منطقة بعينها في بلاد البجة الحالية وأحيانا استخدمت كمترادفات للدلالة على سكان كل المنطقة، ويرى الباحثون أن هذه الجماعات هي نفسها التي أطلقت عليها المصادر العربية فيما بعد اسم البجة .
ومن أقدم النصوص عن التُرُجلُدايت ما جاء في الآثار المصرية القديمة التي ترجع إلى الاسرة السادسة والعشرين في عصر الفرعون نكاو الثاني أو Necho II (610-595 ق م) الذي كان شديد الاهتمام بتجارة البحر الأحمر لدرجة فكر فيها بحفر قناة تربط النيل بالبحر الأحمر وشرع بالفعل في تنفيذ الفكرة.
وورد في النصوص القديمة والتي جمعها Eide وآخرون عن منطقة النوبة بين القرن الثامن قبل الميلاد والقرن السادس الميلادي أن الملك نكاو الثاني أرسل حملة نيلية ضد التُرُجلُدايت. ويبدو أن التُرُجلُدايت كانوا منتشرين على مناطق صعيد مصر الأعلى بين النيل والبحر الأحمر، وربما كانت تلك الحملة ضد التُرُجلُدايت على إحدى الطرق الرابطة بين النيل – من منطقة الأقصر - والبحر الأحمر أو قد تكون الحملة مرسلة مباشرة من الصعيد إلى سواحل البحر الأحمر.
ساهم التُرُجلُدايت في النشاط التجاري على سواحل البحر الأحمر كما ذكر بليني، وتشير الوثائق إلى علاقاتهم المباشرة مع دولة البطالمة بمصر، فقد ذكر بلوتارخ "أن الملكة كليوباترة السابعة لم تكن تحتاج إلى مترجمين عندما يخاطبها مناديب الشعوب المجاورة لمملكتها مثل مناديب الاثيوبيين والتُرُجلُدايت واليهود والسوريين والميديين ..." ويدل ذلك على أن التُرُجلُدايت كانت لهم كيانات سياسية متطورة مكنتهم من تنظيم نشاطهم التجاري وعلاقاتهم الخارجية، ورغم أنه لم يرد ذكر لمملكة ترجلوداتية في الصحراء الشرقية أوالبحر الأحمر في المصادر اليونانية الرومانية – كما حدث للبلبميين - إلا أن قيام مثل ذلك الكيان السياسي يعتبر أمراً لا بد منه خاصة إذا كانت للتروجلودايت علاقات خارجية مثل تلك التي مع البطالمة.
وإذا افترضنا أن حملة الفرعون نكاو كان هدفها مناطق الطرق التي ربطت منطقة الأقصر على النيل بسواحل البحر الأحمر - وهي أقصر المسافات بين النيل والبحر الأحمر في مناطق الصعيد – فيعني ذلك أن امتداد مناطق نفوذ التُرُجلُدايت كان لا يزال يمتد حتى القرن الخامس قبل الميلاد من سواحل البحر متوغلاً في الصحراء شرقا. وربما كان انتشارهم لا يزال يصل إلى مناطق النيل كما يفهم من نص بلوتارخ في أول القرن الثاني اليلادى، إلا أن سترابو(Book xvii p7) في القرن الميلادي الأول - والذي اعتمد أيضاً على اراتوستين في القرن الثالث ق م – حدد مناطقهم على سواحل البحر الأحمر فقط.
وقد يفهم مما ذكره سترابو عن مواطن التُرُجلُدايت أنها نركزت داخل حدود مروى فقط ولم تمتد شمالاً، ربما لأن المناطق الواقعة جنوب وشمال نهر عطبرة وفرت لهم في ذلك الوقت قدراً معقولاً من المياه والحياة النباتية. وقد ورد في نقش أحد ملوك مروي (418-398 ق م) أن القبائل من تلك المناطق كانت تغير علي النيل وورد اسم واحدة منها Meded التي أغارت على منطقة كورتي الحالية بين مروي ودنقلا. ويرجح آركل (ص52) "أن هؤلاء ربما كانو Medju المِجا أسلاف البجا الحاليين"
أما في الجزء الشمالي فيبدو أن بعض المِجا كانوا لا يزالون منتشرين في صعيد مصر بين النيل والبحر الأحمر، وكان بعضهم بدوا يتجولون في الصحراء وبعضهم مستقرا بجوارالنيلً. ويتفق هذا مع ما ورد أيضا في العصور التالية من ان التُرُجلُدايت والبليمين كان لهم وجود واضح حول مناطق الأقصرحتى القرن السادس الميلادي كما سيتضح لاحقاً.
وفيما يلي ملخص لما ورد عن وصف المِجا أخذته من كتاب الجغرافيا لاسترابو (Book xvii p 339 online) ومن دائرة المعارف encyclopedia.org التي أشرنا إليها أعلاه:
"التُرُجلُدايت قبائل متعددة تحت حكم رؤسائهم [ their tyrantsكما ورد في نَص سترابو] ولا يحمل الأطفال أسماء آبائهم لأن الزواج غير ممارس بين عامتهم بل يمارسه رؤساؤهم فقط، فالأطفال مشاعين بينهم، ومن أعتدى على زوجة الرئيس يغرم خروفاً. ويفسر هذا نظام المجتمع الأمومي (maternal) الذي عرف بينهم في الأزمنة اللاحقة. و تزين النساء عيونهن وحواجبهن ويلبسن عقوداً وبعض التمائم في رقابهن. والحرب تنشب بينهم على المراعي، يتقاتلون بالأيدي أولاً ثم بالحجارة وإذا أشتد الصراع استخدمون الخناجر والسهام. وغالباً ما تتدخل النساء لوقف القتال فيفصلن بين المجموعتين المتحاربتين حتى يتوصلوا إلى اتفاق. ويعتمدون على اللحم في طعامهم إلى جانب اللبن, ويذبحون المسنة أو المريضة فقط. ولهم مشروب يعدونه من نبات محلي buckthorn بينما يشرب الرؤساء الماء مخلوطا بالعسل. وهم شبه عراة يلبسون فقط الجلود ويتفصدون ويختتنون. يحمل التُرُجلُدايت العِصِي ذات المقابض الحديدية ويستخدمون الحراب والدرق المصنوع من الجلود ولكن الآخرون يستخدمون السهم والنشاب والحراب. ويحل فصل الشتاء عندما تهب الرياح الممطرة أما باقي السنة فصيف. ويربط بعض التُرُجلُدايت رقبة الميت برجليه، وتتم عملية الدفن بمرح وسرور حيث يرمون الميت بالحجارة حتى تختفي الجثة فيضعون على القبر قرن كبش ويذهبون. ويسافر التُرُجلُدايت بالليل، ويضعون أجراساً في رقاب الثيران لكي تطرد أصواتها الحيوانات المفترسة، كما يستخدمون لذلك النار أيضاً. ويقومون بالحراسة أثناء الليل ويجلسون حول النارحيث يقوم بعضهم بالغناء، ويقتلون المسنين الذين لا يستطيعون التنقل مع أفراد القبيلة "
ويلاحظ أن المصادر الكلاسيكية أوردت بعض الأساطير والخرافات عن بعض القبائل الافريقية مثل كون البليميين بلا رؤوس وأن عيونهم وأفواههم على صدورهم، وأن التُرُجلُدايت يشربون دم الحيوانات المذبوحة وغيرها، وبالطبع فإنني لم أورد مثل تلك الأخبار ولعل فيما ورد بعض المبالغات التي لا تفوت على فطنة القارئ.
وقد ورد في النص أعلاه ما بفهم منه تميز زعماء التُرُجلُدايت عن باقي الأفراد الأمر الذي يشير إلى النظام الطبقى الذي عرف بين البجة في العصور اللاحقة، وبالطبع فإن ما أوردته المصادر عن حياة وعادات التُرُجلُدايت لم يغط كل الجوانب ولكن ما ذكر يشير إلى التميز الواضح بين طبقتي الحكام والمحكومين. ويؤيد هذا التنظيم القبلي ما افترضناه سابقا من أن التُرُجلُدايت طوروا أوضاعهم السياسية بالقدر الذي مكنهم من القيام بمهامهم التجارية وعلاقاتهم الخارجية مثل علاقاتهم مع مملكة البطالمة.
كما يلاحظ أيضا أن النصوص أشارت إلى الثيران والخراف ولم تشر إلى الجمال، ومن المعروف أن الجمل أساسه وسط آسيا، ولم ينتشر استخدامه في افريقيا إلا مع الغزو الفارسي لمصر في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد. وربما بدأ التوسع في استخدامه في مناطق الصحراوية بين نهر النيل والبحر الأحمر مع بداية العصر المسيحي الذي شهد نشاط الأنباط التجاري في الأجزاء الشمالية من هذه المنطقة, وقد توسعت أعمالهم بدرجة كبيرة منذ القرن الثاني الميلادي عندما سقطت دولتهم على أيدي الرومان في سوريا.
فقد هاجرت جماعات من الأنباط إلى صحراء مصر الشرقية وقاموا بدور هام في نقل السلع على إبلهم من سواحل البحر الأحمر إلى النيل. وشجعهم الرومان على القدوم والمشاركة في هذه المهمة، فكانوا يستخدمون الطرق والمحطات الرومانية على طول المنطقة. وفي نفس الوقت زاد الرومان من استخدام الجمال في الصحراء الكبري ليطاردوا بها القبائل الصحراوية التى كانت تهدد حدودهم المطلة علي الصحراء الكبرى. وبدأت القبائل الصحراية منذ ذلك الوقت تتوسع في استخدام الجمل. ولذلك فإن انتشار استخدام الجمل بين قبائل المِجا و التُرُجلُدايت قد بدأ متأخراً ربما في نهاية القرن الثاني الميلادي.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 01:55 PM   رقم المشاركة :[15]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي


النوبة في مملكة مروي
حول أصول سكان السودان -13-
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
.
بقلم: د. أحمد الياس حسين
يرى المؤرخون أن بداية العصر المسيحي شهدت تحركات جديدة من منطقة الصحراء الغربية، ربما أتت من مناطق كردفان ودارفور وانتشرت على طول أراضي مملكة مروي. وقد عرف أولئك المهاجرون في المصادر اليونانية والأكسومية (الحبشية) باسم النوبا. وتناول توروك (تاريخ ما بعد مروي وآركيولوجيته" ترجمة أسامة عبد الرحمن النور. أركاماني العدد السادس 2005 ص2) تلك التحركات واجتياحها واستقرارها على أراضى مملكة مروي، وكيف أدى ذلك إلى إضعاف المملكة وتقلص حدودها إلى مناطق محدودة على نهر النيل شمالى الخرطوم. يقول توروك:
"يمكن تصور أن تكون مجموعات نوباوية بحلول القرنين الأول والثاني الميلاديين قد استقرت في داخل حدود مملكة مروي. ووجود تلك المجموعات قد يكون ولّد عمليات اجتماعية وثقافية قادت بطريقة ما – وهو ما نعرفه في حالات معاصرة أخرى – إلى تفكك مملكة مروي. والنتيجة النهائية يمكن أن تكون مثل حالات مماثلة لا حصر لها في الجزء الغربي للامبراطورية الرومانية استمرارية سياسية قد تم الاحتفاظ بها عن طريق المصاهرة بين الأسرة القديمة وزعماء القبائل الجديدة الوافدة التي استقرت في المملكة."
وهكذا يشبه توروك – وهو باحث مرموق في تاريخ تلك الحقبة – إجتياح قبائل النوبا لمملكة مروي مثل إجتياح القبائل الجرمانية للامبرطورية الرومانية الغربية وكيف أدت في النهاية إلى تفتت الامبراطورية من الداخل. والجزء الآخر الهام فيما أورده توروك أن جماعات النوبة المهاجرين قد أسسوا مملكة علوة التي خلفت مملكة مروي في المناطق الوسطى من حدودها.
ويلاحظ ظهور أسم النوبا في المصادر اليونانية والأكسومية وارتباطه بالمهاجرين الجدد والمستوطبين القدامى.
وقد تتبع الباحثون ما ورد في تلك المصادر عن تحركات أولئك المهاجرين، ودرسوا أصولهم وأماكن استقرارهم وما ترتب عليه من نتائج. وتوصلوا إلى أن أولئك المهاجرين لا يختلفون كثيراًعن سكان المناطق التي استقروا عليها على طول النيل و شرقيه، وذكروا أن لونهم يميل إلى السواد أكثرمن الشعوب التي استقروا بينها. فهم كما يرى ماكمايكل A History of the Arabs in the Sudan. Vol.1, p20 نفس سلالة الشعب الذي هزمهم سيزستريس الثالث في القرن التاسع عشر قبل الميلاد في منطقة وادي حلفا، والذي جعل سمنة التي تقع على بعد 35 ميل شمال منطقة مدينة حلفا حداً فاصلاً يُمنَعون من تخطيه شمالاً. وهم نفس سلالة سكان منطقة الجزيرة الحالية القدماء الذين وجدت بعض آثارهم في منطقة جبل مويا غرب مدينة سنار،
وذكر ماكمايكل (ص 20) أن الدراسات الآثارية والأنثروبولوجية التي قام بها كل من Derry وSeligman وضحت أن سلالة سكان منطقة النيل في الشمال حتى وادي حلفا الذين وجدت صورهم في الآثار المصرية منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد والذين كونوا سكان المنطقة في العصور اللاحقة هم نفس سلالة السكان الذين وجدت آثارهم في جبل موية بمنطقة الجزيرة الحالية في القرن الثاني قبل الميلاد. وبناءً عليه فإن السلالة التي كونت المجتمع السوداني في الشمال ومناطق الجزيرة والبطانة قبل العصر المسيحي هي نفس السلالة التي ظهرت في الآثار المصرية منذ بداية الألف الثالث قبل الميلاد.
وقد درس العالمان Derry وSeligman مخلفات بعض أولئك الشعوب فأظهرت نتائج الدراسات المعملية لأحجامهم وجماجمهم وفكوكهم (جمع فك) أن أولئك السكان القدماء يشبهون بدرجة كبيرة سكان جبال النوبا الحاليين مما يشير إلى صلة القرابة بين السلالتين. فسكان السودان القدماء في الشمال والوسط والغرب هم من نفس السلالة التي تعيش اليوم في جبال النوبا كما قرر ذلك الباحثان.
ومما يزيد هذا الرأي قبولاً الآثار التي وجدت في معبد الملكة حتشبسوت في الدير البحري والتي ترجع إلى نهاية الألف السادس عشر قبل الميلاد. فقد ظهرت أشكال ستة زعماء لقبائل أو لجماعات سودانية من بينهم ال Irm وNimiu يقدمون الذهب إلى الملكة. وقد رأى ماكمايكل أنه من أسماء وأشكال الزعيمين من الممكن أن يكونا Nimiu أسلاف ال Nyima الحاليين في جبال النوبة، وال Irm هم الذين أشارت إليهم المصادر المصرية القديمة في القرن الخامس عشر والقرن الرابع عشر قبل الميلاد بأرض Irm التي تقع في منطقة الإستبس الواقعة غربيي النيل الأبيض والمعروفة اليوم بكردفان حيث لا يزال بعض فروع الميما يعرف ب: Armi.
ويبدو مما جاء في الآثار المصرية أن المناطق الواقعة في السودان الأوسط والغربي كانت مأهولة بالسكان. فالرحلات التي قام بها حرخوف في القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد عبر الصحراء غربي النيل والتي ربما وصلت كما يرى ماكمايكل (ج 1 ص 17) إلى مناطق كردفان ودارفور، والحملات العسكرية التي دخلت شمال السودان منذ مطلع القرن العشرين قبل الميلاد كما يقول محمد ابراهيم بكر(تاريخ السودان القديم ص 45 – 48) تشير إلى عدد كبير من المناطق المأهولة بالسكان. فقد ورد في إحدى حملات سنوسرست الأول نحو منتصف القرن العشرين قبل الميلاد أسماء عشرة مناطق أولها منطقة كوش. وورد في أثر آخر أسماء إثنتين وعشرين منطقة.
وكما ذكرنا فإن المصادراليونانية أطلقت اسم الاثيوبيين بصورة عامة على كل سكان السودان، كما أطلقت اسم النوبا بدرجة أقل شمولاً على السكان. وقد ورد أول ذكر لكلمة النوبا كما يرى المؤرخون عند إراتوستين Eratosthene (276-196ق م) الذي كان أميناً لمكتبة الاسكندرية. وعنه نقل سترابو(63ق م – 24م). وقد تمكن إراتوستين بحكم عمله من الاطلاع علي المؤلفات السابقه له والتي كتبت عن مروي والمناطق الواقعة جنوبي مصر مثل كتابات داليون وسيمونيد الذي يقال انه زار مروي ومكث فيها عدة سنوات. لذلك يمكن اعتبار أن ما كتبه إراتوستين عن الأوضاع في السودان راجعاً إلى ماقبل القرن الثالث قبل الميلاد. وقد صلت إلينا كتاباته عبر ما نقل عنها كما فعل سترابو في كتابه Geography Book xvii p 7 (online)
يقول إراتوستين: "ويسكن النوبا الضفة اليسرى من النيل في ليبيا وهم قبيلة كبيرة تمتد من مروي وحتى انحناءة النيل. وليسوا تحت حكم المرويية (Ethiopians) بل ينقسمون إلى ممالك مستقلة متعددة."
وكتب إراتوستين اسم النوبا هكذا: Noûβoι وهو نفس الرسم عند بطلميوس والذي نقله أجاثارس باللاتينية: Nubei . وجاءت الإشارة إلى جماعات النوبا قبل القرن الثالث الميلادي في المؤلفات المكتوب باللغة الانجليزية كما في ترجمة جغرافية سترابو التي أخذت عن إراتوستين هكذا: Nubae واستخدم بعضها الآخر الرسم اللاتيني Nubei وجاء رسم الكلمة في ترجمة نص عيزانا Noba.
وقد أطلق الكتاب اليونانيون اسم ليبيا على كل المناطق الواقعة غربي نهر النيل حتى المحيط الأطلسي، وفي الواقع فإن ليبيا في مفهومهم كانت تعني افريقيا. وبناءً على ذلك فإن قبائل غربي نهر النيل "النوبا" كانت في القرن الثالث قبل الميلاد منتشرة في المناطق المعروفة حالياً بكردفان ودارفور والصحراء الواقعة جنوب الواحة الخارجة. وقد خرجت هذه القبائل عن طاعة مملكة مروي وكونت وحدات إدارية مستقلة عنها. ولعل خروج تلك القبائل حدث بالتدريج حيث تكاثرت أعدادها ، وربما تمكنوا من وضع يدهم على مسالك التجارة التقليدية بين مصر ومناطق الجنوب عبر الواحة الخارجة والواحات الواقعة جنوبيها. وهذا الطريق هو ما عرف في العصور اللاحقة بدرب الأربعين. وحرمت تلك القبائل دولة مروي من واحد من أهم مواردها التجارية مما ساهم في ضعفها.
وحافظت قبائل النوباعلى مواقعها واستقلالها من مروي في المناطق الواقعة غربي االنيل، فعندما دخل سترابو اسوان عام 24 قبل الميلاد لم يغير ما كتبه إراتوستين عنهم. بل وتأكد ذلك عند الكتاب اللاحقين أيضا مثل بطلميوس في القرن الثاني الميلادي، فقد ذكرآركل A History of the Sudan p 178 عن بطليموس أن النوبا " Nubeiيسكنون الساحل الغربي للنيل والأراضي الداخلية"
ويعتقد آركل أن ارتباط النوبا بغربي النيل يرجح أن موطنهم الأصلي امتد من كردفان جنوباً وحتى مناطق غربي وادي حلفا شمالاً. وكانت كردفان كذلك مرتبطة ارتباطا قوياً بالنيل شمالاً عبر وادي المقدم والملك الذان يجريان من شمال كردفان ويصبان في النيل في منطقتي كورتي والدبة على التوالي. ولم يكن الواديان طرقاً للاتصال فقط بل كانا مأهولين بالسكان الأمر الذي يوضح الصلات السكانية الدائمة بين مروي وكردفان.
ويرجح آركل أن التشابه بين لغة النوبة الحالية في شمال السودان وبين لغات الكثير من سكان شمال كردفان يرجع إلى تلك الصلات. ويرى أن مملكة مروي عندما سقطت في الشمال ظلت قائمة في كردفان ودارفور. واستدل بأن اسم كوش الذي لم يعد مستخدماً في الشمال بعد سقوط مروي ظل حيا بين سكان كردفان ودارفور كما في مناطق جبل ميدوب شمال كرفان والكاجار أو البرقد في وسط دارفور.
ويبدو إنتشار جماعات النوبا الواسع في مملكة مروي واضحاً فيما ورد في لوحة عيزانا ملك آكسوم (الحبشة) التي دون فيها انتصاراته على دولة مروي. وفيما يلي ترجمة لنص عيزانا من كتاب آركل الذي نقله عن كيروان Arkell, A History of the Sudan p 122; L. P. Kerwan, “ A Survey on Nubian Origin" S.N.R. xx 1937 p 47-62. وسأكتب بعض الأسماء بالانجليزية كما جاءت في ترجمة النص للمحافظة على طريقة نطقها بما في ذلك كلمة النوبا، وما كُتِب خلال النص بين قوسين [ ] ليس جزءاً منه بل شرح للكلمة المكتوبة قبل القوسين.
نقش عيزانا:
"أنا ملك الملوك عيزانا ابن ‘Ella و ‘Amida مواطن Halen ملك آكسوم وحمير وريدان وSaha وSalhen وSeyamo و البجة وKasu [كوش]. حاربت النوبا [Noba] لأنهم ثاروا وتباهوا بذلك، وقالوا إن الأكسوميين لن يعبروا نهر تكازى [نهر عطبرة]، ولأنهم كرروا الهجوم علىMangurto والخاسا والباري [منطقةكسلا الحالية] وعلى السود [قصد بهم سكان جزيرة مروي الوسطى] والحمر [قصد بهم سكان شمال مروي]. لقد حنث النوبا عن قسمهم مرتين وثلاث، وقتلوا جيرانهم بدون رحمة ، وهاجموا المبعوثين الذين أرسلتهم للتحقيق معهم بخصوص غاراتهم وسرقوهم وجردوهم من ممتلكاتهم. وقد حذرتهم لكنهم رفضوا الانصياع وتَرْك أعمالهم الشريرة وتهيأوا للحرب. فحاربتهم علي نهر تكازى عند مخاضة Kemalke فلم يصمدوا وفروا، وطاردتهم 23 يوما قتلت بعضهم وأسرت البعض الآخر، وأحرقت مدنهم المشيدة بالقصب والمشيدة بالطوب، وأخذت طعامهم ونحاسهم وحديدهم، وحطمت التماثيل في معابدهم وخربت مخازنهم وقُطْنهم وألقيت بكل ذلك في Seda[النيل]. ثم أتيت إلى Kasu وخضت معركة وأخذت أسرى عند إلتقاء نهري تكازى وسيدا. وفي اليوم التالي أرسلت جيش Damawa وPalha وSera للإغارة على القطر والمدن المشيدة بالطوب والقصب، المدن المشيدة بالطوب هي مدن علوة وDaro [ربما الكدرو الحالية]. ثم بعد ذلك أرسلت جيش Halen و Lakenفي مجرى سيدا الأدنى لمحاربة المدن الأربعة المشيدة بالقصب... والمدن المشيدة الطوب والتي أخذها النوبا هي Tabito وFertoti. ووصل جيشي إلي حدود النوبا الحمر وهزموهم بعون الإله ورجعوا بسلام، وعينت حاكما على ذلك القطر عند ملتقى نهر سيدا وتكازى."
يوضح النص أن كل حروب عيذانا كانت موجهة ضد النوبا. وقد سبقت هذه الحرب إتصالات ومراسلات تعدى فيها النوبا على رسل عيزانا وحنثوا عن أيمانهم وتمادوا واستعدوا للحرب كما وضّح النص. خاض عيزان حروبه ضد النوبا على نهر عطبرة وعلى المناطق النيلية شمال وجنوب نهر عطبرة. كما حارب النوبا في منطقة البطانة والجزيرة وعلوة وجنوبيها وشماليها. وهو في ذلك كله يخاطب النوبا سواء أشار إلى الوافدون الجدد أو إلى السكان المحليين.
فالنوبا في نقش عيزانا هم الثوار الذين هددوا آكسوم علي حدودها الغربية بغاراتهم المتكررة على سكان مناطق القاش ونهر عطبرة. والنوبا هم سكان جزيرة مروي الذين وصفهم عيزانا بالنوبا السود. فالنوبا هم كل سكان منطقة الجزيرة ما بين النيل الأبيض والأزرق ومنطقة البطانة بين النيل الأزرق ونهر عطبرة. والنوبا أيضا في النقش هم سكان الشمال الذين وصفهم عيزانا بالنوبا الحمر، فهم سكان نهر النيل شمالي نهر عطبرة وحتى حدود السودان الشمالية.
النوبا في نقش عيزانا هم: أصحاب المدن المشيدة بالطوب والمشيدة بالقصب، "وأحرقت مدنهم المشيدة بالقصب والمشيدة بالطوب"، وهم أصحاب المزارع والنحاس والحديد والمعابد والتماثيل، "وأخذت طعامهم ونحاسهم وحديدهم، وحطمت التماثيل في معابدهم وخربت مخازنهم وقطنهم". وبناءً على ذلك وكما ورد في المصادر القديمة ف"النوبا" هو الإسم الذي أطلق على سكان الوسط والشمال، و هو الهوية التي عرف بها جميع أولئك السكان.
ويبدو مفهوم واطلاق اسم النوبا على كل السكان واضحا أيضا حتى بعد سقوط مملكة اكسوم بزمن طويل. فقد جاء في كتابات الرحالة الأوربيين الذين زاروا الحبشة في القرن الخامس عشر الميلادي كما ورد عند (Crawford, (ed.) Ethiopian Itineraries circa 1400 – 152 p 104, 111) أن Nubi هي بلاد المملكتين المسيحيتين اللتين قضى عليهما الفونج. وأن حدود مملكة علوة الجنوبية تمتد حتى ِAgaua جنوبي بحيرة تانا و Dembian شماليها، وأن في اقليم النوبا خمسة أنهر تأتي من الجنوب والجنوب الشرقي والجنوب الغربي قصد بها نهر عطبرة والنيل الأزرق وفرعيه والنيل الأبيض.
وهكذا يتضح أن شعب النوبا الذين هاجر من المناطق الصحراوية الغربية واستقر في أراضي مملكة مروي في القرون السابقة لإنهيارها في القرن الرابع الميلادي لم يكن مختلفاً عن الشعوب التي استقر بينها، فكلا المجموعتين المهاجرة حديثاً والمستقرة من قبل يرجعان إلي نفس السلالة التي عرفت بأسماء كثيرة الكوشيين والاثيوبيين والنوبا.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:01 PM   رقم المشاركة :[16]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

تحرك النوبة من صحراء الواحة الخارجة
حول أصول سكان السودان 14
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية

.
بقلم : د أحمد الياس حسين

.
وهنالك تحرك سكاني، آخرمن الصحراء الغربية نحو النيل جنوبي اسوان، حدث هذا التحرك بتشجيع من الرومان الذين خاضوا صراعات دائمة على حدودهم الجنوبية مع القبائل الصحراوية المشهورة باسم البربر. واستقدم الرومان الجمل إلى الصحراء الكبرى لمطاردة تلك القبائل، غير أن قبائل الصحراء أخذت عنهم استخدام الجمل الذي بدأ يحل محل الحصان في الصحراء التي كانت حتى ذلك الوقت صالحة لاستخدامه كما توضح رسومات الخيل الواسعة الانتشار في الصحراء. وأصبح الجمل وسيلة المواصلات الأولى في الصحراء، واستخدمته القبائل للهجوم على الرومان.
وكان الرومان في مصر في القرن الثالث الميلادي إلى جانب مواجهتهم خطر القبائل الصحراوية على حدودهم الجنوبية في مناطق الواحات المصرية، كذلك كانوا يواجهون خطر البليميين (البجة)على حدودهم جنوبي اسوان حيث قام الرومان بتوجيه عدة حملات ضدهم. وللحد من خطر البليميين فكر الرومان في الاستعانة باحدى القبائل الصحرواية المجاورة والتي كانت تهدد حدودهم في مناطق الواحات، فقدموا لها عرضا سخيا وهو السماح لهم بالاستقرار على النيل في منطقة الحدود الرومانية في جنوب مصر لكي يكونوا حاجزا بينهم وبين البليميين من جانب ويتخلصون من شر غاراتهم بعد الاستقرار على النيل من جانب آخر، فيضربون عصفورين بحجر واحد.
وبالطبع وافقت القبيلة الصحراوية بهذا العرض. وذكر المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس (توفى حول 565م) كما ورد عند كل ماكمايكل (ج 1 ص 24) وآركل (ص 178) أن الاتفاق تم بين الرومان وقبيلة النوباتي «No?(ta?» في عام 297م للقدوم من الواحة الخارجة والاستقرار على النيل جنوبي أسوانبينهم وبين البليميين وقد كُتِب اسم تلك القبيلة الصحراوية في الترجمات الانجليزية Nobatae وكُتب بالعربية النوباتيين أو النوباطيين.
وقد اتفق المؤرخون أن النوباتيين أتوا من الصحراء الغربية سواء من منطقة الواحة الخارجة المقابلة لصعيد مصر شمال غربي مدينة أسوان، أو من المناطق الصحراوية الواقعة جنوبيها. ويرى بدج كما ذكر ماكمايكل (ج 1 ص 25) أن النوباتي قبيلة بدوية قوية، كان موطنها الأصلي في القرن الثالث الميلادي كردفان ودارفور، وعندما استدعاهم الرومان كانوا قد انتشروا شمالاً حتى الواحة الخارجة. فهم بذلك نفس سلالة النوبا الذين رأينا وجودهم في منطقة كردفان ودارفور قبل القرن الثالث قبل الميلاد، ويحملون نفس الاسم تقريباً. وهم نفس سلالة النوبا الذين انتشروا في مملكة مروي كما في نقش عيزانا.
ويبدو انتشار قبيلة النوباتيين على طول المنطقة ما بين كردفان ودارفور والواحة الخارجة مقبولا، أولاً لأن اسم النوباتي أو النوبا هو اسم عام يضم سكان المنطقة كلها فيصدق على القبائل في دارفور أو كردفان أو المناطق الشمالية حتى الواحة الخارجة. وثانياً كانت تلك المناطق في ذلك الوقت لا تزال تتمتع بقدر معقول من المطر والمياه الجوفية والسطحية مما وفر وسائل الحياة والتجول. وثالثاً لا تزال صلات سكان النيل حتى العصر الحديث قوية بالمناطق الغربية ويتضح ذلك في تراث بعض القبائل في المنطقة والذي ربط تحركاتهم من النيل مثل تراث قبائل القرعان والتبو والتنجر.
و يبدو أن العلاقات تحسنت بين النوباتيين والبليميين بعكس ما خطط له الرومان الذين استقدموهم لمساعدتتهم ضد البليميين. فقد ورد في بردية ترجع إلي الربع الثاني من القرن الخامس الميلادي كما ذكر مسعد (الاسلام والنوبة ص 13) أن أسقف فيلة وجه نداءاً للامبراطورالبيزنطي لحماية كنائسة من غارات البليميين والنوباتيين.
وفي بداية النصف الثاني من القرن الخامس ذكرت المراجع أن القائد الروماني ماكسمينيوس ألحق بالبليميين والنوباتيين هزائم متكررة. وانسحب البليميون إلى جنوبي أسوان حيث مركزهم في كلابشة، بينما انسحب النوباتيين جنوبيهم إلى ابريم. ووقعوا معاهدة صلح لمدة مائة عام لم تلكن كل شروطها في مصلحة الرومان.
وقد ظل اتحاد البليميين والنوباتيين قويا ضد الرومان حتى أن الرومان اضطروا لدفع مبالغ سنوية محددة ثمناً للسلم معهم. ويبدو أن قوة النوباتيين قد نمت في المنطقة إلى جانب البليميين، ووضحت أن إحدى الوثائق اليونانية الراجعة إلى عامي (535-537 م) أن البليميين والنوباتيين كانوا لايزالوانحلفاء. كما ذكر بروكوبيوس نحو نهاية النصف الأول من القرن السادس الميلادي أن البليميين و النوباتييين لازالوا وثنيين. غير أن نشاط البعثات التبشيرية وصلات البيزنطيين بالنوباتيين قد حول موقفهم المعادي للوثنية واعتنقوا المسيحية، وتمكنوا بقيادة زعيمهم سلكو من تأسيس مملكة على حدود مصر الجنوبية عرفت باسم مملكة نوباتيا منذ عام 530م. بينما واصل البليميون سياستهم المعادية للمسيحية. وكان ذلك إيذاناً بنهاية الود والتحالف بين البليميين والنوباتيين وبداية الصراع بينهما.
وبعد اعتناق النوباتيين المسيحية تحسنت العلاقات بينهم وبين البيزنطيين، وتمكن البيزنطيون من الحصول على تعاونهم ضد البليميين الذين لم يعتنقوا المسيحية حتى ذلك الوقت، وكانوا دائمي الاعتداء علي صعيد مصر. وتمكن سلكو بالتعاون مع أسقف مدينة فيلة جنوبي أسوان والبيزنطيين من تحقيق انتصارات متعددة على منافسيه في المنطقة بما فيهم البليميين ووحد كل المنطقة تحت حكمه.
سجل سلكو تلك الانتصارات في نقش باللغة اليونانية في معبد كلابشة نور هنا من كتاب (مسعد، الاسلام والنوبة الملحق الأول ص 241-143) بعضاً مما جاء فيه:
«أنا سلكو رئيس النوباتيين وجميع الاثيوبيين ... وحاربت البليميين ... ثم هاجمتهم للمرة الخامسة حتى توسلوا إليّ ثم عدت إلى الجزء الأعلى من مملكتي [جنوبحلفا]، ولما تمت لي السيادة عليه لم أشأ أن أكون في مؤخرة ملوكه، بل أصبحت في مقدمتهم ...أما عن أولئك الذين نازعوني الزعامة فإنني لم أسمح لهم بأن يعيشوا في بلدهم إلا إذا التمسوا مني المغفرة ...أما رؤساء الشعوب الذين نازعوني الرئاسة فإنني لم أدعهم يعيشون في الظل بل في الشمس ... ومن قاومني منهم قضيت على أولاده ونسائه»
ومن الواضح في النص أن سلكو خاض معارك متعددة لتوحيد المنطقة تحت حكمه، ونجح في تحقيق ذلك مكونا في منتصف القرن السادس الميلادي أول مملكة مسيحية «مملكة نوباتيا» التي امتدت من جنوب وادي حلفا حتى منطقة أسوان شمالاً واتخذت فرس عاصمة لها.
وضح نقش سلكو أن حروبه كانت في المناطق الواقعة من جنوبى أسوان حتى جنوب وادي حلفا. وإلى جانب هؤلاء الملوك في الجنوب خاطب سلكو أيضا: «أولئك الذين نازعوني الزعامة» و» رؤساء الشعوب الذين نازعوني الرئاسة» ويبدو أن المنطقة الواقعة بين الشلالين الأول والثالث ? والتي أصبحت تحت حكم سلكو-كانت مأهولة بالسكان ومتعددة الزعامات، وكان البليميون في الجزء الشمالي من المنطقة. يبدو أن النوباتيين أنفسهم كانوا تحت زعامات متعددة سيطر عليها سلكو. وإلى جانب النوباتيين والبليميين كانت هنالك جماعات أو قبائل أخرى هزمها سلكو وهي التي اندرجت تحت اسم الاثيوبيين.
ويلاحظ أن سلكو لقب نفسه بملك «جميع الأثيوبيين.» والاثيوبيون هو الاسم الذي أطلقه اليونانيون ? ومن جاء بعدهم ? على كل السكان جنوبي أسوان. و يبدو أن سلكو أشار إلى النوباتيين إشارة مستقلة باعتبارهم الطبقة الحاكمة التي تمثل المجموعة الجديدة التي استقرت في بلاد الاثيوبيين، ولا يعني أنهم عنصر أوجنس يختلف عن سكان المنطقة.
وقد ارتبط النوباتيين بثقافة بلانة التي تطورت إبان ضعف وانهيار مملكة مروي، وقد أطلق المؤرخون على هذة القافة «المجموعة المجهولة» (x-group) ولم يقبل وليم آدمز هذا الاسم وفضل أن تنسب إلي إسم المكان الذي يحتوي على أكثر آثارها فأطلق عليها ثقافة بلانة، وهذا ما سنتبعه هنا.
عثر على آثار ثفافة بلانة في مناطق متعددة بين أسوان شمالاً ومروي الحالية جنوباً، ويرى آركل أن المقابر الكثيرة المنتشرة في المنطقة الواقعة غربي الخرطوم ربما ترجع إلى ثقافة مشابهة لها. تعود ثقافة بلانة إلى الفترة الواقعة بين القرنين الثالث والسادس الميلاديين، وقد اتفق الباحثون (انظر Arkell, History of theSudan p 181 ) على أن مكوني هذه الثقافة يتميزون بوضوح أثر العناصر السوداء أكثر من العناصر السابقة لهم وبوضوح الثقافة المروية على مخلفاتها. وقد رأى فرث Firth الذي فحص محتويات القبور في العقد الأول من القرن العشرين أن مؤسسو هذه الثقافة هم النوباتيون الذين استقدمهم الأمبرطور الروماني دقلديانوس عام 297 ليستقروا على النيل جنوبي اسوان. وتبعه في هذا الرأي آركل وسارعليه كثير من المؤرخين مثل محمد ابراهيم بكر ومصطفى مسعد. (انظر مصطفى مسعد، الاسلام والنوبة ص 19.)
وأبعد آركل (ص 181) ومن تبعه أي أثر للبليميين في هذه الآثار لأنهم ? كما يرون ? رعاة متجولون في الصحراء الشرقية، ولم يسيطروا على تلك المناطق لفترات طويلة، وإنتاج مثل تلك الثقافة يتطلب استيطانا طويل المدى. ويبدو أن آركل الذي كتب في منتصف القرن العشرين ومن وافق رأيه لم تتح له فرصة الاضطلاع على الوثائق التي نشرتها جامعة بيرجن والتي أشرنا إليها في مقالنا رقم 1 عن «حول أصول سكان السودان» والتي توفرت عن البليميين في النصف الأخير من القرن العشرين.
فقد وضحت تلك المصادر أن البليميين بدأوا الاستقرار في مناطق جنوبي أسوان منذ القرن السابع قبل الميلاد، وبدأت أعدادهم تزداد في المنطقة حتى أصبحوا منذ بداية العصر المسيحي القوه المسيطرة على المنطقة حتي القرن السادس الميلادي كما وضحنا أعلاه. ويعنى هذا ارتباط البليميين بمنطقة ثقافة بلانة يبلغ نحو 1200 سنة. فكيف يكون وجودهم في المنطقة كما عبر مسعد وجوداً مؤقتاً؟
ولم يستخدم آركل المصادر المبكرة مثل كتب بلايني وسترابو وأولبميودورس وغيرهم والذين ظهر البليميون في كتابانهم مستقرين في المنطقة منذ القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي أي نحو 900 سنة. ويكفي ما ذكره أولبميودورس الذي زار البليميين في كلابشة في أول القرن الخامس الميلادي من أنهم سادة المنطقة وأن المدن الرئيسة ما بين اسوان وحلفا تحت سيادتهم.
الأدلة كلها تشير إلى أنه من غير المقبول بل ومن المستحيل إبعاد البليميين من ثقافة بلانة وهم الذين قدموا تاج بلانة كما ذكر ونتر (كلايدي ونتر، بينة مروية عن الامبراطورية البليمية في الدوديكاسخيونس، ترجمة اسامة عبد الرحمان النور. مجلة الآثار السودانية، العدد 5 مارس 2004 (online) هدية للأمبراطورقسطنطين عنما كانوا في سفارة مشتركة مع المرويين عام 336 م. ولذلك رأى كثير من الباحثين أن المقابر الملكية التي تم كشفها في المنطقة هي مقابر ملوك بليميين . وأري أن تفسير وليام آدمز لظهور هذه الثقافة ومؤسسيها يمثل الرأي المنطقي المقبول.
ماذا حدث للبليميين ولمملكتهم بعد هزيمة سلكو؟ يرى بعض الؤرخين مثل آركل (ص 184) ومسعد (الاسلام والنوبة ص 18، 142) الذي نقل عن كيروان و دي فلارد أن تلك الهزيمة أدت إلى نتيجتين: الأولى نهاية المملكة والثانية طرد البليميين نهائياّ من على النيل.
ويبدو واضحاً أنه لم يرد في نص نقش سلكو أنه طردهم من على النيل. فالنص يشير إلى أن سلكو هزمهم أكثر من مرة واحتل مدنهم وعقد معهم «سلاما»، وفي ترجمة مسعد عقد معهم «صلحاً ووثقت من إيمانهم هذه لأنهم رجال شرفاء.» وقد علق مسعد في الحاشية على أن ما ورد في النقش «لا يشير صراحةً إلى طردهم من المنطقة.»
وفي واقع الأمر فإن النص لايشير صراحة ولا ضمناً إلى طردهم. وقد علق بوري (Bury, History of the Late Roman Empire p 330) على هزمة البليميين قائلاً «إن تنصير البليميين ساعد الامبراطور جستنيان على إنهاء كل مظاهر الوثنية.» ولم يقل إنه طرد البليميين بل ذكر تنصيرهم.
غير أن أخبار البليميين انقطعت من المصادر حتى دخول المسلمين مصر حيث بدأت تظهر بعض أخبارهم في المؤلفات العربية. لكن هنالك بعض الأخبار التي وردت عنهم في وثائق الجبلين والنصوص التي جمعها بَرنارد والتي ارتبطت بإقليم طيبة بصعيد مصر وأرخ لها بالقرن السادس الميلادي
ونخلص إلى أن المجموعات النوباوية المهاجرة التي اجتاحت مملكة مروي والتي أدت إلى انهيارها قد استقرت على أراضيها واختلطت بالسكان الذين كانوا يعرفون في المصادر اليونانية والرومانية بالاثيوبيين والمرويين مكونة سكان تلك المناطق قبل العصر المسيحي. وفي نفس الوقت استقرت مجموعة النوباتيين الذين هم نفس سلالة النوبا في مناطق وادي حلفا واختلطوا بالسكان البليميين وغيرهم من السكان الذين عرفوا في المصادر اليونانية والرومانية بالاثيوبيين والمرويين.
ومن الجدير بالملاحظة أن المؤلفات الغربية الحديثة التي كتبت عن علاقة الرومان في مصر بدولة مروي ? مثل كتاب John Wacher ed., The Roman World تناولت كل سكان المنطقة جنوبي مصر تحت اسم النوبا قبل القرن الثالث الميلادي أي قبل دخول النوباتيين. وجعلت نباتا عاصمة النوبا. فاستخدام النوبا في تلك المراجع أتى مرادفا لكلمة المرويين والاثيوبيين الذين تشير إليهم تلك المرجع.
كلية التربية جامعة الخرطوم
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:06 PM   رقم المشاركة :[17]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي


من هم النوبة في اتفاقية عمرو بن العاص مع أهل مصر (1) حول أصول سكان السودان 15

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية



د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة الخرطوم
.

كانت مصرعندما دخلها المسلمون تحت حكم البيزنطيين، وكانت الأمبراطورية البيزنطية امتداداً للامبراطورية الرومانية. فالرومان عندما تعرضت امبراطوريتهم لغزو القبائل الجرمانية وعجزت عن الدفاع عن أراضيها أنشأت عاصمة جديدة في شرق الأمبراطورية لتكون بعيدة وفي مأمن من هجوم تلك القبائل. وأختاروا موقعاً حصيناً في مكان استانبول الحالية. وكان هذا الموقع يدعى بيزنطة، فأسسوا عليه عاصمتهم وأطلقوا عليها اسم القسطنطينية. وأشتد هجوم القبائل الجرمانية واستولوا على أراضي الأمبراطورية الرومانية في وسط وغرب أوربا.
وفي النهاية سيطرت القبائل الجرمانية على روما وأنهوا بذلك الأمبراطورية في الغرب، غير أن الأمبراطورية ظلت حية في الشرق من عاصمتها القسطنطينية وسيطرت على ما تبقى من أراضي الامبراطورية في شرق أوربا وجنوب وشرق البحر المتوسط بما في ذلك مصر. وعرفت الدولة باسم الامبراطورية الرومانية الشرقية، غير أن الاسم القديم للمكان الذي قامت عليه وهو بيزنطة اشتهر وأصبح علماً للامبراطورية فعرفت بالامبراطورية البيزنطية، كما عرفت عند المسلمين بامبرطورية الروم أو دولة الروم وهو الاسم الذي ورد في القرآن الكريم في سورة الروم. ويشبه هذا ما حدث لعاصمة العباسيين التي أنشأها الخليفة أبو حعفر المنصور في منتصف القرن الثاني الهجري وأطلق عليها مدينة السلام، غير أن هذا الاسم لم يشتهر وعرفت ببغداد وهو اسم المكان القديم الذي انشأت عليه العاصمة.
وقد تعرضت مصر عبر تاريخها القديم لسلسلة من الغزوات والهجرات كان آخرها هجرات اليونانيين فدخلت تحت حكم الاسكندر الأكبر في آخر القرن الثالث قبل الميلاد واتصل ذلك بحكم البطالمة ثمالرومان وأخيرا البيزنطيين. وتعرضت مصر خلال هذه الفترة السابقة للفتح الاسلامي - والتي تقدر بنحو ألف سنة - لمجموعات كبيرة من المهاجرين اليونانيين والرومان.
ولذلك فقد خاطب العرب عند دخولهم مصر في معاهدة عمرو بن العاص ثلاث فئات من السكان. وهم أهل مصر والنوبة والروم. والأمر الذي يثير الانتباه في تلك الاتفاقية هو تردد ذكر النوبة بصورة منفصلة ومتميزة عن أهل مصر مما يثير افتراض وجود النوبة بثقل واضح ومتميز كمّاً وكيفاً عن أهل مصر. وفيما يلى نص الاتفاق نقلاً عن ابن كثير (البداية والنهاية موقع الروراق ج7 ص 7 www.warraq.com) وقد قسمنا النص إلى فقرات لكي يسهل تتبعه:
بسم الله الرحمن الرحيم
1. هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الامان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليهم شئ من ذلك ولا ينتقص
2. ولا يساكنهم النوبة
3. وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف، وعليهم ما حق لصونهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة. وإن نقص نهرهم من غايته رفع عنهم بقدر ذلك
4. ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة، فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم
5. ومن أبى [من النوبة والروم] واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا
6. عليهم ما عليهم أثلاثاً، في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم. على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين
7. وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا
8. على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة
9. شهد الزبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر"
جاء نص الاتفاق هذا في كثير من المصادر العربية مثل كتاب البداية والنهاية لابن كثير - الذي أُخذ منه هذا النص – وكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير وكتاب صبح الأعشى للقلقشندي وكتاب النجوم الزاهرة لابن تغري بردي. وورد اختلاف طفيف عند الطبري وابن خلدون الذي وضح أنه نقل عن الطبري، فقد جاءت الكلمة "النوب" مرتين في نص الطبري بدلاً من النوبة (في الفقرتين 2 و4 أعلاه) ووردت في المرة الثالثة "النوبة" (فقرة رقم 7 أعلاه)، فجاء هذا الجزء من النص عند الطبري كالآتي: "لا يساكنهم النوب... ومن دخل في صلحهم من الروم والنوب ... وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا"
وجاءت الاشارة في الاتفاق إلى ثلاث مجموعات هم: 1. أهل مصر و2. النوبة و3. الروم. ووضحت المصادر العربية أن أهل مصر في نص الاتفاق يراد بهم الأقباط، وكلمة "الروم" في النص تشير إلى الرومان والبيزنطيين سواء كانوا جنوداً أو مَن استقر منهم في مصر. والسؤال هنا هو من هم النوبة الذين وردت الاشارة إليهم في الاتفاق؟
ويبدوا واضحاً أن كلمة "النوب" فى نصي الطبري وابن خلدون المراد بها النوبة، وذلك لأن الاشارة أتت إليهم باسم النوبة عند كليهما في نهاية النص. ولم تختلف المصادر العربية في أن المعنيين بالنوب في النص هم النوبة وأن لم توضح تلك المصادر من هم أولئك النوبة.
وقد أتت كلمة "نوب" في المصادر العربية في أكثر من مكان مرادفة لكلمة النوبة. فقد ذكر ياقوت الحموي (معجم البلدان في مسعد، المكتبة العربية السودانية ص 165 ) الذي حاول أن يجد للكلمة أصلاً في اللغة العربية فذكر أن:
"نوبة بضم أوله وسكون ثانيه وياء موحدة، والنوب جماعة النحل ترعى ثم تنوب إلى موضعها. فشبّه ذلك بنوبة الناس والرجوع لوقْت مرة بعد مرة. وقيل النوب جمع نائب من النحل والقطعة من النحل تسمى نوبة، شبهوها بالنوبة من السودان، وهو في عدة مواضع."
وجاء في لسان العرب (ج 6 ص 315): "قال أبو حنيفة: ومريس أدنى بلاد النوب التي تلي أرض أسوان" كما ورد في تاج العروس: (ج 1 ص 949 و 990 و991) "قالوا أسود لوبيّ ونوبيّ منسوب إلي اللوبة والنوبة وهما للحرة. قال شيخنا: وقيل هو نسبة إلى اللوب لغة في النوب الذي هو جيل من السودان ... النوبُ والنوبةُ بالضم جيل من السودان، الواحد نوبي ... النوبَ والنوبة جيل من السودان، والمصنف هنا فرق بينهما فجعل النوب جيلاً والنوبة بلاداً."
ويوضح هذا أن "النوبَ" بفتح الباء وبدون تاء في آخر الكلمة كما ضبطها الزبيدي أعلاه هم النوبة، وهذا يَرُدّ بوضوح على وقع فيه لين بول من لبس إذ اعتقد أن "النوب" في نص الاتفاق يراد بهم الجنود الرومان. وقد ناقش بتلر (A. J. Butler, The Treaty of Misr in Tabari. p 39 – 43) ذلك باستفاضة وبين خطأ لين بول الذي رأى أن "نوب" في النص تشير إلى الجنود الرومان. وتوصل بتلر مستنداً إلى أدلة تاريخية أن "النوب" في النص يراد بهم النوبة. لكنه لم يتعرض لما ورد في المصادر العربية من ترادف كلمتي النوب والنوبة.
وفي مكان آخر ذكر الطبري (تاريخ الرسل والملوك، في مسعد ص 35) : " لما نزل عمرو على القوم بعين شمس؛ وكان المسلك بين القبط والنّوب، ونزل معه الزبير عليها، وقال أهل مصر لملكهم ما تريدون من قوم فلّوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم؟ صالح القوم ولا تعرض لهم ولا تعرضنا لهم"
وقد وضح الطبري وغيره من المؤرخين المسلمين المبكرين أن المفاوضات بين المسلمين والبيزنطيين كانت تدور بواسطة رجال الكنيسة القبطية. فالأقباط كانوا أقرب للمسلمين من البيزنطيين. وبناءًعلى ما ذكره الطبري في النص الأخير (المسلك بين القبط والنّوب) فهل شارك النوبة الأقباط في التفاوض مع المسلمين لاقناع البيزنطيين بالاستسلام؟
وقد حدث أيضاً خلط في هذا النص "المسلك كان بين القبط والنّوب" أدى إلى عدم التمكن من فهمه فهماً صحيحاً. ففي بعض نسخ كتاب الطبري المطبوع (ج 2 ص 263) أتى النص كالآتي: "لما نزل عمرو على القوم بعين شمس؛ وكان الملك بين القبط والنّوب" ويبدو أن حرف السين في كلمة "المسلك" قد سقطت في هذا النص وأصبحت الكلمة "الملك" بدلاً من المسلك. ويبدو أن هذه هي النسخة المترجمة التي رجع إليها لين بول وبتلر. وحاول بتلر أن يوضح قوة النوبة وإمكانية أن تكون لهم سلطة مع الروم.
وتتبادر إلى الذهن هنا بعض الأسئلة حول ما ورد عن النوبة في إتفاق المسلمين مع أهل مصر وحول ما ورد عن مشاركتهم في مفاوضات الصلح مثل:
- هل شارك النوبة أو البجة البيزنطيين في حروبهم للمسلين؟
- كيف كان حجم التواجد النوبي الكمي والكيفي في مصر حتى يخاطبوا في المعاهدة أكثر مما خوطب به الروم حكام
مصر؟
- هل شار النوبة في مفاوضات الصلح؟ ولماذا؟
- وإلى أين كان خروج النوبة الذين خرجوا وفقاً للاتفاق في البند رقم 5.
- وأين كان النوبة الذين دخلوا في صلح مع المسلمين؟
فكيف خاطبت معاهدة أهل مصر النوبة في ذلك الوقت المبكر وقبل بداية الحروب بين المسلمبن ومملكة نوباتيا؟ هل تدخل النوبة أو تدخلت مملكة نوباتيا في الصراع بين المسلمين والبيزنطيين في مصر؟ ولمحاولة فهم ذلك الوضع هنالك جانبان هامان في هذا الصدد بحاجة إلى المزيد من البحث والتقصي:
- الجانب الأول يتعلق بعلاقات النوبة بالبيزنطيين في مصر قبيل الفتح الاسلامي
- الجانب الثاني يتعلق بالفتوحات الاسلامية في الصعيد الأعلى من مصر
علاقة النوبة بالبيزنطيين
من المعروف أن النوباتيين أقاموا مملكتهم على حدود مصر الجنوبية، فهل كان لهم وجود على أراضي مصر شمالي اسوان؟ ومن المعروف أيضاً أن النوباتيين اعتنقوا المسيحية وفقاً لتعاليم الكنيسة المصرية التي لم تكن على وفاق مع كنيسة القسطنطينية التي يؤيدها الأباطرة. ونشبت خلافات وصراعات حادة بين الكنيستين أدي إلى ممارسة الادارة البيزنطية العنف ضد قادة الكنيسة المصرية القبطبة مما أدى إلى وقوف الأقباط إلى جانب المسلمين عند فتح مصر.
هل انعكس ذلك الصراع على علاقات النوباتيين التابعين للكنيسة القبطية ضد البيزنطيين قبل دخول المسلمين مصر؟ ذكر بتلر استناداً إلى مصادره أن البيزنطيين أرسلوا عام 580 م – أي قبل نحو ستين سنة من دخول المسلمين مصر – حملة ضد النوبين كما ذكر أنه كان هنالك جنود نوباتيين أو جنود من النوبة في الجيش البيزنطي .
وكان اقليم الصعيد في العصر الروماني كما يقول بتلر متميزاً عن منطقة شمالي مصر. فقد كانت مصر الرومانية مقسمة إلى ثلاث مديريات (Provinces) المديرية الأولى: مصر وتمتد من البحر المتوسط جنوباً حتي منطقة الأقصر الحالية، والمديرية الثانية: ليبيا وتقع إلى الغرب من مصر على البحر المتوسط، والمديرية الثالثة: طيبة اي منطقة الاقصر الحالية وتمتد جنوباً حتى اسوان. فهل كان للنوبة استقرار في هذه المنطقة؟
ويرى بعض الباحثين أن كلمة البقط التي أطلقت على الاتفاقيات بين المسلمين ومملكة مقرة ترجع إلي أصل لتيني يوناني الأصل pactum استخدمها البيزنطييون بمعني إلتزام أو ميثاق مشترك وما يرتبط به من عمليات دفع بين طرفين كما عند يوسف فضل (The Arabs and the Sudan p 24) أو بمعني إتفاق تجاري بين قوتين أو دولتين تتمتعان بالاستقلال الكامل كما عند كراوفورد (Crawford, The Fung kingdom off Sinnar p 23).
وارتباط كلمة pactum البيزنطية بعلاقات المسلمين ومملكة مقرة تثير التساؤل عن طبيعة العلاقات بين البيزنطيين والنباتيين، وهل كانت هنالك اتفاقيات تجارية أو التزامات أو مواثيق مشتركة بين الجانبين؟ خاصة إذا وضعنا في اعتبارنا أن البيزنطيين كما أوردت المصادر (انظر ابراهيم خميس ابراهيم، دراسات في تاريخ مصر البيزنطية اسكندرية: دار المعرفة الجامعية 1996 ص10) كانوا قد لجأوا إلي ما يعرف بنظام المحالفة أو المعاهدة مع الشعوب التي تعيش على أطراف حدودهم، فقد ارتبط هؤلاء المحالفين بمعاهدة تحالف مع البيزنطيين تعهدوا فيها بحماية حدود الامبراطورية في مقابل اعفائهم من الضرائب أو الاتاوات وتطور الأمر إلى أن أصبح هؤلاء المحالفين يحصلون على أموال مقابل تلك الخدمات.
ومن المعروف أن البليميين (البجة) كانوا مستقرين في إقليم طيبة في العصر البيزنطي، بل وكانوا حكاماً لبعض المناطق. فقد ذكر مصطفى مسعد (الاسلام والنوبة في العصور الوسطى ص 251 – 252) ثلاث وثائق مكتوبة باللغة اليونانية تؤكد ذلك نورد ترجمة واحدة منها:-
"أنا شاراشن ملك البليميين، أكتب إلى أولادى شاراشن وشاراتكور وشاراهيت أنه طبقاً لأمري هذا فقد منحتكم حكم الجزيرة المعروفة باسم تناري، وألا يقف في سبيلكم أحد، وإذا أثار الرومان مشاكل وامتنعوا عن دفع الأتاوة العادية لكم فإنه لا الفيلاركولا الهيبوتيرانوس يمنعانكم من إرغام الرومان على دفع العطايا العادية عن جزيرتي."
وتقع جزيرة تناري هذه بنحو 25 ميلاً جنوب مدينة الأقصر الحالية التي كانت عاصمة لقليم طيبة. ويشير النص إلي وجود مستوطنين رومان في الجزيرة، وأنه على الاداريين البيزنطيين ألا يمنعوا أبناء الملك شاراشن من تحصيل الالتزامات المالية المفروضة على أولئك المستوطنين الرومان. وقد نقل مسعد أيضاً – في نفس المكان – عن وولي وماسيفر أن البليميين لم يكونوا مجرد غزاة بل إنهم استقروا في منطقة طيبة حيث أقاموا حكومة مدنية.
فالصلات بين إقليم طيبة والبجة – وربما النوباتيين – كانت في عصر البيزنطيين صلاتاً قوية لم تقتصر على العلاقات التجارية والخدمة في الجيش البيزنطي فقط بل تعدت ذلك إلى المشاركة في الأوضاع الادارية في اقليم طيبة. وأرى أن فهم الصلات المبكرة بين المسلمين في مصر من جهة وبين البجة والنوباتيين يتطلب ضرورة الاهتمام بدراسة علاقات البيزنطيين مع البجة والنوباتيين.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:12 PM   رقم المشاركة :[18]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

من هم النوبة في اتفاقية عمرو بن العاص مع أهل مصر (2)
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
.

د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة الخرطوم


الفتوحات الاسلامية في صعيد مصر
ذكرنا في مقالنا السابق (رقم 15) أن فهم موضوعي علاقة النوباتيين بالبيزنطيين والفتوحات الاسلامية في صعيد مصر قد يساعد على معرفة من هم النوبة في اتفاقية أهل مصر. وقد تناولنا في مقالنا السابق باختصار علاقات مملكة نوباتيا مع البيزنطيين، وسيتم هنا بإيجاز تناول حروب المسلمين في صعيد مصر.

يلاحظ أن المصادر العربية – كتب الفتوح والتاريخ – قد سكتت عن حروب المسلمين في صعيد مصر فيما عدا إشارات قليلة وعابرة لا تُمَكن من فهم وتتبع الفتوحات الاسلامية في تلك المنطقة. فالبلاذري (فتوح البلدان ص 218) قال: "لما فتح عمرو بن العاص الفسطاط وجه عبد الله بن حذافة السهمي إلي عين شمس فغلب على أرضها وصالح أهل قراها على مثل حكم الفسطاط، ووجه خارجة بن حذافة العدوي إلى الفيوم والاشمونيين وأخميم والبشر ودات وقرى الصعيد ففعل مثل ذلك."

فالبلاذري اختصر كل حروب المسلمين في صعيد مصر في جملة واحدة، وليس من الواضح هل كانت هنالك مقاومة في صعيد مصر أم لا؟ وإلى أين وصلت جيوش المسلمين في الصعيد؟ فقد ذكر البلاذرى أسماء خمسة مناطق وصلتها قوات المسلمين ثم اختصر بقية حروب المسلمين بقوله "وقرى الصعيد" دون تفصيل. كما وضح البلاذري أن المسلمين وقّعوا مع أهل الصعيد صلحاً مثل صلح عمرو بن العاص مع أهل شمال مصر، لكنه لم يورد بنود الصلح، وأغلب الظن أن يكون هنالك أكثر من صيغة صلح واحد لأن الصلح أو الاتفاق يعقب كل معركة.

أما ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص 125) فقد جاء ما ذكره عن فتوحات المسلمين بصعيد مصر أكثر اختصاراً، فقد ذكر أنه "لما تم الفتح للمسلمين بعث عمرو جرائد الخيل إلى القرى التي حولها، فأقامت الفيوم سنة لم يعلم المسلمون بمكانها حتى أتاهم رجل فذكرها لهم ... ويقال بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد فسار حتى أتى القيس فنزل بها وبه سميت القيس فراث [أبطأ] على عمرو خبره فقال ربيعة بن حبيش كفيت فركب فرسه فأجاز عليه البحر وكانت أنثى فأتاه بالخبر ويقال أنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى إلى الفيوم"

فرواية ابن عبد الحكم لا تذكرشيئاً عن حروب المسلمين جنوبي الفيوم التي تقع بالقرب من القاهرة، والتي يبدو أن المسلمين اعتبروها أول الصعيد. وذكر أن المسلمين أقاموا في مصر سنة كاملة ولم يرسلوا قواتاً للصعيد، حتى أنهم لم يكونوا يعلمون بموقع الفيوم. وبالطبع فإن الرواية بهذه الصورة من الصعب قبولها، إذ لا يعقل أن يظل المسلمون سنة في الوجه البحري لمصر ولا يعلمون شيئاً عن مناطق الصعيد.

ومن الملاحظ أن المصادر الأخرى التاريخية والجغرافية والموسوعات لم تتعرض لفتوحات المسلمين في الصعيد. ورغم أن عبد الله بن سعد قضى عدة سنوات والياً على الصعيد حتى عام 25 هـ قبل أن يخلف عمرو بن العاص والياً على مصر كلها، فالمصادر لم تذكر حروبه في الصعيد، وباستثناء ما ورد عن حربه للنوبة وما عدا ما أوجزه ابن حوقل (صورة الأرض ص 55) حيث ذكر أنه "فتح مدينة أسوان وكانت مدينة أزلية قديمة، وكان عبر إليها من الحجاز وقهر جميع من كان بالصعيد بها من فراعنة البجة وغيرهم"

ويلاحظ أن حروب عبد الله بن سعد لم توجه من الفسطاط عاصمة المسلمين في شمال مصر بل أتت عبر البحر الأحمر من شبه الجزيرة العربية مباشرة. ولا تتضح الحروب التي خاضها عبد الله بن سعد في الصعيد ما عدا ما ورد عن اخضاعه أسوان. ويلاحظ أن ابن حوقل تحدث عن ثلاث مجموعات حاربها عبد الله بن سعد وهم: 1. أهل أسوان 2. فراعنة البجة 3. وغيرهم. فهنالك مجموعتان إلى جانب أهل أسوان هما البجة وغيرهم، فهل غيرهم هنا إشارة إلى النوباتيين؟ ولماذا وصف البجة بالفراعنة وهو الوصف المفروض يصدق على أهل أسوان؟ يظل وجود البجة والنوبة في صعيد مصر في حاجة إلى المزيد من الاهتمام.

والمصدر الوحيد الذي تناول حروب المسلمين في صعيد مصر هو الواقدي (ت 207 هـ/823 م) في كتابه الذي تحمل إحدى طبعاته اسم فتوح الشام. وفي واقع الأمر فإن الكتاب تضمن فتوح الشام والعراق ومصر. ورغم أن الكتاب طبع عدة مرات منذ منتصف القرن التاسع عشر إلا أنه يلاحظ عليه أنه يحمل طابع الملاحم وعدم تحري الدقة في الأخبار.

وقد اطلعت على ثلاث نسخ من الكتاب، النسخة التي ضمنها مصطفى مسعد في كتابه المكتبة السودانية، وهي نسخة مأخوذة عن الكتاب تحت اسم "فتوح مصر والاسكندرية" والنسخة الثانية نسخة موقع الوراق (warraq.com) وذكر الموقع أنه أخذها من طبعة مكتبة ابن خلدون بدون تاريخ. والنسخة الثالثة طبعة بيروت دار الجيل بدون تاريخ، وهي النسخة المستخدمة هنا، ورغم ان عنوانها "فتوح الشام" إلا أنها تناولت فتوح مصر. وتتفق الثلاث نسخ في المعلومات التي سنتعرض لها. غير أن مصطفى مسعد لم ينقل النص كاملاً في كتابه المكتبة السودانية.

أورد الواقدي (فتوح الشام، ج 1 ص 211) معلومات مفصلة عن الحروب الطويلة التي خاضها المسلمون في صعيد مصر، كما تناول أيضاً سكان الصعيد وأشار إلى وجود النوبة بالصعيد في قوله: "لما فتح عمر بن الخطاب مصر والاسكندرية والبحيرة والوجه البحري كله كان بالصعيد نوبة وبربر وديلم وصقالبة وروم وقبط." وذكر في أكثر من موضع (ج 2 ص 47 و55 و58) استنجاد البيزنطيين بالبجة والنوبة قبل المعارك الفاصلة مع المسلمين.

ورغم أنه ذكر أن البجة والنوبة لم يرسلوا قوات لمساعدة البيزنطيين نسبة للحرب التي نشبت بينهما. إلا أنه عاد (ج 2 ص 60) وذكر وصول جيوش "حليف" ملك النوبة و "مكسوج" ملك البجة، وتحدث عن مشاركتهم القتال مع البيزنطيين. وذكر أنه: "كان مع ملك البجة ألف وثلثمائة فيل عليها قباب الجلد بصفائح الفولاذ في كل قبة عشرة من السودان طوال القامة عراة الأجساد على أوساطهم وأكتافهم جلود النمور وغيرها، ومعهم الدرق والحراب والكرابيج والقسي والمقاليع والأعمدة الحديدية والطبول والقرون، وكانت عدتهم عشرين ألفاً"

ولم يذكر الواقدي (227 و 249 و 243) وَصْف أو عدد جنود النوبة كما فعل مع البجة، لكنه قدر عدد الجنود الذين حاربوا المسلمين في الصعيد بـ"مائتي ألف فارس وخمسين ألف راجل من النوبة والبربر والبجاوة والفلاحين"

ورغم أن رواية الواقدي عن حروب المسلمين بالصعيد تعتبر - بصورة عامة – رواية ضعيفة إلا أنها قد تتضمن بعض الاشارات التي من الممكن التوقف معها قليلاً. فقد ذكر الواقدي عدد الاجناس التي كانت بصعيد مصر إبان الفتح الاسلامي بما فيهم النوبة والروم العنصران الذان تناولتهما شروط صلح عمرو بن العاص مع أهل مصر. ومن ناحية ثانية لو أخذنا ما ذكره الواقدي من مشاركة النوبة والبجة في الحرب إلى جانب البيزنطنين لأمكننا افتراض وجودهم في محادثات وشروط الصلح بين المسلمين وأهل مصر.

عودة إلى النوبة في اتفاقية الصلح
ومن خلال ما أمكن تسليط بعض الضوء عليه من علاقات البيزنطيين بالنوبة والبجة قبيل الفتح الاسلامي وما ورد عن إمكانية وجود النوبة في صعيد مصر إلى جانب البجة وما ورد عن حروب المسلمين المبكرة في صعيد مصر نعود إلى التساؤلات التي طرحناها عن النوبة في اتفاقية عمرو بن العاص مع أهل مصر. فقد خاطبت هذه الاتفاقية ثلاث فئآت متميزة من النوبة هم:
- الفئة الأولى: النوبة الذين لا يساكنون أهل مصر (فقرة رقم 2)
- الفئة الثانية النوبة الذين دخلوا في صلح مع المسلمين (فقرات رقم 4 و7 و8 )
- الفئة الثالثة النوبة الذين لم يدخلوا في صلح المسلمين (فقرة رقم 5)

الفئة الأولى النوبة الذين لا يساكنون أهل مصر
ويلاحظ عدم وضوح وضع ما يتعلق بهذه الفئة من النوبة في الصلح. فقد خاطبت الفقرة الثانية من الاتفاق النوبة بصورة عامة ونصت على أن لا يساكنوا أهل مصر. فهل نفترض أنه على النوبة مغادرة مصر؟ أو نفترض قبولهم في مصر ولكن المطلوب منهم عدم مساكنتهم اهل مصر بمعني أن لا يعيشوا بينهم بل يعيشوا منعزلين؟ وهل هذا الانعزال في المساكنة فقط أم في الحياة الاجتماعية أيضاً؟

وإذا افترضنا أن منع النوبة من مساكنة أهل مصر في الاتفاق يعني عدم قبولهم داخل حدود مصر وينبغي عليهم مغادرتها، وجدنا أن هذا التفسير يتعارض مع باقي بنود الاتفاق الخاص بالنوبة وخاصة البند رقم 4 والذي ينص على أن من دخل من النوبة في اتفاق المسلمين يصبح وضعه كوضع أهل مصر، عليهم ما على أهل مصر من الواجبات ولهم ما لأهل مصر من الحقوق. أي أن هذا البند لم يفرق بين من قبل الصلح من النوبة وبين أهل مصر. فوضع النوبة هنا مساوياً لوضع أهل مصر الأمر الذي لا يتفق مع ما ورد من عدم مساكنة النوبة لأهل مصر بصورة عامة دون تخصيص لفئة منهم. فالبند الثاني يطلب منهم عدم البقاء في مصر والبند الرابع يعطيهم بعض حقوق المواطن المصري!

ويبقى البند رقم 2 الذي ينص على أن لا يساكن النوبة أهل مصر في حاجة للمراجعة من أجل الفهم الواضح، وأغلب الظن أن نص الاتفاق ربما تعرض لبعض التحريف أثناء تداوله في مراحل الرواية المبكرة، أو حدث ذلك أثناء نقله من مخطوط لآخر. وإذا قبلنا هذا الافترض يمكن استبعاد هذا النص من تتبعنا للنوبة في بنود صلح عمرو بن العاص مع أهل مصر حتى التحقق من صحته. ويبقى لدينا الفئتين الأخرتين من النوبة وهما من دخل صلح المسلمين ومن لم يدخل في الصلح.

الفئة الثانية النوبة الذين دخلوا في صلح مع المسلمين
جاء نص الاتفاق مع هذه الفئة كالآتي :
4. ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة، فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم
7. وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا
8.على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة

تناولت الفقرة رقم 4 الفئة التي اختارت الدخول في صلح أهل مصر، وأقرت الاتفاقية أن لهم مثل ما لأهل مصر وعليهم مثل ما على أهل مصر. وقد وضح البند الأول من الصلح ما لأهل مصر من الحقوق وهي: "الامان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم" ووضحت البند رقم 3 ما عليهم من الواجبات وهي أن يؤدوا ما فرضته عليهم الاتفاقية من الضرائب التي وُضّح مقدارها وكيفية دفعها.

ويبدو واضحاً أن ما ورد في البند رقم 4 والذي وضح أن للنوبة الذين استجابوا لصلح المسلمين لهم مثل ما للمصريين قصد بها الحقوق المتعلقة بالأمان على النفس والمال والكنائس، وما ورد في بقية البند رقم 4 والذي جعل للنوبة المصالحين ما على المصريين من الواجبات لم يقصد بها الضرائب التي فرضت على أهل مصر، لأن البند رقم 7 من الاتفاقية وضح ينبغي على النوبة دفعه من ضرائب وهي عدد محدد من الرقيق والخيل. وهذا يختلف عما فرض على أهل مصر.

ونظم البند رقم 8 علاقات النوبة بالمسلمين، تعهد فيها المسلمون بألا يغزوا النوبة ولا يمنعونهم من تجارة صادرة أو واردة. والتعهد بعدم الغزو هنا يوحي بأن هذا الاتفاق لم يتم مع قوم داخل حدود المسلمين. وبقية البند رقم 8 ينظم العلاقات التجارية بين النوبة والمسلمين، ونص على الأّ يمنع النوبة من تجارة صادرة أو واردة. وتجارة الصادر والوارد تكون عبر الحدود، فكأن شروط الصلح سمحت للنوبة بهذا النشاط عبر حدود المسلمين، والاشارة هنا تنصرف إلى حدود مملكة نوباتيا. فأغلب الظن أن الخطاب هنا لم يوجه إلى فئة داخلية بل موجه إلى كيان أو مملكة مستقلة.

فالافتراض المقبول أن هذان البندان رقم 7 ورقم 8 يخاطبان جماعة غير مستقرة داخل الحدود المصرية، والنوبة غير المستقرين داخل الحدود المصرية هم النوباتين على حدود مصر الجنوبية، وهم الذين أطلق عليهم العرب اسم النوبة. فهل النوبة المخاطبين في اتفاقية عمرو بن العاص مع أهل مصر مقصود بهم النوباتيين؟ وهل شارك النوباتيين في حروب البيزنطيين ضد المسلمين فأتت الاشارة إليهم في الصلح؟

ليس من السهل إعطاء إجابة سريعة على ذلك، وقد حاول بعض الباحثين التعرف على أولئك النوبة. فمصطفي محمد مسعد (الاسلام والنوبة في العصور الوسطى ص 112) رأى أن النوبة هنا مقصود بهم سكان مملكة نوباتيا. وذهب إلى ان هذا النص (البندين 7 و8) يرجع إلي هدنة وقعت بين النوبة والمسلمين بعد المعركة التي وصف فيها النوبة برماة الحدق. ومن المعروف أن معاهدة أهل مصر مع عمرو بن العاص وقعت بعد هزيمة البيزنطيين مباشرة أي قبل حروب المسلمين مع النوبة التي يفترض مسعد أن الشروط التي وردت عن النوبة في معاهدة أهل مصر تعود إليها. ويبدو ذلك مستبعداً للفارق الزمني الكبير بين الحملتين، إلا إذا افترضنا مشاركة النوباتيين مع البيزنطيين في حربهم للمسلمين وهو الأمر الذي لم يرد في المصادر المعروفة لنا ولم يفترضه مصطفى محمد مسعد.

كما حاول بتلر أن يجد تفسيراً لورود اسم النوبة في معاهدة أهل مصر فذكر أن المسلمين عند دخولهم مصر كانوا يعتقدون أن النوبة جزء من مصر، ولذلك ضمنوهم في الاتفاق. ولا أرى أن ذلك مقبولاً لأن المسلمين كانوا حريصين على دقة بنود معاهداتهم، ولا أعتقد أن المسلمين يقعون في مثل هذا الخطأ الكبير فيضيفون قوما لا وجود لهم داخل مصر في نطاق الاتفاقية، بالاضافة إلي أن مصر لم تكن غريبة تماماً على المسلمين. ويظل السؤال قائماً من هم النوبة في اتفاقية عمرو بن العاص مع أهل مصر؟

الفئة الثالثة النوبة الذين لم يدخلوا في الصلح
نص البند رقم 5 في صلح أهل مصر أن من أبى الدخول في هذا الصلح من النوبة والروم "واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه" أي يخرج إلى حيث يجد الأمان. وأضاف البند "أو يخرج عن سلطاننا" إي يخرج عن حدود سلطة المسلمين، ويعني ذلك يخرخ خارج حدود مصر. فالنوبه هنا عوملوا نفس معاملة الروم، واعتبروا أجانب في أرض مصر وعليهم الخروج ولابد أن خروجهم سيكون إلى مملكة نوباتيا.

وإذا ألقينا نظرة عامة إلى وضع النوبة في صلح عمرو بن العاص لأهل مصر نجد أنه من الصعب الخروج بخاتمة واضحة. فالبند رقم 2 يخاطب النوبة بصورة عامة أن لا يساكنوا المصريين، ثم يأتي البند رقم 4 ويخاطب من دخل من النوبة في الصلح ويعطيهم حقوقاً مساوية للمصريين "له مثل ما لهم وعليه مثا ما عليهم" ولكن البندين رقمي 7 و8 يحملان ما يرجح أن هؤلاء النوبة الذين عوملوا معاملة المصريين غير مستقرين داخل حدود مصر الأمر الذي يجعل فهم وضع النوبة من قبل الصلح صعباً. والوضع الواضح هو من لم يدخل في صلح النوبة فعليه مغادرة الأراضي المصرية. فوضع النوبة في صلح عمرو بن العاص لأهل مصر بفئاتهم الثلاث يحتاج إلى المزيد من الدراسة والبحث.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:17 PM   رقم المشاركة :[19]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

إطلاق كلمتي نوبة ومريس ومراحل استخدامهما في المصادر العربية

حول أصول سكان السودان 17

.
بقلم: د أحمد الياس حسين
.
تناولنا في مقالاتنا السابقة أرقام 12 – 16 ظهور كلمة النوبا واستخدامها في المصادر اليونانية والرومانية، ورأينا أنها كانت تطلق إطلاقاً عامّاً على جميع سكان السودان في الغرب والوسط والشمال. فكلمة النوبا في تلك المصادر مرادفة لكلمة الاثيوبيين. وسنتناول هنا ظهور ومراحل استخدام كلمة نوبة في المصادر العربية.
لم تطلق كلمة النوبة في المصادر العربية في كل الأوقات على منطقة واحدة بعينها، بل ورد إطلاقها عامّاً مرة ومحدوداً مرة أخرى. وفي كلا الحالتين قد يأتي اطلاقها دون الاشارة إلى أي المعنين هو المقصود. وفي هذه الحالة ينبغي على القاريء التعرف على مدلول كلمة النوبة هل هو إطلاق عام أم إطلاق خاص؟ فعندما يقول المسعودي (ج 2 ص 17) “ولمن بأسوان من المسلمين ضياع كثيرة داخلة بأرض النوبة يؤدون خراجها إلى ملك النوبة” فالنوبة هنا تعني – من خلال المفهوم العام للنص – المنطقة الشمالية من مملكة مُقُرة المجاورة لأسوان فقط.
وعندما يقول المسعودي (ص 2/17) “وأما النوبة فافترقت فرقتين” يشير هنا إلى نوبة علوة ونوبة مُقُرة كما وضح في ما تبقى من النص. وأحياناً أخرى ترد كلمة النوبة ولا يوضح النص المعنى المراد بها، وهنا ينبغي علينا أن نتبصر ونتأنى في حكمنا على معنى كلمة النوبة حتى نتوصل إلى دلالتها، أو ما يمكن أن تكون دلالتها. كما في كلمة النوبة في نص عهد البقط عند المقريزي.
ولو رجعنا إلى الفترة التي سبقت دخول المسلمين مصر وجدنا أن المملكة التي كانت تجاور حدود مصر الجنوبية هي مملكة نوباتيا ويطلق على سكانها اسم النوباتيين. وكانت على علاقات طيبة مع البيزنطيين الذين هزمهم المسلمون وأجلوهم من مصر. وسكان مملكة نوباتيا هم أول من تعامل المسلمون معهم من سكان مناطق جنوبي أسوان. ويبدو معقولاً أن المسلمين أطلقوا عليهم اسمهم الذي وجدوه في المنطقة وهو النوباتيين أوالنوباتي وهو الاسم الذي أصبح “النوبة ” فيما بعد في اللسان العربي. فيكون اسم “النوبة” في الوثائق الاسلامية المبكرة راجعاً إلى مملكة نوباتيا المجاورة للحدود المصرية.
وتوجد بعض الأدلة التي تساعد على قبول هذا الرأي. أولاً يرى كثير من المؤرخين أن المسلمين عندما دخلوا مصر وجدوا ثلاث ممالك هي من الشمال إلى الجنوب: مملكة نوباتيا وعاصمتها فرس ومملكة مُقُرة وعاصمتها دنقلة ومملكة علوة وعاصمتها سوبا. فالمسلون تعاملوا مع أول مملكة واجهتهم جنوبي أسوان وهي التي كانت تعرف بنوباتيا.
ويبدو مما ورد عند ابن سليم الأسواني (ت 386 هـ/996 م) أن إطلاق اسم النوبة كان – حتى عصره – يصدق بصورة خاصة على منطقة شمال وادي حلفا الحالية. فقد كتب ابن سليم تاريخه عن كل المنطقة ما بين أسوان حتى حدود علوة وما جاورها جنوباً بالاضافة إلي منطقة البجة. وأطلق على كتابه “أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل” ورغم إنه عرف بمؤرخ النوبة، إلا أنه تناول تاريخ ثلاث مناطق منفصلة فيما عرف ببلاد النوبة وهي: النوبة ومُقُرة وعلوة، مما يؤكد أن لفظ النوبة حتى وقته كان يطلق بصورة خاصة على المناطق الواقعة إلى الشمال من مملكة مُقُرة.
ويبدو الفصل واضحاً في استخدام المصادر العربية لكلمتي “نوبة ومُقُرة” فيما أورده ياقوت الحموي (مسعد ص 166) عندما تحدث عن ملك دنقلة حيث قال: “وكتاباته إلى عماله وغيرهم من كابيل ملك مقرى ونوبة” ورغم أن مملكة مُقُرة تدخل تحت المعنى العام لكلمة “نوبة” إلا أن لكلمة نوبة خصوصيتها في الاستعمال حيث كانت تطلق على الجزء الشمالى لمملكة مُقُرة وهي مملكة نوباتيا.
ويميز ابن سليم بوضوح في أكثر من موضع بين النوبة الذين هم سكان شمال مُقُرة أو نوباتيا وبين سكان مملكة مُقُرة. يقول (مسعد ص 96 ) “أعلم أن النوبة ومُقُرة جنسان بلسانين كلاهما على النيل، فالنوبة وهم المريس المجاورون لأرض الاسلام.” فالنوبة متميزون عن سكان مملكة مُقُرة، وبالطبع متميزون عن سكان مملكة علوة. ورغم ان المصادر تطلق كلمة النوبة كثيراً في معناها العام وتريد بها كل المناطق من أسوان وحتى علوة، إلا أنها أطلقت كلمة النوبة على وجهة الخصوص ويريدون بها فقط المنطقة الواقعة ما بين حلفا وأسوان.
فلماذا هذه الخصوصية؟ ربما كان مصدر هذه الخصوصية هو أن أغلب سكان هذه المنطقة الواقعة بين أسوان شمالاً وحلفا جنوباً هم المهاجرون الذين وفدوا من الصحراء الغربية في القرن الثالث الميلادي، واستقروا إلى جانب البليميين ثم أسسوا تحت قيادة سلكو المملكة التي عرفت باسمهم “مملكة نوباتيا” فارتبط اسم النوبة عند المسلمين الأوائل بهذه المنطقة.
حدود بلاد المريس
وقد أطلقت المصادر العربية اسم “المريس” على هؤلاء النوبة سكان هذه المنطقة، ووضح ابن سليم (ص 98 ) أن حدود المريس تمتد حتى بستو في منطقة الشلال الثالث التي هي: “آخر قرى مريس، وأوّل بلد مقرة، ومن هذا الموضع إلى حدّ المسلمين لسانهم مريسي، وهي آخر عمل متملكهم” فمن هم المريس الذين تمتد حدودهم في مملكة مُقُرة؟
ذكر الجاحظ (مسعد ص 405) أن “النوبة هم المريس المجاورون لأرض الاسلام” ووضح المسعودي (ج 2 ص 18) أن: “البلد المتصل بمملكته [ملك مُقُرة] بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الريح المريسية، وعمل هذا الملك متصل بأعمال مصر من ارض الصعيد ومدينة أسوان.”
وفي أثناء تناوله المشكلة التي أثارها المسلمون الذين اشتروا ضياعاً من سكان منطقة جنوب أسوان ولم تسمح لهم السلطات بتملكها باعتبار أن المواطنين الذين باعوا تلك الأراضي لا يملكون حق التصرف فيها لأن الأرض ملك للملك وما هم إلا عبيدٌ للملك.” ذكر المسعودي (2/22) أن السكان لم يقروا بالعبودية للملك وأقرت ملكيتها لمن اشتروها وأضاف:
“وتوارث الناس تلك الضياع بأرض النوبة من بلاد مريس، وصار النوبة أهل مملكة هذا الملك نوعين: نوع ممن وصفنا أحرأر غير عبيد، والنوع الأخر من أهل مملكته عبيد، وهم من سكن النوبة في غير هذه البلاد المجاورة لأسوان، وهي بلاد مريس” فأرض المريس المجاورة لأسوان تعتبر من ضمن بلاد النوبة.
وحدد المسعودي (نفس المكان السابق) “ان أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مَرِيس” أشار المسعودي هنا إلى مملكة مُقُرة ببلاد النوبة إلى جانب مريس، وفي النص أعلاه ذكر ” بأرض النوبة من بلاد مريس ” فأحياناً يشير المسعودي إلي مملكة نوباتيا بمريس، وأحيانا يشير إليها كجزء من أرض النوبة.
ولم تنحصر منطقة مريس في المصادر العربية على جنوبي أسوان فقط بل تمتد شماليها. يقول اليعقوبي (كتاب البلدان ج 1 ص 42) موقع الوراق) أن “عجم مصر جميعاً القبط، فمن كان بالصعيد يسمون المريس.” وعن مدينة اسنا في صعيد مصر ذكر أنه (ج 1 ص 40)”يقال إن أهلها المريس.” ووردت نفس الاشارات تقريبا عند المقريزي (المواعظ ج 1 ص 161 موقع الوراق) حيث فقال: “كان أهل مصر يسمون من سكن من القبط بالصعيد: المريس” وعن مدينة الأقصر ذكر ( ج 1 ص 254) أنه يقال “إنّ أهلها المريس”
وقد تناولت المصادر العربية – التاريخية والجغرافية والقواميس العربية كما في الجدول رقم 1 أدناه – بلد مريس وحددت موقعه وحدوده. غير أن المصادر لم تتفق على بداية الحدود الشمالية لبلاد مريس. فقد اتفق كل من اليعقوبي والمسعودي والزبيدي وابن منظور واليافعي على أنها ممتدة داخل صعيد مصر. جعلها الزبيدي وابن منظور “من بلاد الصعيد” دون تحديد لموقعها في بلاد الصعيد، بينما وضعها المسعودي في أعالي الصعيد على حدود مصر فذكر “ان أهل مصر يسمون أعالي الصعيد إلى بلاد النوبة مَرِيس … البلد المتصل بمملكته [ملك مُقُرة] بأرض أسوان يعرف بمريس” أما اليافعي فقد جعلها “قرية من قرى مصر.” وذكر كل من اليعقوبي والمقريزي أن سكان مدينتي إسنا والأقصر بصعيد مصر يطلق عليهم المريس.


ونخلص من ذلك إلى أن المصادر العربية المبكرة والمتأخرة قد وضحت أن الصعيد الأعلى من أرض مصر كان تابعاً لبلاد مريس، وأن سكان بلاد الصعيد من منطقة الأقصر جنوباً كان يطلق عليهم “مريس” مما يعني أن تلك المناطق كانت تعرف ببلاد مريس. وبناءً عليه فإن الحد الشمالي يبدأ – كما في النصوص الواردة أعلاه – من بلاد صعيد مصر ويمكن تحديده بمنطقة الأقصر. أما حد مريس الجنوبي فقد وضعه ابن سليم – الذي مر بالمنطقة – بوضوح في مدينة بستو عند الشلال الثالث والتي قال عنها: “وهي آخر قرى مريس وأول بلد المُقُرة. ”
ونقل مسعد عن دي فيار أن حدود مريس الجنوبية كانت تنتهي في مدينة المقس الأعلى عند الشلال الثاني، وأن بيستو تمثل آخر امتداد للغة الكنوز. وهذا لا يتفق مع عبارة ابن سليم الصريحة التي وضحت أن مدينة بيستو عند الشلال الثالث “هي آخر قرى مريس وأول بلد المُقُرة” كما ذكرنا أعلاه.
وقد وردت بعض أسماء مناطق ومدن في بلد مريس، فقد ذكر ابن سليم في كتابه أخبار النوبة ومُقُرة وعلوة (في مسعد، المكتبة السودانية ص 92) أن مدينة بجراش – فرس الحالية – كانت عاصمة مريس، وأن بلدة تقوى عند الشلال الثاني من بلاد مريس. في تاريخه (في مسعد ص 140) واورد ابو صالح عن مدينة ابريم أن بها مسكن “صاحب الجبل ، وجميع من بها مريس.”
فبلاد مريس قبل الفتح الاسلامي كانت مقسمة إلى قسمين: القسم الشمالي تحت الادارة البيزنطية يقاسمهم البليميين (البجة) إدارة بعض المناطق، والقسم الجنوبي من بلاد مريس هو مملكة نوباتيا التي تمتد حدودها حتى الشلال الثالث كما ذكرابن سليم. وبالطبع فإن مملكة نوباتيا لم تكن موجودة في عصرابن سليم فقد ضمتها مملكة مُقُرة بعد نحو ثمانية عقود من دخول المسلمين مصر. لكن تحديد ابن سليم بني على امتداد العنصر السكاني المريسي حتى عصره جنوباً حتى الشلال الثالث، ولما كان المريسيون هم سكان مملكة مريس أو نوباتيا فقد وضع ابن سليم حدها الجنوبي عند نهاية هذا العنصر البشري عند الشلال الثالث.
وقد ذكرنا أن سكان هذه المنطقة ينتمون إلى الشعوب التي استقرت في المناطق الوسطى لوادي النيل وأقامت الثقافات المبكرة منذ العصورالقديمة بين صعيد مصر وموقع مدينة الخرطوم الحالية، هي ذات السلالة التي أسست عصر الأسرات في صعيد مصر. وقد تعرضت المنطقة لبعض الهجرات من المناطق الغربية لوادي النيل ومن المناطق الجنوبية مكونة السلالات التي أقامت حضارة كوش في حقبها المتتالية حتى العصر المروي.
وفي القرون القليلة السابقة لفتح المسلمين مصر اشتهرت مجموعتان من سكان هذه المنطقة هما البليميين والنوباتيين. ورغم أن الملك سلكو مؤسس مملكة نوباديا قد أشار في نقشه المشهور إلى عناصر سكانية أخرى في المنطقة إلا أنه لم يسمها، بل ورد اسمي البليميين والنوباتيين فقط. وقد تناولنا بشئ من التفصيل هاتين القبيلتين فيما سبق من مقالاتنا. وقد رأينا أن النوباتيين أسسوا مملكة نوباتيا المسيحية في منتصف القرن السادس الميلادي على حدود مصر الجنوبية. وعلى هذا فإن مملكة نوباتيا قامت على أرض مريس الواقعة إلى الجنوب من أسوان.
مملكة مريس
عندما فتح المسلمون مصر بقيادة عمرو بن العاص وجدوا في بداية الأمر مملكة نوباتيا فحاربوها ووقعوا معها الاتفاقيات كما سنوضح ذلك لاحقاً.
ولذلك احتفظت روايات الاخباريين المبكرة بأحداث المسلمين مع مملكة نوباتيا في أرض مريس. وظلت علاقة المسلمين بأرض مريس ومملكتهم نحو خمسين سنة قبل أن تتحد نوباتيا مع مملكة مُقُرة. وبعد اتحاد المملكتين لم يعد لممكة نوباتيا وجود وأصبحت أرض مريس جزءً من أراضي مملكة مُقُرة.
وفي القرن الثالث الهجري (9 م) – أي بعد نحو قرنين من نهاية مملكة نوباتيا – بدأ تدوين كتب الفتوح والتاريخ والجغرافيا العربية وازدادت – في هذه الفترة – صلة المسلمين ومعرفتهم بالشعوب المجاورين لهم جنوباً. وحملت تلك المؤلفات الروايات المبكرة عن حروب المسلين والنوباتيين الذين عرفهم العرب باسم النوبة، ولم يعد لاسمي النوباتيين ومملكة النوباتيين حياة في ذاكرة رواة الأخبار المعاصرين لظهور المؤلفات في القرن الثالث الهجري والقرون التالية، ولذلك لم يعد اطلاق كلمة النوبة قاصراً على سكان منطقة مريس فقط بل توسع ليشمل الكثير من العناصر السكانية في جنوب مصر.
فالمصادر العربية المبكرة والمتأخرة لم تستخدم كلمة النوباتيين أو مملكة النوباتيين” إذ اختصر العرب كلمة النوباتيين فأصبحت النوبة، وأصبح النوباتيين يعرفون في المصادر العربية بالنوبة. وأطلقوا على مملكة النوباتيين اسم مملكة مريس وهو اسم المكان الذي قامت عليه المملكة. فالجاحظ (في مسعد، المكتبة السودانية ص 405) الذي عاش في القرن الثالث الهجري ذكر أن “النوبة هم المريس المجاورون لأرض الاسلام”
وفي القرن الرابع الهجري (10 م) بين ابن سليم الاسواني – المنسوب إلى أسوان والذي كتب تاريخ المنطقة بعد زيارتها – بوضوح الفرق بين النوبة والسكان المجاورون لهم جنوباً فقال (في مسعد، المكتبة السودانية ص 90 ): “اعلم أنّ النوبة والمقرة جنسان بلسانين، كلاهما على النيل، فالنوبة هم: المريس المجاورون لأرض الإسلام، وبين أوّل بلدهم، وبين أسوان خمسة أميال”
وفي القرن الرابع الهجري أيضاً صور لنا المسعودي (مروج الذهب ج 2 ص 21) الوضع على حدود مصر الجنوبية قبل نهاية مملكة نوباتيا، قال المسعودي:
” كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما افتتح عمرو بن العاص مصر كتب إليه بمحاربة النوبة، فغزاهم المسلمون، فوجدوهم يرمون الحدق وأبى عمرو بن العاص أن يصالحهم، حتى صرف عن مصر، ووليها عبد اللّه بن سعد، فصالحهم على رؤوس من السبي معلومة، مما يسبي هذا الملك المدعو بملك مريس المجاور للمسلمين من غيرهم من ممالك النوبة وغيرها من أرض النوبة المقدم ذكرها فيما سلف من صدر هذا الباب”
يوضح هذا النص بصورة قاطعة أن عبد الله بن سعد حارب النوبة في أرض مريس وأن الملك الذي وقع معه الصلح هو ملك مريسً وليس ملك دنقلة. وهنالك بعض الأدلة الأخرى التي تؤيد وجود مملكة مريس بعد خمسين سنة من حرب عبد الله بن سعد عام 31 هـ.
فقد ذكر أبا مِنا Abba Mina كما ورد في (G. Vantini, Oriental Sources Concerning Nubia, p 36) الذي كتب حوالي عام 700م (81هـ) سيرة بطريرك الإسكندرية اسحق (686-689م/ 67-70هـ) ما يفيد وجود مملكتي مريس (نوباتيا) ومملكة مُقُرة ككيانين منفصلين حتى سنة 700م (81 هـ). وأشار إلى أن العلاقات بينهما كانت متوترة إذ من المعروف أن المسيحية دخلت مُقُرة على مذهب الكنيسة البيزنطية بينما تبعت نوباتيا مذهب الكنيسة المصرية.
قال أبا منا: “في الحقيقة يوجد ملكان في المنطقة، كلاهما مسيحيان، ولكن ليس بينهما سلام، لأن واحد منهما ملك موريتانيا دخل في صلح مع المسلمين، والآخر ملك مُقُرة العظيم ولم يكن في صلح مع المسلمين”
وقد أطلق أبا مِنا لقب “ملك موريتانيا” على “ملك نوباتيا” كما جرت عادة بعض الكتاب الأقباط عندما يتحدثون عن نوباتيا. فقد أورد أبا مِنا نفسه في بقية نصه الذي أشرنا إليه ما يوضح أن مملكة موريتانيا تقع شمال مُقُرة. وقد ذكر John of Nikiou (“La Choronique de Jean de Nikiou” in Vantini. P 43.) الذي كتب عام 686 م (67هـ) أن “بربر منطقتي نوباتيا وأفريقية يدعون بالموريتانيين”
فنص أبا منا الذي كتب بعد خمسين سنة من صلح عبد الله بن سعد مع النوبة يوضح وجود ملكين هما ملك الموريتانيين (مريس أو نوباتيا) الذي كان على صلح مع المسلمين، وإشارة الصلح هنا تعود بالطبع إلى صلح عبد الله بن سعد. والملك الثاني ملك مُقُرة الذي لم يكن في صلح مع المسلمين. ويؤيد هذا أن اتحاد المملكتين تم بعد حروب عبد الله بن سعد التي كانت عام 31 هـ، وهوالرأي الذي قبله كثير من المؤرخين مثل كيروان وعلي عثمان وآدمز.
وقد ذكر الأب ج فانتيني (تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث ص 74) أثناء تناوله سيرة بطريرك كنسية الاسكندرية اسحق القبطي أن هذا البطريرك بعث برسالة لكل من ملك موريتانيا (أي نوباتيا) وملك مُقُرة داعياً إليهما إلى التصالح بينهما لأن كلاهما مسيحيان. وكان ملك نوباتيا يمنع وصول مبعوث البطريرك ألى مملكة مًقُرة، كما يمنع وصول رسول مملكة مًقُرة إلى البطريرك عبر أراضيه. وبناءً عليه استنتج فانتيني أن مملكة نوباتيا كانت لا تزال مستقلة عن مملكة مًقُرة في زمن البطريرك اسحق القبطي (686 – 689 م / 57- 70 هـ) . وذكر فانتيني أن لوحة التدشين في كاتدرائية فرس عام 707 م / 89 هـ وضحت اسم ملك مُقُرة مرقوريوس باعتباره الملك الوحيد لكل من نوباتيا ومُقُرةمما يوضح أن المملكتان كانتا متحدتان في عصر هذا الملك.
وقد ورد هذا الحدث في كتاب ساورس بن المقفع تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية ( في مسعد، المكتبة السودانية ص 77 ) لكنه نسب الرسالة من البطرك الى ملك الحبشة وملك مُقُرة. وربما اعتمد فانتيني على مصدر آخر غير كتاب ساورس رغم أنه أورد كتاب ساورس ضمن مصادره، فقد ترجم فانتيني ونشر مجموعة من النصوص السوريانية والقبطية عن النوبة. ويبدو ان فانتيني كان مطمئنّاً لمصدره – الذي لم يوضحه – فقد ذكر أن العلماء استندوا على هذه الرسالة أن ملك مُقُرة كان تابعاً لطائفة الأقباط بينما كان ملك نوباتيا تابعاً لطائفة الروم.
ونعود إلى المصادر العربية التي أطلقت بوضوح “أرض مريس” على المناطق المجاورة لأسوان جنوباً وأطلقت على مملكتها “مملكة مريس” التي حاربها عبد الله بن سعد ووقع معها الصلح الذي اشتهر فيما بعد بمعاهدة البقط. وأطلقت المصادر العربيةعلى سكان مملكة مريس اسم ” النوبة “، وهو الاسم الأصلي الذي أتى من الصحراء الواقعة إلى الغرب من النيل وهو ” Nobatae”.
وقد استخدمت المصادر العربية اسم النوبة أيضاً للدلالة على معنى عام ضم سكان كل الممالك المسيحية: مريس ومُقُرة وعلوة. فأصبح لكلمة النوبة دلالتان، دلالة خاصة تصدق على سكان منطقة مريس ودلالة عامة تصدق علي سكان الممالك المسيحية الثلاث.
ولعل عنوان كتاب ابن سليم يشير بوضوح إلى دلالة النوبة على المعنى الخاص بأهل مريس، فقد فصل فصلاً واضحاً بين النوبة من جهة ومُقُرة وعلوة من جهة أخرى. وقد فعل نفس الشئ أبو صالح الأرمني (في مسعد ص 144) عندما تحدث عن السلطة في ممالك السودان فقال: “ملك النوبة له النوبة وأعمالها وأرض علوة ومُقُرة والأجناس المضافة إليها” فالفصل واضح بين النوبة الذين هم سكان مريس أو مملكة نوباتيا القديمة وبين مملكتي مُقُرة وعلوة.
وعلى هذا فإن اسم النوبة قد مر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى 1. النوباتيين: وقد أطلق على سكان مملكة نوباتيا قبل دخول المسلمين مصر. 2. النوبة: أطلقه المسلمون عند دخولهم مصر على النوباتيين سكان الجزء الجنوبي من بلاد مريس. 3. تعميم المصادر العربية لإطلاق كلمة النوبة لتشمل سكان مناطق مريس ومُقُرة وعلوة.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:24 PM   رقم المشاركة :[20]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

وصف بلاد مريس(1)

حول أصول سكان السودان 18

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية

.

د. أحمد الياس حسين

كلية التربية جامعة الخرطوم



.

وصف بلاد مريس(1)

أتى وصف بلاد مريس في بعض المصادر العربية، ولعل أكثرها شمولاً ما أورده ابن أبي الفضائل وابن الفرات وابن سليم. فقد جاء وصف المنطقة لابن أبي الفضائل وابن الفرات عندما تناولا حملة السلطان المملوكي الملك الظاهر بيبرس عام 674 هـ / 1275 م على مملكة مُقُرة ودخولها عاصمة المملكة مدينة دنقلة. كما ورد وصف المنطقة عند ابن سليم الأسواني(ت 386 هـ / 996 م) الذي دخل مملكة مقرة وقابل ملكها في عاصمته دنقلة مبعوثاً من قِبَل الخليفة الفاطمي في مصر.



ويلاحظ أن المصادر العربية الأخرى التي توسعت في ذكر أخبار الحروب بين المماليك ومملكة مُقُرة مثل مؤلفات النويري والمقريزي لم تتعرض لتفاصيل سير حملة الظاهر بيبرس كما فعل ابن أبي الفضائل وابن الفرات.



جدول رقم 2 المناطقة بين الشلال الأول وبلاد العَلِي

رقم

ابن أبي الفضائل

ابن الفرات

1

جزيرة بِلاق

جزيرة بِلاق

2

لهاستة

لم يذكرها

3

يودي

يوي

4

أرض الما

أرض الماء

5

الفَيْنق

الفَتيق

6

دَمْهيت

دَمْهيت

7

هِندِوا

هندو

8

دَرْبن

درتين

9

الهِرية

الهِرية

10

اقليم البِرَيك ويعرف بالسبع قرى

اقليم البِرَيك ويعرف بالسبع قرى

11

ويحادي

-



بــــــــــــــلاد العَلِي

الجدول من إعداد الكاتب



أورد كل من ابن أبي الفضائل (759 هـ / 1358 م) في كتابه (النهج السديد والدر الفريد فيما بعد تاريخ ابن العميد، في مسعد، المكتبة السودانية ص 252( وابن الفرات (ت807 هـ / 1405 م) في كتابه (تاريخ الدول والملوك، في مسعد، المكتبة السودانية ص 267) أسماء عدد كبير من المدن والمواضع في بلاد مريس في المنطقة الممتدة بين الشلال الأول والثاني وقسماها إلى قسمين، القسم الشمالي من جزيرة بلاق جنوب الشلال الأول وحتى ويحادى وهو الموضع رقم 11 كما في الجدول رقم 2، ولم يعطيا إسماً لهذا القسم. والقسم الثاني أطلقا عليه بلاد العَلِي الذي سنتناول مواقعه في المقال التالي.



ورغم أن حملة السلطان المملوكي الظاهر بيبرس قد وصلت إلى مدينة دنقلة وتخطتها جنوباً، إلا أن المعلومات المفصلة عن طريق الحملة التي ذكرها المؤلفان انحصرت كلها في المنطقة الواقعة بين الشلالين الأول والثاني كما يتضح في هذا الجدول (رقم 2) وكما سنلاحظ ذلك في مقالاتنا القادمة. وسنبدأ هنا بتتبع تلك المواضع بتناول المنطقة الواقعة بين الشلال الأول وبلاد العَلِي.



منطقة ما بين الشلال الأول وبلاد العَلِي

يوضح الجدول رقم 2 أسماء الأحد عشر موضعاً بين الشلال الأول وبلاد العَلِي التي فتحها السلطان المملوكي في حملته على مملكة مُقُرة كما ذكرها كل من ابن أبي الفضائل وابن الفرات في هذه المنطقة. ويلاحظ أن المصادرالتي عاصرتحملات المماليك على مملكة مُقُرة لم تذكر أسماء المناطق التي مرت بها الحملة، وبالتالي لم يرد ذكر في تلك المصادر لهذه الأماكن. وحتى ابنسليم الذي مر بهذه المنطقة لم يذكر إلا موضعين فقط هما جزيرة بلاق ومدينة القصر المجاورتان لأسوان، ثم انتقل من هنالك مباشرة إلى منطقة العَلِي.



وقد أورد كل من ابن أبي الفضائل وابن الفرات أسماء المناطق فقط دون التعريف بها أو التعريف ببعضها، وحتى ذِكْرها لم يرد مرتباً حسب موقعها الجغرافي من الشمال إلي الجنوب. ولا يبدو أن المؤلفان قد اعتمدا على نفس المصدر للخلاف الواضح في الأسماء المذكورة. فقد ذكر ابن أبي الفضائل أسماء أحد عشر موضعاً بينما ذكرابن الفرات تسعة مواضع، كما اختلفا في كتابة بعضها كما في الاأسماء أرقام 3 و5 و7 و8 في الجدول.



وإذا استثنينا جزيرة بلاق فإنه من الصعب جدّاً التعرف على باقي المناطق لأنها لم ترد في المصادر العربية الأخرى. ومما يزيد الأمر صعوبة إن هذه المنطقة ترقد الآن تحت مياه بحيرة السد العالي. ولعل البحث فيما تيسر من الكتابات التي تناولت سير قادة الكنيسة القبطية، وما تم التنقيب عنة من كتابات باللغات النوبية القديمة واليونانية والعربية، وما تم العثور عليه من مواد أثرية أخرى في المنطقة قبل أن تغمرها مياه السد يساعد في التعرف على بعض معالم تاريخ المنطقة.



وإذا رجعنا إلى تاريخ هذه المنطقة في عصر ثقافة بلانة وهي الفترة السابقة للعصر المسيحي فإن نتائج الأعمال الآثارية تمدنا بعض ببعض المعلومات كما يتضح على خريطة آدمز (النوبة رواق افريقيا ص 361) فقد تم الكشف في هذه المنطقة على عدد كبير من الجبانات بلغ ثلاثة وثلاثين موقعاً على طول المنطقة، وتم الكشف أيضا عن مستوطنتين إحداهما مستوطنة كبرى في منطقة كلابشة التي كانت عاصمة للبليميين (البجة) في عصر ثقافة بلانة، ومستوطنة صغري في منطقة وادي العرب في آخرالجزء الجنوبي لهذه المنطقة. وهذان هما فقط الاسمان الذان ظهرا علي خريطة آدمز.



وفي الفترة المسيحية المبكرة التي تلت عصر ثقافة بلانة وردت أيضاً على خريطة أخرى لآدمز (النوبة رواق افريقيا ص 416) أسماء أربعة مناطق منها مركز رئيس هو Qurta "كرته" كما هو مكتوب في الترجمة العربية من كتاب آدمز، كما ظهرت أسماء ثلاث مستوطنات محصنه هي من الشمال إلي الجنوب كلابشة وسقمورة وإخميندي، ولا توجد هذه الأسماء أيضاً بين أسماء المناطق التي وردت في فتوحات السلطان المملوكي في هذه المنطقة. كما تضمنت الخريطة آثار خمس عشرة كنيسة على طول المنطقة.



ويلاحظ أن الموضع الأخير رقم 11 في الجدول أطلق عليه "إقليم البريك ويعرف بالسبع قرى" فالتعبير بإقليم يوحي بامتداده وسعته. واتفاق الكاتبين على وصفه "بالسبع قرى" يوحي أيضاً بأنه كان منطقة كبيرة ومأهولة بالسكان لوجود سبعة قرى فيه. والتعبير بقرية هنا لا يعني "القرية" بمفهومنا الحالي باعتبارها تجمع سكاني صغير محدود الموارد ولا تتوفر فيها الخدمات والتسهيلات التي تكون عادة في المجتمعات الكبيرة نسبيّاً والتي نطلق عليها مجتمعات المدن.



فمفهوم القرية في العصور الاسلامية المبكرة والذي ورد في المصادر العربية يختلف عن مفهومنا الحالي. فالقرية كانت تطلق على المجتمعات الكبيرة نسبيَاً التي نطلق عليها اليوم اسم المدن. فالقرآن الكريم وصف مكة والطائف بالقرية في الآية الكريمة :" وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ" (الزخرف:31)



وورد استخدام القري في كتب الجغرافيا العربية المبكرة للتجمعات السكانية الكبيرة كالمدن. فياقوت الحموي (معجم البلدان ج 1 ص 15) عرف الكورة بأنها كل منطقة تشتمل: "على عدة قرى ولا بد لتلك القرى من قصبة أو مدينة أونهر يجمع اسمها ذلك اسم الكورة، كقولهم "دارا بجرد" مدينة بفارس لها عمل واسع يسمى ذلك العمل بجملته: كورة دارا بجرد"



وأتى استخدام القرية في القواميس العربية المبكرة مرادفاً لاستخدام الكَفْر، قال الجوهري (الصحاح في اللغة ج 2 ص 118): "والكَفْرُ أيضاً: القَرْيَةُ" والكَفر يستخدم مرادفاً للمدينة أيضاَ، فياقوت (معجم البلدان ج 2 ص 482) وصف مكاناً يسمى بـ "كفر بيا" بأنه "مدينة بإزاء المصيصة على شاطىء جيحان" فكفربيا أو قرية بيا وصفت بإنها مدينة على نهر جيحون المشهور في المصادر العربية في آسيا الوسطى. فوصف اقليم البريك بالسبع قرى لا يعني القرية بمفومها الحالى، بل يشير إلى تجمعات سكانية كبيرة يمكن إطلاق المدن عليها.



ولما كانت هذه المنطقة مجاورة للمسلمين واستقر بعضهم عليها منذ وقت مبكر، كما كانت ضمن منطقة التجارة المفتوحة حيث يسمح للتجار المسلمين دخولها فاننا نتوقع أن يؤدي ذلك إلى نمو وتطور النشاط العمراني أكثر مما كان عليه في السابق. ويبدو أن الأسماء القديمة السابقة لتطور هذا النشاط الجديد قد تغيرت إلى أسماء جديدة خلال القرون التي سبقت حكم أسر المماليك في مصر. وفي نفس الوقت يبدو معقولاً أيضاً أن تكون الأسماء التي وردت في المصادر العربية قد دخلها بعض التحريف أم التبديل لأنها وصلت إلي المؤلفين عبرالروايات الشفاهية التي تتعرض غالباً للتغير مع الوقت. ويظهر ذلك بوضوح في اختلاف أسماء بعض المواضع التي نقلها المؤرخان ابن أبي الفضائل وابن الفرات مع العلم أن الفرق الزمني بين وفاة المؤرخين نحو خمسين سنة فقط



أما ابن سليم الذي مر بالمنطقة في طريقه إلى دنقلة فلم يورد فيما وصلنا من معلومات عنه إلا منطقتين كما ذكرنا هما جزيرة بلاق ومدينة القصرالمجاورتين لأسوان. ومن المعروف ان كتاب ابن سليم "أخبار النوبة والمقرة وعلوة والبجة والنيل" مفقود لم يتم العثور عليه، وما وصلنا منه هو ما نقله عنه المؤرخون المتأخرون. والجزء الأكبر مما وصلنا جاء في كتاب المقريزي الخطط والآثار وهو الجزء الذي نقله مسعد في كتابه المكتبة السودانية. فربما تناول ابن سليم بعض الأماكن الأخرى في هذه المنطقة ولم يدونها المقريزي.



ذكر ابن سليم (في مسعد، المكتبة السودانية ص 91 - 93) أن جزيرة بلاق هي آخر حصن للمسلمين، وأن "أول بلاد النوبة قرية تعرف بالقصر" وبين أن المسافة بين جزيرة بلاق وأسوان تبلغ خمسة أميال، وبينها وبين القصر ميل واحد. وعلى هذا التحديد فجزيرة بلاق والقصر متجاورتين. وقد اتفقت أغلب المصادر العربية في تحديدها لموقع كل من جزيرة بلاق ومدينة القصر، كما ذكرت المصادر أنه يوجد عدد كبير من المسلمين بجزيرة بلاق، وأنها آخر بلد الاسلام، وأن مدينة القصر هي حد بلاد النوبة ويتم فيها تبادل البقط مع المسلمين..



وذكرابن سليم أن أن مدينة القصر تعتبرالباب لدخول بلاد النوبة، ووضح أنه توجد بها مسلحة، كما ذكر اليعقوبي في تاريخه (مسعد ص 13) أن مدينة القصر محصنة بسور من حجارة. والمَسلحة كما يقول ابن منظور (لسان العرب ج 2 / ص 486) المراد بهم "القوم الذين يحفظون الثغور من العدوّ سموا مَسْلَحة لأَنهم يكونون ذوي سلاح أَو لأَنهم يسكنون المَسْلَحة وهي كالثغر، والمَرْقَب يكون فيه أَقوام يَرْقُبون العدوَّ لئلا يَطْرُقَهم على غَفْلة فإِذا رأَوه أَعلموا أَصحابهم ليتأَهبوا له والمَسالِحُ مواضع المخافة. فمدينة القصر كانت بمثابة الثغر لبلاد النوبة يرابطبها الجنود لحماية حدودهم.



ويلاحظ أن المصادر العربية مثل اليعقوبى والمسعودي وصفا القصر بإنها مدينة بينما تناولها ابن سليم باعتبارها قريةحيث ذكر أن "أول بلاد النوبة قرية تعرف بالقصر" فوصْف ابن سليم للقصر بالقرية لا يعنى القرية بمفهومها الحالي كما وضحنا أعلاه، فالقرية في التراث العربي تصدق على التجمعات السكانية الكبيرة.



وقد أشار ابن حوقل (صورة الأرض ص 59) إلى جزيرة بلاق وكتبها "ابلاق" بألف قبل الباء، وذكر أنه فتحها عبد الله بن أبي سرح عام 32 هـ. ووصفها بأنها: "مدينة في وسط ماء النيل ثابتة في وسط الماء منيعة كالجزيرة، وبينها وبين أسوان ستة أميال، وبحذائها على النيل من جهة المشرق مسجد الرِّويني وقصر آليه، وتحت المسجد بيعة النوبة، وهو آخر حد الاسلام وأول حد النوبة."



وأورد مسعد (المكتبة السودانية ص 12) – نقلاً عن محقق كتاب النجوم الزاهرة – معلومات دقيقة عن جزيرة بلاق جاء فيها أنه كانت تعرف ناحيتان باسم بلاق في منطقة الشلال جنوبي أسوان. الناحية الأولى جزيرة تقع على بعد عشرة كيلومترات جنوب أسوان، اسمها المصري القديم "بيلاك" واليوناني "فيلي" والقبطي "بيلاخ" والعربي "بِلاق". وبالجزيرة الكثير من المعابد، وتعرف اليوم باسم جزيرة القصر. أما الناحية الثانية التي عرفت باسم بلاق بلدة تقع على الشاطئ الشرقي للنيل، إليها تنتهي السفن المبحرة شمالاً وجنوباً. ووضح أن جزيرة بلاق وقرية القصر في المصادر العربية تعودان إلى هذين الموضعين. وقد تناولت المصادر موضعاً آخر بهذا الاسم نتناوله لاحقاً.



وصف ابن سليم الشلال الأول ووضح صعوبة الملاحة فيه إلا للخبراء الذين يعرفون المنطقة جيداً، وذكر أن المسافة بين الشلالين الأول والثاني عشر مراحل، ووضح أن هذه هي المنطقة التي يدخلها المسلمون و"يتصرفون فيها ويتجرون في أعلاها، وفيها جماعة من المسلمين قاطنون، لا يفصح أحدهم بالعربية." فالمسلمون مسموح لهم بالإقامة والتجارة وحق التملك في هذه المنطقة.



ويبدو مقبولاً أن تكون هذه هي المنطقة التي حدث فيها النزاع بين ملك النوبة وبين المسلمين الذين اشتروا ضياع من مواطني مريس، إذ احتج ملك النوبة لدى الخليفة العباسي المأمون عند زيارته لمصر بأن رعاياه من النوبة لا يملكون حق الملكية والتصرف في تلك الأراضي لأنها ملك للملك وما هم إلا عبيد للملك. فأحال الخليفة القضية للقضاء.



وقد أورد المسعودي (مروج الذهب ج 2 ص 22) ونقله المقريزي (المواعظ والاعتبار ج 2 ص 296) اتفاق المسلمون مع المريسيين الذين اشتروا منهم تلك الضياع بأن لا يقروا بالعبودية لملكهم عندما يسألهم القاضى عن ذلك. ولما لم يقروا بالعبودية لملكهم أصبحوا أحراراً في التصرف في ممتلكاتهم وحكم القضاء بصحة البيع. ولعل في هذه الحادثة إذا افترضنا صدقها ما يلقي الضوء على طبيعة علاقة المواطنين في مملكة مقرة بملكهم، تلك العلاقة التي جرت العادة باعتبارها علاقة عبودية. كما تلقي هذه الحادثة أيضاً ضوءً على العلاقات بين ملوك مقرة والمسلمين وسبل حل المشاكل بينهما.



وإشارة ابن سليم إلى وجود مسلمين من أهل مريس لا يتحدثون العربية يدل على قلة انتشار الاسلام في المنطقة، ويعني ذلك أيضاً قلة عدد المسلمين المستقرين في المنطقة من غير أهل مريس. لأن انتشار الاسلام يصاحبه دائماً انتشار اللغة العربية، فعدم انتشار اللغة العربية مؤشر على قلة عدد المسلمين الناطقين باللغة العربية في المنطقة. كما يلاحظ أن ابن سليم لم يشر إلي وجود مسجد في المنطقة والمسجد الذي أشار إليه ابن حوقل يوجد داخل حدود المسلمين.



ووصف ابن سليم هذه المنطقه بأنها: "ناحية ضيقة شظفة كثيرة الجبال، أعلاها أوسع من أدناها" ووضح بأن النيل أعلى من مستوى الأراضي الزراعية، ولذلك اختلف نظام الري عنه في مصر حيث الري الفيضي. أما هنا – كما ذكر -فالمساحات المزروعة محدودة "وزرعها الفدانين والثلاثة على أعناق البقر بالدواليب." وتحدث عن الدورة الزراعية الصيفية والشتوية ، واستخدام الزبل سماداً للأرض حيث يزرعون الدخن والذرة والجاورس والسمسم واللوبيا، وأشارإلى أن القمح عندهم قليل بينما يتوفر الشعير، ووضح وجود شجر النخيل والكروم والمُقْل وهو شجر الدوم.
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:30 PM   رقم المشاركة :[21]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

وصف بلاد مريس (2) حول أصول سكان السودان 19
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
.
بقلم: د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة الخرطوم
.
بدأنا في مقالنا السابق الحديث عن وصف بلاد مريس، وتناولنا ما ورد في المصادر العربية عن المنطقة الواقعة جنوب أسوان مباشرة حتى بلاد العَلِي، ونواصل هنا الحديث عن بلاد العَلِي.



بلاد العَلِي شمال الشلال الثاني

أطلقت المصادر العربية بلاد العَلِي على القسم الجنوبي من بلاد مريس الواقعة بين الشلالين الأول والثاني. وتبدو البداية الشمالية لحدود بلاد العَلِي واضحة فيما ذكره ابن الفرات (مسعد، المكتبة السودانية ص 267) عند تناوله المواضع جنوبي أسوان فقال بعد الموضع رقم 10 (إقليم البريك) ورقم 11 (ويحادي) : "ويلي هذه بلاد العلا"، كما قدر ابو صالح الأرمني (في مسعد، المكتبة السودانية ص 147) أن المسافة بين أسوان وبلاد العُلا ثمانية عشر يوماً، ويلاحظ أن أبا صالح كتب العُلا بضم العين وبالألف في آخر الكلمة.



ولم يحدد كل من ابن أبي الفضائل وابن الفرات الحد الجنوبي لبلاد العَلِي، ولكن ورد تحديدها عند أبو المحاسن في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (في مسعد، المكتبة السودانية ص 385) حيث ذكر أن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس فتح "من البلاد مما يلي أسوان جزيرة بلاق، ويلي هذه البلاد بلاد العَلِي وجزيرة ميكائيل وفيها بلاد وجزائر الجنادل" ويبدو من هذه الصياغة أن بلاد العَلِي تنتهي عند جزيرة ميكائيل في منطقة الشلال الثاني.



كما يتضح الحد الجنوبي لبلاد العَلِي أيضاً ذلك أيضاً من اليمين التي حلفها ملك مقرة عند هزيمته أمام حملة السلطان الظاهر بيبرس عام 674 هـ /1275 م والتي وافق بعدها ملك مقرة بأن يكون دخل "بلاد العلى والجبل خاصّاً بالسلطان" فقد اقتطع هذا الجزء الواقع شمال الشلال الثاني والذي كان يمثل منطقة التجارة المفتوحة مع المسلين من دخل ملك مقرة وأعطي لسلطان مصر.



ويلاحظ أن ابن الفرات هنا قد كتب "العلى" بالألف اللينة بينما كتبها (ص 267) بالألف "العلا" وفي كلا الموضعين لم يضبطها بالشكل. ولم يتفق المؤرخون في كتابة هذا الاسم، فابن أبي الفضائل وأبو المحاسن ضبطاها "العَلِي" بينما ضبطها أبو صالح "العُلا" وقد اتبعنا هنا ضبط ابن الفرات وأبو المحاسن "العَلِي"



وتتميز مواضع منطقة العَلِي عن المواضع الواقعة إلى الشمال منها بأن مواضع بلاد العَلِي المذكورة في المصادر العربية معروفة ومشهورة في تاريخ الممالك المسيحية في السودان ما عدا إثنين فقط هما أدمة وطمد رقمي 1 و2 في الجدول رقم و3 وهذا بعكس ما ورد عن المواضع الواقعة جنوب الشلال الأول حيث تعرفنا على موضعين فقط من الأحد عشر موضعاً التي وردت في المصادر وهما جزيرة بلاق ومدينة القصر.



جدول رقم 3 اسماء مدن ومناطق بلاد العَلِي

رقم

ابن أبي الفضائل

ابن الفرات

ابن سليم



بـــــــلاد العَلِي بـــــــلاد العَلِي

-

1

أدمة

أدَمة

-

2

لم يذكرها

طمد

-

3

ألدو

ألدو

أدواء

4

إبريم

ابريم

قلعة ابريم

5

دَندال

دندال

قلعة أخرى

6

بوفَراس

وبوحراص

بجراش

7

جزيرة ميكائيل ( رأس الجنادل)

جزيرة ميكائيل (وبها بلاد)

-


المصدر: من إعداد المؤلف



والمدن والمواقع في الجدول رقم 3 مرتبة حسب ورودها في المصادر، ويلاحظ في ترتيبها عدم الالتزام باتباع الموقع الجغرافي من الشمال إلي الجنوب أو العكس. فترتيب هذه المواقع من الشمال إلى الجنوب كالآتي: إبريم وألدو وبوخراس وجزيرة ميكائيل. وقد افترضنا موقع دندال قرب ابريم كما سيأتي، وأدمة وطمد لم يعرف موقعهما. وسنتناول الحديث عن هذه المواضع بهذا الترتيب.



يعتبر قصر ابريم من المدن الهامة في بلاد العَلِي من منطقة مريس، فقد اسس فيه الرومان قلعة لحماية حدودهم الجنوبية في مصر. وقد تناولت عدد من المصادرالعربية منذ القرن الرابع الهجري (10 م) أخبار قصر ابريم لأنه كان يمثل خط الدفاع الأول أمام قوات المسلمين التي حاولت غزو مملكة مُقُرة. ففي عام 345 هـ / 956 م أغار على المنطقة محمد بن عبد الله الخازن في عصر الدولة الاخشيدية. وهذه أول حملة ذكرت المصادر العربية مثل النويري وابن الفرات والمقريزي كما ورد في مسعد (المكتبة السودانية صفحات 223 و259 و298) دخلت جنوب أسوان ووصولت إلى إبريم وافتتحتها وسبت أهلها.



وكان دخول المسلمين في إبريم في شكل غارات ولم يستقروا فيها، وظلت إبريم تابعة لمملكة مقرة وتكررت غارات المسلمين عليها حتى عصر المماليك كما سنفصل ذلك لاحقاً عند الحديث عن العلاقات بين المسلمين ومملكة مُقُرة.



ومن المناطق التي ورد ذكرها في أرض مريس بين الشلالين الأول والثاني "دندال" وهو الموضع الذي ذكره كل من ابن الفرات وابن أبي الفضائل (رقم 5 في الجدول رقم 3) فيبدو أن هذا الموضع هو نفسه جزيرة دندان التي أغار عليها الأكراد كما ذكر أبو شامة في كتابه الروضتين في أخبار الدولتين ( في مسعد، الاسلام والنوبة ص 180) عندما كانوا مقيمين في قصر إبريم لبعض الوقت في عصر الدولة الأيوبية. وهو أيضاً نفس الموضع الذي ورد تحت اسم ديدان والذي أقطعه ملك مقرة إلى قبائل الشام مكافأة لها على وقوفها ضد العمري الذي كان يحارب ملك مقرة أثناء الصراع بينهما كما ذكر المقريزي في كتابه المقفى (في مسعد، المكتبة السودانية ص 364)



وقد ورد اسم مدينة بجراش بصور مختلفة في المصادر، فهي بجراش عند ابن سلييم في النسخة المطبوعة عند مسعد، وبوخراس في نسخة ابن سليم في موقع الوراق، وجاءت بوفراس عند ابن أبي الفضائل بوحراس وعند ابن الفرات كما في الجدول وباخَرَس Bakharas في تاريخ جون الأفسوسي كما نقل مسعد (المكتبة السودانية ص 92 حاشية 3). وقد اتفقت كل الآراء أن كل هذه الاشارات ترجع إلى موضع واحد هو مدينة فرس الواقعة إلى الشمال قليلاً من وادي حلفا.



وتعتبر مدينة بجراش التي كانت عاصمةً لمملكة مريس من أهم مدن منطقة شمال الشلال الثاني. وأصبحت بعد اتحاد مملكتي مريس ومقرة مقر حاكم المنطقة الذي عُرِف بصاحب الجبل الذي يمتد نفوذه حتى الشلال الثاني كما وضح ابن سليم. ووصف أبو صالح الأرمني (في مسعد ص 130) مدينة بجراش بأنها "مدينة المريس، وهي مدينة عامرة آهلة وبها مقام جوسار اللابس العصابة والقرنين والسوار الذهب"



ويلاحظ أنه يوجد شبه واضح بين شارات السلطة في العصر المسيحي ثم فيما بعد في العصر الاسلامي في السودان وبين شارات السلطة في عصر الحضارات السودانية القديمة الأمر الذي يبرز التواصل في تاريخ سكان السودان منذ العصور القديمة. وقد درست الدكتورة نعمات عبد الجبار أستاذة التاريخ القديم بكلية التربية جامعة الخرطوم هذا الموضوع في مقال متميز سينشر قريباً إن شاء الله. وضحت الدكتورة أن رسومات الكنائس صورت والي نوباتيا وهو يرتدى الطاقية ام قرينات، وكان غطاء الرأس بزوج واحد أو إثنين من القرون هو السمة البارزة لشارات سلطة الأبارش حاكم الجبل.



وتواصل الدكتورة نعمات عبد الجبار أن الجذور المبكرة للقرنين ترجع إلى عصر الثقافات المبكرة في سودان وادي النيل، حيث كانت لقرون البقر مكانة واضحة في الطقوس الدينية وكانت تدفن مع الموتى. واستمرت المكانة الدينية للقرون في عصور حضارة كوش حيث ظهرت الطاقية إلى جانب القرنين وأصبحتا من أهم رموز سلطة الملوك. وظلت الطاقية تحافظ على مكانتها كرمز للسلطة في عصر دولة الفونج والفور ولدى قادة الطرق الصوفية. وأخيراً وبعد أن فقدت مكانتها كرمز للسلطة – كما تقول الدكتورة - تبوأت مكاناً مرموقاً كأحد أهم عناصر الزي القومي السوداني.

وقد أطلق أبو صالح لقب جوسار على حاكم بجراس بينما أطلق عليه ابن سليم لقب "صاحب الجبل" كما فعلت غيره من المصادر. قال عنه ابن سليم: " من أجلّ ولاتهم لقربه من أرض الإسلام، ومن يخرج إلى بلد النوبة من المسلمين فمعاملته معه في تجارة أو هدية إليه، أو إلى مولاه يقبل الجميع، ويكافئ عليه بالرقيق، ولا يطلق لأحد الصعود إلى مولاه لمسلم ولا لغيره."



كما أشار أبو صالح (تاريخ الشيخ أبي صالح، في مسعد المكتبة السودانية ص 137) إلى مدينة بوسقا وذكر أنها "مدينة حسنة كثيرة المعالم والخيرات وبها كنائس كثيرة، وكان بها مقام صاحب الجبل" وهو حاكم المنطقة من قِبَل ملك مقرة. ويتطلب تحديد مواقع هذه الأماكن البحث المتأني في المصادر وما توفر من المادة الآثارية لأن هذه المناطق أصبحت بعيدة عن متناول الآثاريين حيث ترقد في قاع بحيرة النوبة.



ومن المواضع التي ترددت في المصادر العربية بأشكال مختلفة في كتابتها ألدو، أشار إليها ابن الفرات ألدو ودو ووردت عند المقريزي أدَوى وضبطها النويري (في مسعد ص 218) الدَوّ، ووضح أ نه كانت بها قلعة استولت عليها قوات الملك المملوكي الظاهر بيبرس. ويبدو أن الدو كانت خط الدفاع الثاني جنوب قصر إبريم حتى عصر اللماليك كما سنتعرض إليها لاحقاً. وقد لعبت ألدو دوراً بارزاً وهاماً في تاريخ المنطقة منذ الفترة السابقة للعصر المسيحي.



فقد كانت إحدى المستوطنات والمراكز الرئيسة في عصر ثقافة بلانة ومنذ بداية العصر المسيحي تحت اسم جبل عدا، ثم ظهرت باسماء مختلفة في المصادر العربية. وأثناء الصراع بين العمري وملك مقرة استمال ملك المقرة أعداء العمري من عرب الشام إلى وأعطاهم إقطاعات فيها كما ذكر المقريزي في كتابه المقفى (في مسعد، المكتبة السودانية ص 364).



ثم كان دور ألدو أو جبل عدا بارزاً أيضاً في الصراع بين المماليك ومملكة مقرة، ويبدو أنها كانت تتبادل مهمة قيادة الأحداث في المنطقة قبل وبعد اسلام ملوك مقرة في بداية القرن 7 هـ / 13 م. ولخص آدمز (النوبة رواق افريقيا ص 471) دور القلعة في تاريخ المنطقة منذ القرن الثاني عشر الميلادي (6 هـ) وقد اشتهرت في المصادر الآثارية باسم دوتاو أو مملكة دوتاو. ووضحت المصادر الآثارية أنها ظلت عاصمة لمملكة مسيحية عثر على أسماء ثمانية من ملوكها وبعض أسماء من أساقفتها حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي أي قبل نحو عشرين سنة فقط من تاريخ قيام سلطنة سنار الاسلامية، وسنتعرض لذلك بالتفصيل عند الحديث فيما يلى من دراستنا.



وهنالك جانب آخر اشتهرت به مدينة ألدو أو ميناء أدواء كما أطلق عليها ابن سليم الأسواني الذي ذكر أنه "ينسب إليها لقمان الحكيم وذو النون المصري" وسنورد ترجمة موجزة لهما بوصفهما مواطنين ينتميان إلى هذه المنطقة.



لقمان الحكيم

وردت الاشارة إلى لقمان في القرأن الكريم في وصيته المشهورة لابنه في سورة لقمان الآيات 12 – 19 التى تبدأ: " وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ" وفي الحديث النبوي روى ابن عساكر حديث ابن عباس عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال: اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن.



وذكر الطبرى في تفسير القرآن (ج 20 ص 135 موقع الوراق) أن لقمان الحكيم كان نوبيا نجاراً، وروى أيضاً أنه كان راعي، وكان قاضيا على بني إسرائيل. وورد في تفسير ابن كثير "اختلف السلف في لقمان، عليه السلام: هل كان نبيًا، أو عبدًا صالحا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني"



اتفقت أغلب المصادر العربية مثل الطبري والسعودي وابن إياس على أن لقمان نوبيّ الأصل، ورغم أن أغلب المصادر العربية جعلت النوبة من أبناء حام بن نوح أي نسبتهم إلى الجنس الحامي إلا أن بعضها مثل المسعودي (مروج الذهب ج 1 ص 15) نسبه إلى قبيلة بني أسد السامية. ونسبه العصامي (سمط النجوم العوالي ج 1 ص 48) إلى عاد الأخرى بن شداد - باني إرم ذات العماد - ابن عاد الأولى بن عوص بن إرم بن سام،



ذكر المسعودي أن لقمان ولد في السنة العاشرة من ملك نبي الله داود، وقد نقل ابن إياس في كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور ج 1 ص 90) ترجمة ابن وهب للقمان جاء فيها:

"لقمان عبدا صالحا ولم يكن نبيا ... وكان مولى لرجل قصار من بنى اسرائيل من أهل مدينة أيلة ... فأقام عنده مدة ثم أعتقه، وكان ينطق بالحكمة وكان مقيما بمدينة الرملة قريبا من بيت المقدس فكان بنوا اسرائيل يأتون اليه ليسمعوا منه الحكمة والموعظة. فلما اشتهر بالحكمة جاء إليه رجل من عظماء بنى اسرائيل فقال: يا لقمان ألم تكن عندنا بالأمس عبدًا لفلان؟ قال: نعم. فقال: من أين لك هذه الحكمة؟ قال: بصدق الكلام وبترك ما لا يعنى."



"وكان نبي الله داود عليه السلام يأتى إليه ليسمع منه الحكمة ... قال وهب بن منبه كان من الأنبياء ثلاثة سود الألوان لقمان وذو القرنين ونبى الله صاحب الأخدود... ولم يزل بمدينة الرملة حتى مات بها ودفن بين المسجد الذي بها وبين السوق. وذكر ابن فضل الله العمري (مسالك الأبصار ج1 ص 68) رواية أخرى حول مكان قبر لقمان فقال إنه في شرق بحيرة طبرية.



أما ما ورد في الحديث المذكور أعلاه أن النبي r قال: "اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن." فمن المعروف أن كلمة "النجاشي" كانت لقباً لملوك الحبشة. أما بلال بن رباح مؤذن رسول الله r كان من السابقين للاسلام وتوفي بالشام عام 20 للهجرة. وقد وصف في كتب التراجم ببلال الحبشي ولم أر في كتب التراجم من نسبه إلى النوبة، ما عدا ما رواه ابن حجر العسقلاني في كتابه (تبصير المنتبه بتحرير المشتبه ج 1 ص 46) من أنه "قيل إن بلال من النوبة". وقد ذكر ابن عساكر في تارخ بغداد (ج 10 ص 432) أن بلال لا عقب له.



ذا النون

أما ذا النون المصري (ت 245 هـ) فقد تناولت الكثير من كتب التراجم سيرته بإسهاب نختصر هنا ما أورده ابن حجر العسقلاني:



"اسمه ثوبان بن إبراهيم ويقال: الفيض ابن أحمد ويقال: كنيته أبو الفيض وقيل أبو الفياض وقال محمد بن يوسف الكندي في تاريخ الموالي المصريين: ومنهم ذو النون بن إبراهيم الإخميمي مولى لقريش كان أبوه نوبياً وقال ابن يونس: كان عالماً فصيحاً حكيماً أصله من النوبة مات سنة خمس وأربعين ومائتين قلت: كان ممن امتحن وأوذي لكونه أتاهم بعلم لم يعهدوه كان أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال وفي مقامات الأولياء"



وى الشعراني في الطبقات الكبرى (ج 1 / ص 67) من كلام ذي النون:

"إياك أن تكون للمعرفة مدعياً أو بالزهد محترفاً أو بالعبادة متعلقاً وفر من كل شيء إلى ربك. وكان يقول: كل مدع محجوب بدعواه عن شهود الحق لأن الحق شاهد لأهل الحق بأن الله هو الحق. وقوله الحق ومن كان الحق تعالى شاهداً له لا يحتاج أن يدعي فالدعوى علامة على الحجاب عن الحق، والسلام. وكان يقول للعلماء أدركنا الناس وأحدهم كلما ازداد علماً ازداد في الدنيا زهداً وبغضاً وأنتم اليوم كلما ازداد أحدكم علماً ازداد في الدنيا حباً وطلباً ومزاحمة، وأدركناهم وهم ينفقون الأموال في تحصيل العلم وأنتم اليوم تنفقون العلم في تحصيل المال، وكان يقول: يا معشر المريدين من أراد منكم الطريق فليلق العلماء بإظهار الجهل والزهاد بإظهار الرغبة والعارفين بالصمت."



ورد الصفدي(الوافي بالوفيات ج 3 ص 404 موقع الوراق) ترجمة وافية له ذكر فيها الكثير من أقواله ووصايه وشعرة نذكر منها:

ومنها: إذا صحت المناجاة بالقلوب استراحت الجوارح.

منها: سقم الجسد في الاوجاع، وسقم القلوب في الذنوب. فكما لا يجد الجسد لذة في الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع ذنبه " .

وقال: " من لم يعرف حق النعم سلبها من حيث لا يعلم " .

وقال: " الانس بالله من صفاء القلب مع الله " .

وقال: " الصدق سيف الله في ارضه، ما وضع على شيء الا قطعه " .

وسئل عن التوبه، فقال: " توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة " .



وقال: " ثلاثة موجودة، وثلاثة مفقودة: العلم موجود، والعمل به مفقود؛ والعمل موجود، والاخلاص فيه مفقود؛ والحب موجود، والصدق فيه مفقود " .



قال فتح بن شخرف: " دخلت عليه عند موته، فقلت له: كيف تجدك؟ فقال:

اموت وما ماتت اليك صبابتي ولا قضيت من صدق حبك اوطاري

مناي المنى كل المنى انت لي منى وانت الغني، كل الغني، عند أفقاري

وانت مدى سؤلي، وغاية رغبتي وموضع امالي ومكنون إضماري

تحمل قلبي فيك ما لا ابثه وان طال سقمي فيك او طال اضراري

وبين ضلوعي منك مالك قد بدا ولن يبد باديه لاهلٍ ولا جاري

وبي منك في الاحشاء داء مخامر وقد هد من الركن وانبت اسراري

الست دليل الركب اذ هم تحيروا ومنقذ من اشفى على جرف هار؟


القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:35 PM   رقم المشاركة :[22]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

وصف بلاد مريس وباقي أرض مُقُرة 3 . حول أصول سكان السودان 20
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية
.
بقلم: د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة الخرطوم

وصف بلاد مريس وباقي أرض مُقُرة 3

وصف ابن سليم للمنطقة

سنتتبع هنا ماتبقي من وصف ابن سليم الاسواني (كتاب أخبار النوبة في مسعد، المكتبة السودانية ص 93 - 97) لبلاد مريس بالاضافة إلى ما أورده عن بلاد مقرة شمال مدينة دنقلة. بدأ ابن سليم حديثه عن منطقة الشلال الثاني بمدينة تقوى التي ذكر أن: "أوّل الجنادل من بلد النوبة قرية تعرف بتقوى، وهي ساحل، وإليها تنتهي مراكب النوبة المصعدة من القصر أوّل بلدهم" ووضح ابن سليم أن المراكب الآتية من الشمال نحو الجنوب تنتهي إلى هذا المكان. كما إن التجار أيضاً لايسمح لهم بعبور هذه المنطقة والدخول في مملكة مقرة. ويمكن فقط العبور جنوباً لمن يحمل إذناً من حاكم الاقليم المعروف بصاحب الجبل.



ووصف ابن سليم النيل في هذه المنطقة بكثرة الجنادل التي تعترض مجراه ويصعب على السفن عبورها، كما إن البر أيضاً يصعب عبوره لوعورته. وذكر أن الرمال والجبال تتصل بالنيل في هذه المنطقة الأمر الذي يجعل عبورها في البر والبحر أمراً صعباً ولذلك أصبحت ملجأ للسكان عندما يتعرضون لهجوم من الشمال. ويفسر هذا كيف ظلت مناطق مملكة مقرة جنوب الشلال الثاني منعزلة عن المؤثرات الاسلامية والعربية لعدة قرون حتى فتح المماليك هذا الباب في القرن الثالث عشر الميلادي (7 هـ).



ولم يذكر ابن أبي الفضائل وابن الفرات مدينة تقوى عندما وصفا خط سير حملة السلطان المملوكي الظاهر بيبرس إلى دنقلة كما تناولنا ذلك في مقالنا السابق، وتحدثا عن هذه المنطقة تحت اسم جزيرة ميكائيل، ووصفها ابن أبي الفضائل (كتاب النهج السديد في مسعد، المكتبة السودانية ص 252) بكثرة الجنادل، بينما وصفها ابن الفرات (تاريخ الدول والملوك في مسعد، ص 261 و267) بأنها "رأس جنادل النوبة وهي كثيرة الأوعار وفي وسط البحر"، بينما تحدث عنها النويري (نهاية الأرب ص 226) تحت اسم جزائر ميكائيل مما يوضح أنها كانت عدداً من الجزائر. ويؤيد ما ذكره النويري وصْف ابن الفرات (ص 267) لها بإن "بها بلاداً"، كما أضاف بعد ذكره لجزيرة ميكائيل "جزائر الجنادل" مما يوضح أن المنطقة كان بها عدد من الجزر على طرفي الشلال.



ووضح ابن سليم أن منطقة تقوى تابعة لأرض مريس وهي آخر حدود إدارة صاحب الجبل جنوباً. كما ذكر ابن سليم شُحّ مواردها الزراعية، فنخلها وزرعها قليل، ومعظم أهلها يعتمدون على السمك في غذائهم. غير أنها كانت غنية بموارها التجارية، فهي المنطقة التي يتم فيها التبادل التجاري بين المسلمين وأهل مملكة مقرة. ووصف ابن سليم صاحب الجبل والي المنطقة بأنه "من أجل ولادتهم، لقربه من أرض الاسلام" ووضح بإن العبور منها شمالاً غير مسموح به إلا بإذن خاص من الوالي.



وإلى الجنوب من مدينة تقوى وعلى بعد ست مراحل منها تقع مدينة المقس الأعلى (عكاشة) التي كانت مركزاً تجاريّاً وعسكريّاً هامّاً. فقد كانت ترابط بها فرقة عسكرية (مَسْلَحَة) كما في مدينة القصر بالقرب من أسوان، ولا يتبع واليها لصاحب الجبل بل تابع للملك في دنقلة. وذكر ابن سليم أنه شديد الضبط للمدينة، "حتى أنّ عظيمهم إذا صار بها وقف به المسلحي، وأوهم أنه يفتش عليه، حتى يجد الطريق إلى ولده ووزيره"



ولا يسمح لأحد أن يعبر المقس الأعلى جنوباً إلا بعد الحصول على إذن خاص من الملك. وبالطبع فأن ذلك لا يتيسر إلا للوفود أو السفارات الرسمية، ولا يتيسر ذلك للتجار أو غيرهم من عامة المسلمين. وكانت عقوبة من لا يلتزم بذلك – كما عبر ابن سليم – "القتل كائناً ما كان" وواصل ابن سليم "وبهذا الاحتياط تتكتم أخبارهم حتى إنّ العسكر منهم يهجم على البلد إلى البادية وغيرهم، فلا يعلمون به"



والمقس الأعلى هي آخر المناطق التي يتم البيع فيها بالدينار، ففي مناطق ما بعد الشلال الثاني يتم البيع عن طريق المقايضة بالرقيق والمواشي والجمال والحديد والحبوب. ويوجود في هذه المنطقة "السنباذ" ذكر الزبيدي في (تاج العروس ج 1 / ص 1438 موقع الوراق) أن "السُّنْباذَجُ بالضم فسكون النُّون وفتح الذال المعجمة : حَجَرٌ يَجْلُو به الصَّيْقَلُ السُّيوفَ وتُجْلَى به الأسنانُ والجَوَاهِرُ" وضح ابن سليم أن السنباد الذي يخرط به الجوهر، يخرج من النيل في هذه المواضع، يُغطس عليه فيوجد جسمه بارداً مخالفاً للحجارة فإذا أشكل عليه نفخ فيه بالفم فيعرف"



وبعد المقس المقس الأعلى تقع مدينة ساي، وصفها ابن سليم بأنها: "جنادل أيضاً، وهي آخر كرسيهم، ولهم فيها أسقف وفيها بربا" وبربا يعني بها آثار قديمة. وتعتبر مدينة ساي من المدن القديمة في المنطقة والتي يرجع تاريخها إلى النصف الأخير من الألف الثاني قبل الميلاد. ولذلك لاحظ ابن سليم الآثار القديمة (بربا) فيها.



فقد كانت صاي مدينة هامة في تاريخ المنطقة القديم، فكانت من أهم المراكز التجارية في مملكة كوش – التي عرفت عند المؤرخين بمملكة كرمة - في الألف الثالث قبل الميلاد. ويرى آدمز (رواق النوبة ص 209 و214 و361) إنها بناءً على ما نُقٍّب فيها من آثار لا تقل أهمية في المجال التجاري عن مدينة كرمة عاصمة المملكة. وظلت من المدن الهامة بعد سقوط مملكة كرمة ، وظهرت ضمن المستوطنات الصغرى بعد انهيار مملكة مروي.



وفي العصر المسيحي كانت مدينة صاي كرسي أسقفية في مملكة مقُرّة. وقد ذكر فانتيني (تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة ص 53) أن مملكة مقرة كان بها خمسة كراسي أسقفية في دنقلة وصاي وشنقير التي يظن أنها قرب أبو حمد، وكلمة ومركي، وذكر أن هذين الموقعين الأخيرين ربما كانا في بلاد المحس.



وأطلق ابن سليم على المنطقة الواقعة جنوب مدينة صاي "ناحية سقلوذا"، ووصفها بأنها "أشبه الأرض بالأرض المتاخمة لأرض الإسلام في السعة والضيق في مواضع، والنخل والكرم والزرع وشجر المقل، وفيها شيء من شجر القطن، ويعمل منه ثياب وخشة، وبها شجر الزيتون." ويرى كراوفورد (The Fung Kingdom of Sennar p 24 ) أن سقلوذا هي منطقة السكوت الحالية. وذكر ابن سليم أن معنى سقلوذا السبع ولاة، أي أنها منطقة واسعة غنية وكثيرة السكان. ووضح أن تحت واليها ولاة آخرون خاضعين له.



ووفقاً لما نقلة المقريزي عن ابن سليم فإن هذه هي المنطقة الادارية الثالثة لمملكة مقرة، كانت الأولى منطقة الجبل والثانية منطقة المقس الأعلي ثم سقلوذا المنطقة الثالثة، ويُعَين ملك مقرة ولاة هذه المناطق. وتقع في هذه المنطقة قلعة اصطفون، ووضح ابن سليم أنها أول الشلال الثالث، ووصف وعورة هذا الشلال وشدة انحدار المياه فيه. ذكر أنه على بعد ثلاث أبرد توجد مدينة يستو وذكر أنها "آخر قرى مريس وأول بلد مقرة، ومن هذا البلد إلى حد المسلمين لسانهم مريسي، وهي آخر عمل متملكهم"



والبريد كما في لسان العرب لابن منظور(ج 3 ص 82) كلمة فارسية الأصل وتجمع على بُرد، والبريد يساوي إثنا عشر ميلاً، فمدينة يستو أو بستو كما تكتب أحياناً تقع على بعد ستة وثلاثين ميلاً من اصطفون. وهذا المقياس بالميل العربي القديم وهو يختلف في طوله عن الميل الانجليزي المعروف حالياً.



ووضح ابن سليم أن يستو هي آخر مدن مريس وأول بلد مقرة. فإذا افترضنا أن ابن سليم قصد أن يستو آخر مدن مريس من الناحية السكان إذ ينتهي عندها السان المريسي ويبدأ لسان أهل مقرة، نقف أمام باقي الجملة الذي يقول: "وهي آخر عمل متملِّكِهم" ومن الواضح هنا أن الضمير في كلمة " متملِّكِهم " يرجع إلى أهل مريس، أي أن يستو آخر مُلْك حاكم مريس. وقد تواتر في المصادر وكما ذكر ابن سليم نفسه أن حاكم منطقة مريس الذي يطلق عليه صاحب الجبل كان والٍ على المنطقة الواقعة شمال الشلال الثاني وهو تحت طاعة ملك مقرة، فكيف نفسر ما قاله هنا من أن يستو آخر مناطق سلطة متملك أهل مريس.



يلاحظ أن المصادر العربية بما فيها كتاب ابن سليم لا تطلق على حاكم منطقة مريس لقب ملك، بل يطلق عليه صاحب الجبل. وقد أطلق علىه ابن المقفع (تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية في مسعد، المكتبة السودانية ص 82) لقب الأبرخس وهو كما علق مسعد (ص 136) يعني نائب الملك، ووضح أبو صالحالأرمني (تاريخ الشيخ أبي صالح في مسعد، المكتبة السودانية ص 136) شارات السلطة التي كان يلبسها وهي العصابة والقرنين والسوار، ويدل كل ذلك على أهمية خاصة لحاكم الجبل.



ويقودنا هذا إلى التساؤل هل كان حاكم الجبل من سلالة ملوك نوباتيا التي دخلت في أتفاق أو صلح مع مملكة مقرة، ودخل ملوكها تحت طاعة دنقلة عندما واجها هجوم المسلمين، واحتفظوا بسلطاتهم المحلية على بلاد مريس كما حدث بين العبدلاب وملوك سنار؟ ومن الواضح إن بلاد مريس كانت تمتد حتى الشلال الثالث، ولابد أن ذلك المكان كان آخرحدود سلطة ملوك نوباتيا قبل دخولها في تحاد أو تحالف مع مملكة مقرة. فهل عبارة ابن سليم "متملكهم" تلك ترجع إلى ما كانت عليه الحال قبل اتحاد المملكتين وأن المقريزي لم ينقل نص ابن سليم كاملاً؟ على كل حال مسألة وحدة أو تحالف مملكتي نوباتيا ومقرة تحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة، متى تم ذلك التحالف أو الوحدة؟ وكيف كانت شروطه؟ وهل كان صاحب الجبل من سلالة ملوك نوباتيا تتوارث أسرته السلطة؟ وهل كانت لهم علاقة بمملكة دوتاو التي ظلت قائمة في المنطقة حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي؟



ويلاحظ بوضوح أن المواضع التي تعرضت لها المصادر العربية في أرض مريس يقع معظمها بين الشلالين الأول والثاني. فهل كانت هذه المنطقة معروفة للرواة أكثر من باقي أرض مريس الواقعة بين الشلالين الثاني الثالث؟ قد يبدو هذا معقولاً لأن هذه المنطقة شهدت كثافة سكانية أكبر من المنطقة الثانية في فترة ما قبل سقوط مملكة المقرة.



ويوضح الجدول رقم 4 - من خلال ما تم القيام به من تنقيب آثاري – الأوضاع العمرانية في منطقة مريس في فترة مملكة مُقُرة بالمقارنة مع الفترات السابقة واللاحقة لها. يتضح من الجدول أن منطقة شمال الشلال الثاني (منطقة رقم 1) ومنطقة جنوب الشلال الثاني (منطقة رقم 2) لم يختلفا كثيراً في العمران في فترة مقبل سقوط مملكة مروي. فقد وجدت آثار خمسة مستوطنات مسلحة في كل منطقة. وانفردت المنطقة رقم 2 بوجود آثار مدينة واحدة. بينما تم العثور على آثار عدد كبير من المعابد في المنطقة رقم 1 مما يوضح احتمال أن عدد سكانها كان أكبر من المنطقة الثانية.



جدول رقم 4 العمران في منطقة مريس ماقبل وبعد العصر المسيحي

الفترة الزمنية

مدن

مستوطنات محصنة

قرى

معابد

كنائس

جبانات كبري

جبانات صغرى

منطقة شمال الشلال والثاني (رقم 1)

ما قبل سقوط مروي

-

5

-

10

-

-

-

عصر بلانة



3

5

-

-

3

59

عصرمملكة المقرة

4

4

3

-

33

-

-

ما بعد سقوط المقرة



4

1

-

3

-

-

منطقة جنوب الشلال الثاني (رقم 2)

ما قبل سقوطمروي

1

5

-

4

-

-

-

عصر بلانة

-

3

4

-

-

2

21

عصر مملكة المقرة

-

-

2

-

13

-

-

ما بعد المقرة



14

2

-

1

-

-


المصدر: مادة الجدول مجموعة من خرائط من كتاب آدمز النوبة رواق افريقيا ص 214-454



ويبدو أن الوضع العمراني لم يتغير كثيراً في فترة ما قبل سقوط مروي والفترة التالية لسقوطها وهي فترة ثقافة بلانة. فقد تم التنقيب عن آثار ثلاث مستوطنات مسلحة في كلا المنطقتين وخمسة قرى في المنطقة رقم 1 وأربعة قرى في المنطقة رقم 2. إلا أن عدد المدافن التي تم تنقيبها في المنطقة رقم 1 فاقت تلك التي تم تنقيبها في المنطقة رقم 2 مما قد يشير إلى الزيادة في عدد سكان المنطقة الأولى كما كان عليه الحال في عصر ما قبل بلانة.



واختلف الوضع كثيراً في عصر مملكة مُقُرة إذ ازداد العمران بصورة واضحة في الجزء الشمالي من منطقة مريس ( رقم 1) حيث قامت المملكة المسيحية الأولى. فقد وجدت آثار أربع مستوطنات مسلحة وأربعة مدن وثلاث قرى و33 كنيسة. أما في المنطقة رقم 2 جنوب الشلال الثاني فقد تم التنقيب فقط على قريتين و13 كنيسة مما يشير إلى الفرق في العمران بين المنطقتين. وقد يفسر هذا العدد الكبير من أسماء المواضع التي تمركزت في منطقة ما بين الشلالين الأول والثانيفي المصادر العربية.



ويواصل ابن سليم الأسواني وصف منطقة ما بعد مريس الواقعة جنوب الشلال الثالث حيث تبدأ منطقة بقون، ويرى كراوفورد أنها منطقة المحس الحالية. وذكر ابن سليم أن اسمها "بقون" يعني العجب وذلك لحسنها، وأطنب في وصفها فذكر أنه لم ير "على النيل أوسع منها، وقدّر سعة النيل فيها من الشرق إلى الغرب مسيرة خمس مراحل، الجزائر تقطعه، والأنهار منه تجري بينها على أرض منخفضة، وقرى متصلة، وعمارة حسنة بأبرجة حمام، ومواش وأنعام وأكثر ميرة مدينتهم منها، وطيورها النقيط والنوبي والببغا، وغير ذلك من الطيور الحسان، وأكثر نزهة كبيرهم في هذه الناحية."



ويواصل ابن سليم قائلاً: "وكنت معه في بعض الأوقات، فكان سيرنا في ظل شجر من الحافتين في الخلجان الضيقة، وقيل: إنّ التمساح لا يضرّ هناك، ورأيتهم يعبرون أكثر هذه الأنهار سباحة"



ثم بعد بقون تأتي منطقة سفد بقل وهي عند كراوفورد منطقة شمال دنقلة الأصلية وتمثل دار الجوابرة، وصفها ابن سليم بأنها: "ناحية ضيقة شبيهة بأوّل بلادهم إلا أنّ فيها جزائر حساناً، وفيها دون المرحلتين نحو، ثلاثين قرية بالأبنية الحسان، والكنائس والأديار والنخل الكثير والكروم والبساتين والزرع، ومروج كبار فيها إبل وجمال صهب مؤبلة للنتاج، وكبيرهم يكثر الدخول إليها لأنّ طرفها القبليّ يحاذي دنقلة مدينتهم."



وذكر ابن سليم أن المسافة ما بين دنقلة إلى أوّل بلد علوة أكثر مما بينها وبين أسوان. فإذا كانت المسافة بين دنقلة وأسوان خمسون مرحلة فإن المسافة بين دنقلة وأول بلد علوة تكون أكبر من ذلك. وفي كل الأحوال فإن ذلك يعبر على إتساعهذا الجزء من أرض مملكة مقرة في أعين ابن سليم خاصة وأنهلم يدخله في رحلته. ويثضح من وصف ابن سليم للمنطقة أنها تمتعت بوارد زراعية وحيوانية غنية. فقد أشا إلى وجود عدد كبير من القرى والضياع والجزائر والمواشي والنخل والشجر والمقل والزرع والكرم في هذه المنطقة، وأضاف أن في هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيام، فيها الجبال والوحش والسباع، ومَفَاوز يخاف فيها العطش. وقرر ابن سليم أن ثروات هذه المنطقة تساوي أضعاف ما في الجانب الذي يلي أرض الإسلام.



وبين ابن سليم أن النيل ينعطف من هذه النواحي إلى مطلع الشمس، وإلى مغربها مسيرة أيام، حتى يصير المصعد كالمنحدر، وهي الناحية التي تبلغ العطوف من النيل إلى المعدن المعروف: بالشنكة، وهو بلد يعرف بشنقير، ومنه خرج العمري، وتغلب على هذه الناحية إلى أن كان من أمره ما كان، وفرس البحر، يكثر في هذه المواضع، ومن هذه الموضع طرق إلى سواكن وباضع ودهلك وجزائر البحر، ومنها عبر من نجا من بني أمية عند هربهم إلى النوبة، وفيها خلق من البجة يعرفون بالزنافج انتقلوا إلى النوبة قديماً وقطنوا هناك وهم على حدتهم في الرعي واللغة، لا يخالطون النوبة، ولا يسكنون قراهم، وعليهم والٍ من قبل النوبة.



وقد تضمنت هذه الفقرة عدداً من الإشارات الهامة مثل: منطقة تعدين الذهب في شنقير حيث وصل العمري، وعلاقة مملكة مقرة التجارية عبر طريق هذه المنطقة، ووجودبعض عناصر البجة (الزنافج في المنطقة). ومن المعروف أن وادي العلقي الذي اشتهر كمصدر هام للذهب في تلك الفترة يمتد نحو الجنوب الشرقي حتى يكون قريباً من النيل عند منطقة أبو حمد. وهي المنطقة التي وصلها العمري في بحثه عن الذهب.



وقد بدأ اهتمام المسلمين بماطق الذهب كما ذكر ابن حوقل (في مسعد ص 67 - 68) عندما عاينوا آثار عمل الرومان في هذا المعدن أثنا حربهم للبجة عام 232 هـ. وعاد المسلمون بعد نهاية تلك الحرب إلى مناطق التعدين، ثم تكاملت القبائل العربية في تلك المناطق عام 238 هـ. وقد تناول المقريزي بالتفصيل في كتابه المُقَـفَّـى (في مسعد المكتبة السودانية صفحات 355 - 371) قدوم العمري للمعدن وأحداث الصراع بينه وبين مملكة المقرة الذي دام وقتاً طويلاً صاحبه النزاع بين ابن ملك مقرة وقائد الجيش ودخول العمري في ذلك الصراع ونشوب صراع بين القبائل العربية في جيش العمري.



وأخيراً انتهى الصراع بهزمة العمري وتقهقره على النيل حتى وصل بالقرب من أسوان وكان ابن طولون حاكم مصر في ذلك الوقت قد أرسل جيشاً إلى أسوان وظل يراقب أحداث الصراع بين العمرى وجيوش مقرة. ولما قدم العمري بالقرب من أسوان اشتبك مع جيش ابن طولون وهزمه، لكنه لقي حتفه غيلة على يد بعض أعوانه. ومن الجدير بالملاحظة أن ملك المقرة اقطع بعض جنود العمري من الشاميين الكثير من المناطق جنوب الشلال الثاني في منطقتي ادندان وجبل عدا عندما انفصلوا من جيش العمري، ولم توضح المصادر ما آل إليه حالهم بعد نهاية الصراع.



وقد أشار ابن سليم في الفقرة أعلاه إلى الطرق التي ربطت مملكة مقرة بمواني البحر الأحمر في باضع وسواكن ودهلَك، وسنرجع إليها لاحقاً في مقالاتنا، كما أشار إلى وجود قبيلة الزنافجة البجاوية في المنطقة ووضح أنهم تابعين لممكة مقرة. وقد تحدثنا عن هذه القبيلة في مقالاتنا السابقة التي تناولت قبائل شرق السودان.


القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:38 PM   رقم المشاركة :[23]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

سكان السودان والأصل الحامي للشعوب في المصادر العربية
حول أصول سكان السودان 21

.
د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة الخرطوم

سكان السودان والأصل الحامي للشعوب في المصادر العربية

ناقشنا في مقالاتنا السابقة أصول النوبا والنوباتيين والبليميين وتوصلنا من خلال ما توفر من المصادر إلى أنهم ينتمون إلى الجنس الأسمر القديم في منطقة شمال افريقيا منذ عصر ما قبل قيام حضارات وادي النيل، وأنهم كانوا يستقبلون من وقت لآخر تحركات سكانية من الصحراء الواقعة إلى الغرب من النيل. ونود هنا مواصلة متابعة ما ورد في المصادر العربية عن أصول السكان. ويقودنا ذلك إلى التراث اليهودي الذي ربطت المصادر العربية بينه وبين أصل سكان السودان.

صنفت المصادر العربية سكان افريقيا والسودان من خلال التصنيف اليهودي المشهور والذي يجعل كل سكان العالم من سلالة أبناء نوح الثلاثة: حام وسام ويافث كما جاء في العهد القديم من الكتاب المقدس. وقد ذكر الطبري (تاريخ الرسل والملوك ج 1 ص 67) أن النوبة والحبشة وفزان والهند والسند، وأهل السواحل في المشرق والمغرب من سلالة حام بن نوح. ووضح ابن سليم (في مسعد ص 98 ) أن أكثر أهل الأنساب ينسبون النوبة إلى حام بن نوح.

وأورد ابن خلدون (كتاب العبر، ج 6 ص198) آراء بعض المؤرخين في هذا الصدد فذكر أن " النوبة من ولد نوبة بن كوش بن كنعان بن حام فيما قاله المسعودي، وقال ابن عبد البر إنهم من ولد نوب بن قوط بن مصر بن حام، والزنج من ولد زنجى بن كوش، وأما سائر السودان فمن ولد قوط بن حام فيما قاله ابن عبد البر، ويقال هو قبط بن حام."

ومن المعروف أن الكتاب المقدس يحتوي على قسمين، القسم الأول هو العهد القديم الذي يبدأ بسفر التكوين وهو بداية توراة نبي الله موسى مروراً بالتراث اليهودي حتى عصر المسيح عليه السلام، والقسم الثاني هو العهد الجديد ويحتوي على التراث المسيحي وهو الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل وبعض وهو مقسم إلى أسفار وإصحاحات مثل الأجزاء والسور في القرآن الكريم. والقسم الثاني يتضمن التراث الميسح وهو: الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل و13 رسالة لبولس ورسالتين لبطرس وثلاث رسائل ليوحنا ورؤياه ورؤيا يهوذا.

وفيما يتعلق بسكان العالم فقد جاء العهد القديم في سفر التكوين الاصحاح رقم 9 الآيتين رقم 19-18:
 وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساماً وحاماً ويافثَ. وحام هو أبو كنعان. وهؤلاء الثلاث هم بنو نوح ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض
كما جاء في الاصحاح العاشر من سفر التكوين الآية رقم 32:  وهؤلاء قبائل بني نوح حسب مواليدهم بأممهم. ومن هؤلاء تفرقت الأمم في الأرض بعد الطوفان 

ويمكن تلخيص ما جاء في المصادر العربية المبكرة حول تكوين شعوب العالم فيما أورده الطبري والقلقشندي في الآتي:
1. أبناء سام هم: العرب والأنباط واليهود والبربر (وهم الأمازيغ وبعضهم جعلهم أبناء حام)
2. أبناء يافث وهم: شعوب أوربا كلها وباقي الشعوب الآسيوية كلها ما عدا الكنعانيون والهنود،.
3. أبناء حام وهم: مصرايم وكنعان وكوش:
أ‌. مصرايم أبو المصريين، وفي رواية أخرى أن المصريين من العمالقة ابناء عمليق بن لاوز بن سام
ب‌. كنعان أبو الكنعانيين في منطقة الشام
ت‌. كوش أبو الهنود والبربر (على بعض الآراء) وكل الشعوب السوداء في افريقيا مثل فزان والزنج والزغاوة والنوبة والحبش.

وعن أبناء حام ورد الآتي في سفر التكوين 9: 20-27
 وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. فأبصر حام أبوكنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. فقال ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لأخوته. وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبدا لهم. ليفتح الله ليافث فيكن في مساكن سام. وليكن كنعان عبدا لهم 

وقد ورد ما يلى عند الطبري (تاريخ الطبري، ج1 ص 125) عن أبناء حام وتكرر في المصادر العربية الأخرى:
"ويزعم أهل التوراة أن ذلك لم يكن إلا دعوة دعاها نوح على ابنه حام وذلك أن نوحا نام فانكشف عن عورته، فرآها حام فلم يغطها ورآها سام ويافث فألقيا عليها ثوبا فواريا عورته. فلما هب من نومته علم ما صنع حام وسام ويافث فقال: ملعون كنعان بن حام عبيدا يكونون لإخوته. وقال: يبارك الله ربي في سام ويكون حام عبد أخويه. ويقرض الله يافث ويحل في مساكن حام ويكون كنعان عبدا لهم"

ويواصل الطبري في نفس المكان:
"إن نوحا دعا لسام بأن يكون الأنبياء والرسل من ولده، ودعا ليافث بأن يكون الملوك من ولده، وبدأ بالدعاء ليافث وقدمه في ذلك على سام. ودعا على حام بأن يتغير لونه ويكون ولده عبيدا لولد سام ويافث، قال: وذكر في الكتب أنه رق على حام بعد ذلك فدعا له بأن يرزق الرأفة من إخوته."

وهنالك رواية عربية في هذا الصدد أوردها الصحاري عن ابن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس ( كتاب الأنساب، ج 1 ص 23 موقع الوراق)
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما رَقَدَ نوحٌ في السفينة انكشفت عورَتُه فنظرَ إليها أهلُ السفينة فاستحبوا أن يَسْتُرًوه ولم يَجترئ عليه أحدٌ بذلك لمكانه من الله عزّ وجلّ، فنظر إليه أبنُه حام فضَحِك ولم يَسْتُره، فلما نظر إليه سام قام وسَتَرَه عليه ثيابه، فأوحى الله إلى نوح بذلك، فقال نوح لحام: يا حام نظرت إلى عُرياناً فلم تَسْتُرني وقد بدت عورتي إلى الناس؟! كَشَفَ الله عَوْرَتَك وعَوْرَة وَلَدك من بَعْدِك. وجعلهم عُرَاةً يكونون ما بقى منهم أحد. وأذلهم لَوَلَدِ سام، وجعل الله المُلْكَ والنبوة في ولد سام إلى يوم القيامة. فاستجابَ اللهُ له فلم يَجْعَل مِن ولد حام ولا يافث نَبيَّاً، و لا يجعله إلى يوم القيامة."

وتبدو عدم صحة الحديث واضحة لأنه يتعارض مع ما ورد في القرآن الكريم من آيات توضح أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله لكل الأمم باختلاف أعراقهم على مدار تاريخ البشرية، فلم يكن الرسل حكراً على الجنس السامي. فكل سكان البوادي والحضر والغابات وغيرها أرسل الله إليهم رسلاً من أنفسهم وبلسانهم كما توضح عدداً من الآيات الكريمة مثل قوله تعالى:

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ} (سورة الرعد، آية 36) وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ  (سورة فاطر، آية 24) وقوله تعالى: وقوله تعالى:  وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  (سورة الرعد اية 7) وقد ذكر الطبري في تفسير أن "نذير" و "هاد" في الآيتين السبقتين المقصود بهما الرسل.

وقوله تعالى في سورة الإسراء، آية 15:  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا  يقول الطبري (ج 17 ص 402) في تفسير هذه الآية: "وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم." وأن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحدا حتى يسبق إليه من الله خبرا، أو يأتيه من الله بيِّنة.

وفي الآية الكريمة رقم 164 في سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً الرسول محمد   وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا  وتوضح الأية أن عدد الرسل الخمسة وعشرين المذكورين في القرآن ليس هو عـدد الرسل الكلي الذين أرسلهم الله للناس في مختلف العصور والأماكن، إذ يوجد عدد من الرسل لم يذكرهم الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم في القرآن الكريم. فهؤلاء الرسل المذكورين من العرب أومن اليهود الذين كانوا يساكنون العرب في بلادهم أومن الماطق القريبة من شبه الجزيرة العربية والذين كانت للعرب معرفة بهم. وقد ذكر ابن كثير (تفسير ابن كثير ج 1 ص 85) رواية عن الرسول  أن عدد رسل الله لخلقة مائة واربعة وعشرين ألفاً.

ونخلص من ذلك أن الحديث النبوي الذي جعل النبوة في نسل سام إلي يوم القيامة حديث يتعارض مع ما ورد في ا لقرآن الكريم، وبالتالي فهو حديث موضوع ويمثل الروايات التي تعكس بعض المواقف العنصرية - المتأثرة بالتراث اليهودي - ضد الشعوب السوداء في التراث العربي. ويلاحظ أن الرواية العربية جعلت الملك والنبوة في نسل سام.
أما ما يتعلق بالتقسيم العبري السامي والحامي لسكان العالم فهو تقسيم ساد بين المسلمين المبكرين وتبعه الكثيرون في العصر الحديث وبخاصة مؤيدو الاستعمار الغربي لتبرير استعبادهم للشعوب الملونه. ولا يعترف علماء الأجناس بهذا التقسيم. ولا أظن أننا بحاجة إلى التعليق على نظرة اليهود العنصرية تجاه السود موثقة من تراثهم المقدس الذي جعل السود عبيداً لأبناء سام كما جاء في سفر التكوين: الآيتان 25 و26: "فقال ملعون كنعان، عبد العبيد يكون لأخوته. وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبداً لهم"

وإلى جانب كل ذلك فدعونا نرى كيف يحكم الغربيون (انظر برتراند رُسل، تاريخ الفلسفة الغربية ص 32) على العهد القديم من الكتاب المقدس. فالعهد القديم المعروف حاليّاً عبارة عن ترجمات بلغات كثيرة دون وجود النص الأصلي بلغته أو لغاته التي أوحي بها إلى أنبياء بني إسرائيل. والمعلومات الواردة في هذه الترجمات لا ترجع إلى اصل واحد. فهنالك الأصل العبري المشهور الذي ترجم إلى اليونانية في القرن الأول الميلادي وهي الترجمة المشهورة بالترجمة السبعينية التي قام بها سبعون شخصاً، ويعتقد أن هذه الترجمة قد أوحي بها من الله سبحانه وتعالى. وفي القرن الثالث الميلادي أخرج أًوريجن نصّاً آخر للتوراة، وفي القرن الخامس الميلادي أخرج جيروم الترجمة الشائعة للتوراة اليوم.

ويقول ابن حزم (الفصل في المِلل والنِّحل ص 177 و 202 و297) أن اليهود السامرية لهم توراة غير التوراة التي بيد باقي اليهود ويعتقدون أنها التوراة الصحيحة وأن التوراة التي بأيدي اليهود الآخرين مبدّلة ومحرفة. أما رأي المسلمين في هذه المسألة فقد ورد في أكثر من آية في القرآنالكريم مثل قوله تعالى (البقرة، آية 25 وآل عمرانن آية 78 والنساء آية 46 والمائدة آية 13 و 41) فقد وضحت هذه الآيات كيف أن اليهود يحرفون كتابهم المقدس ويضيفون إليه ما ليس فيه.

وهكذا يتضح أن ما ورد في الكتاب المقدس والتراث اليهودي عن تقسيم سكان العالم إلى ساميين وحاميين لا يعتد به، وبالتالي فما نقلته المصادرالعربية عن ذلك التراث من أن النوبة ينتسبون إلى حام بن نوح لا يعتد به أيضاً. ويبقى لدينا من روايات كتب التراث العربي ما ورد عن انتساب النوبة لقبيلة حميراليمنية السامية.

فقد ذكر ابن سليم (في مسعد ص 98) " ويقال: إنّ سلها جد النوبة، ومقري جدّ المقرة من اليمن. وقيل: النوبة ومقري من حمير" أما ياقوت الحموي (في مسعد ص166) فقد فصل بين الأسر المالكة النوبية والشعب النوبى، وذكر أن "ملوكهم يزعمون أنهم من حمير" ورغم أن صياغة الروايتين تبدو عليها الضعف الواضح فابن سليم عبر بـ"قيل" بينما عبر ياقوت بأن الملوك "يزعمون" مما يساعد على عدم الأخذ بهما إلا أننا وزيادة في التأكيد نورد هنا بعض النماذج من كتابة التاريخ في المصادر العربية لمعرفة الطرق التي اتبعها أولئك المؤلفون للحصول على المادة التي دونوها والمصادر التي استندوا عليها في جمع تلك المادة لكي نتمكن من فهم ما ورد في تلك المصادر فهماً صحيحاً يساعدنا على تقييمه والوقوف على مدى مصداقيته، ليس فيما يتعلق عن نسب النوبة فقط بل في المعلومات الكثيرة والمتنوعة التي غطت مساحات زمنية ومكانية واسعتين من تاريخنا.

فالمادة التي وردت في مصادر التراث العربي المبكر عن تحركات الشعوب وتواريخها وانشطتها السياسية الاقتصادية الاجتماعية أتت في كتب متنوعة المواد والعناوين، بعضها تحت اسم التاريخ والأغلبية العظمى تحت عناوين أخرى مثل المعارف والأخبار والبلدان والمسالك والممالك والعجائب والغرائب في البر والبحر وغيرها. ولم تميز تلك المصادر بين المادة التاريخية وغير التاريخية. فقد دونت – إلى جانب الأحداث التاريخية – ما يمكن أن نطلق عليه بلغة العصر التراث الشعبي لتلك المناطق التي كتبت عنها. ولم تميز بين أحداث التاريخ وذلك التراث الشفاهي وقصص البطولات والأساطير المتداولة بين الناس.

ومن بين تلك الروايات التي تناولت النوبة ما رواه النويري في كتابه نهاية الأرب (ج 4 ص 96 – 97 موقع الوراق) عن أخبار أحد ملوك اليمن وهو الريان بن الوليد قال: "وهو فرعون يوسفوعليه السلام والقبط تسميه نهراوش ...استعد لغزو ملوك الغرب فخرج في تسعمائة ألف، واتصل بالملوك خبره فمنهم من تنحى عن طريقه، ومنهم من دخل تحت طاعته، ومر بأرض البربر فأجلى كثيراً منهم. فلم يمر بإمة إلا أبادها وأثر فيها إلى بلغ بلد النوبة فصالح أهلها على مال يحملونه إليه، ثم أتى دنقلة فأقام بها علماً وزبر عليه اسمه وميسره"

ولنترك حكمنا على مثل هذه الروايات لابن خلدون فنرى رأيه في ما ورد في المصادر العربية عن غزوات ملوك اليمن افريقيا حيث قال:
"ومن الاخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقية والبربر من بلاد المغرب. وأن أفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الأُوَل وكان لعهد موسى عليه السلام أو قبله بقليل، غزا أفريقية وأثخن في البربر وأنه الذي سماهم بهذا الاسم ... ومن هذا ذهب الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي إلى أن صنهاجة وكتامة من حمير، وتأباه نسابة البربر وهو الصحيح"

ويواصل ابن خلدون: "وذكر المسعودي أيضا أن ذا الاذعار من ملوكهم قبل أفريقش وكان على عهد سليمان (عليه السلام) غزا المغرب ودوخه، وكذلك ذكر مثله عن ياسر ابنه من بعده وأنه بلغ وادي الرمل في بلاد المغرب ولم يجد فيه مسلكا لكثرة الرمل فرجع ...وأنه ملك الموصل وأذربيجان ولقي الترك فهزمهم وأثخن ثم غزاهم ثانية وثالثة."

ويلاحظ هنا أن ذا الأذعار كما ورد هنا كان في عصر سليمان، وأنه حكم قبل افريقش. وفي بداية النص أعلاه ورد أن افريقش كان في عهد موسى، ومن المعروف أن موسي سبق سليمان بزمن طويل فكيف حكم ذوالاذعار قبل افريقش؟

ويواصل ابن خلدون: "وأنه بعد [ذا الأزعار] ذلك أغزى ثلاثة من بنيه بلاد فارس إلى بلاد الصغد من بلاد أمم الترك وراء النهر، وإلى بلاد الروم فملك الاول البلاد إلى سمرقند وقطع المفازة إلى الصين فوجد أخاه الثاني الذي غزا إلى سمرقند قد سبقه إليها فأثخنا في بلاد الصين ورجعا جميعا بالغنائم وتركوا ببلاد الصين قبائل من حمير فهم بها إلى هذا العهد."

"وبلغ الثالث إلى قسطنطينية فدرسها ودوخ بلاد الروم ورجع. وهذه الاخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة." ويواصل ابن خلدون عما ورد عن ملوك اليمن:

"وملك الحرث الرائش فيما قالوا مائة وخمسا وعشرين سنة وكان يسمى تبعا وكان مؤمنا فيما قال السهيلي، ثم ملك بعده ابنه ابرهة ذو المنار مائة وثمانين سنة ... ثم ملك من بعده أفريقش بن أبرهة مائة وستين سنة. وقال ابن حزم: هو الذى ذهب بقبائل العرب إلى افريقية وبه سميت... وترك هنالك من قبائل حمير صنهاجة وكتامة فهم إلى الآن بها وليسوا من نسب البربر، قاله الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبى والسهيلى وجميع النسابين. ثم ملك من بعد افريقش أخوه العبد ابن خمسا وعشرين سنة وكان على عهد سليمان بن داود أوقبله بقليل وغزا ديار المغرب.

ويكفينا هنا حكم ابن خلدن الذي بدأ به النص حيث قال: "ومن الاخبار الواهية للمؤرخين ما ينقلونه كافة في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب" فالمؤلفون الأوائل لم ينشغلوا بتحقيق الخبر، وكانت براءة ذممهم في ذكر أسماء رواتهم أو مصادر معلوماتهم، أما التحقق من صدق الرواية أو مصداقية المصدر فهي مسؤولية القارئ، وعليه التحقق من المصدر والحكم على الخبر أولا قبل الاحتجاج به.

ويشير ابن خلدون إلى الأوضاع السياسية في تلك الفترة وكيف أنها تعارض مع ما ذكر من حُكْم وتوسعات ملوك اليمن فقال:

"وقد كان بتلك الاعمال العمالقة وكنعان بالشام والقبط بمصر ثم ملك العمالقة مصر وملك بنو إسرائيل الشام، ولم يُنْقل قط أن التبابعة حاربوا أحدا من هؤلاء الأمم ولا ملكوا شيئا من تلك الأعمال. وأيضا فالشقة من البحر إلى المغرب بعيدة والأزْودة والعلوفة للعساكر كثيرة. فإذا ساروا في غير أعمالهم احتاجوا إلى انتهاب الزرع والنعم وانتهاب البلاد فيما يمرون عليه, ولا يكفي ذلك للازودة وللعلوفة عادة وإن نقلوا كفايتهم من ذلك من أعمالهم فلا تفي لهم الرواحل بنقله. فلا بد وأن يمروا في طريقهم كلها بأعمال قد ملكوها ودوخوها لتكون الميرة منها. وإن قلنا إن تلك العساكر تمر بهؤلاء الأمم من غير أن تهيجهم فتحصل لهم الميرة بالمسالمة فذلك أبعد وأشد امتناعا فدل على أن هذه الاخبار واهية أو موضوعة."

ولا أعتقد أن تعليق ابن خلدون هذا في حاجة إلى أيضاح، ولكننا نضيف أنه من بين أسباب ظهور تلك الروايات في تراث عرب الجنوب عن ملوكهم من التبابعة وغيرهم المنافسة الشديدة بين عري الجنوب وعرب الشمال في شبه الجزيرة العربية. فعرب الجنوب القحطانيون كانوا أصحاب حضارة متقدمة عن حضارة عرب الشمال العدنانيين. وعندما جاءت النبوة في قريش التي تنتمي إلى عرب الشمال زادت في مكانة العدنانيين وأصبحوا يفتخرون على القحطانيين. فسعى القحطانيون إلى تسليط الأضواء على تراثهم الحضاري القديم قبل الاسلام، وأضفوا عليه الكثير من صفات البطولات التى اختلقها رواة الأخبار اليمنيون لترفع من مكانهم أمام العنانيين الذين أصبحوا السادة والحكام في العالم الاسلامي. ونقلت المادر العربية يلك الروايات دون التحقق من صدقها أو عدمه كما وضح ابن خلدون.

ولنترك المؤرخ المشهور الطبرى يحدثنا عن تقييمه لما ورد في كتابه تاريخ الرسل والملوك (ج 1 ص 3):
"وليعلم الناظر في كتابنا هذا أنّ اعتمادي في كلّ ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه، إنما هو على ما رويتُ من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه، دون ما أدرك بحجج العقول، واستنبط بفكر النفوس، إلا اليسير القليل منه، إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أبناء الحادثين، غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم، إلا بإخبار المخبرين، ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس. فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا."



القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:42 PM   رقم المشاركة :[24]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

مملكة مقرة أرضها وسكانها . حول أصول سكان السودان -22-
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية

.
بقلم: د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة الخرطوم
.
مملكة مقرة أرضها وسكانها
الاسم: مُقُرة
تناولنا في مقالاتنا الثلاثة الأخيرة مملكة مريس التي أصبحت الجزء الشمالى من مملكة مقرة، وسنتابع هنا ما ورد عن أرض وسكان مملكة مقرة في المصادر العربية.

جرت عادة المؤرخين الكتابة عن تاريخ مملكة مُقُرة ببداية اعتناقها الدين المسيحي وذلك لعدم توفر المعلومات عن الفترة السابقة للمسيحية. وقد بدأ الجيل الواعد من الآثاريين والمؤرخين بتغيير ذلك التقليد بتكثيف العمل الآثاري الذي بدأت طلائع نتائجه في الوضوح، ونأمل أن تري الأطوار المبكرة من تاريخ مملكتي مُقُرة وعلوة النور قريباً.

ونكتفي هنا بالاشارة إلى القليل الذي ورد حول اسم المملكة "مقرة" مثل محاولة ربط الاسم ببعض أسماء الشعوب التى عاشت في المنطقة وبخاصة منطقة الصحراء الغربية للنيل. وأكرر الإشارة هنا إلى أنني أرى أن فهم تاريخنا فهماً صحيحاً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمناطق الصحراء الواقعة غربي النيل، وهذا الارتباط كما سبق أن ذكرنا بمثابة العلاقات الطبيعية بين المناطق قليلة الموارد المائية والنباتية بين المناطق الخصبة والغنية بتلك الموارد.

ونتناول الرأي الذي طرحه آركل والذي ربط بين أصل كلمة مُقُرة (مقر:اليم والقاف والراء mgr) وبين أصل كلمة مَقِرة magera Tu - اسم الأسرة المالكة في منطقة هضبة تبستي في الصحراء الغربية للنيل، وكلمة Tu هي الاسم القديم لمنطقه هضبة تبستي، ومَقِرة تعني الرجل العظيم أو الرئيس. ويرى آركل أن الأسرة الحاكمة في تبستي تو- مقرة قد تردد كثيراً بين الأسر الحاكمة في المنطقة بما في ذلك أسرة التنجر في دارفور والتي يتضمن تراثها الشعبي صلتها بالنيل. كل ذلك يرجح احتمال وجود الصلة بين الأسرة التي أسست مملكة مُقُرة وسكان الصحراء الغربية.

ويرى كيروان أن المُقُريين ربما كانو نفس الجماعة التي أشار إليها سترابو في القرن الأول الميلادي باسم Meya Bapoi وأشار إليهم بطلميوس في القرن الثاني الميلادي باسم Makkopai .

ولم يحظ اسم مُقُرة في المصادر العربية بنفس القدر الذي حظي به إسمي النوبة وعلوة، فلم يتردد كثيراً في المصادر المبكرة وأتت كتابته بصور مختلفة. فقد أتى عند المسودي "ماقرة" وعند ابن سليم وأبو صالح الأرمني وابن عبد السلام والمقريزي "مُقُرة" بدون ألف ولام، وعند ابن حوقل "المُقُرة" بالألف واللام، وعند ياقوت الحموي "مُقُرّى" وعند الدمشقي "مُقُرّا" وقد تبعنا الرسم الغالب على المصادر العربية وهو مُقُرة.

المملكة وحدودها
اختلفت تقديرات المصادر العربية لامتداد مملكة مقرة، فقدره بعضهم بالأيام والليالي والأشهر والبعض الآخر قدره بالمراحل. فقد ذكر اليعقوبي أن مُقرة بلاد واسعة وعريضة ومسافة ما بينها وبين علوة مسيرة ثلاثة أشهر، بينما جعل الادريسي طولها على النيل مسيرة شهرين وأكثر وجعله اليعقوبي شهرين فقط. وقدر القزويني طول مملكة مقرة بمسيرة ثمانين ليلة بينما قدرها المقريزي بمسيرة أربعين يوماً وجعلها ابن سعيد مسيرة سبعون يوماً. أما ابن سلم الأسواني الذي زار المملكة فقد جعل طولها أكثر من خمسين مرحلة. هذه التقديرات المتضاربة تعكس مصادر معلومات أولئك المؤلفين وهو ما يذكرنا بأن لا نأخذ كل ما ورد في المصادر العربية باعتباره حقائقاً مسلماً بها

أما حدودها فقد وضحت المصادر امتدادها على النيل جنوباً حتى حدود مملكة علوة. أما حدودها الشمالية فقد كانت تنتهي عند الشلال الثالث قبل أن تضم إليها مملكة نوباتيا التي عرفت في المصادر العربية باسم مملكة مريس. وبعد اتحاد المملكتين في الربع الأخير من القرن الأول الهجري امتدت حدود مملكة مقرة - كما وضحت المصادر مثل ابن سليم والمسعودي - حتى مدينة القصر التي تقع على بعد ستة أميال جنوب أسوان. غير أن ابن سليم ذكر في مكان آخر (في مسعد، المكتبة السودانية ص 91) أن: "أول بلد مقرة قرية تعرف بتافة على بعد مرحلة من أسوان" وأغلب الظن أنه قصد مدينة فيلة التي تحدثنا عنها في مقالنا السابق رقم 18.

ولم يتردد اسم تافة في المصادر العربية كثيراً، فقد أشار إليها أبو صالح الأرمني (في مسعد ص 146) ولن يحدد موقعها. وذكر مسعد (المكتبة السودانية ص 79 حاشية رقم3) أن الملك المقري مرقوريس حول معبدها إلى كنيسة عام 710 م (92 هـ) وذكر أبو صالح: "أن بمدينة تافة دير يعرف بدير أنسون ووصفه بأنه دير عتيق متقن حسن البناء، ولذلك لم تتغير معالمه على طول مدته" واضاف أن ملك مصر أرسل نبي الله موسى قبل نبوته لغزو مدينة تافة، ووضح أن الطريق إليها كان يمر بمناطق تكثر فيه الأفاعي والحشرات التي يصعب معها العبور، فاصطحب موسى معه الديوك والطيور ففرت الأفاعي والحشرات من أمام الجيش عند سماعها أصوات الديوك والطيور. وتمكن موسى من فتح المدينة وبالتعاون مع إحدى أميراتها.

ويبدو أن امتداد مملكة مقرة شرقاً كان منحصراً على المناطق المجاورة للنيل إذ لم يرد في المصادر ما يبين امتداد نفوذها شرقاً ما عدا ما ذكر عن قبيلة الزنافجة التي استقرت بجوارها شرقي النيل والتي كانت تحت سلطتها. وقد تحدثنا عن هذه القبيلة في مقالاتنا السابقة عند الحديث عن قبائل شرق السودان.

وأشارت المصادر العربية إلى امتداد المملكة نحو الغرب والشمالالغربي والجنوب الغربي، فعاصمة الدولة دنقلة كما ذكر أبو الفداء (في مسعد ص 216) تقع على ضفة النيل الغربية وأضاف "وفي غربي دنقلة وشماليها مدنهم المذكورة في الكتب" وسنلاحظ ذلك بوضوح عند تناول مدن وسكان مملكة مقرة.

وقد تناولت بعض المصادر العربية وصف المملكة وسكانها بصورة عامة، قال القلقشندي (في مسعد ج 2 ص 13) عن النوبة: "ولون بعضهم يميل إلى الصفاء، وبعضهم شديد السواد" ووصفهم ياقوت الحموي (ج 4 ص 246) بأنهم "نصارى يعاقبة لا يطؤن النساء في الحيض ويغتسلون من الجنابة ويختتنون"

الختان معروف في العالم القديم في وادي النيل والشرق الأوسط. وقد دلت الآثار المصرية القديمة على ممارسة الختان منذ نهاية الألف الثالث قبل الميلاد. وفي افريقيا ارتبطت عادة ختان الصبيان عند سن البلوغ وهو ما يسمى بطقوس العبور Rites of Passage. ومن المعروف في التراث الاسلامي أن ختان الصبيان سنة, وقد ذكر الحاكم في المستدرك على الصحيحين (ج 9 / ص 453) أنه "قد تواترت الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد مختونا مسرورا" مسروراً أي مقطوع حبل السرة.

ووصف المسعودي (في مسعد، المكتبة السودانية ص 49) البلاد بصورة عامة فذكر أنها أشبه باليمن، وبيّن بعض ثروات مقرة من الإبل النجائب والبقر والغنم. وذكر أن "لملكهم خيل عتاق وللعامة براذين وينبت عندهم الحنطة والشعير والذرة ولهم نخل وكروم ومقل وأراك وعندهم أترنج مفرط العظم." كما ورد في نسخة موقع الوراق (ج 1 ص 495) أن كل المنطقة الواقعة على طول النيل بين اسوان ودنقلة عمائر متصلة. ويلاحظ وجود الأبل العتاق في مملكة مقرة مما يشير إلى ارتباط وامتداد المملكة في الصحراء غربي النيل. وقد أشار المسعودي إلى سلاح المقريين وقتالهم فذكر أنهم: "يرمون بالنبل عن القسي العربية وعنهم أخذ الرمي أهل الحجاز واليمن وغيرهم من العرب. وهم الذين يسميهم العرب رماة الحدق."

وذكر ياقوت الحموي (في مسعد ص 165) أن "النوبة بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر وهم نصارى أهل شدة في العيش أول بلادهم بعد أسوان يجلبون إلى مصر فيباعون بها ... وبين النوبة والبجة جبال منيعة شاهقة وكانوا أصحاب أوثان"

مدن مملكة مُقـرة
مدينة دنقلــة
حظيت مدينة دنقلة عاصمة مملكة مقرة بالقدر الأكبر من المادة التي وردت في المصادر العربية عن مدن مملكة مقرة. ورغم تواتر كتابة اسم المدينة دنقلة بالنون إلا أنها جاءت في بعض المصادر بالميم دمقلة كما في كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم والروض المعطار للحميري وعند المقريزي في كتابه السلوك لمعرفة دول الملوك وابن كثير في البداية والنهاية. ويبدو أن هؤلاء المؤلفين قد نقلوا عن ابن الحكم (في مسعد، المكتبة السودانية ص 8) واشتهرت كتابة الاسم بالميم كما وردت عنده في بيت الشعر المشهور:
لم تر عيني مثل يوم دمقلة والخيل تعدو والدروع مُثْقلة

وقد نقل القلقشندي (في مسعد، المكتبة السودانية ص 285) ما أثبته أبو الفداء في كتابه تقويم البلدان بأنها بالميم، وعلق على ذلك قائلاً: " وما قاله هو الجاري على ألسنة أهل الديار المصرية"

وحددت المصادر موقع مدينة دنقلة على الضفة الغربية للنيل، وقال الادريسي (في مسعد، المكتبة السودانية ص 129) عن سكان مدينة دنقلة أنهم: "سودان لكنهم أحسن السودان وجوهاً وأجملهم شكلاً ... وطعامهم الشعير والذرة والتمر يجلب إليهم من البلاد المجاورة لهم وشرابهم المزر المتخذ من الذرة واللحوم التي يستعملونها لحوم الإبل طرية ومقددة ومطحونة ويطبخونها بألبان النوق وأما السمك فكثير عندهم جدا."

وذكر ابوصالح الأرمني (في مسعد، المكتبة السودانية ص 139) دنقلة بأنها "مدينة عظيمة على شاطئ بحر النيل المبارك، وبها كنائس وآدر كبار وشوارع متسعة ودار الملك شاهقة البناء بقباب عدة مبنية بالطوب الأحمر تحاكي أبنية العراق مما كان اقترحه رفائيل ملك النوبة إلى آخر سنة اثنين وتسعين وثلثمائة للعرب [392 هـ]"

ويبدو أن هذا الوصف للكنائس وللمباني والشوارع وصف من دخل مدينة دنقلة، وأغلب الظن أن يكون هذا وصف ابن سليم للمدينة. فالمقريزي (في مسعد، المكتبة السودانية ص 97) لم ينقل وصف ابن سليم لمدينه دنقلة، فقد ذكر المقريزي فيما نقله عن مدينة دنقلة من ابن سليم: "وذكر صفتها ثم قال: يسقفون بيوتهم بخشب الساج الذي يأتي به النيل" فقد اهتم المقريزي ما تعلق بالخشب الذي يأتي به النيل، ولم يورد ما ذكره ابن سليم عن وصف المدينة بل اكتفى بالاشارة إلي أن ابن سليم وصف المدينة حين قال "وذكر صفتها". فلو أخذنا بأن ابا صالح الأرمني المتوفى عام 605 هـ /208 م قد أخذ الوصف عن ابن سليم يكون هذا الوصف وصف من شاهد المدينة مما يؤدي إلى مصداقية الوصف وقبوله.

وتبدو دنقلة مدينة مدينة كبيرة ذات تخطيط منتظم، بها كنائس متعددة، وبها شوارع واسعة ومنازل كبيرة والقصر الملكي مشيد بالطوب الأمر وذو مباني عاليه تزينه عدد من القباب. ووضح الوصف أن مباني مدينة دنقلة وربما القصر الملكي بصورة خاصة قد تأثر بأسلوب العمارة العراقية مما يوحي بأن هذا التأثير نتج عن زيارة الأمير المقري الذي زار العراق في عصر الخليفة المعتصم (218 – 229 هـ / 833 – 843 م) والذي ورث أباه على عرش المملكة (259 – 279 هـ / 872 – 892 م). وبعد نحو قرن من الزمان أتي الرحالة اين سليم الأسواني إلى مدينة دنقلة في عهد الملك جورج الثاني (359 – 392 هـ /) وترك لنا وصف المدينة الذي أشار إليه ابن سليم ولم ينقله. وأغلب الظن أن وصف دنقلة الذي أورده أبو صالح منقولاً عن ابن سليم.

وقد وصف القزويني (في مسعد ج 1 / ص 14) أرض مدينة دنقلة بأنها "محترقة لغاية الحرارة عندهم، ومع شدة احتراقها ينبت الشعير والحنطة والذرة. وذكر أن "لهم نخل وكرم ومقل وأراك وبلادهم أشبه شئ باليمن" ووصف مساكنها بأنها "أخصاص كلها، وكذلك قصور ملكهم". وقد انفرد القزويني بوصف أهل مدينة دنقلة بأنهم "عراة مؤتزرون بالجلود"، وأضاف أن "النمر عندهم كثيرة، يلبسون جلودها، والزرافة أيضاً وهي دابة عجيبة منحنية إلى خلفها لطول يديها وقصر رجليها، وعندهم صنف من الإبل صغيرة الخلق قصيرة القوائم."

ومن الواضح أن معلومات القزويني عن مدينة دنقلة غير دقيقة مثل وصفه لمساكن أهل دنقلة بأنها أخصا ص كلها وهذا يتعارض مع ما ورد عن مدينة دنقله في المصادر العربية الأخرى. وكما وضحت الكشوفات الآثارية وجود المباني الكبيرة الواسعة ذات الطابقين في مدينة دنقلة وسورها الضخم والعالي الارتفاع المبني بالطوب والحجارة. وقد نقل القزويني وصف المسعودي للنوبة بصورة عامة وجعله وصفاً لأهل مدينة دنقلة.

ومن الروايات غير الدقيقة أيضاً ما أورده النويري (ج 7 ص 461) من وصف الرسول الذي بعثه توران شاه أخو صلاح الدين الأيوبي عام 568 هـ (1172 م) لمدينة دنقلة ليكشف له خبرالبلاد بعد أن دخل المناطق الشمالية من مملكة مقرة حتى قلعة إبريم، وقال الرسول بعد عودته من دنقلة كما رواها النويري:
" وجدت بلادا ضيقة، ليس بها من الزرع سوى الذرة ونخل صغير منه أدامهم ، ويخرج الملك وهو عريان على فرس عرى، وقد التف في ثوب أطلس ، وليس على رأسه شعر. فلما قدمت عليه وسلمت ضحك وتغاشى، وأمر بي فكويت على يدي هيئة صليب ، وأنعم علي بنحو خمسين رطلا من دقيق وليس في دمقلة عمارة سوى دار الملك ، وباقيها أخصاص"
ومن الواضح أن هذا الوصف

ويبدو أن كاتب هذا الوصف لم يدخل مدينة دنقلة ولم يجمع معلوماته عنها ممن دخلها بل أورد وصفاً للمدينة وملكها من تخيلاته التي توضح جهله بالمنطقة وأهلها.

مدينة نوابية أو نوابة
مدينة نوابية أو نوابة من مدن مملكة مقرة الصحراوية، ولم تتفق المصادر العربية في كتابة اسمها. فقد ورد "نوابة" عند الادريسي في نسخة موقع الوراق الذي لم يذكر معلومات عن الطبعة التي أخذ منها وورد وكذلك "نوابة" عند ابن سعيد. وكُتِب "نوابية" عند الدريسي في النسخة التي اعتمد عليها مسعد في المكتبة السودانية وهي طبعة دوزي عام 1864 م وكذلك كُتِبت "نوابية" عند ابن الوردي والحميري ويبدو من المادة التي أوردها كل من ابن الوردي والحميري أنهما نقلا عن الادريسي. وعلى كل حال فإن الاختلاف في الرسم بسيط ولا يغير في نطق الكلمة كثيراً.

ذكر ابن سعيد (كتاب الجغرافيا ج 1 ص 11 موقع الوراق) أن مدينة نوابة تقع إلى الجنوب الغربي من مدينة دنقلة، وحدد كل من الادريسي (في مسعد، المكتبة السودانية ص 126) وابن الوردي (خريدة العجائب في مسعد، المكتبة السودنية ص 372) بأنها تبعد عن النيل أربعة أيام. وحدد ابن سعيد موقعها على خط الطول ثمان وخمسون درجة وثلاثون دقيقة والعرض تسع درجات. وحدد موقع مدينة دنقلة على خط عرض أربع درجات وخمس عشرة دقيقة.

ويبدو أنه حدث خطأ في نقل النص أو طباعتة. فقد تواتر في الجغرافيا العربية أن موقع مدينة دنقلة إلى الشمال كثيرا من خط عرض اربعة درجاتً. وقد صحح هذا الخطأ ما ورد عند القلقشندي (صبح الأعشى ج 2 ص 313.) عن موقع المدينة نقلاً عن ابن سعيد فذكر: "قال ابن سعيد: حيث الطول ثمانٌ وخمسون درجة وعشر دقائق، والعرض أربعة عشر درجة وخمس عشرة دقيقةً."

ووفقاً لهذا التحديد فمدينة تقع إلى الجنوب من مدينة دنقلة بأريع درجات وإلى الغرب منها بعشرين دقيقة. وإذا قارنا موقع مدينة نوابية عند ابنسعيد بالمقارنة إلى مدن الزغاوة والكانم في المنطقة نجدها تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة زغاوة التي تقع على خط عرض 10 جنوبا خط الاستواء وعلى خط طول 54، وتقع إلى الشرق من مدينة جيمي الكانمية على نفس خط عرضها ويفصل بينهما خمسة خطوط طول. وبالطبع فإن تحديد الموقع بهذه الخطوط في الجغرافيا العربية المبكرة ليس بالضرورة أن يكن دقيقاً مثل التحديد الحالي للمواقع، فهو بخاصة للمدن النائية تقديري في أغلب الأحيان، إلا أنه يعطى التصور العام للموقع.

وذهب كراوفورد (The Fung kingdom of Sennar, 26) إلى أن مدينة نوابية تقع في موضع جبل حرازة الحالي

وقد ذكر كل من الادريسي ( في مسعد ص 126) وابن الوردي (خريدة العجائب ج 1 ص 28) وصف مدينة نوابية وسكانها فذكرا: "وهي مدينة صغيرة وأهلها مياسير، ولباسهم الجلود المدبوغة وأزر الصوف... وشرب أهلها من الآبار وطعامهم الذرة والشعير ويجلب إليهم التمر والألبان عندهم كثيرة. وفي نسائهم جمال فائق وهن مختتنات ولهن أعراق طيبة ليست من أعراق السودان في شيء. وجميع بلاد أرض النوبة في نسائهم الجمال وكمال المحاسن وشفاههم رقاق وأفواههم صغار ومباسمهم بيض وشعورهم سبطة وليس في جميع أرض السودان من المقازرة ولا من الغانيين ولا من الكانميين ولا من البجة ولا من الحبشة والزنج قبيل شعور نسائهم سبطة مرسلة إلا من كان منهن من نساء النوبة ... وإن الجارية منهن ليبلغ ثمنها ثلاث مائة دينار وأقل من ذلك. ولهذه الخلال التي فيهن يرغب ملوك أرض مصر فيهن ويتنافسون في أثمانهن ويتخذونهن أمهات أولاد لطيب متعتهن ونفاسة حسنهن."

فمدينة نوابية أو نوابة من مدن الصحراء التي لا نعرف عنها الكثير، وقد أوردت المصادر العربية أن اسم النوبة أتى من اسم هذه المدينة. فذكر الادريسي: "وإليها تنسب النوبة وبها عرفوا" وقال ابن سعيد: "من مدن النوبة نوابة التي سموا بها" وقال الحميري: "وإليها ينسب النوبة وبها عرفوا"

واسم النوبة – كما جرت عادة العرب على تخريج الاسماء – تارة يرجعونه إلى جدهم الأكبر الذيكان يعرف بـ "نوبا" فهم "بنو نوبة" كما ذكر المسعودي (أخبار الزمان ج 1 ص 89) والقلقشندي (صبح الأعشى ج 1 ص 153) وأحياناً يرجعونه إلى أصل عربي كما وضح ياقوت الحموي (في مسعد ص 165): "نوبه: بضم أوله وسكون ثانيه وباء موحدة، والنوب جماعة النحل ترعى ثم تنوب إلى موضعها فشبه ذلك بنوبة الناس والرجوع مرة بعد مرة، وقيل النوب جمع نائب من النحل والقطعة من النحل تسمى نوبة شبهوها بالنوبة من السودان وهو في عدة مواضع: النوبة بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر."

ولكن يبدو معقولاً ارتباط اسم النوبة في المصادر العربية باسم مدينتهم كما جرت عليه عادة المؤلفات العربية في إطلاق اسم المدينة على السكان أو العكس "فنوابة أو نوابية أو نوبة" كما ذكر ابن الوردي (في مسعد ص 373): "ومن مدن النوبة المشهورة نوابية ويقال لها نوبة" فأصبحت "نوبا" اسم المدينة والسكان كما يقولون أهل غانة عاصمتهم مدينة غانا وكوكو عاصمتهم مدينة كوكو، ورغم أن عاصمة مالي تذكر أحياناً باسمها "نياني"إلا أنه يطلق عليها مدينة مالى. فهل كانت مدينة النوبا "نوابة أو نوابية أو نوبة" في وقت ما قبل دخول العرب مصر مدينة للنوباتيين في الصحراء ولذلك عرف السكان بها؟

وقد ذكرنا في مقالاتنا السابقة أن العرب عندما دخلوا مصر وجدوا أن سكان المنطقة الواقعة على حدود مصر الجنوبية يعرفون باسم النوباتيين، فجرى الاسم في لسانهم النوبة بلاً من النوباتيين. ولم يرد اسم مدينة "نوابية أو نوابة أو نوبة" في المصادر العربيةالمبكرة، وظهر في القرن السادس عند الادريسي ومن جاء بعده. فهل كانت مدينة نوابية موجودة طيلة هذه القرون لكنها لم تصل عنها معلومات إلى المؤلفين المبكرين؟ لا يبدو هذا الافتراض معقولاً لقرب المدينة ولاشتهارها كم عبر ابن الوردي أعلاه. فمتى ظهرت المدينة إن لم تكن قديمة؟ وهل أخذت المدينة اسمها من اسم سكانها النوبة خلافاً لما ورد في المصادرالعربية؟ تظل مثل هذه الأسئلة في انتظار جهود مؤسساتنا العلمية وبخاصة الآثارية منها.

مدينة بـلاق
ذكرت المصادر العربية مدينتان بهذا الاسم في مملكة مقرة، إحداهما بلاق التي تقع جنوب أسوان على الحدود بين مملكة مقرة ومصر وقد تناولناها فيما سبق من موضوعاتنا. ومدينة بلاق الأخرى ذكر الادريسي (في مسعد ص 130) والحميري (الروض المعطار ج 1 ص 619) الذي كتبها يلاق بالياء أن موقعها عند إلتقاء نهر عطبرة بالنيل، وأن المسافة بين علوة ومدينة بلاق عشرة أيام في البر وفي النيل إنحداراً أقل من ذلك. وذكر الادريسي أن "أهل علوة ودنقلة يسافرون في النيل بالمراكب وينزلون أيضاً إلى مدينة بلاق في النيل"

ووصف الادريسي والحميري سكان مدينة بلاق بأنهم متحضرون ومعايشهم حسنة ولباسهم الأزر والمآزر، يزرعون الشعير والزرة ويأتيهم التجار بالحنطة، وتتوفر عندهم الألبان والحيتان والبقول. وتناولا نشاط المدينة التجارى، فقد كانت مدينة بلاق مركزاً تجارياً هاماً بين علوة والمقرة والبحر الأحمر، وذكرا أنه يجتمع فيها تجار "النوبة والحبشة، ويسافر تجار مصر إليها إذا كانوا معهم في صلح وهدنة" وذكر الادريسي أن الطريق بين مدينة بلاق ومدينة مركطة في الحبشة يبلغ ثلاثون مرحلة، ومنها يصل الطريق إلى ميناء زيلع على البحر الأحمر.

شنقير
رجع كراوفورد (ص 25 حاشية ) إلى ما نقل عن J. N. Vansleb في كتابه Histoire de L’eglise d’Lexandrie المفقود والذي إلف في القرن السابع عشر إلى ما ورد عن أسقفيات مملكة مقرة وهي: كورتا (تقع على بعد 70 ميلاً جنوب أسوان) وابريم وبوخارس (فرس) ودنقلة وصاي وتيرمس ( تالمس القديمة، كلابشا) وسينكور Scienkur. ويرى كراوفورد أن سينكور ربما كانت هي بلد شنقير، وهو الاسم الذي لا يزال موجوداً - كما يرى كراوفورد – في اسم وادي Sengeir أو Sumgar كما غند Cailliaud وبروس، ويلتقي الوادي بالنيل عند جزيرة العُشير، كما يرى كراوفورد أن الاسم لا يزال عئاشاً في اسم سنجراب Singerab جزيرة مقرات الحالية بالقرب من أبوحمد.

وضع المقريزي (في مسعد ص 97) شنقير عند انحناءة النيل إلى الجنوب الغربي في منطقة أبوحمد وبها معدن الذهب المعروف بالشنكة. وحدد موقعها في مكان آخر(في مسعد، ص 357) على بعد "بعض نهار يوم" من النيل. وهو الموضع الذي حاربفيه العمري المقريين. ويرى مسعد (المكتبة السودانية حاشية 2) أم منطقة شنقير كانت أحد الأقسام الادارية والكنسية في مملكة مقرة، وكانت فيما يبدو آخر أعمال هذه المملكة من ناحية الجنوب ومتاخمة لمنطقة الأبواب.

مدينة كوشـــة
ورد اسم كوشة في عند الادريسي في القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي وعند ابن سعيد في القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي وكلاهما لم يذكر مصدره، وقد عاشا بين الأندلس وصقلية والمغرب العربي. ذكرالادريسي (مسعد 127 - 128) أن كوشة من البلاد المشهورة والقواعد المذكورة في بلاد النوبة ووضعها إلى جانب علوة ودنقلة وبلاق. وحدد موقعها (وعنه نقل الحميري) بأنها موغلة في الداخل "وبينها وبين مدينة نوابة ستة أيام وهي تبعد عن النيل يسيراً وموضعها فوق خط الاستواء" وحدد ابن سعيد (كتاب الجغرافيا ج 1 ص 11) وعنه نقل أبو الفداء (في مسعد ص 216 ) والقلقشندي (في مسعد ص 285) موقعها بأنها جنوب غربي مدينة دنقلة. وذكر ابن فضل الله العمري (في مسعد ص 245) أن كوشة من مدن النوبة ولم يحدد موقعها كما لم يذكر مصدره.

ووضح ابن سعيد أن مدينة كوشة هي "قاعدة زنج النوبة" وربم قصد ابن سعيد بـ "زنج النوبة" ما وضحه الادريسي بأن كوشة في طاعةملك دنقلة. ووصف أهلها بأنهم "قليلون وتجاراتها قليلة" ووصف أرضها بأنها "حارة جافة كثيرة الجفوف جداً وشرب أهلها من عيون تمد النيل هناك" وقد افترض كراوفورد بناءً على تحديد الادريسي بأنها قامت على مكان زانكور الحالية في شمال كردفان عند بداية وادي المٍلك.

ويبدو هذا التحديد معقولاً للصلات القديمة القوية بين سكان منطقة دنقلة بكردفان التي كانت مرتبطة ارتباطا قويا بالنيل شمالاً عبر وادي الملك. ويعتقد آركل أن الأسرة المروية الحاكمة بعد سقوط الدولة تحركت جنوبا وتمكنت من إحياء مملكتها في مناطق كردفان. وربما ظل انتقال العاصمة إلى شمال كردفان حيا أيضا في مخيلة سكان الشمال كما يُلاحظ ذلك في مخطوطة داؤد كُبارا بن يوسف من أهالي وادي حلفا والتي كتبها عن تاريخ النوبة عام 1911م. بدأ داؤد الفصل الأول من تاريخه في كتاب ماكمايكل ( A History of the Arabs In the Sudan Vol. 2 p324) تحت عنوان "عاصمة مملكة النوبة" قائلاً: "إن العاصمة كانت جبل عبد الهادي الذي يقع بين دنقلا وكردفان وعدد من الجبال"

وقد أورد الدمشقي (كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر في مسعد ص 236) معلومات غير دقيقة عن مدينة كوشة فقد ذكر نصان عن النوبة على نفس الصفحة، في النص الأول ذكر أنه "حكى السبحي أن للنوبة صنفان: أحدهما يقال له علوة وملكهم يسكن مدينة تسمى كوسة، والآخر يسمى مقرا وملكهم يسكن دنقلة، لا يلبسون المخيط." وقد اعتبر الباحثون أن كوسة الدمشقي هي مدينة كوشة التي ذكرت في المصادر الأخرى بالشين وليس بالسين.

وذكر في النص الثاني أن النوبة أصناف "وهم على ما ذكره تجار أسوان: أنج وأزكرسا ووالتبان وأندا وكنكا" ويلاحظ أنه ذكر أن النوبة صنفان: علوة ومقرة كما في النص الأول، ثم ذكر مرة أخرى وعلى نفس الصفحة أ، النوبة أصناف وعدد منهم خمسة أصناف كما في النص الثاني. ومعلومات الدمشقي عن مملكتي مقرة وعلوة جاءت مختصرة وتبدو في صورتها العامة غير دقيقة. وقد تواترت الأخبار في المصادرالعربية الأخرى أن ملك علوة كان مستقرّاً في مدينة سوبة.

وقد حاول Monneret de Villard أن يجد تخريجاً لنص الدمشقي فذكر كما ورد في كراوفورد (The Fung Kingdom of Sennar p 27 ) أن الملك حول عاصمته من سوبة إلى كوشة في الجنوب تحت ضغط القبائل العربية، وقد وقف كراوفورد متردداً أمام النص لأنه لم ير النص الأصلي وتساءل هل تحويل الملك العلوي لعاصمته قد ذكره المشقي أم أن ذلك أتىكتفسير من دي فلارد؟

ومن الواضح أن الدمشقي لم يتطرق لتحويل العاصمة كما في النص الأول أعلاه، بل أتى ذلك كتفسيرمن دي فلارد. ولا يبدو هذا التفسير مقبولاً لأن الدشقي توفى عام 739 هـ / 1338 م ويعني هذا أن تأليف كتابه قد سبق هذا التاريخ، ومن المعروف أن المسلمينقد بدأوا يدخلون مملكة المقرة بعد أن إعتلى عرشها أول ملك مسلم عام 716 هـ / 1316 م. أي أن الفترة الزمنية بين تأليف الدمشقي لكتابه وبين بداية دخول المسلمين مملكة مقرة أقل من عشرين سنة كان الصراع لا يزال قائما بين أفراد الاسرة المالكة وبنو الكنزالذين تولوا الملك في البداية وبين القبائل العربية التي دخلت مع حملات المماليك. وبالضافة إلى هذه الصراعات فأقل من عشرين سنة يعتبر وقتاً قصيراً جدّاً لا يسمح بانتشار المسلمين في داخل مملكة مقرة ناهيك عن تخطيهم لها والوصول إلى مملكة علوة والضغط على ملكها حتى اضطر لتحويل عاصمته.

والمخرج الواضح لما كتبه الدمشقي هو أنه حدث خطأ في نقل الرواية، إما من مصادر المؤلف أو من نقل الرواية فيما بعد، فتكون كوسة التي ذكرها الدمشقي هي كوشة قاعدة زنج النوبة التي تواترت في المصادر أخبارها. وقد تبع بعض المؤرخين افتراض دي فلارد وفسروا به توغل فبائل العرب المبكر في مملكة علوة وربطوه بغير ذلك من أحداث.

ولعل هنالك سؤال هام يبرز هنا هو ماهي الصلة بين "كوش" اسم قاعدة زنج النوبة وبين مملكة كوش التي قامت في مروي في منتصف الألف الثالث قبل المبلاد، وظل الاسم حيّاً – كما سنتناول ذلك لاحقاً – حتى عصر مملكة علوة المسيحية؟
الـلاب
ذكر ياقوت الحموي (معجم البلدان ج 4 / ص 12)موضا يعرب باللابُ من بلاد النوبة، ولم يحدد موقعه. وذكر أنه يُجلَب منه صنف من السودان منهم كافور الأخشيدي. قال فيه المتنبي: "كأن الأَسودَ اللابي فيهم" ومن أيضاً صندل اللابيُ والي إمارة عُمان

الجبلييـن
ذكر ابن حوقل (ص 75) أنه توجد أمة تعيش غربي النيل الأبيض يعرفون بالجبليين في طاعة ملك دنقلة، ولم يذكر عنهم أكثر من ذلك. وبما أن موقعهم كما ورد غربي دنقلة فيبدو من الصعب ربطهم بمنطقة جبلية وفقاً لاسمهم "الجبليين" لأنه لا توجد منطقة جبلية في غربي دنقلة قريبة منها، إلا إذا توغلنا غرباً إلى مناطق العوينات أو تبستيوهي مناطقبعيدة عن دنقلة، ولاأظن الكاتب يربطهم بها. ومن الممكن أنلا يكون غسم الجبليين مرتبطاً بمنطقة جبلية، وبذلك ينبغي البحث عن هناطق هذه الجماعة غربي دنقلة في المناطق الصحراوية.

الزغاوة
تقع مناطق الزغاوة كما وردت في المصادر العربية بين دولة الكانم غرباً والنوبة شرقاً. وتمتد دياركانم من بحيرة تشاد جنوباً متوغلة في الصحراء، وقد تراوحت حدود كانم الشمالية على حسب قوتها وقوة الدول التي قامت في شمال افريقيا. لكن حدودها كانت بصورة شبه دائمة في الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها ممتدةً حتى النهايات الشمالية للصحراء الكبرى.

وقد ذكر ابن سعيد عند الحديث عن غدامس – على الحدو الليبية التونسية الجزائرية- وودان إلى الشرق من غدامس وبلاد فزان أن "الجميع الآن في طاعة ملك الكانم" فسكان بلاد الكانم كانوا سودان وبربر. وقد وصفهم فيما بعد القلقشندي بأنهم "مسلمون الغالب على ألوانهم السواد ... وأتباعهم من البرابرة الذين أسلموا ... عسكرهم يتلثمون."

وإلى الشرق من بلاد كانم وهي المنطقة الواقعة الآن على الحدود السودانية التشادية أي دارفور ومايجاورها مجالات الزغاوة والتاجويين. وصنفت المصادر الاسلامية المبكرة الزغاوة بانهم من السودان مثل النوبة والبجة والكانم أبناء كوش بن كنان بن حام بن نوح.

وورد عند كل من الادريسي وابن خلدون رواية يفهم منها أن مواطن الزغاوة كانت في أقصى الجزء الغربي من الصحراء الكبرى في أرض قمنورية على المحيط الأطلسى والتي كان يسكنها قوم يقول الإدريسي عنهم أن: "التجار يدعون أنهم يهود وفي معتقدهم تشويش" ويضيف الادؤيسي على نفس الصفحة أنه:

"وكانت في القديم من الزمان السالف لأهل قمنورية مدينتان عامرتان ... لكن أهل زغاوة وأهل لمتونة الصحراء الساكنون من جهتي هذه الأرض طلبوا هذه الأرض أعني أرض قمنورية حتى أفنوا أكثر أهلها وقطعوا دابرهم وبددوا شملهم على البلاد ... فأفنتهم الأيام وتوالت عليهم الفتن والغارات من جميع الجهات فقلوا في تلك الأرض وفروا عنها واعتصموا في الجبال وتفرقوا في الصحارى ودخلوا في ذمة من جاورهم وتستروا في أكنافهم"

ويورد ابن خلدون أثناء حديثه عن بلاد السودان أن "أرض قنورية وبعدها في جهة الشرق أعالي أرض غانة ثم مجالات زغاوة من السودان" ويتضح من النصين أن مواطن الزغاوة كانت فيأقصى غرب افريقيا بالقرب من ساحل المحيط الأطلسي ولكن يفهم من نص الادريسي أن ذلك كان كما عبر " في القديم من الزمان السالف"

وبالطبع فإنه يصعب تحديد ذلك الزمان السالف، ولكن ما نقلته المصادر العربية توضح أن مواطن الزغاوة منذ بداية العصور الاسلامية كانت المنطقة الواقعة إلى الشرق من كانم. فابن خلدون نفسه ذكر أن "الزغاوة مجاورون للنوبة" وأعتقد أنه لم يشعر بأي تضارب بين روايتيه لأن الرواية الأولى ترجع إلى عصور سالفة.

وذكر المسعودي أن "مملكة الزغاوة واسعة كبيرة، منها على النيل مما يحاذي النوبة، ويحاربون النوبة." ونقل ياقوت الحموي عن المهلبي (ت380هـ) نصاًّ طويلا عن الزغاوة يعتبر من أقدم وأوفى ما كتب عنهم ورأيت أن اثبت النص بكامله. يقول ياقوت:

وقال المهلبي: وللزغاوة مدينتان: يقال لإحداهما مانان وللاخرى ترازكي وهما في الإقليم الأول وعرضهما إحدى وعشرون درجة. قال ومملكة الزغاوة مملكة عظيمة من ممالك السودان في حد المشرق منها مملكة النوبة الذين بأعلى صعيد مصر بينهم مسيرة عشرة أيام. وهم أمم كثيرة وطول بلادهم خمس عشرة مرحلة في مثلها في عمارة متصلة. وبيوتهم جصوص كلها وكذلك قصر ملكهم وهم يعظمونه ويعبدونه من دون الله تعالى ويتوهمون أنه لا يأكل الطعام، ولطعامه قَوَمَة عليه سراً يدخلونه إلى بيوته لا يعلم من أين يجيؤنه به فإن اتقف لاحد من الرعية أن يلقى الابل التي عليها زاوُر قتل لوقته في موضعه. وهو يشرب الشراب بحضرة خاصة أصحابه، وشرابه يعمل من الذُرَة مقوى بالعسل. وزيه لبس سراويلات من صوف رقيق والتشلاح عليها بالثياب الرفيعة من الصوف الإسماط والخز السوسي والديباج الرفيع. ويده مطلقة في رعاياه ويسترق من شاء منهم. أمواله المواشي من الغنم والبقر والجمال والخيل وزروع بلدهم أكثرها الذُرَة واللوبيا ثم القمح. وأكثر رعاياه عراة مؤتزرون بالجلود ومعايشهم من الزروع واقتناءِ المواشي، وديانتهم عبادة ملوكهم يعتقدون أنهم الذين يحيون ويميتون ويمرضون ويصحون. وهي من مدائن البلماء وقصبة بلاد كاوار على سمت الشرق منحرفاً إلى الجنوب."

ومدينة مانان وفقا لرواية ياقوت عن المهلبي من مدن الزغاوة بينما هي عند كل من الادريسي وابن سعيد من مدن الكانم، وتبدو روايتيهما أوثق من رواية المهلبى خاصة وأن معرفة ابن فاطمة - الذي نقل عنه ابن سعيد - بالمنطقة واسعة وربما زار تلك المناطق.

ومن الممكن أيضاً تفسير ما قاله المهلبي من أن مدينة مانان من مدن الزغاوة باعتبار أن أن الزغاوة كانوا من بين مؤسسي مملكة كانم، وربما كانت الغلبة إلى جانبهم في المراحل المبكرة من تاريخ مملكة كانم فاعتبر المهلبي مانان من مدنهم. أما مدينة ترازكي – بهذا الرسم - لم ترد في المصادر الجغراقية الأخرى.

فمملكة الزغاوة بناءاً على وصف المهلبي في القرن الرابع الهجري (10 م) من ممالك السودان الواسعة المأهولة بالسكان إذ قدر مساحتها " خمس عشرة مرحلة في مثلها في عمارة متصلة" ويمارس سكانها حرفتي الزراعة والرعي. وذكر ابن سعيد أن الزغاوة والتاجويين

"جنس واحد، ولكن الملك وحسن الصورة والأخلاق في التاجويين. وهم كفار عصاة على الكانمي يألفون الصحارى والجبال" وقد جعل ابن سعيد تاجوة وليست مدينة زغاوة عاصمة أو قاعدة للزغاوة ربما لأنه ذكر أن الملك كان بيد التاجويين، وأضاف أن مجالاتهم "ممتدة في المسافة التي بين قوس النيل من الجنوب إلى الشمال" وامتداد قوس النيل يقصد به منطقة انحاءة النيل نحو الجنوب الغربي ثم إلى الشمال في منطقة دنقلة.

ولم تكن حدود قوس النيل واضحة لدى الجغرافيين المبكرين. فامتداد مملكة الزغاوة كان أكبر من المسافة الممتدة على قوس النيل، وقد يوضح هذا الوصف تحديد موقع مملكة الزغاوة بأنها شرقي النوبة – كما ذكر المهلبي - أكثر من توضيح امتداد مساحتها. وذكر ابن سعيد أن مدينة تاجوة هي قاعدة الزغاوة، وقد حدد موقعها بخط طول 55 وعرض 14 درجة. وذكر بأن أهلها مسلمون في طاعة الكانمي، وأن جنوبيها مدينة زغاوة حيث خط الطول 54 والعرض ½11درجة.

وأضاف ابن سعيد – محدداً مصدر المعلومة بابن فاطمة – أن مواطن تاجوة كانت على النيل "وإنما هربوا بقواعدهم من النيل بسبب البعوض، فإنه يكثر من مجاورة النيل فيشتد أذاه على الآدميين والخيل. ولهم عيون في الرمال ومياه مشربة من النيل أيام الزيادة."

ويفهم من هذا أن مواطن التاجويين كانت قريبة من النيل ربما على واد يصب في النيل، وتقع مدينتهم تاجوة إلى الشمال الشرقي من مدينة زغاوة. ووفقاً لهذا التحديد فإنها تقع غربي دنقلا وعلى نفس خط عرضها.

أما الادريسي فقد تناول الزغاوة باعتبارهم فرعين هما: الزغاوة والتاجويين وضع الزغاوة في المناطق الغربية من الصحراء الكبرى إلي الغرب من فزان، رغم إنه قال إن ذلك كان "في القديم من الزمان السالف." وذكر من مدن الزغاوة شامة وسغوة ونبرنتة.

وأشار إلى أن أكثر أهلها قد انتقلوا غرباً إلي مدينة كوكو، ربما بسبب الجفاف أو لحروبها مع النوبة. ومدينة سغوة يسكنها فرع من الزغاوة عرفت المدينة باسمهم وهم قبيلة سغوة. أما مدينة نبرنتة فهي خراب بسبب الجفاف. وفيما يلي نص ما ذكرة الادريسي:

"وفي بلاد زغاوة من المدن والقواعد سغوة ... ومن مدن زغاوة شامة وهي مدينة صغيرة شبيهة بالقرية الجامعة وأهلها في هذا الوقت قليلون، وقد انتقل أكثر أهلها إلى مدينة كوكو وبينهما ست عشرة مرحلة. وأهل شامة يشربون الألبان ومياههم زعاق وعيشهم من اللحوم الطرية والمقددة والأحناش يتصيدونها كثيراً ويطبخونها بعد سلخها وقطع رؤوسها وأذنابها وحينئذ يأكلونها. والجرب لا يفارق أعناق هؤلاء القوم بل هو فيهم موجود وهم به مشهورون وبه يعرف الزغاويون في جميع الأرض وقبائل السودان، ولولا أنهم يأكلون الأحناش لتقطعوا جذاما.ً وهم عراة يسترون عوراتهم فقط بالجلود المدبوغة من الإبل والبقر ولهم في هذه الجلود التي يستترون بها ضروب من القطع وأنواع من التشريف يحكمونها."

"ولهم في أعلى أرضهم جبل يسمى جبل لونيا وهو عالي الارتقاء صعب لكنه ترب وترابه أبيض رخو، وفي أعلاه كهف لا يقربه أحد إلا هلك ويقال إنه فيه ثعبان كبير يلتقم من اعترض مكانه على غيرعلم منه بذلك. وأهل تلك الناحية يتحامون ذلك الكهف. وفي أصل هذا الجبل مياه نابعة تجري غير بعيد ثم تنقطع. وعليه أمة تسمى سغوة من قبائل زغارة وهم قوم ظواعن رحالة والإبل عندهم كثيرة اللقاح حسنة النتاج. وهم ينسجون المسوح من أوبارها والبيوت التي يعمرونها ويأوون إليها، ويتصرفون في ألبانها وأسمانها ويتعيشون من لحومها. والبقول عندهم قليلة وهم يزرعونها وينتجونها، وأكثر ما يزرعه أهل زغاوة الذرة وربما جلبت الحنطة إليهم من بلاد وارقلان وغيرها. نزهة."

"وفي جهة الشمال وعلى ثماني مراحل من موضع قبيلة سغوة مدينة خراب تسمى نبرنته وكانت فيما سلف من المدن المشهورة لكن فيما يذكر أن الرمل تغلب على مساكنها حتى خربت وعلى مياهها حتى نشفت وقل ساكنها فليس بها في هذا الزمان إلا بقايا قوم تشبثوا بمقامهم في بقايا خرابها حناناً للموطن. وبهذه المدينة في جهة شمالها جبل يسمى غرغة حكى صاحب كتاب العجائب أن فيه نملاً على قدر العصافير وهي أرزاق لحيات طوال غلاظ تكون في هذا الجبل ويحكى أن هذه الحيات قليلة الضرر والسودان يقصدون إلى هذا الجبل فيصيدون به هذه الحيات ويأكلونها كما قدمنا ذكره قبل هذا."

ووصف الادريسي التاجويين "بأنهم مجوس، وحدد موقع ديارهم بأنها متصلة بأرض النوبة. وذكر أن من بين مدنهم مدنة سمنة وهي مدنة صغيرة، ونقل رواية عن أحد التجار المسافرين إلى أرض كوار "أن صاحب بلاق توجه إلى سمنة وهو أمير من قبل ملك النوبة فحرقها وهدمها وبدد شملهم على الآفاق وهي الآن خراب ومن مدينة تاجوة إليها ست مراحل" وقد تحدثنا عن مدينة بلاق فيماسبق، أما مدينة سمنة فلم يحدد الادريسي موقعها ولم أجدها في المصادر الجغرافية الأخرى الأمر الذي جعل تحديد موقعها صعباً.

وقد رجح مسعد أن يكون موقعها "في تلال سيميات على بعد عشرين ميلا شرقي مدينة الفاشر الحالية حيث تعيش جماعة تعرف بهذا الاسم، ثم انتقلت جماعات سيميات إلى حدود واداي وهناك عرفوا باسم سيميار، ويزعم هؤلاء الانتساب إلى الداجو القدماء." وهذا الموقع يجعلها بعيدة جداًّ من النيل إذا افترضنا انها تقع على واد يصب فى النيل مثل وادي المقدم أو الملك وهي مناطق يمكن أن نتصور خروج حملة إليها من منطقة عطبرة، وقد يبدو بعيداً خروج حملة من منطقة عطبرة إلي الفاشر ولكن ذلك لا يمنع امكانية حدوثها.

فالزغاوة التاجويون كانوا يعيشون على طول المنطقة الصحراوية ما بين كانم والنيل. ويرى الباحثون أن الزغاوة كونوا طبقة حاكمة سيطرت على مناطق واسعة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين (7-8 م) امتدت من دارفور شرقاً حتى كوار غرباً. واختلط الزغاوة بالهجرات المغربية التي تدفقت على المنطقة في القرن الثاني الهجري، ونتج عن هذا الخليط شعب الكانمبو الذي أسس دولة كانم في نهاية القرن الثاني الهجري.

ويرى بالمر أن هذه الجماعات بمختلف عناصرها كانت تتحكم في الجزء الشرقي من الصحراء الكبرى الواقع بين منطقة كوار شرقاً ونهر النيل غرباً، وأن واحة العوينات كانت تعرف عند عناصر الكانوري والتدا كمنطقة سكنية متوسطة بين بلاد كابيلا أو جابيلا وهو الاسم الذي يمكن إطلاقه على كل عواصم البرنو.

ولم يوضح الادريسي سبب الحرب بين النوبة والتاجويين، وربما كان السبب هو الصراع الطبيعي بين سكان مناطق مصادر المياه الغنية والمناطق الجافة. وربما كانت أعين التاجويين لا تزال تنظر إلى بعض مناطق النيل بمنظار الارث القديم عندما كان أسلافهم مستقرين على النيل واضطرهم البعوض – كما ذكر ابن فاطمة – لترك النيل إلى الصحراء.

وقبل قرنين من زمن الادريسي أشار المسعودي في القرن الرابع الهجري (10 م) لذلك الصراع بين النوبة والزغاوة حيث ذكر أن "مملكة الزغاوة واسعة كبيرة، منها على النيل مما يحاذي النوبة، ويحاربون النوبة."

وقبل ذلك بأربعة قرون أشار سترابو في نهاية القرن الأول قبل الميلاد إلى نفس الصراع عندما تحدث عن الجزيرة المأهولة السكان جنوب مروي حيث يسكن الليبيون شواطئها الغربية بينما يسكن المرويين مناطق الضفة الشرقية ويتصارعون على ملكية الجزيرة وشواطئ النيل. وقد ذكرنا فيما سبق أن الليبيين في المصادر الكلاسيكية تقصد بهم سكان المناطق الصحراوية غربي النيل. وقد أطلقت تلك المصادر على أولئك السكان أيضاً اسم النوبا كما ذكرنا في مقالاتنا السابقة.

ووصف الادريسي التاجوين بأنهم سودان "وأنهم بشر كثير وجمع غزير ولهم إبل كثيرة وفي بلادهم مراع كثيرة وهم رحالة لا يقيمون في مكان واحد من جاورهم يغزوهم ويغير عليهم ويتحيل على أخذهم وليس لهم مدن إلا مدينتان وهما تاجوة وسمية ... هذه الأرض تتصل بها أرض الواحات الخارجة وهي الآن تعرف بأرض سنترية."

القرعان
يُعتبر القرعان فرعاً من التبو ويتحدثون لهجة التبو التي أطلق عليها (تبو/قرعان) واعتبر Keane التبو الحاليين في شمالي تشاد سلالة مباشرة من الجرمانت. . وقد أدت صلة التبو بالجرمانت وصلة القرعان بالتبو إلى إرجاع أصل القرعان للجرمانت. وقد أشار الحسن الوزان (ليو الافريقي)الذي كتب مذكراته في روما عام 1526 إلى صحراء بيوضة باعتبارها صحراء القرعان، وقال عن مملكة النوبة: "تمتد مملكة النوبة على طول النيل متاخمة قفر القرعان جنوبا وأراضي مصر شمالا." وذكر بأنهم كانوا فيحرب مع ملك النوبة

يوضح هذا أن القرعان حتى مطلع القرن السادس عشر كانوا يقطنون صحراء بيوضة التي كانت أمطارها -حتي ذلك الوقت – توفر وسائل الحياة. وأذكر أنه حتى عقود قليلة مضت كنا نلاحظ اخضرار أودية صحراء بيوضة في طريقنا بالعربات من أمدرمان إلى مناطق الشمال. ويؤكد ذلك ارتباط قبيلة القرعان منذ قرون عديدة قبل دخول الاسلام بالنيل من ناحية وبالصحراء الغربية من ناحية أخرى.

ولا يصدق ذلك على القرعان فقط بل على كل القبائل التي عاشت بين حدود ليبيا وتشاد والسودان. ولذلك ينبغي التركيز على دراسة قبائل هذه المناطق لأنها تساعد على التعرف على سكان النمطقة في العصور اللاحقة. أما عن صلة القرعان بقبيلة القرعان العربية في الأردن وشمال شبه الجزيرة العربية، وعلاقة القرعان بالزغاوة وعلاقة الزغاوة بالتبو وغيرها من قبائل المنطقة فسوف ننتناوله بالتفصيل في الجزء الثاني من هذا الكتاب.


بركامي
وهنالك جماعة أخرى من السودان بين النوبة والزغاوة والكانم يُطلق عليهم بركامي، وحدد ابن سعيد (كتاب الجغرافيا ج 1 ص 21) بلادهم بأنها شمال جبل لونيا الممتد من الشرق إلى الغرب في بلاد كوار وزغاوة، وذكر أنهم: "سودان أهل عافية ولهم أودية بين جبال وفيها نخل ومياه وخضر. والذين يوالون منهم بلاد الكانم مسلمون. والذين يوالون بلاد النوبة نصارى. والذين يوالون زغاوه أهل أوثان."

المصامدة
المصامدة مجموعة قبلية كبيرة مواطنها مناطق المغرب الأقصى. وقد نزحت مجمزعات منها في عصر الدولة الفاطمية في القرن الخامس الهجري (11 م) من ديارهم نحو الشرق واستقرت مجموعات منهم بمصر. وكانت قبيلة المصامدة السند الذي قامت عليه دولة الموحدين في المغرب الأقصى، وبعد انهيار هذه الدولة أصبح المصامدة تحت رحمة الدول القبليات التي تلها بعد القرن السادس الهجري ، وربما هاجرت بعد جماعاتها شرقاً مرة أخرى.

وقد أشار الرحالة ناصر خسرو في كتابه سفر نامة (في مسعد، المكتبة السودانية ص 126) ألى وجود جماعات من المصامدة مستقرين بجوار النوبة، فذكر: "وإذا سار من مصر إلى الجنوب وجاوز ولاية النوبة بلغ ولاية المصامدة وهي أرض ذات مراع واسعة وفيها دواب كثيرة وسكانها سود كبار العظام غلاظ أقوياء البنية ويكثر الجند منهم في مصر وهم قباح الصورة ضخام الجثة يسمون المصامدة يحاربون راجلين بالسيف والحربة ولا يستطيعون استعمال غيرها من الآلات."

وقد ذكر ناصر خسرو (سفر نامه ج 1 / ص 23) وجود فرقة في الجيش المصري على عهده في القرن الخامس الهجري (11 م) تسمى المصامدة ووصفهم بأنهم "سود من بلاد المصامدة قيل إن عددهم عشرون ألف رجل." ورأى مسعد (المكتبة السودانية ص 116 حاشية رقم 1) أن ناصر خسرو ربما التبس الأمر فقصد الجنود السودانيين وليس المصامدة كما يتضح من وصفه.

وفي واقع الأمر فإن المنطقة الواقعة بين النيل شرقا ومناطق كانم والزغاوة جنوبا وغرباً ذكرت فيها بعض القبائل أو الجماعات غير المعروفة حاليّاّ. ويبدو أنه كان لتلك القبائل أو لبعضها أثر واضح على الأوضاع السياسية والسكانية في مملكة مقرة. فقد ورد أنه عندما أراد ملك مقرة زكريا الذهاب إلى الخليفة العباسي في بغداد لمفاوضته في أمر البقط خشي إن ذهب هو بنفسه من بعض تلك المجموعات على كرسيه. فقد ذكر ساورس بن المقفع (في مسعد ص 85) على لسلا الملك: "لا أتمكن من مفارقة كرسي لئلاّ يملكوا البربر المخالفين لي."

وتلك القبائل والجماعات المتجولة أو المستقرة على حدود مملكة المقرة الغربية تحتاج إلى عناية الباحثين ولا سيما الآثاريين خاصة وأنها قريبة من مملكة المقرة مكانيّاً وزمنيا، فهي تعود إلى نحو سبعة قرون فقط الأمر الذي يرجح ارتباطها القوي بواقعنا المعاصر. من المعروف أن تاريخ المصامدة ارتبط بصورة قوية بالمغرب العربي بعد أن انخرطوا في دعوة الموحدين وتأسيس دولتهم. ولكن كان لهم وجود في مصر منذ عصر الدولة الفاطمية إلى جانب كتامة التي قامت على أكتافها دولة الفاطميين. وقد ذكر ناصر خسروا ت 481 هـ / 1088م (ج 1 ص 23) أنه كانت هنالك فرقة في جيش الفاطميين تسمى المصامدة يبلغ عددهم نحو عشرين ألف رجل.

غير أننا في حاجة إلى التعرف وإلقاء الضوء على مواطن المصامددة المجاورة لمملكة مقرة، وكيف كانت العلاقات بين الجانبين؟ كما تنصرف التساؤلات إلي البركامي، فمن هم البركامي ومتى اعتنقوا المسيحية والاسلام؟ وأين موقعهم على خريطتنا السكانية الحالية؟ وماذا حدث لها؟

القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:45 PM   رقم المشاركة :[25]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

مملكة كوش والأسماء التي أطلقت على السودان القديم . حول أصول سكان السودان 23

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية

.
بقلم: د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة الخرطوم
.
مملكة كوش والأسماء التي أطلقت على السودان القديم

تناولنا في مقالاتنا السابقة (جريدة الصحافة اليومية وموقع sudanile.com تحت عنوان أصول السودان رقم 22) مملكة مُقُرة: أرضها ومدنها وسكانها. ونواصل هنا – ما انقطع منذ شهور- في جريدة آخر لحظة وموقع سودانايل الحديث عن "أصول سكان السودان قبل ظهور المسميات القبيلية الحالية" وننتقل إلى مملكة علوة المعاصرة لمملكة مقرة. وأرى أنه من المفيد الدخول إلى مملكة علوة بمقدمة مختصرة عن كوش والأسماء القديمة التي أطلقت على السودان. ونحن نعلم أن مملكتي مقرة وعلوة ورثتا مملكة مروي الممثل الأخير لحضارة كوش القديمة إذ قامت مملكة مقرة في جزئها الشمالي بينما قامت مملكة علوة في جزئها الجنوبي. وقد انفردت مملكة علوة فيما بعد باسم كوش، إذ لم أجد ما يوضح استمرار إطلاق اسم كوش أو الكوشيون على منطقة أو سكان مملكة مُقرة، وهذا بالطبع لا ينفي إمكانية استمرار إطلاق الاسم عليها أيضاً.

وقدجاء في كتاب فانتيني (Giovanni Vantini, Oriental Sources Concerning Nubia, p 13.) أن جون الأفسوسي ذكر نحو عام 580 م أثناء الحديث عن دخول القس لُنجِنوس مملكة علوة - في المراحل المبكرة من انتشار المسيحية في السودان - أن لونجنوس "سافر بعيداً جنوب مملكة النوباديين إلى القطر الذي أطلق عليه اليونانيون إسم علوة Aludos والذي يسكنه الكوشيون." وكوش واحد من الأسماء التي أطلقت على السودان في عصوره القديمة. فقد أطلقت المصادر القديمة إلى جانب اسم كوش أسماء أخرى للدلالة على السودان أو بعض مناطقه نتعرف باختصار على أهمها.

تاستي
يتضح مما جاء في الآثار المصرية أن المناطق الواقعة إلى الجنوب من الحدود المصرية كانت مأهولة بالسكان، وقد أطلق عليها المصريون القدماء أسماء متعددة ذات دلالات مختلفة. ويمكن تتبع تلك الأسماء باختصار في مجموعتين. المجموعة الأولى أطلقت للدلالة على مناطق محددة، وأقدم تلك الأسماء يرجع إلى بداية الألف الثالث قبل الميلاد هو "تا ستي" ويعني أرض الأقواس. وذكر سليم حسن (تاريخ السودان المقارن إلى أوائل عهد بعانخي ص 79) أنه كان يقرأ قديماً "تا نخت" وأطلق على المنطقة الواقعة جنوب أسوان حتى وادي حلفا.

وفي النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد وردت العديد من الأسماء في الآثار المصرية للدلالة على المناطق المجاورة لمصر مثل اسم واوات للدلالة على ذات المنطقة التي أطلق عليها اسم تا ستي، غير أن اسم تاستي لم يختف تماماً فقد ورد في وقت متأخر في نقش الملك المروي نستاسن 335 – 310 ق. م. كما وردت أسما إرتت ويام للدلالة على المناطق الواقعة بين وادي حلفا إلى مناطق الشلال الثالث.

التِّمح أو الطمياح
وقد جاءت بعض الأسماء ذات الدلالات العامة في الآثار المصرية مثل مِجا أو مِزا أو مازوي التي أطلقت على مناطق وسكان الصحراء الواقعة بين النيل والبحر الأحمر في جنوب الحدود المصرية الحالية ومناطق البجة في السودان. وأُطلق على سكان المناطق الصحراوية الغربية للنيل منذ نهاية الألف الثالث قبل الميلاد اسم التِّمح أو التِّمحو أو الطمياح، وقد عرف هؤلاء في المصادر اليونانية والرومانية باسم اللوبيين أو الليبيين.

وقد امتدت مناطق الطمياح من الواحات المصرية شمالاً وتوغلت جنوباً إلى مناطق شمال دارفور الحالية. وربط أغلب المؤرخين بين الطمياح والمجموعة الثقافية ج (C)، ورأى آركل (A History of the Sudan, p44) أنهم ربما عاشوا في وقت ما على وادي هوَر وأنهم ربما كانوا أسلاف قبائل التاما الحالية.

نحسي و تا نحسي
ومن الأسماء التي أطلقت بصورة عامة منذ النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد للدلالة على المناطق الواقعة إلى الجنوب من مصر "نحسي أو نحس والجمع نحسيو" أي السود و "تا نحسي" أي البلاد الجنوبية التي تمتد من أسوان على النيل جنوباً إلى مدى غير محدد (سامية بشير دفع الله، تاريخ الحضارات السودانية القديمة، ص 122). وذكر سليم حسن أن نحسي كان يطلق أيضاً على بلاد بنت (منطقة القرن الافريقي) ثم استقر للدلالة على المناطق الواقعة جنوبي مصر.
كــوش
وفي نقش آخر في مطلع القرن العشرين قبل الميلاد وردت الاشارة إلى عشر مناطق في شمال السودان وصلتها حملة الملك المصري سنوسرت الأول أولها إقليم كوش. وعرفت هذه المناطق كما ورد في النص باسم "تاخنتي". ويبدو أن اسم كوش قد اتسع نطاق اطلاقه قبل هذا التاريخ فلم يعد مقتصراً على سكان المناطق المتاخمة فقط للحدود المصرية – كما ترى سامية بشير - بل امتد ليشمل المناطق الداخلية أيضاً. وربما حدث ذلك للتطورات السياسية التي شهدتها المنطقة منذ القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد والتي أدت إلى قيام مملكة كوش.
مملكة كوش
اثبتت الكشوف الآثارية الحديثة أن المملكة القديمة التي قامت في منطقة كرمة الحالية والمعروفة عندنا باسم مملكة كرمة قد تأسست كما ذكرت سامية بشير دفع الله (تاريخ الحضارات السودانية القديمة، ص 192) منذ القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد خلافاً للتاريخ الذي كان سائداً لقيامها وهو القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وقد عرفت تلك المملكة باسم "مملكة كوش" كما هو واضح في الرسالة التي أرسلها ملك الهكسوس من عاصمته أفاريس في شمال مصر يطلب فيها من ملك كوش المساعدة والدعم له في حروبه ضد الملك المصري كامس الذي كان يحكم صعيد مصر. وقد سجل كامس الذي انتهى حكمه في منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد محتوى رسالة ملك الهكسوس في نقش في الكرنك والتي جاء فيها كما ورد في كتاب محمد (ابراهيم بكر، تاريخ السودان القديم ص 53)

"إلتقَطُّ رسالة في جنوبي الواحات أثناء صعود حاملها إلى بلاد كوش، واكتشفت أنه خطاب من ملك أفاريس بخط يده يقول فيه: عا أوسر رع أبيي بن رع يُحيّي إبنه ملك كوش. لِمَ أعلنت نفسك ملكا دون أن تحيطني علماً؟ وهل بلغك ما فعلَته مصر معي؟ فالعاهل القائم عليها كامس- فليوهب حياة وعمراً – يشن الهجمات على ممتلكاتي رغم أنني لم أناصبه العداء. فقد عاملني كما عاملك تماما، لقد وقع اختياره على بلدينا لينشر فيهما الخراب، بلدي وبلدك وعاث فيهما فساداً. هيا احضر! لا تخف! إنه هنا في الوقت الحاضر حيث يتعقبني، فلا أحد يترقبك في مصر ولن أتركه يرحل قبل وصولك."

ويلاحظ الاشارة في النص إلى بلاد كوش وملك كوش للدلالة على المملكة التي قامت منذ القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد والتي اكتشفت بعض آثارها في منطقة كرمة الحالية. وكانت مملكة كوش قوية وكبيرة شاركت الهكسوس في الدلتا والمصريين في طيبة (الأقصر) السيادة على وداي النيل. وخاطب كل من ملوك الهكسوس وملوك طيبة الكوشيون طامعين في ودِّهم.

ولم يختف اسم كوش في فترة الستة قرون التي تلت نهاية مملكة كوش في القرن الخامس عشر قبل الميلاد وقيام مملكة نبتة في القرن التاسع قبل الميلاد، فقد ظهر في الوثائق المصرية للدلالة على الحاكم المصري المكلف بإدارة المناطق المجاورة للحدود المصرية والتي خضعت للحكم المصري، وكان الحاكم يعرف باسم "ابن الملك في كوش". وذكرت سامية بشير (تاريخ مملكة كوش ص 2) أن الوثائق الأشورية أشارت في النصف الأخير من القرن السابع قبل الميلاد إلى ملك كوش. ومن الواضح أن هذه الاشارة أتت بعد قيام مملكة نَبَتة. كما ورد اسم كوش في الكتاب المقدس في سفر الملوك الثاني 19،9 وسفر أشعيا 37: 8-9 مرتبطاً باسم الملك الكوشي تهارقا.


وقد ظل اسم كوش علماً على المنطقة وسكانها حتى نهاية مملكة مروي. فتاريخ كوش امتد حتى القرن الرابع الميلادي، كما كان ملوك نبتة ومروي يطلقون على أنفسهم ملوك كوش كما ذكر كل من (آدمز، "اختراع النوبة"مجلة الآثار السودانية اركاماني العدد الثاني 2002 ص 6. وفي النوبة رواق افريقية ص 240 ومحمد ابراهيم بكر، تاريخ السودان القديم ص 110). وكما تبدو كوش في الجزء الذي حققه لاند تحت عنوان Anecdota Syriaca من كتاب " صورة الأرض " الذي ألفه Skariphus نحو عام 555 م أي بعد نحو قرنين من سقوط مملكة مروي، تبدو كوش اقليما واسعاً، أطلق عليه Skariphus كوش الخارجة وكوش الداخلة. وتمتد كوش الداخلة حسب تصوره حتي منابع النيل الجنوبية التي هي منطقة البحيرات الحالية. أما كوش الخارجة كما يراها فتشمل المناطق التي قامت عليها ممالك مقرة وعلوة وأكسوم والبجة. أنظر ذلك في كتاب فانتيني (Giovanni Vantini, Oriental Sources Concerning Nubia, p3.)

وفي عام 580 م ذكر القس لونجنوس عن مملكة علوة (في كتاب فانتيني السابق ص 13) عندما وصلها لتنصير ملكها، ذكر أن اليونانيين أطلقوا على القطر "علوة" ولكن السكان يعتبرون كوشيين. وحتى بعد سقوط مملكة علوة وقيام سلطنة سنار فإن اسم كوش ومملكة كوش كانا لايزالان مستخدمان فقد ذكر الرحالة روبيني في بداية القرن السادس عشر الميلادي أنه عندما كان في جدة وجد سفينة ذاهبة إلى كوش فركبها ووصا ميناء سواكن التي تقع في أرض كوش.ومن سواكن سافر حتى دخل أراضي مملكة كوش، ويقصد بها سلطنة سنار. وقد أشار روبيني في أكثر من موقع إلى سلطنة سنار بمملكة كوش.

فكوش هو الاسم الذي أطلق على السودان من شماليه إلى حدود مملكة علوة في الجنوب منذ القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد وحتى القرن الخامس عشر الميلادي عندما سقطت مملكة علوة أي منذ أربعين قرناً من الزمان. غير أننا الآن اختزلنا اسم كوش وحصرناه فقط ليدل تقريباً على تاريخ منطقة النيل شمالي الخرطوم وبعض المناطق المجاورة لها شرقي النيل. وفي نفس الوقت برز اسم النوبة للدلالة على تاريخ نفس هذه المنطقة.
• من الفصل الرابع من الجزء الثاني من كتاب "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية"



القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:49 PM   رقم المشاركة :[26]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

مملكة كوش . حول أصول سكان السودان -24-
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية

.
بقلم: د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة
الخرطوم
.
مملكة كوش
وفي واقع الامر فإنه ليس هنالك حتى الآن اسم واحد يطلق بصورة عامة على تاريخ السودان القديم قبل عصر الممالك المسيحية. فنطلق مثلاً على الثقافات المبكرة المجموعات أ وب و ج ونحصرها على المنطقة الواقعة شمالي
دنقلا، ونطلق حضارة كرمة على المنطقة النيلية الواقعة شمال الخرطوم
دون اعتبار لمناطق التداخل السكاني والأودية التي ربطت سكان النيل في المناطق المجاورة لها شرقاً وغرباً.
ورغم ان آثار المجموعة الثقافية ج مثلاً وجدت في مناطق
كسلا شرقاً ووادي هور غرباً فإننا نحصرها في دراستنا على منطقة النيل الشمالية فقط. وبنفس الطريقة ندرس حضارة كرمة منعزلة عن الصحراءالغربية ووادي هور. هذه الدراسة للحضارات القديمة تجعلها منعزلة عن النيل من الخرطوم شمالاً، اي ان سكان المناطق الواقعة إلى الشرق والغرب والجنوب من هذه المنطقة لا يشعرون بالإنتماء لتلك الثقافات والحضارات المبكرة وهو امرلا يتمشى وما تم العثور عليه من آثار رغم قلتها. إلا انها توضح الإرتباط القوي والصلة الواضحة لمنطقة شمالي الخرطوم بالمناطق الواقعة إلى الشرق وإلى الغرب وإلى الجنوب
إليهم.
ثم تأتي حضارة نَبَتة ومروي ورغم ان الدراسات لم توضح على وجه التحديد حدودهاتين الحضارتين شرقاً وغرباً
وجنوباً إلا ان دراستنا لهما تنحصر ايضاً على المناطق النيلية الواقعة شمال الخرطوم. وعلى بعض المناطق بين النيل الأزرق ونهر عطبرة
مما يعطي الاحساس بأن مناطق السودان الأخرى لا صلة لها بتلك الحضارتين، وان سكان تلك المناطق لا ينتمون إلى تلك الحضارة.
فدلالات الاسماء التي نطلقها على تاريخنا القديم مثل ثقافات المجموعات المبكرة وحضارة كرمة وحضارتي نَبَتة ومروي دلالات محلية محصورة على مناطق محددة لا تحمل معنى عاماً يربط باقي مناطق السودان الأخرى -التي بناء على ما تم التنقيب عليه من آثار- اتضح ارتباطها بتلك الثقافات والحضارات سواء في شرق اوغرب السودان او على النيل الابيض.
وقد ادى عدم وجود مسمى عام لتاريخ السودان القديم إلى قيام بعض الباحثين بأقتراح بعض الاسماء للدلالة عليه في حدود السودان الحالية. ولعل اكثر الاسماء قبولاً هو اسم كوش وهوالاسم الذي ظل يطلق على البلاد والسكان
جنوبي مصر نحو اربعة آلاف سنة. وقداثبت التنقيب الآثاري وجود آثار الكوشيين منذ عصر الثقافات المبكرة في مناطق كسلا
شرق السودان ووادي هور غرب السودان، ولعل المزيد من اعمال التنقيب الآثارية في تلك المناطق ومناطق النيل الابيض توقظ شعور إنتماء تلك المناطق وسكانها لحضارة واحدة هي حضارة كوش، وظلت تلك الحضارة في عطاء دائم على الاقل نحو اربعين قرناً حتى نهاية عصر مملكة علوة المسيحية في القرن الخامس عشر الميلادي.
وقد ابدى بعض الباحثين تحفظاً على إطلاق إسم كوش للدلالة على تاريخ السودان القديم باعتبار دلالته القديمة الممتدة إلى خارج حدود السودان الحالية. ولا أرى أن في ذلك ما يقف أمام استخدام المصطلح، فاسم السودان القديم يدل أيضاً دلالة واسعة ظلت مرتبطة به في ذاكرة الشعوب داخل وخارج قارة افريقيا حتى الآن. ويتميز مصطلح كوش بأن دلالته القديمة ليست شائعة الاستعمال كدلالة اسم السودان، بالاضافة إلى أن اسم "السودان" يعتبر حديثاً بالمقارن إلى اسم كوش، فاسم كوش يرجع إلى أربعين قرناً بينما يرجع اسم السودان – الذي ظهر مع دخول العرب مصر - إلى نحو اربعة عشر قرناً.
وقد اقترح بعض الباحثين مثل إيسيدور سافتش كاتسنلسون في ( مجلة الآثار السودانية أركاماني، العدد الثاني فبرائر 2002) استخدام مصطلح "الدراسات المَرَوية" للدلالة على تاريخ السودان القديم حتى نهاية العصر المروي في القرن الرابع الميلادي أي قبل العصر المسيحي في السودان. ولم يجد هذا الرأى ترحيبا من الباحثين. وقد ساد في بعض المؤلفات عن تاريخ السودان القديم استخدام اسم "التاريخ النوبي" للدلالة عن تاريخ السودان القديم حتى نهاية العصر المسيحي.
ولا أرى أن استخدام اسم "التاريخ النوبي" للدلالة على "تاريخ السودان" مقبولاً لأن مدلول اسم النوبة القديم ظهر استخدامه في فترة محدودة تقع بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي، أي لفترة سبعة قرون من جملة تاريخ السودان القديم الموثق وهو أربعون قرناً. وبالإضافة إلى ذلك فإنه بالرغم اتساع مدلوله مدلول اسم "النوبا" القديم إلا أنه عند استخدامه ينصرف الذهن إلى معنى النوبة بمفهومه الذي اشتهر بعد دخول المسلمين مصر في القرن السابع الميلادي.
وقد ناقشنا فيما سبق مدلول اسم النوبة الحديث في المصادر العربية وخلصلنا إلى أنه أطلق للدلالة على سكان منطقة النيل الواقع بين
الخرطومجنوباً ومنطقة أسوان
شمالاً. فإطلاق اسم "تاريخ النوبة" للدلالة على تاريخ السودان القديم يجعله منحصراً فقط في هذه المنطقة وهو أمر دلت بدايات الأعمال الآثارية الواسعة على عدم مصداقيته.
إلى أي مدى امتدت حدود دولة كرمة
جنوبا وغرباً عبر أودية هوار والمقدم والملك والنيل الأبيض؟ وإلى أي مدى امتدت شرقا عبر نهر عطبرة
والنيل الأزرق؟ تتطلب الإجابة الكثير من البحث والتنقيب، ولكن بناءاً عل ما توفر حتى الآن من آثار طرحت بعض النظريات عن أصول سكان مملكة كوش. وقد سبق أن تعرضنا في بداية هذا الفصل لأصول سكان شمال السودان، وسنوجز هنا النظريات التي تناولتها الدكتورة سامية بشير في كتابها تاريخ مملكة كوش ص (196 – 199) في هذا الصدد.
بينت أقدم الهياكل البشرية التي اكتشفت لسكان شمال السودان يعود تارخها إلى نحو 10,000 سنة قبل الميلاد ولكن لم يتفق الدارسون حول أصولهم. وناقشت دكتورة سامية آراء الباحثين حول أصول أولئك السكان والتي يقول بعضها أن السكان تكونوا من السلالات المحلية التي اختلطت بهجرات العناصر القوقازية التي أتت من أوربا. ويرى البعض الآخر أنهم تكونوا باختلاطهم بالعناصر المنغولية التي أتت من قارة أسيا. ويرى آخرون أنهم تكونوا باختلاطهم بعناصر زنجية أتت من افريقيا
جنوب
الصحراء.
ويرى فريق رابع أن الكوشيين ينتمون إلى الجنس الأسمر Brown race الذي يقع في منتصف الطريق بين القوقازي والزنجي. ويرى الأستاذ تريقر - كما نقلت الدكتورة سامية - أن بعض الباحثين الغربيين المبكرين الذين كتبوا عن أصول سكان شمال السودان عنصريون كان هدفهم ابعاد العنصر الأسود عن الحضارات القديمة في السودان باعتبارهم عناصر غير خلاقة ولا تملك القدرة على الابداع، وأن ما عثر عليه من حضارات في القارة الافريقية يرجع إلى الجماعات المهاجرة من خارج القارة.
ولكن عندما إعيد فحص الآثار التي تم الكشف عنها في شمال السودان في منتصف القرن العشرين بواسطة جيل مختلف من الباحثين أثبتت دراساتهم أنه بالرغم من دخول بعض المهاجرين واستيطانهم في المنطقة الشمالية من السودان منذ الألف الثالث قبل الميلاد - مثل قدماء المصريين والعرب والشراكسة - إلا أنه لم يطرأ تغير عرقي ذي بال – كمانقلت سامية بشير عن تريقر - على المكونات العرقية الرئيسة لسكان المنطقة.
وفي دراسة أخرى أجرتها كريتين سايمون – كما نقلت سامية بشير – أن التركيبة العرقية للكوشيين في كرمة في الألف الثانية قبل الميلاد لا تختلف عن تركيبة السكان الحاليين في شمال السودان اليوم. ويعني هذا أن الهجرات أو الجماعات التي كانت تصل إلى شمال السودان اختلطت بالسكان المحليين الذين حافظوا على السلالة العرقية الكوشية منذ أربعة آلآف سنة.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكره ماكمايكل (Mac Michael. A History of the Arabs in the
Sudan p 20) من أن الدراسات الآثارية والأنثروبولوجية التي قام بها كل من Derry وSeligman وضحت أن سكان منطقة النيل في الشمال حتى وادي حلفا
الذين وجدت صورهم في الآثار المصرية منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد والذين كونوا سكان المنطقة في العصور اللاحقة في مملكتي نبتة ومروي هم نفس سلالة السكان الذين وجدت آثارهم في جبل مويا بالجزيرة في القرن الثاني قبل الميلاد.
وفي نفس الوقت توصل نفس الباحثان Derry وSeligman كما بين ماكمايكل عندما درسا بعض مخلفات السكان القدماء في الشمال والجزيرة أظهرت نتائج أبحاثهما المعملية لأحجامهم وجماجمهم وفكوكهم (جمع فك) أن أولئك السكان القدماء يشبهون بدرجة كبيرة سكان جبال النوبة الحاليين مما يشير إلى صلة القرابة بين السلالتين. فسكان السودان الأوسط والشمالي القدماء هم من السلالة التي تعيش اليوم في جبال النوبة.
ومما يزيد هذا الرأي قبولاً الآثار التي وجدت في معبد الملكة حتشبسوت في الدير البحري والتي ترجع إلى نهاية الألف السادس عشر ق.م.. فقد ظهرت أشكال ستة زعماء لقبائل أو لجماعات سودانية من بينهم ال Irm وNimiu يقدمون الذهب إلى الملكة. وقد رأى آركل (Arkell, A History of the
Sudan
, p 107) أنه من أسماء وأشكال الزعيمين من الممكن أن يكون Nimiu أسلاف ال Nyima الحاليين في جبال النوبة، وال Irm هم الذين أشارت إليهم المصادر المصرية القديمة في القرن الخامس عشر والقرن الرابع عشر ق.م. بأرض Irm التي تقع في منطقة الإستبس الواقعة غربيي النيل الأبيض والمعروفة اليوم بكردفان حيث لا يزال بعض فروع الميما يعرف ب: Armi.
فالمجتمع السوداني الذي أطلق عليه اسم الكوشيين هو سلالة ذلك الجنس الذي ظهرت صوره في الآثار المصرية منذ القرن العشرين قبل الميلاد، وهو الذي أقام مملكتي نبتة ومروي وهو نفس السلالة الذي وجدت آثاره في مقابر جبل موية في الجزير ة، وهو نفس السلالة التي توجد الآن في جبال النوبة. ونضيف إلى ذلك ما أشرنا إليه سابقاً من أن شعوب النوبا التي كانت تسكن الصحراء
الغربية - في مناطق كردفان ودارفور الحاليتين - كانت منذ القرن الثالث قبل الميلاد كما ذكرن المصادر اليونانية وحتى القرن الرابع الميلادي كما ظهر في نقش عيزانا كانت تلك القبائل طيلة هذه السبعة قرون (3 ق م – 4 م) تتجول وتستقر في بلاد كوش ما بين الصحراء الغربيةوكسلا
شرقا ودنقلة شمالً.
ولعل كل هذا يوضح أن الكوشيين منذ أن تأسست مملكة كوش في الألف الثالث قبل الميلاد هم نفس السلالة التي عاشت في ذلك الأوقات في غرب ووسط وشرق السودان، وهم في نفس الوقت نفس السلالة التي تعيش في كل هذه المناطق الآن. ورغم إنه من الصعب الآن الحديث عن حدود مملكة كوش التي كانت عاصمتها كرمة، ولكن وضحت الآثار أن السلالة البشرية التي كونت سكان السودان في حدوده الحالية ترجع جذورهم إلى سلالة الكوشيين، وظل اسم الكوشيين حيّاً حتى عصر مملكة علوة المسيحية.
من الفصل الرابع من الجزء الثاني من كتاب "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية"
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 02:54 PM   رقم المشاركة :[27]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

مملكة كوش (2) . حول أصول سكان السودان (25)

.
بقلم : د أحمد الياس حسين
.
ويرى فريق رابع أن الكوشيين ينتمون إلى الجنس الأسمر Brown race الذي يقع في منتصف الطريق بين القوقازي والزنجي. ويرى الأستاذ تريقر - كما نقلت الدكتورة سامية - أن بعض الباحثين الغربيين المبكرين الذين كتبوا عن أصول سكان شمال السودان عنصريون كان هدفهم إبعاد العنصر الأسود عن الحضارات القديمة في السودان باعتبارهم عناصر غير خلاقة ولا تملك القدرة على الإبداع، وأن ما عثر عليه من حضارات في القارة الافريقية يرجع إلى الجماعات المهاجرة من خارج القارة.
ولكن عندما أُعِيد فحص الآثار التي تم الكشف عنها في شمال السودان في منتصف القرن العشرين بواسطة جيل مختلف من الباحثين أثبتت دراساتهم أنه بالرغم من دخول بعض المهاجرين واستيطانهم في المنطقة الشمالية من السودان منذ الألف الثالث قبل الميلاد - مثل قدماء المصريين والعرب والشراكسة - إلا أنه لم يطرأ تغيير عرقي ذي بال!! كمانقلت سامية بشير عن تريقر - على المكونات العرقية الرئيسة لسكان المنطقة.
وفي دراسة أخرى أجرتها كريتين سايمون! كما نقلت سامية بشير! أن التركيبة العرقية للكوشيين في كرمة في الألف الثانية قبل الميلاد لا تختلف عن تركيبة السكان الحاليين في شمال السودان اليوم. ويعني هذا أن الهجرات أو الجماعات التي كانت تصل إلى شمال السودان اختلطت بالسكان المحليين الذين حافظوا على السُّلالة العِرْقِّية الكوشية منذ أربعة آلآف سنة.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما ذكره ماك مايكل( (Mac
Michael. A History of the Arabs in the
Sudan p 20) من أن الدِّراسات الآثارية
والأنثروبولوجية التي قام بها كل من Derry وSeligman وضحت أن سكان منطقة النيل في الشمال حتى وادي
حلفا الذين وجدت صورهم في الآثار المصرية منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد والذين كونوا سكان المنطقة في العصور اللاحقة في مملكتي نبتة ومروي هم نفس سلالة السكان الذين وجدت آثارهم في جبل مويا بالجزيرة في القرن الثاني قبل الميلاد. وفي نفس الوقت توصل نفس الباحثان
Derry وSeligman كما بين ماكمايكل عندما درسا
بعض مخلفات السكان القدماء في الشمال والجزيرة أظهرت نتائج أبحاثهما المعملية لأحجامهم وجماجمهم وفكوكهم (جمع فك) أن أولئك السكان القدماء يشبهون بدرجة كبيرة سكان جبال النوبة الحاليين مما يشير إلى صلة القرابة بين السلالتين. فسكان السودان الأوسط والشمالي القدماء هم من السلالة التي تعيش اليوم في جبال النوبة. ومما يزيد هذا الرأي قبولاً الآثار التي وجدت في معبد الملكة حتشبسوت في الدير البحري والتي ترجع إلى نهاية الألف السادس عشر ق.م.. فقد ظهرت أشكال ستة زعماء لقبائل أو لجماعات سودانية من بينهم ال Irm وNimiu يقدمون الذهب إلى الملكة. وقد رأى آركل (Arkell, A History of
the
Sudan, p 107) أنه من أسماء وأشكال الزعيمين
من الممكن أن يكون Nimiu أسلاف ال Nyima الحاليين في جبال النوبة، وال Irm هم الذين أشارت إليهم المصادر المصرية القديمة في القرن الخامس عشر والقرن الرابع عشر ق.م. بأرض Irm التي تقع في منطقة الإستبس الواقعة غربيي النيل الأبيض والمعروفة اليوم بكردفان حيث لا يزال بعض فروع الميما يعرف ب: Armi.
فالمجتمع السوداني الذي أطلق عليه اسم الكوشيين هو سلالة ذلك الجنس الذي ظهرت صوره في الآثار المصرية منذ القرن العشرين قبل الميلاد، وهو الذي أقام مملكتي نبتة ومروي وهو نفس السُّلالة الذي وجدت آثاره في مقابر جبل موية في الجزير ة، وهو نفس السلالة التي توجد الآن في جبال النوبة. ونضيف إلى ذلك ما أشرنا إليه سابقاً من أن شعوب النوبا التي كانت تسكن الصحراء
الغربية - في مناطق كردفان ودارفور الحاليتين - كانت منذ القرن الثالث قبل الميلاد كما ذكرت المصادر اليونانية وحتى القرن الرابع الميلادي كما ظهر في نقش (عيزانا) كانت تلك القبائل طيلة هذه السبعة قرون (3 ق م و 4 م) تتجول وتستقر في بلاد كوش ما بين الصحراء الغربية وكسلا شرقاً ودنقله شمالاً. ولعل كل هذا يوضح أن الكوشيين منذ أن تأسست مملكة كوش في الألف الثالث قبل الميلاد هم نفس السلالة التي عاشت في تلك الأوقات في غرب ووسط وشرق السودان، وهم في ذات الوقت نفس السلالة التي تعيش في كل هذه المناطق الآن. ورغم إنه من الصعب الآن الحديث عن حدود مملكة كوش التي كانت عاصمتها كرمة، ولكن وضحت الآثار أن السلالة البشرية التي كونت سكان السودان في حدوده الحالية ترجع جذورهم إلى سلالة الكوشيين، وظل اسم الكوشيين حيّاً حتى عصر مملكة علوة المسيحية. ü من الفصل الرابع من الجزء الثاني من كتاب (السودان الوعي بالذات وتأصيل الهوية).
كلية التربية جامعة الخرطوم
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 03:01 PM   رقم المشاركة :[28]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

مدن بلاد علوة . حول أصول سكان السودان -26-

من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية

.
د. أحمد الياس حسين
كلية التربية جامعة الخرطوم
.
مدن بلاد علوة
تناولت المصادر العربية أسماء بعض المواضع والمدن بلغت في جملتها ستة عشر موضعاً بين مدينة وبلد وجماعات سكانية. وفيما يلي سنتناول المادة التي وردت عن ذلك.

المدن والبلدان
تناولت المصادر مدينة واحدة في مملكة علوة وعي سوبة وثلاثة مواضع هي والأبواب والجزيرة الكبرى وبلد طُبلى.

مدينة سوبة
يرى كل من ماكمايكل (Mac Michael, A History of the Arabs in the Sudan vol. 1 p 48 ) وآركل (History of the Sudan p 156.)) أن مدينة سوبة ربما كانت عاصمة لإقليم علوة الذي ورد ضمن المناطق التي كانت تحت حكم الملك المروي نستاسن (336 – 315 ق. م.) وإذا أخذنا بهذا الرأي فإن تاريخ مدينة سوبة كعاصمة لاقليم علوة يرجع إلى القرن الرابع قبل الميلاد أو ربما قبل ذلك، ثم استمرت عاصمة لمملكة علوة التي خلفت مملكة مروي على حكم المنطقة قبل دخول المسلمين مصر بأكثر من ثلاثة قرون.

وبدأت مدينة سوبة تظهر كعاصمة لمملكة علوة في المصادر العربية منذ بداية ظهورها في القرن الثالث الهجري (9 م) وقد جاء كتابتها في كل المصادر "سوبة" بالتاء المربوطة في آخر الكلمة. وقد كتبتها بعض المراجع العربية الحديثة بالألف في آخر الكلمة. وقد ورد اسم المدينة عند الحميري في قاموسه الروض المعطار (ج 1ص 312) وابن الوردي في كتابه خريدة العجائب في مسعد ص 372 ص "ويلولة" حيث ذكرا أن عاصمة مملكة غلوة يقال لها "ويلولة". ولكن تواتر اسم سوبة في المصادر الأخرى ولم ترد إشارة إلى اسم ويلولة إلى جانب سوبة مما يضعف ما أتى به المؤلفان.

وصف اليعقوبي سوبة بأنها مدينة علوة العظمى مما يوحي بوجود أكثر من مدينة في المملكة. ويبدو من وصف المصادر لها أنها كانت مرتبطة بعلاقات تجارية قوية مع المسلمون كما أشار إلى ذلك اليعقوبي في كتابه البلدان ص 18. وقد سبق وأن ذكرنا أن مملكة علوة كانت منفتحة في علاقاتها الخارجية لا كما كان الحال عليه في مملكة مقُرة فتوثقت صلاتها بالمسلمين.

وصف ابن سليم في كتابه أخبار النوبة ص 102 مدينة سوبة " مدينة العلوي شرقيّ الجزيرة الكبرى التي بين البحرين الأبيض والأخضر في الطرف الشماليّ منها عند مجتمعهما، وشرقيها، النهر الذي يجف، ويسكن بطنه، وفيها أبنية حسان ودور واسعة، وكنائس كثيرة الذهب، وبساتين ولها رباط فيه جماعة من المسلمين"
وقد أتى أبو صالح بوصف أكثر تفصيلاً مما ورد فيما نقله المقريزي - أعلاه - من كتاب أخبار النوبة لابن سليم، ومن المعروف أن كتاب ابن سليم لم يوجد وبقي منه فقط ما نقله المؤرخون اللاحقون مثل المقريزي. ورد في كتاب تاريخ الشيخ أبي صالح ص 138عن مدينة سوبة:

"وهذه المدينة في شرقي الجزيرة الكبيرة بين البحرين الأبيض والأخضر وجميع من بها نصارى يعاقبة، وحولها ديارات متباعدة من البحرومنها ما هو على البحر، وبها كنيسة عظيمة جداً متسعة محكمة الوضع والبناء أكثرمن جميع الكنائس التي بها وتسمى بكنيسة منبلي."

يوحي هذا الوصف بأن راويه أو كاتبه كان على معرفة تامة بمدينة سوبة، وأغلب الظن أنه وصف ابن سليم للمدينة اقتبس منه ابو صالح أكثر مما اقتبسه المقريزي، خاصة وأن أبو صالح أشار إلى ابن سليم في وصف جزيرة علوة بعد وصف مدينة سوبة مباشرة. ورغم أننا رجحنا أن ابن سليم رجع من دنقلة ولم يدخل بلاد علوة إلا أنه نقل أخبار علوة من مصادر قريبة من المنطقة وغالباً من أهلها.

الأبواب
يقع إقليم الأبواب أو مملكة الأبواب كما ورد في المصادر العربية على الحدود الشمالية لمملكة علوة ويفصلها من مملكة مقُرة.وقد وصف ابن سليم منطقة الابواب بأنها قرى علي شاطئ النيل في أول بلاد علوة،وأنها تابعة لملك علوة وعليها والٍ من قبله يعرف بالرحواح.

ولم ترد معلومات في المصادر العربية – ما عدا ما ذكره ابن سليم - عن اقليم الأبواب إلا فيما يتعلق بأحداث حملات المماليك على مملكة مقُرة. ويبد أن الأبواب قد أصبحت في ذلك الوقت مملكة مستقلة عن سلطة علوة كما خاطبتها ادارة المماليك. وإلى جانب سفارة السلطان قلاون إلى ملك الأبواب والمراسلات التي دارت بينه وبين المماليك فقد تدخل ملك الأبواب آنى في الصراعات السياسية التي نشبت في مملكة علوة، وفي الصراع الذي دارحول عرش المملكة مما يوضح قوة مملكة الأبواب ونفوذها في ذلك الوقت.

وقد استفادت منطقة الأبواب من موقعها الاستراتيجي كباب مطل على الداخل في تعزيز صلاتها التجارية بمصر شمالاً وبالبحر الأحمر شرقاً. كما أدى موقعها القريب من مناطق التعدين في مناطق وادي العلاقي إلى ازدياد أهميتها التجارية والاستراتيجية، فقد تدخلت في الصراع الذي دار بين العمري ومملكة المقرة في المناطق الشمالية لأبي حمد الحالية، وسنعود إلي هذه الموضوعات عند الحديث عن علاقات مملكتي علوة ومقُرة بمصر.

الجزيرة الكبرى
أطلق ابن سليم على المنطقة الواقعة بين النيلين الأبيض والأزرق اسم الجزيرة الكبرى، قال عنها: "وبين هذين النهرين، جزيرة لا يعرف لها غاية، وكذلك لا يعرف لهذين النهرين نهاية، فأوّلهما يعرف عرضه، ثم يتسع فيصير مسافة شهر، ثم لا تدرك سعتهما لخوف من يسكنهما بعضهم من بعض، لأنّ فيهما أجناساً كثيرة وخلقاً عظيماً، قال: وبلغني أنّ بعض متملكي بلد علوة سار فيها يريد أقصاها، فلم يأتِ عليه بعد سنين"

ووصف ابن حوقل في كتابه صورة الأرض ص 75 الجزيرة قائلاً: "جزيرة لا يعرف لها غاية ، بها جميع الوحش ويسكنها النوبة والكرسي ومن لايقدر – لامتناع جانبه – أن يحاط به.

وقد تعرض ابن حوقل وابن سليم الدمشقي إلى سكان هذه الجزيرة وسكان المناطق الأخرى في مملكة علوة وهم: العنج والكرنيكا وتكنة ومرنكة وكرسي وطُبلي وامم النيل الأبيض والأحديين وأندا أزكرسا والتبان وكنكا. وفيما سنتناول ما ورد عن كل منهم.

بلد طبلي
أورد ابن حوقل أنه "ذكر قوم أنهم يجتازون في أعالي هذا النهر – أعني النيل – من أعالي بلد كرسي ببلد طُبلي وهو منتهي ملك علوة على النيل فلا يخالطونهم ولا يتاجرونهم عراة حاسرين لا ىعلم ما غذاؤهم ولا كيفية سيرتهم."
• من الفصل الرابع من الجزء الثاني من كتاب "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية"
القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 03:05 PM   رقم المشاركة :[29]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

سكان مملكة علوة 1 . حول أصول سكان السودان 27
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية

.
بقلم: د أحمد الياس حسين
.
سكان مملكة علوة 1

.
بلغت الجماعات السكانية التي وردت في المصادر العربية إثني عشر جماعة هم: العنج والديجون وأهل تفلين والكرنيكا ومرنكة وكرسي وأندا وتكنة ونوبة النيل الأبيض والأحديين والتبان وكنكا. وقد ورد القليل من الوصف العام للسكن، وتناولت المصادر في أغلب الأحيان الجماعات السكانية باختصار شديد بلغ في بعض الأحيان ذكر اسم الجماعة السكانية فقط.

وقد تطرق ابن سليم في تناوله العام للسكان إلى ما يوضح تطور الفكر الديني إلى جانب الدين المسيحي في مملكة علوة فذكر:

"وقد رأيت جماعة وأجناساً ممن تقدّم ذكر أكثرهم يعترفون بالباري سبحانه وتعالى، ويتقرّبون إليه بالشمس والقمر والكواكب، ومنهم من لا يعرف الباري ويعبد الشمس والنار، ومنهم من يعبد كل ما استحسنه من شجرة أو بهيمة، وذكر أنه رأى رجلاً في مجلس عظيم المقرة سأله عن بلده؟ فقال: مسافته إلى النيل ثلاثة أهِلة، وسأله عن دينه؟ فقال: ربي وربك الله، وربُّ الملك، وربُّ الناس كلهم واحد، وإنه قال له: فأين يكون. قال: في السماء وحده، وقال: إنه إذا أبطأ عنهم المطر أو أصابهم الوباء، أو وقع بدوابهم آفة صعدوا الجبل، ودعوا الله، فيجابون للوقت وتقضى حاجتهم قبل أن ينزلوه، وسأله هل أرسل فيكم رسول. قال: لا، فذكر له بعثة موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه، وما أبدوا به من المعجزات، فقال: إذا كانوا فعلوا هذا، فقد صدقوا، ثم قال: قد صدّقتهم إن كانوا فعلوا.

ويقودنا ذلك إلى الإشارة إلى ما تناولته كثيراً في محاضراتي للطلبة وفي وبعض المقالات إلى أن التوحيد هو الدين الذي بدأت به حياة البشر. فقد كان آدم عليه السلام موحداً وكذلك كل الأنبياء جاءوا بعقيدة التوحيد. وقد أخبرنا القرآن الكريم في عدد من الآيات أنه أرسل رسله لكل البشر على مدار التاريخ منذ عصر آدم وحتى عصر نبينا محمد  ولذلك ذكر مفسرو القرآن الكريم أمثال ابن كثير وغيره أن عدد الآنبياء يقدر بعشرات الأألف. ولذلك يبدو أثر التوحيد واضحاً في ما نقله ابن سليم عن أهل مملكة علوة مثل قولهم " ربي وربك الله، وربُّ الملك، وربُّ الناس كلهم واحد"

وفيما يلىي ما ورد في المصادر العربية عن السكان:
العـنج
وردت إشارات قليلة ومقتضبة في المصادر العربية عن العنج، فقد جاءت الاشارة ثلاث مرات عند ابن عبد الظاهر (ت 792 هـ/ 1292 م) في كتابه (تشريف الأيام والعصور في مسعد ص 197)عن العنج. المرة الأولي وردت ضمن عدد من أسماء المناطق التي أرسل إليها السلطان المملوكي قلاون 678 – 689 هـ / 1280 – 1290 م الأمير علم الدين سنجر المعظّمي سفيراً. ولم يوضح الكاتب مواقع تلك المناطق التي أُرسلت إليها السفارة، كما لم يتمكن الباحثون من تحديد أماكن تلك المناطق التي رجحوا وجودها في مناطق البجة ومملكة علوة. وقد ذكر الكاتب من بين الأماكن التي وصلتها السفارة منطقة "صاحب العنج"

ووردت الاشارة إلي العنج مرتين أثناء الحملة التي أرسلها السلطان المملوكي خليل بن قلاون التي خرجت نحو عام 689 / 1290م بقيادة الأمير عز الدين الأفرم (ت 692 هـ / 1292 م) لتأديب ملك المقرة سمامون لخروجه عن طاعة المماليك. وقد طاردت الحملة جنوبي مدينة دنقلة أحد الأمراء الخارجين على السلطان ويدعى "آني". وذكر الكاتب أن الحملة وجدت من أخبرها أن الأمير آني:

"له يومان مذ رحل إلي جهة الأنج [العنج]، فتبعه العسكر مسافة أخرى، وعادوا بعدأن قتلوا خلقاً كثيراً، وأسروا حريمهم، وأخذوا مالهم، ورجعوا بغنيمة عظيمة؟ ولم يسلم الملك آني إلا ومعه سبعة أنفار، وما أخر العسكر من لحاقه إلا شدة العطش، ولأن البلاد التي وصلوا إليها بلاد خراب، مأوى الفيلة والقردة والخنازير والزرافات والنعام."

ويواصل الكاتب حديثه أنه بعد رجوع الحملة من مملكة مقرة وصل كتاب من ملك الأبواب - في أول بلاد علوة – إلي السلطان المملوكي يذكر فيه أنه تأخر من الحضور إلي الأبواب السلطانية لأنه كان يطارد الملك آني، و"أن بلاد الأنج تغلب عليها ملك غير ملكها، وأنه متحيل في أخذها منه، وإذا أخذها صار جميع بلاد السودان في قبضة مولانا السلطان وطاعته"

يلاحظ أن اسم العنج لم يظهر في المصادر العربية إلا في نهاية القرن السابع الهجري ( 13م) عندما بدأ المماليك تدخلهم في شؤون مملكة مقُرة المسيحية. وكانت المصادر السابقة لهذا التاريخ تتحدث عن المملكتين الكبيرتين مقُرة وعلوة وما يتبعهما من مناطق وسكان. وبالطبع فإن اسم العنج لم يظهر في القرن السابع الهجري وقت ظهوره في المصادر العربية، ولا بد أن الاسم كان معروفاً ومستخدماً في الداخل للدلالة على منطقةٍ "بلاد العنج"، كما يشير أيضاً إلى السكان كما سيتضح ذلك من نَص الدمشقى الآتي. ويدل ذلك أن الاسم كان معروفاً وسائد الاستعمال في الداخل، ولم يكن معروفاً للمسلمين في مصر.

وليس من السهل التعرف على موقع بلاد العنج من خلال ما ورد عن حملة عز الدين الأفرم. وقد ذكر المؤلف أن عز الدين الأفرم تعدى مدينة دنقلة ثلاثة وثلاثين يوماً في مطاردة الأمير (أو الملك كما يطلق عليه أيضاً) آني. ولو اعتبرنا أن الحملة "تعدت" دنقلة – كما عبر ابن عبد الظاهر – ثلاثة وثلاثين يوماً في الذهاب والاياب، تكون قد توغلت فيما بعد مجينة دنقلة نحو خمسة عشر يوماً،. قد تكون هذه المسافة جنوباً ووصلت إلى منطقة زانكور في شمال كردفان كما يرى عدد من الباحثين مثل ماكمايكل وآركل. وتكون شمال كردفان هي منطقة العنج على هذا الرأي، وأرى أن هذا لرأي يبدو مقبولاً.

ويرى الدكتور أحمد المعتصم الشيخ في بحثه زمن العنج (معهد الدراسات الافريقية والآسيوية جامعة الخرطوم ص 9) أن الحملة توجهت شرقاً من دنقلة إلى أبو حمد، ثم دخلت الصحراء شرقاً. وتكون بلاد العنج كما يرى الباحث هي المنطقة الممتدة من أبوحمد شرقاً. ورغم أني لا أخالفه الرأي في أن بلاد العنج من الممكن أن تكون ممتدة إلى الشرق من أبو حمد، إلا أنني لا أرى أن مطاردة الأمير آني كانت في تلك الجهات. فالحملة قد سارت من دنقلة نحو خمسة عشر يوماً وهو الوقت الذي يوصلها أبو حمد، إذ المسافة بين دنقلة وأبو حمد كما قدرها الباحث خمسة عشر يوماً، وهي كل الأيام التي سارتها الحملة. فكيف تكون قد توغلت في الصحراء إلى أن بلغت مناطق الحيوانات التي ذكرت في النّص؟ وبناءً عليه يمكن ترجيح أن بلاد العنج الي أشار إليها ابن عبد الظاهر تمتد في منطقة شمال كردفان.

والمصدر الآخر الذي أشار إلى بلاد العنج هو كتاب الدمشقي (ت 739 هـ / 1328 م) فقد نقل الدمشقي في كتابه نحبة الدهر في عجائب البر والبحر(في مسعد ص 236) عن تجار أسوان أن أصناف النوبة هم: أنج وأزكرسا ووالتبان وأندا وكنكا. والجديد الذي أضافه الدمشقي عن العنج ما ذكره من أن العنج يسكنون جزيرة كبيرة من جزائر النيل تسمى أندا. وهو بهذا يوضح مكاناً آخر للعنج وهو الجزيرة الكبيرة والتي يقصد بها في المؤلفات العربية المنطقة الواقعة بين النيل الأبيض والنيل الأزرق كما سنتعرض له لاحقاً. وهذا مكان ثانياً للعنج بالاضافة إلى المكان الأول الذي ذكره ابن عبد الظاهر وهو المنطقة الصحراوية.

ويلاحظ في الرسالة – المذكورة أعلاه - والتي أرسلها ملك الأبواب إلي السلطان المملوكي يذكر فيها "أن بلاد الأنج تغلب عليها ملك غير ملكها، وأنه متحيل في أخذها منه، وإذا أخذها صار جميع بلاد السودان في قبضة مولانا السلطان وطاعته" توضح أن مملكة العنج مملكة كبيرة تسيطر على مناطق واسعة بحيث ذكر ملك الأبواب أن خضوعها يعني خضوع كل السودان.

ويمكن أن نستلخص مما ورد في المصادر العربية عن العنج أنه كانت لهم مملكة كبيرة وواسعة تمتد في صحراء بيوضة إلى شمال كردفان ،كما تمتد في الجزيرة الواسعة الواقعة بين النيلين الأبيض والأزرق. ويبدو أن سلطة المملكة المركزية لم تكن قوية على أقليم الدولة، وقد تمتعت بعض هذه الأقاليم من تحقيق كياناتها المستقلة مثل مملكة الأبواب التي خاطبها المماليك مباشرة إلى جانب بعض المناطق الأخرى التي وصلتها سفارة المماليك والتي – يبدو معقولاً – أن بعضها كان في حدود مملكة علوة.

وإلى جانب ما جاء في المصادر العربية عن العنج وردت عنهم أيضاً بعض المعلومات في المؤلفات المحلية المطبوعة والمخطوطة. وسنتناول هنا ما ورد عن العنج في كتاب "كاتب الشونة ص 4" الذي ألف في القرن التاسع عشر، وما ورد في مخطوطة شيخ التجانية في كردفان التي ترجع أصولها إلى القرن الثامن عشر الميلادي. جاء في مؤلف كاتب الشونة ما يلي:

"إن الفونج ملكت بلاد النوبة وتغلبت فيها في أول القرن العاشر بعد التسعمائة، وخطت مدينة سنار خطها الملك عمارة دونقس، وهو أولهم. وخطت مدينة أربجي قبلها بثلاثين سنة خطها حجازي بن معين، وعلى هذا يتضح أن عمارة أربجي في مدة العنج"

وورد في مكان آخر في كاتب الشونة: أما الجهة الشرقية فقد كان بها أولاد عون الله وهم سبعة رجال في مدة العنج أي النوبة، وكان أحدهم المسمى بالضرير قاضياً في مدة العنج قبل مدة الفونج."

وذكر أيضاً: "واتفق عمارة المذكور مع عبد الله جماع القريناتي من عربان القواسمة ، وعبد الله المذكور هو ولد الشيخ عجيب الكافوتة جد أولاد الشيخ عجيب، وتمت كلمتهم على محاربة النوبة وهم العنج ملوك سوبة وملوك القري. وتوجه عمارة وعبد الله المذكوران بما معهما من الجيش وحاربوا ملوك العنج وقتلوهم وأجلوهم من سوبة ... اتفق رأي عمارة بأن يكون هو الملك عوضاً عن ملك علوة التي هي سوبة "

ويواصل كاتب الشونة ما حدث بعد انتصار عمارة وعبد الله جماع قائلاً: "أما النوبة فمن بعد ما حصل بينهم من المحاربة والمقاتلة وصار الظفر للفونج تفرقوا شذر مذر، منهم من فر إلى جبال الصعيد فازوغلي وغيرها، ومنهم من فر بالغرب إلى جبال كردفان، ولم يبق منهم إلا أنفار قليلة دخلوا في الاسلام وتفرقوا في البلاد وسكنوا مع الناس وتناسلوا فيهم، وهم إلى الآن أنفار قليلون جدّاً ... وقليل من الناس يعرف أن أصلهم من النوبة لأن لسانهم الآن عربي حكم لسان العرب.

توضح هذه النصوص حقائق هامة عن العنج هي:
أولاً: أن زمن حكم العنج وفقاً للمفهوم العام في أذهان السودانيين في ذلك القت – كما نقلة كاتب الشونة – كان قبل قيام سلطنة الفونج.

ثانياً: أن العنج هم النوبا ملوك مملكة سوبة التي هي مملكة علوة. ويبدو واضحاً أن كاتب الشونة يستخدم اسم النوبا مرادفاً للعنج ملوك سوبة.

ثالثاً: يلاحظ أن استخدام كلمة النوبا - المرادفة لكمة عنج - هنا لا يرجع إلى مدلول كلمة النوبة في المصادر العربية التي رغم اتساع مدلولها إلا أننا توصلنا فيما سبق إلى أن مدلولها الخاص يصدق على المنطقة الواقعة شمال الشلال الثالث أي منطقة مريس. ومدلول كلمة نوبة العام في المصادر العربية يطلق أيضاً على مملكة علوة وسكانها، ولكنه لا يصدق على كل امتداداتها جنوباً وشرقاً وغرباً. فكلمة النوبة في المصادر العربية لا تصدق على "عربان العنج في منطقة البحر الأحمر"

رابعاً: أن لفظ العنج يستخدم للملوك ولسكان مملكة علوة الذين تفرقوا في البلاد بعد سقوط دولتهم، وأنهم اختلطوا بالسطان ودانوا بالاسلام، وحلت اللغة العربية محل لغتهم الأصلية ولم يصبح لهم كيان مستقل يميزهم عن باقي السكان.

أما عن المخطوطات المحلية فهي عبارة عن تدوين للروايات الشفاهية التي كانت سائدة إبان كتابتها، فهي من حيث محتواها لا تختلف عن الروايات الشفاهية كثيراً اللهم إلا في بعض الأحداث التي عاصرها الكاتب ودونها فتكون أوفر حظّاً في مصداقيتها. ورغم اشتهار طبقات ود ضيف الله بأنها أحتوت الكثير من التراث لمنطقة وسط السودان إلا أن ذكر العنج لم يرد فيما تناولته من أحداث وسير.

وقد ورد ذكر القبائل التي تنتمي للعنج في مناطق متفرقة من السودان في مخطوطة شيخ التجانية التي كتبت بعد قرنين من سقوط مملكة علوة كما وردت عند ماكمايكل (A History of the Arabs in the Sudan vol. 1 p 194 – 197.). "ومن بين تلك القبائل ذات الأصول العنجية قبائل التيايسة والكرتان في كردفان، والجانجي وبعض القبائل على النيل الأبيض وشمالاً حتي منطقة دنقلة، والفنكور والباجرم والداجو والفرتيت في دارفور. فالعنج كما يراهم كاتب المخطوط ينتشرون في وسط وشمال وغرب السودان."

ثم نأتي للروايات الشفاهية الغنية بتراث العنج. وقد تتبع الدكتور أحمد المعتصم الشيخ في بحثه الذي أشرنا إليه سابقاً تلك الروايات ذات الانتشار الواسع بين كل السكان في المناطق الواقعة بين الشلال الرابع شمالاً والنيل الأبيض جنوباً وبين منطقة الجزيرة منطقة البطانة شرقاً وشمال كردفان غرباً. واستخلص أن هذه المناطق التي ارتبطت بتراث العنج هي مناطق انتشار العنج قديماً. كما يرى الدكتور أحمد المعتصم أن الحلنقة هم العنج مستدلاً على ذلك باسمهم الذي يعني في اللغة الأمهرية السوط، وهذا السوط هو ما نعرفه في كل أنحاء السودان بسوط العنج. وأتفق مع الدكتور في كل المقدمات التي ساقها في الربط بين الحلنقة والعنج، ولكني أرى ضرورة التوضيح أن الحلنقة جزء من الشعب الكبير المعروف بالعنج.

وقد تعدت الروايات الشفاهية عن العنج مناطق النيل ووصلت إلى سواحل البحر الأحمر، فقد نقل أحمد المعتصم عن مخوطة "واضح البيان في ملوك العرب بالسودان" لعبد الله بن الأرباب الحسن بن شاور أن عبد الله جماع "خضعت له جميع البلاد إلا منطقة العنج في جهات البحر الأحمر فتحها ابنه الشيخ عجيب بعد أن علم أن شيخ عربان العنج مخالف للشرع المحمدي"

ويدل امتداد ارتباط تراث العنج حتى البحر الأحمر بالانتشار الواسع للعنج في عصرمملكة علوة، وبما أن كل المادة الواردة عن العنج تربطهم بفترة مملكة علوة السابقة لانتشار الاسلام ودخول القبائل العربية فإن ذلك ربما كان مؤشراً لامتداد حدود مملكة علوة. فهل امتدت حدود مملكة علوة على كل المناطق التي انتشر فيها تراثهم؟ ليس هنالك ما يمنع ذلك، بل هو الأكثر ترجيحاً. كما يلاحظ أن المخطوط وصف العنج بأنهم عرب، كما وصف زعيمهم بشيخ العرب، فعروبة العنج في هذا النص مثل عروبه العبدلاب.
• من الفصل الرابع من الجزء الثاني من كتاب "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية"


القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-06-2019, 03:19 PM   رقم المشاركة :[30]
معلومات العضو
كاتب و محقق أنساب
 
الصورة الرمزية القلقشندي
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

سكان مملكة علوة 2 . حول أصول سكان السودان -28-
من هم سكان السودان قبل ظهور المسميات القبلية الحالية

.
بقلم: د احمد الياس حسين
.
سكان مملكة علوة 2

الديجيون
عرف ابن سليم في كتابه أخبار النوبة (في مسعد ص 100) الديجون بأنهم جنس مولد بين العلويين والبجة على نهر عطبرة. ويبدو أن وضع ابن حوقل الديجيين على نهر عطبر يحتاج إلى بعض المراجعة، فابن سُليم زار مناطق النيل لكنه لم يعرج إلى المناطق الشرقية وكتب مادته عنها عن طريق الروايات التي وصلته عن الديجيين - كما ذكر- أثناء وجوده في مملكة مقُرة. فأغلب الظن أن الديجيين الذين ذكرهم منسوبون إلى دُجن وهي منطقة دلتا القاش، فهم "الدجيون" واختلط الأمر على مُخْبر ابن سُليم وجعلهم على نهر عطبرة بدلاً من القاش.

أهل تفلين
وردت الإشارة إلي أهل تفلين عند ابن حوقل (صورة الأرض ص 74) ولم يذكر أسمهم بل نسبهم إلى منطقة تفلين التي ذكر أنها تقع بين أعالى خور القاش شرقاً وحتى حدود مملكة علوة غرباً. قال ابن حوقل يصف وادي القاش ودلتاه:

"والنهر المعروف بالدجن يأتي من بلد الحبشة فينقطع في أعمال دجن ومزارعها، ودجن هذه قرى متصلة ذوات مياه ومشاجر وزرع وضرع. وإلى وسط هذا الوادي تفلين قرى أيضاً للبادية منهم، ينتجعونها للمراعي حين المطر، ولهم ملك مسلم يتكلم العربية من قبل صاحب علوة. ويختص أهل تفلين بالإبل والبقر ولا زرع لهم، فيهم مسلمون كثيرون من غير ناحية على دينهم يتجرون ويسافرون إلى مكة وغيرها."

اتفق الباحثون كم ذطكر كراوفورد (The Fung Kingdom of Sennar p 96.) أن الدجن أو الدكن كما يرد بعض الأحيان هو وادي ودلتا القاش، وقد عرفت دلتا القاش ببلاد التاكا. ويبدو وادي القاش- من وصف ابن حوقل - مأهولاً بالسكان، وفي وسطه تفلين. وقد يفهم من حديث ابن حوقل أن بعض أهل تفلين مستقرين على الوادي وبعضهم بدواً ينتجعون قرى تفلين للرعي، ولكنه أضاف أيضاً أن أهل تفلين يختصون بالابل والبقر ولا زرع لهم، وربما أراد بهؤلاء البدو منهم.

ويوضح نص ابن حوقل أن حدود مملكة علوة تمتد شرقاً حتى وادي القاش أي منطقة كسلا الحالية حيث امتدت مملكة تفلين التي كانت تابعة للملكة علوة. كما يوضح النص انتشار الاسلام المبكر في المنطقة الشرقية لمملكة علوة، وقيام مملكة اسلامية وانتشار اللغة العربية منذ القرن الثالث الهجري (9 م) وهو الوقت الذي كتب فيه ابن حوقل. وربما كان انتشار الاسلام وقيام المملكة قد سبق هذا التاريخ. كما اتضح نشاط مملكة تفلين وعلاقاتها التجارية بالعالم الاسلامي، وقد أشرنا من قبل إلى أن مملكة علوة كانت منفتحة في علاقاتها بالعالم الاسلامي بعكس مملكة مقُرة.

الكرنينا
ذكر ابن سليم أن الكرنيكا يسكنون "الجزيرة الكبرى الواقعة بين البحرين" ويقصد بالبحرين هنا النيلين الأبيض والأزرق، فهو يعبر بـ "البحرين" بدلاً من النيلين كما يعبرعامة السودانيين اليوم. ولم يذكر عنهم سوى القصة التي رواها عن زراعتهم والتي لخصها أيضاً أبو صالح الأرمني. وفيما يلى ما أورده ابن سليم:

"ومما في بلده من العجائب: أنّ في الجزيرة الكبرى التي بين البحرين جنساً يعرف بالكرنينا لهم أرض واسعة مزروعة من النيل والمطر، فإذا كان وقت الزرع خرج كل واحد منهم بما عنده من البذر، واختط على مقدار ما معه وزرع في أربعة أركان الخطة يسيراً، وجعل البذر في وسطه الخطة وشيئاً من المزر، وانصرف عنه فإذا أصبح وجد ما اختط، قد زرع وشرب المزر، فإذا كان وقت الحصاد، حصد يسيراً منه ووضعه في موضع أراده ومعه مزر، وينصرف، فيجد الزرع قد حصد بأسره، وجرّن فإذا أراد دراسه وتفريته فعل به كذلك، وربما أراد أحدهم أن ينقي زرعه من الحشيش، فيلفظ بقلع شيء من الزرع فيصبح، وقد قلع جميع الزرع، وهذه الناحية التي فيها ما ذكرته بلدان واسعة مسيرة شهرين في شهرين يزرع جميعها في وقت واحد، وميرة بلد، علوة ومتملكهم من هذه الناحية، فيوجهون المراكب، فتوسق، وربما وقع بينهم حرب."

"قال: وهذه الحكاية صحيحة معروفة مشهورة عند جميع النوبة والعلوة، وكل من يطرق ذلك البلد من تجار المسلمين لا يشكون فيه ولا يرتابون به، ولولا أنّ اشتهاره وانتشاره مما لا يجوز التواطؤ على مثله، لما ذكرت شيئاً منه لشناعته، فأما أهل الناحية، فيزعمون إن الجنّ تفعل ذلك، وأنها تظهر لبعضهم، وتخدمهم بحجارة ينطاعون لهم بها، وتعمل لهم عجائب، وأنّ السحاب يطيعهم."

مرنكة
ذكر ابن حوقل فيكتابه صورة الأرض ص75 أن مرنكة تقطن على نهر أور في أعالي بلاد علوة والذي يجري من الشرق إلى الغرب ويصب في النيل، ويقصد بنهر أورالنيل الأزرق. ولم يورد عنها سوى أنه قبيلة من النوبة.

كرسى
وصف ابن حوقل كرسى بأنهم أمة كثيرة من النوبة، وتقع ديارها على نهر أتمتي المتفرع من أعلى نهر أور، ونهر أتمتي هو الدندر. وتمتد ديارهم على النهرحتى بلاد الحبشة ... وأهل كرسى أصحاب زفال وهو الجلد الذي يتزرون به عرضاً ويستخرج طوله من عند الأفخاذ فيغرز عند السرة فيما انعقد من الزفال. وقد ذكر الدمشقي "أزكرسا" ووصفهم بأنهم صنف من النوبة، ربما كانوا هم الكرسى رغم أنه وضعهم بعيدين عن النيل.

أندا
جعل الدمشقي في كتابه نخبة الدهر (في مسعد ص 236) أندا من أصناف النوبة ويسكنون "جزيرة عظيمة من جزائر النيل تسمى أندا، وهم بها، لا يستترون بشئ البتة ." وربما أندا هو اسم الجزيرة الكبرى التى كتب عنها وعن سكانها ابن حوقل وابن سليم.

تكنة
اتفقت آراء المؤرخين الذين كتبوا عن تكنة – ابن الفقيه والمسعودي وياقوت الحموي – على أن موقع تكنة أقصى جنوب بلاد علوة، ولم توصف بانتمائها للنوبة مثل الكنينا وأندا وكرسى بل وصفوا بأنهم أمة من السودان عراة، أرضهم تنبت الذهب، وأطنب ياقوت الحموي في وصفهم وتضمن وصفه من السمات الخيالية الغريبة التي دأبت المصادر العربية على إيرادها عن الشعوب النائية والبعيدة عنهم، ونثبته هنا كمثال لما يرد في بعض تلك المصادر.

قال ياقوت في كتابه معجم البلدان (في مسعد ص 166):
"عراة لا يلبسون ثوباً ألبتة إنما يمشون عراة، وربما سبي بعضهم وحمل إلى بلاد المسلمين، فلو قطع الرجل أو المرأة على أن يستتر أو يلبس ثوباً لا يقدر على ذلك ولا يفعله، إنما يدهنون أبشارهم بالأدهان. ووعاء الدهن الذي يدهن به قلفته فإنه يملأها دهناً ويركي رأسها بخيط فتعظم حتى تصير كالقارورة، فإذا لدغت أحدهم ذبابة أخرج من قلفته شيئاً من الدهن فدهن به ثم يربطها ويتركها معلقة. وفي بلادهم ينبت الذهب."

نوبة النيل الأبيض
أشارابن حوقل إلى سكان النيل الأبيض من النوبة، ولم يورد معلومات عنهم، ولم أعثر لهم على ذكر في المصادر الأخرى. ذكر ابن حوقل: "ومن غربي النيل نهر يجري من ناحية الغرب كبير غزير الماء يعرف بالنيل الأبيضوعليه قوم من النوبة."
الأحديين
تناول ابن حوقل منطقة متوغلة في الصحراء غربي النيل الأبيض أطلق عليها اسم امقل ذكرأنها تقع بين علوة وبين الأمة المعروفة بالجبليين. وتقع بلد امقل على بعد خمسة مراحل من علوة ثلاثة منها في الصحراء. وقال إنها:

"ناحية كبيرة ذات قرى لا تحصى وأمم مختلفة ولغات كثيرة متباينة لا يحاط بها ولا يبلغ غايتهم يعرفون بالأحديين، وفيهم معادن الذهب الجيد والتبر الخالص والحديد متصلين بالمغرب إلى ما لا يعرف منتهاه، زيهم زي المغاربة، أرباب جمال وخيل ورازين غير تامة الخلق لقصرها وقرب لبودها، وسلاحهم فيه درق كدرق المغاربة بيض وحراب، وسيوفهم أيضا غير تامة، وفيهم جند يلبسون السراويلات المفتحة الطوال ونعالهم كنعال المغاربة وهم على النصرانية، وهم في طاعة ملك علوة.

التبان
أشار إليهم الدمشقي في كتابه نخبة الدهر (في مسعد ص 236) ولم يحدد موقعهم، "وذكر أنه يوحد بأرضهم معادن الحديد، ولا يعيش بأرضهم حيوان لشدة حرها"

كنكا
ذكرهم أيضاً الدمشقي ولم يحدد موقعهم ولم يورد معلومات عنهم.

• من الفصل الرابع من الجزء الثاني من كتاب "السودان: الوعي بالذات وتأصيل الهوية"


القلقشندي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2019, 04:33 PM   رقم المشاركة :[31]
معلومات العضو
عضو منتسب
 
أحصائيات العضو

علم الدولة : علم الدولة Egypt

افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته انا مصطفى من اسوان وبسال عن قبيلة (الخبراب ) في السودان عندكم كنت اريد ان اعرف نسبها .
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
مصطفي محمود زكي بدوي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دور قبائل التماس في تحقيق التعايش السلمي بعد إنفصال جنوب السودان الارشيف مجلس قبائل السودان العام 0 18-05-2019 01:27 PM
يا مرمى تحت الشمس يا سحنه نوبية كوش نبتة كرمة مروى المحس النوبة توتى شمبات العيلفون مملكة علوة معاوية على ابو القاسم مجلس قبائل السودان العام 10 20-06-2018 01:32 AM
السودان و عروبية، أو تحالف الهاربين,,, حسن جبريل العباسي مجلس قبائل السودان العام 2 20-04-2018 10:28 AM
قبيلة المحس بشمال السودان السكراب الملك جامع وسيسة قال الناظر على الامام هؤلائى هم ابائى جزيرة توتى معاوية على ابو القاسم سجل نسب عائلتك في جمهرة انساب العرب الحديثة 9 14-11-2017 02:46 AM
يا سحنه نوبية كوش نبتة كرمة مروى المحس النوبة توتى شمبات العيلفون مملكة علوة معاوية على ابو القاسم مجلس قبائل النوبة 8 02-06-2012 09:48 AM

  :: مواقع صديقة ::

:: :: :: :: ::

:: :: :: :: ::


الساعة الآن 03:14 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO TranZ By Almuhajir
..ٌ:: جميع الحقوق محفوظة لموقع "النسابون العرب" كعلامة تجارية لمالكه المهندس أيمن زغروت الحسيني ::ٌ..
منتج الاعلانات العشوائي بدعم من الحياه الزوجيه